← Адаб

Адаб · id 21505

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب

أحمد الهاشمي

Полный текст (685 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

دار إقامة، وما زال بالكوفة حتى مات في أوائل خلافة معاوية سنة إحدى وأربعين من الهجرة، وقد قيل إنه عاش ثلاثين ومائة سنة. شعره: نبغ فيه وهو غلام وجرى فيه على سنن الأشراف والفرسان. ومن جيد شعره وقوه في معلقته مفتخراً بفعاله وقوله وقومه: إنا إذا التقيت المجامع لم يزل ... منا لزازٌ عظيمة جشامها ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمرٌ لحقوقها هضامها فضلاً وذو كرم يعين على الندى ... سمحٌ كسوبٌ رغائب غنّامها من معشر سنّت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنّة وإمامها لا يطبعون ولا يبور فعالهم ... إذ لا يميل مع الهوى أحلامها فاقنع بما قسم المليكُ فإنما ... قسم الخلائق بيننا علاّمها وإذا الأمانة قسّمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسّامها فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها فهم السعادة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها وهم ربيع للمجاور فيهمُ ... والمرملات إذا تطاول عامها وهم العشيرة إن يبطئ حاسد ... أو أن يميل مع العدو لئامها وقال يرثي أخاه أربد: بلينا وما تبلى النجوم الطوامع ... وتبقى الديار بعدنا والمصانع وقد كنت في أكناف جار مضنه ... ففارقني جارٌ بأربد نافع فلا جزعٌ إن فرق الدهر بينا ... فكل امرئ يوماً به الدهر فاجع وما الناس إلاّ كالديار وأهلها ... بها يوم خلّوها وراحوا بلاقع وما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطع وما المال والأهلون إلاّ ودائع ... ولابدّ يوماً أن تردّ الودائع وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبني وآخر رافع فمنهم سعيدُ آخذ بنصيبه=ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع

стр. 352

ومنه قوله في النعمان يرثيه: ألا تسألان ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضال وباطل أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كل ذي لب إلى الله واسلُ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل وكل امرئٍ يوماً سيعلم غيبة ... إذا كشفت عند الإله الحصائل

стр. 353

الرّواية _ الرّواة قد علمنا مما تقدم أن عامة المروي من كلام العرب شعرها ونثرها وأخبارها معزو إلى أهل البدو الأميين، ولذلك لم يصل غلينا كتاب يجمع بين دفتيه الكثير منها، وما روي لنا من كلام فصحاء العرب ليس إلا النزر اليسير بوجوه مختلفة وبالطبع لا يحفظ هذه الوديعة إلاّ أهل الحفاظ عليها والاعتداد بها وهم الشعراء والمتأدبون، فقد كان امرؤ القيس رواية ربي دواد الإيادي، وزهير رواية أوس ن حجر والأعشى رواية المسيب بن علس. واشتهر من قريش أربعة بأنهم رواة للأشعار وعلماؤهم بالأنساب وهم مخرمة بن نوفل، وأبو الجهم بن حذيفة، وحويطب بن عبد العزى وعقيل بن أبي طالب. العصر الثاني عصر صدر الإسلام ويشمل بني أميّة "حالة اللغة العربية وآدابها في ذلك العصر" كانت العرب أمماً بدوية ليس لها وسائل العمران وأسباب الرخاء ما يحملها على تبحر في علم أو تبصر في دين، أو تفنن في تجارة، أو زراعة أو صنعة أو سياسة، وعلى وفق ذلك كانت اللغة العربية لا تعدوا أغراض المعيشة البدوية

стр. 354

إا أن روحاً من الله تنسم بين أرجائها فأيقظها من ردتها، ونبهها لضرورة التعاون على الخير في معاشها ولغتها وجماعتها، فظهر ذلك بيناً في الأسواق التجارية اللغوية الاجتماعية، وفي الإذعان فيها إلى حكومة الأشراف من قريش وتميم وغيرهما، ة مما هيأهم لأن يجتمعوا تحت لواء واحد ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط الجديد إلا ود جاء النبي الكريم لاما لشعثهم موحداً لكلمتهم، مهذباً لطباعهم مبيناً طريق الحق، وجادة الصواب، بشريعة عظيمة. فكان من نتيجة ذلك أن أسست لهم جمعة قومية ملية وملك كبير، وبالتفاف العرب حول صاحب هذه الدعوة وأنصاره، وتفهمهم شرعته وكلامه ثم خضوعهم بعد لزعامة قومه وخلفائه وولاتهم وفتوحهم تحت ألويتهم ممالك الأكاسرة والقياصرة وغيرها ومخالطتهم أهلها بالجوار والمصاهرة. الأول: شيوع اللغة القرشية ثم توحد لغات العرب، وتمثلها جميعها في لغة قريش واندماج سائر اللهجات العربي فيها، وبعض أسباب هذا يرجع إلى ما قبل بتأثير الأسواق والحج وحكومة قريش وأكثرها يرجع إلى نزول القرآن بلغتهم، وظهور ذلك الداعي العظيم منهم، وانتشار دينه وسلطانه على أيديهم. وبحكم الضرورة تكون لغتهم هي اللغة الرسمية بين القبائل. الثاني: انتشار اللغة العربية في ممالك الفرس والروم وغيرهما بالفتوح والمغازي وهجرة قبائل البدو إليها، واستيطانهم، واختلاطهم بأهلها. الثالث: اتساع أغراض اللغة منهجاً دينياً، واتباعها خطة نظامية تقتضيها حال الملك وسكنى الحضر. الرابع: ارتقاء المعاني والتصورات وتغير الألفاظ والأساليب. الخامس: ظهور اللحن في الكلام بين المستعربين: من الموالي وأبناء العرب من الفتيات وبعض العرب المكثرين من معاشرة الأعاجم.

стр. 355

ولما كان معظم هذه التغيرات يرجع إلى القرآن الكريم والحديث النبوي ناسب وصفهما بقليل من مثير مما ينبغي أن يقال فيهما. القرآن الكريم وأثره في اللغة القرآن (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: ١] ، فيه آيات بينات، ودلائل واضحات، وأخبار صادقة، ومواعظ رائقة، وشرائع راقية، وآدا عالية، بعبارات تأخذ الألباب. وأساليب ليس لأحدج من البشر بالغاً مما بلغ

