← Адаб

Адаб · id 21505

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب

أحمد الهاشمي

Полный текст (685 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

" وصف الديار الخالية " دار لبست البلى وتعطلت من الحلى، صارت من أهلها خالية بعدما كانت بهم حالية، قد أنفد البين سكانها وأقعد حيطانها، دار شاهد اليأس منها ينطق وحبل الرجاء فيها يقصر، كأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر أركانها قيام وقعود وحيطانها ركع وسجود. بكتْ دارهم من بهدهم فتهلَّلت ... دموعي فأيَّ الجازعين ألومُ أمستعبراً يبكي على اللهو البلى ... أم آخر يبكي شجوه فيهيم ٢"وصف أيام الربيع" يوم جلابيب غيومه رواق وأردية نسيمه رقاق، يوم سماؤه فاختية وأر ضه طاووسية، يوم ممسك السماء معصفر الهواء معنبر الروض مصندل الماء، يوم تبسم عنه الربيع وتبرج عنه الروض المريع، يوم كأن سماءهمحد وأرضه عروس تتجلى، يوم دجنه عاكف وقطره واكف. " وصف الرياض " روضة رقت حواشيها وتأنق واشيها، روضة كالعقود المنظمة على البرود المنمنمة، روضة قد راضتها كف المطر ودبجتها أيدي الندى، رياض كالعرائس في حيلها وزخارفها والقيان في وشيها ومطارفها باسطة زرابيها وأنماطها ناشرة برودها ورياطها زاهية بحمرائها وصفرائها تائهة بعيدانها وغدرانها وكأنما احتفلت لوفد أو هي من حبيب على وعد، روضة قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها وتبرجت في ظلل الغمام صحراؤها وتنافحت

стр. 247

بنوافح المسك أنوارها وتعارضت بغرائب النطق أطيارها، بستان أنهاره محفوفة بالأزهار وأشجاره موقرة بالثمار، أشار كأن الحور أعارتها قدودها وكستها برودها وحلتها عقودها، شقائق كتيجان العقيق على رؤوس الزنوج كأنما أصداغ المسك على الوجنات الموردة كأن الشقيق جام من عقيق أحمر ملئت قرارته بمسك أذفر، الأرض زمردة والأشجار وشي والماء سيوف والطيور قيان، قد غردت خطباء الأطيار على منابر الأنوار والأزهار. " وصف طول الليل والسهر وما يعرض فيه من الهموم والكفر ". ليلة قص جناحها وظل صاحبها، ليال ليست لها أسحار وظلمات لا يتخللها أنوار، ليل ثابت الأطناب بطيء الغوراب طامح الأمواج وافي الذوائب بات بليلة ساورته فيها الهموم وسامرته النجوم واكتحل السهاد وافترش القتاد اكتحل بماء السهر وتململ على فراش الكفر قد أقض مهاده وقلق وساده هموم تفرق بين الجنب والمهاد وتجمع بين العين والسهاد. " وصف انتصاف الليل وتناهيه وانتشار النور وأفول النجوم ". قد اكتهل الظلام قد نصفنا عمر الليل واستغرقنا شبابه قد شاب رأس الليل كاد ينم النسيم بالسحر قد انكشف غطاء الليل وستر الدجى: هرم الليل وشمطت ذوائبه، قوضت خيام الليل وخلع الأفق ثوب الدجى تبسم الفجر ضاحكاً من شرقه ونصب أعلامه على منازل أفقه، اقتنص بازي الضوء غراب الظلام وفض كافور النور مكن الغسق مسك الختام طرز قميص الليل بغرة الصبح، باح الصبح بسره، خلع الليل ثيابه وحدر الصبح نقابة بث الصبح طلائعه تبرقع الليل بغرة الصبح أطار منادي الصبح غراب الليل

стр. 248

عزلت نوافج الليل بجامات الكافور وانهزم جيش الظلام عن عسكر النور مالت الجوزاء وانطفأ قنديل الثريا. " وصف طلوع الشمس وغروبها " بدا حاجب الشمس ألقت الغزالة لعابها وضربت الضحى أطنابها وانتشر جناح الضو في أفق لجو استوى شباب النهار على رونق الضحى بلغت الشمس كبد السماء قام قائم الهاجرة ورمت الشمس بجمرات الشمس اصفرت غلالة الشمس وصارت كأنها الدينار يلمع في قرار الماء نفضت تبراً على الأصيل وشدت رحلها للرحيل جنحت الشمس إلى مغاربها دلكت دلوح واغبر لوح اللوح تصوبت الشمس للمغيب تضيفت للغروب فآذن جنبها بالوجوب شاب النهار وأقبل شاب الليل استتر وجه الشمس وتوارت بالحجاب كأن الأمر من مطلع الفلق إلى مجمع الغسق. " وصف الرعد والبرق " قام خطيب الرعد نبض عرق البرق، سحابة ارتجزت رعودها وذهبت ببروقها برودها، نطق لسان الرعد وخفق قلب البرق، فالعرد ذو صخب والبرق ذو لهب، ابتسم البرق عن قهقهة الرعد، زأرت أسود الرعد ولمعت سيوف البرق رعدت الغمائم وبرقت، وانحلت عرى السماء فطبقت هدرت رواعدها وقربت أبعادها وصدقت مواعدها.

стр. 249

" وصف مقدمات المطر " لبست المساء سربالها وسحبت السحائب أذيالها قد احتجت السماء في سرادق الغيم، لبس الجو مطرفه الأدكن باحت الريح بأسرار الندى ضريت خيمة الغمام، ابتل جناح الهواء واغرورقت مقلة السماء هبت شمائل الجنائب لتأليف شمل السحائب، تألفت أشتات الغيوم وأسبلت الستور على النجوم. " وصف البرد والثلج وأيام الشتاء " مد الثلج شتائه وألقى أرواقه وحل نطاقه أناخ بنوازله وأرسى بكلاكله وكلح بوجهه وكشر عن أنيابه قد عادت الجبال شيبا ولبست من الثلوج ملاء قشيباً شابت مفارق البروج بتراكم الثلوج ألم الشيب بها وابيضت لممها وبرد يقضقض الأعضاء وينقض الأحشاء برد يجمد الريق في الأشداق والدمع في الآماق يوم كأن الأرض شابت لهوله يوم فضي الجلباب مسكي النقاب عبوس قمطرير كشر عن ناب الزمهرير وفرش الأرض بالقوارير يوم أرضه كالقوارير اللامعة وهواؤه كالزنابير اللاسعة. " وصف المطر والماء والسحاب والغدران " ماء إذا مسته أيدي النسيم حكى سلاسل الفضة غدير ترقرقت فيه دموع السحائب وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب انحل عقد السماء وانهل دمع الأنواء انحل سلك القطر در البحر سحابة تحدو من الغيوم جمالاً وتمد من الأمطار حبالاً سحابة ترسل الأمطار أمواجاً

стр. 250

والأمواج أفواجاً سحابة يضحك من بكائها الروض وتخضر من سواتها الأرض سحابة لا تجف جفونها ولا يجف أنينها ديمة روت أديم الثرى ونبهت عيون النور من الكرى سحابة ركبت أعناق الريح وسحت كأفواه الجراح مطر كأفواه القرب. " وصف القيظ وشدة الحر " حر يشبه قلب الصب ويذيب دماغ الضب قوي سلطان الحر وبسط بساط الجمر أوقدت الشمس نارها وأذكت أوارها حر يلفح حر الوجه، هاجرة كأنها من قلوب العشاق إذا اشتعلت فيها نار الفراق هاجرة تحكي نار المهجر وتذيب قلب الصخر حلا يهرب له الحرباء من الشمس قد صهرت الهاجرة الأبدان وركبت الجنادب العيدان حر ينضج الجلود ويذيب الجلمود أيام كأيام الفرقة امتداداً وحر كحر الوجد اشتداداً هاجرة كالسعير الهاجم يجر أذيال السمائم. " وصف الشيب " ذوى غصن شبابه بدت في رأسه طلائع المشيب أقمر ليل ظهرت غرة القمر وأومض البرقفي ليل الشعر رمي فاحم القود بضده واشتعل المبيض في مسودة لمع ضوء فرعه وتفرق شمل جمعه علاه غبار وقائع الدهر، بينما هو راقد في ليل الشباب أيقظه صبح المشيب طوى مراحل الشباب وأنفق عمره بغير حساب جاوز من الشباب مراحل وورد من الشيب مناهل،

