Полный текст (685 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قرى مدرية الغربية ونشأ بين أسرته بمحلة نصر من مدرية البحيرة، وترك بلا تعليم حتى ناهزت سنه العاشرة، ثم رغب بالتعلم فحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم بالجامع الأحمدي، ثم انتقل إلى الأزهر ونبغ في علومه. ولما قدم مصر السيد جمال الدين الأفغاني سنة ١٢٨٦ وأعاد إلى مصر دراسة الفلسفة وعلوم الحكمة والكلام لزمه الشيخ محمد عبده وكان أنبغ تلاميذه، وأحرصهم إلى الإستفادة منه، ونال درجة العالمية سنة ١٢٩٤، واختير سنة ١٢٩٥ مدرساً للأدب والتاريخ العربي بدار العلوم ومدرسة الألسن، ثم اختير لإصلاح لغة الوقائع المصرية، ثم صار رئيس تحريرها وفي هذه المدة جعله رياض باشا مراقباً على كتابة الجرائد وتحريرها: وحدثت عقب ذلك الثورة العرابية ونفي من مصر إلى سورية وتولى التدريس بمدارسها، ثم انتقل إلى أوروبا فالتقى بالسيد جمال الدين بباريس فأنشأ جريدة العروة الوثقى، ثم عفا عنه الخديوي وعاد إلى مصر قاضياً بالمحاكم الأهلية، ثم مفتياً للديار المصرية وتولى التدريس بالأزهر، وما زال كذلك حتى توفي سنة ١٣٢٣ هـ?.
стр. 457
٥ مصطفى باشا كامل
هو الوطني الكبير. مصطفى بن علي أفندي محمد المهندس المولود بالقاهرة في ١٤ أغسطس سنة ١٨٧٤. ولما بلغ السادسة من عمره أدخله والده المكاتب الأولية، ثم انتقل إلى مدرسة والدة عباس باش الأول، وفي أثناء وجوده في هذه المدرسة توفي والده فانتقل إلى مدرسة القربية فأتم فيها الدراسة الابتدائية سنة ١٨٨٧، ثم تحول إلى المدارس الثانوية ونال في نهايتها شهادة البكالوريا بتفوق باهر وذكاء نادر ألفت إليه نظر المرحوم علي باشا مبارك وزير المعارف فاختصه بمرتب شهري يصرف إليه مساعدة له، وكان منظوراً إليه بعين الإجلال والاحترام من إخوانه ومعلميه ورؤسائه لما امتاز به من حسن الإلقاء وفصاحة اللسان وصراحة القول واستقلال الفكر ومناقشته في المسائل العلمية والاجتماعية والكل يعجبون به ويتوقعون له مستقبلاً مجيداً. ثم دخل مدرسة الحقوق الخديوية نهاراً ومدرسة الحقوق الفرنسية ليلاً فكان يتلقى دروسهما حتى نال الكفاية
стр. 458
منها فذهب إلى طولون بفرنسا وأدى فيها الامتحان ونال الشهادة النهائية. وفي أثناء دراسته للحقوق تنبه خاطره للمسائل السياسية وأصبح همه إنقاذ مصر من الاحتلال. وكان يتردد على الجرائد الوطنية ليكتب فيها آيات الوطنية. وأنشأ المجلة المدرسية، وألف كتاب المسألة الشرقية ورواية فتح الأندلس وكتاباً في حياة الأمم والرق عند الرومان. كلها ترمي إلى تحبيب الاستقلال وإحياء الشعور الوطني في أفكار المصريين. واجتمع مصطفى بالمرحوم عبد الله النديم الخطيب المفوه والكاتب البليغ ومشعل نار الوطنية من قبل فاقتبس مصطفى منه الأساليب والتعليمات العظيمة وأضاف إلى معلوماته الماضية. ونهض نهضة الأسد إلى فريسته وأذكى أوار الوطنية في عقول الشباب الناهض وتطورت مصر الفتاة إلى يومنا هذا في مراقي التقدم والنجاح. وقد صار صيته في الآفاق وأصبح اسمه مرادفاً للشمس في رائعة النهار. وحدث عن شجاعته وفصاحته وقوة معارضته مما لا يمكن لقلم وصفه. وقد أنشأ جرائد اللواء العرب والفرنسي والإنكليزي لهذا الغرض. وتوفي يوم الأربعاء ١٠ فبراير سنة ١٩٠٨، وشيعت جنازته باحتفال كبير لم يسبق له مثيل، واشترك فيه عشرات الألوف من جميع طبقات القطر المصري، وعم الخزن الشديد على جميع المصريين. ورثاه الكتاب والشعراء وجميع جرائد العالم. وطيرت نعيه الشركات البرقية الأجنبية في الممالك الأوروبية. وخطبه الظنانة كثيرة لا نطيل بذكرها.
