← Адаб

Адаб · id 21505

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب

أحمد الهاشمي

Полный текст (685 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الفراسة: وكان سمحاً جواداً كثير المواساة لأخوانه: وكان على دمامة خلقه وتناقض خلقه خفيف الروح فكه المجلس غاية في الظرف وطيب الفكاهة وحلاوة الكلام، وهو على الجملة أحد أفذاذ العالم وإحدى حجج اللسان العربي، وأقام الجاحظ أكثر عمره بالبصرة يعيش معيشة الأدباء والعلماء محسوباً لولاتها وأعيانها محبواً منهم بالعطايا والمنح بما يصنفه لهم من الكتب المتفقه مع أهوائهم المختلفة، وكان كثير الانتجاع للخلفاء ببغداد وسر من رأى حتى فلج بالبصرة وبقي مفلوجاً بها مدة إلى أن انتقل إلى بغداد فمات بها ودفن بمقبرة الخيزران (أم الرشيد) سنة ٢٥٥ هـ، وله أكثر من مائتي كتاب. أحمد بن عبد ربه هو أديب الأندلس وشاعرها أبو عمر أحمد بن محمد به عبد ربه القرطبي ولد سنة ٢٤٦ هـ ونشأ بمدينة قرطبة ودرس علوم العربية فنبغ في جميعها. وحفظ منها ما لم يحفظه أحد من علماء زمانه وقرأ رسائل المحدثين من المشارقة وما ترجم من كتب الأوائل في أكثر العلوم، وأودع زبدة ذلك في كتابه "العقد الفريد" وكان يشتغل في حداثته بالشعر ويجري في مضمار اللهو والطرب ونظم في ذلك من القصائد والمقطعات الرقيقة الجميلة ما جعل المتنبي على صلفه وكبره حين سمع شعره يسميه (مليح الأندلس) ثم أقلع في كبرته عن صبوته وأخلص لله في توبته: فاعتد أشعاره التي قالها في الغزل واللهو عملاً باطلاً: وعمل على أعاريضها وقوافيها قصائد في الزهد يعارضها بها، وسماها الممحصات، ونال من خلفاء بني أمية بالأندلس قبولاً وحل عندهم في المكان الأسمى، وبقي بقرطبة رئيساً مسوداً حتى فلج وعاش كذلك عدة سنين ثم مات بها سنة ٣٢٨ هـ. الحريري هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري

стр. 422

الكاتب الشاعر اللغوي النحوي صاحب البدائع المأثورة في مقاماته المشهورة التي نسجها على منوال مقامات بديع الزمان الهمذاني وأنشأ خمسين مقامة أتى فيها على كثير من مواد اللغة وفنون الأدب وأمثال العرب وحكمها بعبارة مسجعة مزينة بأنواع البديع، ولا سيما الجناس ترغيباً للطلاب في حفظ اللغة وأدبها وتفكيهاً لهم بمطالعتها وتحل وقائعها أبا زيد السروجي وهو أعربي فصيح من سروج كان قد قدم البصرة وأعجب به علماؤها، وسمى راويها عنها لحارث بن همام (يريد نفسه) وأهداها إلى الوزير جمال الدين بن صدفة وزير المسترشد العباسي، وله غير المقامات شعر كثير ورسائل بديعة وكتب في النحو واللغة منها كتابه: درة الغواص في أوهام الخواص، وملحة الإعراب في النحو، وتوفي بالبصرة سنة ٥١٥ هـ. فن التاريخ أول ما وضع في التاريخ باللغة العربية الكتاب الذي وضعه عبيد بن شرية لمعاوية وفي صدر الدولة العباسية وضع كثير من العلماء كتباً في التاريخ بأقسامه التي من أشهرها: (١) فن السيرة والمغازي: وأشهر من ألف فيه من الأوائل محمد بن إسحاق. (٢) فن الفتوح: وأشهر من ألف فيه منهم الواقدي والمدائني وأوب مخنف. (٣) فن طبقات الرجال: وأشهر علمائه ابن سعد كاتب الواقدي والبخاري. (٤) فن النسب: وأشهر قدماء علمائه الكلي وابنه. (٥) فن أخبار العرب وأيامها: وأشهر علمائه أبو عبيدة والأصمعي. (٦) قصص الأنبياء: وكتب فيه كثيرون. (٧) تاريخ الملوك: ومن أقدم من كتب فيه ابن قتيبة والهيثم ابن عدي وابن واضح اليعقوبي، ثم شيخ المؤرخين وعمدتهم محمد بن جرير الطبري الجامع كتابه هذه الفنون السابقة مرتباً على حسب السنين الهجرية. وحاكاه بعده ابن الأثير في تاريخه الكامل.

стр. 423

العروض والقافية أول من اخترع علم العروض الخليل بن أحمد من غير سابقة تعلم على أستاذ أو تدرج في وضع بل ابتدعه وحصر فيه أوزان العرب في خمسة عشر بحراً وزاد عليها تلميذ تلميذه الأخفش بحراً آخر ثم لم يزد عليها أحد شيئاً يعتد به. أم القافية فقد كان العلماء قبل الخليل يتكلمون فيها، ولكن الخليل هو أول من فصل الكلام فيها وجعلها علماً مدوناً. النحو جاءت الدولة العباسية والنحو علم يدرس في المعاهد ولكن البصريين سبقوا الكوفيين في الاشتغال به كما سبقهم الكوفيون في الاشتغال بالشعر وعلم الصرف. ومن أكثر الأئمة الذين اشتغلوا بالنحو وهذبوه من البصريين أبو عمرو بن العلاء وتلميذه الخليل وتلميذ الخليل سيبويه الواضع لأول كتاب جامع في النحو ثم بعده الأخفش شارح كتابه. ومن الكوفيين معاذ الهراء والرواسي وتلميذهما الكسائي وتلميذه الفراء. علم اللغة ويسمى متن اللغة، ونعني به معرفة معاني ألفاظهم المفردة. وأول ما وضع الأئمة في رسائل وكتب صغيرة في موضوعات خاصة، فلما ظهر الخليل أحصى ألفاظ اللغة بطريقة حسابية في كتاب، ورتبه على حروف المعجم مقدماً حروف الحلق ومبتدئاً منها بالعين ولذلك سمى معجمه "كتاب العين" ثم ألف أبو بكر بن دريد معجمه العظيم الذي سماه (الجمهرة) مرتباً له على حروف المعجم بترتيبها المعروف الآن. وأدرك عصره الأزهري فألف كتاب (التهذيب) على ترتيب

стр. 424

الخليل ثم وضع الجوهري في كتابه المسمى ب (الصحاح) على ترتيب الجمهرة وابن سيده الأندلسي كتابه (المحكم) على ترتيب الخليل وابن فارس كتابه (المجمل) والصاحب بن عباد كتابه (المحيط) وهذه هي أصول كتب اللغة وما بعدها من ("العباب" و"مجمع البحرين") للصاغاني، و"النهاية" لابن الأثير و"لسان العرب" لابن مكرم، و"المصباح" للفيومي و "القاموس" للفيروزابادي، فهو جمع لها أو اختصار منها. علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع أول كتاب دون في علم البيان كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة تلميذ الخليل ثم تبعه العلماء: ولا يعلم أول من ألف في المعاني بالضبط، وإنما أثر فيها كلام عن البلغاء وأشهرهم الجاحظ في إعجاز القرآن وغيره. وأول من دون كتبا في علم البديع ابن المعتز وقدامة بن جعفر. وقبل ذلك كان البديع يستعمل في الشعر عملاً، وبقيت هذه العلوم تتكامل ويزيد فيها العلماء حتى جاء فحل البلاغة عبد القاهر الجرجاني فألف في المعاني كتابه دلائل الإعجاز وفي البيان كتابه أسرار البلاغة وجاء بعده السكاكي فألف كتابه العظيم مفتاح العلوم. الخليل بن أحمد هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي البصري مخترع العروض، ومبتكر المعجمات، وواضع الشكل العربي المستعمل الآن. ولد سنة ١٠٠ بالبصرة ونشأ بها وأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة زمانه وأكثر الخروج إلى البوادي، وسمع الأعراب الفصحاء، فنبغ في العربية نبوغاً لم يكن لأحد ممن تقدمه أو تأخر عنه، وكان غاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله ولقن ذلك تلميذه سيبويه. ومما يشهد له بحدة الفكر وبعد النظر اختراعه العروض علماً كاملاً لم يحتج إلى تهذيب بعد، وابتكاره طريقة تدوين المعجمات بتأليف كتاب

стр. 425

"العين" وتدوينه كتاباً دقيقاً في الموسيقى على غير معرفة بلغة أجنبية واشتغال بلهو، وزاد في الشطرنج قطعة سماها جملاً لعب بها الناس زمناً، وبقي الخليل مقيماً بالبصرة طول حياته زاهداً متعففاً مكباً على العلم والتعليم حتى مات في أوائل خلافه الرشيد سنة ١٧٤ هـ? بصدمة في دعامة مسجد ارتج منها دماغه. سيبويه هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر: إمام البصريين وحجة النحويين. ولد بالبيضاء من سلالة فارسية ونشأ بالبصرة وكان يطلب أول أمره الحديث والفقه فعيبت عليه لحنة لحنها في مجلس شيخه فخجل، وطلب النحو ولازم الخليل وأخذ عن غيره أيضاً وكان الخليل يؤثره على أصحابه، فدون جميع ما أخذه عنه ونقله عن غيره في كتابه الذي لم يجمع قبله مثله ولولا هذا (الكتاب) الذي رواه عنه وشرحه تلميذه الأخفش ما كان لسيبويه خبر يشهر لوفاته كهلاً ولقلة من أخذ عنه هذا الكتاب ولأنه لا يعرف له كتاب غيره وبحسبك هو، ومات ببلدته البيضاء بفارس سنة ١٧٧ هـ? الكسائي هو أبو الحسن علي بن حمزة: أحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في النحو واللغة: نشأ بالكوفة وتعلم على الكبر بعد لحنة لحنها أمام جمع من طلبة العلم فلازم أئمة الكوفة حتى أنفذ ما عندهم، ثم خرج إلى الخليل بالبصرة وجلس في حلقته، وأعجبه علمه. فقال له: من أين علمك هذا قال من بوادي الحجاز ونجد وتهامة فخرج إليها، وأنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ عنهم. ولما رجع من البادية وجه إليه المهدي فخرج إلى بغداد فحظي عنده وضمه إلى حاشية ابنه الرشيد، ثم جعله الرشيد مؤدب ولده الأمين، فكان يجلسه هو والقاضي محمد بن الحسن صاحب

стр. 426

أبي حنيفة على كرسيين متميزين بحضرته، وما زالا على هذه الكرامة حتى خرج الرشيد إلى الري وهما في صحبته فماتا في يوم واحد فبكاهما وقال دفنت الفقه والعربية بالري وذلك سنة ١٨٩ هـ? وقد انتهت إليه إمامة القراءة والعربية بالكوفة وبغداد، وكان يروي الشعر وليس له فيه جيد نظر. العلوم الشرعية التفسير: لم يدون في كتب جامعة تجمع سور القرآن الكريم كلها إلا في عصر الدولة العباسية. وكان التفسير عبارة عن نقل روايات عن النبي (وأصحابه تبين المراد من آياته، وأول طبقة من المفسرين أدركت الدولة العباسية أو نشأت في صدرها طبقة سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج وإسحاق بن راهويه ومقاتل بن وسليمان والفراء. الحديث أول كتاب جمع في الحديث الكتاب الذي أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بتدوينه ولم يعرف له خبر بعد: ثم أخذ العلماء يدونون فيه بحض الخليفة أبي جعفر وأولاده، فدون الإمام مالك موطأه. ولما اشتدت رغبة الناس في طلب الحديث وضع كثير من الزنادقة واليهود المتظاهرين بالإسلام كثيراً من الأحاديث فتجرد لها الأئمة الأعلام وبينوا صحيحها من فاسدها كإسحاق بن راهويه وتلميذه محمد بن إسماعيل البخاري الذي دون كتابه في الأحاديث الصحاح فقط، وتبعه تلميذه مسلم بن الحجاج، والإمام أحمد بن حنبل وأصحاب كتب السنة الصحاح وهم: الترمذي وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. هذه هي أصول الكتب في الحديث

