Полный текст (685 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وقاتل كل خليل كنت آمله ... لا ألهينّك إني عنك مشغول
فقلت خلّوا سبيلي "لا أبالكم" ... فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوماً على آلة حدباء محمول
نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظٌ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنبْ وقد كثرت فيَّ الأقاويل
ومن قوله:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعيّ الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهمُّ منتشر
فالمرءُ ما عاش ممدود له أملٌ ... لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر
ومن قوله أيضاً:
إن كنت لا ترهب دمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل
فاخش إذ أنا منصت ... فيك لمسوع خنا القائل
فالسّامع الدم شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل
مقاله السُّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذموه بالحقّ وبالباطل
(٢) الخنساء
هي السيدة تماضر الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية، أرقى شواعر العرب، وأحزن من بكى وندب.
كان أبوها عمرو، وأخواها معاوية وصخر، وكانت هي من أجمل نساء زمانها فخطبها دريد بن الصمة فارس جشم، فرغبت عنه، وآثرت التزوج من قومها فتزوجت منهم، وكانت تقول المقطعات من الشعر فلما قتل شقيقها معاوية ثم أخوها لأبيها صخر، جزعت عليهما جزعاً شديداً، وبكتهما بكاءً مراً، وكان أشد وجدها على صخر: لأنه شاطرها هي وزوجها أموالها مراراً ولما جاء الإسلام
стр. 387
وفدت مع قومها على النبي ﷺ ، وأسلمت وكان يعجبه شعرها ويستنشدها ويقول هيه يا خناس، ويومئ بيده.
وما فتئت تبكي صخراً قبل الإسلام وبعده حتى عميت، وبقيت إلى أن شهدت حرب القادسية مع أولادها الأربعة، فأوصتهم وصيتها المسرة وحضتهم على الصبر عند الزحف فقتلوا جميعاً، فقال: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، ولم تحزن عليهم حزنها على أخويها، وتوفيت سنة ٢٤هـ?.
شعرها: أغلب علماء الشر على أنه لم تكن امرأة قبل الخ=نساء ولا بعدها أشعر منها، ومن فضل ليلى الأخيلية عليها لم ينكر أنها ارثى النساء وكان شار يقول لم تقل امرأة شعراً إلا ظهر العف فيه لقيل وكذلك الخنساء فقيل تلك التي غلبت الفحول، ولم يكن شأنها عند شعراء الجاهلية أقل منه عند شعراء الإسلام فذلك النابغة الذبياني يقول لها وقد أنشدته بسوق عكاظ قصيدتها التي مطلعها:
قذى بعينيك أم بالعين عوّار ... أمة ذرَّفت إذ خلت من أهلها الدارُ
لولا أن أبا بصير (يعني الأعشى) أنشدني قبلك لقلت أنك اشعر من بالسوق، وسئل جرير من أشعر الناس قال أنا لولا الخنساء، قيل فبم فضلتك قال بقولها:
إن الزمان (وما يفنى له عجبُ) ... أبقى لنا ذنباً واستوصل الراس
إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس
ومن جيد شعرها ترثي أخاها صخراً:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر النَّدى
ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السّيدا
رفيع العماد طويل النّجا ... د ساد عشيرته أمردا
стр. 388
إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم انتمى مصعدا
يحملّه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
وإذن ذكر المجد ألفيته ... تأزّر بالمجد ثم ارتدى
ومن قولها ترثيه أيضاً:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... فقد أضحكتني زمناً طويلاً
دفعت بك الخطوب وأنت حيٌّ ... فمن ذا يدفع الخط الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيتُ بكاءك الحسن الجميلا
ومن بديع قولها:
يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس
فلولا كثرةُ الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
ولكن لا أزال أرى عجولاً ... ونائحة تنوح ليوم نحس
هما كلتاهما تبكي أخاها ... عشية رزئه أو غبّ أمس
وما يبكين مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسيّ
فقد ودّعت يوم فراق صخر ... أبي حسان لذاتي وأنسي
فيا لهفي عليه ولهف أمي ... أيصبح في الضّريح وفيه يمسي
(٣) الخطيئة
هو أبو بكر جرول الحطيئة العبسي، نشأ كما قال الأصمعي جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النفس كثير الشر قليل الخير بخيلاً قبيح المنظر رث الهيئة مغموز النسب فاسد الدين، وعاش الحطيئة مدة في الجاهلية وجاء الإسلام فأسلم ولم يكن له صحية برسول الله ﷺ ، ثم عاش متنقلاً في القبائل يمدح تارة ويذم تلك أخرى، وينتسب إلى عس طوراً وطوراً إلى ذهل ويهجو
стр. 389
اليوم من يمدحه بالأمس، وكل قبيلة تخطب وده وتنقي شر لسانه حتى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حبس الحطيئة فما زال يستشفع إليه الناس وقول الشعر حتى أطلقه وهدده بقطع لسانه إن هجا أحداً، واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، وكنه نكث وأوغل في الهجاء بعد موت عمر، وبقي كذلك حتى مات أوائل خلاف معاوية.
شعره: لولا ما وصم به الحطيئة من خسة النفس ودناءة الخلق وجهالة النسب لكان بإجادته في كل ضرب من ضروب الشعر شاعر المخضرمين على الإطلاق إلا أنه لم يقف ببراعته وفصاحته موقفاً لله ولا للشرف، وقلما يوجد في كلام الحطيئة مظنة ضعف أو مغمز لغامز من ركاكة لفظ أو غضاضة معنى أو اضطراب قافية ومن مدحه الذي لا يلحق فيه غبار قوله:
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
أقلوا عليهم (لا أبا لأبيكم) ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدروا
مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجد
ويعذلني أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد
ومن أبياته التي استعطف بها أمير المؤمنين عمر وهو في سجينه قوله: ط
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الأمين الذي من بعد صاحبه ... ألقي إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذا قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الخير
стр. 390
(٤) حسان بن ثابت
هو أبو الوليد حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول اله ﷺ وأشعر شعراء المخضرمين.
وهو من بني النجار من أهل المدينة، نشأ في الجاهلية ونبه شأنه فيها، ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وأسلم الأنصار، واسلم معهم ودافع عنه بلسانه كما دافع عنه قومه الأنصار بسيوفهم.
وعاش حسان بعد رسول الله محبباً إلى خلفائه مرضياً عنه وعمره قريباً من ١٢٠ سنة، وبقي أكثر حياته متمتعاً بحواسه وعقله، وحتى وهن جسمه في أواخر عمره وكف بصره، ومات في خلافة معاوية سنة ٥٤هـ?.
شعره: كان حسان شاعر أهل المدر في الجاهلية وشاعر اليمانية في الإسلام ولم يكن في أصحاب الرسول الله ﷺ ولا في أعجائه عند عودته إلى الله أشعر منه، ولذلك رم مشركي قريش من لسانه بالداهية لم يكن قبل بها فأوجعهم وأخرسهم من غير فحش لا هجر، ولما أذن له النبي في هجائهم قال له كيف تهجوهم وأنا منهم، قال: اسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين، وكان رسول الله ﷺ ينصب له منبراً بالمسجد ويسمع هجاءه في أعدائه ويقول: (أجب عني اللهم أيده بروح القدس) وكان في شعر حسان زمن الجاهلية شدة وغرابة لفظ فلما أسلم وسمع القرآن ووعاه وكثر ارتجاله الشعر لأن شعره سهل وأسلوبه، ومن شعره في الجاهلية:
ولقد تقلدنا العشيرة أمرها ... ونسود يوم النائبات ونعتلي
ويسود سيدنا حجاجح سادة ... ويصيب قائلنا سواء المفصل
ونحاول الأمر المهمَّ خطاية ... فيهم ونفصل كلَّ أمر معضل
وتزو أبواب الملوك ركابنا ... ومتى نحكَّم في البرية نعدل
ومن شعره في الإسلام يفاخر وفد تميم بقوم رسول الله ﷺ :
стр. 391
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سننا للناس تتّبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قومٌ إذا حاربوا ضرّوا عدّوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق (فاعلم) شرُّها البدعُ
لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا
إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبعُ
وعفّة ذكرت في الوحي عفّتهم ... لا يطمعون ولا يزري بهم طمعُ
لا يفخرون إذا نالوا عدّوهم ... وإن أصيبوا فلا خورٌ ولا جزعُ
(٥) النابغة الجعدي
هو أبو ليلى حسان بن تعبد الله الجعدي العامري أحد القدماء المعمرين ولشعراء المخضرمين، ووصاف الخيل المشهورين.
قال الشعر في الجاهلية ثم أجبل دهراً، ثم نبغ في الشعر عند ظهور الإسلام وبعده: ولذلك سمي النابغة، وهو ممن فكر في الجاهلية، وأنكر الخمر وما تفعل العقل، وهجر الأزلام والأوثان، وذكر دين إبراهيم، وصام واستغفر، ووفد على رسول الله ﷺ .
وعاش طويلاً في الإسلام، فأقام زمناً مهاجراً حتى أيام عثمان ﵁ فأحس بضعف في نفسه، فاستأذن عثمان في الرجوع إلى البادية فأذن له، ثم كانت خلافة علي شهد معه وقائعه صفين، وظاهره بيده ولسانه، ونال من معاوية وبني أمية، ومكان بأصبهان سنة ٥٨هـ? عد أن عمّر مائة وثمانين سنة.
