Полный текст (685 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أطرى فأنا أطرب، أو كنت أغلى فأنا أغلب، أو كنت أعتى فأنا أعتب، أو كنت أقضة فأنا أقضب (قال السيف) : كيف لا أفضلك والمقر الفلاني شاد أزري، (قال القلم) كيف لا أفضلك وهو تعز نصره ولي أمري.
(قال الحكم بين السيف والقلم) : فلما رأيت الحجتين ناهضتين، والبينتين متعارضتين، وعلمت أن لكل واحد منهما نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم، ورواية مسندة عن حديثه القديم لطفت الوسيلة ودقت الحيلة حتى رددت القلم إلى كنه، وأغمدت السيف فنام ملء جفنه.
وأخرت بينهما الترجيح، وسكت عما هو عندي الصحيح، إلى أن بحكم المقر لبينهما بعلمه ويسكن سورة غضبهما الوافر ولجاجهما المديد ببسط حلمه.
" مناظرة بين صاحب أبي تمام وصاحب البحتري للآمدي "
(صاحب أبي تمام) : كيف يجوز لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ وعلى حذوه احتذى ومن معانيه استقى حتى قيل الطائي الأكبر والطائي الأصغر.
(صاحب البحتري) : أما الصحبة له فما صحبه ولا تتلمذ له وا روى ذلك أحد عنه ولا نقله ولا رأي قط أنه محتاج إليه ودليل ذلك الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري وقد دخل عليه البحتري بقصيدته التي أولها:
أأفاقَ صبَ من هوى فأُفيقا
وأبو تمام حاضر فلما أنشدها علق أبو تمام منها أبياتاً كثيرة فلما فرغ من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف فال أيها الأمير ما ظننت أن أحداً يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم ثم اندفع ينشج ما حفظه حتى أتي على أبيات كثيرة من القصيدة فبهت البحتري ورأ ى أبو تمام الإنكار في وجه أبي سعيد فحينئذٍ قال له أبو تمام أيها الأمير والله ما الشعر إلا له وإنه
стр. 212
أحسن فيه الإحسان كله وأقبل يقرظه ويصف معانيه ويذكر محاسنه ولم يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف له الجائزة فمن كان يقول مثل هذه القصيدة التي هي من عين شعره وفاخر كلامه قبل أن يعرف أبا تمام جدير به أن يستغني عن أن يصحبه أو يتتلمذ له أو لغيره من الشعراء على أنني لا أنكر استعار بعض معاني أبي تمام لقرب البلدين وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعره وليس ذلك بمقتض أن يكون أبو تمام أستاذ البحتري ولا بمانعه أن يكون البحتري أشعر من أبي تمام فهذا كثير قد أخذ من جميل واستقى من معانيه فما رأينا أحداً قال إن جميلاً أشعر منه بل هو عند أهل الشعر والرواية أشعر من جميل (صاحب أبي تمام) : أن البحتري نفسه يعترف أن أبا تمام منه فقد سئل عنه وعن أبي تمام فقال أن جيده خير من جيدي وجيد أبي تمام كثير.
(صاحب البحتري) : إن كان هذا الخر صحيحاً فهو للبحتري لا عليه لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام كثير الاختلاف وشعره شديد الاستواء ولمستوى الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر وقد اجتمعنا نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علواً حسناً وينحط انحطاطاً قبيحاً وأن البحتري يعلو بتوسط ولا يسقط ومن لا يسقط ولا يسف أفضل ممن يسقط ويسف.
(صاحب أبي تمام) : أن أبا تمام انفرد بمذهب اخترعه وصار فيه أولاً إماماً متبوعاً وشهر به حتى قيل هذا مذهب أبي تمام وسلك الناس نهجه واقتفوا أثره وهي فضيلة عري عن مثلها البحتري.
(صاحب البحتري) ليس الأمر على ما وصفت وليس أبو تمام صاحب هذا المذهب ولا يأول فيه ولا سابق إليه بل سلك فيه سبيل مسلم بن الوليد
стр. 213
واحتذى حذوه وأفرط في ذلك وأسرف حتى زال عن النّهج المعروف وسنن المألوف بل إنّ مسلماً غير مبتدع له ولكنه رأى هذه الأنواع التي وقع عليها اسم البديع متفرّقة في أشعار المتقدمين فقصدها وأكثر في شعره منها ولكنه حرص على أن يضعها في مواضعها ولم يسلم مع ذلك من الطعن عليه حتى قيل إنه أول من أفسد الشعر فجاء أبو تمام على أثره واستحسن مذهبه وأحبّ أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من هذه الأصناف فسلك طريقاً وعراً واستكره الألفاظ والمعاني استكراهاً ففسد شعره وذهب طلاوته ونشف ماؤه فقط سقط الآن احتجاجكم باختراع أبي تمام لهذا المذهب وسبقه إليه: وكلّ ما في المسألة أنه استكثر منه وأفرط فكان إفراطه فيه من أعظم ذنوبه وأكبر عيوبه. أما البحتري فإنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعروفة على كثرة ما جاء في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة فكان انفراده بحسن العبارة وحلاوة اللفظ وصحّة المعنى والبعد عن التكلف والتعمل سبباً في إجماع الناس على استحسان شعره واستجادته وتداوله ونفاق شعر الشاعر دليل على علو مكانته واضطلاعه بما يلائم الأذواق ويلامس القلوب من أساليب الكلام ومناهجه.
(صاحب أبي تمام) إنما أعرض عن شعر أبي تمام من لم يفهمه لدقّة معانيه وقصور فهمه عنه أما النقاد والعلماء فقد فهموه وعرفوا قدره وإذا عرفت هذه الطبقة فضيلته لم يضره طعن من طعن بعدها عليه.
(صاحب البحتري) لا يستطيع أحد أن ينكر منزلة ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى الشيباني ودعبل بن الخزاعي من الشعر ومنزلتهم من العلم بكلام العرب وقد علمتم مذهبهم في أبي تمام وازدراءهم بشعره حتى قال دعبل إن ثلث شعره محال
стр. 214
وثلثه مسوق وثلثه صالح وقال ما جعل الله أبا تمام من الشعراء: بل شعره بالخطب والكلام المنثور أشبه منه بالشعر: وقال ابن الأعرابي في شعر أبي تمام إن كان شعراً فكلام العرب باطل وهذا محمد بن يزيد المبرد ما علمناه دون له كبير شيء.
(صاحب أبي تمام) إن دعبلاً كان يشنأ أبا تمام ويحسده على ما هو معروف ومشهور فلا يقبل قول شاعر في شاعر وإما ابن الأعرابي فكان شديد التعصب عليه لغرابة مذهبه ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه ولا يعلمه فكان إذا سئل عن شيء منها بأنف أن يقول لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه ولا مانع أن يكون جميع من تذكرونه على هذا القياس.
(صاحب البحتري) لا عيب على ابن الأعرابي في طعنه على شاعر عدل في شعره عن مذاهب العرب إلى الاستعارات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ والإحالة والعيب في ذلك يلحق أبا تمام إذ عدل عن المحجة إلى طريقة يجهلها ابن الأعرابي وأمثاله من المضطلعين بالسليقة العربية.
(صاحب أبي تمام) إن العلم في شعر أبي تمام أظهر منه في شعر البحتري والشاعر العالم أفضل من الشاعر غير العالم.
(صاحب البحتري) كان الخليل بن أحمد عالماً شاعراً وكان الأصمعي شاعراً عالماً وكان الكسائي كذلك وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر العلماء وما بلغ بهم العلم طبقة من كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء والتجويد في الشعر ليست علته العلم: والشائع المشهور أن شعر العلماء دون شعر الشعراء وقد كان أبو تمام يعمل على أن يدل في شعره على علمه باللغة وكلام العرب.
أم البحتري فلم يقصد هذا ولا اعتمده ولا كان يعده فضيلة ولا يراه علماً بل كان يرى أنه شاعر لا بد له أن يقرب شعره من فهم سامعه فلا يأتي بالغريب إلا أن يتفق له في اللفظة بعد اللفظة في موضعه من غير طلب له ولا حرص عليه. على أن هذا العلم
стр. 215
الذي تؤثرون به أبا تمام لم ينفعه فقد كان يلحن في شعره لحناً يضيق العذر فيه ولا يجد المتأول له مخرجاً منه إلا بالحيلة والتحمل الشديد.
(صاحب أبي تمام) لسنا ننكر أن يكون صاحبنا قد وهم في بعض شعره وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه: وغير غريب على فكر نتج من المحاسن ما نتج وولد من البدائع ما ولد أن يلحقه الكلال في الأوقات والزلل في الأحيان بل من الواجب لمن أحسن إحسانه أن يسامح في سهوه ويتجاوز له عن خطائه وما رأينا أحداً من شعراء الجاهلية سلم من الطعن ولا من أخذ الرواة عليه الغلط والعيب وكذلك ما أخذته الرواة على المحدثين المتأخرين من الغلط والخطأ واللحن أشهر من أن يحتاج إلى أن نبرهنه أو ندل عليه وما كان أحد من أولئك ولا هؤلاء مجهول الحق ولا مجحود الفضل بل عفا إحسانهم على إسائتهم وتجويدهم على تقصيرهم.
(صاحب البحتري) أما أخذ السهو والغلط على من أخذ عليهم من المتقدمين والمتأخرين ففي البيت الواحد والبيتين والثلاثة أما أبو تمام فلا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من عدة أبيات يكون فيها مفسداً أو محيلاً أو عادلاً عن السنن أو مستعيراً استعارة قبيحة أو مخطئاً للمعنى بطلب الطباق والتجنيس أو مبهماً يسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم ولا يوجد له مخرج.
(صاحب أبي تمام) إنكم تنكرون على أبي تمام من الفضل ما يعترف به البحتري نفسه فقد رثاه بعد موته رثاء اعترف فيه له بالسبق وفضله على شعراء عصره.
(صاحب البحتري) لم لا يفعل البحتري ذلك وقد كان هو وأبو تمام صديقين متحابين وأخوين متاصفيين يجمعهما الطلب والنسب والمكتسب فليس بمنكر ولا غريب أن يشهد أحدهما لصاحبه بالفضل ويصفه بأحسن ما فيه وينحله ما ليس فيه على أن الميت خاصة يعطى في تأيينه من التقريظ والوصف وجميل الذكر أضعاف ما كان يستحقه.
стр. 216
(صاحب أبي تمام) كيفما كان الأمر لا تستطيعون أن تدفعوا ما أجمع عليه الرواة والعلماء أن جيد أبي تمام لا يتعلق به جيد أمثاله وإذا كان جيده بهذه المكانة وكان من الممكن إغفال رديئته واطراحه كأنه لم يقل فلا يبقى ريب في أنه أشعر شعراء عصره والبحتري واحد منهم.
(صاحب البحتري) إنما صار جيد أبي تمام موصوفاً ومذكوراً لندرته ووقوعه في تضاعيف الرديء فيكون له رونق وماء عند المقابلة بينه وبين ما يليه: وجيد البحتري كجيد أبي تمام إلا أنه يقع في جيد مثله أو متوسط فلا يفاجئ النفس منه ما يفاجئها من جيد صاحبه.
