← Адаб

Адаб · id 21505

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب

أحمد الهاشمي

Полный текст (685 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(ومن أشهلارهم) قيس بن خارجة بن سنان خطيب حرب داحس والغبراء. وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار و قس بن ساعدة الإيادي خطيب عكاظ. وأكثم بن صيفي زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان عهلى كسرى: وهم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميان والحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريان وخالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريون، وعمرو بن الشريد السلمي، وعمرو

стр. 317

بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري) . قس بن ساعدة الإيادي هو خطيب العرب قاطبة، وللمضروب به المثل في البلاغة والحكمة كان يدين بالتوحيد، ويؤمن بالبعث، ويدعو العرب إلى نبذ العكوف على الأوثان ويرشدهم إلى عبادة الخالق: ويقال إنه أول من خطب على شرف وأول من قال في خطبه "أما بعد" وأول من اتكأ على سيف أو عصا في خطابته، وكان الناس يتحاكمون إليه وهو القائل "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر"، وسمعه النبي (قبل البعثة يخطب في عكاظ فأثنى عليه وعمر قس طويلاً ومات قبيل البعثة: ومن خطبه خطبته التي خطبها في سوق عكاظ وهي: أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات: وكل ما هو آت آت، ليل داج ونهار ساج وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر وجبال مرساه، وأرض مدحاه وأنهار مجراه، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه إن لله ديناً هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي انتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً: ويروى أن قسماً أنشأ بعد ذلك يقول: في الذَّاهبين الأوّل? ... ?ين من القرون لنا بصائر لمّا رأيت مورداً=للموت ليس لها مصادر ورأيت قوميَ نحوها ... تمضي الأكابرَ والأصاغر

стр. 318

لايرجع الماضي إليّ ... م ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا مح? ... ?الة حيث صار القومُ صائر أكثم بن صيفي هو أعرف الخطباء بالأنساب وأكثرهم ضرب أمثال وإصابة رأي وقوة حجة وقل من جاره من خطباء عصره وهو زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان على كسرى ولقد بلغ من إعجابه به أن قال له: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى: وقد عمر طويلاً حتى أدرك مبعث النبي (وجمع قومه وحثهم على الإيمان به، وفي إسلامه روايات، وكان في خطبه قليل المجاز حسن الإيجاز حلو الألفاظ دقيق المعاني مولعاً بالأمثال "راجع خطبته في فن المناظرات". الكتابة يراد بالكتابة عند الأدباء صناعة إنشاء الكتب والرسائل وإذ كانت الكتابة بهذا المعنى تؤدى بالنقوش المسماة بالخط فأول خلقة من سلسلة الخط العربي هي الخط المصري القديم ومنه اشتق الخط الفينيقي ومن هذا اشتق الآرامي والمسند بأنواعه: الصفوي والثمودي والليحاني شمالي جزيرة العرب والحميري جنوبيها ورواة العرب يقولون إنهم أخذوا خطهم الحجازي عن أهل الحيرة والأنبار. أما الكتابة: بمعنى إنشاء الكتب والرسائل فهي لازمة لكل أمة متحضرة ذات حكومة منظمة ودواوين متعددة: وقد كان بعض ذلك موفوراً في ممالك التبابعة جنوباً ومأثوراً عن ممالك المناذرة والغساسنة شمالاً، ولذلك استعمل الخط المسند الحميري عند الأولين من عهد مديدي والأنباري الحيري عند الآخرين وإنما لم يصل إلينا شيء من رسائل تلك الأمم ولا من كتب فنونها ودينها غير قليل عثر عليه لتقادم عهد أهلها وعدم استكمال البحث بعد في بلادها.

стр. 319

ولم يعرفنا التاريخ أيضاً بأحد من كتاب هذه الصناعة إلا "بعدي بن ويد العبادي" الذي كان كاتباً ومترجماً عند كسرى. أما البدو: من سكان أواسط الجزيرة وهم جمهور مضر وبعض القحطانيين فكانوا أميين ومن المعقول أنهم لم يعرفوا الكتابة الإنشائية إلا بعد عرفوا الخط آخر عصور الجاهلية وهو مانقل عنهم فيه: أنهم كانوا يكتبون في بدء رسائلهم باسمك اللهم ومن فلان إلى فلان وأما بعد: ولم تقم لهم دولة بالمعنى السابق إلا بقيام الإسلام فهو الذي أفشى فيهم الخط والكتابة. ولما كانت علوم كل أمة لها الأثر العظيم في تكوين فكر الأديب وخيال الشاعر وكانت كتابتها قسماً قائماً بنفسه يسمى كتابة التدوين ناسب شرح ذلك. علوم العرب وفنونها العلوم والصناعات لازمة لحضارة الأمم ومن العرب أهل حضارة دلت عليها دولهم العظيمة وقدم تاريخهم وآثارهم الخالدة وهم التبابعة فيلا اليمن والمناذرة والغساسنة في الشمال وإذاً تكون هندسة إرواء الأرض وعمارة المدن والحساب والطب والبيطرة والزراعة ونحوها معروفة في الجنوب والشمال مدونة في الكتب وإن لم يحفظ لنا الدهر صوراً منها: أما البدو منهم وإن كانوا أميين يمقتون الصناعات فلا غنى لهم عن تجربة ترشدهم إلى ما ينفعهم ليعرفوا متى تجود السماء وبم يتميز الأقرباء من البعداء فكسبهم ذلك علم النجوم والطب الضروري والأنساب والأخبار ووصف الأرض والفراسة والعيافة والقيافة والكهانة والعرافة والزجر وقرض الشعر. علم النجوم: هو معرفة أحوال الكواكب وقد كانوا أبرع

