← Адаб

Адаб · id 21505

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب

أحمد الهاشمي

Полный текст (685 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عين رأت وأظهرت من محاسن المناظر ما أعمرت وقربت كل منظور بعيد وتلت (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق: ٢٢] وصفا وقتي بصفاتها فلم أشته شيئاً إلا جمعت بينه وبيني وصح علينا قول القائل (رأيت بعينها ورأت بعيني) ثم سرحت نظري في الأطلال والرسوم حتى نظرت نظرة في النجوم فلم تخف عني شجراً ولا مدراً ولا نجماً ولا قمراً. يزيدك وجهها حسناً ... إذا ما زدته نظرا ببهاء يخيل لي أنها صيغت من ضياء فلا عيب غير أني نظرت بها في سماء فضلك الباهر وأفق شرفك الطاهر فلم ينكشف لي بها لجودك آخر: لا زال كرمك بعيداً حده على كل ناظر وباصر وفضل مناهلك غاية تقصدها الأوائل والأواخر. " وصف سان استفانو باسكندرية " كتابي والقلم في البنان يسطر ما يمليه الجنان عن محاسن ذلك المكان المشهور (بسان استفان) هناك ترى البحر كالمرآة تمثلت فيها السماء فكأنما الماء سماء والسماء ماء وتخال الشاطئ مرتعاً للظبيات الآنسات أو سوق جمال تباع فيه القلوب على الغانيات. هناك الشبيبة واللعب والزهو والطرب وقد اعتل الصبا وصح الصبا: حور وولدان يمرحون بنشاط الشباب ويتهادون بنشوة الدلال والإعجاب فمن "غادات" روائح غاديات قدودهن الرماح الطاعنات ولحاظهن القاتلات المحييات ومن "ولدان" يلعبون بالكرة والصولجان فالكرة قلب المحب المتيم والصولجان الذي يدفعها شوق العاشق المغرم هناك نغمات الأوتار تدعو إلى اغتنام الأوطار تهدي ارتياح إلى الأرواح وتبدل الأفراح من الأتراح.

стр. 282

هناك الكؤوس على قطب الخلاعة تدور فهي برشفاتها الثغور وبنورها البدور تشرق من الحنان وتغرب في أفواه الندمان فيعلو الوجوه الشفق فتبارك المبدع فيما خلق. هناك فريق من أهل الهوى حلفاء الأسى والجوى يختلسون النظرات وتحتها سهام صائبات تقصد قلوبهم ولا راحم ينادون من يحبون فلا يجابون ويتذللون لعز الجمال على أنهم لا يحابون يتمنون الرضا بعد الهجر وحلو اللقا بعد الصبر وفريق آخر قد وافاهم السعد فنالوا الأماني تعلو وجوههم نضرة النعيم بما نالوه من إشارة أو تسليم يتبادلون التحيات بالحواجب ويشفقون على القلوب فيضعون الأيدي فوق الترائب حتى إذا الليل سجا وسترهم رداء من الدجى يتلاقون إلى جانب أليم ويتهامسون والفم قريب من الفم تراهم على الأرائك جنباً بجنب وعنقاً على كتف مبتعدين عن العيون هنا وهنا وقد بلغوا الآراب والمنى يجتنون الثمر من السمر ويلثمون الراح بالراح ولا يزالون في مسرة وهناء وأنس وصفاء حتى ينادي منادي الموائد بحي على شهي الطعام وهلموا إلى رائق المدام فيجلسون مثنى وثلاث ورباع محفوفين بيانع الأزهار مستضيئين بأزهى الأنوار والغلمان عن يمينهم وشمالهم قائمون بحوائجهم وهم في لباسهم كأقمار وفي خفتهم كملح الأبصار فيأكلون ويشربون ويضحكون ويلعبون بين نغمة بالحديث الرخيم ونشوة المدام القديم حتى إذا أخذت كل حاسة حظها وتلجلجت الألسنة فلا تفهم لفظها هنالك كسرب الظباء رابح وغاد هذه مائلة وهذا متهاد إلى أن يتمشى النوم في الجفون فتذبل العيون فينصرفون إلى المنام ويحلمون بلذيذ الأحلام بعد أن يتعاهدوا على الأوبة ويحسنوا الختام بالتوبة. " وصف الشمس " الشمس كوكب مضيء بذاته، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا منظراً

стр. 283

وأسطعها ضوءاً، وأغزرها حرارة، وأجزلها نفعاً للأرض التي نسنها ولكثير من أخواتها سيارات الشمس وبناتها. والشمس كرة متأججة ناراً، حرارتها أشد من حرارة أي ساعور أرضي، ويبلغ ثقلها ثلثمائة وزن من ثقل الأرض، وهي أكبر منها جرماً بثلثمائة ألف وألف ألف مرة. وتدور الشمس على محورها من الغرب إلى الشرق مرة واحدة في نحو خمسة وعشرين يوماً، وتبعد عنا بنحو اثنين وتسعين ألف ألف ميل وخمسمائة ألف ميل، وهي مع كل هذا العظم الهائل لا تعد في النجوم الكبرى، بل إن أكثر ما نشاهد من النجوم الثابتة شموس أكبر من الشمس بألوف الألوف، والشمس بسيارتها تابع من توابع أحدها. وسطع الشمس مهب عواصف وزوابع نيرانية شديدة تثير في جوها أشوظة هائلة تندلع ألسنتها المتأججة عن محيط كرتها أميالاً، وقد وصف بعض العلماء لهباً ارتفع من سطحها لأول وهلة نحو أربعين ألف ميل في الفضاء، ثم ازداد بريقاً وتألقاً، ثم ارتفع بعد نصف ساعة إلى خمسين وثلثمائة ألف ميل، ثم جعل يضؤل ويضعف، فلم تمض ساعتان حتى أضمحل اضمحلالاً غير أن ما وصفه هذا العالم ليس إلا من قبيل النوادر، ولكن ارتفاع اللهب نحو مائة ألف ميل ليس بغير العادي، وكثيراً ما تبلغ سرعة اللهب مائة ميل في الثانية، واكثر مادة الشمس من عنصر المحذي (الإيدرجين) المتقد وبرصد الشمس مراراً بالمرقب المغشى بالسواد شوهد في صفحة قرصها نكت سود وكلف يشوه محياها، كأنما هي كرة سوداء الباطن غلفت

стр. 284

بسطح ساطع من الصعادات يتخلله نقب يظهر تحتها السواد، ولا تزال حقيقة هذه البقع موضوع البحث والتعليل عند الفلكيين، ومن تنقل هذه النكت عرفت دورتها على محورها وللشمس سيارات أو أبناء انفصلت منها منذ أزمان سحيقة، علم منها إلى الآن نحو ثمانية، هي على ترتيب الأقرب منها فالأقرب: عطارد فالزهرة فالأرض فالمريخ فالمشتري فزحل فأرانوس فنبتون، ولم تعلم كل شؤون هذه السيارات حق العلم وإنما ألم العلماء بمعرفة موادها وكثافتها وأبعادها، ولكن أمر الحياة فيها لم يزل مبهماً مستغلقاً اللهم إلا في الأرض وقمرها. أما مقدار النعم التي سخرها الله لنا بوجود الشمس فمما لا يحصيه العد، فهي مبعث حياتنا وحياة الحيوان الذي يعيش معنا، ومصدر نورنا ونارنا وحرنا وبردنا، وهي التي تحيل مياه البحار بخاراً، وتقلها في الجو غيوماً، وتنزلها على الأرض أمطاراً، حيث تجري جداول وأنهاراً، فتروي زرعنا، وتنمي غراسنا، وتثير الرياح، وتطلع الأنواء، وتزجي السفن والبواخر في عباب الماء، وتدفع القطرات الحديدية، وتدير الآلات البخاري، وتنير المصابيح الدخانية والزيتية، إذ ليس الفحم الحجري والزيت الأرضي إلا حرارة نارها المدخرة منذ قديم الدهور لينتفع بها أحياء هذه العصور، وما النهار المبصر، والليل المظلم، إلا آتيان من آيات الله المسخرة لنا بتسخير هذا المخلوق العجيب: ففي النهار نسعى في مناكب الأرض لابتغاء رزقنا، وتدبير معاشنا، وتنظيم شؤون حياتنا، ونسبح بحمد ربنا، ونعتبر بآثار من سبقنا، وفي الليل نسمن لإراحة أبداننا، وأستجمام قوانا واستيفاء حظنا من النوم الذي به نستديم صحتنا، ونستعيض ما فقدناه بأعمالنا وننظر في ملكوت السموات وما خلق الله من شيء في حركات الكواكب وانتقالها، وبديع صورها وألوانها،