стр. 427

الإمام البخاري هو أبو عبد الله محمد بنم إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، إمام المحدثين وصاحب الجامع الصحيح أجل كتب الإسلام بعد كتاب الله العزيز. ولد ببخارى من سلالة فارسية سنة ١٩٤ هـ? ونشأ بها يتيماً فحفظ القرآن وألم بالعربية وهو صبي وحبب إليه سماع الحديث فكان أول سماعه من علماء بخارى وهو لم يناهز البلوغ حتى حفظ عشرات الألوف من الأحاديث ودخل من أجله أكثر ممالك المشرق وأخذ عنه علماؤها وأئمتها ومنهم أحمد بن حنبل. وتفقه على مذهب الشافعي واستخرج كتابه "الجامع الصحيح" من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة جمع فيه تسعة آلاف حديث مكرر بعضها بتكرر وجوهها وقال إني جعلته بيني وبين الله فأجمع علماء السنة على أنه لم يكن فيها أصح منه ومات سنة ٢٥٦ هـ?. علم الفقه لما كان المروي عن رسول الله وظاهر نص القرآن لا يستوعبان كل أحكام الوقائع المختلفة المتجددة بتجدد الزمان والمكان كان الاجتهاد ضرورياً في الدين وجاءت الدولة العباسية وأهل الحجاز يرجحون جانب الأخذ بالحديث لكثرة رواته بينهم، وإمامهم في مذهبهم مالك بن أنس، وأهل العراق يرجحون جانب الأخذ بالقياس، وإمامهم في مذهبهم أبو حنيفة لكثرة ما وضعه متزندقة العراق في الحديث ثم لما دخل أهل الحجاز العراق وتساوى الفريقان في معرفة الأحاديث عملوا بهما، ونشأ من ذلك عدة مذاهب أشهرها مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد بن حنبل، وهذه المذاهب الأربعة هي التي ارتضاها معظم الأمة في أمر دينها ودنياها ثم كان لكل مذهب أئمة مجتهدون فيه:

стр. 428

الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت فقيه العراق. ولد سنة ٨٠ هـ? من سلالة فارسية ونشأ بالكوفة بعض الصاحبة وأخذ كل علمه عمن شافه الصحابة ونقل عنهم، وكان من أعبد الناس وأكثرهم تهجداً وقراءة للقرآن الكريم وأكثرهم ورعاً وتوخياً للكسب من وجه حل، رضي أن يعيش تاجر خز ورغب عن وظائف الملوك والخلفاء، وعرض عليه القضاء من قبل أمراء بني أمية ثم المنصور فأبى فسجنه وآذاه حتى قيل أنه مات في سجنه وكان يعتذر بأنه لا يأمن نفسه أن تزل وقرأ عليه الكوفة وبغداد وتخرج عليه منها الأئمة من أصحاب كمحمد بن الحسن وأبي يوسف وزفر، ومات ببغداد سنة ١٥٠ هـ? واستنباط فقهه من القرآن والحديث مع استعمال الرأي والقياس. الإمام مالك هو أبو عبد الله مالك بن أنس أمام دار الهجرة وسيد فقهاء الحجاز من سلالة عربية ولد سنة ٩٥ هـ? بالمدينة المنورة ونشأ بها وأدرك خيار التابعين ومن الفقهاء والعباد ورحل إليهم وأخذ عنهم وما زال يدأب في التحصيل وجمع السنة حتى صار حجة من حجج الله في أرضه وضرب به المثل فقيل: (لا يفتى ومالك بالمدينة) وعرف الخلفاء قدره فأجلوه، حتى أن الرشيد رحل هو وأولاده إليه بالحجاز ليسمع موطأه فسمعه وأغدق عليه. وكان مالك أول أمره فقيراً فلما كثرت منح الخلفاء له حسن حالة فالظهر نعمة الله عليه ووصل أهل العلم وأشركهم في ماله ومنهم الشافعي. وأخلاقه: من الكرم والطلاقة والوقار والنبل والتواضع والحب

стр. 429

لرسول الله ﵊ تجل عن الوصف حتى أنه كان لا يركب دابة في المدينة إجلالاً لأرض ضمت جسد رسول الله وتوفي سنة ١٧٩ بالمدينة ودفن بالبقيع. الإمام الشافعي هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع. عالم قريش وفجرها وإمام الشريعة وحبرها، وهو من ولد المطلب بن عبد مناف ولد بمدينة غزة سنة ١٥٠ هـ? وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها فقيراً تربيه أمه ويواسيه ذوو قرابته من قريش، حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين وأولع بالنحو والشعر واللغة ورحل إلى البادية في تطلبها ولم يناهز سن البلوغ حتى حفظ منها شيئاً كثيراً، ثم تفقه وحفظ موطأ مالك وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. ثم رحل في هذه السن إلى مالك وقرا عليه الموطأ من حفظه فقال مالك: إن يكن أحد يفلح فهذا الغلام. وأضافه وخدمه بنفسه. ثم رجع إلى مكة، وعلم بها العربية والفقه، وصحح عليه الأصمعي شعر الهذليين ثم دخل بغداد سنة ١٩٥ فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه. وفي سنة ١٩٩ أو سنة ٢٠٠ هـ? خرج إلى مصر وسكن الفسطاط فكانت دار هجرته، وبها أملى مذهبه بجامع عمرو، وتوفي سنة ٢٠٤هـ?. الإمام أحمد بن حنبل هو الإمام الصابر المحتسب أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني ولد ببغداد من سلالة عربية سنة ١٦٤ فتعلم العلم وطلب الحديث وسمع من أئمة وقته حتى حفظ مئات الألوف من الأحاديث وأختار منها نيفاً وأربعين ألف حديث ضمنها كتابه المسند، واستنبط مذهبه من السنة مشوباً بشيء من القياس والرأي وظهرت في مدته فتنة خلق القرآن، فامتحن بها في

стр. 430

مجلس المعتصم ليجيبهم إلى القول بخلق القرآن فلم يفعل، فضرب حتى أغمي عليه، ثم عوفي واشتغل بالعلم والتعليم ببغداد حتى مات سنة ٢٤١ هـ?. علم الكلام كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يستدلون على عقائدهم بظاهر الكتاب والسنة. وما وقع فيهما من المتشابه أو أوهم التشبيه المنافي لتنزيه المعبود توقفوا فيه خوف أن يحيد بهم فهمهم في التأويل عن القصد. غير أن ذلك لم يقنع من دخل في الإسلام فكثر جدلهم واضطر العلماء أن يعارضوهم وساعدهم الخلفاء وأولهم المهدي الذي حرضهم على تدوين علم الكلام "التوحيد" فافترق المرضي عن مذهبهم من علماء الكلام فرقتين، فرقة اعتقدت ما يقرب من مذهب السلف وسموا الجماعية أو أصحاب الحديث، وفرقة اعتزلها وخالفتها في بعض المسائل وسموا المعتزلة أو أصحاب العدل، وجرى رجال الحكومة العباسية على هذا المذهب ونصروه، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري فألف مذهبه الكلامي الذي سمي بعد بمذهب الأشاعرة وغلب على كل مذهب شواء إلا بعض مذاهب قليلة كمذهب الشيعة "وبقي كثير منها إلى الآن" ومذاهب الخوارج وبقي منهم إلى عصرنا بقية في الجبل الأخضر من برقة، وفي جزيرة جربة على ساحل تونس وببلاد البحرين. أبو الحسن الأشعري هو أبو الحسن علي بن إسماعيل شيخ طريقة أهل السنة والجماعة وإمام المتكلمين ولد بالبصرة سنة ٢٦٠ هـ?، ونشأ علم الكلام عن أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة وتبعه في الاعتزال، واحتج له حتى صار لسان المعتزلة أكثر من ثلاثين عاماً، ثم هداه البحث. فرأى أن كلا الفريقين من هؤلاء

стр. 431

ومن المعتزلة غال في نظره، فتوسط وتغيب عن الناس مدة ألف فيها كتبه في نصرة أهل السنة والرد على أكثر عقائد المعتزلة؛ وكان شافعي المذهب، توفي سنة ٣٢٤ هـ? وممن نصر مذهبه الفجر الرازي والغزالي وقاربه في مذهبه القاضي أبو منصور الماتريدي. الإمام الغزالي هو أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي حجة الإسلام ولذ سنة ٤٥٠ هـ ونشأ بطوس وتعلم بها مبادئ العلوم ثم رحل إلى نيسابور، ولازم إمام الحرمين الجويني وهو يومئذ عالم الشافعية في الشرق فما زال يتلقى عنه العلم حتى صار من أكابر متكلمي الأشاعرة وفقهاء الشافعية. ولما مات الجويني ذهب إلى بغداد ولقي الوزير نظام الملك صاحب المدرسة النظامية الشهيرة وناظر بحضرته العلماء فظهر عليهم وأقر له فحول العراق بالفضل فتولى التدريس بالمدرسة النظامية أربع سنوات، ثم حج وذهب إلى الشام يدرس ويسيح لزيارة بعض مشاهد أنبيائها ثم دخل مصر وأقام بالإسكندرية مدة ثم عاد إلى موطنه طوس واشتغل بتأليف الكتب الجليلة التي في مقدمتها كتاب "إحياء علوم الدين" ثم لزم التدريس بنيسابور ثم عاد إلى موطنه حيث مضى بقية عمره بين التدريس ووعظ الصوفية وعمل البر حتى مات بطوس سنة ٥٠٥ هـ?. نشأة العلوم الكونية المنقولة وترجمتها وأشهر المترجمين والمشتغلين بها وكانت تسمى علوم الفلسفة والحكمة وتشمل أربعة علوم: المنطق، والطبيعيات، والرياضيات، والإليهات، وتشمل الطبيعيات علم الطبيعة والكيمياء وفن المواليد الثلاثة والطب والصيدلة والفلاحة.

стр. 432

وتشمل الرياضيات علم الحساب وعلم الجبر وعلم الهندسة وعلم الآلات والحيل (الميكانيكا) وعلم الفلك الشامل للهيئة والتنجيم، ومن متعلقاته علم الجغرافيا الرياضية. ويلحق بهذه العلوم علم السياسة وتدبير المنزل والمال وعلم الأخلاق والموسيقى: وتشمل الإلهيات علم ما وراء الطبيعة من الروحانيات والمدركات العقلية كالبحث عن صفات الخالق والقوى النفسية والجن والملائكة ونحو ذلك. وهذه العلوم فطرية في الإنسان من حيث أنه متفكر متمدين لا تختص بها أمة دون أخرى فكان الاشتغال بها ضرورياً لكل أمة أصبحت ذات حضارة ولذلك ترجم المسلمون يعضها في عصر بني أمية، واستقدم المنصور العباسي كثيراً من الأطباء والمترجمين، فترجموا له كتب اليونان والفرس والهنود في الطب والفلك والسياسة، ولما مات المنصور فتر أمر الترجمة إلى زمن الرشيد والبرامكة فحثوا العلماء على ترجمة الكتب اليونانية وصححوا بعض ما ترجم زمن المنصور، ثم جاء عصر المأمون فزخرت بحور الترجمة الترجمة، وبعث إلى بلاد الروم جماعة من المترجمين كابن البطريق، وسلم صاحب بيت الحكمة والحجاج بن مطر وحنين بن إسحاق فاختاروا كتباً حملوها إلى بغداد وترجمت وتعلمها الناس وصححوا أغلاطها واستدركوا عليها ولم يمض قرن من تأسيس الدولة العباسية حتى برع المسلمون في هذا العلوم كلها، وظهر منهم من الحكماء والفلاسفة من كاد يلحق فلاسفة اليونان. ومن هؤلاء فيلسوف الإسلام والعرب أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وتلميذه أحمد بن الطيب السرخسي وبنو موسى بن شاكر محمد وأحمد والحسن أشهر رياضي هذا العصر، وأول المخترعين من المسلمين في الحيل والهندسة، ومحمد بن موسى الخوارزمي مخترع علم الجبر والمقابلة. ومذيع الحساب الهندي بين العرب. ثم ذهب طور الترجمة والتصحيح. وتلاه طور التأليف والتكميل والاختراع فأتى فيه بالعجب العجاب