стр. 320

في هذا العلم منهم في كل علم سواه، تعرفه عامتهم قبل خاصتهم للاهتداء به من ظلمات البر والبحر، ومعرفة أزمنة الخصب والمحل، وبعض معارفهم فيه مستمد من الكلدان لاختلاطهم بهم ولاتفاق اللغتين في كثير من أسماء الكواكب والبروج ومن أشهرهم فيه (بنو حارثة بن كلب وبنو مرة بن همام الشيباني) . الطب الإنساني والحيواني (البيطرة) وقد عاناه من الغرب كثيرون ومن مشوريهم (الحارث بن كلدة الثقفي وابن حذيم التيمي) . الأنساب: علم تتعرف به القرابات التي بين بعض القبائل وبعض فتلحق فروعها بأصولها وإنما دعاهم إلى العناية به حاجتهم إلى التناصر بالعصبية لكثرة حروبهم وتفرق قبائلهم وأنفتهم من أن يكون لغريب عنهم سلطان عليهم وحبهم الافتخار بأسلافهم وممن اشتهر بمعرفة أنساب العرب (دغفل بن حنظلة الشيباني وزيد بن الكيس النمري وابن لسان الحمرة) ولهذا كانوا يحفظون. الأخبار والتاريخ والقصص: هي معرفة أحوال السابقين وكانوا يعرفون منها ما كان عليه أسلافهم وبعض مجاوريهم من الأحوال المأثورة ووقائع أيامهم المشهورة كقصة الفيل وحرب البسوس وحرب الفجار. وصف الأرض: هو معرفة كل بقعة وما يجاورها وكيف يهتدي إليها. ومن قرأ شعر العرب في نسيبهم واطلع على وصفهم وكيف كانوا يحددون الحقير منها بحدود قلما تحد به مملكة عظيمة عرف شدة حذقهم بمعرفة بلادهم. الفراسة: هي الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله ولونه وقوله على أخلاقه وفضائله ورزائله وقد نبغ فيها من العرب من لايحصى عددهم ولهم في ذلك نوادر شتى. القيافة: ضرب من الفراسة وهي الاهتداء بآثار الأقدام على أربابها أو الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه فقد كانوا يميزون بين أثر الرجل

стр. 321

والمرأة والشيخ والشاب الأعمى والبصير والأحمق والكيس وإذا نظروا عدة أشخاص ألحقوا الابن بأبيه والأخ والقريب بقريبه وعرفوا الأجنبي من بينهم وممن اشتهر بالقيامفة (بنو مدلج وبنو لهب) . الكهانة والعرافة: وهما القضاء بالغيب وربما خصت الكهانة بالأمور المستقبلة والعرافة بالماضية وطريقهم في ذلك الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث الآتية لما بينهما من المشابهة الخفية: وللعرب في الكهان اعتقاد عريض لزعمهم أنهم يعلمون الغيب فيرفعون إليهم أمورهم للاستشارة ويستفسرهم عن الرؤى ويستطبونهم في أمراضهم وممن اشتهر من الكهان (شق أتمار وسطيح الذئبي) ومن الكواهن (طريفة الخير ولسمى الهمذانية) ومن العرافين (عراف نجد: الأبلق الأسدي، وعراف اليمامة رباح بن عجلة) . الزجر: وهو الاستدلال بأصوات الحيوان وحركاته وسائر أحواله على الحوادث بقوة الخيال والاسترسال فيه ومن أشهر الزجارين: بنو لهبر وأبو ذؤيب الهذلي ومرة الأسدي. ومن العرب من لم يعبأ بالزجر وما شاكله كلبيد بن ربيعة القائل: لعمرك ما تدري الطوراقُ بالحصى ... ولا زاجراتُ الطير ما الله صانعُ وكضابئ بن الحارث القائل: وما عاجلاتُ الطير تدني من الفتى ... نجاحاً ولا عن ريثهنَّ يخيبُ ورُبَّ أمورٍ لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنَّ وجيبُ ولا خير فيمن لايوطّن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوبُ النظم والشعر والشعراء النظم عرفه العروضيون بأنه الكلام الموزون المقفى قصداً ويرادفه الشعر

стр. 322

عندهم: أما المحققون من الأدباء فيخصون الشعر بأنه الكلام الفصيح الموزون المقفى المعبر غالباً عن صور الخيال البديع. وإذا كان الخيال أغلب مادته أطلق بعض العرب تجوزاً لفظ الشعر على كل كلام تضمن خيالاً ولو لم يكن موزوناً مقفى، ولجريه وفق النظام الممثل في صورة الوزن والتقفية كان تأثيره في النفس من قبيل إثارة الوجدان والشعور لبسطاً وقبضاً وترغيباً وترهيباً لا من قبيل إقناع الفكر بالحجة الدامغة والبرهان العقلي، ولذلك يجمل أثره في إثارة العواطف وتصوير أحوال النفس لا في الحقائق النظرية، ولا ريب أن النفس ترتاع بصور المحسوس الباهر وما انتزع منه من الخيال الجلي لخفة مؤونته عليها وإراحته لها من المعاناة والكد، فكيف إذا انضم إلى ذلك نغم الوزن والقافية الشديد الشبه بتأثير الإيقاع والتلحين الذي يطرب له الحيوان فضلاً عن الإنسان، والعرب بفطرتهم مطبوعين على الشعر لبداوتهم. وملأمة بيئتهم لتربية الخيال، فالبدوي لحريته واستقلاله بأمر نفسه يغلب على أحكامه الوجدان، ويسلك إليه من طريق الشعور، ومعيشة البدوي فوق أرض نقية التربة وتحت سماء صافية الأديم، ساطعة الكواكب، ضاحية الشمس، جلت لحسه مناظر الوجود، وعوالم الشهود فكان لخياله من ذلك مادة لايغور ماؤها، ولا ينضب معينها، فهام بها في كل واد وأفاض منها إلى كل مراد، وكان له من لغته وفصاحة لسانه أقوى ساعد، وأكبر معاضد. ويشعر الإنسان بطبعه أن الشعر متأخر في الوجود عن النثر وإن كانت واسطة بين النثر والشعر، فليست إلا السجع لما فيه من معادلة الفقر، والتزام القافية والميل إى التغني به فكان من ذلك المقطعات والأراجيز الصغيرة، يحدون بها الإبل، ويعدون بها المكارم ثم لما تمت ملكة الشعر فيهم، واتسعت أغراضه أمامهم، نوعوا الأوزان وأطالوا القوافي، وقصدوا القصيد. وقد خفي علينا "كأكثر الأمم" مبدأ قول الشعر، وأول من قاله.