стр. 285

فتعنو وجوهنا، وتتضاءل كبرياؤنا، أمام قدرة خالقنا العظيم، فسبحانه من إله حكيم. وما الأولان التي نراها في نور الأزهار وريش الأطيار ونفائس المصنوعات إلا أثر وقوع أضوائها على هذه المرئيات وانعكاسها على أبصارنا، فإن نور الشمس الأبيض مؤلف من سبعة ألوان أصلية تنشأ منها كل الأولان الفرعية، وهي الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأزرق، والأخضر، والنيلجي، والبنفسجي، فمن الأجسام ما لا يمتص شيئاً من هذه الأولان، بل يعكسها كلها على العين، فيبدو أبيض ناصعاً كزهرة الياسمين، ومنها ما يمتص بعضها ويعكس باقيها، فيتلون بلون ما يعكس منها، فإذا أبصرت ورقة الشجر خضراء عرفت أنها اختزنت من ضوء الشمس ستة ألوان، وردت إلى عينيك سابعها، وهو الأخضر لن فيما أدخرته نفعاً لها، وليس بها إلى ما لفظته افتقاراً، ومنها ما يرد لونين أو أكثر، فيبدو لونه مزيجاً بين هذه الأولان السبعة، وهذه الأولان من عجائب صنع الله في الأرض لتمييز بعضها من بعض فقد يتماثل الشيئان شكلاً، وحجماً، وصلابة، وليناً، وشمأ ثم لا يتباينان إلا من حيث اللون، فيكون اللون آية تباينهما، وأكثر ما يكون ذلك في الأزهار. وتنوع الأولان هو السر في جمال المرئيات من مشاهد الطبيعة وبدائع الصناعة، وإن اعظم المصورين وأمهر النقاشين لم يبرز على غيرهم، وبدلوا على ذكائهم ونبوغهم إلا ببراعتهم في محاكاة ألوان الطبيعة المؤتلفة وأشكالها المتجانسة، وإنما يتم ذلك إذا عرفوا كيف يمزجون من الأصباغ ما يستخدمونه به ألوان النور خير استخدام، وينتفعون به أحسن انتفاع، وقد سخر علماء الطب تباين

стр. 286

الألوان في كشف النقاب عن حقائق الجراثيم فإن منها ما لا يتضح للعين في المجهر إلا إذا ألقي عليه صبغ خاص يؤثر فيه لوناً فيصبغ به. ولأمواج الشمس الضوئية سرعة معلومة تسير بها، فإذا انخفضت هذه السرعة عما هي عليه لم تعد العين قادرة على رؤيتها، لأنها تستحيل إلى مظهر آخر غير مظهر الضوء والحرارة، وليس ينكر ما للضوء والحرارة معاً من الأثر الحسن في تنقية المساكن مما يقطنها من الجراثيم القتالة والعفن المضني، ولذلك قيل: إن الدار التي تدخلها أشعة الشمس لا يدخلها الطبيب. " وصف القمر " القمر أجمل الكواكب صورة وأبينها منظراً وأسلها رصداً، وأكبرها في رأي العين بعد الشمس جرماً. وهو سيار كري أصغر من الأرض بنحو تسع وأربعين مرة، انفصل منها زمن التكوين، وصار تابعاً لها، طائفاً حولها، مستمداً نوره من الشمس مثلها، دائراً حول الشمس معها، غير أن طواف الأرض بقمرها حولها يتم في سنة شمسية وطواف القمر حول الأرض يتم في شهر قمري: أي مدة تسع وعشرين ونصف يوم تقريباً، ومع أنه خاضع لنظام الأرض لا يقل بعده عنها عن واحد وعشرين ألفاً ومائتي ألف ميل. والذي يسترعي أنظارنا كما استرعى أنظار من قبلنا اختلاف إشكاله وتعدد مطالعه، مما جعله مبعث تخيل القدماء ومثار تفكر الحكماء ومقصداً لعبادة الجهلاء! فتراه يلوح ليلة أول الشهر أثر غروب الشمس ضئيلاً مقوساً لا يلبث أن يغرب ويغيب في شفق الشمس، ثم يهل في الليلة الثالثة أبين صورة وأبقى زمناً لازدياد تأخره في الغروب عن الشمس، ولا يزال نوره في تزايد ومطالعه في تقدم نحو المشرق، حتى يطلع من المشرق في الليلة الرابعة عشرة عند غروب الشمس بدراً كاملاً بهي الطلعة باهر الأنوار، (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ

стр. 287

الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: ١٤] . ولكن الكمال لله وحده، فإن منتهى الزيادة مبتدأ النقص، ففي الليلة الخامسة عشرة يتأخر طلوعه من المشرق، وينقص من حافة نوره التي كانت موضع هلاله الأول زيق لا يشعر به إلا في الليالي التالية، ولا تزال مطالعه في تقهقر ونوره في تناقص حتى قرب آخر الشهر، فيشرق قبيل الفجر هلالاً ضئيلاً يكاد يكون مقلوب الهلال الأول، وفي الليلة الأخيرة يكون عند الصباح في الأفق الشرقي مظلماً لا يرى منه شيء، وهي ليلة المحاق أو السرار، ويظل بعض النهار كذلك، ثم يتولد هلاله الجديد، ولكنه لا يظهر إلا بعد أن يغيب قرص الشمس، فيلوح هلاله ثم يختفي كما قدمنا. وعلة ذلك أن نور القمر كنور الأرض مستفاد من الشمس، وهو لا يقابل الأرض إلا بوجه واحد لا يتغير، وهذا الوجه بالنسبة إلى حركته مع الأرض حول الشمس لا يقابل الشمس مقابلة تامة إلا في وضع واحد ومرة واحدة هي الليلة الرابعة عشرة، فيغشاه نورها، ويصير بدراً، أما بقية الليالي التي قبلها والتي بعدها فينحرف قليلاً أو كثيراً عنها، حتى يصير كله ظلاماً ليلة المحاق، فيطوى خبره، ويكون الوجه الآخر الذي لا يرى لنا بدراً كاملاً، ثم يتولد هلاله خلقاً جديداً. وكذلك شأن الأرض في استمداد نورها أو ما نسميه نهاراً، فلو كان في القمر سكان لكانت في رأي أعينهم أكبر كوكب في السماء، ولشاهدوها أكبر من الجرم الذي نشاهد القمر عليه أضعافاً مضاعفة، لكانت عندهم أروع جمالاً وأبدع من قمرهم في نظرنا تشكلاً، فبدورانها على نفسها يرونها كلها جزءاً فجزءاً، وتظهر قارتها ومحيطاتها واضحة عليها في وقت الصحو ومظللاً بعضها بالغمام في وقت الدجن، وتبدو أهلتها وبدورها ضخمة باهرة ولكن لا يراها إلا سكان النصف المقابل لنا أو الذين يريدون التفرج برؤيتها من أهل النصف الثاني.

стр. 288

ولقرب القمر منا وخلو جوه من الهواء سهل رصده علينا، فنرى في صفحته عند الشروق ليلة التمام كثيراً من المحو، يجعل صورته أشبه بوجه إنسان ذي أنف وفم وحاجبين وعينين إحداهما مغضية، ولا يزال كذلك، حتى يتعدى خط زوال مكان الناظر، فإذا مال إلى المغرب انحرفت هذه الصورة حتى يصير عاليها سافلها، وليس هذا المحو إلا ظلام بطون الأودية والسهول البعيدة الغور وظلال الجبال والهضاب الشاهقة الطول شهوقاً يكاد يمنع استدارته أما قمم الجبال وسطوحها المقابلة للشمس فترى لامعة ساطعة فتبين سلاسل الجبال طرائق مضيئة وقممها نقطاً لامعة وفوهات جبال ناره الشديدة السعة البعيدة الغور التي تعد بعشرات الألوف كأنها حلقات وسطها نقط سود. وقد ظن القدماء في علة المحو ظنوناً بعضها صادف الحقيقة وبعضها جانبها حتى ظهر غاليليو واخترع سنة ١٦٠٦ م مرقباً يقرب الأشباح ثلاثين مسافة فأثبت وجود الجبال والأودية فيه، وزاد عليه غيره في تحسين المراقب المكبرة حتى أصبح القمر يرى كأنه على بعد أربعين ميلاً منا، على أن هذا القرب لا يجعلنا نرى الأشباح الصغيرة التي من نوع الحيوان لنتحقق أللقمر سكان كما للأرض أو لا، ولكن قد اصبح من المرجح إن لم يكن من المحقق أنه خال من الماء ومن السحاب والضباب الناشئين منه ومن البنات، إذ لو كان به شيء منها لتغير شكله من حال إلى حال، ويشك أن له هواء، وإن كان له فلعله لا يزيد على قمم جباله، ولا شك أن الماء والهواء هما ينبوعا الحياة وتجرده منهما وخمود جبال ناره ويبس جرمه يجعل برده شديداً جداً في الليل وحره عظيماً جداً في النهار، على فرط طولهما البالغ فيه خمسة عشر يوماً: مما يجعل الحياة فيه متعسرة بل مستحيلة، اللهم إلا أن تكون حياة غير حياتنا.