شعره: كان النابغة الجعدي شاعراً مطبوعاً في الجاهلية والإسلام، وهو أول من سبق إلى الكناية في الشعر عن اسم من يغني إلى غيرها وتبعه الناس بعد، قال:
أكنى بغير اسمها وقد علم لل ... هـ خفيات كلّ مكتتم
стр. 392
وكان ممن يصون الخيل فلا يلحق له في ذلك غبار، حتى ضرب به المثل قال الأصمعي: ثلاثة يصفون الخيل فلا يقاربهم أحد: طفيل الغنوي وأبو داود الإيادي، والنابغة الجعدي، وله في الفخر والهجا والمديح والرثاء شعر كثير ومن أشرفه قصيدته التي مدح بها الرسول الكريم وهي:
خليلي عوجا ساعةً وتهجّرا ... ونوحا على ما أحدث الدهر أو ذرا
ولا تجزعا إن الحياة ذميمة ... فخفَّات لروغعات الحوادث أوقرا
وإن جاء أمر لا تطيقان معه ... فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
ألم تريا أن الملامة نفعها ... قليل إذا ما الشيء ولّى وأدبر
تهيج البكاء والندامة ثم لا ... تغير شيئاً غير ما كان قدرا
أتيت رسول الله إذا جاء بالهدى ... ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا
أقيم على التقوى وأرضي بفعلها ... وكنت من النار المخوفة.. أحذرا
ومنها في الفخر:
وإنا لقوم ما تعوّد خيلنا ... إذا ما التقيا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ولا خير في حلم مجدنا إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوة أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ولما سمع رسول الله ﷺ (بلغنا السماء البيت) قال فأين المظهر يا أبا ليلى ثقال الجنة، وقال إن شاء الله، ولما أتم قصيدته قال له الرسول أجدت لا يفضض اله فاك فأتت عليه مائة سنة أو نحواها وما انفضت من فيه سن.
(٦) عمر بن أبي ربيعة
هو أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي المخزومي اشعر قريش وأرثق أصحاب الغزل، وأوصف الشعراء لأحوال النساء.
стр. 393
ولد بالمدينة ليلة مات عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكانت أمه نصرانية، وكان أبوه تاجراً موسراً وعاملاً لرسول الله ﷺ ولخلفا الثلاثة من بعده فشب في نعيم وترف، وقال الشعر صغيراًُ وسلك فيه طريق الغزل ووصف أحوال النساء وتزاورهن ومداعبة بعضهن لبعض وتعرض للمحصنات المتعففات من نساء قومه من غيرهن، فوقعن منه في بلاء عظيم وصرن يخفن الخروج إلى الحج لأنه كان يتلقاهن مكن ويترقب خروجهن للطوف والسعي ويصفهن وهن محرمات، وحلمت عليه رجالات قريش لمكانه نسبه منهم ولترقب توبته وإقلاعه، فلما تمادى في أمره وشبب ببنات السادات ولخلفاء غضب عمرو بن عبد العزيز ونفاه إلى جزيرة أمام المدينة مصوع، ثم رأى أن الكفر عن سيئاته بالتوبة والجهاد فغزا في البحر فاحترقت السفينة التي كان فيها واحترق هو أيضا سنة ٩٣هـ?.
شعره: رقيق بلفظ رشيق ومعنى أنيق حتى قال فيه جرير هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته وقد سلك الغزل طريقاً لم يسلكوه: ومن قوله المشهور:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
стр. 394
(٧) الأخطل
هو أبو مالك غياث الأخطل بن غوث التغلبي النصراني، شاعر الأمويين وأمدح ثلاثة شعرائهم المتقدمين والمتفرد بوصف الخمر دون الإسلاميين قال الشعر وهو صبي وما لبث أن زاحم شاعر تغلب وقتئذٍ (كعب بن جعيل) وهجاه وظهر عليه ولما طلب يزيد ن معاوية قبل أن يلي الخلافة من كعب هجاء الأنصار
стр. 395
لتعرض حسان بن ثابت الأنصاري لأخته في شعره أبى عليه ذلك كعب، وقال أأهجو قوماً نصروا رسول الله ﷺ وآووه: ولكني أدللك على الأخطل فبعث إليه وأمره بهجائهم فهجاهم بقصيدة منها:
ذهبت قريش بالسَّماحة والنّدى ... واللؤم تخت عمائم الأنصار
فدعو المكارم لستم من أهلها ... وخذوا مساحيكم بني النَّجار
وبلغ الشعر كبار الأنصار فغضبوا وشكوه إلى معاوية فوعدهم بقطع لسانه فاستجار بيزيد، فمازال بأبيه حتى عفا عنه ولما ول يزيد الخلافة قربه غليه وتابعه في ذلك خلفاء بني أمية، وبخاصة عبد الملك إذا كان يستعين هـ على أعدائه فقربه إليه وأدناه وسمح له بالدخول عليه بلا إذن وأجزل له العطايا وسماه شاعر الخليفة.
ولما حدثت المهاجاة بين جرير والفرزدق وحكم فيهما أيهما اشعر عرض بتفضيل الفرزدق، فهجا جرير، فرد عليه الأخطل وكانت الشيخوخة قد بلغت منه فلم يلحق جريراً، وكان الأخطل يقيم أزماناً بدمشق وأحياناً ببلاده منم أرض الجزيرة ومات سنة ٩٥هـ? وقد نيف على السبعين.
شعره: كان الأخطل أحد الشعراء الثلاثة السابقين سواهم من فحول الإسلاميين وكان مطبوعاً على الشعر بعيداً عن التكلف والعمق فيه وامتاز بإجادته المديح والإبداع في معانيه، قال يمدح بني أمية ويخص بشر بن مروان:
إن يحلموا عناك فالأحلام شيمتهم ... والموت ساعة يحمى منهم الغضب
كأنهم عند ذاكم ليس بينهم ... وبين من حاربوا قربة ولا نسب
كانوا موالي حق يطلبون به ... فأدركوه وما ملوا ولا لغبوا
إن يك للحق أسباب يمد بها ... ففي أكفهم الأرسان والسبب
هم سعوا بابن عفان الإمام وهم ... بعد الشماس مروها ثمت احتلبوا
стр. 396
ومنها:
إذا أتيتَ أبا مروان تسأله ... وجدته حاضراه الجودُ والحسب
ترى إليه رفاقَ الناس سائلة ... من كل أوبٍ على أبوابه عصبُ
يحتضرون سجالا من فواضله ... والخيرُ محتضر أبوابه عصبُ
والمطعم الكوم لا ينفك يعقرها ... إذا تلاقى رواق البيت واللهبُ
كأن حيرانها في كل منزلةٍ ... قتلى مجردة الأوصال تستلبُ
ومن أفضل شعره قوله:
والناس همهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال
(٨) الفرزدق
هوب أبو فراس همام بن غالب التميمي الدارمي أفخر ثلاثة الشعراء الأمويين وأجزل المقدمين في الفخر والمدح والهجاء.
ولد سنة ١٥ هـ ونشأ بالبصرة. وأتى بها أبوه يوماً إلى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه فسأله عنه. فقال ابني يوشك أن يكون شاعراً مجيداً. فقال له أقرئه القرآن فأقرأه وحفظه ثم رحل إلى خلفاء بني أمي بالشام ومدحهم ونال جوائزهم، وأخص من كان يمدحه منهم عبد الملك بن مروان ثم أولاده من بعده. وكان الفرزدق فوق إقذاعه في الهجو وفحشه في السباب وقذف المحصنات يرمى بالفجور وقلة التمسك بشعائر الدين ثم تاب في أواخر شيخوخته على يد حسن البصري. وكان فيه تشيّع يستره أيام اختلافه إلى بني أمية ثم كاشف به آخر حياته حتى أمام الخليفة هشام عندما رأى الناس تفسح طريق الطواف بالكعبة مهابة وإجلالاً لعلي بن الحسين فسأله عنه كالمتجاهل لأمره، فشق ذلك على الفرزدق
стр. 397
وأنشد قصيدته الميمية الآتية يعرّف بعلي وينكر على هشام تجاهله، فحبسه هشام ثم أطلقه. وعاش الفرزدق قريباً من مائة سنة ومات بالبصرة سنة ١١٠ هـ.
شعره: يمتاز شعر الفرزدق بفخامة عبارته، وجزالة لفظه، وكثرة غريبه ومداخلة بعض ألفاظه في بعض، ولذلك يعجب به أهل اللغة والنحو وكان يقال (لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث اللغة) ويعتبر الفرزدق من أفخر شعراء العرب وأشدهم ولوعاً بتعداد مآثر آبائه وأجداده.