стр. 251

فل الدهر شبا شبابه ومحا محاسن روائه طار غراب شبابه وشاب أترابه استبدل بالأدهم الأبلق وبالغراب العقعق استعاض من الغراب بقادمة النسر أسفر صبح المشيب علته أهبة الكبر نفض جبة الصبا وتولى داعية الحجا الشيب زبدة مخضتها الأيام وفضة محصتها التجارب سرى في طريق الرشد بمصباح الشيب، الشيب خطام المنية الشيب نذير الآخرة. " وصف آلات الكتابة " الدواة من أنفع الأدوات وهي للكتابة عتاد وللخاطر زناد غدير لا يرد غير الأفهام ولا يمتح بغير أرشية الأقلام غدير تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره وتنشأ سحب البلاغة من قراره مداد كسواد العين وسويداء القلب وجناح الغراب ولعاب الليل وألوان دهم الخيل، مداد ناسب خافية الغراب واستعار لونه من شرخ الشباب أقلام جمة المحاسن بعيدة من المطاعن أنابيب ناسبت رماح الخط في أجناسها وشاكلت الذهب في ألوانها وضاهت الحديد في لمعانها أقلام كأنها الأميال استواء والآجال مضاء بطيئة الخفى قوية القوى، قلم لا ينبو إذا نبت الصفاح ولا يحجم إذا أحجمت الرماح قلم يسكت واقفاً وينطق ساكتاً. " وصف لخطباء " جلوا بكلامهم الأبصار العليلة وشحذوا بمواعظهم الأذهان الكليلة

стр. 252

ونبهوا القلوب من رقدتها ونقلوها عن سوء عادتها فشفوا من داء القسوة وغباوة الغفلة وداووا من العي الفاضح ونهجوا لنا الطريق الواضح خطيب لا تناله حبسة ولا ترتهنه لكنة ولا تتمشى في خطابه رتة ولا تتحيف بيانه عجمة ولا تعترض لسانه عقدة خطيب جواهر نفثاته صحاح وعرائس أفكاره صباح خطيب تزينت بدرر ألفاظه عقود الملح، لا عيب فيه إلا أن لفظه عطل الياقوت والدر خطيب مصقع ينثر لسانه اللؤلؤ المكنون هو الخطيب المصقع الذي أشخص بآيات خطبه الزاجرة عيون القوم وأبكاها هو الخطيب المصقع الذي تتلاعب بالعقول معانيه ويصاغ الدر من لفظ فيه هو الخطيب الذي تهتز له المنابر وتنقاد إليه كلمات السحر متسابقة آخذاً بعضها برقاب بعض. " وصف العلماء " يدر العلوم اللائح وقطرها الغادي والرائح وثبيرها الذي لا يزحم ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم أما فنون الأدب فهو ابن بجدتها وأخو جملتها وأبو عذرتها ومالك أزمتها تستخرج الجواهر من بحوره وتحلى لمعات الطروس بقلائد سطوره تآلبفه غرر منيرات أضاءت في وجوه دعم المشكلات عالم أقلامه نفثات السحر تآليفه عقائد أصبح الدهر من خطابها له بدائع مائسات الأعطاف، بحر البيان الزاخر شيخ المعارف وإمامها ومن في يديه زمامها لديه تنشد ضوال الأعراب وتوجد شوارد اللغة والإعراب مالك أعنة العلوم وناهج طريقها والعارف بترصيعها وتنميقها الناظم لعقودها الراقم لبرودها المجيد لإرهافها العالم بجلائها وزفافها ملك رق الكتابة والإنشاء وتصرف في فنون الإبداع كيف شاء عالم يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه صاحب المصنفات التي دلت على

стр. 253

وفرة اطلاعه وغزارة مادته وحسن بيانه لم يترك معنى مغلفاً إلا فتح صياصيه ولا مشكلاً إلا أوضح مبانيه. " وصف البلغاء " فلان يحوك الكلام على حسب الأمان ويخيط الألفاظ على قدود المعاني يجتني من الألفاظ أنوارها ومن المعاني ثمارها يعبث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الألفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره والمعاني تتغير في الانتثال على أنامله، بليغ نسق من جواهر كلامه أكاليل در ما لمنظمها سلك، بليغ تفك سهام أفكاره الزرد ناظم سلك البلاغة وقائد زمام البراعة إذا أوجز أعجز وإذا شاء أطال وأطلق من البلاغة العقال إذا أذكى سراج الفكر أضاء ظلام الأمر يستنبط حقائق القلوب ويستخرج ودائع الغيوب. " وصف الشعراء والمنشئين ومحاسن النظم والنثر " مقذف حصى القريض وجماره ومطلع شموسه وأقماره ونثره سحر البيان ونظمه قطع الجمان طلعت شمس الأدب من أفق أشعاره وتفجرت ينابيعها من خلال آثاره، شاعر توقدت جمرات أفكاره، وشاعر عرائس أفكاره صباح إن نثر بالنجوم في أفلاكها أو نظم فالجواهر في أسلاكها أخذت بمجامع القلوب كلمة إذا كتب انتسب ونسق المعجزات نسق حساب وأرى البدائع بيض الوجوه كريمة الأحساب إن نثر رأيت بحراً يزخر وإذا نظم أزرى بنظم العقود وأتى بأحسن من رقم البرود إذا كتب ملأ المهارق بياناً وأرى السحر عياناً هو الكاتب

стр. 254

الذي تحسد أرقام الطراز سطور قلمه ويود التبر لو كان مداد كلمة هو الكاتب لذي تنقاد إلى يراعه دقائق المعاني صاغرة بزمام، نثر كمثر الورد ونظم كنظم العقد نثر كالسحر أو أدق ونظم كالماء أو أرق نثر كما تفتح الزهر ونظم كما تنفس السحر، رسالة تضحك عن غرر وزهر وقصيدة تنطوي على حبر ودرر كلام كما هب نسيم السحر على صفحات الزهر، كتاب مطلعه مطلع أهله الأعياد وموقعه موقع نيل المراد، كتاب حسبته يطير من يدي لخفته ويلطف عن حسي لقلته صحائف تنوب عن الصفائح وقراطيس تزف إلى الأسماع عرائس القرائح صحائف ألبسها الحبر أثواباً من الحبر ودبجها صوب الفكر لا صوب المطر. " وصف الأمراء والأشراف " فلان من شرف العنصر لكريم ومعدن الشرف الصميم أصل راسخ وفرع شامخ ومجد باذخ قد ركب الله دوحته في قرارة المجد وغرس نبعته في منبت الفضل، والمج السان أوصافه والشرف نسب أسلافه دوحة رسب عرقها وبسق فرعها وطاب عودها واعتدل أوصافه والشرف نسب أسلافه دوحة رسب عرقها وبسق فرعها وطاب عودها واعتدل عمودها وفيأت ظلالها وتهدلت ثمارها ولفرعت أغصانها وبرد مقيلها أمير جيشيه الهمم دوحة مجده وريفه الظل وريقة أمير لا عيب في نداه إلا أنه يستعبد كل حر هو غرة الجمال وصورة الكمال عقد