стр. 289

ويرجحون أن القمر كان أزمان سحيقة على طبيعة تقرب من طبيعة أمه الأرض، فكان آهلاً بالحيوان والبنات، إلا أن صغر جسمه جعله يسبق الأرض في اليبس والبرودة، فتقبض وبرد وانتهت دنياه، وأصبح كإسفنجة مشعثة ذات شعب ونخاريب تكوينها من جنس تكوين الأرض. ولقد خلق الله القمر مسخراً لأهل الأرض خاصة، فهو بعكسه نور الشمس عليهم هداية لهم في ظلمات البر والبحر، ولقد قضى الإنسان عصوراً ودهوراً وليس له مصباح في جنح الظلام غيره، ولا يزال كذلك لهل البدو وقبائل الهمج، وهو باختلاف أشكاله تقويم فطري لهم، فبإهلاله يعرف أول الشهر، وبالتربيع الأول يعرف ربعه، وببذره يعرف نصفه، وبالتربيع الأخير يعرف ثلاثة أرباعه، وبمحاقه تعرف نهايته. وإذا مرن الإنسان على النظر في تقدير ضوئه وأوقات مطالعه عرف الشهر يوماً يوماً والليل ساعة ساعة، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ) [البقرة: ١٨٩] . وباتحاد جذبه مع جذب الشمس للأرض ينشأ المد والجزر، وفائدتهما في تسهيل الملاحة لا تنكر، فكم من موانئ ومرافئ لولاهما لسدت برواسب الأنهار والسيول. ولضوء القمر في إنضاج الثمار والبقول أثر أيما أثر، حتى إن بعضها لا ينمو ويزهو لونه إلا في لياليه البيض. " الفن الخامس في المقامات " المقامة عبارة عن كتابة حسنة التأليف أنيقة التصنيف تتضمن نكتة

стр. 290

أدبية ومدارها على رواية لطيفة مختلفة تسند إلى بعض الرواة ووقائع شتى تعزى إلى أحد الأدباء والمقصود منها غالباً جمع درر الألفاظ وغرر البيان وشوارد اللغة ونوادر الكلام من منظوم ومنثور فضلاً عن ذكر الفرائد البديعة والرقائق الأدبية كالرسائل المبتكرة والخطب المحبرة والمواعظ المبكية والأضاحيك الملهية ولنذكر لك منتخبات من مقامات مختلفة فنقول. " قال الحريري المتوفى سنة ٥١٦ هـ? المقامة التاسعة الاسكندرنية " أخبر الحارث بن همام قال طحابي مرح الشباب وهوى الاكتساب إلى أن جبت ما بين فرغانة وغانه أخوض الغمار اجني الثمار وأقتحم الأخطار لكي أدرك الأوطار وكنت لقفت من أفواه العلماء وثقفت من وصايا الحكماء أنه يلزم الأديب الأريب إذ دخل البلد الغريب أن يستميل قاضية ويستخلص مراضيه ليشد ظهره عند الخصام ويأمن في الغربة جور الحكام فاتخذت هذا الأدب إماماً وجعلته لمصالحي زماماً

стр. 291

تقوي الأجساد بالأرواح فبينما أنا عند حاكم الإسكندرية في عشية عرية وقد احضر مال الصدقات ليفضه على ذوي الفاقات إذ دخل شيخ عفرية تعتله امرأة مصبية فقالت أيد الله القاضي وأدام به التراضي أني امرأة من أكرم جرثومة وأطهر أرومة وأشرف خؤولة وعمومة ميسمي الصون وشيمتي الهون وخلقي نعم العون وبيني وبين جارتي بون وكان أبي إذا خطبني بناة المجد وأرباب الجد سكتهم وبكتهم وعاف وصلتهم وصلتهم واحتج بأنه عاهد الله تعالى بحلفة أن لا يصاهر غير ذي حرفة فقيض القدر لنصبي ووصبي أن حضر هذا الخدعه نادي أبي فأقسم بين رهطه إنه وفق شرطه وادعى أنه طالما نظم فباعها ببدرة فاغتر أبي بزخرفة محاله وزوجنيه قبل اختبار حاله فلما استخرجني من كناسي ورحلني عن أناسي ونقلني إلى كسره وحصلني تحت أسره وجدته قعدة جثمة وألفيته ضجعة نومة

стр. 292

وكنت صحبته برياش وزي وأثاث وري فما برح يبيعه في سوق الهضم ويتلف ثمنه في الخصم والقضم إلى أن مزق مالي بأسره وأنفق مالي في عسره فلما أنساني طعم الراحة وغادر بيتي أنقى من الراحة قلت له يا هذا أنه لا مخبأ بعد بوس ولا عطر بعد عروس فانهض للاكتساب بصناعتك واجتني ثمرة براعتك فزعم أن صناعته قد رميت بالكساد لما ظهر في الأرض من الفاسد زلي منه سلالة كأنه خلالة وكلانا ما ينال معه شبعة ولا ترقا له من الطوى دمعة وقد قدته إليك وأحضرته لديك لتعجم عود دعواه وتحكم بيننا بما أراك الله فأقبل القاضي عليه وقال له وعيت قصص عرسك فبرهن الآن عن نفسك وإلا كشفت عن لبسك وأمرت بحسبك فأطرق إطراق الأفعوان ثم شمر للحرب العوان وقال: اسمعْ حديثي فإنه عجبُ ... يضحك من شرحه وينتحبُ أنا امرؤٌ ليس في خصائصه ... عيبٌ ولا في فخاره ويبُ سروجُ داري التي ولدتُ بها ... والأصل غسانْ حين أنتسبُ

стр. 293

وشغلي الدرسُ والتبحّرُ في العل ... م طلابي وحبذا الطلبُ ورأسُ ماليّ الكلام الذي ... منهُ يصاغُ القريضُ والخطبُ أغوصُ في لجَّة البيان فأخ ... تارُ اللآلئ منها وانتخبُ وأجتني اليانعِ الجني من ال ... قول وغيري للعود يحتطبُ وآخذُ اللّفظَ فضَّةً فإذا ... ما صغته قيل إنهُ ذهبُ وكنت من قبلُ امتري نشباً ... فالأدب المقتني وأحتلبُ ويمتطي أخمصي لحرمته ... مراتباً ليس فوقها رتبُ وطالما زفت الصلات إلى ... ربعي فلم أرضَ كل من يهب فاليومْ من يعلقُ الرجاءُ بهِ ... أكسدُ شيءٍ في سوقه الأدب لا عرضُ أبنائهِ يصان ولا ... يرقب فيهم إل ولا نسبُ كأنهم في عراصهم جيفٌ ... يبعد من نتنها ويجتنبُ فحار لبّي لما منيت به ... من اللّيالي وصرفها عجبُ وضاق ذرعي لضيق ذات يدي ... وساروتني الهمومُ والكربُ وقدني دهري المليمُ إلى ... سلوك ما يستشينهُ الحسبُ

стр. 294

فبعت حتى لم يبق لي لبدُ ... ولا بتاتٌ إليهِ أنقلبُ وادنت حتى أثقلتُ سالفتي ... بحمل دينِ من دونهِ العطبُ ثم طويت الحشا على سغيٍ ... خمساً فلمّا أمضني السغب لم أرَ جهازها عرضاً ... أجولُ في بيعهِ وأضطرب فجلتُ فيهِ والنفسُ كارهةٌ ... والعينُ عبرى والقلب مكتئب وما تجاوزت إذ عبثتُ به ... حدَّ التَّراضي فيحدثُ الغضب فإن يكن غاظها توهما ... أن بناني بالنّظم تكتسب أو أنني إذ عزمت خطبتها ... زخرفت قولي لينجح الأرب فوالذي سارت الرفاقُ إلى ... كعبته تستحثها النجب ما المكرُ بالمحصنات من خلقي ... ولا شعاري التمويه والكذب ولا يدي مذ نشأتُ نيط بها ... إلاّ مواضي اليراع والكتب بل فكرتي تنظم القلائد لا ... كفي وشعري المنظوم لا السخب