стр. 433

أبو نصر محمد بن محمد طرخان الفارابي الحكيم الكبير مخترع آلة الطرب المسماة بالقانون، والتي استنبط الإفرنج بمحاكاتها آلة المعزف (البيانو) المتوفى سنة ٣٣٩ هـ? وأبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب الكيميائي الشهير المتوفى سنة ٣١٣ هـ? والشيخ الرئيس حكيم المشرق أبو علي الحسين بن سينا المتوفى سنة ٤٢٨ هـ? وأبو الريحان احمد بن محمد البيروني الفلكي الرياضي المقوم المتوفى سنة ٤٣٠ هـ?. وكان لدولة الفواطم في مصر اشتغال بهذه العلوم فاشتهر في دولتهم في الفلك والرياضيات ابن يونس، وفي الطب ابن رضوان وغيرهما، ولم يعن أهل الأندلس بهذه العلوم عناية أهل المشرق، وأشهر من نبع منهم فيها أبو الوليد القاضي أحمد بن رشد وأبو القاسم الزهراوي، ومن كتب هؤلاء الأئمة وأمثالهم اقتبس أهل (أوربا) كثيراً من أصول مدينتهم الحاضرة. الشعر والشعراء قد كان للشعر عند الخلفاء والوزراء والقواد سوق نافقة حتى عند رؤساء الأعاجم من الديلم والترك، ودام كذلك إلى انتهاء الدولة العباسية. وبهذه العناية العظيمة بل وكثرة قائليه ومنتحليه تفنن الناس وأدخلوا عليه فنوناً لم تعهد فيه واستعملوه في كل غرض حتى التعبد به، وتشكل أسلوبه وتنوعت معانيه بما يطابق أغراض استعماله. ولم يقصر الشعر على الموالي في صدر الدولة العباسية كالكتابة، بل اشتركوا فيه هم وغيرهم من أعراب البادية أحياناً ومن سلائل العرب بالأمصار أخرى، غير أن بضعة من فحول صدر الدولة كانوا موالي مثل بشار، وأبي نواس، ومسلم، وأبي العتاهية، وابن الرومي. ومن أشهر شعراء الأمصار من العرب أبو تمام، والبحتري، وابن المعتز، والمتنبي،

стр. 434

وأبو فراس، وأبو العلاء المعري، وابن هانئ الأندلسي، والشريف الرضي. (١) بشار بن برد هو أبو معاذ بشار المرعث بن برد: اشعر مخضومي الدولتين ورأس الشعراء المحدثين، وممهد طريق الاختراع والبديع للمتفننين، وأحد البلغاء المكفوفين. وأصله من فرس طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة فنشأ بشار فيهم وأختلف إلى الأعراب الضاربين بالبصرة حتى خرج نابغة زمانه في الفصاحة والشعر، وكان أكمه مجدور الوجه قبيح المنظر، مفرط الطول، ضخم الجثة، متوقد الذكاء، لا يسلم من لسانه خليفة ولا سوقة، لا يألف ولا يؤلف. شعره: قد أجمع رواة الشعر ونقدته على أن بشاراً هو رأس المحدثين وأسبقهم إلى معاطاة البديع وطرق أبواب المجون والخلاعة والغزل والهجاء وأنه أول من جمع في شعره بين جزالة العرب ورقة وفتق عن المعاني الدقيقة والأخيلة اللطيفة حتى عد شعره برزخاً بين الشعر القديم والحديث ومجازاً يعبر عليه الشعر من مرابع البدواة إلى مقاصير الحضارة، ومات سنة ١٦٧ هـ?. ومن شعره في المشورة والحكم والنصائح: إذا بلغ الرأيُ المشورةَ فاستعن ... برأي نصيحٍ أو نصيحةِ حازم ولا تجعل الشُّورى عليك غضاضةً ... فإن الخوافي قوةٌ للقوادم وما خيرُ كفّ أمسك الغلُّ أختها ... وما خيرُ سيفٍ لم يؤيّد بقائم وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن ... نؤوماً فإنّ الحرِّ ليس بنائم

стр. 435

وقوله: إذا كنتَ في كلّ الأمور معاتباً ... صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبهْ فعش واحداً أو صلْ أخاك فإنه ... مقارفُ ذنب مرَّةً ومجانبهْ إذا أنت لم تشربْ مراراً على القذى ... ظمئتَ وأي الناس تصفو مشاربه وقوله: خليليَّ إن المالَ ليس بنافع ... إذا لم ينلْ منه أخٌ وصديقُ وكنتُ إذا ضاقت عليَّ محلة ... تيمّمت أخرى ما عليَّ مضيقُ وما خاب بين الله والناس عاملٌ ... له في التقى أو في المحامد سوق وما ضاق فضلُ الله عن متعفِّف ... ولكنَّ أخلاقَ الرجال تضيق (٢) أبو نواس هو أبو علي الحسن بن هانئ، الشاعر المتفنن الجاد الماجن، صاحب الصيت الطائر، والشعر السائر، ورأس المحدثين بعد بشار، وهو فارسي الأصل. ولد بقرية من كورة خوذستان سنة ١٤٦ هـ? ونشأ يتيماً فقدمت به أمه البصرة بعد سنتين من مولده فتعلم العربية ورغب في الأدب فلم تعبأ أمه بحاله وأسلمته إلى عطار بالبصرة، فمكث عنده لا يفتر عن معاناة الشعر إلى أن صادفه عند العطار "والبة بن الحباب" الشاعر الماجن الكوفي في إحدى قدماته إلى البصرة فأعجب كل منهما بالآخر، فأخرجه والبة معه إلى الكوفة فبقي معه ومع ندمائه من خلعاء الكوفة، وتخرج عليهم في الشعر وفاقهم جميعاً، وبلغ خبره الرشيد فأذن له في مدحه فمدحه بقصائد طنانة، ثم انقطع إلى مدح محمد الأمين وثبت عنده بعض ما يوجب تعزيره فسجنه ولم يلبث بعد خروجه من السجن أن مات ببغداد سنة ١٩٨ هـ?. وكان أبو نواس جميل الصورة فكه المحضر، كثير الدعابة، حاضر البديهة، متيناً في اللغة والشعر والأدب.

стр. 436

شعره: أكثر علماء الشعر ونقدته وفحول الشعراء على أن أبا نواس أشعر المحدثين بعد بشار وأكثرهم تفنناً وأبدعهم خيالاً مع دقة لفظ وبديع معنى وأنه شاعر مطبوع برزفي كل فن من فنون الشعر، وامتاز من كل الشعراء بقصائد الخمريات ومقطعاته المجونيات. وكان شعره لقاح الفساد والقدوة السيئة لنقله الغزل من أوصاف المؤنث إلى المذكر. ومن قوله لما حضرته الوفاة: يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرةً ... فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ إن كان لا يرجوك إلاَّ محسنٌ ... فبمن يلوذُ ويستجير المجرمُ أدعوك ربّ كما أمرت تضرُّعا ... فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ؟ مالي إليك وسيلة إلاّ الرّجا ... وجميلُ عفوك ثم إني مسلمُ (٣) مسلم بن الوليد هو صريع الغواني أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري، أحد الشعراء المفلقين. قال الشعر في صباه ولم يتجاوز به الأمراء والرؤساء مكتفياً بما يناله من قليل العطاء، ثم انقطع إلى يزيد بن مزيد الشيباني قائد الرشيد، ثم اتصل بالخليفة هارون الرشيد ومدحه ومدح البرامكة وحسن رأيهم فيه ولما أصبح الحل والعقد بيد ذي الرياستين: الفضل بن سهل وزير المأمون في أول خلافته، قربه وأدناه وولاه أعمالاً بجرجان، ثم الضياع بأصبهان.

стр. 437

ولما قتل الفضل لزم منزلة ونسك ولم يمدح أحداً حتى مات بجرجان سنة ٢٠٨ هـ?. شعره: قد تكلف البديع في شعره واستكثر منه في قوله، ومزج كلام البدويين بكلام الحضريين فضمنه المعاني اللطيفة وكساه الألفاظ الظريفة. فله جزالة البدويتين ورقة الحضريين. ومن جيد قوله: تجودُ بالنَّفس إن ضنَّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجود (٤) أبو العتاهية هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد، أطبع أهل زمانه شعراً وأكثرهم قولاً وأسهلهم لفظاً وأسرعهم بديهة وارتجالاً وأول من فتح للشعراء باب الوعظ والتزهيد في الدنيا والنهي عن الاغترار بها وأكثر من الحكمة. ولد بالكوفة سنة ١٣٠ هـ? ونسا في عمل أهله وكانوا باعة جرار إلا أنه ربا بنفسه عن عملهم. وقال الشعر في صباه وامتزج بلحمه ودمه فذاع صيته وسلك طريق خلعاء الكوفة ثم قدم بغداد ومدح المهدي. ثم عرضت له حال امتنع فيها عن قول الشعر حتى حبسه الرشيد لعدم تلبيته ما اقترحه علي من القول فيه ثم أطلقه بعد أن أجاب طلبته وعاد إلى قول الشعر على عادته فيه، وترك الغزل والهجاء وبقي على ذلك مدة الرشيد والأمين وأكثر أيام المأمون حتى مات سنة ٢١١ هـ? ببغداد ومن شعره يمدح المهدي: أتته الخلافةُ منقادةً ... إليه تجررُ أذيالها فلم تك تصلح إلاَّ له ... ولم يكُ يصلح إلاَّ لها ولو رامها أحدٌ غيره ... لزلزلتِ الأرضُ زلزالها ولو لم تطعهُ بناتُ القلو ... ب لما قبلَ الله أعمالها وأن الخليفة من بغضِ لا ... إليه ليبغضُ من قالها وكتب على البديهة في ظهر كتاب: ألا إنّنا كلّنا بائدُ ... وأيُّ بني آدمِ خالدُ وبدؤهم كان من ربهمْ ... وكلٌّ إلى ربّه عائدُ فيا عجباً كيف يعصي الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحدُ ولله في كلّ تحريكة ... وفي كلّ تسكينةٍ شاهدُ وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنهُ واحدُ (٥) أبو تمام هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي أسبق ثلاثة الشعراء الذين سارت بذكرهم الركبان. وخلد شعرهم الزمان. ثانيهم البحتري، وثالثهم المتنبيء ولد سنة ١٩٠ هـ? بقرية جاسم من أعمال دمشق ونقل صغيراً إلى مصر فنشأ بها فقيراً وكان يسقي الماء بالجرة في جامع عمرو. وتعلم العربية وحفظ ما لا يحصى من شعر العرب ونبغ في قوله، ثم خرج إلى مقر الخلافة فمدح المعتصم وحظي عنده ومدح وزيره محمد بن الزيات والحسن بن وهب الذي ولاه بريد المصل فأقام بها إلى أن مات سنة ٢٣١ هـ?. شعره: يعد أبو تمام رأس الطبقة الثالثة من المحدثين، انتهت إليه معاني المتقدمين والمتأخرين وظهر والدنيا قد ملئت بترجمة علوم والأوائل وحكمتها

стр. 438

فحصف عقله ولطف خياله بالاطلاع عليها. وهو الذي مهد طريق الحكم والأمثال للمتنبي وأبي العلاء وغيرهما، ولذلك كان يقال إن أبا تمام والمتنبي حكيمان والشاعر البحتري. وأجاد أبو تمام في كل فن من فنون الشعر، أما مراثيه فلم يعلق بها أحد جاش صدره بشعر، وأشهرها القصيدة التي رثي بها محمد بن الطائي ومنها: كذا فخليلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ ... فليسَ لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ توفيتِ الآمالُ بعد محمد ... وأصبح في شغلٍ عن السَّفر السفرُ وما كان إلاَّ مالَ من قلّ ماله ... وذخراً لمن أمس وليس له ذخر وما كان يدري مجتدى جودٍ كفه ... إذا ما استهلّتْ أنهُ خلق العسرُ ألا في سبيل الله من عطّلت له ... فجاجُ سبيل الله وانثغرَ الثغرُ فتى كلّما فاضت عيون قبيلة ... دماً ضحكت عنهُ الأحاديث والذكر فتى دهره شطران فيما ينوبه ... ففي بأسه شطر وفي جوده شطر فتى مات بين الطَّعن والضرب ميتة ... تقوم مقامَ النصر إنْ فاته النصرُ وما مات حتى مات مضربُ سيفه ... من الضرب واعتلّت عليه القنا السُّمر وقد كان فوتُ الموت سهلاً فرّده ... إليه الحفاظ المرُّ والخلقُ الوعرُ ونفسٌ تعاف العارَ حتى كأنما ... هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر فأثبتَ في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر غدا غدوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلا وأكفانهُ الأجر (٦) البحتري هو أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي أشعر الشعراء بعد أبي نواس