стр. 356

من الفصاحة والبلاغة أن يأتي بمثلها، أو يفكر في محاكاتها فهو آية الله الدائمة، وحجته الخالدة، (لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: ٤٢] ، أنزل الله على رسوله ليبلغه قومنه وهم فحول البلاغة، وأمراء الكلام. وأباه الضيم، وأربا الأنفة والحمية فيبهرهم بيانه، وأذهلهم افتتانه فاهتدى به من صح نظره واستحصف عقله، ولطف ذوقه، وصد عنه أهل العناد والمكارة واللجاج فتحداهم أن يأتوا بمثله فنكصوا ثم بعشر سور مثله فعجزوا، ثم بسورة من مثله فانقطعوا فحق عليهم إعجازه قال تعالى: (قُل لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنّ عَلَىَ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) [الإسراء: ٨٨] . وللقرآن فضل على اللغة فقد أثر فيها ما لم يؤثره أي كتاب سماوياً كان أو غير سماوي في اللغة التي كان بها، إذا ضمن لها حياة طيبة وعمراً طويلاً، وصانها من كل ما يشوه خلقها ويذوي غضارتها فأصبحت وهي اللغة الحية الخالدة ومن بين اللغات القديمة التي انطمست آثارها، وصارت في عداد اللغات التاريخية الأثرية وأنه قد أحدث فيها علوماً جمة وفنوناً شتى لولاه لم تخطر على قلب، ولم يخطها قلم منها، والنحو، والصرف، والاشتقاق، والمعاني، والبديع، والبيان والأدب والرسم، والقراءات، والتفسير، والأصول، والتوحيد والفقه. جمع القرآن وكتابته قد نزل القرآن الكريم على رسول الله صل الله عليه وسلم منجماً تعلى حسب الوقائع ومقتضيات الأحوال في بضع وعشرين سنة، وكان ﵊ يأمر كتابة وحيه بكتابة ما ينزل وتوفي رسول الله ﷺ والقرآن كله مكتوب، وفي صدور الصحابة محفوظ، وفي مدة الإمام عثمان كثرت الفتوحات وانتشر القراء في الأمصار فأمر عثمان زيد بن ثابت وعد الله بن الزبير وسعيد بن العاص ونعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوا تلك الصحف في

стр. 357

مصحف واحد مرتب السور واقتصر فيه من جميع اللغات على لغة قريش لنزوله بلغتهم.

стр. 358

الحديث النبوي كان رسول الله ﷺ فصح الناس وأبينهم وأحكمهم، وكانت حياته كلها هداية ونوراً وأفعاله وأقواله جميعها مدداً يستمد منه الخلق سدادهم وإرشادهم في معاشهم ومعادهم ولهذا حرص المسلمون على حفظ ذلك الأثر العظيم حرصاً لم توفق مثله أمة في حفظ آثار رسولها فجمعوا من كلامه ووف أفعاله وأحواله الأسفار الضخام ووعوا منها في صدورهم ما لا يدخل تحت حصر وكلامه ﷺ منزه عن اللغو والباطل وإنما كان في توضيح قرآن

стр. 359

أو تقرير حكم أو إرشاد إلى خيرا أو تنفير من شر أو في حكمة ينتفع الناس بها في دينهم ودنياهم عبارة هي في الفصاحة والبلاغة والإيجاز والبين بالدرجة الثانية بعد القرآن الكريم ولذلك كان تأثيرها في اللغة والأدب بالمنزلة التالية لكلام الله تعالى. النثر لغة التخاطب الخطابة الكتابة كانت لغة التخاطب في مبدأ الإسلام بين العرب الخلص والموالي النابتين فيهم هي العربية الفصيحة المعرة وكانت لغة الموالي الطارئين عليهم تقرب من الفصيحة أو تبتعد عنها على حسب طول لبثهم فيهم أو قصر مقامهم عندهم ولما فتح المسلمون الأمصار وكثر عندهم سبي الأعاجم وأسرى الحروب ودخل في الإسلام منهم ألوف الألوف وأصبحوا لهم إخواناً وشركاء في الدين وتم بينهم التزاوج والتناسل، نشأ للعرب ذرية اختلطت عليهم ملكة العربية وكذلك كان الشأن في المتعربين من الأعاجم أما العرب أنفسهم عد الفتوح فكانت لغتهم في جزيرتهم مثلما كانت عليه في جاهليتهم، أما سكان الأمصار منهم وأولادهم من الحرائر، فالعامة منهم المخالطون للأعاجم لم تخل لغتهم من لحن أو هجنة، والخاصة منهم تشددوا فالمحافظة على سلائقهم وتحاموا التزوج بالأعجميات وبالغوا في تربية أبنائهم فكانوا يرسلونهم إلى البادية ليرتاضوا على الفاصحة، أو يحضون لهم المؤدبين والمعلمين كذلك كان يفعل خلفاء بني أمية وأمراؤهم اقتداءً بكبيرهم معاوية بن أبي سفيان في تربية ابنه يزيد، ومن لحن منهم تعدوا ذلك عليه عاراً لا يمحى وسبة لا تزول، ومن هؤلاء اللحانين عبيد الله بن زياد والوليد بن عبد الملك وخالد القشري مع أن بعضهم كان من أبلغ الناس وأبينهم. ومن هنا يعلم السر في تسرع القوم إلى وضع النحو وتدوينه والشكل والأعجام.

стр. 360

الخطابة في هذا العصر والخطباء لا كان مبدأ كلا انقلاب عظيم في أي أمة: إما دعوة دينية وإما دعوة سياسية، وكانت تلك الدعوة تستدعي ألسنة قوالة من أهلها لتأييدها ونشرها وألسنة من أعدائها وخصومها لإدحاضها والصد عنها، وذلك لا يكون إلا بمخاطية الجماعات: وكان ظهور الإسلام من أهم الحوادث التي أنشطت الألسن من عقلها وأثارت الخطابة من مكمنها فوق ما كانت عليه في جاهليتها فكان العمل الأكبر لصاحب الدعوة العظمى سيدنا محمد ﷺ بادئ أمره غير تبليغ القرآن وارداً من طريق الخطابة. ولأمر ما جعلها الشارع سعار كل الأمور ذوات البال، كان دعاة النبي ﷺ ورسله إلى الملوك وأمراء جيوشه وسراياه ثم خلفاءه من بعده عمالهم كلهم خطباء مصاقع ولسنا مقاول وأن الشعر صرفهم عن اللهو والشعر الذي لا ينهض بأعباء الخطابة ولاسيما الدينية لشرحها الحقائق وقرعها الأسماع بالحجج العقلية والوجدانية وترغيبها في الثواب وترهيبها من العقاب بعبارات تفهمها الخاصة والعامة وكان لهم من القرآن أدلته وحجته والاقتباس منه مدد أيما مدد. ولما حدثت الفتنة بن المسمين بعد مقتل عثمان، وافترقوا إلى عراقيين بزعامة علي وشاميين بزعامة معاوية ولكل منهم دعوة يؤيدها ورغبة يناضل عنها في تلك الحرب الشعواء التي لم ينكب الإسلام بمثلها، ظهر من كلتا الطائفتين خطباء لا يحصى عددهم ولا يشق غبارهم، وعلى رأس العراقيين شيخ الخطباء علي بن أبي طالب وعلى رأس الشاميين معاوية بن أبي سفيان ولم يعدم كل طائفة خطباء يؤيدون دعوتها بما أتوا من البلاغة في الخطابة والفصاحة والبيان. والخطابة وصلت في هذا العصر إلى أرقى ما وصلت إليه في اللسان العربي حتى ممن يعد عليهم اللحن ولم تسعد العربية بكثرة خطباء ووفرة خطب ومثل

стр. 361

ما سعدت به في هذا الصدر الأول. إذا كان القوم ورؤساؤهم عرباً خلصاً يسمعون القول فيتبعون أحسنه. ولم يخرج الخطباء عن مألوفهم من اعتجار العمامة والاشتمال بالرداء واختصار المخصرة والخبطة من قيام. وليس في عصور أدب اللغة من عصر أحفل بالخطباء من هذا العصر: إذا كانت الخطابة فيه سلسة القياد على خلفائه وزعمائه: لفطرتهم العربية ومحلهم من الفصاحة والبيان وانطباعهم على أساليب القرآن واتساع مداركهم.