стр. 295

فهذه الحرفة المشارُ إلى ... ما كنت أحوى بها وأجتلب فأذنْ لشرحي كما أذنتَ لها ... ولا تراقبْ واحكم بما يجب قال: فلما احكم ما شاده وأكمل إنشاده عطف القاضي إلى الفتاة بعد أن شغف بالأبيات وقال أما أنه قد ثبت عند جميع الحكام وولاة الأحكام انقراض جيل الكرام وميل الأيام إلى اللئام وإني لإخال بعلك صدوقاً في الكلام برياً من الملام وها هو قد اعترف ذلك بالقرض وصرح عن المحض وبين مصداق النظم وتبين انه معروق العظم وإعنات المعذر ملأمة وحبس المعسر مألمة وكتمان الفقر زهادة وانتظار الفرج بالصبر عبادة فارجعي إلى خدرك واعذري أبا عذرك ونهنهي من غربك وسلمي بقضاء ربك ثم إنه فرض لهما في الصدقات حصة وناولهما من دراهمها قبصة وقال لهما تعللا بهذه العلالة وتنديا بهذه البلالة وصبرا على كيد الزمان وكده فعسى الله أن يأتي بالفتح

стр. 296

أو أمر من عنده فنهضا وللشيخ فرحة المطلق من الإسار وهزة الموسر بعد الأعسار قال الراوي: وكنت عرفت أنه أبو زيد ساعة بزغت شمسه ونزعت عرسه وكدت أفصح عن افتتانه وأثمار أفنانه ثم أشفقت من عثور القاضي على بهتانة وتزويق لسانه فلا يرى عند عرفانه أن يرشحه لإحسانه فأحجمت عن القول إحجام المرتاب وطويت ذكره كطي السجل للكتاب إلا أني قلت ما فصل ووصل إلى ما وصل لو أن من ينطلق في أثره لأتانا بفص خبره وما ينشر من حبره فأتبعه القاضي أحد أمنائه وأمره بالتجسس عن أنبائه فما لبث أن رجع متدهدها وقهقر مقهقهاً فقال له القاضي

стр. 297

مهيم يا أبا مريم فقال له لقد عاينت عجباً وسمعت ما أنشأ لي طرباً فقال له ماذا رأيت وما الذي وعيت قال لم يزل الشيخ مذ خرج يصفق بيديه ويخالف بين رجليه ويغرد بملء شدقيه ويقول: كدتُ أصلى ببليّه ... من وقاح شمَّريَّه وأزورُ السّجن لولا ... حاكم الإسكندريّة فضحك القاضي حتى هوت دنيته وذوت سكينته فلما فاء إلى الوقار وعقب الاستغراب بالاستغفار قال اللهم بحرمة عبادك المقربين حرم حبسي على المتأد بين ثم قال لذلك الأمين علي به فانطلق مجدا في مطلبه ثم عاد بعد لأيه مخبراً بنأيه فقال له القاضي أما إنه لو حضر لكفي الحذر ثم لأوليته ما هو به أولى ولأريته أن الآخرة خيرٌ له من الأولى قال الحارث بن همام فلما رأيت صغو القاضي إليه وفوت ثمرة التنبيه عليه غشيتني ندامة الفرزدق حين أبان

стр. 298

النوار والكسعي لما استبان النهار. " المقامة البشرية لبديع الزمان الهمذامي المتوفى سنة ٣٩٨ ه ـ?" حدثنا عيسى بن هشام قال كان بشر بن عوانة العبدي صعلوكاً فأغار على ركب فيهم امرأة جميلة فتزوج بها وقال: ما رأيت كاليوم فقالت: أعجب بشراً حورٌ في عيني ... وساعدٌ أبيضُ كاللجين ودونه مسرح طرف العين ... خمصانةٌ ترفلُ في حجلين أحسنُ من يمشي على رجلين ... لو ضمّ بشرٌ بينهما وبيني أدام هجري وأطال بيني ... ولو يقيس زينها بزيني " لأسفر الصبح لذي عينين " قال بشرٌ ويحك من عنيت فقالت: بنت عمك فاطمة فقال: أهي من الحسن بحيث وصفت قالت: وأزيد وأكثر فأنشأ يقول:

стр. 299

ويحكِ يا ذاتَ الثنايا البيضِ ... ما خلتني منك بمستعيض فالآن إذ لوّحت بالتعريض ... خلوتِ جوَّا فاصفري وبيضي لأضم جفناي على تغميض ... مالم أشل عرضي من الحضيض فقالت: كم خاطبٍ في أمرها ألحَّا ... وهي إليك ابنة عمّ لحّا ثم أرسل إلى عمه يخطب ابنته ومنعه العم أمنيته فآلى ألا يرعي على أحد منهم إن لم يزوجه ابنته ثم كثرت مضراته فيهم واتصلت معراته إليهم فاجتمع رجال الحي إلى عمه وقالوا كف عنا مجنونك فقال: لا تملبسوني عاراً وأمهلوني حتى أهلكه ببعض الحيل فقالوا: أنت وذاك ثم قال له عمه إني آليت أن لا أزوج بنتي هذه إلا ممن يسوق إليها ألف ناقة مهراً ولا أرضانها إلا من نوق خزاعة وكان غرض العم أن يسلك بشر الطريق بينه ووبين خزاعة فيفترسه الأسد لأن العرب قد كانت تحامت عن ذلك الطريق وكان فيه أسد يسمى "داذا" وحية تدعى "شجاعاً" يقول فيهما قائلهم: أفتكُ من داذ ومن شجاع ... إن يكُ داذٌ سيّد السّباع فإنها سيّدةُ الأفاعي ثم إن بشراً سلك ذلك الطريق غما نصفه حتى لقي الأسد وقمص مهره فنزل وعقره ثم اخترط سيفه إلى الأسد واعترضه وقطعه ثم كتب بدم السد على قميصه إلى ابنة عمه: أفاطمُ لو شهدتِ ببطنِ خبت ... وقد لاقى الهزبرُ أخاك بشرا إذاً لرأيتِ ليثاً زارَ ليثاً ... هزبر اً أغلبا لاقى هزبرا تبهنسَ حين أحجم عنهُ مهري ... محاذرةً، فقلتُ عقرتَ مهراً

стр. 300

أنلْ قدميّ ظهرَ الأرض إني ... رأيتُ الأرضَ أثبتَ منك ظهرا وقلتُ له وقد أبدى نصالاً ... محدّدة ووجهاً مكفهرا يكفكفُ غيلةً إحدى يديه ... ويبسطُ للوثوب عليّ أخرى يدلُّ بمخلب وبحدّ ناب ... وباللَّحظاتِ تحسبهنَّ جمرا وفي يمنايَ ماضي الحدّ أبقى ... بمضربه قراعُ الموت أثرا ألم يبلغك ما فعلتْ ظباة ... بكاظمةٍ غداةَ لقيتُ عمرا وقلبي مثلُ قلبك ليس يخشى ... مصاولةً فكيفَ يخاف ذعرا وأنتَ تروم للأشبال قوتاً ... وأطلبُ لابنةِ الأعمام مهرا ففيمَ تسوم مثلي أن يولّي ... ويجعلَ في ديك النفس قسرا نصحتك فالتمسْ يا ليثُ غيري ... طعاماً إن لحمي كان مرَّا فلما ظنَّ أن الغشَّ نصحي ... وخالفني كأنّي قلتُ هجرا مشى ومشيت من أسدين راما ... مراماً كان إذ طلباهُ وعرا هززتُ له الحسامَ فخلتُ أني ... سللتُ به لدى الظّلماء فجرا وجدتُ له بجائشةٍ أرتهُ ... بأنَّ كذبتهُ ما منّتهُ غدرا وأطلقتُ المهنَّدَ من يميني ... فقدَّ له من الأضلاع عشرا فخرَّ مجدَّلاً بدمٍ كأني ... هدمتُ به بناءً مشمخرَّا وقلتُ له يعز عليّ أني ... قتلتُ مناسبي جلداً وفخرا ولكنْ رمتَ شيئاً لم يرمهُ ... سواكَ فلم أطقْ يا ليثُ صبرا تحاولُ أن تعلّمني فراراً ... لعمرُ أبيك قد حاولتَ نكرا فلا تجزعْ فقد لاتقيتَ حرَّا=يحاذر أن يعابَ فمتَّ حرَّا فلما بلغت الأبيات عمه ندم على ما منعه تزويجها وخشي أن تغتاله الحية فقام في أثره وبلغه وقد ملكته سورة الحية