стр. 439

ولد سنة ٢٠٦ هـ? بناحية منبج في قبائل طي وغيرها من البدو الضاربين في شواطئ الفرات ونشأ بينهم فغلبت عليه فصاحة العرب وخرج إلى العراف وأقام في خدمة المتوكل والفتح بن خاقان محترماً عندهما إلى قتلا في مجلس كان هو حاضرة فرجع إلى منبج، وبقي يختلف أحياناً إلى رؤساء بغداد وسر من رأى حتى مات سنة ٢٨٤ هـ?: وكان على فضله وفصاحته من أبخل خلق الله وأوسخهم ثوباً وأكثرهم فخراً بشعره حتى كان يقول إذا أعجبه شعره أحسنت والله، ويقول للمستمعين: ما لكم لا تقولون أحسنت. والكثير على أنه لم يأت بعد أبي نواس من هو أشعر من البحتري، ولا بعد البحتري من هو أطبع منه على الشعر ولا أبدع منه في الخيال الشعري. شعره: كله بديع المعنى حسن الديباجة صقيل اللفظ، سلس الأسلوب كأنه سيل ينحدر إلى الأسماع مجوداً في كل غرض سوى الهجاء ولذلك اعتبره كثير من أهل الأدب هو الشاعر الحقيقي واعتبروا أمثال أبي تمام والمتنبي والمعري حكماء، ولسهولة شعره ورقته كان أكثر الأصوات التي يتغنى بها في زمنه من شعره المطبوع في ديوان حافل. ومن قوله يمدح الخليفة المتوكل ويصف موكب خروجه لصلاة عيد الفطر وخطبته في الناس: بالبرِّ صمتَ وأنتَ أفضل صائم ... وبسنَّة الله الرَّضيَّة تفطر فانعمْ بيوم الفطر عيدا إنهُ ... يوم أغرُّ من الزمان مشهَّرُ أظهرتَ عز الملك فيه بجحفل ... لجبِ يحاطُ الدّينُ فيه وينصرُ خلنا الجبالَ تسير فيه وقد غدتْ ... عدداً يسير بها العديدُ الأكثرُ فالخيلُ تصهلُ والفوارسُ تدّعي ... والبيض تلمع والأسنّةُ تزهرُ والأرضُ خاشعةٌ تميد بثقلها ... والجوُّ معتكرُ الجوانب أغبرُ

стр. 440

والشمس طالعة توقّدُ في الضحى ... طوراً ويطفئها العجاجُ الأكدرُ حتى طلعتَ بضوء وجهك فانجلى ... ذاك الدُّجى وإنجاب ذاك العثيرُ فافتنّ فيك الناظرون فإصبعٌ ... يوماً إليك بها وعينٌ تنظرُ يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعمِ الله الَّتي لا تكفرُ ذكروا بطلعتك النبيّ فهلّلوا ... لما طلعتَ من الصفوف وكبّروا حتى انتهيتَ إلى المصلّى لابساً ... نورَ الهدى يبدو عليكَ ويظهرُ ومشيتَ مشية خاشع متواضعِ ... لله لا يزهى ولا يتكبَّرُ فلوَ أن مشتاقاً تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبرُ أبديتَ من فصل الخطاب بحكمة ... تنبي عن الحق المبين وتخبرُ ووقفتَ في براد النبيّ مذكّراً ... بالله تنذر تارة وتبشِّرُ (٧) ابن الرومي هو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج الرومي مولى بني العباس الشاعر المكثر المطبوع، صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، والمعاني المخترعة والأهاجي المقذعة. ولد ببغداد سنة ٢٢١ هـ? ونشأ بها، وأقام كل حياته، وكان كثير التطير جداً وكان القاسم بن عبيد الله وزير المعتز يخاف هجوه وفلتات لسانه فسلط عليه من دس له السم في الدسم إلى أن مات سنة ٢٨٣ هـ? ببغداد هـ? وآثاره في أبواب هذا الكتاب. شعره: قاله في كل غرض ولا سيما الوصف والهجاء، ونبغ في الشعر نبوغاً لم يقصر به كثيراً عن درجة البحتري، وربما فاقه في اختراع المعاني النادرة أو توليدها من معاني من سبقه بشكل جديد، ووضعها في أحسن قالب،

стр. 441

وله ديوان كبير. (٨) ابن المعتز هو أمير المؤمنين أبو العباس عبد الله بن أمير المؤمنين محمد المعتز بالله أشعر بني هاشم، وأبرع الناس في الأوصاف والتشبيهات. ولد سنة ٢٤٩ هـ? في بيت الخلافة، وتربى تربية الملوك وأخذ عن المبرد وثعلب ومهر في كل علم يعرفه أئمة عصره وفلاسفة دهره حتى هابه وزراء الدولة وشيخ كتابها وعملوا على أن لا يقلدوه الخلافة خشية أن يكف أيديهم عن الاستبداد بالملك، وولوا المقتدر صبياً، ثم حدثت فتن عظيمة فتسرع محمد بن داود بن الجراح وجمع العلماء وخلعوا المقتدر، وبايعوا ابن المعتز بالخلافة على غير طلب منه. فلما رأى غلمان المقتدر أن الأمر سيخرج من أيديهم تآمروا على قتله وخنق من ليلته سنة ٢٩٦ هـ?، وآثاره متفرقة في هذا الكتاب. (٩) أبو الطيب المتنبي هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي المتنبي الشاعر الحكيم، وخاتم ثلاثة الشعراء، وآخر من بلغ شعره غاية الارتقاء. وهو من سلالة عربية من قبيلة جعفي بن سعد العشيرة إحدى قبائل اليمانية. ولد بالكوفة سنة ٣٠٣ هـ? في محلة كندة ونشأ بها وأولع بتعلم العربية من صباه وكان أبوه سقاء فخرج به إلى الشام ورأى أبو الطيب أن استتمام علمه باللغة والشعر لا يكون إلا بالمعيشة في البادية فخرج إلى بادية بني كلب فأقام بينهم مدة ينشدهم من شعره وبأخذ عنهم اللغة فعظم شأنه بينهم. وكانت الأعراب الضاربون بمشارف الشام شديدي الشغف على ولاتها فوشى بعضهم إلى لؤلؤ أمير حمص من قبل الأخشيدية بأن أبا الطيب ادعى النبوة في بني كلب وتبعه منهم خلق كثير ويخشى على ملك الشام منه. فخرج لؤلؤ إلى بني كلب وحاربهم وقبض على المتنبي وسجنه طويلاً ثم استتابه وأطلقه.

стр. 442

فخرج من السجن وقد لصق به اسم المتنبي مع كراهته له. ثم تكسب بالشعر مدة انتهت بلحاقه بسيف الدولة بن حمدان فمدحه بما خلد اسمه أبد الدهر. وتعلم منه الفروسية وحضر معه وقائعه العظيمة مع الروم حتى عد من أبطال القتال رجاء أن يكون صاحب دولة. ثم قصد كافوراً الأخشيدي أمير مصر ومدحه ووعده كافور أن يقلده أمارة أو ولاية، ولكنه لما رأى تغاليه في شعره وفخر بنفسه عدل أن يوليه. وعاتبه بعضهم في ذلك فقال: يل قوم، من ادعى النبوة بعد محمد (أما يدعي المملكة بعد كافور، فحسبكم فعاتبه أبو الطيب واستأذن في الخروج من مصر فأبى. فتغفله في ليلة عيد النحر وخرج منها يريد الكوفة ومنها قصد عضد الدولة بن بويه بفارس ماراً ببغداد فمدحه ومدح وزيره ابن العميد فأجزل صلته وعاد إلى بغداد. وخرج إلى الكوفة فخرج عليه إعراب بني ضبة وفيهم فاتك بن أبي جهل، وكان المتنبي قد هجاه هجاء مقذعاً فقاتلهم قتالاً شديداً حتى قتل المتنبي وابنه وغلامه سنة ٣٥٤ هـ. شعره: لا خلاف عند أهل الأدب في أنه لم ينبغ بعد المتنبي في الشعر من بلغ شأوه أو داناه. والمعري على بعد غوره وفرط ذكائه وتوقد خاطره وشدة تعمقه في المعاني والتصورات الفلسفية يعترف بأبي الطيب ويقدمه على نفسه وغيره. ومن قوله: إذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزةً ... فلا تظنَّنَّ أن الليثَ يبتسمُ أعيذها نظراتٍ منك صادقةَ ... أن تحسبَ الشحم فيمن شحمهُ ورم وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرةٍ ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كلَّ شيءٍ بعدكم عدمُ إن كانَ سرَّكم ما قال حاسدنا ... فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ

стр. 443

وبيننا لو رعيتمْ ذاك معرفة ... أن المعارفَ في أهل النّهى ذممُ كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرمُ إذا ترحلتَ عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهمْ فالراحلون همُ ومن قوله: ذو العقلِ يشقى في النّعيم بعقله ... وأخو الجهالةِ في الشقّاوة ينعمُ لا يخدعنكَ من عدوًّ دمعهُ ... وارحمْ شبابك من عدوًّ ترحمُ لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى ... حتى يراقَ على جوانبه الدّمُ والظلمُ من شيمِ النفوس فإن تجدْ ... ذا عفَّة فلعلَّة لا يظلم ومن البليّة عذلُ من لا يرعوي ... عن غيّة وخطابُ من لا يفهم ومن العداوة ما ينالك نفعة ... ومن الصّداقة ما يضرُّ ويؤلم ومن قوله: ما كنت أحسبُ قبل دفنك في الثَّرى ... أن الكواكبَ في التراب تموزُ ما كنت آملُ قبل نعيك أن أرى ... رضوى على أيدي الرجال يسير خرجوا به ولكلّ باكٍ حوله ... صعقاتُ موسى يومَ دكَّ الطُّور حتى أتوا جدثاً كأن ضريحه ... في كل قلب موجدٍ محفور كفلَ الثناءُ له بردّ حياتهِ ... لمَّا انطوى فكأنه منشور (١٠) ابن هانئ الأندلسي هو أبو القاسم محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي شاعر الغرب ومتنبيه والمؤثر فخامة ألفاظه على رقة معانيه، وأحد المفرطين في غلو المدح واستعمال الاستعارة والتشبيه. ولد بأشبيلية ٣٢٦ هـ? ولما نبه شأنه اتصل بعامل أشبيلية زمن المستنصر الأموي، ومدحه بغرر القصائد فأحله منه منزلة سنية وأغدق عليه العطايا فأكب على اللهو والطرب والاستهتار، واتهم بالزندقة والكفر لاشتغاله بالفلسفة. ولما شاع ذلك عنه نقمة أهل أشبيلية وأشركوا عاملها في التهمة