ومن جيد شعره قوله يمدح علي بن الحسين:
هذا الذي تعرفُ البطحاء وطأته ... والبيتُ يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التقي النقيُّ الطاهر العلمُ
وليس قولك من هذا بضائره ... العربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجمُ
إذا رأته قريشٌ قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ
يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلا حين يبتسمُ
بكفه خيزرانٌ ريحها عبقٌ ... من كف أروع في عرنينه شممُ
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلمُ
ينشقُّ ثوب الدّجى عن نور غرته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلمُ
من معشر حبّهم دينٌ وبغضهم ... كفرٌ وقربهم منجّى ومعتصمُ
إن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
(٩) جرير
هو أبو حزرة بن عطية بن الخطفى التميمي اليربوعي: أحد فحول
стр. 398
الشعراء الإسلاميين، وبلغاء المداحين الهجائين، وأنسب ثلاثتهم المفلقين، وهو من بني يربوع أحد أحياء تميم، ولد باليمامة سنة ٤٢ هـ ونشأ بالبادية وفيها قال الشعر ونبغ. وكان يختلف إلى البصرة في طلب الميرة ومدح الكبراء، فرأى الفرزدق وما كسبه الشعر من منزلة عند الأمراء والولاة وهو تميمي مثله وود لو يسبقه إلى ما ناله، وأغراه قومه به للتنويه بشأنهم فوقعت بينهما المهاجاة عشر سنين كان أكثر إقامة جرير أثناءها في البادية، وكان الفرزدق مقيماً بالبصرة يملأ عليه الدنيا هجاء وسبا. فما زال به بنو يربوع حتى أقدموه البصرة واتصل بالحجاج ومدحه فأكرمه ورفع منزلته عنده، فعظم أمره وشرق شعره وغرب حتى بلغ الخليفة عبد الملك فسد الحجاج عليه، فأوفده الحجاج مع ابنه محمد إلى الخليفة بدمشق ومات باليمامة سنة ١١٠هـ.
وكان في جرير على هجائه للناس عفة ودين وحسن خلق ورقة طبع.
شعره: اتفق علماء الأدب وأئمة نقد الشعر على أنه لم يوجد في الشعراء الذين نشأوا في ملك الإسلام أبلغ من جرير والفرزدق والأخطل وإنما اختلفوا في أيّهم أشعر ولكل هوى وميل في تقديم صاحبه: فمن كان هواه في رقة النسيب وجودة الغزل والتشبيه، وجمال اللفظ ولين الأسلوب والتصرف في أغراض شتى، فضل الفرزدق، ومن نظر بعد بلاغة اللفظ، وحسن الصوغ إلى أجادة المدح والإمعان في الهجاء واستهواه وصف الخمر واجتماع الندمان عليها، حكم للأخطل. وإن له في كل باب من الشعر أبياتاً سائرة هي الغاية التي يضرب بها المثل فيقال أن أغزل شعر قالته العرب هو قوله:
стр. 399
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّب حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله إنسانا
وإن أمدح بيت قوله:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وإن أفخر بيت قوله:
إن غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا
وإن أهجى بيت مع التصون عن الفحش قوله:
فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وإن أصدق بيت قوله:
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس مولعة بحبّ العاجل
وإن أشد بيت تهكماً قوله: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً=أبشر بطول سلامة يا مربعُ ومن جيد شعره قوله من قصيدة يرثي بها امرأته والتي هي ندبت بها نوار امرأة الفرزدق:
لولا الحياءُ لهاجني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولهت قلبي إذا علتني كبرة ... وذوو التمائم من بنيك صغار
لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل ويكرّ عليهم ونهار
صلّى الملائكة الذين تخيروا ... والطيبون عليك والأبرار
فلقد أراك كسيت أحسن منظرٍ ... ومع الجمال سكينة ووقارُ
(١٠) الكميت
هو الشاعر الخطيب الراوية النسابة أبو المستهل الكميت بن زيد الأسدي الكوفي
стр. 400
أشعر شعراء الشيعة الهاشمية، ومثير عصبية العدنانية على القحطانية ولد سنة ٦٠هـ ونشأ بالكوفة بين قومه بني أسد إحدى قبائل العرب الفصحاء من مضر فلقن العربية، وعرف الأدب والرواية، وعلم أنساب العرب وأيامها ومثالبها بمدارسة العلم والأخذ عن الأعراب، وكان له جدتان أدركتا الجاهلية تقصان عليه أخبارها وأشعار أهلها، فخرج أعلم أهل زمانه في ذلك وأقر له حماد الراوية بالسبق عليه وقال الكميت الشعر وهو صغير وكان لا يذيعه ولا يتكسب به، ويكتفي بحرفته تعليم صبيان الكوفة بالمسجد، ولما حصف شعره وقوي أثره، ولا سيما قصائده التي أعلن فيها تشيعه لبني هاشم وآل علي، أنشده الفرزدق مستنصحاً له في أمر إذاعته إذا أعجبه، فأمره بإذاعته فقال قصائده البليغة المطولة المسماة "بالهاشميات" التي يقول فيها:
طربتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ ... ولا لعباً مني وذو الشيب يلعبُ
ولم يلهني دارٌ ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنانٌ مخضّبُ
ولا السانحات البارحات عشية ... أمرَّ سليم القرن أم مر أعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنُّهى ... وخير بني حواء والخير يطلب
بني هاشم رهط النبي فإنني ... بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
خفضت لهم مني الجناح مودة ... إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
وما لي إلا آل أحمد شيعةٌ ... وما لي إلا مذهب الحقّ مذهب
بأي كتاب أم بأيّة سنة ... يرى حبّهم عاراً علي ويحسب
شعره: لشعره من التأثير السياسي والمذهبي أثر سيئ شتت شملة الوحدة العربية.
стр. 401
الرواية والرواة
ظهر العرب وعمدة العرب في ضبط علومهم وآدابهم على الحفظ والرواية: فجاءهم من كتاب الله وسنة رسوله بالأمر الخطير، والعلم الكثير فكانت عنايتهم بحفظها في الصدور أكثر من كتابتها في السطور. ولما اتسع علم المسلمين بما أضيف إليهما من تفسير الصحابة والتابعين ومن أقوالهم في الدين تعدد طوائف الرواة للقرآن والحديث وفنون الأدب.
وإذا كان الإنسان عرضة للنسيان، وأحوال الناس تختلف في الصدق والكذب تشدد الصحابة والتابعون وتابعوهم في تصحيح الرواية وشدة التوثق من صدق الرواة تحرجاً منهم أن يدخل في الدين ما ليس منه.
ولما خاف سيدنا عمر بن عبد العزيز أن تموت السنة الصحيحة بموت رواتها وبما وضعه الزنادقة والشيعة والخوارج ودسوه فيها، أمر العلماء بتدوين الحديث وبقي الأمر في الشعر والأدب كما كان في الجاهلية: لكل شاعر راو أو عدة رواة. ومن أشهر هؤلاء هدبة بن خشرم رواية الحطيئة، وجميل رواية هدبة، وكثير رواية جميل، وأبو شفقل وعبيد أخو ربيعة بن حنظلة رواية الفرزدق، ومربع رواية جرير والفرزدق معاً، ومحمد بن سهل راوية الكميت، وصالح بن سليمان راوية ذي الرومة وذو الرمة راوية الراعي.
وبقي الأمر كذلك حتى أواخر هذا العصر فاشتعل العلماء بالرواية وصار الراوي منهم يروي لمئات من الشعراء والشواعر وإن لم يكن هو شاعراً وأكثر هؤلاء العلماء من الرواة أدرك عصر بني العباس فيذكر فيه. ومع تشدد الناس في تصحيح الرواية سنة وأدباً حدث في الشعر والخطب كثير من التصحيف والتحريف والنقص والزيادة ونحو ذلك.
стр. 402
العصر الثالث عصر الدولة العباسية من ١٣٢ ٦٥٦ هـ "أحوال اللغة العربية وآدابها في ذلك العصر"
كان بنو أمية شديدي التعصب للعرب والعربية، فكان كل شيء في دولتهم عربي الصبغة، وكانت جمهرة العرب منتشرة في كل مكان امتد إليه سلطانها فلما قامت الدولة العباسية بدعوتها، لم تجد لها من العرب أنصاراً وأعواناً مثل من وجدت من الفرس وأمم الأعاجم، فاكتسحت بهم دولة بني أمية وأسست دولة قوية كان أكثر النفوذ فيها للموالي. فاستخدمهم الخلفاء والأمراء في كل شيء من سقاية الماء إلى قيادة الجيوش والوزارة، وابتدأ شأن العرب السياسي يتضاءل من ذلك الحين شيئاً فشيئاً واختلطوا بالأعاجم وكان من المجموع شعب ممتزج لغة وعادة وخلقاً فأثر ذلك في اللغة لفظاً ومعنى، وشعراً ونثراً كتابةً وتأليف ولم يظهر ذلك بالطبع في جميع الممالك بنسبة واحدة بل كان في أواسط آسيا أظهر منه في مصر الشام. أما حال ممالك الغرب والأندلس صدر في هذا العصر فلم يبعد كثيراً عما كان عليه في العصر الماضي ثم سرت إليها عدوى تقليدها للمشارقة في أكثر الأمور.
стр. 403
ويمكن إرجاع جميع هذه التغيرات إلى ثلاثة أمور "الأول" ما يتعلق بالأغراض التي تؤديها اللغة "الثاني" ما يتعلق بالمعاني والأفكار "الثالث" ما يتعلق بالألفاظ والأساليب.