стр. 323

أما ما نسب من الشعر إلى آدم وإبليس والملائكة والجن والعرب البائدة فهو حديث خرافة. والشعر الذي صحت روايته منذ أواسط القرن الثاني قبل الهجرة تنتهي أقدم مطولاته إلى مهلهل بن ربيعة وأقدم مقطعاته إلى نفر لعلهم لم يبعدوا عنه طويلاً مثل العنبر بن عمرو بن تميم ودريد بن زيد بن نهد، وأعصر بن سعد بن قيس عيلان وزهير بن جناب الكلبي والأفوه الأودي وأبو داود الإيادي وقد رووا أنه لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته وأن أول من قصد القصائد وذكر الوقائع المهلهل بن ربيعة التغلبي في قتل أخيه كليب فهو أول من رويت له كلمة تبلغ ثلاثين بيتاً وتبعه الشعراء مثل امرئ القيس وعلقمة وعبيد ممن أخرجوا لنا الشعر العربي في صورته الحاضرة. هذا مجمل ما يتعلق بحقيقة الشعر ونشأته في الجاهلية أما ما يتعلق بمادته وجوهره فإنه يرجع إلى أغراضه وفنون ومعانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه وأوزانه وقوافيه. (١) أغراضه وفنونه نظم العرب الشعر في كل ما أدركته حواسهم وخطر على فقلوبهم من فنونه وأغراضه الكثيرة كالنسيب ويسمى التشبيب والتغزل ى وطريقته عند الجاهلية يكون بذكر النساء ومحاسنهن وشرح أحوالهن وكان له عندهم المقام الأول من بين أغراض الشعر حتى لو انضم إليه غرض آخر قدم النسيب عليه وافتتح به القصيد: لما فيه من لهم النفس وارتياح الخاطر ولأن باعثه الفذ هو الحب وهو السر في كل اجتماع إنساني والبدو أكثر الناس حباً لفراغهم. والفخر: هو تمدح المرء بخصال نفسه وقومه والتحدث بحسن بلائهم ومكارمهم وكرم عنصرهم ووفرة قبيلهم ورفعة حسبهم وشهرة شجاعتهم.

стр. 324

والمدح: وهو الثناء على ذي شان بما يستحسن من الأخلاق النفسية كرجاجة العقل والعفة والعجل والشجاعة وإن هذه الصفات عريقة فيه وفي قومه وبتعداد محاسنه الخلقية. وشاع المدح عندما ابتذل الشعر واتخذه الشعراء مهنة ومن أوائل مداحيبهم زهير والنابغة والأعشى. والرثاء: وهو تعداد مناقب الميت وإظهار التفجع والتلهف عليه واستعظام المصيبة فيه. والهجاء: هو تعداد مثالب المرء وقبيله ونفي المكارم والمحاسن عنه. والاعتذار: هو درء الشاعر التهمة عنه والترفق في الاحتجاج على براءته منها واستمالة قلب المعتذر إليه واستعطافه عليه: والنابغة في الجاهلية فارس هذه الحلبة. والوصف: هو شرح حال الشيء وهيئته على ما هو عليه في الواقع لإحضاره في ذهن السامع كأنه يراه أو يشعر به. والحكمة والمثل: فالحكمة قول رائع يتضمن حكماً صحيحاً مسلماً. والمثل مرآة تريك أحوال الأمم وقد مضت وتقفك على أخلاقها وقد انقضت فالأمثال ميزان يوزن به رقي الأمم وانحطاطها وسعادتها وشقاؤها وأجبها ولغتها. وأكثر ما تكون أمثال العرب وحكمها موجزة متضمنة حكماً مقبولاً أو تجربة صحيحة تمليها عليها طباعها بلا تكلف راجع فن الأمثال السابق. (٢) معانيه وأخيلته قصد الشاعر من شعره الإبانة عما يخالج نفسه من المعاني في أي غرض من الأغراض السابقة ونحوها. ومن هذه المعاني ما هو عادي في البدوي والحضري

стр. 325

والعربي والعجمي كالأخبار الصادقة وأوصاف المشاهدات وشرح الوجدانات كما يمليها الخاطر بلا مبالغة ولا إغراق. ومنها ما هو غريب نادر انتزعه الخيال من المرئيات البديعة والأشكال المنتظمة وذلك ما يسمى بالمعنى المخترع الذي تتفاضل الشعراء بالإجادة فيه والإكثار منه وإذا قسنا الشعر الجاهلي بهذا المعيار وجدنا معانيه وأخيلته تمتاز بالأمور التالية: (١) جلاء المعاني وظهورها ومطابقتها للحقيقة والواقع. (٢) قلة البالغة والغلو فيها بما يخرجها عن حد العقل ومألوف الطبع. (٣) قلة المعاني الغريبة المنزع الدقيقة المأخذ المتجلية في صور الخيال البديع والتشبيه الطريف والاستعارة الجميلة والكناية الدقيقة وحسن التعليل وغير ذلك. (٤) قلة تأنقهم في ترتيب المعاني والأفكار على النظام الذي يقتضيه الذوق فيدخلون معنى في معنى وينتقلون من غرض إلى آخر اقتضاباً بدون تخيل ولا تلطف. (٣) ألفاظه وأساليبه ولما كانت العرب أمما بدوية تنظم الشعر بطبعها من غير معاناة صناعة ولا دراسة علم. غلب على شعرها صراحة القول وقلة المواربة فيه والبعد عن التكلف وصحة النظم والوفاء بحق المعنى أضف إلى ذلك الأمور الآتية: (١) جودة استعمال الألفاظ في معانيها الموضوعة لها: لإحاطة علمهم بلغتهم ومعرفتهم بوجوه دلالتها. (٢) غلبة استعمال الألفاظ الجزلة واستعمال الألفاظ الغريبة التي هجرت عند المحدثين. (٣) القصد في استعمال ألفاظ المجاز ومقت استعمال العجمي إلا ما وقع نادراً. (٤) عدم تعمد المحسنات البديعية اللفظية، ومتانة الأسلوب بحسن إيراد المعنى إلى النفس من أقرب الطرق إليها وأطرافها لديها وإيثار المجاز أو قلة الإسهاب إلا إذا دعت الحال.