" مناظرة السفينة والوابور للمرحوم السيد عبد الله النديم المتوفى سنة ١٣١٤ه ـ"
شمرت "السفينة" عن الذراع وسحبت طرفها ونشرت الشراع واعتدلت ومالت وابتدأت وقالت:
حمداً لمن أسبغ على عباده جزيل الإنعام وسخر لهم من فضله السفن والأنعام وجعلهما مطيتين لحمل الأرزاق والأثقال وحافظين للذخائر عند السفر والانتقال وامتن بهما على عباده وهو عليم بما يصنعون فقال تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) [المؤمنون: ٢٢] وصلاةً وسلاماً على من أسفرت أسفاره عن عظيم أخلاقه فانفتح بتوجهاته الشريفة باب السياحة بعد إغلاقه وآله وأصحابه الذين تحملوا في الغزوات مشاق البرد والحر واقتحموا في نضر دينه عقبات البحر والبر "وبعد" فإن المخترعات في الدنيا كثيرة وقد صارت سهلة بعد أن كانت خطيرة ولكن من المعلوم لكل عاقل عارف بأحوال الأوائل ناقل أن شكلي أول غريب ابتدع وأحسن عظيم اختراع ما تقدمني سوى الحيوان والكواكب وضروريات الزرع وبعض آلات المعاطب وكان البحر قبلي ظلمة ما طلع له فجر وانشرح لها صدر بل غرضاً ما أصابه سهم ومعنى ما ترقى لهم وهم حتى أمر الله نبيه نوحاً بصنعي وعلمه تركيب ضلوعي عند جمعي فبذل في جهده وباشر عملي وحده وكلما مر عليه ملأٌ من قومه سخروا منه قال: (إِن تَسْخَرُواْ مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) [هود: ٣٨] فقال تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنّهُمْ مّغْرَقُونَ) [هود: ٣٧] فاستمر حتى أتم عمله وحقق رجاءه وأمله وأنزلني البحر عروساً وأطاب بي نفوساً فتلقاني البحر على رأسه وجريت بين روحه وأنفاسه وصار كل غريب حاضر لدي وكلما تلاطم البحر ضربته بيدي لا ترهبني منه الأمواج ولا تردني عنه الأبراج أحمل الذخائر والأرزاق وأجمع الأحباب والعشاق ومع ذلك فإن أصلي معدن الثمر ونزهة الأرقاء عند السمر فمن له أب كأبي ومن قبلي صنعه نبي فمجدي شامخ ومجد غيري متهدم والفضل كل الفضل للمتقدم.
فالتهبت أحشاء (الوابور) بفحم الحجر وصعدت أنفاسه مشوبة بشرر وزمجر وكفر وصاح وصفر وجرى حتى خرج عن "الشريط" وقال السكوت على هذا من التفريط ثم كر بعجله وجال وابتدأ رداً عليه فقال:
الحمد لله خالق كل شيء موجود الذي يشرفني بالذكر قبل الوجود حيث امتن على عباده بخلق عليها يحملون ثم قال: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل: ٨] ويستأنس لي بقوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) [يس: ٤٢] ولا يغفل عن ذكري إلا الجاهلون والصلاة والسلام على من تكلم بالمغيبات من غير شك ولا التباس المنزل عليه (وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ) [الحديد: ٢٥] وأصحابه الذين اتخذوا من معدني دروعاً وتيجاناً وقاتلوا بها حتى أظهروا ديناً وأرضوا ديّاناً "وبعد" فالوقوف عند حد النفس إنصاف والخروج عنه قبيح الأوصاف: الفخر لا يكون إلا عن كبر أو غباوة وهو أول داع للحرب والعداوة فكم أثار حرباً وأضرم ناراً وكم هدم قصراً وأباد داراً ولكن شر أهر ذا ناب وكوة فتحت بها أبواب فإني ما كنت أظن أن السفينة الحقيرة المسكينة تخرج من الأجراف وهي ترفع في وجهي المجداف ولكن قد يلقى الإنسان ضد أمله والمرء مجزي بعمله ومن سل سيف البغي قتل به وأهم أمريك الذي أنت به فانتبه فقابل أعداءك بأرداء الحجارة وإياك أعني فاسمعي بإجارة فإنك وإن كنت أول عمل للخلق وصناعة نبي بوحي الحق إلا أنك حمالة الحطب قريبة العطب إن هبت عليك نسمات هلك من فيك ومات وإن كتبت لك سلامة فلا حباً ولا كرامة وإن كسر ضلعك فار علا فيك الماء وفار: بم تفتخرين وأنت مكتفة بالحبال وخدمتك ينادون بالوبال إن سلكت طرق الأمن ارتجفت القلوب وإن ساعدتك الصبا أهلكتك الجنوب تغرقين إن زاد عليك "طرد" وتهلكين إن نزل عليك "شرد" فإن أبيت السير سحبوك على وجهك وإن كلوا تركوك وباتوا على قلبك ما أقبح أصوات الأوباش حين يصعدون لسحب القماش وما أفظع تلك الضجة إذا "شحطت" وسط اللجة كم عقت محباً عن حبيبه وأحرمت تاجراً من نصيبه وكم جعلوك مطية للفساد وآلة لهلاك العباد فإن كنت ذكرت في الكتاب صراحة فقد ذكرت ضمناً وإن ظهرت قبلي لفظاً فقد كنت معنى ما تأخر لتاجر عندي سبب ولا حرم من صاحبني بلوغ أرب طريقك معوج وطريقي مستقيم لا يملني صحيح ولا يسأمني سقيم فسحبت السفينة "المداري" وقالت له "باري باري" كم تعرض وتصرح "وأصفح وأصلح" ولكن مهلاً يا أبا لهب فقد خرجت عن الأدب ولابد ما "أرسي" على برّك وأحرقك بلهيب جمرك حصرت بين "عجل وقضيب" ووقفت في جحيم ولهيب وتغذّيت "بالخشب والفحم" وتفكهت "بالزيت والشحم" وتولعت "بالمشاقة والكهنه" وتحليت "بالهباب والدهنة" وتمكن الغيظ فيك وانحبس حتى صار فيك "نفس" وجئت تقول إني حمالة الحطب وأنت حمال النار واللهب وإني قريبة العطب وأنت أبو البلايا والكرب إن جريت فضحت عرضك وإن وقفت تأكل بعضك وإن صدمك شيء هلكت ووقفت وما سلكت وإن كسر "ذراعك" وقعت وقليل إن طلعت وإن دخن أنفك تعمى صورتك وإن ظمئت يوماً طقت "ما سورتك" تجري في الخلاء والقفار وتقول النار ولا العار ما أوسخ رجالك وأضيق مجالك يا مفرق الأحباب ومفزع الركاب غريقي أرجى من غريقك وبحري أنجا من طريقك كم هرست من إنسان وطحنت من حيوان وخلفت راكباً وتركته حيران وكم جعل رجالك الناس مسخرة إذا لم يجدوا معهم "تذكرة" وكم أضعت على تاجر فلوسه إذا فقدت منه "بوليسة" أعلى غير "الشريط" تجري فضلاً عن لجي وبحري أدخل نفسك في "مخزن الوفر" (وفضك من النفخ والصفر) تفتخر على أغصان الطعوم "وأنت حديد يا مشوم" ولئن سرت على "عجل" فقلوب أهلك في وجل أما علمت أن العجلة من الشيطان وأن الباغي جزاؤه النيران شغلت بالأكل والتمشي ففاتك الرفق والتأني.
وبالجملة فإني سابقة هذا الميدان ولا ينتطح في ذلك عنزان.
فتحرك الوابور تحرك ناقد وتنهّد تنهد حاقد وقطع (قطره) وأبا (شحناً) وقال أسمع جعجعة ولا أرى طحناً أبعوض تطن في أذن فيل وصورة تعد في التماثيل ولكني أبيت مخاطبتك وعفت وكرهت وجهك المدهون "بالزفت" فإن حالك حال الحيران وصباحك صباح "القطران" وكيف أفاخر امرأة عقلها في "مؤخرتها" وهلاكها في تمزيق مئزرها تقاد بحبل طويل وتنقاد لأدنى "عويل" يديرها (شاغول) وفكرها مشغول تتبع هواها في السير ولها جناح كالطير أمية فيها (قارية) ويد عاجزة لها (باريه) ثالثة العيزين في ذل (الوتد) (وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ ﴿٤﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مّسَدٍ) [المسد: ٤ ٥] .
" مناظرة بين الليل والنهار لمحمد أفندي المبارك الجزائري "
لما أسفر النهار عن بياض الغرة قابله الليل بسواد الطرة ثم صار الهزل جداً واشتد النزاع بينهما جداً فاستنجد كل منهما أميره وأفشى له سره وضميره وإذا بالليل حمل على النهار فصبغ حمرة وردته بصفرة البهار وخطر يجر ذيول تيهه وعجبه مرصعاً تيجان مفاخره بدرر شهبه. ثم قال: (وَالْلّيْلِ إِذَا يَغْشَىَ) [الليل: ١] (إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَىَ) [النازعات: ٢٦] ففتح باب المناقشة في هذا الفصل وعقد أسباب المنافسة بقول الفصل (فإن الحرب أولها كلام) ثم تنجلي عن قتيل أو أسير بكلام ولما بلغ الليل غايته بزغ الفجر ورفع رايته وقال إذ جال في معترك المنايا (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا) فتقدم في ذلك الميدان وجلي تالياً قوله تعالى: (وَالنّهَارِ إِذَا تَجَلّىَ) [الليل: ٢] ثم استوى على عرش السنا والسناء وأطلع شموس طلعته في الأرض والسماء فأعرب عن غوامض الرقائق والحقائق وأغرب في نشر ما انطوى من الأسرار والدقائق وما انحدر من منبره حتى أيد دعوى
стр. 217
خبره بشاهد مخبره فانتدب إليه "الليل" ومال عليه كل الميل وقال أحمد من جعلني خلوة للأحباب وجلوة لعرائس العرفان ونفائس الأدباء وخلقني مثوى لراحة العباد ومأوى لخاصة النساك والعباد: ولله در من قال فأجاد:
أيها الليل طل بغير جناح ... ليس للعين راحة في الصباح
كيف لا أبغض الصباح وفيه ... بان عني نور الوجوه الصباح
أتردد على أرباب المجاهدة بفنون الغرائب وأتودد إلى أصحاب المشاهدة بعيون الرغائب تدور في ساحتهم بدور الحسن والبهاء وتدار من راحتهم كؤوس الأنس والهناء فتحييهم نغمات السمر وتحييهم نسمات السحر فأحيان وصلي بالتهاني مقمرة وأفنان فضلي بالأماني مثمرة وحسبي كرامة أني للناس خير لباس أقيهم بلطف الإيناس من كل باس ومن واصل الإدلاج وهجر طيب الكرى قيل له "عند الصباح يحمد القوم السرى".