стр. 255

المناصب به نضيد، أمير عبقت من شمائله نسمات الند وقطرت من سلسبيل أوصافه مياه المجد جامع ما تفرق من شمل الفضائل ناظم ما انتثر من عقد المآثر، أنارت به نجوم المعالي وشموسها، له شرف باذخ تعقد بالنجوم ذوائبه، ألقت إليه الرسالة مقاليدها وملكته طريفها وتليدها أمير تفرع من دوحة سناء وتحدر من سلالة أكابر ورقاه أسرة ومنابر مرتضع ثدي المجد ومفترش حجر الفضل له صدر تضيق به الدهناء وتفزع إليه الدهماء لهفي كل مكرمة غرة إلا صباح وفي كل فضيلة قادمة الجناح له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح ويترقرق فيها ماء الكرم وتقرأ فيها صفيحة البشر ينابيع الجود تتفجر من أنامله وربيع السماك يضحك من فواضله له أخلاق خلقن من الفضل وشيم تشام منها بوارق المجد أرج الزمان بفضله، وعقم النساء عن الإتيان بمثله ما له للعفاة مباح وفعاله في ظلمة الدهر مصباح، مناقب تشدخ في جبينها غرة الصباح وتتهادى أنباءها وفود الرياح سألت عن أخباره فكأني حركت المسك فتيقاً أو صبحت الروض أنيقاً هو رائش نبلهم ونبعة فضلهم وواسطة عقدهم، لههمة علا جناحها إلى عنان النجم وامتد صباحها من شرق إلى غرب همته أبعد من مناط الفرقد وأعلى من منكب الجوزاء موضعه من أهل الفضل موضع الواسطة من العقد وليلية التم من الشهر بل ليلة القدر إلى مطلع الفجر هطلت علي سحائب عنايته ورفرفت حولي أجنحة رعايته قد

стр. 256

استظهرت على جور الأيام بعدله واستترت من دهري بظله قد غرقتني نعمه حتى استنفدت شكر لساني ويدي، تتابعت نعمه تتابع القطر على القفر وترادفت مننه ترادف اليسر إلى ذي الفقر له أياد قد عمت الآفاق وطوقت الأعناق أياد قد حسبت عليه الشكر واستعبدت له الحر منن توالت توالي القطر واتسعت سعة البر والبحر وأثقلت كاهل الحر. " وصف القلم " القلم أحد اللسانين وهو المخاطب للغيوب بسرائر القلوب على لغات مختلفة من معان معقولة بحروف معلولة متباينات الصور مختلفات الجهات لقاحها التفكر ونتاجها التدبير تخرس منفردات وتنطق مزدوجات بلا أصوات مسموعة ولا ألسن محدودة ولا حركات ظاهرة خلا فلم حرف باريه قطته ليتعلق المداد به وأرهف جانبيه ليرد ما انتشر عنه إليه وشق رأسه ليحتبس المداد عليه فهنالك استمد القلم بشقه ونثر في القرطاس بخطه حروفاً أحكمها التفكر وأولى الإسماع بها الكلام الذي سداه العقل وألمحه اللسان ونهسته اللهوات وقطعته الأسنان ولفظته الشفاه ووعته الأسماع عن أنحاء شتى من صفات وأسماء. قال البحتري: طعانٌ بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المتكسر " وصف الخط لأبي الحسن القيرواني المتوفي سنة ٤٨٨ ه ـ?" سئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة قال: إذا اعتدلت أقسامه وطالت ألفه ولامه واستقامت سطوره وضاهى صعوده وحدوره وتفتحت عيونه ولم تشتيه راؤه ونونه وأشرق قرطاسه وأظلمت أنفاسه ولم تختلف أجناسه وأسرع إلى العيون تصوره وإلى العقول تثمره وقدرت فصوله واندمجت أصوله وتناسب دقيقه وجليله وخرج من نمط الوراقين وبعد عن تصنع المحبرين وأقام لصاحبه مقام النسبة والحلية.

стр. 257

" وصف الكتاب " الكتاب نعم الأنيس في ساعة الوحدة ونعم المعرفة في دار الغربة ونعم القرين والدخيل ونعم الزائر والنزيل وعاء مليء علماً وظرفاً وإناء ملئ مزحاً وجداً وحبذا بستان يحمل في خرج وروض يقلب في حجر هل سمعت بشجرة: (تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ) [إبراهيم: ٢٥] يألوان مختلفة وطعوم متباينة هل سمعت بشجرة لا تؤذى وزهر لا يتوى وثمر لا يفنى ومنة لك بجليس

стр. 258

يفيد الشيء وخلافه والجنس وضده ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء إن غضبت لم يغضب وإن عربدت لم يصخب أكتم من الأرض وأنم من الريح وأهوى من الهوى وأخدع من المنى وأمتع من الضحى وأنطق من سحبان وائل وأعيا من باقل هل سمعت بمعلم تحلا بخلال كثيرة وجمع أوصافاً عديدة عربي وفارسي يوناني هندي سندي رومي إن وعظ أسمع وإن ألهى امنع وإن أبكى أدمع وإن ضرب أوجع يفيدك ولا يستفيد منك ويزيدك ولا يستزيد منك إن جد فعبرة وإن مزح فنزهة قبر الأسرار ومخزن الودائع قيد العلوم وينبوع الحكم ومعدن المكارم ومؤنس لا ينام يفيدك علم الأولين ويخبرك عن كثير من أخبار المتأخرين هل سمعت في الأولين أو بلغك أن أحداً من السالفين جمع هذه الأوصاف مع قلة ومؤونته وخفة محمله لا يرزؤك شيئاً من دنياك نعم المدخر والعدة والمشتغل والحرفة جليس لا يطريك ورفيق لا يملك يطيعك في الليل طاعته في النهار ويطيعك في السفر طاعته في الحضر إن أطلت النظر إليه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك إن الفته خلد على الأيام ذكرك وإن درسته رفع في الخلق قدرك وإن نعته نوه عندهم باسمك يقعد العبيد في مقاعد السادات ويجلس السوقة في مجالس الملوك فأكرم به من صاحب وأعزز به من موافق.

стр. 259

" وصف عاصفة لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ ه ـ?" أتى عارض في ليل الجمعة التاسعة من جمادى الآخرة كانت فيه ظلمات متكاثفة وبروق خاطفة ورياح عاصفة فقويت أهويتها واشتد هبوبها فتافعت لها أعنة مطلقات وارتفعت لها صواعق مصفعات فرجفت لها الجدران واصطفق وتلاقت على بعدها واعتنقت، وثار بين السماء والأرض عجاج فقيل لعل هذه على هذه أطبقت وتحسب أن جهنم قد سال منها واد وعدا منها عاد وزاد عصف الرياح إلى أن انطفأت مصابيح النجوم ومزق أديم السماء ومحا ما فوقه من الرقوم لا عاصم من الخطف للأبصار ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار وفر الناس نساء ورجالاً ونفروا دورهم خفافاً وثقالا لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فاعتصموا بالمساجد الجامعة وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة ووجوه عانية ونفوس عن الأهل والمال سالية ينظرون من طرف خفي ويتوقون أي خطب جلي قد انقطعت من الحياة علقهم وعميت عن النجاة طرقهم ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون وقاموا إلى صلاتهم وودوا أن لو كانوا من الذين هم عليها دائمون إلى أن أذن الله في الركود وأسعف الهاجدين بالهجود وأصبح كل يسلم على رفيقه ويهنئه بسلامة طريقه ويرى أنه قد بعث بعد النفخة وأفاق بعد الصيحة والصرخة وأن الله قد رد له الكرة وأدبه بعد أن كاد يأخذه على غرة ووردت الأخبار بأن كسرت المراكب في البحار والأشجار في القفار وأتلف خلق كثير من السفار ومنهم من وفر فلم ينفعه الفرار.