أغراض اللغة
لما قامت الدولة العباسية وتشبّه الخلفاء بملوك الفرس في أكثر أمور السياسة والمعيشة، وحاكتهم العامة في ذلك بتقليد أمثالهم من طبقات الأعاجم، تناولت اللغة في المشرق أغراضاً لم تعهد فيها من قبل بنقل علوم تلك الأمم وآدابها وعاداتها وطرق معيشتها. ثم تناولت هذه الأغراض في الغرب بعدئذٍ بفرق يسير فكان من تلك الأغراض ما يأتي: (١) تدوين العلوم الشرعية واللسانية والعقلية ولم يدون في صدر الإسلام من ذلك إلا نذر يسير، وكذا الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية.
(٢) تأدية مقاصد الصناعات المختلفة، وخاصة بعد دخول العرب في غمار الصناع وبعد تغرب الأعاجم.
(٣) تأدية المقاصد التي استدعاها الانغماس في الترف بلذائد الحضارة التي جرت فيها الأمم عصر الدولة العباسية إلى أمد بعيد، أو اقتضاها نظام الملك والدفاع عنه. كالإمعان في وصف الأشياء النفسية مما لم يعرف للعرب في صدر الإسلام أو عرف وكان قليلاً ممقوتاً صاحبه، وكوصف البحر والأساطيل الحربية والمعارك البحرية. وامتاز بأكثر من ذلك المغرب والأندلس كما امتازت الأندلس بالإجادة في وصف مناظر الطبيعة ومحاسن الوجود لملائمة بيئتها لذلك، وكادت تلحق بها في الوصف صقلية وأفريقية إبان ازدهائهما.
(٤) تأدية مقاصد أنواع الخلاعة والسخرية مما قل نظيره في صدر الإسلام.
(٥) المحاضرة والمناظرة والبحث والجدل وتدريس العلوم.
стр. 404
المعاني والأفكار
إن ما حدث في مشارق الممالك الإسلامية ومغاربها أثناء العصر العباسي من الانقلابات السياسية والاجتماعية كان له نتيجة ظاهرة في الحركة الفكرية للمتكلمين بالعربية ظهر ذلك في عباراتهم وأشعارهم بصور مختلفة. فمنها: (١) ازدياد شيوع المعاني الدقيقة، والتصورات الجميلة، والأخيلة البديعة.
(٢) التعويل على القياس والتعليل في الأحكام الفردية: بالإكثار من الحجج والبراهين العقلية وانتحاء مذاهب الفلسفة في الشعر والكتابة والتدريس ولا سيما بعد عصر الترجمة وأكثر ما كان ذلك بالمشرق وقلما عني به أهل المغرب.
(٣) التهويل والغلو في التفخيم المقتبس في المشرق من اللغة الفارسية والساري بعضه بالعدوى إلى أهل المغرب والأندلس.
الألفاظ والأساليب
غلب على عبارة اللغة العربية في هذه المدة أمران عظيمان: السهولة والمحسنات البديعية. ويشمل ذلك على ما يأتي: (١) انتقاء الألفاظ الرشيقة السهلة وقلة الحاجة إلى الارتجال.
(٢) ازدياد الميل إلى استعمال ألفاظ القرآن والاقتباس منه والاستشهاد به.
(٣) الإكثار من ألفاظ المجاز والتشبيه والتمثيل والكناية والمحسنات اللفظية.
(٤) التوسع في إدخال ألقاب التعظيم على أسماء الخلفاء والأمراء والعظماء.
(٥) تفاقم الخطب في استعمال الكلمات الأعجمية في كثير من الأشياء.
(٦) وضع اصطلاحات العلوم والفنون والصناعات ودار الحكومة وغيرها.
(٧) التأنق في صوغ العبارات وتوثيق الربط بينهما والميل إلى استعمال السجع.
(٨) التطرف إلى غاية حدي الأطناب والإيجاز ولكل منهما مقام.
(٩) حدوث لغة تأليفية لتعليم العلوم تقاس بمعيار المنطق لا بمعيار البلاغة.
стр. 405
وإذا كانت اللغة إما نثراً وإما شعراً والنثر محادثة، وخطابة، وكتابة، فاحفظ ما يتلى عليك.
النثر المحادثة أو (لغة التخاطب)
إن لغة التخاطب بين الخاصة من العرب في أواخر العصر الماضي كانت العربية الفصيحة الخالية من اللحن إلا من آحاد عيروا به، وأن لغة العامة والسوقة من العرب المختلطين بالعجم هي العربية المشوبة بشيء من اللحن، ولغة المتعربين من العجم تقل عن هذه في الفصاحة، وتزيد عليها في اللحن بمراتب مختلفة.
فلما تم امتزاج العرب بالعجم عصر الدولة العباسية، تكونت بين العامة في البلاد التي تكثر فيها جمهرة العرب لغات تخاطب علمية، إلا بين أهل جزيرة العرب، فلم يزل تخاطبهم باللسان العربي الفصيح إلى أواسط القرن الرابع. وبقيت لغات التخاطب في البلاد التي تقل فيها جاليتهم هي اللغات الوطنية الأعجمية ممزوجة ببعض الألفاظ العربية التي أدخلها عليها الإسلام.
وخاف الخلفاء والخاصة من هول تغلب العامية على الفصيحة فيستغلق على المسلمين فهم الكتاب والسنة وهما كل الدين، فحرضوا العلماء على تدوين اللغة والإكثار من العناية بضبط النحو وفنون البلاغة، ولكن ذلك كله لم يوقف تيار العامية الزاخر، واستمر في طغيانه إلى أن غلب في النصف الأخير من عصر هذه الدولة على جميع لغات التخاطب، حتى لغة الخلفاء وعلماء العربية أنفسهم وأصبح لكل بلاد عربية لغة تخاطب عامية خاصة بها، ولكن لم تصبح العامية لغة علم وأدب، كما وأن ذلك لم يكن طويل الأمد.
الخطابة والخطباء
لما كان قيام الدولة العباسية في المشرق والإدريسية في المغرب الأقصى
стр. 406
والأموية الثانية في الأندلس، من الأمور التي ينشأ عنها كثير من الانقلابات السياسية والمذهبية والاجتماعية. وكان ذلك يستدعي تأليف العصابات ودعوة الناس إلى التشيع لأصحاب الأحزاب كانت دواعي الخطابة متوافرة لتوافر أسبابها. فكان بين قواد هذه الدول ودعاتها وخلفائها ورؤساء وفودها خطباء مصاقع، ثم لما فترت هذه الدواعي باستقرار الدول. واشتد اختلاط العرب بالأعاجم. وتولى كثير من الموالي قيادة الجيوش وعمالة الولايات والمواسم، ضعف شأن الخطابة لضعف قدرتهم عليها، فلم يمض قرن ونصف من قيام تلك الدول حتى بطل شأن الخطابة إلا قليلاً في المغرب أيام الحفل وقدوم الوفود وبقيت الخطابة قاصرة على خطب الجمعة والعيدين والمواسم وخطب الزواج ونحو ذلك. وقل فيها الارتجال أو عدم جملةً، وحل محل الخطابة في الأمور السياسية نشر المنشورات، وفي الأمور الدينية مجالس الوعظ والتدريس في المساجد والمدارس، واشتهر في صدر الدولة العباسية خطباء أشهرهم داود بن علي ، وشيب بن شيبة.
داود بن علي
هو داود بن علي بن عبد الله بن عباس خطيب بني العباس، وأحد مؤسسي دولتهم، نشأ هو وأخوته (وكانوا اثنين وعشرين رجلاً) في قرية الحميمة من أعمال عمّان، وكان الوليد بن عبد الملك أجلى علي بن عبد الله بن عباس وأهل بيته إليها سنة ٩٥ هـ غضباً عليه.
وكان داود أحد النابغين من إخوانه، وكان بليغهم ولسانهم وأخطبهم في وقته. وعاجلته منيته قبل أن يستطير سلطانه في الدولة. ولاه أبو العباس عقب بيعته بالكوفة ولاية الكوفة وسوادها، ثم ولاه إمارة الحج في هذه السنة وولاه معها ولاية الحجاز واليمن واليمامة، فقتل من ظفر به من بني أمية في مكة والمدينة سنة ١٣٢هـ وهو أول موسم ملكه بنو العباس وخطبهم الخطبة الآتية وهي
стр. 407
(شكراً شكراً، إنا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهراً ولا لنبني فيكم قصراً أظن عدو الله أن لن نقدر عليه إن روخى له من خطامه، حتى عثر في فضل زمامه، فالآن حيث أخذ القوس باريها وعاد القوس إلى النزعة، ورجع الملك في نصابه، في أهل بيت النبوة والرحمة، (والله قد كنا نتوجع لكم ونحن في فرشنا) أمن الأسود والأحمر لكم ذمة الله، لكم ذمة رسول الله (، لكم ذمة العباس، لا ورب هذه البنية وأومأ بيده إلى الكعبة لا نهيج منكم أحداً) .
شبيب بن شيبة
هو شبيب بن شيبة بن عبد الله المنقري التميمي خطيب البصرة ونشأ بها وامتاز بنبالة نفس وسخاء كف. وحسن تواضع ونزاهة لسان كما امتاز بخطبه القصيرة البليغة القريبة من حد الإعجاز. قال الجاحظ: يقال أنهم لم يروا خطيباً كشبيب بن شيبة. فما ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة. فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره وقد يطول حتى يقول فيه الراجز:
إن غدت سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها
من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها
وعرف شبيب أبا جعفر المنصور قبل خلافته ثم اتصل به بعدها. فجعله في حاشية ولي عهده المهدي. وبقي كذلك حتى ولي المهدي الخلافة فصار من خيرة سماره وجلسائه إلى أن مات في خلافته سنة ١٦٥هـ.