стр. 326

(٤) أوزانه وقوافيه العرب لم تعرف موازين الشعر بتعلم قوانين صناعية وتعرف أصول وضعية وإنما كانت تنظم بطبعها على حسب ما يهيئه لها إنشادها وقد هدتهم هذه الفطرة إلى أوزان أرجعها الخليل إلى خمسة عشر وزناً سماها بحوراً وزاد عليها الأخفش بحراً وقد اكثروا النظم من بعضها دون بعض. (راجع كتابنا "ميزان الذهب في بحور شعر العرب") وشعر العرب رجزه وقصيده يبني على قافية واحدة كيفما طال القول. الشعراء شعراء الجاهلية اكثر من أن يحاط بهم. ومن جهل منهم اكثر ممن عرف. وإنما اشتهر بعضهم دون بعض: لنبوغه، أو كثرة المروي من شعره أو قرب عهده من الإسلام زمن الرواية. وكان للشعراء عند العرب منزلة رفيعة، وحكم نافذ وسلطان غالب، إذ كانوا ألسنتهم الناطقة بمكارمهم ومفاخرهم، وأسلحتهم التي يذودون بها عن حياض شرفهم (وكانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة وأتت النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن حياظهم وتخليد لمفاخرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لايهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ. أو فرس تنتج) . وكانت طريقة نظم الشعر ارتجاله فتأتيهم ألفاظه عفوا، ومعانيه رهواً كما وقع للحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم. أما من اتخذه منهم صناعة يستدرها ويلتمس به الجوائز، وينشده في المحافل والمواقف العظام فإنه يتعهده بالتهذيب والتنقيح ليجعله رقيق الحاشية حسن الديباجة يصح أن يقال فيه أنه المثل الأعلى للشعر الجاهلي، كما ترى ذلك واضحاً في حوليات زهير واعتذاريات النابغة.

стр. 327

وقد غبر الناس دهراً طويلاً لايقولون الشعر إلا في الأغراض الشريفة لا يمدحون عظيماً طعماً في نواله، ولايهجون شريفاً تشفياً منه وانتقاماً حتى نشأت فهم فئة امتهنت الشعر وتكسبت به، ومدحت الملوك والأمراء كالنابغة الذبياني وحسان مع النعمان بن المنذر وملوك غسان، وزهير بن أبى سلمى مع هرم بن سنان وأمية بن أبي الصلت مع عبد الله بن جدعان: أحد أجواد قريش والأعشى مع الملوك والسوقة، حتى قصد به الأعاجم، وجعله متجراً به فتحامى الشعر الأشراف، وآثروا عليه الخطابة. طبقات الشعراء طبقات الشعراء باعتبار عصورهم أربع: ١ طبقة الجاهلين. ٢ طبقة المخضرمين (وهم الذين اشتهروا بقول الشعر في الجاهلية والإسلام) . ٣ طبقة الإسلاميين، وهم الذين نشؤوا في الإسلام ولم تفسد سليقتهم العربية، وهم شعراء بني أمية. ٤ طبقة المولدين، أو المحدثين، وهم الذين نشؤوا زمن فساد العربية وامتزاج العرب بالعجم، وذلك من عصر الدولة العباسية إلى يومنا هذا. والشعراء الجاهليون يقسمون باعتبار شهرتهم في الشعر للإجادة أو للكثرة إلى طبقات كثيرة نذكر منها ثلاثا: ١ الطبقة الأولى: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة. ٢ الطبقة الثانية: الأعشى، ولبيد، وطرفة. ٣ الطبقة الثالثة: عنترة، وعروة بن الورد والنمر بن تولب، ودريد بن الصمة، والمرقش، الأكبر. ومن الأدباء من يقدم بعض هؤلاء على بعض ويزيدون غيرهم عليهم. (١) امرؤ القيس هو الملك أبو الحارث حندج بن حجر الكندي شاعر اليمانية. وآباؤه من أشراف كندة وملوكها، وكانت بنو أسد من المضرية خاضعة لملوك كندة وآخر ملك عليهم هو حجر أبو امرئ القيس وأمه اخت مهلهل وكليب.

стр. 328

نشأ امرؤ القيس بأرض نجد بين رعية أبيه من بني أسد، وسلك مسلك المترفين من أولاد الملوك يلهو ويلعب ويعاقر الخمر ويغازل الحسان فمقته أبوه ولما لم ينجح فيه القول طرده عنه وأقصاه، حتى جاء نبأ ثوران بني أسد على أبيه وقتلهم له. لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ يجمع العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً ثم اشتدت به علة لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ يجمع العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً ثم اشتدت به علة قروح فمات منها ودفن بأنقرة وكان ذلك قبل الهجرة بقريب من قرن. شعره: يعتبر امرؤ القيس راس فحول شعراء الجاهلية والمقدم في الطبقة الأولى فهو أول من أجاد القول في استيقاف الصحب، وبكاء الديار، وتشبيه النساء بالظباء والمها والبيض، وفي وصف الخيل بقيد الأوابد وترقيق النسيب، وتقريب مآخذ الكلام، وتجويد الاستعارة، وتنويع التشبيه. وقد يفحش في تشبيه بالنساء وتحدثه عنهن، ويشم من شعره رائحة النبل وتلمح فيه شارات السيادة والملك: من ذلك قوله: فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل وقوله: وظل طهارة اللحم مابين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل ولو أن ماأسعى لأدتنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال ولكنما اسعاى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي وشعره وإن اشتمل بشملة البداوة في جفاء العبارة، وخشونة الألفاظ وتجهم المعاني، تراه أحياناً يخطر في حلل من حسن الديباجة، وبديع المعنى، ودقة النسيب ومقاربة الوصف وسهولة المأخذ: مما كان منه لخلفه أجمل مثال في محاكاته.