стр. 362

أبو بكر الصديق ﵁ هو أبو بكر عبد الله عتيق بن أبي قحافة عثمان صاحب رسول الله وأول الخلفاء الراشدين. ويجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في مرة بن كعب، ولد بعد مولد رسول الله لسنتين وبضعة أشهر ونشأ من أكرم قريش خلقاً وأرجحهم حلماً وأشدهم عفة وكان أعلمهم بالأنساب وأيام العرب ومفاخرها، صحب رسول الله ﷺ قبل النبوة وكان أول من آمن به من الرجال وصدقه في كل ما جاء به: ولذلك سمي بالصديق وهاجر معه إلى المدينة وشهد

стр. 363

معه أكثر الغزوات وما زال ينفق ماله وقوته في معاضدته حتى انتقل صلى الله عيه وسلم إلى الرفيق الأعلى واختلفت العرب وارتدت عن الإسلام فجرد عليهم الجيوش حتى قمعهم وما مات إا وجيوشه تهزم جيوش الفرس والروم وتسولي على مدائنهم وحصونهم وكانت وفاته سنة ١٣هـ? ومدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال. وكان فصيحاً بليغاً خطيباً مفوهاً قوي الحجة شديد التأثير يشهد بذلك خطبته يوم السقيفة (وذلك أنه لما مات رسول الله ﷺ اختلفت الصحابة فيمن يبايعونه خليفة عليهم: فابت الأنصار إلا أن يكون الخليفة منهم وأبى المهاجرون من ريش إلا أن يكون منهم واشتد النزاع حتى كادت تقع الفتنة فخطبهم خطبة لم يلبث الجمع بعدها أن بايعوه خليفة) وهي: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس نحن المهاجرون، وأول الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأكثر الناس ولادة في العرب وأمسهم رحماً برسول الله ﷺ ، أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن قال ﵎: (وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) [التوبة: ١٠٠] فنح المهاجرون وأنتم الأنصار: إخواننا في الدين. وشركاؤنا في الفيء وأنصارنا على العدو آويتم وواسيتم جزاكم الله خيراً نحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله. وخطب أيضاً حين بايع الناس البيعة العامة. حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني

стр. 364

أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم ألا أتن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم. وخطب أيضاً الناس فقال: (بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به فإن جوامع هدي الإسلام بعد كلمة الإخلاص السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم، فإنه من يطع لله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أفلح، وأدى الذي عليه من الحق، وإياكم واتباع الهوى، افقد أفلح من حفظ من الهوى والطمع والغضب وإياكم والفخر! وما فخر من خلق من تراب ثم إلى التراب يعود، ثم يأكله الدود، ثم هو اليوم حي وغداً ميت؟ فاعلموا يوماً بيوم، وساعة ساعة، وتوقوا دعاء المظلوم، وعدوا أنفسكم في الموتى واصبروا، فإن العمل كله بالصبر، واحذروا، والحذر ينفع واعملوا، والعمل يقبل، واحذروا ما حذركم اله من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته وافهموا وتفهموا، واتقوا، وتوقوا فإن الله قد بيتن لكم ما أهلك به من كلن قبلكم، وما نجي به من نجى قبلكم، قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه، وما يجب من الأعمال، وما يكره، فإني لا ألومكم ونفسي، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله، واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من قبل أعمالكم فربكم أطعتم وحظكم وحفظتم واعتبطتم، وما تطوعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا سلفكم وتعطوا جرايتكم حيث فقركم وحاجتكم إليها ثم تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا، قد ردوا على ما قدموا فأقاموا عليه وحلوا في الشقاء أو السعادة فيما بعد الموت، أن الله له شريك وليس بينه وبين أحد من خله

стр. 365

نسب يعطيه به خيراً ولا يصرف عنه سوءاً إلا بطاعته اتباع أمره فلأنه لا خير في خير بعده النار ولا شر في شر بعده الجنة. عمر بن الخطاب ﵁ هو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب القرشي ثاني خليفة لرسول الله ﷺ وأول من تسمى من الخلفاء بأمير المؤمنين وأول من أرخ بالتاريخ الهجري ومصر الأمصار ودون الدواوين. ولد ﵁ بعد مولد النبي صلى اله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة وحضر مع رسول الله الغزوات كلها، ثم لما قبض أعان أبا بكر على تولية الخلافة، ولما أحسن أبو بكر بالموت، عهد بها غليه، فقام بأعبائها خير قيام وأتم جميع ما شرع فيه أبو بكر: من فتح ممالك كسرى وقيصر. وقتله أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة: لأنه لم ينصفه على زعمه في تخفيض ما يدفعه لسيده من أجره عمله، وكان قتله سنة ٢٣هـ? ومدة خلافته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وكان ﵀ من أبين الناس منطقاً، وأبلغهم عبارة وأكثرهم صواباً وحكمة وأرواهم للشعر، وأنقدهم له. ومن خطبه خطبته إذ ولي الخلافة. صعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا آيها الناس، إني داع فأمنوا

стр. 366

اللهم إني غليظ فليني لأهل طاعتك بموافقة الحق، ابتغاء وجهك الدار الآخرة وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق من غير ظلم مني ولا اعتداء عليهم، واتللهم إني شحيح فسخني في نوائب المعروف قصداً من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة، واللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين، اللهم إني كثير الغفلة والنسيان فألهمني ذكرك على كل حال وكذر الموت في كل حين، اللهم إني ضعيف عن العمل طاعتك فارزقني النشاط فيها، والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك، اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى وذكر المقام بين يديك، والحياء منك وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني، والمحاسبة لنفسي، وإصلاح الساعات والحذر من الشبهات، واللهم ارزقني التفكير والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك، والفهم له والمعرفة وبمعانيه والنظر في عجائبه والعمل بذلك ما بقيت، إنك على كل شيء قدير. ومن خطبه في ذم الدنيا: إنما الدنيا أمل مخترم وأجل منتقض وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج فرحم الله امرأ فكر في أمره، ونصح لنفسه وراقب ربه واستقال ذنبه، بئس الجار الغني يأخذك بما لا يعطيك من نفسه فإن أبيت لم يعذرك، إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السقم، وعليكم في قوتكم فهو أبعد من السرف، وأصح للبدن وأقوى على العبادة، وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.