٦ محمد بك فريد
هو المخلص الأمين. محمد بن أحمد باشا فريد ووالدته أميرة من فضليات سيدات الخلفاء العباسيين. وكان ميلاده في ٢٧ رمضان سنة ١٢٨٤ هـ? وعاش ٥٢ سنة، ولما كان عمره ٧ سنوات أدخله المرحوم والده مدرسة خليل آغا فدرس الدروس الابتدائية، ثم دخل المدرسة الثانوية فجد واجتهد حتى فاق أقرانه وأحرز شهادة البكالوريا، ثم انتقل إلى مدرسة الإدارة والألسن، ومنها دخل مدرسة الحقوق الخديوية حتى نال الشهادة النهائية في شهر مايو سنة ١٨٨٧ م، وعقب ذلك عينته الحكومة المصرية بقلم قضايا الدائرة السنية الذي لم يلبث فيه إلا قليلاً حتى أصبح رئيسه. وقد أنعم عليه سمو الخديوي بالرتبة الثانية، ثم تدرج في وظائف القضاء إلى أن صار أحد رؤساء النيابة العمومية. وفي خلال ذلك كان يكاتب أمهات الصحف العربية والإفرنجية حتى استقال من خدمة الحكومة في ٢١
стр. 459
نوفمبر سنة ١٨٩٦ م، واشتغل بالمحاماة وانضم بكل قواه إلى الحزب الوطني لتحرير مصر والسودان. ولازم صاحبه الزعيم الأكبر المرحوم مصطفى باشا كامل. وقد ألف كتاب البهجة التوفيقية في تاريخ العائلة الخديوية وتاريخ الدولة العثمانية وتاريخ الرومان، وأشنأ مجلة الموسوعات وكتب آلاف المقالات في المؤيد واللواء والصحف الأوروبية، والق مئات من الخطب في الشرق والغرب. وتعرق بكثير من كبار ساسة جميع العالم.
ولما شعر المرحوم مصطفى باشا كامل بدنو الأجل جمع الحزب الوطني وأوصاهم بانتخاب فريد بعده رئيساً فقام برياسته خير قيام وقد ضحى نفسه وأولاده وأهله وماله ومناصبه حباً في الوطن حتى مات غريباً في برلين يوم الإثنين ١٥ يونيه سنة ١٩٢٠م. وشيعت احتفال مهيب في اسكندرية ومصر لم تر العيون مثله اشتركت فيه العلماء والأمراء والوزراء وجميع الأعيان والوجهاء. ورثته الكتاب والشعراء وجرائد ومجلات الشرق والغرب فممن رثاه حافظ بك ابراهيم قال من قصيدة طويلة:
من ليومٍ نحنُ فيه من لغدْ ... مات ذو العزمةِ والرأيِ الأسدّ
أيُّها النيل لقد جلّ الأسى ... كن مدداً لي إذا الدّمع نفدْ
فلقد ولّى فريدٌ وانطوى ... ركنُ مصر وفتاها والسَّند
خالدَ الآثار لا تخشى البلى ... ليس يبلى من به ذكرٌ خلدْ
قل لصب النيل إن لاقيته ... في جوارِ الدائم الفرد الصمدْ
إن مصراً لا تني عن قصدها ... رغمَ ما تلقى وإن طال الأمدْ
فاسترحْ واهناً ونمْ في غبطةٍ ... قد بذرتَ الحبَّ والشعبُ حصدْ
стр. 460
معالي الرئيس المحبوب سعد باشا زغلول
هو روح مصر الزعيم الأكبر. سعد ين الشيخ إبراهيم زغلول المولود ببلدة إبيانا التابعة لمديرية الغريبة سنة ١٢٧٧ هـ?، قرأ القرآن الكريم ودرس العلوم الابتدائية في بلده. ثم رحل إلى مصر ودرس الأزهر الشريف وحضر علوم اللغة والأدب والنحو والمنطق والتوحيد وعلوم التشريع وغيرها على فطاحل العلماء كالشيخ المهدي العباسي. والشيخ أبو النجا الشرقاوي، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ محمد عبده وخلافهم من كبار الأئمة. ثم تعين محرراً لجريدة الوقائع المصرية الرسمية بالداخلية. ثم انتقل معاوناً بنظارة الداخلية في مدة وزارة محمود سامي باشا البارودي. ثم تعين مديراً لقلم قضايا مديرية الجيزة وذلك في مدة اشتداد الثورة العرابية. ثم استقال واشتغل بالمحاماة وقد انتخبته الجمعية عضواً في لجنة تنقيح قانون الجنايات بالاستئناف. ثم اختاره اللورد كرومر أن يكون وزيراً لوزارة المعارف، ثم وكيلاً للجمعية التشريعية إلى أن تطورت الحالة الوطنية في القطر المصري فانتخبته الأمة وكيلاً عنها في مطالبة انكلترا بالجلاء عن مصر والسودان إلى يومنا هذا.
ومن كلماته المأثورة في الوطنية: (١) لا استعباد.؟ لا استعمار. لا حماية. لا رقابة. لا تداخل لأحد في شأن من شؤوننا. هذا ما نريد وهذا ما لا بد أن نحصل عليه.
(٢) أقسم بالوطنية وعزتها لو كنت أعرف أني أقود أمة بلهاء تنقاد لكل زعيم بدون تصور ولا إدراك كما يصفها أعداؤها ما رضيت أن أكون قائداً لها.