стр. 260

" وصف العلم لبديه الزمان الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨ ه ـ?" العلم شيء بعيد المرام لا يصاد بالسهام ولا يقسم بالأزلام ولا يرى في المنام ولا يضبط باللجام ولا يكتب للثام ولا يورث عن الآباء والأعمام. وزرع لا يزكو إلا متى صادف الحزم ثرى طيباً ومن التوفيق مطراً صبياً ومن الطبع جوا صافيا ومن الجهد روحا دائما ومن الصبر سقيا نافعاً. وغرض لا يصاب إلا بافتراش المدر واستناد الحجر ورد الضجر وركوب الخطر وإدمان السهر واصطحاب السفر وكثرة النظر وإعمال الفكر.

стр. 261

" وصف الإمام العادل " كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف ونصفة كل مظلوم ومفزع كل ملهوف والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد له أطيب المرعى يذودها عن مراتع المهلكة ويحميها من السباع ويكنفها من أذى الحر والقر، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغاراً ويعلمهم كباراً يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرها ووضعته كرها وربته طفلاً تسهر بسهره وتسكن بسكونه ترضعه تارة وتفطمه أخرى وتفرح بعافيته وتغتم بشاكيته والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده، والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله

стр. 262

ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد إئتمنه الله سيده واستحفظه ماله وعياله فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وفرق ماله واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده فكيف إذا قتلهم من يقتص منهم. واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه فتزود له ولما بعده من الفرع الأكبر واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك يسلمونك في قعره فريداً وحيداً فتزود له ما يصحبك (يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ) [عبس: ٣٤ ٣٦] واذكر يا أمير المؤمنين (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴿٩﴾ وَحُصّلَ مَا فِي الصّدُورِ) [العاديات: ٩ ١٠] فالأسرار ظاهرة، و (الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا) [الكهف: ٤٩] ، فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين عباد الله بحكم الجاهلين ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة فتبوء بأوزارك وتحمل أثقالك وأثقالاً مع أثقالك ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك، لا تنظر إلى قدرتك اليوم ولكن انظر إلى قدرتك غداً وأنت مأسور في حبائل الموت وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولوا النهي من قبلي فلم آلك

стр. 263

شفقة ونصحا فانزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجوا له في ذلك من العافية والصحة والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. " وصف عمر بن العاص مصر لسيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب " مصر تربة غبراء وشجرة خضراء طولها شهر وعرضها عشر يخط وسطها نهر ميمون الغدوات مبارك الروحات يجري بالزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر له أوان تظهر به عيون الأرض وينابيعها حتى إذا اصطلح عجاجه وتعظمت أمواجه لم يكن وصول أهل القرى إلى بعض إلا في خفاف القوارب وصغار المراكب فإذا تكاملت زيادته نكص على عقبيه كأول ما بدأ في شدته وطما في حدته فعند ذلك يخرج القوم ليحرثوا بطون أوديته وروابيه فيبذرون الحب ويرجون الثمار من الرب حتى إذا أشرق وأشرف سقاه من فوقه الندى وغذاه من تحته الثرى فعند ذلك يدور حلابه ويغنى ذبابه فبينما هي يا أمير المؤمنين درة بيضاء إذ هي عنبرة سوداء فإذا هي زبرجدة خضراء فتبارك الله الفعال لما يشاء. " وصف حرب لأبي منصور الثعالبي النيسابوري المتوفي سنة ٤٢٩ ه ـ?" عندما دارت رحى الحرب صمتت الألسنة ونطقت الأسنة وخطبت السيوف على منابر الرقاب وأقدمت الرماح على الخطط الصعاب وتلاصقت القنا والقنابل وتعانقت الصوارم والمناصل وبلغت القلوب الحناجر وأدركت السيوف المناحر وضاق المجال وتحكمت الآجال فلا ترى

стр. 264

إلا رؤوساً تندر ودماء تهدر وأعضاء تتطاير وتتناثر وأجساماً تتزايل وتتمايل حتى ثملت الرماح من الدماء فتعثرت في النحور وتكسرت في الصدور فرجموا الأعداء من جوانبهم وتمكنوا من فض مواكبهم. " وصف أبو الفضل الميكالي المتوفى سنة ٤٣٦ هـ? المطر شعراً " مع مقدمة لعمر بن علي المتطوعي في وصف ذلك المطر نثراً. حكى عمر بن على المتطوعي قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد أدام الله عزه أيام مقامه بجوين أن يطالع قرية من قربى ضياعه تدعى نجاب على سبيل التنزه والتفرج فكنت في جملة من استصحبه إليها من أصحابه واتفق أن وصلنا والسماء مصيحة والجو صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع متسعة الأوراق والغصون قد سترت ما حواليها من الأرض طولاً وعرضاً فنزلنا تحتها مستظلين بسماوة أفنانها مستترين من وهج الشمس بستارة أغضانها وأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة فما شعرنا بالسماء إلا وقد أرعدت

стр. 265

وأبرقت وأظلمت بعدما أشرقت ثم جادت لمطر كأفواه القرب فأجادت وحكت أنامل الأجواد بل أوفت عليها وزادت حتى كاد غيثها يعود عيثاً وهم وبلها أن يستحيل ويلاً فصبرنا على أذاها وقلنا: "سحابة صيف عن قليل تقشع" فإذا نحن بها قد أمطرتنا برداً كالثغور لكنها من ثغور العذاب لا من ثغور العذاب فأيقنا بالبلاء وسلمنا لأسباب القضاء فما فرت ساعة من النهار حتى سمعنا خرير الأنهار ورأينا السيل قد بلغ الزبى والماء قد غمر القيعان والربا فبادرنا إلى حصن القرية لائذين من السيل بأفنيتها وعائذين

стр. 266

من القطر بأبنيتها وأثوابنا قد صندل كافورها ماء الوبل وغلف طرازها طين الوحل ونحن نحمد الله تعالى على سلامة الأبدان وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان ونشكره على سلامة الأنفس والأرواح شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح فبتنا تلك الليلة تحت سماء تكف ولا تكف وتبكي علينا إلى الصباح بأمع خوام وأربع سجام فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام وصرف بوالي الصحو عامل الغمام رأينا صواب الرأي أن نوسع الإقامة بها رفضاً ونتخذ الارتحال عنها فرضاً فما زلنا نطوي الصحارى أرضاً فأرضاً إلى أن وافينا المستقر ركضاً فلما نفضا غبار ذلك المسير الذي جعلنا في ربقة الأسير وأفضينا إلى ساحة التيسير بعدما أصبنا بالأمر العسير وتذاكرنا

стр. 267

ما لقينا من التعب والمشقة في قطع ذلك الطريق وطي لك المشقة أخذ الأمير السيد طال الله بقاءه القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالاً: دهنتا السَّماء غداة السَّحاب ... بغيثٍ على أفقهِ مسبِل فجاءَ برعد له رنةٌ ... كرنةِ ثكلى ولم تثكلِ وثنّى بوبل عدا طورهُ ... فعادَ وبالاً على الممحلِ وأشرفَ أصحابنا من أذاهُ ... على خطرٍ هائلٍ معضلِ فمن لائذٍ بفناءِ الجدارِ ... وآو إلى نفق مهملِ ومنْ مستجيرٍ ينادي الغريقَ ... هناكَ ومنْ صارخ معولِ وجادتْ علينا سماءُ السقوفِ ... بدمعٍ من الوجدِ لم يهملِ

стр. 268

كأنَّ حراماً لها أن يرى ... يبيساً من الأرضِ لمْ يبللِ وأقبلَ سيلٌ لهُ روعةٌ ... فأدبرَ كل عنِ المقبلِ يقلعُ ما شاءَ من دوحةٍ ... وما يلقَ من صخرةٍ يحملِ فمنْ عامرٍ ردهُ غامراً ... ومن معلمٍ عادَ كالمجهلِ كفانا بليتهُ ربُّنا ... فقد وجبَ الشكر للمفضلِ فقلْ للسماء ارعدي وابرقي ... فإنا رجعنا إلى المنزلِ " ووصف ابن حبيب الحلبي المتوفى سنة ٧٧٩ هـ? حديقة " لما صدأت مرآة الجنان قصدت لجلائها بعض الجنان فدخلت إليها وما كدت أن أقدم عليها فإذا هي جنة عالية قطوفها دانية وطلحها منضود وظلها ممدود وأعلام أشجارها مرفوعة وفاكهتها كثيرة