стр. 329

فمن النوع الأول قوله في معلقته: وفرع يغش المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل غدائرة مستشزرات إلى العلا ... تضل المدارى في مثنى ومرسل وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقي المذلل

стр. 330

وتعطو برخص غير شئن كأنه ... أساريع ظبي أو مسويك إسحل

стр. 331

ومن الثاني قوله: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب كأن قلوب ااتلطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل ولا مرئ القيس المطولات والمقطعات، وأشهر مطولاته معلقته المضروب بها المثل في الاشتها، وأولها: قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل ومنها يصف الليل: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم وليبتلى فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي ... بصبح وما الإص٢باح منك بأمثل فيالك من ليل كأون نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل ومنها يصف فرسه: وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل (٢) النابغة الزبياني هو النابغة الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية: أحد فحول شعراء الجاهلية، وزعيمهم بعكاظ وأحسنهم ديباجة لفظ، وجلاء معنى، ولطف اعتذار ولقب بالنابغة لنبوغه في الشعر فجأة وهو كبير، بعد أن امتنع عليه وهو صغير وهو من أشراف ذبيان إلا أن تكسبه بالشعر غض من شرفه، على أنه لم يتكسب بشعره إلا في مدح ملوك العرب، وكان من أمره في ذلك أنه ااتصل بملوك الحيرة ومدحهم وطالت صحبته للنعمان بن المنذر، فأدناه منه إلى وشى به عند النعمان أحد بطانته فغضب عليه وهو بقتله. فأسر إليه بذلك حاجبه عصام، فهرب النابيغة إلى ملوك غسان المنافين للمناذرة في ملك العرب، فمدح عمرو بن الحارث الأصغر وأخاه النعمان، غير أن قديم صحبته للنعمان جعله يحن إلى معاودة العيش في ظلاله، فتنصل مما رمي به. واعتذر إليه بقصائد عطفت عليه قلبه، وزعمر النابغة طويلاً ومات قبيل البعثة.

стр. 332

شعره يمتاز برشاقة اللفظ ووضوح المعنى، وحسن النظم، وقلة التكلف، حتى عد عند المرفقين من الشعراء جرير أنه أشعر شعراء الجاهلية، وأغراه تكسبه بالشعر أن يفتن في ضروب المدح ومن أبلغ شعره معلقته التي أولها: عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤى وأحجار أقوى وأقفر من نعم وغيره ... هوج الرياح بها بي الترب موار وقفت فيها سراة اليوم أسألها ... عن آل نعم أموناً معبر أسفار فاستعجمت دار نعم ماتكلمنا ... والفدار لو كلمتنا ذات أخبار ومن جيد قوله في الاعتذار آثاني (أبيت اللعن) أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب فبت كأن العائدات فرشتني ... هراساً به يعلى فراشي وقشب حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب لئن كنت قد بلغت عني جناية ... لمبلغك االواشي أغش وأكذب ولكنني كنت امرأ لي جرانب ... من الأرض فيه مستراد ومهرب كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكرهم ذلك أذنبوا فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ألم تر أن الله أعطاك سروة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب وإنك شمسٌ والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب

стр. 333

فإن أك مظلوما فبعد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب

стр. 334

(٣) زهير بن أبي سلمى هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني، ثالث فحول الطبقة الأولى من الجاهلية، وأعفهم قولاً، وأوجزهم لفظاً، وأغزرهم حكمة، وأكثرهم تهذيباً لشعره نشأ في غطفان وإن كان نسبة في مزينة، كمن بيت جل أهله شعراء: رجالاً ونساءً ت واختص زهير بمدح هرم بن سنان الذبياني المري وأول ما أعجبه من أمره وجب إليه مدحه حسن سعيه هو والحارث بن عوف في الصلح بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء بتحملهما دامت القتلى التي بلغت ثلاثة آلاف بعير، وقال في ذلك قصيدته إحدى المعلقات السبع التي أولها: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتلثم ثم تابع مدحه كما تابع هرم عطاءه حتى حلف ألا يمدحه زهير إلاى أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبداً أو وليدة أو فرساً، فاستحيا زهير منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: أنعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت وكان زهير سيداً كثير المال حليماً معروفاً بالورع متدنياً مؤمناً بالبعث والحساب كما يظهر من قوله: فلا تكتمن الله مافي نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم وعمر زهير ومات قبل البعثة بسنة ومن حكمه في معلقته: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن عام مافي غد عم رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... نمته ومن تخطئ يعمر فيهرم ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم ومن هاب أسباب المناياينلنه ... وأن يرق أسباب السماء بسلم ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يكن حمده ذما عليه ويندم ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم شعره: اتفق أكثر الشعراء على أن زهيراً يفضل صاحبيه امرأ القيس والنابغة. وكان زهير صاحب روية وتعمل تهذيب لما يقول ولا سيما مطولاته، حتى قيل إنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، ويهذبها في أربعة أشهر، ويعرضها على خواصه في أربعة أشهر فلا يظهرها إلا بعد حول، ولذلك يسمون بعض مطولاته الحوليات، ومكا سبق فيه غيره قوله يمدح هرماً: قد جعل المبتغون الخير في هرم=والسائلون إلى أبوابه طرقاً من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقاً لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا

стр. 335

(٤) عنترة العبسي هو عنتر: بن عمرو بن شداد العبسي أحد فرسان العرب وأغربتها وأجوادها وشعرائها المشهورين بالفخر والحماسة وكانت أمه أمة حبشية تسمى زبيبة، وأبوه من سادات بني عبس. وكان من عادات العرب ألا تلحق ابن الأمة بنسبها، بل تجعله في عداد العبيد ولذلك كاطن عنترة عند أ [يه منوذاً بين عبدانه، يرعى له إبله وخيله فربأ بنفسه عن خصال العبيد، ومارس الفروسية ومهر فيها، فشب فارساً شجاعاً هماماً وكان يكره من أبيه استعباده له عدم إلحاقه به، حتى أغار بعض العرب على عبس واسةتاقوا إبلهم، ولحقتهم بنو عبس وفيهم عنترة لاستنقاذ الإبل، فقال له أبوه: كر ياعنترة فقال: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر، فقال كر وأنت حر، فقاتل قتالاً شديدياً حتى هزم القوم واستنقذ الإبل، فاستحلقه أبوه. ومن ذلك الوقت ظهر اسمه بين فرسان العرب وساداتها وطال عمر عنترة حتى ضعف جسمه وعجز عن شن الغارات ومات قبيل البعثة. شعره: لم يشتهر عنترة أول أمره بشعر غير البيتين والثلاثة، وإنما غلبت عليه الفروسية مكتفياً بها حتى عيره يوماً بعض قومه بسواده وأنه لا يقول الشعر فاحتج لسواده بخلقه وشجاعته، واحتج لفصاحته بنظم معلقته المشهورة التي كانت تسمى المذهبة أيضاً وأولها هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم وقد ضمنها خصاله ومكارم قومه. وحسن دفاعه عنهم ووفرة جوده، معرجاً فيها على أوصاف أمور شتى.