وما الليل إلا للمجد مطيته ... وميدان سبق فاستبق تبلغ المنى
ففتن بمعاني بيانه البديع وتفنن في أفانين التصريع والترصيع ثم أتم خطبته بالتماس المغفرة والعفو واستعاذ بالله من دواهي الغفلة ودواعي اللهو فوثب إليه (النهار) وصال عليه صولة ملك قهار وصعد على منبره ثانياً وقد أضحى التيه لعطفه ثانياً فأثنى على من جلى ظلمة الحجاب وتحلى له باسمه النور وتوجه بسورة من الكتاب وزانه بأبهى سراج وهاج فأوضح بسناه السبيل والمنهاج ثم صاح أيها الليل هلا قصرت من إعجابك الذيل ولئن دارت رحى الحرب واستعرت نار الطعن والضرب فلا سبين مخدراتك وهي عن الوجوه حاسرة وأنت تتلو يومئذ (تِلْكَ إِذاً كَرّةٌ خَاسِرَةٌ) [النازعات: ١٢] فما دعاك إلى حلبة المفاضلة وما دهاك حتى عرضت بنفسك للمناضلة وهل دأبك إلا الخداع والمكر وترقب الفرصة وأنت داخل الوكر أما حض القرآن على التعوذ (بِرَبّ الْفَلَقِ) [الفلق: ١] وندب (مِن شَرّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا
стр. 218
وَقَبَ) [الفلق: ٢ ٣] فبربي يستعاذ من شرك ويستعان على صنوف صروف غدرك وهب أنك تجمع المحب بالحبيب إذا جار عليه الهوى وحار الطبيب فكم يقاسي منك في هاجرة الهجر ويئن أنين الثكلى حتى مطلع الفجر.
يبيت كما بات السليم مسهداً ... وفي قلبه نار يشب وقد
فيساهر النجوم ويساور الوجوم وقد هاجت لواعج غرامه وتحركت سواكن وجده وهيامه: فأنشد وزفيره يتصعد:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع
على أن العاشق الواله يشكو منك في جميع أحواله فكم قطع آناءك بمواصلة أنينه متململاً من فرط شوقه وحنينه فلما أن حظي بالوصال تمثل بقول من قال:
الليل إن واصلت كالليل إن هجرت ... أشكو من الطول ما أشكو من القصر
ولئن افتخرت ببدرك الباهي فإما تباري ببعض أنواري وتباهي وهل للبدر عند إشراق الشمس من نور أو لطلعة حسنه من خدور البطون ظهور ومن أدعى أنك تساويني في الفضل والقدر أو زعم أن الشمس تقتبس من مشكاة البدر ومتى استمدت الأصول من الفروع "وما أغنى الشموس عن الشموع" فبي تنجلي محاسن المظاهر الكونية وتتحلى بجواهر الأعراض اللونية وأنى يخفى حسني وجمالي على مشاهد أو يفتقر فضلي وكمالي إلى شاهد وعرضي عارٍ عن العار وجميع الحسن من ضيائي مستعار.
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
أما كفاك بينةً وزادك ذكرى وتبصرة قوله تعالى: (فَمَحَوْنَآ آيَةَ الْلّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ النّهَارِ مُبْصِرَةً) [الإسراء: ١٢] و (هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَىَ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي
стр. 219
الظّلُمَاتُ وَالنّورُ) [الرعد: ١٦] وأين منزل أهل الغفلة من منزل أهل اليقظة والحضور وإن كنت مغنى الأنس والأفراح تفعل بعقول الناس فعل الراح فهل حسبت أن السكون خير من الحركة وقد أجمع العالم على أن "الحركة بركة" فإن لي بكل خطوة حظوة وليس لجوادي كبوة ولا لصارمي نبوة وإن صرحت بالذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً معرضاً بكل غافل لاه في كل مجال (رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ) [النور: ٣٧] وأين من احتجب بظلمات بعضها فوق بعض ممن أضحى ينظر بعين الاعتبار في ملكوت السموات والأرض وقد أتحفني الله بالصلاة الوسطى فأوتر بها صلواتي وشرع فيها الإسرار لأسرار اختصت بها أهل جلوتي وكفاني شرفاً (شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة: ١٨٥] فمآثري مأثورة في القديم والحديث ومفاخري منثورة في الكتاب والحديث ومحاسني واضحة لأولي الأبصار وهل تخفى الشمس في رائعة النهار فاكفف عن الجدال وأمسك ولا تجعل يومك مثل أمسك وسالم من ليس لك عليه قدرة فقد قيل: (ما هلك امرؤ عرف قدره) أقول قولي هذا واستغفر الله من آفة العجب والكبرياء ولما انهار ركن النهار ابهارّ (الليل) وتبرقع بالاكفهرار فسد ما بين الخافقين بسواده وطفق يرمي بسهام جداله في جلاده وقدم بين نجواه سورة القدر آية على ما حازه من كمال الرفعة والقدر وثني بقوله تعالى: (سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً) [الإسراء: ١] فأشار إلى الحبيب حين تجلت له قرة عينه ليلاً ثم قال سحقاً لك أيها النهار فقد أسست بنيانك على شفا جرف هارٍ تناضلني ومني كان انسلاخك وظهورك وتفاضلني وبي أرحت أعوامك وشهورك ألم يأن لك أن تخشع للذكر فتعترف لي برتبة التقديم في الذكر وكيف تعيرني بلون السواد وهل يقبح السواد إلا في الفؤاد أم كيف تعيبني
стр. 220
بالخداع "والحرب خدعة" وليس الشيء في موطنه بغريب ولا بدعة أما تشهد العوالم من هيبتي حيارى (وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ) [الحج: ٢] فكم أرقت ملوكاً أكاسرة وأرقت دماء أسودٍ كاسرة وكم أرويت نار الوغى تحت العجاج وقد ازورت اللحاظ واغبرت الفجاج فأنا البطل الذي لا يصطلى بناره ولا يأخذ منه الموتور بثأره وافتخارك علي بالصلاة الوسطى ليس إنصافاً منك ولا قسطاً وهب أنك انفردت بتلك الصلاة الجليلة فأين أنت مما أوتيته من الصلات الجزيلة أما كان افتراض الصلاة في ليلة العروج فما بالك تدعي الارتقاء إلى هذه البروج.
وما أعجبتني قط دعوى عريضة ... ولو قام في تصديقها ألف شاهد
وأما افتخارك علي بشهر رمضان وما نزل فيه من السبع المثاني والقرآن فهل صح لك صيامه إلا بي بدأ وختاماً وقد تميزت عليك بفضيلة إحيائه تهجداً وقياماً على أني محل النية "ونية المرء خير من عمله" لأنها بمثابة الروح له وبها يحظى الراجي ببلوغ أمله هذا وإني أتكفل للصائم بمد يد الراحة ووافر الأجر حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وكيف تفتخر بالكتاب المنزه في مزاياه عن المشاركة والله تعالى يقول فيه: (إِنّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مّبَارَكَةٍ) [الدخان: ٣] وهل في مطالع سعودك أشرقت بدور العيدين أم على جناح جنحك أسرى بنور طلعة الكونين ثم عرج به ﵊ إلى منزلة قاب قوسين وهل في تجليات أسحارك يقول الرب هل من سائل فيناجيه العبد متضرعاً إليه بقلب خاشع ودمع سائل ومما اختصصت به من الفضائل أنه في دولتي سيد الأوائل والأواخر وناهيك بليالي شهر الله رجب وكيف لا وفي طالعها السعيد حملت آمنة سيد العجم والعرب
стр. 221
"فطلع النهار" طلوع الأسد من غابه وكسر جيوش الدجى حين كشر عن نابع وشمر للحرب العوان غيرنا كل ولا وان ناشراً في الأفق رايته البيضاء وأسنته لامعة بين الخضراء والغبراء وقال والذي كساني حلل الملاحة وأطلق لساني بالبلاغة والفصاحة لأمحون سطور الدجى من طروس الوجود ولأثبتن حسن أحوالي في مقامات أهل الشهود فإني معروف بالوفاء وصدق الخبر موصوف بالصفاء الذي لا يشوب صفوه كدر كيف يباهيني الليل بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وأنا أتحدث بنعم الله وهو موسوم بكفران النعم ألست مظهر الهداية والدلالة وهو مظهر الغواية والضلالة فكم أرشدت من أضله وأعززت من أهانه وأذله وكم أظهرت منه عيباً كان غبياً فابيضت عينه حزناً (وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً) [مريم: ٤] .
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
وكيف يزعم هذا العبد الأبق أنه لسيده في حلبة الشرف سابق وقد قال الواحد القهار (وَلاَ الْلّيْلُ سَابِقُ النّهَارِ) [يس: ٤٠] إن هو وايم الله إلا كافر وبشموس أنوار الشهادة غير ظافر لو كان من السعداء لفاز بدار النعيم ولولا شقاؤه لما شابه سواد طبقات الجحيم وماذا يؤمله من الجزاء ويرجوه (يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدّ وُجُوهٌ) [آل عمران: ١٠٦] أما دري أن صحيفته سوداء مظلمة وصحيفتي تفصح عن نفس مؤمنة بالله مسلمة وأنى يرقى كتابه إلى عليين وهي من ظلمات الحجاب في سجين ثم أقبل عيه وأنشد مشيراً إليه:
يا مشبا في فعله لونه ... لم تعد ما أوجبت القسمة
خلقك من خلقك مستخرج ... والظلم مشتق من الظلمة
وقال كيف تدعي فوق حالك وأي فضل لمن منظره أسود حالك أما علمت أن الظاهر للباطن عنوان كما أن اللسان عن الجنان ترجمان: قال أفضل الخلق "ابتغوا الخير عند حسان الوجوه" وقال الشاعر:
стр. 222
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر
فأنا مفتاح خزائن الأرزاق وبي يستفتح باب الكريم الرزاق وكفاني دليلاً على الفضل والكمال "إن الله تعالى جميل يحب الجمال" لقد سمعت أقاويلك التي قدمها بين يديك وزعمت أنها حجة عليك ولا جرم أن "لسان الجاهل مفتاح حتفه وكم من باغ قتل بصارم بغيه وحيفه أما انسلاخي منك فمن أملح الملح لي والغرر وهل تحق لأصناف الأصداف أن تنافس الدرر أليست (تلد الأمة ربتها حرة نجيبة) وقد قالوا (إن الليالي حبالى يلدن كل عجيبة) وما تقدمك علي فمن العادة تقدم الخدم بين يدي السادة:
أو ما ترى أن النبيّ محمداً ... فاقَ البريّةَ وهو آخرُ مرسل
على أنه (أو ما خلق الله النور) كما ورد عن جابر في خبره المأثور.