ومن خطبه القصار ما عزى به المهدي يوم ماتت ابنته البانوقة وجزع
стр. 408
عليها جزعاً شديداً: "أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً. وأعقبك صبراً ولا أجهد الله بلاءك بنقمه ولا نزع منك نعمه، ثواب الله خير لك منها ورحمة الله خير لها منك، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده".
الكتابة خطية وإنشائية
الخط: تنوع في هذا العصر الخط الكوفي إلى أنواع أربت على خمسين نوعاً ومن أشهرها المحرر والمشجر والمربع والمدور والمتداخل. وبقي مستعملاً في المباني والسكة إلى حدود الألف. ثم نسي جملة وقد جددت منه أنواع في عصرنا أما تاريخ خطنا المستعمل الآن فحدث في آخر الدولة الأموية أن استنبط "قطبة المحرر" من الخط الكوفي والحجازي خطاً هو أساس الخط الذي يكتب به الآن واخترع القلم الجليل الذي يكتب به على المباني ونحوها. وقلم الطومار (الورقة الكبيرة) وهو أصغر أنواع الجليل وحسن عمله غيره من كتاب صدر الدولة العباسية حتى ظهر إبراهيم الشخري وأخوه يوسف من كتاب أواخر القرن الثاني: فولد إبراهيم من الجليل قلم الثلثين وولد يوسف من الجليل القلم الرياسي وهو قلم التوقيع.
وعن إبراهيم أخذ الأحوال المحرر من (صنائع البرامكة) واخترع قلم النصف. هذه هي أشهر الخطوط وقد تولد منها نحو من ٢٠ خطاً يختص كل منها بغرض خاص. واتفقوا على أن طول الألف يعتبر معياراً لارتفاع بقية الحروف. وأن يكون طول الألف مربع مقدار قطعة القلم.
وعن الأحول: أخذ منهدس الخط الأعظم الوزير "أبو علي محمد بن مقلة" وأخوه أبو عبد الله الحسن المتوفى سنة ٣٣٨هـ وهما اللذان تم على أيديهما هندسة خط النسخ والجليل وفروعه على الأشكال التي نعرفها الآن وأتما العمل الذي بدأ به "قطبة" فهندسا الحروف وقدرا مقاييسهما وأبعادهما وضبطاها
стр. 409
ضبطاً محكماً واخترعا له القواعد وعن الوزير ابن مقلة أخذ أبو عبد الله محمد بن أسد القارئ المتوفى سنة ٤١٠هـ. وعنه أخذ أبو الحسن علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب المتوفى سنة ٤١٣هـ وهو الذي أكمل قواعد الخط واخترع عدة أقلام وإليه انتهت الغاية. وكل من جاء بعده فهو تابع لطريقته: كأمين الدين ياقوت الملكي المتوفى سنة ٦١٨هـ كاتب السلطان ملكشاه السلجوقي. أم الأندلسيون والمغاربة فلم يعبئوا بهذا الإصلاح وبقوا يكتبون على طريقة الخط الحجازي إلى الآن بنوع من التعديل. واخترع الخليل الشكل المستعمل الآن بان كتب الضمة واواً صغيرة تكتب فوق الحرف والفتحة ألفاً والكسرة ياءً والشدة رأس شين والسكون رأس خاء وهمزة القطع رأس عين ثم اختزل شكلها وزيد عليها حتى آلت إلى الشكل المعروف الآن.
وهاك ترجمة الخطاط المتفنن المشهور.
ابن مقلة
هو الوزير أبو علي محمد بن علي بن الحسن بن مقلة إمام الخطاطين وأحد كبار الكتاب البارعين، أخذ الخط عن الأحوال المحرر صنيعه البرامكة وتم على يديه ويدي أخيه الحسن نقل الخط من الكوفي إلى الشكل المعروف في زماننا. وكان ابن مقلة يتولى في أول أمره بعض أعمال فارس ويجبي خراجها وتنقلت به الأحوال إلى استوزره الإمام المقتدر بالله سنة ٣١٦ ثم كاد له أعداؤه عنده، فقبض عليه سنة ٣١٨هـ ونفاه إلى فارس. ثم وزر للراضي فوشى به أعداؤه عنده فقبض عليه وعزل ثم أطمعه نحسه أن يكيد لابن رائق أمير الأمراء ببغداد سنة ٣٢٨هـ ومن قوله في تلك الحوادث:
إذا مات بعضك فابك بعضاً ... فإن البعض من بعض قريب
стр. 410
وقوله:
ما سئمت الحياة لكن توثّق ... ت بأيمانهم فبانت يميني
بعت ديني لهم بدنياي حتى ... حرموني دنياهمو بعد ديني
ولقد حطت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لذة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني
الكتابة الإنشائية في الرسائل الديوانية والإخوانية
كانت كتابة الرسائل في أوائل حكم بني العباس جارية على نظام كتابتها في أواخر عهد بني أمية، سالكة الطريق التي سلكها عبد الحميد و ابن المقفع والقاسم بن صبيح وعمارة بن حمزة ونظراؤهم: من العناية بجمل عبارتها جزلة بليغة متناسقة الوضوع والأسلوب، وبقيت كذلك بل زادت حسناً وجمالاً ومراعاة لمقتضى الحال إلى أوائل القرن الرابع. ثم أخذت الصناعات اللفظية تغلب عليها تدريجياً بتضاؤل ملكة البلاغة في الكتاب وتقاصر هممهم عن استيفاء أداتها: لتغلب الأعاجم من الديلم البويهيين والترك السلجوقيين على سلطان الخلفاء في الشرق، وتغلب البربر على شمالي أفريقية والأندلس في الغرب، فلم يعد في الملوك والأمراء من يعينهم أمر العربية وبلاغتها. ومازالت كذلك حتى سقطت الدولة العباسية على أيدي الأعاجم من التتار فكان ذلك ابتداء اضمحلال الكتابة واللغة.
الكتّاب كان أكثر كتاب المشرق في هذا العصر من سلائل فارسية أو سوادية وقد بلغوا بحذقهم سياسة الملك ونبوغهم في البلاغة أن ارتقوا عند خلفاء العباسيين إلى مرتبة الوزارة. وأول كاتب منهم ارتقى إليها هو أبو سلمة الخلال. وأشهر من
стр. 411
بلغ نفوذه وسلطانه مبلغاً زاحم فيه الخليفة يحيى بن خالد بن برمك وابناه جعفر والفضل، ثم محمد بن الزيات في زمن المعتصم والواثق. وكان كتاب الأندلس والمغرب أكثرهم من سلائل عربية. ومن أشهر كتاب هذا العصر في الشرق ابن المقفع، ويحيى بن خالد بن برمك. وابناه: جعفر والفضل، وإسماعيل بن صبيح، وعمرو بن مسعدة، وأحمد بن يوسف، وابن الزيات. والحسن بن وهب وعلي بن الفرات، وابن مقلة، وابن العميد، والصاحب بن عباد، وأبو بكر الخوارزمي، والبديع، والصابي، والعماد الكاتب، والقاضي الفاضل.
ومن أشهر كتابه في الأندلس ابن شهيد، وأبو المطرف بن عميرة، ولسان الدين بن الخطيب.
ابن المقفع
هو أبو محمد عبد الله بن المقفع أحد فحول البلاغة وثاني اثنين مهدا للناس طريق الترسل. ورفعا لهم معالم صناعة الإنشاء أولهما "عبد الحميد".
نشأ ابن المقفع بين أحياء العرب. فكان أبوه داذويه المقفع الفارسي يعمل في جباية الخراج لولاة العراق من قبل بني أمية، وهو على دين المجوسية وولد له ابنه هذا حوالي سنة ١٠٦هـ وسماه (روزبة) فنشأ بالبصرة. وهي يومئذ حلبة العرب ومنتدى البلغاء والخطباء والشعراء. فكان لكل ذلك (فوق ذكائه المفرط تأديب أبيه له) أعظم أثر في تربيته وتهيئته لأن يصير من أكبر كتاب العربية وعلمائها وأدبائها والمترجمين إليها. وقد أسلم بمحضر من الناس وتسمّى (عبد الله) وتكنى بأبي محمد، وكان نادرة في الذكاء غاية في جمع علوم اللغة والحكمة وتاريخ الفرس متأدباً متعففاً قليل الاختلاط إلا بمن على شاكلته كثير الوفاء لأصحابه.
وكان أمة في البلاغة ورصانة القول وشرف المعاني إلى بيان غرض وسهولة
стр. 412
لفظ ورشاقة أسلوب. ولا توصف بلاغته بأحسن مما وصف هو البلاغة حيث يقول: (البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها) .
ومن رسائله أنه عزى بعضهم فقال: أما بعد: فإن أمر الآخرة والدنيا بيد الله هو يدبرهما ويقضي فيهما ما يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه فإن الله خلق الخلق بقدرته. ثم كتب عليهم الموت بعد الحياة لئلا يطمع أحد من خلقه في خلد الدنيا ووقت لكل شيء ميقات أجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون فليس أحد من خلقه إلا وهو مستيقن بالموت لا يرجو أن يخلصه من ذلك أحد. نسأل الله تعالى خير المنقلب وبلغني وفاة فلان فكانت وفاته من المصائب العظام التي يحتسب ثوابها من ربنا الذي إليه منقلبنا ومعادنا وعليه ثوابنا.