стр. 301

فلما رأى عمه أخذته حمية الجاهلية فجعل يده في فم الحية وحكم سيفه فيها فقال: بشرٌ إلى المجد بعيدٌ همّه ... لما رآه بالعراءِ عمّهُ قد ثكلتهُ نفسهُ وأمُّه ... جاشتْ به جائشةٌ تهمهُ قام إلى ابنِ للفلاَ يؤمُّه ... فغاب فيه يدهُ وكمّهُ ونفسهُ نفسي وسمّي سمُّهُ فلما قتل الحية قال عمه إني عرضتك طمعاً في أمر قد ثنى الله عناني فارجع لأزوجك لابنتي فلا رجع جعل بشر فمه فخراً حتى طلع أمرد كشق القمر على فرسه مدججاً في سلاحه فقال بشر يا عم إني اسمع حس صيد وخرج فإذا بغلام على قيد فقال ثكلتك أمك يا بشر أن قتلت دودة وبهيمة تملأ ما ضغنك فخراً أنت في أمان إن سلمت عمك فقال بشر من أنت لا أم لك قال اليوم الأسود والموت الأحمر فقال بشر: ثكلتك من سلحتك فقال يا بشر ومن سلحتك وكر كل واحد منهما على صاحبه فلم يتمكن بشر منه وأمكن الغلام عشرون طعنة في كلية بشر كلما مسه شبا السنان حماه عن بدنه إبقاء عليه. ثم قال يا بشر كيف ترى أليس لو أردت لأطعمتك أنياب الرمح ثم ألقى رمحه واستل سيفه فضرب بشراً عشرين ضربة بعرض السيف ولم يتمكن بشر من واحدة ثم قال يا بشر سلم عمك واذهب في أمان قال نعم ولكن على شريطة أن تقول لي من أنت فقال أنا ابن المرأة التي دلتك على ابنة عمك: فقال بشر: تلك العصا من هذه العصيّه ... هل تلدُ الحيَّةُ إلا الحيّة وحلف لا ركب حصاناً ولا تزوج حصاناً ثم زوج ابنة عمه لابنه.

стр. 302

" الفن السادس في الروايات " الرواية عبارة عن ذكر قول أو فعل حدثاً أو أمكن حدوثهما وخواصها أربعة الإيضاح والإيجاز والإمكان والتلطف "فالإيضاح" يكون بتقديم فرش للحديث وتوطئة للخبر يقرب مأخذ الرواية وبمراعاة الترتيب الطبيعي في إيراد ظروف الخبر ما لم يكن للراوي غرض لتجاوز هذا النظام وبالعدول عن كثرة الاستطرادات في إنشاء الحديث لأن ذلك يصرف العقل عن سياق الرواية ويذهب برونقها "والإيجاز" حذف فضول وحشو الكلام مع انتقاء أخص الظروف وأنسبها للغاية ولا بأس بالأطناب إذا ما دعا إليه مقتضى الحال "والإمكان" ترشيح الرواية للقبول في ذهن السامع "والتلطيف" في الرواية أن يبلغ الكاتب كنه القلوب ويأخذ بمجامع اللب بأن ينتقل فيها من حال إلى حال لأن النفس قد جلبت على محبة التحول وطبعت على إيثار التنقل وللرواية ثلاثة أجزاء صدرها وعقدتها وختامها "فالصدر" التوطئة للواقع بحيث يقف السامع على أسماء الأشخاص وطباعهم وعلى مكان الواقع وسوابق العمل "والعقدة" هي الجزء الذي على محوره تدور الرواية وهو المجال الأوسع الذي تتقابل الأشخاص وتشتبك الأحوال وتضطرم في النفس لواعج الشوق للوقوف على عاقبة الأمر متنقل من الرجاء إلى الخوف ومن الفرح إلى الحزن. "والختام" الجزء الأخير من الرواية الذي به تفك الإربة وتحل رباق الحديث فتنال النفوس بذلك مرامها وتفوز بوطرها وسمته أن يكون فجائياً مرتبطاً مع ما قبله ارتباطاً محكماً وافياً بالمراد بحيث ترضى به النفوس وترتاح إليه القلوب وشواهد الرواية كثيرة لا نطيل بذكرها أفرادها الأدباء بالتآليف العديدة ولنذكر هنا بعض ملح لايستغني عنها المقام.

стр. 303

" رواية ليلى الأخيلية مع الحجاج " قال بعضهم بينما كان الحجاج في مجلس ومعه عنبسة بن سعد العاصي غذ دخل الحاجب فقال امرأة بالباب فقال له الحجاج أدخلها فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت لأن ذقنه قد أصاب الأرض فجاءت حتى قعدت بين يديه فنظرت المرأة قد لأسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها وإذا هي ليلى الأخيلية فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له فقال لها يا ليلى ما أتى بك فقالت أخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها صفي لنا الفجاج: فقالت الفجاج مغبرة. والأرض مقشعرة والمبرك معتل وذو العيال مختل والهالك للقل والناس مسنتون رحمة الله يرجون وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعاً ولا ربعاً ولا عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال ومزقت الرجال وأهلكت العيال ثم قالت إني قلت في الأمير قولاً: قال هاتي فأنشأت تقول: أحجَّاجُ لا يفللْ سلاحك إنّما ال? ... ?منَايا بكفّ الله حيث يراها أحجاج لا تعط العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةً ... تتبَّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الدّاء العضال الذي بها ... غلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها سقاها فروّاها يشرب سجالهِ ... دماء رجالٍ حيث مال حشاها إذا سمع الحجاج رزّ كتيبةٍ ... أعدّ لها قبل النُّزول قراها أعدّ لها مصقولةً فارسيّة ... بأيدي رجال يحلبون صراها فما ولد الأبكارُ والعونُ مثله ... ببحرٍ ولا أرض يجفّ تراها قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجاج قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال والله إني لأعد للأمر عسى أن لايكون أبداً ثم التفت إليها فقال حسبك قالت غني قد

стр. 304

قلت أكثر من هذا قال حسبك ويحك حسبك ثم قال يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها فذهب بها فقال له يقول لك الأمير اقطع لسانها قال فأمر بإحضار الحجام فالتفتت ثكلتك أمك أما سمعت ما قال أنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة فبعث إليه يستثبته فاستشاط الحجاج غضباً وهم بقطع لسانه وقال أرددها فلما دخلت عليه قالت: كاد "وأمانة الله" يقطع مقولي ثم أنشأت تقول: حجّاج أنت الذي ما فوقه أحدٌ ... إلا الخليفةُ والمستغفرُ الصّمد حجاج أنتَ شهابُ الحربِ إن لقحتْ ... وأنتَ للناس نورٌ في الدُّجى يقدُ ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه قالوا لا والله أيها الأمير إنا لم نر قط أفصح لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها فقال هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها ثم التفت إليها فقال أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة قالت نعم أيها الأمير الذي يقول: وهل تبكينَ ليلى إذا متّ قبلها ... وقام على قبري النّساء النّوائحُ كما لو اصاب الموتُ ليلى بكيتها ... وجاد لها دمعٌ من العين سافح وأغبطُ من ليلى بما لا أناله ... بلى كلّ ما قّرت به العين طائح ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت ... عليّ ودونيَ جندل وصفائح لسلّمت تسليمَ البشاشة أوزقا ... إليها صدّى من جانب القبر صائح ثم قال لها سلي يا ليلى تعطي قالت أعط فمثلك أعطى فأحسن قال لك عشرون قالت زد فمثلك زاد فأجمل قال لك أربعون قالت زد فمثلك زاد فأكمل قال لك ثمانون قالت زد فمثلك زاد فتمم قال لك مئة واعلمي إنها غنم قالت معاذ الله أيها الأمير أنت أجود جوداً وأمجد مجداً وأورى زنداً من أن تجعلها غنماً قال فما هي ويحك يا ليلى قالت مائة من الإبل