стр. 367

عثمان بن عفان ﵁ هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان القرشي الأموي، ثالث الخلفاء الراشدين وموجد نسخ القرآن المبين، ولد في السنة السادسة من مولد النبي صلى الله عليه وسلام وآمن في السابقين الأولين، وبذل ماله الكثير في تأييد الإسلام ومعونة المجاهدين وهد مغازي رسولا الله كلها إلا بدراً وقد كان عمر قبل وفاته عهد إلى ستة هو منهم تنتخب الأمة أحدهم خليفة، فانتبخوا عثمان فأكمل مغازي عمر ثم ثار عليه بعض الأعراب بحجة أنه يؤثر أقرباءه بولاية الأقاليم، فحاصروه في داره بالمدينة وقتلوه وهو يتلو القرآن الكريم سنة ٣٣هـ? ومدة خلافته اثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً. وكان ﵀ من بلغاء الخلفاء وأوجزهم لفظاً وأجزلهم معنى وأسلسلهم عبارة ومن خطبه خطبته بعد أن بويع وهي بعد الحمد والثناء: أما بعد فإني قد حملت وقد قبلت، ألا ,اني متبع ولست بمتدع، ألا وأن لكم علي بعد كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ثلاثاً: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف إا فيما استوجبتم، ألا وأن الدنيا خضرة وقد شهيت إلى الناس ومال إليها منهم فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها.

стр. 368

ومن خطبه أيضاً وهي آخر خطبة خطبها: أما بعد: فإن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها لآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها، الدنيا تفنى والآخر ة تبقى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وأن المصير إلى الله، اتقوا الله فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم ولا تصيروا أحزاباً (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) [آل عمران: ١٠٣] . عليّ بن بي طالب كرّم الله وجهه هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي ن أبي طالب، وابن عم رسول وزوج ابنته ورابع الخلفاء الراشدين ولد ﵀ بعد مولد النبي باثنتين وثلاثين سنة، وهو أول من آمن من الصبيان، وكان شجاعاً لا يشق له غبار، وشهد الغزوات كلها مع النبي إلا غزوة تبوك، وأبلى في نضرة رسول الله ما لم يبله أحد، ولما قتل عثمان بايعه الناس بالحجاز وامتنع من بيعته عاوية وأهل الشام شيعة بني أمية غضباً منهم لمقتل عثمان وقلة عناية علي بالبحث عن معرفة القتلة على حسب اعتقادهم، فحدث من جراء ذلك الفتنة العظمى بين المسلمين وافتراقهم إلى طائفتين فتحاربوا مجدة من غير أن يستتب الأمر لعلي أو معاوية حتى قتل أحد الخوارج علياً غيلة بمسجد الكوفة سنة ٤٠هـ?. وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر. وكان ﵀ أفصح الناس بعد رسول الله، وأكثرهم علماً وزهداً وشدة في الحق، وهو إمام الخطباء من العرب على الإطلاق بعد رسول الله ﷺ وخطبه

стр. 369

كثيرة: منها خطبته كرم الله وجهه بعد التحكيم وهي: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجلل وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه غله غيره، وإن محمداً عبده ورسوله ﷺ (أما بعد) فإن معصية الناصح الشفيق العالم لمجرب تورث الحيرة وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، ولو كان يطاع لقصير أمر فأبيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح وضن الزند بقدحه، فكنت وإياكم كما قال أخو هوزان: أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد ومن خطبه له حين خاطبه العباس وأبو سفيان وفي أن يبايعا له بالخلافة. أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وتعرجوا عن طريق المنافرة وضعوا عن تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح هذا ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه فإن أقل يقولوا جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجن على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة.

стр. 370

سحبان أوائل هو سحبان بن زفر بن إياد الوائلي، الخطيب المصقع، المضروب به المثل في البلاغة والبيان في الجاهلية ولما ظهر الإسلام أسلم وتقلبت به الأحوال حتى التحق بمعاوية فكان يعده لملمات، ويتوكأ عليه المفاخرة. قدم على معاوية وفد فطل سحبان ليتكلم فقال: أحضروا لي عصاً قالوا وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ قال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه فضحك معاوية وأمره بإحضارها ثم خطب من صلاة الظهر وإلى أن حانت صلاة العصر، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف لا تلكأ

стр. 371

وابتدأ في معنى وخرج منه وقد قي منه شيء حتى دهش منه الحاضرون فقال معاوية: أنت أخطب العرب: قال سحبان: والعجم والجن والأنس. وكان سحبان إذا خطب يسيل عرقاً، ومات في خلافة معاوية سنة ٥٤هـ? ومما يؤثر من خطبه قوله: إن الدنيا دار بلاغ والآخرة دار قرار، أيها الناس فخذوا من دار ممركم لدار مقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفي عليه أسراركم وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها حييتم ولغيرها ما خلتهم إن الرجل إذا هلك قال الناس ما ترك؟ وقال الملائكة ما قدم؟ قدموا بعضاً يكون لكم ولا تخلفوا كلاً يكون عليكم. زياد بن أبيه هو أحد دهاة العرب وساستها وخطاها وقادتها أمه سمية أمة الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب وقد قرنها بعبد له رومي يدعى عبيداً فولدت سمية زياداً علت فراش عبيد هذا (في السنة الأولى من الهجرة) فنشأ غلاماً فصيحاً شجاعاً فما افتتحت العرب الممالك والأمصار حتى عرف منه ذلك فاستكتبه أبو موسى اشعري والي البصرة من قبل عمر. ولما ولي أمير المؤمنين علي الخلافة اضطرب عليه فارس فسار إليها زياد بجمع وتمكن بخداعه من إيقاع الشقاق بين رؤساء المشاغبين، ومازال يضرب بعضهم ببعض حتى سكنت ثورتهم، وبقي يتولى لعلي الأعمال حتى قتل علي فخافه معاوية فأرسل إليه المغير بن شعبة يستقدمه فقدم عليه فادعاه أخاً له واستلحقه بنبس أبيه أبي سفيان وصار يسمى زياد بن أبي سفيان بدل زياد بن عبيد أو (ابن سمية أو ابن أبيه) .

стр. 372

وولاه معاوية العراقين وهو أول من جمع له بينهما فسار في الناس سيرة لم بها الشعث وأقام بها المعوج وكبح الفتنة واشتط في العقوبة وأخذ بالظنة وعاقب على الشهة حتى شمل خوفه جميع الناس فأمن بعهم بعضاً وكان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأبى صاحبه فيأخذه بل كان لا يغلق أحد بابه وكان زياد يقول: (لو ضاع حبل بيني وبين خراسان لعرفت آخذه) وكان مكتوباً في مجلس عنوان سياسته وهي (الشدة في غير عنف واللين في غير ضعف المحسن سيجازى بإحسانه والمسيء يعاقب بإساءته) وتوفي بالكوفة في رمضان سنة ٥٣هـ?. ومن خطه البليغة خطبته حين قدم إلى البصرة وهي: أم بعد فإن الجهلاء والضلالة العمياء والغي والموفى بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم: من الأمور التي بنيت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير كأنكم لم تقرؤوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول إنه ليس منكم إلا من طرفت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه: من ترككم الضعيف يقهر والضعيفة المسلوبة في النهار تنصر، والعدد غير قليل، والجميع غير مفترق، ألم يكن منكم نهاة يمنعون الغواة عن دلج الليل وغارة النهار! قربتم القرابة! وباعدتم الدين، تعتذرون بغير لعذر، وتغضون على النكر، كل امرئ منكم يرد عن سفيهه، صنع من لا يخاف عقاباً ولا يرجو معتاداً، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكن دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوساً في مكانس الريب،