فعليك بتقوى الله والصبر وحسن الظن بالله فإنه جعل لأهل الصبر صلوات منه ورحمة وجعلهم من المهتدين.
وقد ترجم كتباً عديدة من أشهرها كتاب كليلة ودمنة وقيل إن هذا الكتاب من وضع ابن المقفع وهو قول مقبول لا بأس به: وله كتاب الأدب الكبير والأدب الصغير والدرة اليتيمة. وقتله والي البصرة سفيان بن معاوية سنة ١٤٢هـ لاتهامه بالزندقة والكيد للإسلام بترجمة كتب الزندقة.
إبراهيم الصولي
هو أبو إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول كاتب العراق وأشعر أصحاب المقطعات. نشأ ببغداد فتلقى العلم والأدب عن أئمة زمانه، واشتغل بالشعر في حدثاته، فبرع فيه، وتكسب به. ورحل إلى العمال والأمراء يمدحهم ويستميح جدواهم. ثم قصد الفضل بن سهل وزير المأمون أيام مقامه معه
стр. 413
بخراسان ومدحه فوهب له ولي العهد عشرة آلاف درهم. وجعله الفضل كاتباً لأحد قواده وبقي يتنقل في أعمال النواحي والدواوين حتى كان زمن الواثق عاملاً على الأهواز فتحامل عليه وزيره ابن الزيات فعزله وسجنه بها. فكتب إليه يستعطفه، فلم يزدد بذلك إلا جفاء وغلظة، ثم اطلع الواثق على ذلك فأطلقه. وتولى ديوان الضياع والنفقات في خلافة المتوكل ومات سنة ٢٤٢هـ ومن رسائل تعزية عن لسان المنتصر بالله إلى طاهر بن عبد الله مولى أمير المؤمنين "أما بعد" تولى الله توفيقك وحياطتك. وما يرتضيه منك ويرضاه عنك إن أفضل النعم نعمة تلقيت بحق الله فيها من الشكر وأوفر حادثة ثواباً حادثة أدي حق الله فيها من الرضا والتسليم والصبر ومثلك من قدم ما يجب الله عليه في نعمة فشكرها وفي مصيبة فأطاعه فيها وقد قضى الله في محمد ابن إسحاق مولى أمير المؤمنين "عفا الله عنه" قضاءه السابق والموقع. وفي ثواب الله ورضا أمير المؤمنين "أدام الله عزه" وتقديم ما يعدم مثله أهل الحجا والفهم ما اعتاضه معتاض وقدمه موفق فليكن الله " " وما أطعته به وقدمت حقة فيه أولى بك في الأمور كلها فإنك تتقرب إليه في المكروه بطاعته يحسن ولايتك في توفيقك لشكر نعمه عندك.
ابن العميد
هو الأستاذ الرئيس الوزير أبو الفضل محمد بن الحسين العميد كاتب المشرق وعماد ملك آل بويه وصدر وزراهم: نشأ شغوفاً بمعرفة العلوم العقلية واللسانية فبرع في علوم الحكمة والنجوم ونبغ في الأدب والكتابة حتى قيل فيه. (بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد) ثم رحل عن أبيه إلى آل بويه وتقلد شريف الأعمال في دولتهم إلى أن تولى وزارة
стр. 414
ركن الدولة سنة ٣٢٨ فساس دولته ووطد أركانها وتشبه بالبرامكة ففتح بابه للعلماء والفلاسفة والشعراء والأدباء وكان يشاركهم في كل ما يعملون إلا الفقه وما زال في وزارته محط الرحال وكعبة الآمال حتى توفي سنة ٣٦٠هـ.
ومن رسائله: كتابي إليك وأنا بحال لو لم ينغصها الشوق إليك ولم يرنق صفوها النزوع نحوك لعددتها من الأحوال الجميلة، وأعددت حظي منها في النعم الجليلة. فقد جمعت فيها بين سلامة عامة. ونعمة تامة. وحظيت منها في جسمي بصلاح وفي سعيي بنجاح، لكن ما بقي أن يصفو لي عيش مع بعدي عنك ويخلو ذرعي مع خلوي منك، ويسوغ لي مطعم ومشرب مع انفرادي دونك وكيف أطمع في ذلك وأنت جزء من نفسي وناظم لشمل أنسي وقد حرمت رؤيتك وعدمت مشاهدتك وهل تسكن نفس متشعبة ذات انقسام وينفع أنس بيت بلا نظام، وقد قرأت كتابك جعلني الله فداك فامتلأت سروراً بملاحظة خطك وتأمل تصرفك في لفظك وما أقرظهما فكل خصالك مقرظ عندي. وما أمدحهما فكل أمر ممدوح في ضميري وعقلي.
стр. 415
وأرجو أن تكون حقيقة أمرك موافقة لتقديري فيك فإن كان كذلك وإلا فقد غطى هواك وما ألقي على بصري.
الصاحب بن عباد
هو كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير آل بويه.
ولد سنة ٣٢٦هـ بطالقان قزوين. وتعلم العلم والأدب من أبيه، ثم اتصل بابن العميد، فلزم صحبته وأخذ عنه الأدب، وتولى له كتابة خاصته ثم تنقلت به الأحوال في خدمة ملوك بني بويه، فكان وزيراً لمؤيد الدولة ثم لأخيه فخر الدولة، وله في ملكهما اليد المطلقة والأمر النافذ حتى مات سنة ٣٨٥هـ. ويعد ابن عباد في الكتابة ثاني ابن العميد في حلبته وأبلغ من سلك طريقته، غير أنه أولع بالسجع والجناس، ولا يعرف بعدهما من بلغ بشرف العلم والأدب مبلغهما، ولا حل من شرف الملك والسلطان بمهنة الكتابة منزلتهما، ومن رسائله ما كتب به إلى بعض السادة وقد أهدى إلى ابن عباد مصحفاً.
البر "أدام الله السيد" أنواع، تطول به أبواع، وتقصر عنه أبواع فإن لم يكن فيما هو أكرم منصباً وأشرف منسباً فتحفة السيد إذا أهدى ما لا تشاكله النعم ولا تعادله القيم: كتاب الله وبيانه وكلامه وفرقانه ووحيه وتنزيله وهداه وسبيله ومعجز رسول الله (ودليله طبع دون معارضة على الشفاه وختم على الخواطر والأفواه فقصر عنه الثقلان وبقي ما بقي الملوان. لائح سراجه. واضح منهاجه. منير دليله. عميق تأويله يقصم كل شيطان مريد ويذل كل جبار عنيد، وفضائل القرآن لا تحصى في مطولات الأسفار فأصف الخط الذي بهر الطرف وفاق الوصف وجمع صحة الأقسام وزاد في نخوة الأقلام بل أصفه بترك الوصف فأخباره
стр. 416
آثاره وعينه فراره وحقاً أقول إني لا أحسب أحداً ما خلا الملوك جمع من المصاحف ما جمعت وابتدع في استكتابها ما ابتدعت، وإن هذا المصحف لزائد عن جميعها زيادة الفرع على الغرة بل زيادة الحج على العمرة.
أبو بكر الخوارزمي
هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الكاتب الشاعر اللغوي الأديب الرحالة ولد بخوارزم سنة ٣٢٣هـ ونشأ بها وكان ضليعاً في كل فن من فنون العربية وخاصة الكتابة والشعر.
جاب الأقطار ودخل الأمصار من الشام إلى أقصى خراسان في استفادة العلم والأدب وإفادتهما: وكان كثير الحفظ للشعر غزير المادة من اللغة.
وتقلب الخوارزمي في خدمة كثير من الملوك والأمراء والوزراء حتى ألقى عصا التسيار بمدينة نيسابور وطاب عيشه بها إلى أن مني في آخر أيامه بمساجلة بديع الزمان الهمذاني ومناظرته ومناضلته وأعانه عليه قوم من أعيان البلدة ووجوهها فانخذل الخوارزمي انخذالاً شديداً وكسف باله ولم يحل عليه الحول حتى مات سنة ٣٨٣هـ.
وكان الخوارزمي ممن يجري على طريقة ابن العميد في الكتابة متوخياً جزالة الألفاظ محتفلاً بصحة المعاني مع ميل فيه إلى الغريب، وتقدم له كثير من الرسائل.
بديع الزمان الهمذاني
هو أبو الفضل أحمد بن الحسين الكاتب المترسل والشاعر المبدع: حافظ عصره. نشأ بهمذان ودرس العربية والأدب ونبغ فيهما وضرب في الأرض يتكسب بأدبه ثم أقام بنيسابور مدة أملى بها أربعمائة مقامة بلفظ رشيق وسجع رقيق، وعلى منوالها نسج الحريري. ثم شجر بينه وبين
стр. 417
الخوارزمي ما كان سبباً في هبوب ريحه وبعد صيته إذ لم يكن في الحسبان أن أحداً يجترئ على الخوارزمي.
وبموت الخوارزمي خلا له الجو عند الملوك والأمراء، فتجول في حواضرهم، ثم استوطن هراة وصاهر أحد أعيانها العلماء، فحسنت حاله، ونعم باله، وبكن المنية عاجلته وهو في سن الأربعين سنة ٣٩٨هـ وتقدم له كثير من الرسائل والمقدمات.