стр. 305

برعاتها فأمر لها بها ثم قال ألك حاجة بعدها حاجة بعدها قالت يدفع إلي النابغة الجعدي قال قد فعلت وقد كانت تهجوه ويهجوها فبلغ النابغة ذلك فخرج هارباً عائذاً بعبد الملك فاتبعته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة بقومس ويقال بحلوان. " رواية بنات الشاعر المقتول " كان لشاعر عدو فبينما هو سائر ذات يوم في بعض الطرق إذا هو يبعدوه فعلم الشاعر أن عدوه قاتله لا محاله فقال له يا هذا أنا أعلم أن المنية قد حضرت ولكن سألتك الله إذا أنت قتلتني أن امض إلى داري وقف بالباب وقل "ألا أيها البنتان أن أباكما" فقال سمعاً وطاعة ثم إنه قتله فلما فرغ من قتله أتى إلى داره ووقف بالباب وقال: "ألا أيتها البنتان أن أباكما" وكان للشاعر ابنتان فلما سمعا قول الرجل "ألا أيتها البنتان أنا أباكما" أجابتاه بفم واحد "قتيل خذا بالثار ممن أتاكما" ثم تعلقتا بالرجل ورفعتاه إلى الحاكم فاستقرره فأقر بقتله فقتله. " رواية المتكلمة بالقرآن الكريم " قال عبد الله بن المبارك خرجت حاجاً إلى ببت الله الحرام وزيارة قبر نبيه ﵊ فبينما أنا في بعض الطريق إذ أنا بسواد فتميزت ذاك فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف فقلت السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقالت: (سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رّبّ رّحِيمٍ) [يس: ٥٨] قال فقلت لها يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان قالت: (وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الأعراف: ١٨٦] فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها أين تريدين قالت: (سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى) [الإسراء: ١] فعلمت أنها قد قضت حجها وهي تريد بيت المقدس فقلت لها أنت منذ كم في هذا الموضع قالت: (ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) [مريم: ١٠] فقلت ما أرى معك طعاماً تأكلين قال: (هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)

стр. 306

[الشعراء: ٧٩] فقلت فبأي شيء تتوضئين قالت: (فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً) [النساء: ٤٣] فقلت لها أن معي طعاماً فهل لك في الأكل قال: (ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ) [البقرة: ١٨٧] فقلت ليس هذا شهر رمضان قالت: (وَمَن تَطَوّعَ خَيْراً فَإِنّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [البقرة: ١٥٨] فقلت قد أبيح لنا الإفطار في السفر قالت: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ١٨٤] فقلت لم لا تكلميني كما أكلمك قالت: (مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: ١٨] فقلت قمن أي الناس أنت قالت: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: ٣٦] فقلت قد أخطأت فاجعليني في حل قالت: (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) [يوسف: ٩٢] فقلت فهل لك أن أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة قالت: (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ) [البقرة: ١٩٧] قال فأنخت ناقتي قالت: (قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ) [النور: ٣٠] فغضضت بصري عنها وقلت لها اركبي فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها فقالت: (وَمَآ أَصَابَكُمْ مّن مّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: ٣٠] فقلت لها أبصري حتى أعلقها قالت: (فَفَهّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) [الأنبياء: ٧٩] فعلقت الناقة وقلت لها اركبي فلما ركبت قالت: (سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هََذَا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنّآ إِلَىَ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ) [الزخرف: ١٣، ١٤] قال فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسرع وأصيح فقالت: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) [لقمان: ١٩] فجعلت أمشي رويداً رويداً وأترنم بالشعر فقالت: (فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) [المزمل: ٢٠] فقلت لها لقد أوتيت خيراً كثيراً قالت: (وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) [البقرة: ٢٦٩] فلما مشيت بها قليلاً قلت ألك زوج قالت: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: ١٠١] فسكت ولم أكملها حتى أدركت بها القافلة فقلت لها هذه القافلة فمن لك فيها فقالت: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا) [الكهف: ٤٦] فعلمت أن لها أولاداً فقلت وما شأنهم في الحج قالت: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) [النحل: ١٦] فعلمت أنهم أدلاء الركب فقصدت بها القباب والعمارات فقلت هذه القباب فمن لك فيها قالت: (وَاتّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) [النساء: ١٢٥] (وَكَلّمَ اللهُ مُوسَىَ تَكْلِيماً) [النساء: ١٦٤] (يَيَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ) [مريم: ١٢] فناديت با ابراهيم يبا موسى

стр. 307

يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا فلما استقر بهم الجلوس قالت: (فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هََذِهِ إِلَىَ الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيّهَآ أَزْكَىَ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ) [الكهف: ١٩] فمضى أحدهم فاشترى طعاماً فقدموه بين يدي وقالت: (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة: ٢٤] فقلت الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها فقالوا هذه أمنا لها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن فسبحان القادر على ما يشاء فقلت: (ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: ٢١] .

стр. 308

تم بعون الله طبع "الجزء الأول" من كتاب "جواهر الأدب" ويليه بمشيئته جل شأنه "الجزء الثاني" وأوله الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية.

стр. 309

بسم الله الرحمن الرحيم " الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية " التاريخ: هو معرفة أخبار الماضين وأحوالهم من حيث معيشتهم، وسياستهم وأدبهم، ولغتهم. والأدب: (كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل) . وهذه الرياضة كما تكون بالفعل، وحسن النظر، والمحاكاة، تكون بالأقوال الحكيمة التي تضمنتها لغة أي أمة. واللغة: ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم وهي من الأوضاع البشرية وأدب لغة أي أمة هو ما أودع في شعرها ونثرها من نتائج عقول أبنائها وصور أخيلتهم وطباعهم: مما شأنه أن يهذب النفس، ويثقف العقل، ويقوم اللسان. وتاريخ أدب اللغة: هو العلم الباحث عن أحوال اللغة: نثرها ونظمها في عصورها المختلفة، وعما كان لنابغيها من التأثير البين فيها. واللغة العربية: إحدى اللغات السامية. وهي لغة أمة العرب القديمة العهد الشائعة الذكر التي كانت تسكن الجزيرة المنسوبة إليها في الطرف الغربي من آسيا. وهذه الأمة: منها القدماء، وهم الذين يسكنون تلك الجزيرة وينطقون باللغة العربية سليقة وطبعاً، وهم ثلاث طبقات: أولاها العرب البائدة وهؤلاء لم يصل إلينا شيء صحيح من أخبارهم إلا ما قصه الله علينا في القرآن الكريم، وإلا ما جاء في الحديث النبوي. ومن أشهر قبائلهم طسم، وجديس وعاد، وثمود وعمليق.

стр. 310

وثانيهما العرب العاربة: وهم بنو قحطان الذين اختاروا اليمن منازل لهم. ومن أمهات قبائلهم كهلان، وحمير. وثالثتها العرب المستعربة: وهو بنو اسماعيل الطارئون على القحطانين، والممتزجون بهم لغة ونسباً. والمعرفون بعج بالعدنانيين، ومن أمهات قبائلهم ربيعة، ومضر، وإياد، وأنمار. ومنها المحدثون: وهم سلائل هؤلاء الأقوام الممتزجون بسلائل غيرهم والمنتشرون بعد الإسلام في بقاع الأرض من المحيط الأخضر (الأطلنطي) إلى ما وراء بحر فارس ودجلة، ومن أعالي النهرين إلى ماوراء جاوه وسومطرة.

стр. 311

" عصور اللغة العربية وآدابها " لما كان تاريخ أي أمة وأدبها يرتبط كل الارتباط بالحوادث السياسية والدينية والاجتماعية التي تقع بين ظهراني هذه الأمة، ناسب تقسيم تاريخ أدب اللغة خمسة أعصر: الأول: عصر الجاهلية: وينتهي بظهور الإسلام ومدته نحو خمسين ومائة سنة. الثاني: عصر صدر الإسلام، ويشمل بني أمية ويبتدئ بظهور الإسلام وينتهي بقيام دولة بني العباس سنة (١٣٢هـ?) . الثالث: عصر بني العباس: ويبتدئ بقيام دولتهم، وينتهي بسقوط بغداد في أيدي التتار سنة (٦٥٦هـ?) . الرابع: عصر الدول التركية: ويبتدئ بسقوط بغداد، وينتهي بمبدأ النهضة الأخيرة سنة (١٢٢٠هـ?) . الخامس: عصر النهضة الأخيرة: ويبتدئ من حكم الأسرة المحمدية العلوية بمصر، ويمتد إلى وقتنا هذا. " العصر الأول عصر الجاهلية " " حالة اللغة وآدابها في ذلك العصر " لغة العرب من أغنى اللغات كلما، وأعرقها قدماً، وأوسعها لكل ما يقع تحت الحس، أو يجول في الخاطر: من تحقيق علوم، وسن قوانين وتصوير خيال، وتعيين مرافق: وهي على هندمة وضعها، وتناسق أجزائها لغة قوم أميين، ولا عجب أن بلغت تلك المنزلة، من بسطة الثروة، وسعة المدى إذا كان لها من عوامل النمو، ودواعي البقاء والرقي، ما قلما يتهيأ لغيرها وما رواه لنا منها أئمة اللغة وجاء به القرآن الكريم والحديث النبوي هو نتيجة امتزاج لغات الشعوب التي سكنت جزيرة العرب ولا شك في أن من أسباب امتزاج هذه اللغات ما يأتي: ١ هجرة القحطانين إلى جزيرة العرب ومخالطتهم فيها العرب البائدة باليمن ثم تمزقهم في بقاع الجزيرة كل ممزق بظلمهم وتخرب بلادهم بسيل العرم.