стр. 444

وكادوا يهمون به فأشار عليه بالهجرة متن أشبيلية فاختار البحر إلى عدوة المغرب ومدح ولاته من قبل المعز الفاطمي، ثم نمي خبره إلى المعز فوجه في طلبه فوفد عليه بأفريقية ومدحه فاصطفاه واتخذ شاعر دولته. ولما فتح جوهر مصر وبنى القاهرة ورحل إليها المعز ليتخذها دار ملكه شيعه ابن هانئ، ورجع لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه، فلما وصل إلى برقة مات بها سنة ٣٦٢ هـ?، وعمره ٣٦ سنة. شعره: لم ينبغ في شعراء جزيرة الأندلس ولا بر المغرب جميعهما من يفوق ابن هانئ في صناعة الشعر أو يساويه فقد كان عندهم في الشهرة والإجادة وشرف الشعر بمنزلة المتنبي عند المشارقة ويسميه كثير من الأدباء بمتنبي المغرب. ومن قوله في وصف الخيل: وصواهلٍ لا الهضبُ يوم مغارها ... هضبٌ ولا البيدُ الحزون حزون عرفتْ بساعة سبقها لا أنها ... علقتْ بها يومَ الرّهان عيون وأجلُّ علم البرق فيها أنها ... مرّت بجانحتيهِ وهي ظنون ومن قوله الموهم الكفر في مطلع قصيدة يمدح بها المعز: ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ... فاحكم فأنت الواحدُ القهّار (١١) أبو العلاء المعري هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي الشاعر الفيلسوف المتفنن: وهو عربي النسب منى قبيلة تنوخ من بطون قضاعة من بيت علم وقضاء. ولد بمعرة النعمان سنة ٣٦٣ هـ? وجدر في الثالثة من عمره فكف بصره وتعلم على أبيه وغيره من أئمة زمانه، وكان يحفظ كل ما يسمعه من مرة: وقال الشعر وعمره إحدى عشرة سنة، ودخل بغداد، وأقبل عليه السيد المرتضى إقبالاً عظيماً ثم جفاه. ولما رجع إلى المعرة أقام ولم يبرح منزلة، ونسك وسمى نفسه رهن المحبسين: محبس العمى ومحبس المنزل وبقي فيه مكباً على التدريس والتأليف ونظم الشعر مقتنعاً بعشرات من الدنانير في العام يستغلها من عقار له، مجتنباً أكل الحيوان وما

стр. 445

يخرج منه مدة ٤٥ سنة، مكتفياً بالنبات متعللاً بأنه فقير وأنه يرحم الحيوان. وعاش عزبا إلى أن مات سنة ٤٤٩ هـ? بالمعرة. وأوصى أن يكتب على قبره: هذا جناه أبي عل ... يّ وما جنيتُ على أحد شعره: وله كثير من الشعر يناقض بعضه في حقيقة العالم والشرائع والمعبود وللناس في اعتقاده أقوال كثيرة والظاهر أنه كان شاكاً متحيراً وهو أحكم الشعراء بعد المتنبي ويفضل عليه في الطبيعيات والاجتماعيات والأخلاق والقوانين والفلسفة والشرائع والأديان. ومن مراثيه قوله: غير مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نوحُ باك ولا ترنُّم شادِ وشبيهٌ صوتُ النَّعي إذا قي? ... س بصوت البشير في كل ناد أبكتْ تلكمُ الحمامة أم غنّ ... ?تْ على فرع غصنها المياد صاح هذي قبرونا تملأ الرُّح ... بَ فأين القبورُ من عهد عاد خفِّف الوطء ما أظنّ أديم أل ... أرض إلاّ من هذه الأجساد وقبيحٌ بنا وإن قدم العه ... د هوانُ الآباءِ والأجداد سر إن استطعتَ في الهواء رويداً ... لا اختيالاً على رفاتِ العباد ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً ... ضاحك من تزاحمُ الأضداد ودفينِ على بقايا وفين ... في طويل الأزمان والآباد فاسأل الفرقدين عمن أحسّا ... من قبيل وآنساً من بلاد كمْ أقاما على زوال نهار ... وأنارا لمدلجِ في سواد تعبٌ كلها الحياةُ فما أع ... جبُ إلاّ من راغبٍ في ازياد إنّ حزناً في ساعة الموت إضعا ... فُ سرورٍ في ساعة الميلاد خلق الناس للبقاءِ فضلّت ... أمةٌ يحسبونهم للنفادِ

стр. 446

إنما ينقلون من دار أعما ... لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشاد ومنها: بانَ أمرُ الإله واختلف النا ... س فداعٍ إلى ضلالَ وهاد والذي حارت البريةُ فيه ... حيوان مستحدثٌ من جماد فاللبيبُ اللبيبُ من ليس يغت ... رُ بكونٍ مصيره للفساد ومن قوله: ضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهةً ... وحقّ لسكَّان البسيطة أن يبكوا تحطّمنا الأيام حتى كأننا ... زجاجٍ ولكن لا يعاد لنا سبك (١٢) ابن خفاجة الأندلسي هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله خفاجة شاعر شرقي الأندلس واشهر وصاف الطبيعة: ولد بجزيرة شقر من أعمال بلنسية سنة ٤٥٠ فتعلم ونظم الشعر وكتب الرسائل الإخوانية البليغة، الحوداث الجوية ومناظر الطبيعة: وله غزل رقيق ومدح بارع ورثاء بليغ. شعره: يمتاز بالجزالة وكثرة المعاني وازدحامها في اللفظ حتى يحتاج في فهمها إلى التأمل على خلاف مذهب الأندلسيين في ذلك: توفي سنة ٥٣٣ هـ?: ومن قوله يصف زهرة: ومائسة تزهى وقد خلع الحيا ... عليها حلّي حمراً وأودية خضراً يذوب لها ريقُ الغمائمُ فضّةً ... ويجمدُ في أعطافها ذهباً نضراً وقوله: يأهل أندلسٍ لله دركمُ ... ماءٌ وظلٌّ وأنهارٌ وأشجارٌ

стр. 447

ما جنةُ الخلد إلاّ في دياركم ... ولو تخيّرتُ هذي كنتُ أختارُ لا تخشوا بعدَ ذا أنْ تدخلوا سقراً ... فليس تدخلُ بعد الجنة النّارُ الرواية والرواة جاءت الدولة العباسية وقد اتسع نطاق الرواية واختص كل فريق من الناس برواية شيء: فلما دونت الكتب في عصر الدولة العباسية أفرغ الرواة ما حفظوه فيها وأخذ أمر الرواية يضمحل شيئاً فشيئاً في أكثر العلوم ولا شيما الأدب ثم اقتصر في الرواية على تصحيح النطق والأداء: ولكل علم رواة مشهورون وقد سبق الكلام على رواة العلوم والفنون في تاريخ وضعها. وأما رواة الأدب والشعر خاصة فأشهرهم حماد الرواية الكوفي، وخلف الأحمر البصري، وأبو عمرو الشيباني الكوفي، والسكري البغدادي. ومن رواة الأدب بجميع فنونه لغة وشعراً وأخباراً أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى، و الأصمعي ، وأبو زيد الأنصاري، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن سلام الجمجمي، وغيرهم. وهاك ترجمة أشهرهم في الرواية. الأصمعي هو شيخ رواة الأدب الإمام الثبت الحجة الثقة التقي أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي أصمع الباهلي البصري.

стр. 448

ولد سنة ١٢٣ هـ? ونشأ بالبصرة فأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة البصرة وأخذ عن فصحاء الأعراب وأكثر الخروج إلى البادية وشافه الأعراب وساكنهم وتعلم من خلف الأحمر نقد الشعر ومعانيه وكان أحفظ أهل زمانه حتى قال مرة إني أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة فقال له رجل: منها البيت والبيتان. فقال: ومنها المائة والمائتان. وعمر حتى أدرك زمن المأمون. وأراد المأمون أن يقدمه إليه فاعتذر بكبر السن. ومات سنة ٢١٦ هـ? وله مؤلفات كثيرة. العصر الرابع عصر المماليك التركية ٦٥٦ ١٣٣٠ ه ـ? حالة اللغة العربية وادابها في ذلك العصر لما اكتسح التتار ممالك الدولة العباسية افترقوا إلى ممالك متعددة بآسيا وشرقي أوروبا، ولم يلبثوا أكثر من نصف قرن حتى أسلموا وشرعوا يخدمون الإسلام: بتقريب العلماء إليهم وترغيبهم في التأليف، ففاد ذلك في إدامة الحركة العلمية في الجملة، وإن لم يفد اللغة العربية فائدة تذكر لمكان العجمة منهم، أما علوم العرب وأدبها فلم يكن لها مباءة ترجع إليها إلا البلاد العربية كالشام ومصر غير أنه أصبحت اللغة التركية العثمانية هي اللغة الرسمية للأعمال الديوانية والسياسية في جميع الممالك العثمانية، فزاحمت اللغة العربية مزاحمة ظهر أثرها بيناً في تحرير الرسائل الديوانية والمعاهدات السياسية، ودخل في اللغة أثناء دولتي المماليك والعثمانيين كثير من الألفاظ التركية والفارسية: النثر لغة التخاطب كادت تحل محل اللغة العامية العربية (في أعالي الجزيرة وشرقي العراق) اللغة الفارسية والتركية والكردية ممزوجة بشيء من الألفاظ العربية. أما في بقية الجزيرة والعراق ومصر والشام فقد بقيت العامية العربية لسان الجميع فيها حتى الملوك والسلاطين لغلبة العناصر العربية فيها. بل دون بها بعض العلماء ونظم بها الشعراء ثم أخذت العناية بها في الانحطاط. الخطابة لم تتغير الخطابة هما كانت عليه أواخر الدولة العباسية من حيث قصورها على خطب الجمع والأعياد وتلاوة بعض المرسومات والمنشورات وبقيت لغة الخطابة العربية وحدها أو مع الترجمة إلى الأعجمية. الكتاب ة الكتابة الخطية درج الخط في هذا العصر في الطريق التي مهدها ابن مقلة وابن البواب

стр. 449

وياقوت الملكي وياقوت المستعصمي، واستعملت فيه أكثر أنواعه وما زال الخط يجري في مضماره حتى قبض على عنانه مكتبو الترك العثمانيين فأبدعوا في تحسينه بما جعل جميع العالم يعترف لهم بالسبق: ومن أشهرهم الشيخ حمد الله الأماسي إمام الخطاطين العثمانيين، وجلال الدين، والحافظ عثمان. الكتابة الإنشائية كتابة الرسائل اتبعت في كتابة الرسائل أثناء هذا العصر طريقة القاضي الفاضل التي أساسها المعاني الخيالية والتزام السجع والمحسنات البديعة وعضد هذه الطريقة من كتاب هذا العصر شهاب الدين محمود الحلبي المتوفى سنة ٧٥٥ هـ?. ومحيي الدين بن عبد الظاهر، وابن فضل الله العمري وأولاده، وبقيت هذه الطريقة مرعية في مصر والشام حتى نهاية دولة المماليك وصدر حكومة العثمانيين. ولما غلبت اللغة التركية العثمانية على كتابة الدواوين وأصبحت رسمية في الحواضر والأمصار، أخذ شأن الكتابة العربية في الاضمحلال. الكتاب (١) القاضي محيي الدين عبد الظاهر هو الكاتب الشاعر عبد الله بن عبد الظاهر الجذامي المصري ولد سنة ٦٢٠ هـ? ورباه والده، وبرع في كتابة الرسائل سالكاً طريقة القاضي الفاضل وخدم في ديوان الإنشاء مدة الملك الظاهر بيبرس وولديه، وبعض أيام المنصور قلاوون ويعتبر محيي الدين وابنه محمد فتح الدين من واضعي اصطلاح الإنشاء ونظام ديوانه الذي ظل مرعياً في مصر والشام حتى نسخة النظام التركي العثماني، وتوفي سنة ٦٩٢ هـ? وله تأليف ومكاتبات سلطانية كثيرة، وله من رسالة كتبها على لسان الملك المنصور قلاوون يرد على صاحب اليمن في تعزيته على موت ابنه:

стр. 450

"ولنا (والشكر لله) صبر جميل، لا نأسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود، وإذ علم الله (سبحانه) حسن الإستنابة إلى قضائه، والاستكانة إلى عطائه، عوض كل يوم ما يقول المبشر به: هذا مولى مولود، وليست الإبل بأغلظ أكباداً ممن له قلب لا يبالي بالصدمات كثرت أو قلت، ولا بالتباريح حقرت أو جلت، ولا بالأزمات إن هي توالت أو تولت ولا بالجفون إن ألقت ما فيها من الدموع والهجوع وتخلت ويخاف من الدهر من لا حلب أشطره، ويأسف على الفائت من لا بات بنبإ الخطوب على أن الفادح بموت الولد الملك الصالح ﵁ وان كان منكياً والنافح بشجوه وإن كان مبكياً. والنائح بذلك الأسف وإن لنار الأسف مذكياً. فإن وراء ذلك من تثبيت الله ما ينسفه نسفاً، ومن إلهامه الصبر ما يجدد لتمزيق القلوب أحق ما به ترفى. وبكتاب الله (تعالى) وسنة رسوله ﷺ عندنا حسن اقتداء يضرب عن كل رثاء صفحاً". (٢) شهاب الدين بن فضل الله العمري هو الشاعر الكاتب المصنف القاضي أبو العباس شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري سليل عمر بن الخطاب، وصاحب كتاب مسالك الأبصار ولد بمدينة دمشق سنة ٧٠٠ وتفقه وتأدب على أبيه وغيره،