وأما تحلي صفوتك بتجلي الحق تعالى في السحر فليس إلا لمن أحيا أحيانك بالمجاهدة والسهر وأما زهوك بقصة ظهور سيد ولد آدم الذي هو نتيجة مقدمات الكون وزبدة العالم فهل وقع اتفاق الرواة على ذلك وأنى لك هذا وصبح طلعته يمحو سوادك الحالك وأما خبر الإسراء فعني روته الأمة ثم بلغه الشاهد للغائب بعد أمة فما لاحت أسراره إلا بمطالعي ولا زاحت أستاره إلا بطوالعي وما أشرت إليه من بقية معانيك التي أضاءت بها في الخافقين نجوم معاليك فأنت أين من يوم عرفه الذي عرفه بأبهى الخصائص من عرفه وأين أنت من يوم عاشوراء الذي يعظم فيه الشكر والصبر على السراء والضراء وناهيك بسمو شأن العيدين فما أجلها من موسمين سعيدين وكيف تفاخرني بساعة تبدو منك مرة في كل عام ولي في كل
стр. 223
أسبوع أمد تمتد فيه موائد الجود والإنعام فأخبار أخياري سارت بها الركبان وماست بنسيم رقتها معاطف البان وقدري فوق ما تصفه الألسن وعندي (مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذّ الأعْيُنُ) [الزخرف: ٧١] فدع عنك قول الزور والمين (فقد بين الصبح لذي عينين) ولما أفاض النهار في حديث يفضح الأزهار أبدع في كنايته وتلويحه وأعرب في تعريضه وتصريحه (ابتدر له الليل) وأجلب عليه بالرجل والخيل وامتطى جواده الأدهم واعتم بعمامة سوداء وتلثم فأنسى بفتكاته عنترة بني عبس حين أمسى يتعود عمارة بالقتل والرمس ثم نشر في الأفق ذوائبه السود وعبس وبسر فأسر بسطوته الأسود وقال: (فَلاَ أُقْسِمُ بِالشّفَقِ ﴿١٦﴾ وَاللّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴿١٧﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا اتّسَقَ) [الانشقاق: ١٦ ١٨] لأسبينّ رومي النهار ولأجعلنّه عبرة لذوي الاعتبار لقد تزيا المملوك بزي الملوك وادعى مقام الوصول إلى صاحب السير والسلوك أما كفاه ازدرائي وتحقيري حتى حكم بتضليلي وتكفيري كم أسبلت على عوراته ذيل ستري وهو لا يبالي بهتك أستاري وكم أودعت مكنون سره في خزانة سري وهو يبوح بمصون أسراري أفّ له من فاضح أما يكفيه ما فيه من المفاضح.
أنمُّ بما استودعتهُ من زجاجةٍ ... يرى الشيءُ فيها ظاهراً وهو باطنُ
كيف احتجَّ لتقدمه بحديث جابر مع أن ما رواه لكسرى أعظم جابر فإنه برهن على تقدمي عليه لو أدرك سر ما أومأ إليه وعلام جعل السواد على النقص علامة وهو مشتق من السؤدد لدى كل علامة أما درى أني حزت من الكمال الحظ الأوفر حتى تحلى ببديع وصفي العنبر والمسك الأذفر.
إن كنتُ عبداً فنفسي حرةٌ كرماً ... أو أسود الخلق إني أبيض الخلق
وهل يزري بالخال سواده البارع أو يغري بالبرص بياضه الناصع وفي بياض المشيب عبرة وأي عبرة فكم أجرى من الآماق أعظم عبرة.
стр. 224
له منظرٌ في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفعُ
ومن عاب نعت الشباب وفضل وصف الشيب فقد غاب عن شهود العيب وعالم الغيب (فما كل بيضاء شحمة ولا كل حمراء لحمة) ولما أنهى مقاله ومل مقامه شمر للرحلة أذياله وقوض خيامه فتهلل وجه الصباح وهلل بذكره (فَالِقُ الإِصْبَاحِ) [الأنعام: ٩٦] وازدهاه السرور والابتهاج كأنه رب السرير والتاج.
فكأنّ الصبح لمّا ... لاحَ من تحت الثريا
ملكٌ أقبل في التا ... ج يفدّى ويحيّا
وبرز إلى المبارزة من بابها إذ كان من فرسانها وأربابها فسلب الليل لباسه وأذاقه شدته وبأسه وقال له أيها المعجب بنفسه المغرب في نقشه صحيفة زوره بنقسه (ما كل سوداء تمرة ولا كل صهباء خمرة) ألم تعلم أينا أبهى محيا وشتان ما بين الثرى والثريا أين سوادك من بياضي وما زهر نجمك إن تلألأ زهر رياضي وكم أطلعت بدوراً في مواكب السيارة فأضحت تزهو بجمالها على الكواكب السيارة وهل لك مثل الغزالة التي انفردت في الملاحة لا محالة فأنا الذي ضاء صباح الصباحة من محياه وضاع عبير العنبر من نشر أنفاسه وطيب رياه ولولاي ما عرف الحسن والجمال على وجه الأرض بدر الكمال: فوجم (الليل) لبراعة تلك العبارة وبلاغة ما لاح له من الرمز والإشارة ثم وثب للمقال كأنما أنشط من عقال وقال (رب ملوم لا ذنب له) ومظلوم خبيث الدهر أمله فإلى متى يسوءني النهار وحتى ما يسومني عذاب النار طالما أعرته أذناً صماء وعيناً عمياء وهو لا ينثني عن المقابلة ولا يرعوي عن المحاربة والمقاتلة أما تعلم أيها المغتر ببياضك أن السواد حلية أهل الزهد والصلاح وهل يسترق الأسود إلا سود أحداق الملاح بيد أن الحر لا يبالي بالجمال الظاهر وإنما يباهي بالفعل
стр. 225
الجميل القلب الطاهر فإن تفاؤت المراتب بحسن تفاؤت المناقب.
وما الحسن في وجه الفتى شرفٌ له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
وكم أعددت للأنس مقاعد وفي الأمثال (ربّ ساعٍ لقاعد) فإن ظلي ظليل ونسيمي عليلٌ بليل تهدأ بي الأنفاس وتسكن الأعضاء والحواس.
(فقام النهار) يعثر في ذيله وقد كفكف واكف سيله فما لبث أن تنفس الصباح وأظهر من سناه ما أخفى ضوء المصباح ورفرف بجناحه الأبيض على الدجى فاقتنصه من وكره بعدما سكن وسجا.
فكأنّ الصباح في الأفق بازٌ ... والدجى بين مخلبيه غرابُ
وقال تبا لك أيها (الليل) فلقد أوتيت من المين أوفر نيل أي حديث لك صحيح وضعته وأي حق لك صريح أضعته.
عليك بالصدق ولو أنه ... أحرقك الصدقُ بنار الوعيد
وأبغ رضا الله فأبغى الورى ... من أسخط المولى وأرضى العبد
نعم لك في السمر خبرٌ مرفوع بيد أنه مكروه في السنة موضوع قد اشتهرت لكن بأقبح الأوصاف وعدلت لكن عن سبيل العدل والإنصاف تكتم عن المرء ما يرديه (وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) [الأحزاب: ٣٧] وفي المثل (الليل أخفى للويل) فما أصعب مراسك قبل افترار سهيل وهل يترنم بذكرك إلا غافل وأنى يغتر بك عاقل ونجمك آفل وكيف تفتخر علي وأنت تفتقر إلي ولما سلب النهار بأساليب بيانه العقول "سكت الليل" ملياً ثم أنشأ يقول:
فعين الرضا عن كلّ عيب كليلةً ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
كيف أتصدى للكذب وأتردى باللهو واللعب وأنا المنعوت باللطف والظرف والموسوم بالصمت وغض الطرف كيف أورث الغرور وأوثر الغفلة على الحضور وأنا الداعي إلى ذكر الله وحده والساعي في رد الكثرة الوهمية إلى عين
стр. 226
الوحدة وأنا الموصوف بالستر الجميل والمعروف بشكر المعروف والجميل وهل أحجب البصر عن شهود عالم الكثافة إلا لأكشف لعين البصيرة عن عالم اللطافة وبذلك يتحقق العبد بفنائه عن وجوده فيمده الرب تعالى بسر بقائه من خزائن جوده ثم قال: (النهار لليل) وقد هجم عليه هجوم السيل أيها المدعي مقام الدعوة إلى الله وهو في خال الغفلة عن مولاه لاه كيف تسنمت ذروة هذا المنبر كأنك تكتب بالمسك وتختم بالعنبر لقد أطلت فيما (لا طائل تحته) ولا معنى فكم ذا (أسمع جعجعة ولا أرى طحناً) فلو كنت ممن انتخب غرر الشيم وانتقى لاتعظت بقوله تعالى: (فَلاَ تُزَكّوَاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَىَ) [النجم: ٣٢] فتنبه من غفلتك أيها "الليل" قبل أن تدعو بالثبور والويل وإلا فرقت طلائع سوادك أي تفريق ومزقت سوابغ ظلمك أي تمزيق (فما كل مرة تسلم الجرة) فاسود وجه الليل وانقلب (بحشف وسوء كيل) وندم على مناضلة النهار ندامة الفرزدق حين فارق النوار (ولما سقط في يده) ورزئ في عدة وعدده ترى بالسواد ولبس ثياب الحداد ثم لاح هلاله للعين كمنجل صنع من لجين.
انظرْ إلى حسنِ هلالٍ بدا ... يجلو سنا طلعتهِ الحندسا
كمنجل قد صيغ من فضةٍ ... يحصد من زهر الدجى نرجسا
стр. 227
وقال من ينصفني من هذا الجائر وينصت لي فأبثه شكوى الواله الحائر فحتام أعاني حد الظبا (وقد بلغ السيل الزبى) .
وكنتُ كالمتمني أن يرى فلقاً ... من الصّباح فلمّا أن رآه عمي
فانتبه طرف (النهار) وازدهر سراجه أي ازدهار وشرع يتلو سورة النور بكامل الابتهاج والشمس ترقم آية جماله بالذهب الوهاج.
وقابل الصبحُ جنح الليل أن يرى فلقاً ... سطورهُ البيضُ في ألواحه السود
ثم قال أيها "الليل" البهيم (تَاللهِ إِنّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ) [يوسف: ٩٥] كيف تدعي أنك مظلوم وتشتكي من جوري وأنت الظلوم وهب أني قاتلتك ظلماً فأنت البادي وهل قابلتك إلا بما عدول فاستقل من دعوى المجد والفخر فقد (حَصْحَصَ الْحَقّ) [يوسف: ٥١] ووضح الفجر وإن أبيت سلوك محجتي ولم تتضح لك أدلة حجتي فهلم إلى حضرة الأمير (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: ١٤] فأنكر الليل زعمه التفرد بالفضل وادعاءه وأجاب في عرض أمرهما على الأمير دعاءه وقال "على الخبير سقطت وعند ابن بجدتها حططت".
" وكتب أيضاً مناظرة بين الأرض والسماء "
جالت السماء في ذلك المضمار وصالت ونوهت برفيع قدرها وقالت: (تَبَارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّمَآءِ بُرُوجاً) [الفرقان: ٦١] ومنح أشرف الخلق إلي مروجاً وقدمني في الذكر في محكم الذكر وشرفني بحسن القسم وأتحفني بأوفر القسم وقدسني من النقائض والعيوب وأطلعني على الغوامض والغيوب وقد ورد أن الرب ينزل إلي كل ليلة فيولي من تعرض لنفحاته بره ونيله فيا له من تحفة جليلة ومنحة جزيلة يحق لي أن أجر بها ذيول العزة والافتخار وكيف لا والوجود بأسره باسط إلي أيدي الذلة والافتقار فلي العزة الباذخ والمجد الأثيل الشامخ لتفردي بالرفعة والسمو وعلو المنزلة دون غلو فقالت لها (الأرض) ويك لقد
стр. 228
أكثرت نزراً وارتكبت بما فهمت به وزراً أما أنه لا يعجب بنفسه عاقل ولا يأمن مكر ربه إلا غافل ومن ادعى ما ليس له بقوله أو فعله فهلاكه أقرب إليه من شراك نعله وقد قيل من سعادة جدك وقوفك عند حدك ومن فعل ما شاء لقي ما ساء وما كفاك أن خطرت في ميادين التيه والإعجاب حتى عرضت لشتمي إن هذا لشيء عجاب وهل اختصك الله بالذكر أو أقسم بك دوني في الذكر أو آثرك بالتقديم في جميع كلامه القديم حتى ترديت بالكبرياء وتعديت طور الحياء.