(٣) إن قوتنا ليست مستمدة من الخارج بل هي في نفوسنا فلتكن نفوسنا قوية نصل إلى غايتنا.
(٤) الإدارة متى تمكنت من النفوس وأصبحت ميراثاً يتوارثه الأبناء عن الآباء ذللت كل صعب ومحت كل عقبة وقهرت كل مانع مهما كان قوياً ووصلت عاجلاً أو آجلاً إلى الغاية المطلوبة.
стр. 461
(٥) لا يمكن أن نعتبر للحكوميين مذهباً لأن المذهب يقتضي مبادئ وقواعد أما هم فقاعدتهم القوة. وما يعتمد على القوة لا يصح أن يسمى مذهباً.
ومن كلماته المأثورة في الحرية وحدودها
(١) كل أمر يقف في طريق حريتنا لا يصح أن نقبله مطلقاً مهما كانة مصدره عالياً ومهما كان الآمر به.
(٢) كل تقييد للحرية لا بد أن يكون له مبرر من قواعد الحرية نفسها وإلا كان ظلماً.
(٣) الصحافة الحرة تقول في حدود القانون ما تشاء وتنتقد ما تريد فليبس من الرأي أن نسألها لم تنتقدها بل من الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه.
(٤) نحن نحب الحرية ولكنا نحب أكثر منها أن تستعمل في موضعها.
(٥) جميل جداً أن يقال لا تحجروا على الناس ولا تقيدوا حريتهم وإنها لنغمة لذيذة يحسن وقعها في الأسماع والقلوب. ولكنا لا نريد الحجر على الناس ولا تقييد حريتهم بل نريد حماية الحق وصيانته من أن يتمتع به غير صاحبه من حيث يحرم منه صاحبه.
ومن آرائه في التشريع: (١) كل شريعة تؤسس على فساد الأخلاق فهي شريعة باطلة.
(٢) لا تصدقوا أن هناك قاعدة يرجع إليها القاضي في تقدير العقوبة، أو أن هناك ميزاناً توزن الجزاءات، وإنما هي أمور اجتهادية يلهم بها القاضي إلهاماً.
(٣) الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة.
(٤) إننا إذا احترمنا أمراً للحكومة نحترمه لأنه نافع للأمة لا لأنه صادر من تلك القوة المسيطرة.
(٥) يجب أن ننقاد للقانون وألا نعتبر الانقياد إليه مهانة ومذلة بل عزاً وشرفاً.
стр. 462
(٦) إن كانت الحكومة تريد أن نكون في صفها مدافعين عنها فما عليها إلا أن تتبع الحق والعدل وتحترم القانون.
(٧) يعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون.
(٨) الذي يلزمنا أن تفاخر به هو أعمالنا في الحياة لا الشهادات التي في أيدينا.
(٩) أعاهدكم عهداً لا أحيد عنه. على أن أموت في السعي إلى استقلالكم فإن فزت فذاك، وإلا تركت لكم تتميم ما بدأت به.
هذا قليل من كثير لا نحيط به جمعاً خصوصاً خطبه المطولة الممتعة التي تكاد أن تكون في درجة الإعجاز ولا غرابة في ذلك، فمعالي الرئيس معروف بالشجاعة والصراحة، ويمتلك في يده أعنة الألفاظ يتصرف فيها كيف يشار، حتى إنه ليعبر عن أقسى المعاني وأخشنها بأرق الألفاظ وأعذبها وأخفها وقعاً على النفوس والأسماع خصوصاً وأنه لقدير على التأثير على نفس السامع وامتلاكه أزمة الأهواء وتلاعبه بالعواطف والقلوب واقتداره على إسناد كل جزئية من جزئيات المسائل الاجتماعية أو القانونية أو الأخلاقية أو السياسية إلى قاعدتها العامة التي توضح طريقها وتكشف الغامض منها.
стр. 463
وبالجملة فمعالي الرئيس متشرع يبحث النظامات ويدققها. وسياسي يبارز خصمه مبارزة الرجل الذي يحسن تقليب الحسام بين يديه، فلا كلماته تخرق حجب الآداب ولا تتجاوز حد اللياقة، ولقد كان كلامه ينزل على السامعين نزول الندى على أكام الزهر فلا يرتفع صوت ولا تبدو حركة مع طول خطابته نحو ساعتين، نسأله أن يمن على مصر والسودان بالاستقلال التام وأن يمنحها الحرية على يد بطلها العظيم وزعيمها الجليل ورئيسها المحبوب "سعد باشا زغلول" حفظه الله آمين.