ابن زيدون
هو الكاتب الشاعر ذو الوزارتين أبو الوليد أحمد بن عبد الله المشهور بابن زيدون المخزومي الأندلسي. نشأ في مدينة قرطبة وتأدب على كبار أئمتها وقال الشعر وأجاده، ولما نبه شأنه بين شعراء قرطبة اتصل بأبي وليد بن جهور أحد ملوك الطوائف، فحظي عنده ومدحه حتى أصبح لسان دولته الناطق، وحسامها المسلول. فأفسد أعداؤه ما بينه وبين ابن جهور، فاعتقله ومكث في محسبه مدة استشفع فيها بقصائد أبدعها، ورسائل استنفذ فيها جهده، فما ألانت له قلباً فأعمل الحيلة في فراره من سجنه، وخلص إلى المعتضد بن عباد ملك إشبيلية إذ كان أشد ملوك الطوائف رغبة فيه وأكثرهم تمسكاً بالأدباء، فألقى إليه مقاليد وزارته، وأصبح صاحب أمره ونهيه، ولما مات المعتضد وخلفه ابنه المعتمد كان له كما كان أبوه. وأغدق عليه بره ونعمته.
ومكث ابن زيدون على هذه الحال حتى مات بإشبيلية سنة ٤٦٣هـ (راجع رسالة الجدية في فن المكاتبات إذا شئت) .
القاضي الفاضل
هو أبو علي عبد الرحيم البيساني اللخمي ولد بمدينة عسقلان سنة ٥٢٩ وتعلم على أبيه وغيره. قدم مصر وهو شاب أواخر الدولة الفاطمية
стр. 418
وتعلم في ديوان ابن حديد قاضي الإسكندرية. وظهر فضله فيما كان يرسله إلى القاهرة من الرسائل فاستقدم أيام الظافر إليها، وكان من كتاب ديوانه، ولازم خدمة أكابر القضاة والكتاب في الديوان، وأخذ عنهم، وحاكاهم بل فاقهم فصاحة وبلاغة لسعة اطلاعه وغزارة مادته وسرعة بديهته وصفاء خاطره.
ولما سقطت الدولة الفاطمية تولى وزارة صلاح الدين بن أيوب، وكان يتردد بين مصر والشام في الحروب الصليبية، ودبر المملكة أحسن تدبير وبقي في الوزارة حتى مات صلاح الدين فوزره لابنه العزيز على مصر. ثم وزر من بعده لأخيه ومات سنة ٥٦٩ هـ.
ومن رسائله القصيرة رسالة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين يتشفع له في توليه خطابة الكرك وهي: أدام الله السلطان الملك الناصر وثبته، وتقبل عمله بقبول صالح وأثبته وأخذ عدوه قائلاً أو بيته، وأرغم أنفه بسيفه وكبته.
خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب. ولما نبا بن المنزل عنها وقل عليه المرفق منها. وسمع هذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها. ووجب على أهلها شكرها، هاجر من هجير عيذاب وملحها. سارياً في ليلة أمل كلها نهار فلا يسأل عن صبحها قد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب، وتوسل بالمملوك في هذا المتلمس وهو قريب، ونزع من مصر إلى الشام وعن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب والفقر سائق عنيف، والمذكور عائل ضعيف ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف والسلام.
التدوين والتصنيف
كانت الحاجة إلى التدوين قد اشتدت في مبدأ الدولة العباسية لاتساع ممالك الإسلام فهب العلماء إلى تهذيب ما كتب في الصحف المتفرقة وما حفظوه في
стр. 419
الصدور ورتبوه وبوبوه وصنفوه كتباً، وكان من أقوى الأسباب لإقبال العلماء على التصنيف حث الخليفة أبي جعفر المنصور عليه وحمله الأئمة والفقهاء على جمع الحديث والفقه ولم يقتصر على معاضدة العلوم الإسلامية بل أوعز إلى العلماء والمترجمين أن ينقلوا إلى العربية من الفارسية واليونانية فنون الطب والسياسة والحكمة والفلك والتنجيم والآداب، وتابعه في ذلك أولاده وأحفاده حتى زخرت بحور العلم واخترعت الفنون وتفرعت المسائل ودونت الكتب في كل فن.
كتابة التصنيف والتدوين
وكانت كتابة التصنيف والتدوين في القرن الأول وبعض الثاني من النهضة عبارة عن سلسلة من الروايات المسندة إلى رواتها، وبعضها يروى بلفظ أصحابها غالباً: كما في الشعر والخطب والرسائل، وبعضها بلفظ الراوي كما في أخبار الفتوح والتاريخ والقصص، ثم ظهرت بعد ذلك في العلوم الشرعية واللسانية طبقات الاستنباط والتعليل والتفريع والشرح والاختصار وجمع الفروع تحت كليات عامة فلم يكن للمؤلفين بد من حذف أسانيد الروايات وترك المحافظة على نقلها بلفظها إلا في الحديث ونحوه.
أما كتب العلوم المترجمة فكانت عبارتها هي تفسير ألفاظها الأعجمية بالعربية، ولم تكن ترجمتها جيدة في عصر المنصور، ثم صححت ترجمتها في زمن الرشيد والمأمون. ثم لما أتقن كثير من فلاسفة المسلمين هذه العلوم كتبوا فيها بعبارتهم، وكانت أول أمرها بليغة مفهومة ثم عموها على بعض الفقهاء المفكرين لهم والمغرين الأمراء والسلاطين بقتلهم، حتى أصبحت عبارة كتب الفلسفة والتوحيد أصعب ما يقرأ باللسان العربي.
العلوم اللسانية ونشأتها
العلوم اللسانية هي الأدب، والتاريخ، والعروض، والنحو، واللغة، والبلاغة.
стр. 420
علم الأدب: كانت كتبه في أول هذا العصر رسائل يبحث كل منها في ضرب خاص من ضروبه، كرسائل ابن المقفع ورسائل سهل بن هارون في الأخلاق وكتاب النوادر، وكتاب الأراجيز، وكتاب الشعر للأصمعي، وكتاب الشعر والشعراء لأبي عبيدة، وإذا تابعنا من يقول إن ابن المقفع هو الذي ابتدع كتاب كليلة ودمنة ونحلة الهند والفرس كان هذا الكتاب أول كتاب ظهر في الأدب العربي الخاص بموضوع واحد: وأول كتاب ظهر فيه جامع لفنون كثيرة منه كتاب البيان والتبيين. وكتاب الحيوان للجاحظ، واقتفى أثره أحمد بن طيفور في كتابه العظيم المنظوم والمنثور في أربعة عشر جزءاً.
ثم أبو العباس محمد المبرد، في الكامل والروضة، ثم أبو حنيفة الدينوري. وأبو بكر محمد الصولي. وابن قتيبة صاحب أدب الكاتب. وابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وأبو علي القالي صاحب الأمالي، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني وغيرهم، ومن أشهر المؤلفين في الأدب الجاحظ ، وأحمد بن عبد ربه، والحريري: وهاهي ترجمتهم.
الجاحظ
هو إمام الأدب أبو عثمان عمرو بن الجاحظ بن بحر بن محبوب الكناني البصري. ولد حوالي سنة ١٦٠ بمدينة البصرة. ونشأ بها فتناول كل فن ومارس كل علم عرف في زمانه مما وضع في الإسلام أو نقل عن الأمم الأوائل فاصبح له مشاركة في علم كل ما يقع عليه الحس أو يخطر بالبال فهو راوية متكلم فيلسوف كاتب مصنف مترسل شاعر مؤرخ عالم بالحيوان والنبات والموات، واصف لأحوال الناس ووجوه معايشهم واضطرابهم وأخلاقهم وحيلهم إلا أنه غلب عليه أمران: الكلام على طريقة المعتزلة: والأدب الممزوج بالفلسفة والفكاهة: وكان غاية في الذكاء ودقة الحس وحسن
стр. 421
الفراسة: وكان سمحاً جواداً كثير المواساة لأخوانه: وكان على دمامة خلقه وتناقض خلقه خفيف الروح فكه المجلس غاية في الظرف وطيب الفكاهة وحلاوة الكلام، وهو على الجملة أحد أفذاذ العالم وإحدى حجج اللسان العربي، وأقام الجاحظ أكثر عمره بالبصرة يعيش معيشة الأدباء والعلماء محسوباً لولاتها وأعيانها محبواً منهم بالعطايا والمنح بما يصنفه لهم من الكتب المتفقه مع أهوائهم المختلفة، وكان كثير الانتجاع للخلفاء ببغداد وسر من رأى حتى فلج بالبصرة وبقي مفلوجاً بها مدة إلى أن انتقل إلى بغداد فمات بها ودفن بمقبرة الخيزران (أم الرشيد) سنة ٢٥٥ هـ، وله أكثر من مائتي كتاب.