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحِ فاصنع ما تشاءُ
فلا وأبيك ما في العيش خيرٌ ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
وكيف تزدرين أهلي بالذنوب والمعاصي وأنت تعلمين أن الله هو الآخذ بالنواصي فقابلتها (السماء) بوجهٍ قد قطبته ومجنّ قد قلبته وقالت لها في الحال أيتها القانعة بالمحال ما كنت أحسب أنك تجترئين على مبارزة مثلي وتنكرين علي ما ترنمت به من شواهد مجدي وفضلي وهل خلت أن التحدث بالنعم مما يلام عليه مع أنه أمر مندوب إليه ومن أمثال ذوي الفطنة والعقل ليس من العدل سرعة العذل ولم جحدت ظهور شمس كمالي وهل لك من الفضائل والفواضل كما لي ولكن لك عندي عذراً جلياً وإن كنت (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) [مريم: ٢٧] .
قد تنكرُ العينُ ضوء الشمس من رمدٍ ... وينكرُ الفمُ طعمَ الماء من سقم
ولو رأيت ما فيك من المساوي عياناً لما ثنيت إلى حلبة المفاخرة عناناً فأنّى تفوزين بأشرف الأقدار وأنت موضع الفضلات والأقذار وما هذا التطاول والإقدام ووجهك موطئ النعال والأقدام إن هذا إلا فعل مكابر دعوى عريضة وعجزٌ ظاهر وهل يحق للكثيف أن يتغالى على اللطيف أم ينبغي للوضيع أن يتعالى على الرفيع فقالت لها (الأرض) أيتها المعتزة
стр. 229
بطوالع أقمارها والمغترة بلوامع أنوارها (ما كل بيضاء شحمة ولا كل حمراء لحمة) فبم تزعمين أنك أتقى مني وأنقى (وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ) [الشورى: ٣٦] وأنت واقفة لي على أقدام الخدمة جارية في قضاء مأربي بحسب الحكمة قد كفلك الحق بحمل مؤونتي وكلفك بمساعدتي ومعونتي ووكلك بإيقاد سراجي ومصباحي ووكلك إلى القيام بشؤوني في ليلي وصباحي وليس علوك شاهداً لك بالرتبة العلية فضلاً عن أن يوجب لك مقام الأفضلية (فما كل مرتفع نجد ولا كل متعاظم ذو شرف ومجد) .
وإن علانيَ من دوني فلا عجبٌ ... لي أسوةٌ بانحطاط الشمس عن زحلِ
فمن أعظم ما فقت به حسناً وجمالاً وكدت بأخمصيّ أطأ الثريا فضلاً وكمالاً تكوين الله مني وجود سيد الوجود فأفرغ علي به خلع المكارم والجود فهو بدر الكمال وشمس الجمال.
وأجمل منك لم ترَ قطُّ عينٌ ... وأكملُ منك لم تلدِ النساء
خلقتَ مبرءاً من كلّ عيبِ ... كأنّك قد خلقت كما تشاء
فأكرم به من نبي أسرني به وأرضى كيف لا ولولاه ما خلق سماء ولا أرضاً وجعلني له مسجداً وطهوراً وأقر به عيني بطوناً وظهوراً فأبرقت (السماء) وأرعدت وأرغت وأزبدت وقالت إن لم تتخط خطة المكابرة وتتخلى عن هذه المثابرة لأغرقنك في بحار طوفاني أو أحرقنك بصواعق نيراني وهل امتطيت السماكين أو انتعلت الفرقدين حتى تفتخري علي وتشيري بالذم إلي وتلك شهادة لي بالكمال وقد صدق من قال:
وإذا أتتكَ مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشّهادة لي بأني كاملُ
أم حسبت أن لك في ذلك حجة فخاطرت بنفسك في ركوب هذه اللجة وكنت كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع مارن أنفه بكفه.
لكلّ داءِ دواءُ يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
стр. 230
أما دعواك أني واقفة لك على أقدام الخدمة فهي مما يوجب لي عليك شكر الفضل والنعمة فلو تكفرت أن خادم القوم هو السيد والمولى وعرفت الفاضل من المفضول أو تدبرت أن اليد العليا خير من اليد السفلى لاستقلت من هذا الفضول فإن في قيامي بشؤونك أوضح أمارة وأما قولك مني سيد الوجود ومن اصطفاهم لحضرته الملك الودود فإن كنت تفتخرين بأشباحهم الظاهرة فأنا أفتخر بأرواحهم الطاهرة أما علمت أنها في ملكوتي تغد وتروح وبواردي بسطي وقبضي تشدو وتنوح فأنا أولى بهم وأحرى بالافتخار بحزبهم فلما سمعت (الأرض من السماء) مقالة تقطر من خلالها الدماء أطرقت لحمة بارق خاطف أو نغبة طائر خائف ثم قنّعت رأسها وصعدت أنفاسها وقال لقد أكثرت يا هذه من اللغط وما آثرت الصواب على الغلط فعلام تهزئين بي وتستخفين بحسبي ونسبي وإلام تنقضين عرى أدلتي ولا تعامليني بالتي وحتام تقابلينني بأنواع التأنيب ولم لا تقفي على حقيقتي بالتنقير والتنقيب أحسبت أن الجسم ما خلق إلا عبثاً ولا كان للنفس النفيسة إلا جدثا وفي ميدانه تتسابق الفهوم وتدرك عوارف المعارف والعلوم وبه تترقى الأرواح في مراقي الفلاح وكيف لا يكون مقدساً من كل غي ومين وهو لا يفتر عن تسبيح بارئه طرفة عين وإلى متى أنت علي متحاملة وعن آية العدل والإحسان متماحلة وأنا لك أسمع من خادم وأطوع من خاتم على أن لي من الفضائل ما ثبت بأصح البراهين والدلائل أم في بقعة من أشراف البقاع على الإطلاق لضمها أعضاء من تمم الله به مكارم الأخلاق وفي روضة من رياض الجنة كما أفصحت عن ذلك ألسنة السنة ومني الكعبة والمشعر الحرام والحجر وزمزم والركن والمقام وعلي بيوت الله تشد
стр. 231
إليها الرحال (يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ ﴿٣٦﴾ رِجَالٌ) [النور: ٣٦] وأخرج مني طيبات الرزق فأكرم بها عبادة وأتم نعمته عليهم فجعل الشكر عليها عبادة وناهيك بما اشتملت عليه من الرياض والغياض ذات الأنهار والحياض التي تشفي بنسيمها العليل وتنفي ببرد زلالها حر الغليل.
لمَ لا أهيم على الرياض وطيبها ... وأظلُّ منها تحت ظلٍّ صافي
والزّهرُ يضحكُ لي بثغرِ باسم ... والنهر يلقاني بقلب صافي
فأسفرت عن بدر طلعتها (السماء) وهي تزهو في برد السنا والسناء وقالت تناجي نفسها عندما رق السمر حتام أريها السهر وتريني القمر ثم عطفت عليها تقول وهي تسطو وتصول أيتها المعتدية لمفاضلتي والمتصدية لمناضلتي متى قيس التراب بالعسجد أو شبه الحصى بالزبرجد إن افتخرت بشرف هاتيك البقاع التي زها بها منك اليفاع والقاع فأين أنت من عرش الرحمن الذي تعكف عليه أرواح أهل الإيمان وأين أنت من البيت المعمور والكرسي الكلل بالنور وكيف تفتخرين علي بروضة من رياض الجنة وهي علي بأسرها فضلاً من الله ومنّة أم كيف تزعمين أنه كتب لك بأوفر الحظوظ وعندي القلم الأعلى واللوح المحفوظ، وأم ازدهاؤك بالحياض والأنهار والرياض المبتهجة بورود الورد والأزهار فليت شعري هل حويت تلك المعاني إلا بنفحات غيوثي وأمطاري أم أشرقت منك هاتيك المغاني إلا بلمحات شموسي وأقماري فكيف تباهيني بما منحتك إياه وعطرت أرجاءك بأريج نشره ورياه ويا عجباً منك كلما لاح علي شعار الحزن خطرت في أبهى حلة من حلل الملاحة والحسن وإن افترت ثغور بدور أنسي وقرّت ببديع جمالي عين شمسي زفرت زفرة القيظ وكدت أن تتميزي من الغيظ ما هذا الجفاء يا قليلة الوفاء وهل صفت أوقاتك إلا بوجودي أو طابت أوقاتك إلا بوابل كرمي وجودي ولو قطعت
стр. 232
عنك لطائف الأمداد لخلعت ملابس الأنس ولبست ثياب الحداد أو حجبت عنك الشموس والأقمار لما ميزت بين الليل والنهار فهلا كنت بفضلي معترفة حيث إنك من بحر فيضي مغترفة فنزعت (الأرض) عن مقاتلتها وعلمت أنها لا قبل لها بمقاتلتها وحين عجزت عن العوم في بحرها واستسلمت تمائمها لسحرها بسطت لها بساط العتاب متمثلة بقول ذي اللطف والآداب.
إذا ذهبَ العتابُ فليس ودّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتابُ
ثم قالت اعلمي أيتها الموسومة بسلامة الصدر الموصوفة بسمو المنزلة وعلو القدر أن الله ما قارن اسمي باسمك ولا قابل صورة جسمي بجسمك إلا لمناسبة عظيمة وألفة بيننا قديمة فلا تشتمي بنا الأعداء وتسيئي الأحباء والأودّأء فإن لك من أعظم الرزايا وأشد المحن والبلايا.
كل المصائبِ قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداءِ
ألا وإن العبد محل النّقص والخلل وهل يسوغ لأحدٍ أن يبرئ نفسه من الزلل ومن يسلم من القدح ولو كان أقوم من القدح.
ومن االذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء فضلاً أن تعد معايبه
هذا وإن لي مفاخر لا تنكر ومآثر تجل عن أن تحصر كما أنك في الفضل أشهر من نار على علم وأجل من أن يحصى ثناء عليك لسان القلم فإلى متى ونحن في جدال وجلاد نتطاعن بأسئلة ألسنة حداد وهل ينبغي أن يجر بعضنا على بعض ذيل الكبر والصلف ولكن عفا الله عما سلف وهذه لعمري حقيقة أمري فانظري إلي بعين الرضا واصفحي بحقك عما مضى ولما سمعت (السماء) هذه المقالة التي تجنح إلى طلب السلم والإقالة قالت لها مآرب لا حفاوة ومشرب قد وجدت له حلاوة وما ندبت إليه من المودة
стр. 233
والإلفة فلأمر ما جدع قصير أنفه ولو لم تلقي إلي القياد لعاينت مني ما دونه خرط القتاد ولكن لا حرج عليك ولا ضير فإنك اخترت الصلح والصلح خير وكيف جعلت العتاب شرطاً بين الأحباب أو ما سمعت قول بعض أولي الألباب.