стр. 312

٢ هجرة اسماعيل ﵇ إلى جزيرة العرب واختلاطه وبينه بالقحطانين بالمصاهرة والمجاورة والمحاربة والمتاجرة: وأظهر مواطن هذا الامتزاج مشاعر الحج والأسواق التي كانت تقيمها العرب في أنحاء بلادها، ومن هذه الأسواق عكاظ ومجنة وذو المجاز. وأهمها سوق عكاظ: وكانت تقام من أول ذي العقدة إلى اليوم العشرين منه. وأقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة وبقيت إلى ما بعد الإسلام حتى سنة تسع وعشرين ومائة. وكان يجتمع بهذه السوق أكثر أشراف العرب للمتاجرة، ومفاداة الأسرى والتحكيم في الخصومات وللمفاخرة بالشعر والخطب في الحسب والنسب والكرم والفصاحة والجمال والشجاعة وما شاكل ذلك. وكان من اشهر المحكمين بها في الشعر النابغة الذبياني. ومن أشهر خطبائها قس بن ساعدة الإيادي. وقد لهج الشعراء بذكرها في شعرهم. وحضرها منهم الرجال والنساء. كلام العرب الغرض من كلام العرب كغيره الإبانة عما في النفس من الأفكار ليكون مدعاة إلى المعاونة والمعاضدة. وذريعة إلى تسهيل أعمال الحياة. ولما كانت هذه الأفكار لا تزال متجددة غير متناهية. كانت صور الكلام المبين عنها لا تزال كذلك متجددة خاضعة لقوى الاختراع والابتداع وأنواع الإنشاء والتأليف على حسب ما يقتضيه المقام فقد تصل صورة الكلام إلى الغاية القصوى في البلاغة، وقد تنحط صورة العبارة إلى الدرك الأسفل من الإبانة. بحيث لو انحطت عن ذلك لكانت عند الأدباء بأصوات الحجماوات أشبه، وبين الحالين مراتب، وجل بحث علم الأدب وتاريخه في التفاوت بين هذه المراتب ورجالها.

стр. 313

وكلام العرب بمراتبه: العليا والدنيا وما بينهما تعتوره كغيره أحوال تتغير بتغير حياة أهله العقلية والمعاشية والدينية، وتلك الأحوال تتمثل في "أغراض اللغة، ومعانيها، وعباراتها". أغراض اللغة في الجاهلية ١ كانت اللغة تستعمل في أغراض المعيشة البدوية، ووصف مرافقها من حل وترحال، وانتجاع كلأ. واستدرار غيث. واستنتاج حيوان. ٢ وفي غثارة المنازعات والمشاحنات، وما يتبعها من الحض على إدراك الثأر. والتفاخر بالانتصار، والتباهي بكرم الأصل والنجار. ٣ شرح حال المشاهدات والكيفيات والإخبار عن الوقائع والقصص وغير ذلك. معاني اللغة في الجاهلية تجمل معاني اللغة (١) في قصر معاني المفردات على ما تقتضيه البداوة والفطرة الغضة الخالية من تكلف أهل الحضر وتأنقهم (٢) وفي انحصار أحكامهم في (الخبر) ومطالبهم عن (الإنشاء) إما في التعقل المستنبط من الحس والمشاهدة أو الطبيعة أو التجربة أو الوجدان. من غير مبالغة ولا إغراق. وإما في التخيل المنتزعة صوره من المحسوسات بحيث لا تخرج عن الإمكان العقلي والعادي. عبارة اللغة في الجاهلية تلخص أحوال العبارة في الجاهلية فيما يأتي: ١ استعمال الألفاظ في معانيها الوضعية. أو معان مناسبة للمعنى الأصلي بطريق المجاز الذي قد يصبح بعد قليل وضعاً جديداً.

стр. 314

٢ كثرة استعمال المترادف، وقلة الأعجمي المعبر عنه بالمعرب، وخلو الكلام العربي من اللحن، وغلبة الإيجاز عليه كما تراه واضحاً في شعرهم. ٣ إرسال الأساليب الكلامية على حسب ما تقتضيه البلاغة بدون تكلف. تقسيم كلام العرب ينقسم كلام العرب قسمين: نثراً ونظماً. فالنظم هو الموزون المقفى. والنثر ما ليس مرتبطاً بوزن ولا قافية. النثر المحادثة الخطابة الكتابة الأصل في الكلام أن يكون منثوراً: لإبانته مقاصد النفس بوجه أوضح وكلفة أقل وهو غما حديث يدور بين بعض الناس وبعض في إصلاح شؤون المعيشة. واجتلاب ضروب المصالح والمنافع وذلك ما يسمى (المحادثة) أو "لغة التخاطب ". وإما خطاب من فصيح نابه الشأن يلقيه على جماعة في أمر ذي بال. وهذا ما يسمى "الخطابة". وإما كلام نفسي مدلول عليه بحروف ونقوش لإرادة عدم التلفظ به. أو لحفظه للخلف. أو لبعد الشقة بين المتخاطبين. وذلك ما يسمى (الكتابة) . إذن فأقسام النثر ثلاثة. محادثة. خطابة. وكتابة وكلها إما أن تكون كلاماً خالياً من التزام التقفيه في أواخر عباراته: وذلك ما يسمى "النثر المرسل" وإما أن تكون قطعاً ملتزماً في آخر كل فقرتين منها أو أكثر قافية واحدة. وهذا ما يسمى "السجع" وهو نوع من الحلية اللفظية إذا جاء عفواً ولم يتعمد التزامه. ولحسن وقعه في الأسماع. وحوكه وتأثيره في الطباع كان اكثر ما يستعمل في الخطابة. والأمثال. والحكم. والمفاخرات. والمنافرات. المحادثة أو لغة التخاطب لغة التخاطب عند عرب الجاهلية بعد أن توحدت لغاتها هي اللغة المعربة المستعملة في شعرها وخطبها وكتابتها. ولا فرق بينها في البلاغة إلا بقدر ما تستدعيه حال الخطابة والشعر والكتابة: من نبالة الموضوع والتأنق في العبارة.

стр. 315

وأكثر ما وصل إلينا منها كان شريف المعنى. فصيح اللفظ. الخطابة لما كان جل العرب في جاهليتها قبائل متبدية. لايربطها قانون عام. ولا تضبطها حكومة منظمة. ومن شأن المعيشة البدوية شن الغارات لأوهى الأسباب. والمدافعة بالنفس عن الروح والعرض والمال. والمباهاة بقوة العصبية وكرم النجار وشرف الخصال. وللقول في ذلك أثر لا يقل عن الصول: كانت الخطابة لهم ضرورية. وفيهم فطرية. وإنما لم تصل إلينا أخبار خطبائهم الأوائل. وشيء من خطبهم كما كان ذلك في الشعر. لحفلهم قديماً بالشعر دون الخطابة. ولصعوبة حفظ النثر. وما عني الرواة بنقل أخبار الخطباء إلا عندما حلت الخطابة بعد منزلة أسمى من الشعر. لابتذاله بتعاطي السفهاء والعامة له. وتلوثهم بالتكسب به والتعرض للحرم. فنبه بذلك شأن الخطابة. واشتهر بها الأشراف وكان لكل قبيلة خطيب كما كان لكل قبيلة شاعر. وأكثر ما كانت الخطابة في التحريض على القتال. والتحكيم في الخصومات وإصلاح ذات البين. وفي المفاخرات. والمنافرات. والوصايا وغير ذلك. وكان من عادة الخطيب في غير خطب الإملاك والتزويج أن يخطب قائماً أو على نشر ومرتفع من الأرض أو على ظهر راحلته. لإبعاد مدى الصوت، والتأثير بشخصه وإظهار ملامح وجهه وحركات جوارحه ولا غنى له عن لوث وعصب العمامة والاعتماد على مخصرة أو عصا أو قناة أو قوس وربما أشار بإحداها أو بيده. وخطباء العرب كثيرون (من أقدمهم) كعب بن لؤي (وكان ذا نفوذ عظيم من قومه حتى أكبروا موته) وذو الإصبع العدواني وهو حرثان بن محرث.