стр. 269

لا مقطوعة لا مقطوعة ولا ممنوعة تجوس المياه خلال ديارها وتشرق بآفاقها أنوار نوارها نزهة النواظر وشرك الخواطر بها أشجار لا يحصى وثمار لا تعد ولا تستقصى. " وصف أمير المؤمنين ابن المعتز المتوفى سنة ٢٩٦ هـ? البيان " البيان ترجمان القلوب وصقيل العقول ومجلي الشبهة وموجب الحجة والحاكم عند اختصام الظنون والمفرق بين الشك واليقين وخير البيان ما كان مصرحاً عن المعنى ليسرع إلى الفهم تلقيه أو موجزاً ليخف على اللفظ تعاطيه. " ووصف أيضاً المكارم " لن تكسب لأعزك الله المحامد وتستوجب الشرف إلا بالحمل على النفس والحال، والنهوض بحمل الأثقال وبذل الجاه والمال ولو كانت المكارم تنال بغير مؤونة لاشترك فيها السفل والأحرار وتساهمها الوضعاء من ذوي الأخطار ولكن الله تعالى خص الكرماء الذين جعلهم أهلها فخفف عليهم حملها وسوغهم فضلها وحظرها على السفلة لصفر أقدارهم عنها وبعد طباعهم منها ونفورها عنهم واقشعرارها منهم. " ووصف أيضاً القرآن الكريم " فضل القرآن على سائر الكلام معروف غير مجهول وظاهر غير خفي يشهد

стр. 270

بذلك عجز المتعاطين ووهن المتكلفين وهو المبلغ الذي لا يمل والجديد الذي لا يخلق والحق الصادع والنور الساطع والماحي لظلم الضلال ولسان الصدق النافي للكذب ومفتاح الخير ودليل الجنة: إن أوجز كان كافياً وإن أكثر كان مذكراً وإن أمر فناصحاً وإن حكم فعادلاً وإن أخبر سراج تستضيء به القلوب وبحر العلوم وديوان الحكم وجوهر الكلم.

стр. 271

" ووصف ابن الرومي المتوفى سنة ٢٨٢ هـ? جيوشاً " وسار فلان في جيوش، عليهم أردية السيوف وأقمصة الحديد وكأن رماحهم قرون الوعول وكان أدراعهم زبد السيول على خيل تأكل الأرض بحوافرها وتمد بالنفع سرادقها قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرق وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللجين وقرطت عذرا كأنها الشنوف تتلقف الأعداء أوائلها ولم تنهض أواخرها قد صب عليهم وقار الصبر وهبت معهم ريح النصر. " ووصف الحسد الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ ه ـ?" الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد علاجه عسير وصاحبه ضجر وهو باب غامض وما ظهر منه فلا يداوى وما بطن منه بمداويه في عناء ولذلك قال النبي ﷺ : "دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء". الحسد عقيد الكفر وحليف الباطل وضد الحق، منه تتولد العداوة

стр. 272

وهو سبب كل قطيعة ومفرق كل جماعة وقاطع كل رحم من الأقرباء ومحدث التفرق بين القرناء وملقح الشر بين الحلفاء. ووصف أيضاً أفضل الكلام، وقال: أفضل الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه ظاهراً في لفظه وكان الله قد ألبسه من ثياب الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبة وتقوى قائله فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً صحيح الطبع بعيداً من الاستكراه منزهاً عن الاختلال مصوناً عن التكلف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ونفذت من قائلها على هذه الصفة كساها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة. " وصف الشعراء المحدثين " قال ابن دريد سألت أبا حاتم عن أبي نواس إن جد أحسن وغن هزل ظرف وإن وصف بالغ يلقي الكلام على عواهنه لا يبالي من أين أخذه قلت فبشار بن برد قال نظار غواص مطيل مجيد يصف ما لم ير كأنه رآه على أن في شعره خللاً كثيراً، قلت فمروان بن أبي حفصة قال شاعر راض عن نفسه يستحسن كلما جاء منه معجب لا يرى أن أحداً يتقدمه كثير الصواب كثير الخطأ ليس لشعره صنعة، قلت فمسلم بن الوليد قال خليج صاف ينزع من بحر كدر كالزند يوري تارة ويصلد أخرى، قلت فأبو العتاهية، قال غثاء جم واقتدار سهل وشعر كخرز الزجاج وربما أشبه الياقوت والزبرجد، قلت

стр. 273

فعباس بن الأحنف قال يلقي دلوه في الدلاء فيغترف الصفو أحياناً والحماة أحياناً على أن كدره أكثر من صفوه، قلت فمسلم الخاسر، قال مقل مداح شعره ديباج وعهن يموه الرديء حتى يشبه الجيد، قلت فأبو الشيص قال جده كله فيه حلاوة وبشاعة كالسدرة التي نفضت ففيها المستعذب والمستبشع قلت فعلي بن جبلة قال بحاث عن الكلام الفخم والمعنى الرائع لا ينال مرتبة القدماء ويجل عن منزلة النظراء، قلت فأبو تمام قال سيل كثير الغثاء غزير الغمار جم النطاف فإذا صفا فهو السلاف بالماء الزلال، قلت فعبد الصمد بن المعذل قال خراج ولاج يعتسف تارة ويهتدي أخرى، قلت فعلي بن الجهم، قال كلام رصين ومسلك وعر عقله أغلب على شعره من طبعه قلت فبكر بن النطاح قال تشبه بالأعراب فأفرط وتجاوز حد المولدين فأسهب فهو الساقط بين القريتين. " ووصف ابن الأثير المتوفى سنة ٧٥٩ هـ? أبا تمام والبحتري والمتنبي " قال لقد وقفت من الشعر في كل ديوان ومجموع وأنفذت شطراً من العمر في المحفوظ منه والمسموع فألفيته بحراً لا يوقف على ساحله وكيف يحصى قول لم تحص أسماء قائليه فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده وتتشعب مقاصده ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف في اللفظ الجزل اللطيف فمتى وجدت ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل وقد اكتفيت من هذا بشعر أبي تمام والبحتري والمتنبي وهؤلاء الثلاثة هم (لات الشعر وعزاه ومناته) الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين وفصاحة القدماء وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء: أما أبو تمام فإنه رب معان وصيقل أذهان وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر فهو مدافع عن مقام الأغراب الذي برز فيه على الإضراب

стр. 274

ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير ولم أقل ما أقوله إلا بعد التنقير فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنه الكلام وكان قوله في البلاغة ما قالت فخذ مني في ذلك قول حكيم وتعلم (وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: ٧٦] وأما البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق فبينا يكون في شظف نجد إذ يتشبث بريف العرق: وسئل المتنبي عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري ولعمري أنه أنصف في حكمه وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه فإن البحتري أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الإفهام وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بالنوادر الغالية ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية وأما المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه ولكنه حظى في شعره بالحكم والأمثال واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال وأنا أقول قلاً لست فيه متأثماً ولا منه متلثماً وذاك انه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من أقول قولاً لست فيه متأثماً ولا منه متلثماً وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها وأشجع من أبطالها وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها حتى يظن أن الفريقين قد تقابلا والسلاحين قد تواصلا فطريقه في ذلك تضل بسالكه وتقوم بعذر تاركه ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة فيصف لسانه ما أداه إليه عيانه ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين عن سنن التوسط فإما مفرط في وصفه وإما مفرط على أنه كان إذا انفرد بطريق صار عذره، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة: لا تطلبنّ كريماً بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يداً ختموا ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى احمد الصمّم