٨
стр. 464
الغازي مصطفى باشا كمال
أشهر حماة الشرق وداهية أقطاب الساسة البطل الغازي مصطفى كمال باشا المولود في سلانيك سنة ١٢٩٨ هـ? ١٨٨٠ م، ولما بلغ السنة السادسة من عمره أدخله والده مدرسة تدرس فيها العلوم الابتدائية على الطراز الحديث. وما لبث أن ترك المدرسة على أثر وفاة المرحوم والده. ثم انتقل إلى قرية مع والدته إلى خاله الذي كفله وعهد إليه القيام بحراسة الحقول والاشتغال بالزراعة مدة ليست بالقصيرة فأوجست والدته خفية من ضياع أيامه الدراسية بدون جدوى، وصحت عزيمته على إرساله إلى دار جدته في (سلانيك) فسافر أليها ودخل في المدرسة الملكية الإعدادية. غير أنه لم يوفق للتعلم بها وذلك لشغفه بحب المدرسة الرشدية العسكرية الابتدائية رغم إرادة والدته التي كانت لا توافقه على الالتحاق بها. وما زال بها حتى استطاع التأثير عليها وتمكن من التغلب على فكرها وأدى الامتحان المؤهل لدخول المدرسة العسكرية بتفوق باهر وكان أحد التلاميذ وأشدهم حباً في الرياضيات. وقد حصل في زمن يسير بجده واجتهاده على معلومات جمة في هذا العلم بدرجة تساوي درجة أستاذه المدعو مصطفى بك القائل له أن بين اسمي واسمك اشتباه فيجدر أن أضيف إلى اسمك يا ولدي لفظة "كمال" للتمييز بيننا.
وقد أتم الدراسة في المدرسة العسكرية الابتدائية وفاق زملائه في العلوم الرياضية بحيث لم يصادف أية صعوبة في المدرسة الإعدادية العسكرية الثانوية في (مناستر) غير أنه كان ضعيفاً في اللغة الفرنسية، فتحين فرصة العطلة المدرسية ودخل مدرسة الفرير وتزود بقسط وافر من اللغة الفرنساوية. وفي خلال ذلك كان يجتمع بالمرحوم الشاعر التركي المشهور (عمر ناجي بك) فارتشف من منهله العذب وتأدب بأدبه ودرس عليه آداب اللغة وضرب بسهم فيها حتى صار الشعر هو المادة
стр. 465
التي تنجذب نفسه إليه وترتاح به رغم النصائح التي كانت لقيها عليه بعض معلميه العسكريين بقولهم "إذا أردت أن تكون جندياً حقيقياً فاترك الأدب وخيال الشعراء" وبعد إتمامه الدراسة في تلك المدرسة سافر إلى الأستانة سنة ١٣١٩ هـ? والتحق بالمدرسة الحربية وكان شغفه العظيم بالرياضيات ولا يزال حياً ونامياً نمو اشتغاله بعلوم الأدب ومزاولة الخطابة وأساليبها فتولد من ذلك توقه واسترعاء نظره حب الاشتغال السياسة وخصوصاً وقد وقعت في يده كتب الوطني العظيم "نامق بك كمال" فطالعها مراراً ووقف على ما فيها وأدرك مراميها فرسخت في عقيدته الوطنية وكان ذلك في عهد المرحوم السلطان عبد الحميد الداهية العظيم، ومع ذلك تخرج من هذه المدرسة برتبة "ملازم ثان". ولما انتقل إلى مدرسة أركان الحرب بدأ يتعرف مع بعض إخوانه من الطلبة ما يكشف إدارة البلاد وسياستها من السوء والفساد. فكان أول ما فكر فيه أن يفهم زملاءه البالغ عددهم ٥٠٠٠ طالب موقف البلاد الإداري والسياسي. وقد فكروا جميعاً في تأسيس جريدة تكون لسان حالهم. وقد أخذ على عاتقه تحرير الكثير من مقالاتها وأبحاثها غي أن "اسماعيل باشا" مفتش المدارس وقف على حركتهم وسلط الجواسيس عليهم، ثم وشى بهم إلى المرحوم السلطان الغازي عبد الحميد الثاني وقال لجلالته إن ناظر المدرسة رضا باشا وهو المسؤول عن حركة الطلبة وواجب إدانته فاستدعاه جلالة السلطان فأقنعه بعدم وجود حركة سياسية، واستمر مع ورفاقه على إصدار جريدتهم حتى آخر سنتي مدرسة أركان الحرب. وبعدها خرج من المدرسة برتبة "يوزباشي" في أركان الحرب العامة، واستأجر لنفسه مكاناً خاصاً في "بك أوغلي" رغبة في استئناف العمل وعقد الاجتماعات وإصدار القرارات لصالح الوطن، ولكن لم تمض مدة وجيزة حتى عرف الجواسيس عمله وألقوا القبض عليه واعتقلوه بضعة اشهر ثم أطلق سراحه بواسطة سعي رضا باشا ناظره السابق في المدرسة وأصر على اشتغاله بالسياسة حتى نفته الحكومة إلى ولاية الشام للخدمة في الجيش، وقد أسس هناك "جمعية الحرية" واتخذ بعض التدابير لتوسيع نطاق هذه الجمعية.
فأسس لها فروعاً في بيروت ويافا والقدس وفي كل مدينة حل فيها ونزل بها. ولما
стр. 466
كان انتشار مبادئ الجمعية غير ممكن في تلك المدن عزم على السفر إلى "مقدونيا" حيث هناك الأرض صالحة لبذر تلك المبادئ والعمل على إنمائها وإنباتها حسناً وأطلع جمعيته على رأيه وعلى ذلك سعى أفرادها وتمكن من إصدار إذن يستطيع به السفر في بادئ الأمر إلى "أزمير" وعلى أثر ذلك أرسل رسالة خاصة إلى (شكري باشا) المعروف هناك بوطنيته الحارة وطلب منه مساعدته.