стр. 451

وكان أعلم أهل القطرين بتاريخ الملوك، وطبقات العلماء، و الأدب

стр. 452

اء، وعلم وصف الأرض، فوق الفقه الذي نال فيه مرتبة الإفتاء وتوفي سنة ٧٤٩ هـ?، ومن إنشائه في وصف قط زباد من رسالة طويلة (وقط الزباد الذي لا تحكيه الأسود في صورها: ولا تسمح غزلان المسك بما يخزنه من عرفه الطيب في سررها كم تنقل في بيوت طابت موطناً، ومشى من دار أصحابه فقالوا: (رَبّنَا عَجّل لّنَا قِطّنَا) [ص: ١٦] ) . ومن فصول رسائله فصل كتبه من رسالة عن لسان سلطانه إلى الشام مع طيور صيد جوارح أرسلها إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام جميل الافتتاح، وثناء يطير إليه وكيف لا تطير قادمة بجناح، ونعلمه أن مكاتبته المتقدمة الورود تضمنت التذكار من الجوارح بما بقي من رسمه وجرت عادة صدقاتنا الشريفة أن تحسب في قسمه وقد جهزنا له الآن منها ثلاثة طيور لا يبعد عليها مطار، ولا يوقد للقرى في غير حماليقها جذوة نار: ولا تؤم طيراً إلا وترش الأرض بدمه فلا يلحق لها وهي طائركم لها من فتك أخذ الطير من مأمنه، وسلب ما تحلى به من رياش الريش ثم تزيا بأحسنه. (٣) لسان الدين بن الخطيب هو ذو الوزارتين الكاتب الشاعر. أبو عبد الله لسان الدين محمد بن عبد الله المعروف بابن الخطيب تأدب وتفقه واجتمع له من الحكمة والأدب ملكة يلذ بها أدباء الأندلس كتابة وشعراً وتصنيفاً وسياسة ومات سنة ٧٧٦ هـ?. ومن قصار رسائله رسالة في الشوق كتبها إلى ابن خلدون وهي بعد الديباجة (أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فسل به أية درج، بعد أن تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأني بالصبر، على إبر الدبر. بل الضرب الهبر. ومطاولة اليوم والشهر حتى حكم القهر، وهل للعين أن تسلو سلو المقصر. عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزاهد. عن سرها الرائي والمشاهد. وفي الجسد مضغة يصلح إذا صلحت فكيف حاله إن رحلت عنه ونزحت، وإذا كان الفراق هو الحمام الأول. فعلام المعول، أعيت مراوضة الفراق على الراق، وكادت لوعة الاشتياق، أن تفضي إلى السياق. تركتموني بعد تشييعكم ... أوسعُ أمرَ الصبر عصيانا أقرعُ سنّي ندماً تارةً ... وأستميحُ الدمعَ أحياناً التدوين ألف علماء هذا العصر تأليف جمة أخلفت على العربية بعض ما أباده التتار والصليبيون: من الكتب النفسية. ويرجع أكثر الفضل في ذلك إلى علماء مصر والشام وجالية الأندلس. أما أعاجم المشرق وإن ألفوا في العلوم الإسلامية والفلسفية فإن تأثير بيئتهم الأعجمية جعل كتبهم صعبة التناول ضعيفة الأثر في تقدم اللسان العربي مما ستعرفه من أحوال العلوم ومؤلفيها. الأدب قد كان لأدباء القاهرة من الكتاب السبق في وضع الكتب الجامعة التي تبحث في عدة علوم أدبية أو ملحقة بها. ومن هؤلاء: شهاب الدين النويري صاحب "نهاية الأرب"، وابن فضل الله العمري صاحب مسالك الأبصار، وشهاب الدين القلقشندي صاحب صبح الأعشى. وممن ألف في الأدب بمناح مختلفة: جمال الدين الوطواط صاحب الغرر والعرر، وشهاب الدين الحلبي صاحب منازل الأحباب، وحسن التوسل إلى صناعة الترسل، وشهاب الدين أحمد الأبشيهي صاحب المستطرف، والنواجي صاحب حلبة الكميت. بقية العلوم الإسلامية لما أباد التتار بقية العلماء والنحاة في الشرق، كاد أفق المشرق والشام ومصر يصفر من النحاة وأهل اللغة، لولا أن تداركها الله بدخول التتار في السلام ومعاضدتهم هم والدول التي خلفتهم للعلم والعلماء، وبجلاء بعض كبار النحاة واللغويين من الأندلس والغرب قبيل حادث التتار وبعده. كابن مالك، والشاطبي، وأبي حيان، وابن منظور الأفريقي، فجددوا والنحو واللغة بمصر والشام، وتخرج عليهم تلاميذ أفاضل كانوا كواكب العصور المتأخرة، فدونوا العلم وحفظوه لمن أتى بعدهم ممن نشؤوا في العصور المظلمة. كتابة التدوين والتصنيف أما كتابة التدوين فكانت في المتون ونحوها موجز جداً. وكانت في الشروح والمطولات مبسوطة: ومن أشهر المؤلفين في هذا العصر ابن خلكان: وابن خلدون والسيوطي: وابن مكرم: والفيروز أبادي: وعز اليدين بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠ هـ?، وابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ?، وابن هشاالجرجاني، المتوفى سنة ٨١٦، والشهاب الخفاجي. م النحوي المتوفى سنة ٧٦١ هـ?، ولسان الدين بن الخطيب المتوفى ٧٧٦ هـ?، وسعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١، والسيد ابن خلكان هو قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر خلكان الإربلي ولد سنة ٦٠٨ هـ? بمدينة أربل وأقام بها إلى سنة ٦٢١ هـ? فرحل إلى حلب ومكث بها سنين ثم إلى دمشق وأقام مدة، ثم أقام بمصر وتولى القضاء بها وفيها ألف أكثر تاريخه العظيم "وفيات الأعيان" ثم تقلبت ب الأحوال بين مصر والشام إلى أن مات بدمشق سنة ٦٨١: وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، حسن المحاضرة، لطيف المعاشرة، وساع الاطلاع، شديد التحري والضبط ("وتاريخه" "وفيات الأعيان" "وأنباء أبناء الزمان") أفضل بأيدي الناس ممن كتب التاريخ لشدة عنايته بضبط الأعلام وأسماء البقاع والبلدان وتحقيق الحوادث بحسب الإمكان. ابن خلدون هو حكيم المؤرخين، وعلم المحققين، الفقيه القاضي الكاتب الشاعر المصنف عبد الرحمن ابن محمد المعروف بابن خلدون ولد بتونس سنة ٧٣٢ هـ?، وتلقى العلم والأدب من أبيه ومن كبار العلماء، وقرأ العلوم العقلية والفلسفية على بعض حكماء المغرب، واحترف بصناعة الكتابة وهو شاب لم يطر شاربه، ثم وصل بعد ذلك إلى ملوك بني الأحمر فحظي عندهم حتى حسده على ذلك صديقه لسان الدين بن الخطيب فأقلع عنها، وذهب إلى صاخب بجاية بالمغرب الأوسط فوزر له، وبقي يتردد بين المغرب الأوسط والأقصى وأفريقية والأندلس حتى حسن في عينه التخلي عن السياسة والانقطاع إلى العلم، فنزل إلى بعض قبائل العرب على حدود الصحراء أربعة أعوام ألف فيها تاريخه ومقدمته التي لم ينسج أحد من المتقدمين ولا المتأخرين على منوالها، ثم عزم على الحج فدخل مص زمن سلطانها برقوق. ثم استقدم أهله وولده من المغرب فغرقت بهم السفينة فأقام بمصر حزيناً، وجلس للتدريس بالجامع الأزهر، وتولى قضاء المالكية سنة ٧٨٦ هـ? إلى أن مات سنة ٨٠٨ هـ?. جلال الدين السيوطي هو عبد الرحمن جلال الدين بن الإمام كمال الدين الخضيري السيوطي العالم المحدث المفسر صاحب التصانيف المشهورة: واد سنة ٨٤٩ هـ? ونشأ يتيماً وحفظ القرآن وعمره دون الثمان، ثم حفظ متون الفقه والنحو، وأخذ العلم عن مشايخ وقته وابتدأ في التصنيف وسنه ١٧ سنة، ثم لازم الأشياخ وطلب العلم في بقاع الأرض فدخل الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور ونبغ في كثير من العلوم، ورزق التبحر في التفسير والحديث والفقه والنحو والمعان والبيان والبديع وتولى التدريس والإفتاء ولم يكن أشهر منه في زمنه. ويعد السيوطي من الأئمة الذين حفظوا العلم للخلف وسهلوا سبيله للمتأخرين، وقد ترك للناس أكثر من ثلاثمائة مصنف، وتوفي ستة ٩١١ هـ? بالقاهرة. الشعر لما كان أكثر الملوك والأمراء في هذا العصر أعاجم بالفطرة، كان نيلهم إلى الشعر العربي غير طبيعي، ولذلك انقرض الشعر العربي من أواسط آسيا وبقيت صبابة منه بالعراق والجزيرة: وبقي على كل شيء من الرونق في الشام ومصر والأندلس والمغرب، غير أنه قل التكسب به فيها، فمال أكثر الشعراء إلى انتحال الكتابة والدواوين صناعة واستعملوا الشعر في تملق الملوك والرؤساء وفي إظهار التفصح والتسلية فهجر قوله في الأغراض الهامة وعدل به إلى أغراض أخرى. الشعراء ظهر في هذا العصر شعراء كثيرون، من أشهرهم، شرف الدين الأنصاري المتوفى سنة ٦٦٢ هـ?، وجمال الدين بن نباتة المصري المتوفى سنة ٧٦٨ هـ?، وشهاب الدين التلغفري المتوفى سنة ٦٧٥ هـ?، وأبو بكر بن حجة المتوفى سنة ٨٣٧ هـ?، وصفي الدين الحلي المتوفى سنة ١١١١ هـ?، وهاك ترجمة بعضهم: ١ البوصيري هو شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري، صاحب البردة والهمزية، ولد بدلاص ونشأ ببوصير ثم انتقل إلى القاهرة، وتعلم علوم العربية والأدب فقال الشعر البليغ في جده وهزله ومن أشهر شعره قصيدة البردة الشهير التي أولها: أمن تذكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ ... مزجتَ دمعاً جرى من مقلةٍ بدم أم هبّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمةٍ ... وأومضَ البرقُ في الظّلماء من إضم فما لعينيك إن قلتَ اكففاهمتا ... وما لقلبك إن قلتَ استفق يهمِ أيحسب الصبُّ أن الحبّ منكتم ... ما بيَن منسجم منه ومضطرمِ ومن حكمها البديعة المشوبة بمحاسن البديع قوله: والنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ على ... حب الرّضاع وإن تفطمه ينفطم فاصرفْ هواها وحاذرْ أن تولّيه ... إن الهوى ما تولَّى يصمِ أو يصمِ وراعها وهي في الأعمال سائمةٌ ... وإن هي استحلت المرعى فلا تسمِ كم حسنتْ لذةً للمرء قاتلةً ... من حيث لم يدر أن السُّم في الدَّسم واخشَ الدسائس من جوع ومن شبع ... فربّ مخمصةٍ شرٌّ من التُّخمِ واستفرغ الدمعَ من عين قد امتلأتْ ... من المحارمِ والزمْ حميةَ النَّدمِ وقصيدته الهمزية في مدحه محمد ﷺ لا تقل عن البردة في فصاحتها، وأولها: كيف ترقى رقيك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء لم يساووك في علاك وقد حا ... ل سنا منك دونهم وسناء وتوفي البوصيري سنة ٦٩٦ هـ? بالإسكندرية وقبره بها مشهور يزار. ٢ صفي الدين الحلي هو عبد العزيز الملك المنصور بن علي الشهير بابن سرايا الطائي الحلي شاعر الجزيرة ولد سنة ٦٧٧ هـ?، ونشأ بمدينة الحلة من مدن الفرات فتأدب ونظم الشعر وأجاده وأصبح فيه أشهر شعراء عصره، وخدم به نجم الدين غازي بن قره أرسلان: أحد ملوك الدولة الأرتقية (ديار بكر) . واتصل بعده بابنه الملك الصالح شمس الدين، ثم ذهب إلى الحج وعرج منصرفه منه إلى مصر فمدح الملك الناصر بن قلاوون وتوفي سنة ٧٥٠ هـ?. ويعتبر صفي الدين من أئمة البديع المبتدعين في أنواعه المغالين في استعماله في شعرهم بلا كثير تكلف، وهو أول من نظم القصائد النبوية الجامعة لأنواع البديع المسماة بالبديعيات على مثال بردة البوصيري. ومن وقوله في الأدب: اسمعْ مخاطبةَ الجليس ولا تكنْ ... عجلاً بنطقك قبلما تتفهَّمُ لم تعطَ مع أذنيك نطقاً واحداً ... إلا لتسمع ضعفَ ما تتكلمُ ٣ ابن نباتة المصري هو جمال الدين محمد بن محمد المعروف بابن بناتة، أشعر شعراء المصريين زمن المماليك. ولد سنة ٦٨٦ هـ? ونشأ بالقاهرة، وتلقى العلم والأدب وانكب على قراءة شعر القاضي الفاضل ورسائله، فرسخت في طريقته من الولوع بالتورية والتلميح والطباق، لم يأت بعده من شعراء مصر والشام من بلغ غايته في لطف التصور ورقة اللفظ وانسجام العبارة ومات سنة ٧٦٨ هـ? ومن شعره قوله: يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجاً ... ودار وقتك من حين إلى حين ولا تعاند إذا أصبحت في كدر ... فإنما أنت من ماء ومن طين ٤ ابن معتوق الموسوي هو شهاب الدين بن معتوق الموسوي شاعر العراق في عصره وسابق حلبته في رقة شعره. ولد سنة ١٠٢٥ ونشأ بالبصرة وبها تعلم وتأدب وقال الشعر وأجاده، وكان في نشأته فقيراً فاتصل بالسيد على خان أحد أمراء البصرة من قبل لدولة الصفوية الإيرانية وكانت وقتئذ تملك العراق والبحرين، ومدحه مدحاً رقيقة، وأكثر شعره مقصور عليه وعلى آل بيته فغمره بإحسانه. وابن معتوق من كبار شعراء الشيعة فمدح علياً والشهيدين بما يرج عن حد الشرع والعقل، ومات سنة ١١١١ هـ?، ويمتاز شعره بالرقة وكثرة المجازات. " العصر الخامس عصر النهضة الأخيرة من ١٣٣٠ إلى الوقت الحاضر " حالة اللغة العربية وآدابها في هذا العصر كانت حالة البلاد العربية في أوائل القرن الثالث عشر غاية ما وصلت إليه من الفساد والاضمحلال، فلما استولى ساكن الجنان محمد علي باشا على مصر رأى بحكمته أن يربي من يكون خير واسطة لنقل معارف الأوروبيين إليها. فبعث إلى أوروبا ثلاثة بعوث علمية في أزمنة مختلفة كونت بعد ثلاث طبقات من العلماء، والأطباء، والمهندسين، والضباط. فنقلوا إلى اللغة العربية عشرات الكتب الجليلة في العلوم المختلفة فأحدث ذلك في اللغة العربية انقلاباً عظيماً، واكتسبت من سعة الأغراض والمعاني والألفاظ العلمية والأساليب الأجنبية وطرق البرهنة والاستنباط وترتيب الفكر ثروة طائلة، ورأى العلماء والأدباء أنه صارت لهم دولة منظمة متحضرة تقبل منهم بقبول حسن كل كما يحسنونه من نتيجة كدهم وثمرة أفكارهم فالتفوا حولها وصارت للدولة كتاب وشعراء ومنشؤون في جريدتها "الوقائع" أول جريدة عربية، واقتدى بمصر أهل الشام، بل ركدت ريها زمن عباس باشا الأول وزمن سعيد باشا، ثم تنسمت في عصر اسماعيل، وما لبثت أن صارت رخاء طيبة فأعاد سيرة في نشر العلم، وظهرت ثمرة أعماله في حياته وكادت مصر توشك أن تكون قطعة من أوروبا. النثر المحادثة أو لغة التخاطب كانت العامية في أوائل هذه العصور غاية في الانحطاط، ثم لما انتشر التعليم بين طبقات المصريين دخل عباراتهم كثير من الفصيح، وانتقل ذلك لمعاشريهم من الأميين وبعض النساء، ومما ساعد على ذلك أيضاً جعل التقاضي باللغة الفصيحة وكثرة الصحف والمجلات والروايات. الخطابة كان المصريون والسوريون أوائل هذا العصر لا يستعملون الخطابة في غير الأغراض الدينية، ثم اتسعت ائرة الأفكار في عصر إسماعيل باشا، وصادف ذلك مجيء السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر، والتف خوله لفيف من أدباء المصريين والسوريين، فأدخلهم في عداد جمعيته وألف منهم أندية كانوا ينتابون الخطابة فيها في الأمور الدينية السياسية والاجتماعية، وانتشرت الخطابة بين شبان مصر وفشت بعد عصر إسماعيل في زمن توفيق باشا وصاحب السمو الخديوي عباس باشا الثاني: ومن أشهر خطبائهم السيد عبد الله النديم، والشيخ محمد عبده، ومصفى باشا كامل، ومحمد بك فريد، وسعد باشا غلول، والشيخ عبد العزيز جاويش وغيرهم، حتى بلغت الخطابة في عصرنا هذا مبلغاً عظيماً. الكتابة الخطية وقف الخط في سبيل تقدمه عند الحد الذي رسمته له الطبقة الناشئة والحادي والثاني عشر من خطاطي الترك، وكل ما نشأ بعدهم فإنما هو متبع طريقهم. وأشهرهم عبد الله الزهدي، وهو الذي خط بالقلم الجليل جدران المسجد النبوي وجدران سبيل والدة عباس باشا بالصليبية بالقاهرة، ومحمد مؤنس أفندي، وتخرج عليه وعلى تلميذه محمد جعفر بك جميع خطاطي قطرنا المصري. الكتابة الإنشائية مضى العصر المتقدم وليس لكتابة الدواوين في أواخره شيء يذكر لجعل التركية هي اللغة الرسمية، وأقبل العصر الحاضر والحال لم تتغير في المماليك العثمانية إلا قليلاً وشرعت تتغير في مصر، ثم لما أنشئت المدارس النظامية نشأت طبقة من كتاب الدواوين رقوا كتابتها. وقد هجر السجع الذي أكثر منه الأقدمون إلا أن عبد الله باشا الفكري أشهر المصلحين للكتابة الديوانية الفصيحة ألم به في كثير من مكاتبته الرسمية، كما سبق ذلك في المكاتبات. أما كتابة التأليف والصحف فأخذت تنحو منحى كتابة ابن خلدون في "مقدمته". ولما ولت الحكومة الشيخ محمد عبده تحرير الوقائع الرسمية والإشراف على تحرير الجرائد، ترقت كتابتها كثيراً ودرجت في سبيل التقدم إلى الآن: كتابة التدوين كان أكثر الكتب التي ألفت أو ترجمت في مصر علمية، لشدة احتياجها إليها. أما سورية فكانت حالة الأدب فيها في لنصف الأول من العصر الحاضر خيراً منها في مصر، ولكن مصر نهضت في النصف الثاني واسترجعت حياتها الأدبية