стр. 275

" ووصف المفضل الضبي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ? مروره ببعض أحياء العرب " روى المفضل الضبي قال نزل علينا بنو ثعلبة في بعض السنين وكنت مشغوفاً بسماع أخبار العرب وجمعها فأخذت أجول بين خيامهم وأتحسس من أحوالهم وإذا أنا بامرأة واقفة في فناء خبائها آخذة بيد غلام قلما رأيت مثله في حسنه وجماله وهي تعاتبه بلسان رطب وكلام عذب يسترق السمع ويترشفه القلب فكان أكثر ما أسمعه منها (بني وأي بني) وهو يبتسم في وجهها وقد غلب عليه الحياء والخجل كأنه من ربات الحجال فلا يحير جواباً ولا يبدي خطاباً فاستحسنت ما رأيت واستحليت ما سمعت فدنوت فسلمت فرد علي السلام ووقفت أنظر إلى المرأة والغلام فقلت لي يا حضري ما حاجتك قلت الاستكثار ما أسمع والاستمتاع بما أرى فابتسمت وقالت يا هذا إن شئت سقت إليك ما هو أحسن مما رأيت فقلت هاتي حفظك الله قالت ولد هذا الغلام فكان ثالث أبويه فربي بيننا كأنه شبل وكنت أقيه برد الشتاء وحر الهجير حتى إذا ما تمت له خمس سنين أسلمته إلى المؤدب فحفظه القرآن فتلاه وعلمه الشعر فرواه ورغب في مفاخر قومه وطلب سنين أسلمته إلى المؤدب فحفظه القرآن فتلاه وعلمه الشعر فرواه ورغب في مفاخر قومه وطلب مآثر آبائه وأجداده فلما أن اشتد عظمه وكمل خلقه حملته على عتاق الخيل فتفرس وتمرس ولبس السلاح ومشي الخيلاء بين بيوتات الحي وأصغي إلى أصوات ذوي الحاجات فأخذ في قرى الضيف وإطعام الطعام وأنا عليه وجله أحرسه من العيون أن تصيبه ومن الألسن أن تعيبه إلى أن نزلنا في بعض الأيام منهلاً من المناهل بين أحياء العرب فخرج فتيان الحي في طلب ثأر لهم وشاء الله تعالى أن أصابت الغلام وعكة شغلته عن الخروج حتى إذا أمعن القوم ولم يبق في الحي غيره ونحن آمنون وادعون فوربك ما هو إلا أن أدبر الليل وأقبل الصبح حتى طلعت علينا طلائع العدو وغرر الجياد ثواراً لا زواراً فما كان إلا هنيهة حتى أحرزوا

стр. 276

الأموال وهو يسألني ما الخبر وأنا أستره عنه إشفاقاً عليه وضناً به حتى إذا علت الأصوات وبرزت المخدرات رمى دثاره وثار كما يثور الضرغام إذا أغضب فأمر بإسراج فرسه ولبس درع حربه وأخذ رمحه بيده وركب حتى لحق حماة القوم وأنا أنظر إليه فطعن أدناهم منه فرمى به ولحق أبعدهم فقلته فانصرفت إليه وجوه الفرسان فرآه غلاماً صغيراً لا مدد وراءه فحملوا عليه فأسرع يؤم البيوت حتى إذا خلفهم وراءه وامتدوا في أثره عطف عليهم ففرق شملهم وشتت جمعهم وقلل كثرتهم ومزقهم كل ممزق ومرق كما يمرق السهم من الرمية وناداهم خلوا عن المال فوالله لا رجعت إلا به أو لهلكن دونه فتداعت إليه الأقران وتمايلت نحوه الفرسان وتميزت له الفتيان وحملوا عليه وقد رفعوا إليه الأسنة ومالوا عليه بالأعنة فوثب عليهم وهو يزأر كالأسد وجعل لا يحمل على ناحية غلا حطمها ولا كتيبة إلا هزمها حتى لم يبق من القوم إلا من نجا به فرسه ففاز بالأموال وأقبل بها فكبر القوم عند رؤيته وفرحوا فرحاً عظيماً بسلامته فوالله ما رأينا قط يوماً كان أسمح صباحاً وأحسن رواحاً من ذلك اليوم ولقد سمعته ينشد في وجوه فتيات الحي هذه الأبيات: تأمّلنَ فعلي هل رأيتنّ مثله ... إذا حشرجت نفس الكميّ عن الكربِ وضاقتْ عليه الأرض حتى كأنه ... من الخوف مسلوب العزيمة والقلبِ ألم أعطِ كلاَّ حقّه ونصيبه ... من السّمهري اللّدن والصارم العضب أنا ابن أبي هند بن قيس بن خالد ... سليل المعالي والمكارم والسّيب أبي لي أن أعطي الظلامةُ مرهفٌ ... وطرفٌ قوي الظهر والجوف والجنب وعزمٌ صحيح لو ضربت بحده ... شماريخ رضوى لا نحططن إلى التّرب وعوضٌ نقيّ أتقى أن أعيبه ... وبيت شريف في ذرى ثعلب الغلب فإن لم أقاتل دونكن واحتمي ... لكنَّ وأحميكنّ بالطّعن والضّرب

стр. 277

وأبذل نفساً دونكنَّ عزيزةً ... عليَّ لأطراف القنا وظبي القضب فلم تصدق اللاتي مشين إلى أبي ... يهنّئنه بالفارس البطل النّدب " وصف نهج البلاغة للإمام المرحوم الشيخ محمد عبده المتوفى ستة ١٣٢٢ ه ـ?" أوفى لي حكم القدر بالإطلاع على كتاب (نهج البلاغة) صدفة بلا تعمل أصبته على تغير حال وتبلبل بال وتزاحم أشغال وعطلة من أعمال فحسبته تسلية وحيلة للتخلية فتصفحت بعض صفحاته وتأملت جملاً من عباراته من مواضع مختلفات ومواضيع متفرقات، وكان يخيل لي في كل مقام أن حروباً شبت، وغارات شنت وإن للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة، وإن للأوهام عرامة وللريب دعارة، وإن جحافل الخطابة وكتائب الذرابة في عقود النظام وصفوف الانتظام، تنافح بالصفيح الأبلج والقويم الأملج وتمتلج المهج بروائع الحجج، وتفل دعارة الوساوس، وتصيب مقاتل الخوانس فما أنا إلا والحق منتصر، والباطل منكسر، ومرج الشك في خمود وهرج الريب في ركود، وغن مدبر تلك الدولة، وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد، وتحول المعاهد، فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية، في حلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية. توحى إليها رشادها وتقوم منها منآدها، وتنفر بها عن مداحض المزال، إلى جواد الفضل والكمال، وطوراً كانت تتكشف لي الجمل عن وجوده باسرة، وأنياب كاشرة وأرواح في أشباح النمور،، ومخالب النسور، وقد تحفزت للوثاب ثم انقضت للاختلاب، فجبلت القلوب عن هواها، وأخذت الخواطر دون مرماها،