ولما شد الرحال إلى مقدونيا وركب البحر غير وجهته إلى مصر ومنها إلى بلاد اليونان ثم إلى سلانيك رغبة في إخفاء أغراضه عن أعين الجواسيس. وقد أسس في مدينة سلانيك فرعاً عاماً للجمعية، وما كادت حكومة الآستانة تتلقى تقرير الجواسيس عن أعماله وأخذت في البحث عنه حتى سافر على وجه السرعة إلى (يافا) وعلى أثر ذلك ظهرت مسألة العقبة. فاستصدرت جمعية الحرية أمراً بتعينه على الحدود المصرية. وما كاد يصل أمر البحث عنه إلى ولاية الشام حتى كان متولياً شؤون وظيفته الجديدة على حدود مصر.
وقد مكث في سوريا ثلاثة أعوام ثم طلب من الحكومة نقله إلى مقدونيا فقوبل طلبه بالقبول وعلم بعد وصوله إلى سلانيك إن جمعية الحرية غيرت اسمها باسم جمعية الاتحاد والترقي وما وافى إعلان الدستور حتى برز إلى ميادين السياسة بفضل إعلانه جميع الأحرار وقد اقترح على الجمعية انسحاب الجيش في ميادينه فقوبل بالارتياح غير أن الجمعية لم تتمكن من تنفيذه في ذلك الحين.
ولما نشبت الثورة الرجعية في الأستانة سنة ١٩٠٩: أخمدها واستتب الأمن ثم تعين بمهمة الإصلاح على ولاية طرابلس. ثم شرعت الحكومة التركية في الأنظمة الجديدة لضباط الجيش وهي تقضي بتنزيل درجاتهم ورتبهم، وألحق حسب النظام الجديد برتبة ضابط صغير "قول أغاصي" بهيئة أركان حرب في فرقة "سلانيك" فأخذ يبذل جهده في تعليم الجيش وتدريبه على الأصول الحربية الحديثة والأنظمة الجديدة.
وكان كثيراً ما يكتب من الاقتراحات النافعة والانتقادات المفيدة لإصلاح شأن الجيش فكان ذلك من الأسباب الجوهرية التي بعثت بعض القواد القدماء على حقدهم عليه وكان جزاؤه تعيينه قائداً للآلاي الثلاثين فجاء هذا التعيين على عكس غرضهم الأساسي إذا أفسح له مجالاً واسعاً لإلقاء بعض المحاضرات الفنية وشرح أساليب الخطط الحربية وتوضيح المواقف الهامة وغير ذلك مما يحتاج إليه الضباط والقواد. ثم بعد ذلك دعته حكومة الأستانة وعينته ضمن أركان الحرب العامة فيها وقام بصحبة المرحوم شوكت باشا بالحركات الحربية لإخماد الثورة في بلاد ألبانيا.
стр. 467
وقد ذهب مع جماعة من إخوانه متنكراً إلى مصر على أثر إعلان الحرب الإيطالية سنة ١٩١١ وسافر منها إلى بنغاري. ثم عاد إلى الأستامة بعد نشوب الحرب بين الترك والبلغار وتع ين رئيساً لأركان الحرب، ثم عاد إلى الأستانة وتعين ملحقاً عسكرياً في سفارة "صوفيا" عاصمة بلغاريا ومكث هناك مدة سنة كاملة.
ولما نشبت الحرب العامة سنة ١٩١٤ تعين قائداً للفرقة السادسة عشر في (تكفورطاغ) ، ثم تعين لفيلق ديار بكر وبعدها تولى قيادة الجيوش. وعين بعد ذلك قائداً للقوات الحجازية فتوجه إلى الشام وتفاوض مع جمال باشا وأركان حربه وأنور باشا وأركان حربه وبعد أخذ ورد أقنع الجميع بضرورة الجلاء عن الحجاز ثم عاد إلى ديار بكر ومنها عاد إلى الأستانة وأخذ القيادة على عاتقه وحصل بينه وبين كبار القواد الألمانيين مناقشات أدت إلى استقالته وسافر من الأستانة مع ولي العهد (جلالة الخليفة الأعظم الحالي) إلى ألمانيا، وفيها تقابل مع القائدين العظيمين (هندنبورج ولوندرف) وبعد ذلك عاد فرأى ما حل بالبلاد من المصائب فاقترح على الحكومة إسقاط الوزارة وتشكيل وزارة أخرى حسب برنامج قرره لها.
وكان نظره متجهاً نحو نقطتين هامتين: (١) التوسل بالأسباب الناجحة في الحصول على ما تمس الحاجة إليه.
(٢) إنشاء قوة قوية للدفاع عن مصالح الوطن.