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبهُ
وإن أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربهُ
وهأنا رادة إليك عوائد إحساني وموائد جودي وامتناني فقري عيني وطيبي نفساً وتيهي ابتهاجاً وأنساً وأبشري ببلوغ الوطر وزوال البؤس والخطر فسجدت الأرض شكراً وهامت نشوة وسكراً وتهلل وجهها سروراً وامتلأت طرباً وحبوراً.
" مناظرة بين فصول العام لابن حبيب الحلبي المتوفى سنة ٤٠١ ه ـ"
(قال الربيع) أنا شاب الزمان وروح الحيوان وإنسان عين الإنسان أن حياة النفوس وزينة عروس الغروس ونزهة الأبصار ومنطق الأطيار عرف أوقاتي ناسم وأيامي أعياد ومواسم فيها يظهر النبات وتنشر الأموات وترد الودائع وتتحرك الطبائع ويمرح جنيب الجنوب ونزح وجيب القلوب وتفيض عيون الأنهار ويعتدل الليل والنهار كم لي عقد منظوم وطراز وشي مرقوم وحلة فاخرة وحلية ظاهرة ونجم سعد يدنى راعيه من الأمل وشمس حسن تنشدنا يا بعد ما بين برج الجدي والحمل عساكري منصورة وأسلحتي مشهورة فمن سيف غصن
стр. 234
مجوهر ودرع بنفسج مشهر ومفغر شقيق أحمر وترس بهار يبهر وسهم آس يرشق فينشق ورمح سوسن سنانه أزرق تحرسها آيات وتكتنفها ألوية ورايات بي تحمر من الورد خدوده وتهتز من البان قدوده ويخضر عذار الريحان وينتبه من النرجس طرفه الوسنان وتخرج لخبايا من الزوايا ويفتر ثغر الأقحوان قائلاً أنا ابن جلا وطلاع الثنايا.
إن هذا الربيع شيءٌ عجيب ... يضحك الأرض من بكاء السماء
ذهبٌ حيثما ذهبنا ودرٌّ ... حيث درنا وفضّة في الفضاء
(وقال الصيف) أنا الخلّ الموافق والصديق الصادق والطبيب الحاذق أجتهد في مصلحة الأحباب وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب وأخفف أثقالهم وأوفر أموالهم وأكفيهم المؤونة وأجزل لهم المعونة وأغنيهم عن شراء الفرا وأحقق عندهم أن كل الصيد في جوف الفرا نصرت بالصبا وأتيت الحكمة في زمن الصبابي تتضح الجادة وتنضج من الفواكه المادة ويزهو البسر والرطب وينصلح مزاج العنب ويقوى قلب اللوز ويلين عطف التين والموز وينعقد حب الرمان فيقمع الصفراء ويسكن الخفقان وتخصب وجنات التفاح ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح وتسود عيون الزيتون وتخلق تيجان النارنج والليمون مواعدي منقودة وموائدي ممدودة الخير موجود في مقامي والرزق مقسوم في أيامي.
الفقير ينصاع بملء مده وصاعه والغني يرتع في ربع ملكه وأقطاعه والوحش تأتي زرافات ووحداناً والطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً.
стр. 235
مصيف له ظل ظليلٌ على الورى ... ومنْ حلا طعماً وحللَ أخلاطاً
يعالج أنواع الفواكه مبدياً ... لصحتها حفظاً يعجز بقراطا
(وقال الخريف) أنا سائق الغيوم وكاسر جيش الغموم وهازم أحزاب السموم وحادي نجائب السحائب وحاسر نقاب المناقب أن أصد الصدى وأجود بالندي وأظهر كل معنى جلي وأسمو (بالوسمي والولي) في أيامي تقطف الثمار وتصفو الأنهار من الأكدار ويترقرق دمع العيون ويتلون ورق الغصون طوراً يحاكي البقم وتارة يشبه الأرقم وحيناً يبدو في حلته الذهبية فيجذب إلى خلته القلوب الأبية وفيها يكفي الناس هم الهوام ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها رافلة في الملابس المجددة من ريشها وتعصر بنت العنقود وتوثق في سجن الدن بالقيود على أنها ل تجترح إثماً ولم تعاقب إلا عدواناً وظلماً بي تطيب الأوقات وتحصل اللذات وترق النسمات وترمى حصى الجمرات وتسكن حرارة القلوب وتكثر أنواع المطعوم والمشروب كم لي من شجرة أكلها دائم وحملها النفع المعتدي لازم وورقها على الدوام غير زائل وقدود أغصانها تخجل كل رمح زابل.
إن فصل الخريف وافى إلينا ... يتهادى في حلةٍ كالعروس
غيره كان للعيون ربيعاً ... وهو ما بيننا ربيعُ النفوسِ
(وقال الشتاء) أنا شيخ الجماعة وربُّ البضاعة والمقابل بالسمع والطاعة أجمع شمل الأصحاب وأسدل عليهم الحجاب وأتحفهم بالطعام والشراب ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونه الباب أميل إلى المطيع القادر المستطيع
стр. 236
المعتضد بالبرود والفرا المتمسك من الدينار بأوثق العرى ومن يعش عن ذكري ولم يمتثل أمري أرجفته بصوت الرعد وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد وسرت إليه بعساكر السحاب ولم أقنع من الغنيمة بالإياب معروفي معروف ونيل نيلي موصوف وثمار إحساني دانية القطوف كم لي من (وابل) طويل المدى (وجود) وافر الجدى (وقطر) حلا مذاقه (وغيث) قيد العفاة إطلاقه (وديمة) تطرب السمع بصوتها (وحياً) (وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [الروم: ٥٠] أيامي وجيزة وأقاتي عزيزة ومجالسي معمورة بذوي السيادة مغمورة بالخير والمير والسعادة نقلها يأتي من أنواعه بالعجب ومناقلها تسمح بذهب اللهب وراحها تنعش الأرواح وسقاتها بجفونهم السقيمة تفتن العقول الصحاح إن ردتها وجدت مالاً ممدوداً وإن زرتها شاهدت لها بنين شهوداً.
" وكتب بعضهم مناظرة بين البر والبحر "
قال (البر) يا صاحب الدَّر ومعدن الدُر أطرقت رياضي ومزقت جسوري وأحواضي وأغرقت جثتي ودخلت جنتي وتلاطمت أمواجك على جنتي وأكلت حزائري وجروفي وأهلكت مرعى فصيلي وخروفي وأهزلت ثوري وحملي وفرسي وجملي وأجريت سفنك على أرض لم تجر عليها ولم تمل طرف غرابها إليها وغرست أوتادها على أوتاد الأرض وعرست في مواطن النفل والفرض وجعلت مجرى مراكبك في مجرى مراكبي ومشى حوتك على بطنه في سعد أخبية مضاربي وغاص ملاحك في ديار فرحي وهاجرت من القرى إلى أم القرى وحملت فلاحي أثقاله على القِرى وقد تلقيتك من الجنادل بصدري وحملتك إلى برزخك على ظهري وقبلت أمواجك بثغري وخلقت مقياسي فرحاً بقدومك إلى مصري وقد حرت وعدلت وفعلت فلعلك تغيض ولا يكون ذهابك عن ذهاب بغيض
стр. 237
أو تفارق هذه الفجاج وتختلط بالبحر العجاج وإن لم تفعل شكوناك إلى من أنزلك من السماء وأنعم بك علينا من خزائن الماء؟
إذا لم تكن ترحم بلاداً ولم تغث ... عباداً فمولاهم يغيث ويرحمُ
وإن صدرتْ منهم ذوبٌ عظيمةٌ ... فعفو الذي أجراك يا بحر أعظمُ
نمدُّ إليه أيدياً لم نمدّها ... إلى غيره والله بالحال أعلم
قال (البحر) يا بر يا ذا البرّ هكذا تخاطب ضيفك وهو يخصب شتاءك وصيفك وقد ساقني الله إلى أرضك الجزر ومعدن الدر والخزر لأبهج زرعها وخيلها وأخرج أبها ونخيلها وأكرم ساكنك وأنزل البركة في أماكنك وأثبت لك في قلب أهلك أحكام المحبة وأنبت بك لهم في كل سنبلة مائة حبة وأحييك حياة طيبة يبتهج بها عمرك الجديد ويتلو (كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَىَ) [البقرة: ٧٣] ألسنة العبيد وأطهرك من الأوساخ وأحمل إليك الإبليز فأطيبك به من عرق السباخ وأنا هدية الله إلى مصرك وملك عصرك القائم بنصرك ولولا بركاتي عليك ومسيري في كل مسرى إليك لكنت وادياً غير ذي زرع وصادياً غير ذي ضرع.
سريتُ أنا ماءُ الحياة فلا أذى ... إذا ما حفظتُ الصحب فالمالُ هينُ
فكن خضراً يا بر واعلم بأنني ... إلى طينك الظمآن بالري أحسن
وأسعى إليه من بلادٍ بعيدةٍ=وأحسن أجري بالتي هي أحسنُ
إذا طاف طوفاني بمقياسك الذي ... يسرُّ بإتيان الوفاء ويعلنُ
فقم وتلقّاه ببسطتك التي ... لروضها فضلٌ على الروض بينُ
ولعمري لقد تلطف (البر) في عتابه وأحسن ودفع (البحر) في جوابه بالتي هي أحسن وقد اصطلحا وهما بحمد الله أخوان متضافران على عمارة بلاده ونشر الثروة ونمو الخيرات بين عباده فالله تعالى يخصب مرعاهما ويحرسهما ويرعاهما.
стр. 238
" وكتب بعض الأدباء مناظرة بين الهواء والماء "
الحمد لله الذي رفع فلك الهواء على عنصر التراب والماء "أما بعد" فأنا (الهواء) الذي أؤلف بين السحاب وأثقل نسيم الأحباب وأهب تارة بالرحمة وأخرى بالعذاب وأنا الذي سير بي الفلك في البحر كما تسير العيس في البطاح وطار بي في الجو كل ذي جناح وأنا الذي يضطرب مني الماء اضطراب الأنابيب في القنا إذا صفوت صفا العالم وكان له نضرة وزهواً وإذا تكدرت انكدرت النجوم وتكدر الجو لا أتلون مثل الماء المتلون بلون الإناء: لولاي ما عاش كل ذي نفس ولولاي ما طاب الجو من بخار الأرض الخارج منها بعد ما احتبس ولولاي ما تكلم أدمي ولا صوت حيوان ولا غرد طائر على غصن بان ولولاي ما سمع كتاب ولا حديث ولا عرف طيب المسموع المشموم من الخبيث، فكيف يفاخرني الماء الذي إذا طال مكثه ظهر خبثه وعت فوقه الجيف وانحطت عنده اللآلئ في الصدف فقال (الماء) الحمد لله الذي خلق كل حي (أما بعد) : فأنا أول مخلوق ولا فخر وأنا لذة الدنيا والآخرة ويوم الحشر وأنا الجوهر الشفاف المشبه بالسيف إذا سل من الغلاف، وقد خلق الله في جميع الجواهر حتى اللآلئ والأصداف، أحيي الأرض بعد مماتها وأخرج منها للعالم جميع أقواتها وأكسو عرائس الرياض أنواع الحلل وأنثر عليها لآلئ الوبل والطلل حتى يضرب بها في الحسن المثل كما قيل:
إن السماءَ إذا لم تبك مقلتها ... لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر
فكيف ينكر فضلي من دب أو درج وأنا البحر الذي قيل عنه في الأمثال (حدث عن البحر ولا حرج) وأما أنت أيها الهواء فطالما أهلكت أمماً بسمومك وزمهريرك ولا تقوم جنتك بسعيرك.