стр. 336

ومن قوله في معلقته: لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم مازلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

стр. 337

والخيل تقتحم الخبار عوابساً ... من بين شيظمة وأجرد شيظم أثني علي بما علمت فإنني ... سمح مخالطتي إذا لم أظلم فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم ومن جيد قوله: بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل فأجبتها إن المنية منهل ... لابد أن أسقى بكأس المنهل فاقني حياءك لا أبالك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل إني امرؤ ن خر عب منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظ ... ت ألفيتُ خيراً من معمّ مخولِ والخيلُ تعلم والفوارس أنّني ... فرت جمعهم بضربة فيصل والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها نقعَ الحنظلِ ولقد أبيتُ على الطوى وأظله ... حتى أنالَ به كريمَ المأكل (٥) عمر بن كلثوم هـ أبو الأسود عمرو بن كلثوم بن مالك التغلبي، وأمه ليلى بنت مهلهل أخي كليب، نشأ عمرو في قبيلة تغلب بالجزيرة الفراتية وساد قومه وهو ابن خمس عشرة ستة، وقاد الجيوش مظفراً وأكثر ما كانت فتن تغلب مع أختها بكر بن وائل بسبب حرب البسوس، وكان آخر صلح لهم على يد عمر ن هند أحد ملوك الحيرة من آل المنذر، ولم تمضِ مدة حتى حدث بين وجوه القبيلتين مشاحة في مجلس عمرو بن هند قام أثناءها شاعر بكر (الحارث بن حلزة اليشكري) وأنشد قصيدته المشهورة، وما فرغ منها حتى ظهر لعمرو بن كلثوم أن هوى الملك مع بكر، فانصرف ابن كلثوم وفي نفسه ما فيها ثم خطر على نفس ابن هند أن يكسر من أنفة تغلب بإذلال سيدها وهو عمرو بن كلثوم فدعاه وأمه ليلى بنت مهلهل وأغرى هند أم أن تستخدمها في قضاء أمر، فصاحت ليلى، فثار به الغضب وقتل ابن هند لفي مجلسه، ثم رحل توا إلى بلاده بالجزيرة وأنشد معلقته التي أولها: ألا هبيّ بصحنكِ فأصبحينا ... ولا تبقى خمورَ الأندرينا

стр. 338

ومات قبل الإسلام بنحو نصف قرن. شعر هـ: لم يشتهر إلا بمعلقة الواحدة التي قامت له مقام الشعر الوفير: لحسن لفظها، وانسجام عبارتها، وعلو فخرها ولعلّ شهرته بالخطابة لا تقل عن شهرته بالشعر: ومن سامي فخره في معلقته: وقد علم القبائلُ من معدّ ... إذا قببب بأبطحها بنينا بأنّا العاصمون إذا قدرنا ... وإنا المهلكون إذا ابتلينا وأنّا المانعون لما أردنا ... وأن النازلون بحيث شينا وأنّا التاركون إذا سخطنا ... وأنّا الآخذون إذا رضينا ونشرب إن وردنا الماء صفواً ... ويشرب غيرنا كدراً وطينا

стр. 339

إذا ما الملك سام الناس خسفاً ... أبنيا أن نقر الذلّ فينا لنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا بغاةُ ظالمين وما ظلمنا ... ولكنا سنبدأ ظالمينا ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وكذاك البحر نملاؤه سفينا إذا بلغ الرضيع لنا فطاما ... تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا

стр. 340

(٦) طرفة بن العبد هـ٨وعمرو بن العبد البكري أقصر فحول الجاهلية عمراً ومال إلى قول الشعر الوقوع هـ في أعراض الناس، حتى هجا عمرو بن هند ملك العرب على الحيرة مع أنه كان يتطلب معروفه وجوده، فبلغ عمرو بن هند هجاء طرفة فأصطغنها عليه، حتى إذا ما جاءه هو وخاله المتلمس بتعرضان لفضله أظهر لهما البشاشة وأمر لكل منهما بجائزة وكتب لهما كتابين أحالهما على عامله بالبحرين ليستوفيا منه وبينما هما في الطريق ارتاب المتلمس في صحيفته فعرج على غلام يقرؤها له (مضى طرفة) فإذا الصحيفة الأمر بقتله، فألقى الصحيفة وأراد أن يلحق طرفة فلم يدركه وفر إلى ملوك غسان وذهب طرفة إلى عام البحرين وقتل هناك وعمره نحو ست وعشرين سنة. شعره: يجيد طرفة الوصف في شعره مقتصراً فيه على بيان الحقيقة بعيداً عن الغلو والإغراق وكذلك كان هجاؤه على شدة وقه ومطلع معلقته: لخولة أطلالٌ ببرقةٍ ثمهدِ ... تلوح كباقي الوشم على ظاهر اليد

стр. 341

ومنها: رأيتُ بني غبراءَ لا ينكرونني ... ولا أهلُ هاذاك الطراف الممدد

стр. 342

ألا أيها ذا اللائمي أخضر الوغى ... وأن أشهد اللّذات هل أنت مخلدي فإن كنت لا تستطيع دفعَ منيّتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي إلى أن قال: أرى الموت يعتام الكرامَ ويصطفي ... عقيلةَ مال الفاحش المتشدد أرى العيش كنزاً ناقضاً كل ليلة ... وما تنقصُ الأيام الدهرُ ينفدِ لعمرك إن الموت "ما أخطأ الفتى" ... لكا لطول المرخى وثنياه باليد

стр. 343

متى ما يشأ يوماً يقده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد ومن أبياته السائرة: وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة ... على المرء من وقعِ الحسام المهنَّد

стр. 344

أرى الموتَ أعداد النُّفوس ولا أرى ... بعيداً غداً ما أقرب اليومَ من غد ستبدي لك الأيامُ ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزودّ

стр. 345

(٧) أعشى قيس هو أبو نصير ميمون الأعشى بن قيس بن جندل القيسي نشأ في بدء أمره رواية لخاله المسيب بن علس وقد عمي وطال عمره، حتى كان الإسلام وعظم أمر النبي ﷺ بين العرب، فأعدّ له قصيدة يمدحه بها، وقصده بالحجاز، فلقيه كفار قريش وصدّوه عن وجهه على أ، يأخذ منهم مائة ناقة حمراء ويرجع إلى بلده: لتخوفهم أثر شعره ففعل، ولما قرب من اليمامة سقط عن ناقته فدقت عنقه ومات، ودفن ببلدته منفوحة باليمامة. شعره: يعد الأعشى رابعاً لثلاثة الفحول: امرئ القيس، والنابغة وزهير وإن كان يمتاز عنهم بغزارة شعره، وكثر ما روي له من الول لجياد وتفننه في كل فن من أغراض الشعر واشتهر من بينهم بالمبالغة في وصف الخمر، حتى قيل: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب، ولشعره طلاوة وروعة، وليست لكثير من شعره غيره من القدماء ولقوة طعمه وجلبة شعره وسمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخره ينشد معك. ولجلالة شعره كان يرفع الوضيع خاملاً، ويخفض الشريف النابه، ومنم الذين رفعن شعر الأعشى المحلق، وقد كان أبا ثمان بنات عوانس: رغبت عن خطبتهن الرجال لفقرهن فاستضافه على فقره، فمدحه الأعشى ووه بذكره في عكاظ، فلم يمض عام حتى لم تبق جارية منهن إلا هي زوج لسيد كريم وكان الأعشى يتطرف في شعره وده بعضهم من أصحاب المعلقات، وذكر قصيدته التي يمدح بها الأسود الكندي ومطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي

стр. 346

ومن جيد شعره قصيدته التي أعدها لينشدها بين يدي رسول الله ﷺ يمدحه فيها فلم يفز بذلك، وأولها: ألم تغمض عيناك ليلةَ أرمدا ... وبتَّ كما بات السّليم مسهّدا وما ذاك من عشق النسّاء وإنّما ... تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا ولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا شبابٌ وشيبٌ وافتقار وثروة ... فلّله هذا الدهر كيف ترددا وقصيدته في مدح المحلّق أولها: أرقتُ وما هذا السُّهاد المؤرقُ ... وما بي من سقمٍ وما بي تعشقُ ومنها: لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرة ... إلى ضوء نار في اليفاع تحرّق تشبُّ لمقرورين يصطليانهما ... وبات على النار الندي والمحلّق رضيعي لبان ذدي أمّ تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرّق ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه ... كما زان متنَ الهندواني رونق يداهُ يدا صدق فكفُّ مبيدةٌ ... وأخرى إذا ما ضنَّ بالمال تنفقُ

стр. 347

(٨) الحارث بن حلّزة وهو الحارث بن حلّزة اليشكري البكريّ يتصل نسه إلى بكر بن وائل ولم يؤثر عنه غي قطع يسيرة وقصيدته المعلقة التي مطلعها: آذنتنا ببينها أسماء ... ربَّ ثاوٍ يملُّ منه الثواء وكان أمر هذه المعلقة أن عمرو بن هند أحد ملوك الحيرة أصلح بين بكر وتغلب بعد حرب البسوس وخذ من كلا الفريقين رهائن من أبناهم ليكف بعضهم عن بعض، وليقيد منها للمعتدي عليه من المعتدي فحدث أن سرح الملك ركباً من تغلب في بعض حاجته، فزعمت تغلب أن الركب نزلوا على ماء لبكر فأجلوهم، وحملوهم على المفازة فماتوا عطشاً، وتزعم بكر أنهم سقوهم وأرشدوهم الطريق فتاهوا وهلكوا وذهب الفريقان تدافعان عند عمرو بن هند وكانت ضلعه مع تغلب فهاج ذلك الحارث بن حلزة وكان في المجلس مستوراً عن الملك بستارة لما فيه من البرص فارتجل قصيدته ارتجالاً يفتخر فيها بقومه وفعالهم وحسن بلائهم عند الملك وعظم أيامهم معه فما أتم قصيدته حتى انقلب الملك إلى جانب البكريين وقرب الحارث من مجلسه. وعمر بن الحارث طويلاً حتى قيل: إنه أنشد هذه القصيدة وعمره خمس وثلاثون ومائة سنة.

стр. 348

شعره: أكثر الرواة معجبون بارتجال الحارث قصيدته على طولها وإحكامها ومن قوله فيها وهو أوجز وصف للتأهب للارتحال وأوضحه تصويراً للحقيقة.

стр. 349

أجمعوا أمرهم عشاءً فلمّا ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء من منادٍ ومن مجيب ومن تصه_هال خيل خلالَ ذاك رغاءُ

стр. 350

(٩) لبيد بن ربيعة هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري أحد أشراف الشعراء المجيدين وهو من بني عامر بن صعصعة إحدى بطون هوازن ومضر وأمه عبسية، نشأ لبيد جواداً شجاعاً فاتكاً، أما الجود فورثه عن أبيه الملقب بربيعة المعترين، وأمى الشجاعة والفتك فهما خصلتا قبليته إذا كان عمه ملاعب الأسنة أحد فرسان مضر في الجاهلية وكان من قبليته وبين بني عبس أخواله عداوة شديدة فاجتمع وفداهما عند النعمان بن المنذر وعلى العبسيين الربيع بن زياد وعلى العامريين وملاعب الأسنة وكان الربيع مقرباً عند النعمان يؤاكله وينادمه فأوغر صدره على العامريين فلما دخل وفدهم على النعمان أعرض عند فشق ذك عليهم، ولبيد يومئذٍ صغير يسرح إبلهم ويرعاها فسألهم عن خطبهم فاحتقروه لصغره فألح حتى أشركوه معهم فوعدهم أنه سينتقم لهم منه غداً عند النعمان أسوأ انتقام: بهجاء يجالسه بعده ولا يؤاكله فكان ذلك ومقت النعمان الربيع ولم يقبل له عذراً وأكره العامريين وقضى حوائجهم، فكان هذا أول ما اشتهر به لبيد، ثم قال بعد ذلك المقطعات والمطولات، وشهد النابغة له وهو غلام بأنه أشعر هوازن حين سمع معلقته التي أولها: عفتِ الديارُ محلُّها فمقامها ... بمنّى تأبّد غولها فرجامها ولما ظهر الإسلام وأقبلت وفود العرب على النبي ﷺ جاء لبيد في وفد بني عامر وأسلم وعاد إلى بلاد وحسن إسلامه، وتنسك وحفظ القرآن كله وهجر شعر حتى لم يرو له في الإسلام غير بيت واحد هو: ما عاتب الحرَّ الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليسُ الصالح وبعد أن فتحت الأمصار ذهب إلى الكوفة زمن عمر بن الخطاب، واختارها