وقد صحت عزيمته على ترك الأستانة والتوغل في داخلية البلاد وبسط موقف البلاد المحفوف بالمخاطر. ولأجل هذا بذل جهده في العمل على إنقاذ الوطن خاصة والشرق عامة. وبينما كان مشتغلاً بتهيئة الأسباب لذلك إذ تلقى أمراً بتعيينه قائداً ومفتشاً لجيش الصاعقة مع ضرورة ذهابه به الأناضول فتقبل ذلك بالسرور العظيم. وقام إلى الأناضول وهو حاصل على رتبة القائد والمفتش معاً لذلك الجيش، وكان ذلك من أهم العوامل الفعالة للوصول إلى تحقيق إنقاذ الوطن (حاجة في نفس يعقوب قضاها) ولما شعرت الحكومة بخطئها استدعته في الحال إلى الأستانة فرفض واستقال وسعى في جمع نواب الأمة وتأليف المجلس الوطني الكبير في الأناضول وقد افتتح المجلس الوطني يوم ٢٣ فبراير سنة ١٩٢٠، وأخذ في مباشرة الأعمال والقيام بواجب البلاد وكان شغله الشاغل. (كيف تمثل إرادة الأمة أحسن تمثيل) فاهتدى بعد أبحاث طويلة أنه لا يتم ذلك إلا باجتماع نوابها العظام. وهذا ما دعاه إلى وضع مستقبل الأمة من حريتها واستقلالها في يد وزارة كبيرة تمثل البلاد، وقد تم له ما أراد ففاز بالنصر والسداد وفقه الله إلى ما فيه صلاح العباد.
والغازي على جانب عظيم من الفضيلة ومكارم الأخلاق بعيداً عن الزهو وحب النفس متواضعاً محبوباً محترماً صريحاً في قوله وعمله. فصيحاً بليغاً. من كبار الكتاب ومن فحول الشعراء ينادي المعالي ويناجي الحرية والإخاء والمساواة وقد اجتمع بين يديه إمارة السيف والقلم: وخطبه أشهر من أن تذكر من أقواله: في الوطن: إن وطننا العزيز لايموت ولن يموت.
стр. 468
وإذا فرضنا المحال وسلمنا بموته (لا قدر الله) فكاهل الكرة الأرضية لن يستطيع حمل تابوته الجسيم. نعم يسقط مهمشاً مقطع الأوصال مادام فرد منا يتنسم نسيم الحياة.
ومن آرائه في تعليم المرأة:
تعليم المرأة "أم الوطن" وتثقيف عقلها بالعلوم الدينية والمعارف الأهلية من أهم ما ترمي إليها نهضتنا العلمية الوطنية.
ومن وصفه للفلاح: سيد تركيا بل سيد العالم الحقيقي (الفلاح) لأنه هو العنصر الأول في تكوين عناصر الأمة وكيانها. والوطن بدونه لاشيء بل الوطن هو فيتعين أن نعتني به عناية خاصة، وأن نضع قبل كل شيء سعادته نصب أعيننا.
الشعر
كانت حالة الشعر في النصف الأول من هذا العصر لاتزيد شيئاً مذكوراً على ما كنت عليه في العصر الماضي، إذ كانت حكومة محمد علي باشا في أول أمرها تركية الصبغة، وكان هو أمياً، ولكن الشعر أخذ بعد ذلك في الترقي خصوصاً في عصر اسماعيل باشا، فتقدم خطوات تمثلت في شعر السيد علي أبي النصر المتوفي سنة ١٢٩٨، والشيخ علي الليثي المتوفي سنة ١٣٠٩، وعظيم الشعراء البارودي .
ولم يزل العلم والعلماء مع ذلك لهم المقام الأول في مصر حتى كان العصر الحاضر، ونالت مصر بعض حاجاتها من العلم وكتبه فهب أهله يتفكهون بالأدب وكتابته والتأليف فيه ويستمعون الشعر ويحرضون المجامع العظيمة لإنشاده فأقبل الشعراء على نظمه في كل أغراضه القديمة والحديثة ونحوا به نحو الشعر الإفرنجي من وصف المناظر الطبيعية، وأحوال الوجدان والعواطف النفسية ومن وصف القطار والكهرباء والمسرة والبرق وغير ذلك.
ومما يمتاز به شعر هذا الوقت خلوه من تكلف البديع والجناس. والرجوع له إلى حالته القديمة الطبيعية حتى صار شعر فحوله يشبه شعر أهل القرن الرابع والخامس.
الشعراء
شعراء هذا العصر كثيرون وأشهرهم محمود باشا سامي البارودي، وأحمد بك شوقي، ومحمد حافظ بك ابراهيم، واسماعيل باشات صبري، ة وخليل بك مطران وغيرهم.