стр. 373

حرام علي الطعام والشراب حتى أضع هذه المواخير بالأرض هداماً وإحراقاً إني رأيت اجر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لينفي غير ضعيف، وشدة في غير عنف، وأني لأقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمطبع بالمعاصي، وتى يلقى الرجل أخاه فيقول: "انج سعد فقد هلك سعيد" ا, تستقيم لي بيني وبين قوم إجن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، غني لو علمت ن أحدكم قد قتلاه السل من بغضي لم أكشف له قناعاً، ولن أهتك له سراً، حتى يبدي لي صفيحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبئس، أيها الناس أنا قد أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي حولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا. الحجاج هو أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي أحد جبابرة العرب وساستها وموطد ملك بني أمية وأحد البلغاء والخطاء ولد سنة ٤١هـ?. وخدم الحجاج بولايته عبد الملك بن مروان، وابنيه الوليد وسليمان حتى كان ملكه ما بين الشام والصين ومات سنة ٩٥هـ? في عهد سليمان في مدينة واسط بالعراق. وكان الحجاج آية في البلاغة وفصاحة اللسان وقوة الحجة، قال الأصمعي أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل، الشعبي وعبد الملك بن موان والحجاج بن يوسف وابن القرية: والحجاج أفصحهم ومن مآثره اهتمامه بوضع النقط والشكل للمصحف وغيره ونسخه عدة مصاحف من مصاحف عثمان وإرسالها إلى بقية الأمصار ومن خطبه المشهورة خطبته لما قدم أميراً على العراق

стр. 374

فإنه دخل المسجد معتماً بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلداً سيفه متنكباً قوساً يؤم المنبر، فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق فلما رأى عيون الناس إليه، حسر اللثام عن فيه ونهض ثم قال: أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني ثم قال: يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها وكأني ناظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم قال: هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم ... قد لفها الليل بسواقٍ حطم ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار علي ظهر وضم قد لفّها الليل بعصلبيّ ... أروع خرّاج من الدوي مهاجر ليس بأعرابي قد شمرت عن ساقها فشدّوا ... وجدّت الحربُ بكم فجدّوا والقوس فيها وترٌ عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد لابدّ مما ليس منه بدّ إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين ولقد فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، نثر كنانته بين يديه فعجم عيدانها فوجدني أمرها عوداً وأصلبها مكسراً فرماكم ربي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل فإنكم لكأهل (قَرْيَةً

стр. 375

كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [النحل: ١١٢] وإني والله ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت. وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أب صفرة، وأني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه. طارق بن زياد هو أحد قواد جيوش الوليد بن عبد الملك، كان خطيباً مصقعاً مقداماً، بعيد الهمة يعشق وتصبو نفسه إلى الفتوحات، خرج من المغرب سنة ٩٢هـ? باثني عشر ألف جندي من مواطنيه يقلهم أسول قوي قد جهز لذلك وعبر البحر إلى إسبانيا لفتحها، وفلما علم رودريك ملكها بقدوم المسلمين إلى بلاده قابلهم بجيش عظيم هالت طارقاً كثرة عدده وكمال عُدده، فبادر وأحرق أسطوله ليقطع أمل أصحابه في الروع وقال لهم (أيها الناس الخ) فاندفعوا على الإسبان اندفاع اليائس وهزموهم شر هزيمة، ثم والى طارق فتوحاته في إسبانيا حتى قبض على رودريك آخر ملوك الفيزيغوط بها وقتله سنة ٩٤هـ? وبعد ذلك بسنة استقدمه الوليد إلى دمشق إلى أن مات سنة ١٠١ وها هي خطبته. أيها الناس أين المفر، البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم وإن

стр. 376

امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً ذهب ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها عنكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت وإني أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أبداً بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتكم على الأشق قليلاً استمتعتم بالأرفة الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فما حظكم فيه بأوفر من حظي وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات العميمة وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً ثقة منه بارتياحكم للطعان واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان ليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين وعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم (لذريق) فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره ولم يعوزكم بل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فأخلفوني في عزيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عليه واكتفوا لهم من فتح هذه الجزيرة بقتله. الكتابة خطية وإنشائية الكتابة الخطة كان الخط في مبدأ ظهور الإسلام هو الخط الأنباري الحيري، المسمى بعد انتقاله إلى الحجاز بالحجازي، وزهو أصل النسخ، وكان يكتب به النزر اليسير من العرب عامة وبضعة عشر من قريش خاصة، وفلما انتصر النبي ﷺ على قريش في يوم بدر وأسر منهم جماعة كان فيهم بعض الكتابة، فقبل الفداء من أمييهم وفادى الكاتب منهم بتعليمهم عشرة من صبيان المدينة،

стр. 377

فانتشرت الكتابة بين المسلمين وحض النبي عل تعلمها ومن أشهر كتاب الصحابة زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ولما فتح المسلمون المملك ونزلت جمهرة الكتاب منهم الكوفة عنوا بتجويد لخط العربي وهندسة أشكاله حتى صار خط أهل الكوفة ممتازاً بشكله عن الخط الحجازي واستحق أن يسمى باسم خاص وهو (الكوفي) . وكان الصحابة وتابعوهم من بني أمية يكتبون بلا إعجام ولا شكل إلا قليلاً اعتماداً منهم على معرفة المكتوب إليهم باللغة واكتفائهم بالرمز القليل في قراءة اللفظ فلما فسد اللسان باختلاط العرب بالعجم وظهر اللحم والتحريف في الألسنة أشفق المسلمون عل تحريف كلم الكتاب الكريم فوضع أبو الأسود الدؤلي علامات في المصاحف (بصبغ مخالف) فجعل علامة الفتحة نقطة فق الحرف والكسرة أسفله والضمة نقطة من الجهة اليسرى وجعل التوين نقطتين، وكان ذلك في خلافة معاوية. ووضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بأمر الحجاج نقط الإحجام بنفس المداد الذي يكتب به الكلام وكان ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان ثم شاع في الناس بعد. الكتابة الإنشائية قسمان كتابة رسائل ودواوين وكتابة وتدوين وتصنيف (١) "كتابة الرسائل والدواوين " كان زعمكاء العرب وفصحاؤهم كلهم كتاباً ينشئون بملكتهم ولو لم خطوا بيمينهم فكان النبي وأصحبه وخلفاؤه يملون كتبهم على كتابهم بعبارتهم وبعضهم يكتبها بيده، ولما اتسعت موارد الخلافة أصبحت في حاجة إلى إنشاء الدواوين لضبط ذلك، فكان عمر أول من دون الدواوين. وكان كتاب