أحمد بن عبد ربه
هو أديب الأندلس وشاعرها أبو عمر أحمد بن محمد به عبد ربه القرطبي ولد سنة ٢٤٦ هـ ونشأ بمدينة قرطبة ودرس علوم العربية فنبغ في جميعها. وحفظ منها ما لم يحفظه أحد من علماء زمانه وقرأ رسائل المحدثين من المشارقة وما ترجم من كتب الأوائل في أكثر العلوم، وأودع زبدة ذلك في كتابه "العقد الفريد" وكان يشتغل في حداثته بالشعر ويجري في مضمار اللهو والطرب ونظم في ذلك من القصائد والمقطعات الرقيقة الجميلة ما جعل المتنبي على صلفه وكبره حين سمع شعره يسميه (مليح الأندلس) ثم أقلع في كبرته عن صبوته وأخلص لله في توبته: فاعتد أشعاره التي قالها في الغزل واللهو عملاً باطلاً: وعمل على أعاريضها وقوافيها قصائد في الزهد يعارضها بها، وسماها الممحصات، ونال من خلفاء بني أمية بالأندلس قبولاً وحل عندهم في المكان الأسمى، وبقي بقرطبة رئيساً مسوداً حتى فلج وعاش كذلك عدة سنين ثم مات بها سنة ٣٢٨ هـ.
الحريري
هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري
стр. 422
الكاتب الشاعر اللغوي النحوي صاحب البدائع المأثورة في مقاماته المشهورة التي نسجها على منوال مقامات بديع الزمان الهمذاني وأنشأ خمسين مقامة أتى فيها على كثير من مواد اللغة وفنون الأدب وأمثال العرب وحكمها بعبارة مسجعة مزينة بأنواع البديع، ولا سيما الجناس ترغيباً للطلاب في حفظ اللغة وأدبها وتفكيهاً لهم بمطالعتها وتحل وقائعها أبا زيد السروجي وهو أعربي فصيح من سروج كان قد قدم البصرة وأعجب به علماؤها، وسمى راويها عنها لحارث بن همام (يريد نفسه) وأهداها إلى الوزير جمال الدين بن صدفة وزير المسترشد العباسي، وله غير المقامات شعر كثير ورسائل بديعة وكتب في النحو واللغة منها كتابه: درة الغواص في أوهام الخواص، وملحة الإعراب في النحو، وتوفي بالبصرة سنة ٥١٥ هـ.
فن التاريخ
أول ما وضع في التاريخ باللغة العربية الكتاب الذي وضعه عبيد بن شرية لمعاوية وفي صدر الدولة العباسية وضع كثير من العلماء كتباً في التاريخ بأقسامه التي من أشهرها: (١) فن السيرة والمغازي: وأشهر من ألف فيه من الأوائل محمد بن إسحاق.
(٢) فن الفتوح: وأشهر من ألف فيه منهم الواقدي والمدائني وأوب مخنف.
(٣) فن طبقات الرجال: وأشهر علمائه ابن سعد كاتب الواقدي والبخاري.
(٤) فن النسب: وأشهر قدماء علمائه الكلي وابنه.
(٥) فن أخبار العرب وأيامها: وأشهر علمائه أبو عبيدة والأصمعي.
(٦) قصص الأنبياء: وكتب فيه كثيرون.
(٧) تاريخ الملوك: ومن أقدم من كتب فيه ابن قتيبة والهيثم ابن عدي وابن واضح اليعقوبي، ثم شيخ المؤرخين وعمدتهم محمد بن جرير الطبري الجامع كتابه هذه الفنون السابقة مرتباً على حسب السنين الهجرية.
وحاكاه بعده ابن الأثير في تاريخه الكامل.
стр. 423
العروض والقافية
أول من اخترع علم العروض الخليل بن أحمد من غير سابقة تعلم على أستاذ أو تدرج في وضع بل ابتدعه وحصر فيه أوزان العرب في خمسة عشر بحراً وزاد عليها تلميذ تلميذه الأخفش بحراً آخر ثم لم يزد عليها أحد شيئاً يعتد به.
أم القافية فقد كان العلماء قبل الخليل يتكلمون فيها، ولكن الخليل هو أول من فصل الكلام فيها وجعلها علماً مدوناً.
النحو
جاءت الدولة العباسية والنحو علم يدرس في المعاهد ولكن البصريين سبقوا الكوفيين في الاشتغال به كما سبقهم الكوفيون في الاشتغال بالشعر وعلم الصرف.
ومن أكثر الأئمة الذين اشتغلوا بالنحو وهذبوه من البصريين أبو عمرو بن العلاء وتلميذه الخليل وتلميذ الخليل سيبويه الواضع لأول كتاب جامع في النحو ثم بعده الأخفش شارح كتابه.
ومن الكوفيين معاذ الهراء والرواسي وتلميذهما الكسائي وتلميذه الفراء.
علم اللغة
ويسمى متن اللغة، ونعني به معرفة معاني ألفاظهم المفردة. وأول ما وضع الأئمة في رسائل وكتب صغيرة في موضوعات خاصة، فلما ظهر الخليل أحصى ألفاظ اللغة بطريقة حسابية في كتاب، ورتبه على حروف المعجم مقدماً حروف الحلق ومبتدئاً منها بالعين ولذلك سمى معجمه "كتاب العين" ثم ألف أبو بكر بن دريد معجمه العظيم الذي سماه (الجمهرة) مرتباً له على حروف المعجم بترتيبها المعروف الآن. وأدرك عصره الأزهري فألف كتاب (التهذيب) على ترتيب
стр. 424
الخليل ثم وضع الجوهري في كتابه المسمى ب (الصحاح) على ترتيب الجمهرة وابن سيده الأندلسي كتابه (المحكم) على ترتيب الخليل وابن فارس كتابه (المجمل) والصاحب بن عباد كتابه (المحيط) وهذه هي أصول كتب اللغة وما بعدها من ("العباب" و"مجمع البحرين") للصاغاني، و"النهاية" لابن الأثير و"لسان العرب" لابن مكرم، و"المصباح" للفيومي و "القاموس" للفيروزابادي، فهو جمع لها أو اختصار منها.
علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع
أول كتاب دون في علم البيان كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة تلميذ الخليل ثم تبعه العلماء: ولا يعلم أول من ألف في المعاني بالضبط، وإنما أثر فيها كلام عن البلغاء وأشهرهم الجاحظ في إعجاز القرآن وغيره. وأول من دون كتبا في علم البديع ابن المعتز وقدامة بن جعفر. وقبل ذلك كان البديع يستعمل في الشعر عملاً، وبقيت هذه العلوم تتكامل ويزيد فيها العلماء حتى جاء فحل البلاغة عبد القاهر الجرجاني فألف في المعاني كتابه دلائل الإعجاز وفي البيان كتابه أسرار البلاغة وجاء بعده السكاكي فألف كتابه العظيم مفتاح العلوم.
الخليل بن أحمد
هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي البصري مخترع العروض، ومبتكر المعجمات، وواضع الشكل العربي المستعمل الآن.
ولد سنة ١٠٠ بالبصرة ونشأ بها وأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة زمانه وأكثر الخروج إلى البوادي، وسمع الأعراب الفصحاء، فنبغ في العربية نبوغاً لم يكن لأحد ممن تقدمه أو تأخر عنه، وكان غاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله ولقن ذلك تلميذه سيبويه.
ومما يشهد له بحدة الفكر وبعد النظر اختراعه العروض علماً كاملاً لم يحتج إلى تهذيب بعد، وابتكاره طريقة تدوين المعجمات بتأليف كتاب
стр. 425
"العين" وتدوينه كتاباً دقيقاً في الموسيقى على غير معرفة بلغة أجنبية واشتغال بلهو، وزاد في الشطرنج قطعة سماها جملاً لعب بها الناس زمناً، وبقي الخليل مقيماً بالبصرة طول حياته زاهداً متعففاً مكباً على العلم والتعليم حتى مات في أوائل خلافه الرشيد سنة ١٧٤ هـ? بصدمة في دعامة مسجد ارتج منها دماغه.
سيبويه
هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر: إمام البصريين وحجة النحويين.
ولد بالبيضاء من سلالة فارسية ونشأ بالبصرة وكان يطلب أول أمره الحديث والفقه فعيبت عليه لحنة لحنها في مجلس شيخه فخجل، وطلب النحو ولازم الخليل وأخذ عن غيره أيضاً وكان الخليل يؤثره على أصحابه، فدون جميع ما أخذه عنه ونقله عن غيره في كتابه الذي لم يجمع قبله مثله ولولا هذا (الكتاب) الذي رواه عنه وشرحه تلميذه الأخفش ما كان لسيبويه خبر يشهر لوفاته كهلاً ولقلة من أخذ عنه هذا الكتاب ولأنه لا يعرف له كتاب غيره وبحسبك هو، ومات ببلدته البيضاء بفارس سنة ١٧٧ هـ?
الكسائي
هو أبو الحسن علي بن حمزة: أحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في النحو واللغة: نشأ بالكوفة وتعلم على الكبر بعد لحنة لحنها أمام جمع من طلبة العلم فلازم أئمة الكوفة حتى أنفذ ما عندهم، ثم خرج إلى الخليل بالبصرة وجلس في حلقته، وأعجبه علمه. فقال له: من أين علمك هذا قال من بوادي الحجاز ونجد وتهامة فخرج إليها، وأنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ عنهم. ولما رجع من البادية وجه إليه المهدي فخرج إلى بغداد فحظي عنده وضمه إلى حاشية ابنه الرشيد، ثم جعله الرشيد مؤدب ولده الأمين، فكان يجلسه هو والقاضي محمد بن الحسن صاحب
следующие страницы →