البارودي
هو رب السيف والقلم أمير الشعراء وشاعر الأمراء، محمود سامي باشا بن حسن حسني بك البارودي، أحد زعماء الثورة العرابية وأشعر الشعراء المتأخرين بالديار المصرية: ولد سنة ١٢٥٥هـ? وتأدب وأدخل المدرسة الحربية ومازال يترقى حتى ولاه المرحوم الخديوي توفيق باشا نظارتي الحربية والأوقاف. ثم ولي رياسة النظار قبيل الثورة العرابية. فلما اضطرمت نيران الثورة أرغمه زعماؤها على اصطلاء نارها فخب فيها ووضع. وحكم عليه بعد انقضائها بالنفي إلى جزيرة (سيلان) حتى عمي، وشفع فيه فأذن له بالقدوم إلى مصر بعد مضي ١٧ سنة من منفاه، وبقي في منزله كفيفاً يشتغل بالأدب إلى أن مات سنة ١٣٢٢هـ?. ومن قوله:
والدهر كالبحر لاينفكّ ذا كدر ... وإنما صفوه بين الورى لمعُ
لو كان للمرء فكر في عواقبه ... ما شأن أخلاقه حرص ولا طمع
стр. 469
وكيف يدرك ما ف الغيب من حدث ... من لم يزل بغرور العيش ينخدع
دهرٌ يغرّ وآمال تسرّ وأع ... مار تمرّ وأيام لها خدع
يسعى الفتى لأمور قد تضرُّ به ... وليس يعلم ما يأتي وما يدع
يأيها السادر المزورُّ من صلف ... مهلاً فإنك بالأيام منخدع
دع ما يريب وخذ فيما خلقت لهُ ... لعلّ قلبك بالإيمان ينتفع
إن الحياة لثوب سوف تخلعهُ ... وكل ثوب إذا مارثَّ ينخلع
ومن قوله في الحماسة والفخر:
أنا مصدرُ الكلمِ البوادي ... بين المحاضر والنّوادي
أنا فارسٌ أنا شاعر ... في كلّ ملحمة ونادي
فإذا ركبت فإنني ... زيدُ الفةوارس في الجلاد
وإذا نطقتُ فغنني ... قسُّ بنُ ساعدة الإيادي
وقال يصف هرمي الجيزة وأبا الهول:
سل الجيزةَ الفيحاء عن هرميْ مصر ... لعلّكَ تدري غيب ما لم تكنْ تدري
بناءان ردّا صولةَ الدَّهرِ عنهما، ... ومنْ عجبٍ أن يغلبا صولةَ الدَّهرَ
أقاما على رغمِ الخطوبِ ليشهدا ... لبانيهما بين البريّة بالفخرِ
فكمْ أمم في الدهر بادتْ وأعصرِ ... خلّتْ وهما أعجوبةُ العينِ والفكرِ
تلوحُ لآثارِ العقولِ عليهما ... أساطيرُ لاتنفك تتلى إلى الحشرِ
رموزٌ لو استطلعتَ مكنونَ سرّها ... لأبصرتَ مجموعَ الخلائق في سطر
فما منْ بناءٍ كانَ أو هو كائنٌ، ... يدانيهما عندَ التأمُّلِ والخبرِ
يقصِّرُ حسناً عنهما صرحُ بابلِ، ... ويعترفُ الإيوان بالعجزِ والبهرِ
كأنهما ثديانِ فاضا بدرَّةٍ ... من النيلِ تروي غلَّةَ الأرض إذ تجري
стр. 470
وبينهما بلهيبُ في زيّ رابضٍ ... أكبَّ على الكفَّينِ منه إلى الصدر
يقلّبُ نحوَ الشرقِ نظرة وامقٍ، ... كأنَّ له شوقاً إلى مطلعِ الفجرِ
مصانعُ فيها للعلومِ غوامضٌ ... تدلُّ على أنَّ ابن آدم ذو قدرِ
رسا أصلها، وامتدَّ في الجوّ فرعها، ... فأصبحَ وكراً للسِّماكين والنَّسرِ
أحمد شوقي بك هو رب القلم محيي دولة الشعر بعد العدم شاعر النيل أحمد بن علي شوقي بك المولود سنة ١٢٨٥هـ.
شعره، ينظم بين أصحابه فيكون معهم وليس معهم، وينظم حين يشاء، وحيث يشاء، لا يجهد فكره ولايكده في معنى أو في مبنى، فأما المعنى فيجيئه على مرامه أو على أبعد من مرامه ولاينضب عنده لأنه يستخلصه من عقل فوار الذكاء ومعارف جامعة إلى أفانين الآداب في لغات الإفرنج والأعراب، فلسفة الحقوق وحقائق وحقائق التاريخ، وغرائب السير التي يحفظ منها غير يسير إلى مشاركات علمية وتنبيهات فنية استفادها من مطالعته في صنوف الكتب، واتخذها عن ملحوظاته ومسموعاته في جولاته بين بلاد الشرق والغرب. وأما المبني فله فيه اذواق متعددة مقامات القول: ترى فيه من نسج البحتري ومن صياغة أبي تمام ومن ثبات المتنبي، ومن مفاجآت الشريف، ومن مسلسلات مهيار.