стр. 453

وأدخلت دراسة أدب اللغة في مدارسها وألف فيها عدة كتب. وانح شأن سورية في العربية فلم ينبغ في اللغة من السوريين في السنوات الأخيرة من يضارع سابقيهم. ومن أشهر العلماء الأزهريين في هذا العصر الشيخ الجبرتي، الشيخ حسن العطار، والشيخ العروسي، والشيخ التميمي، والشيخ الباجوري، والشيخ عليش، والشيخ الأبياري، والشيخ السقا، والشيخ الأنبابي، والشيخ محمد الأشموني، والشيخ الشربيني، والشيخ سليم البشري، والشيخ محمد البحيري، ووالد مؤلف هذا الكتاب وغيرهم: ومن غير الأزهريين من غير النهضة الحديثة رفاعه بك شيخ المترجمين والمؤلفين المصريين، والنطاسي الشهير محمد علي باشا، والسيد صالح مجدي بك ومحمود باشا الفلكي، وأحمد ندا بك، وعبد الله باشا فكري، وقدري باشا، ودري باشا، والشيخ ناصيف اليازجي، والشيخ إبراهيم اليازجي، وأحمد فارس، والشيخ علي يوسف، وأديب أسحاق وغيرهم. وهاك ترجمة النهضة الخديثة.

стр. 454

١ رفاعة بك رافع الطهطاوي هو الكاتب الشاعر السيد رفاعة بك الحسيني الطهطاوي شيخ الترجمة إمام النهضة الحديثة، ول بطهطا من أسرة شريفة، وتأدب وتعلم في الجامع الأزهر ثم انتخب إماماً لبعض فرق الجيش، ولم يلبث أن اختاره المرحوم محمد علي باشا إماماً ومعلماً لأول بعث علمي أرسل إلى فرنسا سنة ١٢٤١ هـ? فراقته علوم أوروبا وعظمتها أكب بنفسه على تعلم اللغة الفرنسية، فلما عاد إلى مصر سنة ١٢٤٧ اختار محمد علي باشا رئيساً للترجمة بمدرسة أبي زعبل، واشترك هو وأستاذه الشيخ حسن العطار في إنشاء جريدة "الوقائع المصرية" وتحريرها ثم نقل إلى مدرسة المدفعية (الطبجية) ثم صار مديراً لمدرسة الألسن والترجمة، ثم انتخب عضوا بلجنة المدارس وتولى "إدارة مجلة روضة المدارس المصرية" وعكف على الترجمة والتأليف حتى توفي سنة ١٢٩٠ هـ? تاركاً لمصر كتباً ورجالاً هم أركان النهضة الحديثة، وآخر ما ألفه "نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز". ٢ عبد الله فكري باشا هو عبد الله فكري بن محمد بليغ الضابط بن الشيخ عبد الله: هو أحد أركان النهضة الأدبية في الديار المصرية. ولد سنة ١٢٥٠ هـ? وأكب على تعلم علومه بالأزهر مشتغلاً أيضاً باللغة التركية واستخدم من أجلها مترجماً للعربية والتركية في عدة مناصب آلت إلى نقله إلى حاشية سعيد باشا ثم إسماعيل باشا، فعهد إلي بتأديب بنية لكرام وغيرهم من أمراء بيت الملكز ثم تقلب في جملة مناصب آخرها نظارة المعارف سنة ١٢٩٩ هـ?، وبقي بها حتى زمن الثورة العرابية فسقط مع الوزارة، واتهم في الثورة فقبض عليه ثم اتضحت برا ءته فأطلق ورد إليه معاشه بعد أن استعطف الخديوي توفيقاً بقصيدة طويلة وتوفي سنة ١٣٠٧ هـ?، وكان فكري باشا كاتباً بليغاً سلك في كتابته طريقة كتاب القرن الرابع