стр. 378

الرسائل لخلفاء وعمالهم إما عرباً أو موالي يجيدون العربية، أما كتاب الخراج ونحوه فكانوا من كل إقليم من أهله يكتبون بلغتم، ولما نبغ من العرب من يحسن عملهم حولت هذه الدواوين إلى العربية زمن عبد الملك بن مروان والوليد ابنه وجرى الخلفاء بني أمية في كتابة الرسائل على ما كان عليه الأمر زمن الخلاء الراشدين. ثم اتسعت رقعة المملكة وقرت أمور الدولة ازدادت الأعمال وشغل الخلفاء عن أن يولوا الكتاب ة بأنفسهم أو بخاصة عشيرتهم، عهدوا بها إلى كبار كتابهم، وكان كثير منهم يعرف اللغة الرومية أو الفارسية أو اليونانية أو السريانية وهي لغات أمم ذات حضارة وعلوم ونظام ورسوم. ومن هؤلاء سالم مولى هشام بن عبد الملك أحد الواضعين لنظام الرسائل، وأستاذ عبد الحميد الكاتب الذي آلت إليه زعامة الكتابة الآخر الدولة الأموية. (٢) مميزات الكتابة الإنشائية وتمتاز الكتابة في هذا العصر بالميزات الآتية: (١) الاقتصار في أغراضها على القدر الضروري، والاقتصار في معناها على الإلمام بالحقائق وتوضيحها بلا مبالغة ولا تهويل، واستعمال الألفاظ الفحلة والعبارات الجزلة، والأساليب البليغة إذا كان الكاتب والمكتوب إليه عرباً فصحاء. (٢) مراعاة الإيجاز غالباً إلا حيث يستدعي الحال الإسهاب، وبقي الأمر على ذلك حتى جاء عبد الحميد الكاتب آخر الدولة الأموية، فأسهب الرسائل وأطال التحميدات في أولها، وسلك طريقه من أتى بعده. الكتاب كتاب هذا العصر كثيرون، وقد كانت الخلفاء والأمراء والقواد كلهم

стр. 379

كتاباً بلغاء، ولما صارت الكتابة صناعة، تداولها كثير من الأعاجم وغيرهم: واشتهر من بين هؤلاء. عبد الحميد بن يحيى الكاتب هو عبد الحميد بن يحيى بن سعيد العامري الشامي شيخ الكتاب الأوائل. كان عبد الحميد في أول أمره معلم صبيان حتى فطن له مروان بن محمد أيام توليته أرمينية فكتب له مدة ولايته حتى إذا بلغه مبايعة أهل الشام له بالخلافة سجد مروان له شكراً وسجد أصحابه إلا عبد الحميد، فقال مروان لم لا تسجد؟ فقال ولم أسجد؟ أعلى أن كنت معنا فطرت عنا، قال إذا تطير معي قال الآن طاب لي السجود وسجد، فاتخذه مروان كاتب دولته. لما دهمت مروان جيوش خراسان أنصار الدعوة العباسية وتوالت عليه الهزائم كان عبد الحميد يلازمه في كل هذه الشدة، فقال له مروان قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابك يحوجهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا لم تعجز حفظ حرمي بعد وفاتي، فقال له: إن الذي أشرت به عليّ أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك وأنشد: أسرُّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذرٍ يوسع الناس ظاهره وبقي معه حتى قتل مروان سنة ١٣٢ هـ?، وأخذ عبد الحميد إلى السفاح فقتله سنة ١٣٢هـ?. منزلته في الكتابة هو الأستاذ الأول لأهل صناعة كتابة الرسائل وذلك أنه أول من مهد سلبها،

стр. 380

وميز فصولها، وأطالها في بعض الشؤون، وقصرها في بعضها الآخر وأطال التحميدات في صدرها وجعل لها صوراً خاصة ببدئها وختمها على حسب الأغراض التي تكتب فيها، ويقال إنه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه مروان كتاباً يستجلبه وضمنه ما لو قرئ لأدى إلى وقوع الخلاف والفشل، وقال لمروان: قد كتبت كتاباً متى قرأه بطل تدبيره فإن يك ذلك وإلا فالهلاك، وكان الكتاب لكبر حجمه يحمل على جمل، فلما وصلا الكتاب إلى داهية خراسان أبي مسلم أمر بإحراقه قبل أن يقرأه وكتب على جذاذة منه إلى مروان: محا السيف أسطارَ البلاغة وانتحى ... عليك ليوثُ الغاب من كلّ جانب ٣ التدوين والتصنيف انقضى زمن الخلفاء الراشدين ولم يدون فيه كتاب إلا ما كان من أمر المصحف، وكان مرجع الناس في أمر دينهم دنياهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فإذا اشتبه عليهم أمر من أمور الدين رجعوا إلى الخلفاء وفقهاء الصحابة. ثم لما انتشر الإسلام زمن بني أمية واختلطت العرب ففسدت فيهم ملكة اللسان العربي وفشا اللحن وأشفقوا على القرآن من التحريف وعلى اللغة من الفساد دونوا النحو وكان أول من كتب فيه أبو الأسود الدؤلي وقد تلقى مبادئه عن الإمام علي، وأخذ عنه فتيان البصرة وخصوصاً الموالي إذ كانوا أحوج الناس إلى النحو واشتغل أهل الكوفة به ب أن فشا بالبصرة ولم ينقض هذا العصر حتى استغل به طبقتان من البصريين وطبقة من الكوفيين، ثم لما حدثت الفتن وتعددن المذاهب والنحل وكثرت الفتاوى والرجوع فيها إلى رؤساء ومات أكثر الصحابة، خافوا أن يعتمد الناس على رؤسائهم ويتركوا سنة رسول الله فأذن أمي المؤمنين عمر بن

стр. 381

عبد العزيز لأبي بكر محمد بن عمرو بن حزم في تدوين الحديث، انقضى هذا العصر ولم يدون فيه من علوم اللغة والدين غير النحو وبعض الحديث وبعض التفسير، وأما العوم الأخرى فيروى أن خالد بن يزيد بن معاوية حبب إليه مطالعة كتبا لأوائل من اليونان فترجمت له ونبغ فيها ووضع كتباً في الطب والكيمياء، وأن معاوية استقدم عبيد بن شربة من صنعاء فكتب له كتاب "الملوك وأخبار الماضين" وإن وهب بن منبه الزهري وموسى بن عقبة كتباً في ذلك أيضاً كتباً، وأن زياد بن أبيه وضع لابنه كتاباً في مثال قبائل العرب، وأن ماسرجويه متطبب البصرة تولي في الدولة المروانية ترجمة كتاب أهرون بن أعين من السريانية إلى العربية وأن يونس الكاتب بن سليمان ألف كتاباً في الأغاني ونسبتها إلى من غنى فيها ولم يلغ التصنيف شأواً يذكر. الشعر والشعراء في هذا العصر جاء النبي الكريم، والشعر ديون العرب، فأتاهم بالأمر العظيم والحادث الخطير، حاملاً بإحدى يديه القرآن يدعو الناس إلى توحيد الله والتمسك بالفضيلة وشاهراً بالأخرى سيف الحق لحماية هذه الدعوة وما كان أشد ذهولهم لخطبهما وانزعاجهم من وقعها، فهبوا يتحسسون الأول ويتمرسون أساليبه ومعانيه ويتفرسون ألفاظه ومغازيه، وما بين معاند تلمس مطعناً فيه، ومؤمن يستبينه ويهديه، وتأهبوا للثاني: ما بين ضال يناوئه، ومهند يعاضده، فصار لك صارفاً لهم عن التشاغل بالشعر محولاً مجرى أفكار المؤمنين منهم عن أكثر فنونه المتحرفة عن سنن الشرف والحق، وبغض إليهم تلك الفنون المرذولة إزراء القرآن على الشعر بقوله: (وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿٢٢٤﴾ أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴿٢٢٥﴾ وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴿٢٢٦﴾ إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء: ٢٢٤ ٢٢٧] ولهذا لم يكف شعراء المسلمين عن قوله فيما يطابق روح القرآن.