стр. 278

واغتالت فاسد الأهواء، وباطل الآراء، وأحياناً كنت أشهد أن عقلاً نورانياً لا يشبه خلقاً جسدانياً، فصل عن الموكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ونما به إلى مشهد النور الأجلي، وسكن به إلى عمار جانب التقديس بعد استخلاصه من شوائب التلبيس، وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة وأولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم مواضع ارتياب ويحذرهم مزالق الاضطراب ويرشدهم إلى دقائق السياسة ويهديهم طريق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصات الرياسة ويصعدهم شرف التدبير ويشرف بهم على حسن المصير. " وصف حفلة لمحمد بك المويلحي " لو كان لليالي لسان ينطق بالفخار وجنان يجري بنظم الأشعار لأنشدت ليلة الحفلة (الخديوية) قصيدة تسجل لها في ديوان العصور والدهور ما لم تبلغه ليلة قبلها في تكامل الفرح والسرور ولو كان الدهر يفصح لنا يوماً عن انشراحه وابتهاجه لأنبأنا بأنه ادخرها غرة لجبينه ودرة لتاجه لا زالت أيام الجناب العالي ولياليه مشرقة بالسعد والهناء متألقة تألق البدور في أفق السماء. " وصف أيضاً متحفاً من مقامة له " قال عيسى بن هشام زايلنا الأهرام وخليناها تندب من شادها وتنعي من بناها وملنا إلى دار التحف ومستودع الآثار لمشاهدة ما حفظته لنا من صنوف الطرف وعيون الأخبار وما أخرجته الأيام من عالم الخفاء إلى عالم الظهور بعد أم كان سراً مكتوباً في خواطر العصور والدهور وما صانته بطون القبور من الفناء والدثور وحمته أحشاء الرموس من العفاء والدروس وما أخبته

стр. 279

أرحام المعابد والهياكل من بقايا الماضين وخبايا الأوائل وما انكشفت عنه سجوف الأحقاب وديعة الأسلاف للأعقاب من مكنون الدفائن ومكنوز الخزائن وعجائب الفن الدقيق وبدائع البدع الأنيق وغرائب الصنع العتيق بليت في أصطحابها بطون الأيام والليالي وانحنت في احتضانها ظهور العصور الخوالي وانقلبت البحار وهادا وأصبحت الوهاد أطواداً وغدت الأغوار أنجاداً وأضحى العمار خراباً والخراب عماراً والغمار سراباً والسراب غماراً وتمدينت بواد وتبدت مدائن وبادت مواطن وقامت مواطن ومضت دول بعد دول وذهبت أول أثر أول وبدت أحوال وحالت وظهرت أعمال وزالت وهي كما تركها مصون وضعها محفوظ شكلها خبر صادق ولسان ناطق تخبر بالعبر وتحدث عمن غبر. مضتْ غبراتُ العيش وهي غوابر ... على الدّهر مكتوبٌ عليها حبائسُ " وصف الفوتغراف للمرحوم مصطفى بك نجيب المتوفى سنة ١٣٢٠ ه ـ?" مثال القوة الناطقة من غير إرادة سابقة يقتطف الألفاظ اقتطافاً ويختطف الصوت اختطافاً مطبعة الأصوات ومرآة الكلمات ينقل الكلام من ناحية إلى ناحية نقل كلام عمر ﵁ إلى سارية أشد من الصدى في فعله في إعادة الصوت على أصله كأنه الحروف عن يد الطابع والوتر عن يد الضارب والقصب عن فم القاصب يحفظ الكلام ولا يبيده ومتى استعدته منه يعيده من غير أن يبقى لفظاً في صدره أو يكتم شيئاً من أمره كأنما حفظ الوديعة في نفسه طبيعة فلو تقدم له الوجود في مرتبة الزمن لما احتجنا في الأخبار إلى عنعنة ولا في الدعاوى إلى بينة بل كان يسمعنا كلام السيد

стр. 280

المسيح في المهد وصوت عاذر من اللحد وكانت الدعاوى إلى بينة بل حكمتهم وانشدوه كلمتهم فرأينا به غرائب اليونان وبدائع الرومان وربما سمعنا خطب سحبان وشعر سيدنا حسان بذلك اللسان وأصبح وجود الإنسان غير محدود بزمن من الزمان: لله دره من تلميذ يستوعب ما عند المعلم ويستخلصه في لحظة معيداً لقوله ناقلاً لصوته ولفظه: لقد وجدتُ مكان القول إذ سعةٍ ... فإن وجدتَ لساناً قائلاً فقلِ نديم ليس فيه هفوة النديم وسمير لا ينسب إليه تقصير تسكته وتستعيده وتذمه وتستجيده وتنقصه وتستزيده وهو في كل هذه الأحوال راض بما يقال لا يكل من تحديث ولا يمل من حديث نمام عليك وينقل لغيرك كما ينقل إليك فهو المصور لكل فن المتكلم بكل لغة المحدث عن كل إنسان المؤرخ لكل زمان الشاعر الناثر المغني العازف لا تعجزه العبارة ولا يجهده الأداء ولا يضره اختلاف شكل ولا تباين أصل بل تعدت شدة حفظه البشرية من اللغات إلى حفظ أصوات العجماوات إلى حركة اصطحاك الجمادات. " ووصف أيضاً نظارة ويشكر من أهداها " ورد الكتاب المطرز بحلى الكرم المحلى بجميل النعم واستملت الهدية فسلمت يد أهدتها وحفظت السجايا التي لمحاسن الأعمال هدتها ودامت رحاب لمثل هذه الحسنات فيها مجال وللمحسنات بهاء وجمال وللآمال محط رحال وللمقاصد كعبة إقبال وطابت نفس تعالى الله أن تماثلها نفس عصام فإنها نسخت آية الكر والإقدام بآية الجود والإكرام وفعلت في القلوب بالعطاء والنوال ما قصرت عنه الرماح وتأملتها فأرتني ما لا

стр. 281

عين رأت وأظهرت من محاسن المناظر ما أعمرت وقربت كل منظور بعيد وتلت (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق: ٢٢] وصفا وقتي بصفاتها فلم أشته شيئاً إلا جمعت بينه وبيني وصح علينا قول القائل (رأيت بعينها ورأت بعيني) ثم سرحت نظري في الأطلال والرسوم حتى نظرت نظرة في النجوم فلم تخف عني شجراً ولا مدراً ولا نجماً ولا قمراً. يزيدك وجهها حسناً ... إذا ما زدته نظرا ببهاء يخيل لي أنها صيغت من ضياء فلا عيب غير أني نظرت بها في سماء فضلك الباهر وأفق شرفك الطاهر فلم ينكشف لي بها لجودك آخر: لا زال كرمك بعيداً حده على كل ناظر وباصر وفضل مناهلك غاية تقصدها الأوائل والأواخر. " وصف سان استفانو باسكندرية " كتابي والقلم في البنان يسطر ما يمليه الجنان عن محاسن ذلك المكان المشهور (بسان استفان) هناك ترى البحر كالمرآة تمثلت فيها السماء فكأنما الماء سماء والسماء ماء وتخال الشاطئ مرتعاً للظبيات الآنسات أو سوق جمال تباع فيه القلوب على الغانيات. هناك الشبيبة واللعب والزهو والطرب وقد اعتل الصبا وصح الصبا: حور وولدان يمرحون بنشاط الشباب ويتهادون بنشوة الدلال والإعجاب فمن "غادات" روائح غاديات قدودهن الرماح الطاعنات ولحاظهن القاتلات المحييات ومن "ولدان" يلعبون بالكرة والصولجان فالكرة قلب المحب المتيم والصولجان الذي يدفعها شوق العاشق المغرم هناك نغمات الأوتار تدعو إلى اغتنام الأوطار تهدي ارتياح إلى الأرواح وتبدل الأفراح من الأتراح.