стр. 351

دار إقامة، وما زال بالكوفة حتى مات في أوائل خلافة معاوية سنة إحدى وأربعين من الهجرة، وقد قيل إنه عاش ثلاثين ومائة سنة. شعره: نبغ فيه وهو غلام وجرى فيه على سنن الأشراف والفرسان. ومن جيد شعره وقوه في معلقته مفتخراً بفعاله وقوله وقومه: إنا إذا التقيت المجامع لم يزل ... منا لزازٌ عظيمة جشامها ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمرٌ لحقوقها هضامها فضلاً وذو كرم يعين على الندى ... سمحٌ كسوبٌ رغائب غنّامها من معشر سنّت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنّة وإمامها لا يطبعون ولا يبور فعالهم ... إذ لا يميل مع الهوى أحلامها فاقنع بما قسم المليكُ فإنما ... قسم الخلائق بيننا علاّمها وإذا الأمانة قسّمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسّامها فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها فهم السعادة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها وهم ربيع للمجاور فيهمُ ... والمرملات إذا تطاول عامها وهم العشيرة إن يبطئ حاسد ... أو أن يميل مع العدو لئامها وقال يرثي أخاه أربد: بلينا وما تبلى النجوم الطوامع ... وتبقى الديار بعدنا والمصانع وقد كنت في أكناف جار مضنه ... ففارقني جارٌ بأربد نافع فلا جزعٌ إن فرق الدهر بينا ... فكل امرئ يوماً به الدهر فاجع وما الناس إلاّ كالديار وأهلها ... بها يوم خلّوها وراحوا بلاقع وما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطع وما المال والأهلون إلاّ ودائع ... ولابدّ يوماً أن تردّ الودائع وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبني وآخر رافع فمنهم سعيدُ آخذ بنصيبه=ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع

стр. 352

ومنه قوله في النعمان يرثيه: ألا تسألان ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضال وباطل أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كل ذي لب إلى الله واسلُ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل وكل امرئٍ يوماً سيعلم غيبة ... إذا كشفت عند الإله الحصائل

стр. 353

الرّواية _ الرّواة قد علمنا مما تقدم أن عامة المروي من كلام العرب شعرها ونثرها وأخبارها معزو إلى أهل البدو الأميين، ولذلك لم يصل غلينا كتاب يجمع بين دفتيه الكثير منها، وما روي لنا من كلام فصحاء العرب ليس إلا النزر اليسير بوجوه مختلفة وبالطبع لا يحفظ هذه الوديعة إلاّ أهل الحفاظ عليها والاعتداد بها وهم الشعراء والمتأدبون، فقد كان امرؤ القيس رواية ربي دواد الإيادي، وزهير رواية أوس ن حجر والأعشى رواية المسيب بن علس. واشتهر من قريش أربعة بأنهم رواة للأشعار وعلماؤهم بالأنساب وهم مخرمة بن نوفل، وأبو الجهم بن حذيفة، وحويطب بن عبد العزى وعقيل بن أبي طالب. العصر الثاني عصر صدر الإسلام ويشمل بني أميّة "حالة اللغة العربية وآدابها في ذلك العصر" كانت العرب أمماً بدوية ليس لها وسائل العمران وأسباب الرخاء ما يحملها على تبحر في علم أو تبصر في دين، أو تفنن في تجارة، أو زراعة أو صنعة أو سياسة، وعلى وفق ذلك كانت اللغة العربية لا تعدوا أغراض المعيشة البدوية

стр. 354

إا أن روحاً من الله تنسم بين أرجائها فأيقظها من ردتها، ونبهها لضرورة التعاون على الخير في معاشها ولغتها وجماعتها، فظهر ذلك بيناً في الأسواق التجارية اللغوية الاجتماعية، وفي الإذعان فيها إلى حكومة الأشراف من قريش وتميم وغيرهما، ة مما هيأهم لأن يجتمعوا تحت لواء واحد ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط الجديد إلا ود جاء النبي الكريم لاما لشعثهم موحداً لكلمتهم، مهذباً لطباعهم مبيناً طريق الحق، وجادة الصواب، بشريعة عظيمة. فكان من نتيجة ذلك أن أسست لهم جمعة قومية ملية وملك كبير، وبالتفاف العرب حول صاحب هذه الدعوة وأنصاره، وتفهمهم شرعته وكلامه ثم خضوعهم بعد لزعامة قومه وخلفائه وولاتهم وفتوحهم تحت ألويتهم ممالك الأكاسرة والقياصرة وغيرها ومخالطتهم أهلها بالجوار والمصاهرة. الأول: شيوع اللغة القرشية ثم توحد لغات العرب، وتمثلها جميعها في لغة قريش واندماج سائر اللهجات العربي فيها، وبعض أسباب هذا يرجع إلى ما قبل بتأثير الأسواق والحج وحكومة قريش وأكثرها يرجع إلى نزول القرآن بلغتهم، وظهور ذلك الداعي العظيم منهم، وانتشار دينه وسلطانه على أيديهم. وبحكم الضرورة تكون لغتهم هي اللغة الرسمية بين القبائل. الثاني: انتشار اللغة العربية في ممالك الفرس والروم وغيرهما بالفتوح والمغازي وهجرة قبائل البدو إليها، واستيطانهم، واختلاطهم بأهلها. الثالث: اتساع أغراض اللغة منهجاً دينياً، واتباعها خطة نظامية تقتضيها حال الملك وسكنى الحضر. الرابع: ارتقاء المعاني والتصورات وتغير الألفاظ والأساليب. الخامس: ظهور اللحن في الكلام بين المستعربين: من الموالي وأبناء العرب من الفتيات وبعض العرب المكثرين من معاشرة الأعاجم.

стр. 355

ولما كان معظم هذه التغيرات يرجع إلى القرآن الكريم والحديث النبوي ناسب وصفهما بقليل من مثير مما ينبغي أن يقال فيهما. القرآن الكريم وأثره في اللغة القرآن (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: ١] ، فيه آيات بينات، ودلائل واضحات، وأخبار صادقة، ومواعظ رائقة، وشرائع راقية، وآدا عالية، بعبارات تأخذ الألباب. وأساليب ليس لأحدج من البشر بالغاً مما بلغ
следующие страницы →