стр. 316

(ومن أشهلارهم) قيس بن خارجة بن سنان خطيب حرب داحس والغبراء. وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار و قس بن ساعدة الإيادي خطيب عكاظ. وأكثم بن صيفي زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان عهلى كسرى: وهم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميان والحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريان وخالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريون، وعمرو بن الشريد السلمي، وعمرو

стр. 317

بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري) . قس بن ساعدة الإيادي هو خطيب العرب قاطبة، وللمضروب به المثل في البلاغة والحكمة كان يدين بالتوحيد، ويؤمن بالبعث، ويدعو العرب إلى نبذ العكوف على الأوثان ويرشدهم إلى عبادة الخالق: ويقال إنه أول من خطب على شرف وأول من قال في خطبه "أما بعد" وأول من اتكأ على سيف أو عصا في خطابته، وكان الناس يتحاكمون إليه وهو القائل "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر"، وسمعه النبي (قبل البعثة يخطب في عكاظ فأثنى عليه وعمر قس طويلاً ومات قبيل البعثة: ومن خطبه خطبته التي خطبها في سوق عكاظ وهي: أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات: وكل ما هو آت آت، ليل داج ونهار ساج وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر وجبال مرساه، وأرض مدحاه وأنهار مجراه، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه إن لله ديناً هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي انتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً: ويروى أن قسماً أنشأ بعد ذلك يقول: في الذَّاهبين الأوّل? ... ?ين من القرون لنا بصائر لمّا رأيت مورداً=للموت ليس لها مصادر ورأيت قوميَ نحوها ... تمضي الأكابرَ والأصاغر

стр. 318

لايرجع الماضي إليّ ... م ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا مح? ... ?الة حيث صار القومُ صائر أكثم بن صيفي هو أعرف الخطباء بالأنساب وأكثرهم ضرب أمثال وإصابة رأي وقوة حجة وقل من جاره من خطباء عصره وهو زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان على كسرى ولقد بلغ من إعجابه به أن قال له: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى: وقد عمر طويلاً حتى أدرك مبعث النبي (وجمع قومه وحثهم على الإيمان به، وفي إسلامه روايات، وكان في خطبه قليل المجاز حسن الإيجاز حلو الألفاظ دقيق المعاني مولعاً بالأمثال "راجع خطبته في فن المناظرات". الكتابة يراد بالكتابة عند الأدباء صناعة إنشاء الكتب والرسائل وإذ كانت الكتابة بهذا المعنى تؤدى بالنقوش المسماة بالخط فأول خلقة من سلسلة الخط العربي هي الخط المصري القديم ومنه اشتق الخط الفينيقي ومن هذا اشتق الآرامي والمسند بأنواعه: الصفوي والثمودي والليحاني شمالي جزيرة العرب والحميري جنوبيها ورواة العرب يقولون إنهم أخذوا خطهم الحجازي عن أهل الحيرة والأنبار. أما الكتابة: بمعنى إنشاء الكتب والرسائل فهي لازمة لكل أمة متحضرة ذات حكومة منظمة ودواوين متعددة: وقد كان بعض ذلك موفوراً في ممالك التبابعة جنوباً ومأثوراً عن ممالك المناذرة والغساسنة شمالاً، ولذلك استعمل الخط المسند الحميري عند الأولين من عهد مديدي والأنباري الحيري عند الآخرين وإنما لم يصل إلينا شيء من رسائل تلك الأمم ولا من كتب فنونها ودينها غير قليل عثر عليه لتقادم عهد أهلها وعدم استكمال البحث بعد في بلادها.

стр. 319

ولم يعرفنا التاريخ أيضاً بأحد من كتاب هذه الصناعة إلا "بعدي بن ويد العبادي" الذي كان كاتباً ومترجماً عند كسرى. أما البدو: من سكان أواسط الجزيرة وهم جمهور مضر وبعض القحطانيين فكانوا أميين ومن المعقول أنهم لم يعرفوا الكتابة الإنشائية إلا بعد عرفوا الخط آخر عصور الجاهلية وهو مانقل عنهم فيه: أنهم كانوا يكتبون في بدء رسائلهم باسمك اللهم ومن فلان إلى فلان وأما بعد: ولم تقم لهم دولة بالمعنى السابق إلا بقيام الإسلام فهو الذي أفشى فيهم الخط والكتابة. ولما كانت علوم كل أمة لها الأثر العظيم في تكوين فكر الأديب وخيال الشاعر وكانت كتابتها قسماً قائماً بنفسه يسمى كتابة التدوين ناسب شرح ذلك. علوم العرب وفنونها العلوم والصناعات لازمة لحضارة الأمم ومن العرب أهل حضارة دلت عليها دولهم العظيمة وقدم تاريخهم وآثارهم الخالدة وهم التبابعة فيلا اليمن والمناذرة والغساسنة في الشمال وإذاً تكون هندسة إرواء الأرض وعمارة المدن والحساب والطب والبيطرة والزراعة ونحوها معروفة في الجنوب والشمال مدونة في الكتب وإن لم يحفظ لنا الدهر صوراً منها: أما البدو منهم وإن كانوا أميين يمقتون الصناعات فلا غنى لهم عن تجربة ترشدهم إلى ما ينفعهم ليعرفوا متى تجود السماء وبم يتميز الأقرباء من البعداء فكسبهم ذلك علم النجوم والطب الضروري والأنساب والأخبار ووصف الأرض والفراسة والعيافة والقيافة والكهانة والعرافة والزجر وقرض الشعر. علم النجوم: هو معرفة أحوال الكواكب وقد كانوا أبرع

стр. 320

في هذا العلم منهم في كل علم سواه، تعرفه عامتهم قبل خاصتهم للاهتداء به من ظلمات البر والبحر، ومعرفة أزمنة الخصب والمحل، وبعض معارفهم فيه مستمد من الكلدان لاختلاطهم بهم ولاتفاق اللغتين في كثير من أسماء الكواكب والبروج ومن أشهرهم فيه (بنو حارثة بن كلب وبنو مرة بن همام الشيباني) . الطب الإنساني والحيواني (البيطرة) وقد عاناه من الغرب كثيرون ومن مشوريهم (الحارث بن كلدة الثقفي وابن حذيم التيمي) . الأنساب: علم تتعرف به القرابات التي بين بعض القبائل وبعض فتلحق فروعها بأصولها وإنما دعاهم إلى العناية به حاجتهم إلى التناصر بالعصبية لكثرة حروبهم وتفرق قبائلهم وأنفتهم من أن يكون لغريب عنهم سلطان عليهم وحبهم الافتخار بأسلافهم وممن اشتهر بمعرفة أنساب العرب (دغفل بن حنظلة الشيباني وزيد بن الكيس النمري وابن لسان الحمرة) ولهذا كانوا يحفظون. الأخبار والتاريخ والقصص: هي معرفة أحوال السابقين وكانوا يعرفون منها ما كان عليه أسلافهم وبعض مجاوريهم من الأحوال المأثورة ووقائع أيامهم المشهورة كقصة الفيل وحرب البسوس وحرب الفجار. وصف الأرض: هو معرفة كل بقعة وما يجاورها وكيف يهتدي إليها. ومن قرأ شعر العرب في نسيبهم واطلع على وصفهم وكيف كانوا يحددون الحقير منها بحدود قلما تحد به مملكة عظيمة عرف شدة حذقهم بمعرفة بلادهم. الفراسة: هي الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله ولونه وقوله على أخلاقه وفضائله ورزائله وقد نبغ فيها من العرب من لايحصى عددهم ولهم في ذلك نوادر شتى. القيافة: ضرب من الفراسة وهي الاهتداء بآثار الأقدام على أربابها أو الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه فقد كانوا يميزون بين أثر الرجل
следующие страницы →