стр. 382

ولبث الحال على ذلك مدة حياة النبي الكريم، حتى إذا ما ثاروا لإسكان فتن أهل الردة وفتح الممالك والأمصار، وأضافوا إلى ما ألفوه من أغراض الشعر الإكثار من التباهي بالنصر، ووصف المعارك، وأحوال الحصار وآلات القتال ولما آل الأمر إلى بني أمية وشغب عليهم كثير من فرق المسلمين أصبح الشعر لساناً يعبر عن مقاصد كل حزب، حتى أصبح حرفة عتيدة، وصناعة جديدة ومورد ثروة وأصبحت دراسته ونقده وروايته ودأب العلماء والأدباء حتى الخلفاء وأولياء عهودهم ويمكن وصف ما كان عليه الشعر في هذا العصر من حيث أغراضه ومعانيه وتصوراته وعبارته بما يأتي: أغراض الشعر وفنونه ١ نشر عقائد الدين وحكمه ووصاياه والحث على اتباعه. وخاص زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين. ٢ التحريض على القتال ووصفه والترغيب في نيل الشهادة رفعاً لكلمة الله، وذلك في أزمان غزوات النبي وحصار المدن وفتحها. ٣ الهجاء: وكان أولاً في سبيل الدفاع عن الإسلام بهجو مشركي العرب بما لا يخرج عن حد المروءة، وبما رضيه النبي حسان شاعره في هجاء قريش وعشيرة النبي من بني عبد مناف. وكان يتحرج عنه المسلمون ولو التعريض زمن النبي وخلفائه: ولذل عاقب عمر أمير المؤمنين الحطيئة وهدده بقطه لسانه لنيله من بعض المسلمين: ثم صار يتساهل في خطبه حتى كان الهجاء غاية براعة الشاعر وإن لم يصل في الإقذاع والفحش إلى الحد الذي وصل إلي في العصر الآتي.

стр. 383

٤ المدح: وقلما كان مبدأ الإسلام فير غير النبي من حيث الاهتداء بهديه ونشر الحق على يديه، وكان خلفاؤه يأنفون مدحهم بما تزهي به نفوسهم تواضعاً. ثم استرسل الشعراء فيه وقبل ذلك منهم الخلفاء إلى أن كان المدح من أهم الدعائم التوطيد أركان الدولة وتفخيم مقام الخلفاء والولاة والإرشاد بعظمتهم. معانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه وأوزانه لم يخرج شعراء هذا العصر في جملة تصورهم وتخيلهم عما ألفوه زمن الجاهلية وإن فاقوهم كثيراً في ترتبي الفكر وتقريب المعنى إلى الأذهان والوجدان بما هذب نفوسهم ورقق طباعهم من دراسة كتاب الله وحديث رسول الله، وكذلك لم يخرجوا جملة في هيئة تأليف اللفظ ونسجه ومتانة أسلوبه عن نظائرهم في الجاهلية، وإنما آثروا جزالة اللفظ وفخامته ومؤالفته لسابقته ولاحقه دون غرابته كما آثروا جودة الأسلوب ومتانته وروعة تأثيره ولاسيما أهل النسيب: ولم يطرأ على أوزان الشعر العربي حدث غير ما عرف عنه في الجاهلية وإنما شاع في هذا العصر نظم الأراجيز والتطويل فيها، واستعمالا في جميع أغراض القصيد، حتى في افتتاحها بالنسيب والتخلص منه إلى المدح والذم ونحو ذلك. الشعراء شعراء ةهذا العصر ممن خلصت عربيتهم واستقامت ألسنتهم ولم يمتد إليهم اللحن، ولد زادتهم مدرسة القرآن الكريم فصاحة وبلاغة وإحكاماً وإتقاناً حتى فضلهم بعض الرواة على سابقيهم من الجاهلين، ومن أشهر شعراء هذا العصر كعب بن زهير، والخنساء، والحطيئة، وحسان ن ثابت، والنابغة

стр. 384

الجعدي، وعمر بن أبي ربيعة، والأخطل، والفرزدق، وجرير، والكميت، وجميل، وكثير، ونصيب والراعي، وذو الرمة. (١) كعب بن زهير هو كعب بن زهير بن أبي سلمى أحد فحول المخضرمين ومادح النبي ولما ظهر الإسلام ذهب أخوه بجير إلى رسول الله ﷺ فغضب كعب لإسلامه وهجاه وهجا رسول الله وأصحابه، فتوعده النبي ﷺ وأهدر دمه فحذره أخوه العاقبة إلا أن يجيء إلى النبي مسلماً تائباً، فهام كعب يترامى على القبائل أن تجيره فلم يجره أحد، فلما ضاقت الأرض في وجهه جاء أبا بكر ﵁ بالمدينة وتوسل به إلى الرسول فأقبل هو عليه وآمن وأنشده قصيدته المشهورة: بانت سعادُ فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول فخلع عليه النبي بردته فبقيت في أهل بيته حتى باعوها لمعاوية بعشرين ألف درهم ثم بيعت للمنصور العباسي بأربعين ألفاً، ومات سنة ٢٤هـ?. شعره: كان كعب من الشعراء المجيدين المشهورين بالسبق وعلو الكعب في الشعر، وكان خلف الأحمر أحد علماء الشعر يقول: لولا قصائد لزهير ما فضلته على ابنه كعب، وكفاه فضلاً أن الحطيئة مع ذائع شهرته رجاه أن ينوه به في شعره فقال: فمن للقوافي شأنها من يحوكها ... إذا ما مضى كعب وفوز جرول

стр. 385

ومن شعره قوله في قصيدته بانت سعاد:

стр. 386

وقاتل كل خليل كنت آمله ... لا ألهينّك إني عنك مشغول فقلت خلّوا سبيلي "لا أبالكم" ... فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوماً على آلة حدباء محمول نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظٌ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنبْ وقد كثرت فيَّ الأقاويل ومن قوله: لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعيّ الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهمُّ منتشر فالمرءُ ما عاش ممدود له أملٌ ... لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر ومن قوله أيضاً: إن كنت لا ترهب دمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل فاخش إذ أنا منصت ... فيك لمسوع خنا القائل فالسّامع الدم شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل مقاله السُّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذموه بالحقّ وبالباطل (٢) الخنساء هي السيدة تماضر الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية، أرقى شواعر العرب، وأحزن من بكى وندب. كان أبوها عمرو، وأخواها معاوية وصخر، وكانت هي من أجمل نساء زمانها فخطبها دريد بن الصمة فارس جشم، فرغبت عنه، وآثرت التزوج من قومها فتزوجت منهم، وكانت تقول المقطعات من الشعر فلما قتل شقيقها معاوية ثم أخوها لأبيها صخر، جزعت عليهما جزعاً شديداً، وبكتهما بكاءً مراً، وكان أشد وجدها على صخر: لأنه شاطرها هي وزوجها أموالها مراراً ولما جاء الإسلام