стр. 239
وأما قولك لولاي ما عاش إنسان ولا بقي على الأرض حيوان فجوابه "لو شاء الله تعالى لعاش العالم بلا هواء كما عاش عالم الماء في الماء" وأنشدك الله أما رأيت ما حباني الله به من عظيم المنة حيث جعلني نهراً من أنهار الجنة أنا أرفع الأحداث وأطهر الأخباث وأجلو النظر وأزيل الوضر أما رأيت الناس إذا غبت عنهم يتضرعون إلى الله بالصوم والصلاة والصدقة والدعاء ويسألونه تعالى إرسالي من قبل السماء واعلم أنني ما نلت هذا المقام الذي ارتفعت به على أبناء جنسي إلا بانحطاطي الذي عيرتني به وتواضعي وهضم نفسي.
وكثر بينهما النزاع والجدال حتى حكم بينهما أمير وقال: إن كلاً منكما محق فيما أشبهكما في السماء بالفرقدين وفي الأرض بالعينين إلا أن مرآة الحق أرتني فضيلة تفضل بها أيها الماء أخاك الهواء وحققت لي بأنكما لستما في الفضل سواء وهي (أن الله تعالى خلق آدم من الماء) فاعترف لأخيك بالفضل والذكاء.
" وكتب المقدسي المتوفى سنة ٨٧٥هـ مناظرة بين الجمل والحصان "
قال "الجمل" أن أحمل الأثقال وأقطع بها المراحل الطوال وأكابد الكلال وأصبر على مر النكال ولا يعتريني من ذلك ملال وأصول صولة الإدلال بل أنقاد للطفل الصغير ولو شئت استصعبت على الأمير الكبير فأنا الذلول وللأثقال حمول لست بالخائن ولا الغلول ولا الصائل عند الوصول أقطع في الوحول ما يعجز عنه الفحول وأصابر الظلماء في الهواجر ولا أحول فإذا قضيت حق صاحبي وبلغت مآربي القيت حبلي على غاربي وذهبت في البوادي اكتسب من الحلال زادي فإن سمعت صوت حادي سلمت إليه قيادي وواصلت فيه سهادي وطلقت طيب رقادي ومددت إليه عنقي لبلوغ مرادي فأنا إن ضللت فالدليل هادي وإن زللت أخذ بيدي من إليه انقيادي وإن ظمئت فذكر الحبيب زادي
стр. 240
وأنا المسخر لكم بإشارة (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ) [النحل: ٧] فلم أزل بين رحلة ومقام حتى أصل إلى ذلك المقام.
فقال (الحصان) أنا أحمل على كاهلي فأجتهد به في السير وأنطلق به كالطير أهجم هجوم الليل وأقتحم اقتحام السيل فإن كان طالباً أدرك في طلبه وإن كان مطلوباً قطعت عنه سببه وجعلت أسباب الردى عنه محتجبة فلا يدرك مني إلا الغبار ولا يسمع عني إلا الأخبار وإن كان الجمل هو الضابر المجرب فأنا السابق المقرب وإن كان هو المقتصد اللاحق فأنا المقرب السابق فإذا كان يوم اللقاء قدمت أقدام الواله وسبقت سبق نباله وذلك متخلف لثقل أحماله وإن أوثق سائسي قيدي وأمن قائدي كيدي أوثقت بشكالي لكيلا أحول على أشكالي وألجمت بلجامي كيلا أغفل عن قيامي وأنعلت الحديد أقدامي كيلا أكلّ عن إقدامي فأنا الموعود بالنجاة المعدود لنيل الجاه المشدود للسلامة المقصود للكرامة قد أجزل النعم عن إنعامه وأمضي بالعناية الأزلية أحكامه فإن الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة خلقت من الريح وألهمت التسبيح وما برح ظهري عزا وبطني كنزاً وصهوتي حرزاً فكم ركضت في ميدان السباق وما أبديت عجزاً وكم حززت رؤوس أهل النفاق حزاً وكم أخليت منهم الآفاق (هَلْ تُحِسّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) [مريم: ٩٨] .
" الفن الثالث في الأمثال "
المثل عبارة عن تأليف لا حقيقة له في الظاهر وقد ضمن باطنه الحكم السافية وهي ثلاثة أقسام مفترضة ممكنة ومخترعة مستحيلة ومختلطة.
فالأمثال المفترضة الممكنة هي ما نسب فيها النطق والعمل إلى عاقل
стр. 241
والمخترعة المستحيلة ما جاءت على ألسنة الحيوانات والجمادات فيعزى لها النطق والعمل لإرشاد الإنسان.
والمختلطة ما دار فيها الكلام أو العمل بين الناطق وغير الناطق.
وشروط المثل أربعة "الأول" أن تكون روايته خالية من كل تعقيد ليفضي المقصود منه إلى ذهن السامع "الثاني" أن لا يكون مسهباً مملاً "الثالث" أن يبهج السامع بطلاوته ويفكه فكرته بهزل كلامه وابتكار معانيه ويضبط عقله في فهم الرواية المختلفة وفض مشكلها "الرابع" أن يورد بصورة محتملة وفوائد المثل جمة منها نزهة البال وترويح الخاطر ومنها استقصاء الحكم. وهي قديمة العهد جداً ولا يعرف اسم أول من تكلم بها وكما تكون نثراً تكون نظماً. ولنذكر لك من الأمثال ما طاب وراق فنقول:
" أمثال القرآن الكريم "
أمثال القرآن الشريف قسمان ظاهر مصرح به وكامن لا ذكر للمثل فيه.
أما أمثاله الظاهرة فكقوله تعالى في شأن المنافقين: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾ أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنّ اللهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٠﴾ [البقرة: ١٧ ٢٠] وقوله تعالى في شأن الذي ينفق أمواله ابتغاء مرضاة الله والذي يُنفقها رياءً (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ كَالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ
стр. 242
صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاّ يَقْدِرُونَ عَلَىَ شَيْءٍ مّمّا كَسَبُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٢٦٤﴾ وَمَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢٦٥﴾ أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ) وقوله تعالى في تمثيل الحق والباطل: (أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ) [الرعد: ١٧] وقوله تعالى في تمثيل لحكمة وضدها: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ ﴿٢٤﴾ تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ ﴿٢٥﴾ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) [إبراهيم: ٢٤ ٢٦] وقوله جل شأنه في حال الكفار وما يعبدون من دون الله.
(ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذّبَابُ شَيْئاً لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الح: ٧٣] وقوله تعالى: (مَثَلُ الّذِينَ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: ٤١]
стр. 243
وقوله تعالى في أن عمل الكافر يذهب هباء تذروه الرياح.
(مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاّ يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُواْ عَلَىَ شَيْءٍ) [إبراهيم: ١٨] وقوله تعالى: (وَالّذِينَ كَفَرُوَاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمْآنُ مَآءً حَتّىَ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٣٩﴾ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ) [النور: ٣٩ ٤٠] .
وقوله تعالى في أن الدنيا ظل زائل وخيال باطل.
(وَاضْرِبْ لَهُم مّثَلَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرّياحُ) [الكهف: ٤٥] وقوله تعالى: (اعْلَمُوَاْ أَنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً) [الحديد: ٢٠] وأما أمثاله الكامنة فهي الآداب البارعة والحكم الباهرة
فمن ذلك قوله تعالى: (لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ) [النجم: ٥٨] .
(لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ) [آل عمران: ٩٢] .
(الاَنَ حَصْحَصَ الْحَقّ) [يوسف: ٥١] .
(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ) [يس: ٧٨] .
(ذَلِكَ بِمَا قَدّمَتْ يَدَاكَ) [الحج: ١٠] .
(قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) [يوسف: ٤١] .
(أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود: ٨١] .
(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبأ: ٥٤] .
(وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ الشّكُورُ) [سبأ: ١٣] .
(وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّىءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: ٤٣] .
(قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ) [الإسراء: ٨٤] .
(عَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ) [البقرة: ٢١٦] .
(كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: ٣٨] .
(لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ) [الأنعام: ٦٧] .
(هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاّ الإِحْسَانُ) [الرحمن: ٦٠] .
(كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً) [البقرة: ٢٤٩] .
(آلاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) [يونس: ٩١] .
(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّىَ) [الحشر: ١٤] .
(وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: ١٤] .
(كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: ٥٣] [الروم: ٣٢] .
(وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ) [الأنفال: ٢٣] .
(مَا عَلَى الرّسُولِ إِلاّ الْبَلاَغُ) [المائدة: ٩٩] .
(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ) [التوبة: ٩١] .
(لاَ يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] .
(لاّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطّيّبُ) [المائدة: ١٠٠] .
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ) [الروم: ٤١] .
(لِمِثْلِ هََذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات: ٦١] .
(فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ) [الحشر: ٢] .
جملة من أمثال العرب والمولدين ما يماثلها من القرآن الكريم
القتل أنفى للقتل (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) [البقرة: ١٧٩] .
إن عادت العقرب عدنا لها (وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا) [الإسراء: ٨] (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ) [الأنفال: ١٩] .
إن غداً لناظره قريب (أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود: ٨١] .
قد وضح الأمر لذي عينين (الاَنَ حَصْحَصَ الْحَقّ) [يوسف: ٥١] .
أعط أخاك تمرة فإن أبى فجمرة (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرّحْمََنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً) [الزخرف: ٣٦] .
سبق السيف العذل (قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) [يوسف: ٤١] .
قد حيل بين العير والنزوان (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبإ: ٥٤] .
عادت غيث على ما أفسد (ثُمّ بَدّلْنَا مَكَانَ السّيّئَةِ الْحَسَنَةَ) الأعراف: ٩٥] .
لكل مقام مقال (لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ) [الأنعام: ٦٧] .
مصائب قوم عند قوم فوائد (تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا) [آل عمران: ١٢٠] .
من حفر لأخيه بئراً وقع فيها (وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّىءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: ٤٣] .
كل البقل لا تسأل عن المبقلة (لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: ١٠١] .
المأمول خير من المأكول (وَلَلاَخِرَةُ خَيْرٌ لّكَ مِنَ الاُولَىَ) [الضحى: ٤] .
لو كان في اليوم خير ما سلم على الصياد (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ) [الأنفال: ٢٣] .
الكلب لا يصيد كارهاً (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ) [البقرة: ٢٥٦] .
كل شاة ستناط برجليها (كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: ٣٨] .