стр. 282

هناك الكؤوس على قطب الخلاعة تدور فهي برشفاتها الثغور وبنورها البدور تشرق من الحنان وتغرب في أفواه الندمان فيعلو الوجوه الشفق فتبارك المبدع فيما خلق. هناك فريق من أهل الهوى حلفاء الأسى والجوى يختلسون النظرات وتحتها سهام صائبات تقصد قلوبهم ولا راحم ينادون من يحبون فلا يجابون ويتذللون لعز الجمال على أنهم لا يحابون يتمنون الرضا بعد الهجر وحلو اللقا بعد الصبر وفريق آخر قد وافاهم السعد فنالوا الأماني تعلو وجوههم نضرة النعيم بما نالوه من إشارة أو تسليم يتبادلون التحيات بالحواجب ويشفقون على القلوب فيضعون الأيدي فوق الترائب حتى إذا الليل سجا وسترهم رداء من الدجى يتلاقون إلى جانب أليم ويتهامسون والفم قريب من الفم تراهم على الأرائك جنباً بجنب وعنقاً على كتف مبتعدين عن العيون هنا وهنا وقد بلغوا الآراب والمنى يجتنون الثمر من السمر ويلثمون الراح بالراح ولا يزالون في مسرة وهناء وأنس وصفاء حتى ينادي منادي الموائد بحي على شهي الطعام وهلموا إلى رائق المدام فيجلسون مثنى وثلاث ورباع محفوفين بيانع الأزهار مستضيئين بأزهى الأنوار والغلمان عن يمينهم وشمالهم قائمون بحوائجهم وهم في لباسهم كأقمار وفي خفتهم كملح الأبصار فيأكلون ويشربون ويضحكون ويلعبون بين نغمة بالحديث الرخيم ونشوة المدام القديم حتى إذا أخذت كل حاسة حظها وتلجلجت الألسنة فلا تفهم لفظها هنالك كسرب الظباء رابح وغاد هذه مائلة وهذا متهاد إلى أن يتمشى النوم في الجفون فتذبل العيون فينصرفون إلى المنام ويحلمون بلذيذ الأحلام بعد أن يتعاهدوا على الأوبة ويحسنوا الختام بالتوبة. " وصف الشمس " الشمس كوكب مضيء بذاته، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا منظراً

стр. 283

وأسطعها ضوءاً، وأغزرها حرارة، وأجزلها نفعاً للأرض التي نسنها ولكثير من أخواتها سيارات الشمس وبناتها. والشمس كرة متأججة ناراً، حرارتها أشد من حرارة أي ساعور أرضي، ويبلغ ثقلها ثلثمائة وزن من ثقل الأرض، وهي أكبر منها جرماً بثلثمائة ألف وألف ألف مرة. وتدور الشمس على محورها من الغرب إلى الشرق مرة واحدة في نحو خمسة وعشرين يوماً، وتبعد عنا بنحو اثنين وتسعين ألف ألف ميل وخمسمائة ألف ميل، وهي مع كل هذا العظم الهائل لا تعد في النجوم الكبرى، بل إن أكثر ما نشاهد من النجوم الثابتة شموس أكبر من الشمس بألوف الألوف، والشمس بسيارتها تابع من توابع أحدها. وسطع الشمس مهب عواصف وزوابع نيرانية شديدة تثير في جوها أشوظة هائلة تندلع ألسنتها المتأججة عن محيط كرتها أميالاً، وقد وصف بعض العلماء لهباً ارتفع من سطحها لأول وهلة نحو أربعين ألف ميل في الفضاء، ثم ازداد بريقاً وتألقاً، ثم ارتفع بعد نصف ساعة إلى خمسين وثلثمائة ألف ميل، ثم جعل يضؤل ويضعف، فلم تمض ساعتان حتى أضمحل اضمحلالاً غير أن ما وصفه هذا العالم ليس إلا من قبيل النوادر، ولكن ارتفاع اللهب نحو مائة ألف ميل ليس بغير العادي، وكثيراً ما تبلغ سرعة اللهب مائة ميل في الثانية، واكثر مادة الشمس من عنصر المحذي (الإيدرجين) المتقد وبرصد الشمس مراراً بالمرقب المغشى بالسواد شوهد في صفحة قرصها نكت سود وكلف يشوه محياها، كأنما هي كرة سوداء الباطن غلفت

стр. 284

بسطح ساطع من الصعادات يتخلله نقب يظهر تحتها السواد، ولا تزال حقيقة هذه البقع موضوع البحث والتعليل عند الفلكيين، ومن تنقل هذه النكت عرفت دورتها على محورها وللشمس سيارات أو أبناء انفصلت منها منذ أزمان سحيقة، علم منها إلى الآن نحو ثمانية، هي على ترتيب الأقرب منها فالأقرب: عطارد فالزهرة فالأرض فالمريخ فالمشتري فزحل فأرانوس فنبتون، ولم تعلم كل شؤون هذه السيارات حق العلم وإنما ألم العلماء بمعرفة موادها وكثافتها وأبعادها، ولكن أمر الحياة فيها لم يزل مبهماً مستغلقاً اللهم إلا في الأرض وقمرها. أما مقدار النعم التي سخرها الله لنا بوجود الشمس فمما لا يحصيه العد، فهي مبعث حياتنا وحياة الحيوان الذي يعيش معنا، ومصدر نورنا ونارنا وحرنا وبردنا، وهي التي تحيل مياه البحار بخاراً، وتقلها في الجو غيوماً، وتنزلها على الأرض أمطاراً، حيث تجري جداول وأنهاراً، فتروي زرعنا، وتنمي غراسنا، وتثير الرياح، وتطلع الأنواء، وتزجي السفن والبواخر في عباب الماء، وتدفع القطرات الحديدية، وتدير الآلات البخاري، وتنير المصابيح الدخانية والزيتية، إذ ليس الفحم الحجري والزيت الأرضي إلا حرارة نارها المدخرة منذ قديم الدهور لينتفع بها أحياء هذه العصور، وما النهار المبصر، والليل المظلم، إلا آتيان من آيات الله المسخرة لنا بتسخير هذا المخلوق العجيب: ففي النهار نسعى في مناكب الأرض لابتغاء رزقنا، وتدبير معاشنا، وتنظيم شؤون حياتنا، ونسبح بحمد ربنا، ونعتبر بآثار من سبقنا، وفي الليل نسمن لإراحة أبداننا، وأستجمام قوانا واستيفاء حظنا من النوم الذي به نستديم صحتنا، ونستعيض ما فقدناه بأعمالنا وننظر في ملكوت السموات وما خلق الله من شيء في حركات الكواكب وانتقالها، وبديع صورها وألوانها،

стр. 285

فتعنو وجوهنا، وتتضاءل كبرياؤنا، أمام قدرة خالقنا العظيم، فسبحانه من إله حكيم. وما الأولان التي نراها في نور الأزهار وريش الأطيار ونفائس المصنوعات إلا أثر وقوع أضوائها على هذه المرئيات وانعكاسها على أبصارنا، فإن نور الشمس الأبيض مؤلف من سبعة ألوان أصلية تنشأ منها كل الأولان الفرعية، وهي الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأزرق، والأخضر، والنيلجي، والبنفسجي، فمن الأجسام ما لا يمتص شيئاً من هذه الأولان، بل يعكسها كلها على العين، فيبدو أبيض ناصعاً كزهرة الياسمين، ومنها ما يمتص بعضها ويعكس باقيها، فيتلون بلون ما يعكس منها، فإذا أبصرت ورقة الشجر خضراء عرفت أنها اختزنت من ضوء الشمس ستة ألوان، وردت إلى عينيك سابعها، وهو الأخضر لن فيما أدخرته نفعاً لها، وليس بها إلى ما لفظته افتقاراً، ومنها ما يرد لونين أو أكثر، فيبدو لونه مزيجاً بين هذه الأولان السبعة، وهذه الأولان من عجائب صنع الله في الأرض لتمييز بعضها من بعض فقد يتماثل الشيئان شكلاً، وحجماً، وصلابة، وليناً، وشمأ ثم لا يتباينان إلا من حيث اللون، فيكون اللون آية تباينهما، وأكثر ما يكون ذلك في الأزهار. وتنوع الأولان هو السر في جمال المرئيات من مشاهد الطبيعة وبدائع الصناعة، وإن اعظم المصورين وأمهر النقاشين لم يبرز على غيرهم، وبدلوا على ذكائهم ونبوغهم إلا ببراعتهم في محاكاة ألوان الطبيعة المؤتلفة وأشكالها المتجانسة، وإنما يتم ذلك إذا عرفوا كيف يمزجون من الأصباغ ما يستخدمونه به ألوان النور خير استخدام، وينتفعون به أحسن انتفاع، وقد سخر علماء الطب تباين
следующие страницы →