стр. 455

كالبديع الهمذاني والخوارزمي من التزام السجع القصير القليل التكلف، ولذل يقول فيه المرحوم الشيخ حسين المرصفي مدرس دار العلوم (لو تقدم به الزمان، لكان فيه بديعان، ولم ينفرد بهذا اللقب علامة همذان) . ٣ علي مبارك باشا هو أبو المعارف المصرية، العالم المؤرخ، المؤلف المترجم، المربي العظيم علي بن مبارك بن سليمان بن ابراهيم، مصلخ العلم والإدارة بالديار المصرية ومؤسس دار العلوم، ودار الكتب العربية: ولد سنة ١٢٣٩ هـ? وكان والده يرسله إلى معلم قاس يتعلم عليه القرآن الكريم فحفظه، وهرب من المعلم لقسوته وضربه، وأخذ يتعلم الكتابة على بعض الكتاب حتى عثر في بعض خرجاته بتلاميذ ذاهبين إلى مدرسة أبي زعبل فصحبهم ودخل المدرسة. ثم اختير في جملة من تلاميذها إلى مدرسة قصر العيني وسنه ١٢ سنة ودرس الرياضة فبرع فيها فاختير طالباً بمدرسة الهندسة فأكمل في خمس سنوات درس فن الهندسة وأرسل إلى أوروبا سنة ١٢٦٠ ليتمم دراسته بها، فمكث نحو أربع سنوات درس فيها فن الهندسة والحرب، ثم عاد إلى مصر ضابطاً بالجيش، ثم قدم لعباس باشا الأول مشروعاً بنظام المدارس المصرية فأعجبه وعهد إليه رياسة ديوانها فقام به خير قيام، وألف بعض الكتب الدراسية فكان أول من نظم المدارس المصرية، وتزاحمت عليه المناصب فكان مديراً للسكك الحديدية، وناظراً للمعارف وللأشغال وللأوقاف والقناطر الخيرية، فقام بذلك جميعاً خير قيام. ومن أعماله العظيمة إنشاء دار للكتب وإنشاء مدرس دار العلوم ليوفق بين طلبة العلم القديم وطلبة العلم الحديث ويحسن تعليم العربية، فجاءت هذه المدرسة بأحسن ما يطلب منها وتجديد مدينة القاهرة وأمهات مدن القطر إلى أن وافته المنية سنة ١٣١١ هـ. ٤ الشيخ محمد عبده هو المصلح الكبير، والمجتهد الخطير، والكاتب البليغ، والخطيب المصقع، الأستاذ الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده، أحد أركان النهضة العربية ومؤسسي الحركة الفكرية، ولد سنة ١٢٦٦ بإحدى

стр. 456

قرى مدرية الغربية ونشأ بين أسرته بمحلة نصر من مدرية البحيرة، وترك بلا تعليم حتى ناهزت سنه العاشرة، ثم رغب بالتعلم فحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم بالجامع الأحمدي، ثم انتقل إلى الأزهر ونبغ في علومه. ولما قدم مصر السيد جمال الدين الأفغاني سنة ١٢٨٦ وأعاد إلى مصر دراسة الفلسفة وعلوم الحكمة والكلام لزمه الشيخ محمد عبده وكان أنبغ تلاميذه، وأحرصهم إلى الإستفادة منه، ونال درجة العالمية سنة ١٢٩٤، واختير سنة ١٢٩٥ مدرساً للأدب والتاريخ العربي بدار العلوم ومدرسة الألسن، ثم اختير لإصلاح لغة الوقائع المصرية، ثم صار رئيس تحريرها وفي هذه المدة جعله رياض باشا مراقباً على كتابة الجرائد وتحريرها: وحدثت عقب ذلك الثورة العرابية ونفي من مصر إلى سورية وتولى التدريس بمدارسها، ثم انتقل إلى أوروبا فالتقى بالسيد جمال الدين بباريس فأنشأ جريدة العروة الوثقى، ثم عفا عنه الخديوي وعاد إلى مصر قاضياً بالمحاكم الأهلية، ثم مفتياً للديار المصرية وتولى التدريس بالأزهر، وما زال كذلك حتى توفي سنة ١٣٢٣ هـ?.

стр. 457

٥ مصطفى باشا كامل هو الوطني الكبير. مصطفى بن علي أفندي محمد المهندس المولود بالقاهرة في ١٤ أغسطس سنة ١٨٧٤. ولما بلغ السادسة من عمره أدخله والده المكاتب الأولية، ثم انتقل إلى مدرسة والدة عباس باش الأول، وفي أثناء وجوده في هذه المدرسة توفي والده فانتقل إلى مدرسة القربية فأتم فيها الدراسة الابتدائية سنة ١٨٨٧، ثم تحول إلى المدارس الثانوية ونال في نهايتها شهادة البكالوريا بتفوق باهر وذكاء نادر ألفت إليه نظر المرحوم علي باشا مبارك وزير المعارف فاختصه بمرتب شهري يصرف إليه مساعدة له، وكان منظوراً إليه بعين الإجلال والاحترام من إخوانه ومعلميه ورؤسائه لما امتاز به من حسن الإلقاء وفصاحة اللسان وصراحة القول واستقلال الفكر ومناقشته في المسائل العلمية والاجتماعية والكل يعجبون به ويتوقعون له مستقبلاً مجيداً. ثم دخل مدرسة الحقوق الخديوية نهاراً ومدرسة الحقوق الفرنسية ليلاً فكان يتلقى دروسهما حتى نال الكفاية

стр. 458

منها فذهب إلى طولون بفرنسا وأدى فيها الامتحان ونال الشهادة النهائية. وفي أثناء دراسته للحقوق تنبه خاطره للمسائل السياسية وأصبح همه إنقاذ مصر من الاحتلال. وكان يتردد على الجرائد الوطنية ليكتب فيها آيات الوطنية. وأنشأ المجلة المدرسية، وألف كتاب المسألة الشرقية ورواية فتح الأندلس وكتاباً في حياة الأمم والرق عند الرومان. كلها ترمي إلى تحبيب الاستقلال وإحياء الشعور الوطني في أفكار المصريين. واجتمع مصطفى بالمرحوم عبد الله النديم الخطيب المفوه والكاتب البليغ ومشعل نار الوطنية من قبل فاقتبس مصطفى منه الأساليب والتعليمات العظيمة وأضاف إلى معلوماته الماضية. ونهض نهضة الأسد إلى فريسته وأذكى أوار الوطنية في عقول الشباب الناهض وتطورت مصر الفتاة إلى يومنا هذا في مراقي التقدم والنجاح. وقد صار صيته في الآفاق وأصبح اسمه مرادفاً للشمس في رائعة النهار. وحدث عن شجاعته وفصاحته وقوة معارضته مما لا يمكن لقلم وصفه. وقد أنشأ جرائد اللواء العرب والفرنسي والإنكليزي لهذا الغرض. وتوفي يوم الأربعاء ١٠ فبراير سنة ١٩٠٨، وشيعت جنازته باحتفال كبير لم يسبق له مثيل، واشترك فيه عشرات الألوف من جميع طبقات القطر المصري، وعم الخزن الشديد على جميع المصريين. ورثاه الكتاب والشعراء وجميع جرائد العالم. وطيرت نعيه الشركات البرقية الأجنبية في الممالك الأوروبية. وخطبه الظنانة كثيرة لا نطيل بذكرها. ٦ محمد بك فريد هو المخلص الأمين. محمد بن أحمد باشا فريد ووالدته أميرة من فضليات سيدات الخلفاء العباسيين. وكان ميلاده في ٢٧ رمضان سنة ١٢٨٤ هـ? وعاش ٥٢ سنة، ولما كان عمره ٧ سنوات أدخله المرحوم والده مدرسة خليل آغا فدرس الدروس الابتدائية، ثم دخل المدرسة الثانوية فجد واجتهد حتى فاق أقرانه وأحرز شهادة البكالوريا، ثم انتقل إلى مدرسة الإدارة والألسن، ومنها دخل مدرسة الحقوق الخديوية حتى نال الشهادة النهائية في شهر مايو سنة ١٨٨٧ م، وعقب ذلك عينته الحكومة المصرية بقلم قضايا الدائرة السنية الذي لم يلبث فيه إلا قليلاً حتى أصبح رئيسه. وقد أنعم عليه سمو الخديوي بالرتبة الثانية، ثم تدرج في وظائف القضاء إلى أن صار أحد رؤساء النيابة العمومية. وفي خلال ذلك كان يكاتب أمهات الصحف العربية والإفرنجية حتى استقال من خدمة الحكومة في ٢١

стр. 459

نوفمبر سنة ١٨٩٦ م، واشتغل بالمحاماة وانضم بكل قواه إلى الحزب الوطني لتحرير مصر والسودان. ولازم صاحبه الزعيم الأكبر المرحوم مصطفى باشا كامل. وقد ألف كتاب البهجة التوفيقية في تاريخ العائلة الخديوية وتاريخ الدولة العثمانية وتاريخ الرومان، وأشنأ مجلة الموسوعات وكتب آلاف المقالات في المؤيد واللواء والصحف الأوروبية، والق مئات من الخطب في الشرق والغرب. وتعرق بكثير من كبار ساسة جميع العالم. ولما شعر المرحوم مصطفى باشا كامل بدنو الأجل جمع الحزب الوطني وأوصاهم بانتخاب فريد بعده رئيساً فقام برياسته خير قيام وقد ضحى نفسه وأولاده وأهله وماله ومناصبه حباً في الوطن حتى مات غريباً في برلين يوم الإثنين ١٥ يونيه سنة ١٩٢٠م. وشيعت احتفال مهيب في اسكندرية ومصر لم تر العيون مثله اشتركت فيه العلماء والأمراء والوزراء وجميع الأعيان والوجهاء. ورثته الكتاب والشعراء وجرائد ومجلات الشرق والغرب فممن رثاه حافظ بك ابراهيم قال من قصيدة طويلة: من ليومٍ نحنُ فيه من لغدْ ... مات ذو العزمةِ والرأيِ الأسدّ أيُّها النيل لقد جلّ الأسى ... كن مدداً لي إذا الدّمع نفدْ فلقد ولّى فريدٌ وانطوى ... ركنُ مصر وفتاها والسَّند خالدَ الآثار لا تخشى البلى ... ليس يبلى من به ذكرٌ خلدْ قل لصب النيل إن لاقيته ... في جوارِ الدائم الفرد الصمدْ إن مصراً لا تني عن قصدها ... رغمَ ما تلقى وإن طال الأمدْ فاسترحْ واهناً ونمْ في غبطةٍ ... قد بذرتَ الحبَّ والشعبُ حصدْ

стр. 460

معالي الرئيس المحبوب سعد باشا زغلول هو روح مصر الزعيم الأكبر. سعد ين الشيخ إبراهيم زغلول المولود ببلدة إبيانا التابعة لمديرية الغريبة سنة ١٢٧٧ هـ?، قرأ القرآن الكريم ودرس العلوم الابتدائية في بلده. ثم رحل إلى مصر ودرس الأزهر الشريف وحضر علوم اللغة والأدب والنحو والمنطق والتوحيد وعلوم التشريع وغيرها على فطاحل العلماء كالشيخ المهدي العباسي. والشيخ أبو النجا الشرقاوي، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ محمد عبده وخلافهم من كبار الأئمة. ثم تعين محرراً لجريدة الوقائع المصرية الرسمية بالداخلية. ثم انتقل معاوناً بنظارة الداخلية في مدة وزارة محمود سامي باشا البارودي. ثم تعين مديراً لقلم قضايا مديرية الجيزة وذلك في مدة اشتداد الثورة العرابية. ثم استقال واشتغل بالمحاماة وقد انتخبته الجمعية عضواً في لجنة تنقيح قانون الجنايات بالاستئناف. ثم اختاره اللورد كرومر أن يكون وزيراً لوزارة المعارف، ثم وكيلاً للجمعية التشريعية إلى أن تطورت الحالة الوطنية في القطر المصري فانتخبته الأمة وكيلاً عنها في مطالبة انكلترا بالجلاء عن مصر والسودان إلى يومنا هذا. ومن كلماته المأثورة في الوطنية: (١) لا استعباد.؟ لا استعمار. لا حماية. لا رقابة. لا تداخل لأحد في شأن من شؤوننا. هذا ما نريد وهذا ما لا بد أن نحصل عليه. (٢) أقسم بالوطنية وعزتها لو كنت أعرف أني أقود أمة بلهاء تنقاد لكل زعيم بدون تصور ولا إدراك كما يصفها أعداؤها ما رضيت أن أكون قائداً لها. (٣) إن قوتنا ليست مستمدة من الخارج بل هي في نفوسنا فلتكن نفوسنا قوية نصل إلى غايتنا. (٤) الإدارة متى تمكنت من النفوس وأصبحت ميراثاً يتوارثه الأبناء عن الآباء ذللت كل صعب ومحت كل عقبة وقهرت كل مانع مهما كان قوياً ووصلت عاجلاً أو آجلاً إلى الغاية المطلوبة.
следующие страницы →