عند الخنازير تنفق العذرة (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) [النور: ٢٦] .
стр. 244
" الفن الرابع في الأوصاف "
الوصف عبارة عن بيان الأمر باستيعاب أحواله وضروب نعوته الممثلة له وأصوله ثلاثة: الأول: أن يكون الوصف حقيقياً بالموصوف مفرزاً له عما سواه. الثاني: أن يكون ذا طلاوة ورونق. الثالث: أن لا يخرج فيه إلى حدود المبالغة والإسهاب ويكتفي بما كان مناسباً للحال وأنواعه كثيرة لكنها ترجع إلى قسمينوهما وصف الأشياء ووصف الأشخاص أما الأشياء الحرية بالوصف فهي كالأمكنة والحوادث ومناظر الطبيعة.
وأما وصف الأشخاص فيكون بوصف الصورة أو الطبع أو بوصفها معاً.
ولنذكر لك فقراً جارية على ألسنة البلغاء في صفات شتى ثم نتبعها بمقالات في الوصف نثراً ونظماً.
стр. 245
" وصف البلدان "
بلدة كأنها صورة الخلد منقوشة في عرض الأرض، بلدة كأن محاسن الدنيا مجموعة فيها ومحصورة في بواحيها، بلدة ترابها عنبر وحصباؤها عقيق، وهواؤها نسيم وماؤها رحيق، بلدة معشوقة السكنى ورحبة المثوى كوكبها يقظان وجوها عريان، يومها غداة وليلها سحر، بلدة واسعة الرقعة طيبة البقعة، واسعة البلاد وسرتها ووجهها وغرتها.
" وصف القلاع "
قلعة حلقت بالجو تناجي لسماء بأسرارها، قالعة تتوشح بالغيوم، وتجتلي بالنجوم، قلعة متناهية في الحصانة ممتنعة عن الطلب والطالب منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب، لم تزدها الأيام إلا نبؤ أعطاف واستصعاب جوانب وأطراف، قد مل الملوك حصارها ففارقوها عن طماح منها وشماس وسئمت الجيوش ظلها فغادرتها بعد قنوط ويأس، فهي حمى لا يراع ومعقل لا يستطاع، كأن الأيام صالحتها على الإعفاء من الحوادث والليالي عاهدتها على التسليم من القوارع.
" وصف الدور "
دار قرار توسع العين قرة والنفس مسرة، كأن بانيها استسلف الجنة فجعلت له، دار تخجل منها الدور وتتقاصر عنها القصور، دار قد اقترن اليمن بينماها واليسر بيسراها الجسوم منها في حضر والعون على سفر، دار دار بالسعد نجمها وفاز بالحسن سهمها يخدمها الدهر ويأويها البدر ويكنفها النصر، هي مرتع النواظر ومتنفس الخواطر، أخذت أدوات الجنان وضحكت من العبقري الحسان.
стр. 246
" وصف الديار الخالية "
دار لبست البلى وتعطلت من الحلى، صارت من أهلها خالية بعدما كانت بهم حالية، قد أنفد البين سكانها وأقعد حيطانها، دار شاهد اليأس منها ينطق وحبل الرجاء فيها يقصر، كأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر أركانها قيام وقعود وحيطانها ركع وسجود.
بكتْ دارهم من بهدهم فتهلَّلت ... دموعي فأيَّ الجازعين ألومُ
أمستعبراً يبكي على اللهو البلى ... أم آخر يبكي شجوه فيهيم
٢"وصف أيام الربيع" يوم جلابيب غيومه رواق وأردية نسيمه رقاق، يوم سماؤه فاختية وأر ضه طاووسية، يوم ممسك السماء معصفر الهواء معنبر الروض مصندل الماء، يوم تبسم عنه الربيع وتبرج عنه الروض المريع، يوم كأن سماءهمحد وأرضه عروس تتجلى، يوم دجنه عاكف وقطره واكف.
" وصف الرياض "
روضة رقت حواشيها وتأنق واشيها، روضة كالعقود المنظمة على البرود المنمنمة، روضة قد راضتها كف المطر ودبجتها أيدي الندى، رياض كالعرائس في حيلها وزخارفها والقيان في وشيها ومطارفها باسطة زرابيها وأنماطها ناشرة برودها ورياطها زاهية بحمرائها وصفرائها تائهة بعيدانها وغدرانها وكأنما احتفلت لوفد أو هي من حبيب على وعد، روضة قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها وتبرجت في ظلل الغمام صحراؤها وتنافحت
стр. 247
بنوافح المسك أنوارها وتعارضت بغرائب النطق أطيارها، بستان أنهاره محفوفة بالأزهار وأشجاره موقرة بالثمار، أشار كأن الحور أعارتها قدودها وكستها برودها وحلتها عقودها، شقائق كتيجان العقيق على رؤوس الزنوج كأنما أصداغ المسك على الوجنات الموردة كأن الشقيق جام من عقيق أحمر ملئت قرارته بمسك أذفر، الأرض زمردة والأشجار وشي والماء سيوف والطيور قيان، قد غردت خطباء الأطيار على منابر الأنوار والأزهار.
" وصف طول الليل والسهر وما يعرض فيه من الهموم والكفر ".
ليلة قص جناحها وظل صاحبها، ليال ليست لها أسحار وظلمات لا يتخللها أنوار، ليل ثابت الأطناب بطيء الغوراب طامح الأمواج وافي الذوائب بات بليلة ساورته فيها الهموم وسامرته النجوم واكتحل السهاد وافترش القتاد اكتحل بماء السهر وتململ على فراش الكفر قد أقض مهاده وقلق وساده هموم تفرق بين الجنب والمهاد وتجمع بين العين والسهاد.
" وصف انتصاف الليل وتناهيه وانتشار النور وأفول النجوم ".
قد اكتهل الظلام قد نصفنا عمر الليل واستغرقنا شبابه قد شاب رأس الليل كاد ينم النسيم بالسحر قد انكشف غطاء الليل وستر الدجى: هرم الليل وشمطت ذوائبه، قوضت خيام الليل وخلع الأفق ثوب الدجى تبسم الفجر ضاحكاً من شرقه ونصب أعلامه على منازل أفقه، اقتنص بازي الضوء غراب الظلام وفض كافور النور مكن الغسق مسك الختام طرز قميص الليل بغرة الصبح، باح الصبح بسره، خلع الليل ثيابه وحدر الصبح نقابة بث الصبح طلائعه تبرقع الليل بغرة الصبح أطار منادي الصبح غراب الليل
стр. 248
عزلت نوافج الليل بجامات الكافور وانهزم جيش الظلام عن عسكر النور مالت الجوزاء وانطفأ قنديل الثريا.
" وصف طلوع الشمس وغروبها "
بدا حاجب الشمس ألقت الغزالة لعابها وضربت الضحى أطنابها وانتشر جناح الضو في أفق لجو استوى شباب النهار على رونق الضحى بلغت الشمس كبد السماء قام قائم الهاجرة ورمت الشمس بجمرات الشمس اصفرت غلالة الشمس وصارت كأنها الدينار يلمع في قرار الماء نفضت تبراً على الأصيل وشدت رحلها للرحيل جنحت الشمس إلى مغاربها دلكت دلوح واغبر لوح اللوح تصوبت الشمس للمغيب تضيفت للغروب فآذن جنبها بالوجوب شاب النهار وأقبل شاب الليل استتر وجه الشمس وتوارت بالحجاب كأن الأمر من مطلع الفلق إلى مجمع الغسق.
" وصف الرعد والبرق "
قام خطيب الرعد نبض عرق البرق، سحابة ارتجزت رعودها وذهبت ببروقها برودها، نطق لسان الرعد وخفق قلب البرق، فالعرد ذو صخب والبرق ذو لهب، ابتسم البرق عن قهقهة الرعد، زأرت أسود الرعد ولمعت سيوف البرق رعدت الغمائم وبرقت، وانحلت عرى السماء فطبقت هدرت رواعدها وقربت أبعادها وصدقت مواعدها.
стр. 249
" وصف مقدمات المطر "
لبست المساء سربالها وسحبت السحائب أذيالها قد احتجت السماء في سرادق الغيم، لبس الجو مطرفه الأدكن باحت الريح بأسرار الندى ضريت خيمة الغمام، ابتل جناح الهواء واغرورقت مقلة السماء هبت شمائل الجنائب لتأليف شمل السحائب، تألفت أشتات الغيوم وأسبلت الستور على النجوم.
" وصف البرد والثلج وأيام الشتاء "
مد الثلج شتائه وألقى أرواقه وحل نطاقه أناخ بنوازله وأرسى بكلاكله وكلح بوجهه وكشر عن أنيابه قد عادت الجبال شيبا ولبست من الثلوج ملاء قشيباً شابت مفارق البروج بتراكم الثلوج ألم الشيب بها وابيضت لممها وبرد يقضقض الأعضاء وينقض الأحشاء برد يجمد الريق في الأشداق والدمع في الآماق يوم كأن الأرض شابت لهوله يوم فضي الجلباب مسكي النقاب عبوس قمطرير كشر عن ناب الزمهرير وفرش الأرض بالقوارير يوم أرضه كالقوارير اللامعة وهواؤه كالزنابير اللاسعة.
" وصف المطر والماء والسحاب والغدران "
ماء إذا مسته أيدي النسيم حكى سلاسل الفضة غدير ترقرقت فيه دموع السحائب وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب انحل عقد السماء وانهل دمع الأنواء انحل سلك القطر در البحر سحابة تحدو من الغيوم جمالاً وتمد من الأمطار حبالاً سحابة ترسل الأمطار أمواجاً
стр. 250
والأمواج أفواجاً سحابة يضحك من بكائها الروض وتخضر من سواتها الأرض سحابة لا تجف جفونها ولا يجف أنينها ديمة روت أديم الثرى ونبهت عيون النور من الكرى سحابة ركبت أعناق الريح وسحت كأفواه الجراح مطر كأفواه القرب.
" وصف القيظ وشدة الحر "
حر يشبه قلب الصب ويذيب دماغ الضب قوي سلطان الحر وبسط بساط الجمر أوقدت الشمس نارها وأذكت أوارها حر يلفح حر الوجه، هاجرة كأنها من قلوب العشاق إذا اشتعلت فيها نار الفراق هاجرة تحكي نار المهجر وتذيب قلب الصخر حلا يهرب له الحرباء من الشمس قد صهرت الهاجرة الأبدان وركبت الجنادب العيدان حر ينضج الجلود ويذيب الجلمود أيام كأيام الفرقة امتداداً وحر كحر الوجد اشتداداً هاجرة كالسعير الهاجم يجر أذيال السمائم.
" وصف الشيب "
ذوى غصن شبابه بدت في رأسه طلائع المشيب أقمر ليل ظهرت غرة القمر وأومض البرقفي ليل الشعر رمي فاحم القود بضده واشتعل المبيض في مسودة لمع ضوء فرعه وتفرق شمل جمعه علاه غبار وقائع الدهر، بينما هو راقد في ليل الشباب أيقظه صبح المشيب طوى مراحل الشباب وأنفق عمره بغير حساب جاوز من الشباب مراحل وورد من الشيب مناهل،
следующие страницы →