стр. 387

وفدت مع قومها على النبي ﷺ ، وأسلمت وكان يعجبه شعرها ويستنشدها ويقول هيه يا خناس، ويومئ بيده. وما فتئت تبكي صخراً قبل الإسلام وبعده حتى عميت، وبقيت إلى أن شهدت حرب القادسية مع أولادها الأربعة، فأوصتهم وصيتها المسرة وحضتهم على الصبر عند الزحف فقتلوا جميعاً، فقال: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، ولم تحزن عليهم حزنها على أخويها، وتوفيت سنة ٢٤هـ?. شعرها: أغلب علماء الشر على أنه لم تكن امرأة قبل الخ=نساء ولا بعدها أشعر منها، ومن فضل ليلى الأخيلية عليها لم ينكر أنها ارثى النساء وكان شار يقول لم تقل امرأة شعراً إلا ظهر العف فيه لقيل وكذلك الخنساء فقيل تلك التي غلبت الفحول، ولم يكن شأنها عند شعراء الجاهلية أقل منه عند شعراء الإسلام فذلك النابغة الذبياني يقول لها وقد أنشدته بسوق عكاظ قصيدتها التي مطلعها: قذى بعينيك أم بالعين عوّار ... أمة ذرَّفت إذ خلت من أهلها الدارُ لولا أن أبا بصير (يعني الأعشى) أنشدني قبلك لقلت أنك اشعر من بالسوق، وسئل جرير من أشعر الناس قال أنا لولا الخنساء، قيل فبم فضلتك قال بقولها: إن الزمان (وما يفنى له عجبُ) ... أبقى لنا ذنباً واستوصل الراس إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس ومن جيد شعرها ترثي أخاها صخراً: أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر النَّدى ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السّيدا رفيع العماد طويل النّجا ... د ساد عشيرته أمردا

стр. 388

إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مدّ إليه يدا فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم انتمى مصعدا يحملّه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا وإذن ذكر المجد ألفيته ... تأزّر بالمجد ثم ارتدى ومن قولها ترثيه أيضاً: ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... فقد أضحكتني زمناً طويلاً دفعت بك الخطوب وأنت حيٌّ ... فمن ذا يدفع الخط الجليلا إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيتُ بكاءك الحسن الجميلا ومن بديع قولها: يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس فلولا كثرةُ الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي ولكن لا أزال أرى عجولاً ... ونائحة تنوح ليوم نحس هما كلتاهما تبكي أخاها ... عشية رزئه أو غبّ أمس وما يبكين مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسيّ فقد ودّعت يوم فراق صخر ... أبي حسان لذاتي وأنسي فيا لهفي عليه ولهف أمي ... أيصبح في الضّريح وفيه يمسي (٣) الخطيئة هو أبو بكر جرول الحطيئة العبسي، نشأ كما قال الأصمعي جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النفس كثير الشر قليل الخير بخيلاً قبيح المنظر رث الهيئة مغموز النسب فاسد الدين، وعاش الحطيئة مدة في الجاهلية وجاء الإسلام فأسلم ولم يكن له صحية برسول الله ﷺ ، ثم عاش متنقلاً في القبائل يمدح تارة ويذم تلك أخرى، وينتسب إلى عس طوراً وطوراً إلى ذهل ويهجو

стр. 389

اليوم من يمدحه بالأمس، وكل قبيلة تخطب وده وتنقي شر لسانه حتى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حبس الحطيئة فما زال يستشفع إليه الناس وقول الشعر حتى أطلقه وهدده بقطع لسانه إن هجا أحداً، واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، وكنه نكث وأوغل في الهجاء بعد موت عمر، وبقي كذلك حتى مات أوائل خلاف معاوية. شعره: لولا ما وصم به الحطيئة من خسة النفس ودناءة الخلق وجهالة النسب لكان بإجادته في كل ضرب من ضروب الشعر شاعر المخضرمين على الإطلاق إلا أنه لم يقف ببراعته وفصاحته موقفاً لله ولا للشرف، وقلما يوجد في كلام الحطيئة مظنة ضعف أو مغمز لغامز من ركاكة لفظ أو غضاضة معنى أو اضطراب قافية ومن مدحه الذي لا يلحق فيه غبار قوله: يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد أقلوا عليهم (لا أبا لأبيكم) ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدروا مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجد ويعذلني أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد ومن أبياته التي استعطف بها أمير المؤمنين عمر وهو في سجينه قوله: ط ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر أنت الأمين الذي من بعد صاحبه ... ألقي إليك مقاليد النهى البشر لم يؤثروك بها إذا قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الخير

стр. 390

(٤) حسان بن ثابت هو أبو الوليد حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول اله ﷺ وأشعر شعراء المخضرمين. وهو من بني النجار من أهل المدينة، نشأ في الجاهلية ونبه شأنه فيها، ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وأسلم الأنصار، واسلم معهم ودافع عنه بلسانه كما دافع عنه قومه الأنصار بسيوفهم. وعاش حسان بعد رسول الله محبباً إلى خلفائه مرضياً عنه وعمره قريباً من ١٢٠ سنة، وبقي أكثر حياته متمتعاً بحواسه وعقله، وحتى وهن جسمه في أواخر عمره وكف بصره، ومات في خلافة معاوية سنة ٥٤هـ?. شعره: كان حسان شاعر أهل المدر في الجاهلية وشاعر اليمانية في الإسلام ولم يكن في أصحاب الرسول الله ﷺ ولا في أعجائه عند عودته إلى الله أشعر منه، ولذلك رم مشركي قريش من لسانه بالداهية لم يكن قبل بها فأوجعهم وأخرسهم من غير فحش لا هجر، ولما أذن له النبي في هجائهم قال له كيف تهجوهم وأنا منهم، قال: اسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين، وكان رسول الله ﷺ ينصب له منبراً بالمسجد ويسمع هجاءه في أعدائه ويقول: (أجب عني اللهم أيده بروح القدس) وكان في شعر حسان زمن الجاهلية شدة وغرابة لفظ فلما أسلم وسمع القرآن ووعاه وكثر ارتجاله الشعر لأن شعره سهل وأسلوبه، ومن شعره في الجاهلية: ولقد تقلدنا العشيرة أمرها ... ونسود يوم النائبات ونعتلي ويسود سيدنا حجاجح سادة ... ويصيب قائلنا سواء المفصل ونحاول الأمر المهمَّ خطاية ... فيهم ونفصل كلَّ أمر معضل وتزو أبواب الملوك ركابنا ... ومتى نحكَّم في البرية نعدل ومن شعره في الإسلام يفاخر وفد تميم بقوم رسول الله ﷺ :
следующие страницы →