ومن قوله: يصف هيكل أنس الوجود:
أيُّها المنتحي "بأسوانَ" داراً ... كالثريَّا تريدُ أن تنقضا
стр. 471
اخلع النَّعلَ واخفض الطرف واخشعْ ... لا تحاولْ من آيةِ الدَّهرِ غمضا
قفْ بتلكَ القصور في اليمّ غرقى ... ممسكاً بعضها في الذُّعرِ بعضا
كعذارى أخفينَ في الماءِ بضّاً ... سابحاتِ به، وأبدين بضّاً
مشرفاتٍ على الزوال. وكانتْ ... مشرقاتٍ على الكواكب نهضا
شابَ من حولها الزمانُ. وشابت ... وشباب الفنونِ ما زالَ غضّاً
ربّ نقشٍ كأنما نفضَ الصّا ... نعُ منهُ اليدينِ بالأمس نفضاً
ودهانٍ كلامعِ الزّيت مرّت ... أعصر بالسّراج والزّيتُ وضّا
وخطوط كأنها هدبُ ريمٍ ... حسنتْ صنعة وطولا وعرضا
وضحايا تكادُ تمشي وترعى ... لو أصابت من قدرة الله نبضا
ومحاريبَ كالبروجِ بنتها ... عزماتٌ من عزمةِ الجنّ أمضى
شيَّدت بعضها الفراعينُ زلفى ... ولني البعضَ أجنب يترضّى
ومقاصيرَ أبدلتْ بفتاتِ ال? ... ?مسك ترباً. وباليواقيتِ قضاً
حظُّها اليومَ هدّةٌ، وقديماً ... صرفت في الحظوظ رفعاً وخفضاً
سقتِ العالمينَ بالسعدِ والنَّح? ... ?سِ إلى أن تعاطتِ النحسَ محضاً
صنعةٌ تدهشُ العقولَ وفنٌّ ... كان إتقانهُ على القومِ فرضا
***
ياقصوراً نظرتها وهي تقضى ... فسكبتُ الدموعَ، والحقُّ يقضى
أنت طغرا، ومجدُ مصرَ كتابٌ ... كيفَ سامَ البلى كتابكِ فضّاً؟
وأنا المحتفي بتاريخِ مصر ... من يصنْ مجدّ قومهِ صانَ عرضا
لم تمت أمَّةٌ، ولا بادَ شعبٌ ... أقرضوا الذِّكرَ والأحاديث قرضا
ربّ سرِّ بجانبيكِ مزالٍ ... كان حتى على الفراعينِ غمضا
стр. 472
قلْ لها في الدُّعاء لو كان يجدي ... يا سماءَ الجلالِ لا صرتِ أرضا
حار فيك المهندسون عقولاً ... وتولَّتْ عزائمُ العلمَ مرضى
أينَ ملْكٌ حيالها وفريدٌ ... من نظامِ النعيمِ أصبحَ فضاً؟
أين فرعونُ في المواكبِ تترى ... يركضُ المالكينَ كالخيلِ ركضا?
ساقَ للفتح في الممالكِ عرضاً ... وجلا للفخارِ في السلمِ عرضا
أين "إبزيسُ" تحتها النيلُ يجري ... حكمتْ فيهِ شاطئينِ وعرضا!
أسدلَ الطّرف كاهنٌ ومليكٌ ... في ثراها وأرسلَ الرأسَ خفضا
يعرضُ المالكون أسرى عليها ... في قيود الهوان عانينَ جرضى
ما لها أصبحتْ بغير مجير ... تشتكي من نوائب الدّهر عضّا
هي في الأسرِ بين صخرٍ وبحرٍ ... ملكة في السّجون فوقَ حضوضى
أين (هوروسُ) بين سيفٍ ونطع ... أبهذا في شرعهم كان يقضى!
ليت شعري! قضى شهيدَ غرامٍ ... أم رماهُ الوشاة حقداً وبغضا
ربُّ ضرب من سوطِ فرعون مضِّ ... دون فعل الفراقِ بالنفسِ مضّا
وهلاكٍ بسيفهِ وهو قانٍ ... دونَ سيفٍ من الّلواحظِ ينضى
قتلوهُ فهل لذاك حديثٌ ... أين راوي الحديثِ نثراً وقرضا
شيمةُ النيل أن يفي، وعجيب ... أحرجوهُ فضيَّعَ العهدَ نقضاً
стр. 473
حاشهُ الماءُ فهو صيدٌ كريمٌ ... ليتَ بالنيلِ يومَ يسقط غيضا
شيّدوا المالَ، والعلومُ قليلٌ ... أنقذوهُ بالمالِ والعلمِ نقضا
стр. 474
محمد حافظ بك ابراهيم
هو الشاعر الكبير محمد حافظ بن ابراهيم أفندي فهمي المولود سنة ١٢٨٨هـ?. يقول الشعر، في كل مكان يتفق له فيه أن يخلو بنفسه، ويتعب في قرض قريضه تعب النحات الماهر في استخراج مثال جميل من حجره.
يؤثر الجزالة على الرقة، وله فيها آيات، يطرق الموضوع في الغالب من جوهره وربما نظم أكثر الأبيات قبل المطلع شان الصانع القدير الذي يبدأ بأصعب ما
стр. 475
بين يديه آمناً أن تهن عزيمته دون الإجادة بعد ذلك عالماً أن الكلام لابد لأن يأتيه في أي مقام طيعاً ولو بعد حين.
حاضر المحفوظ من أفصح أساليب العرب ينسج على منوالها ويتخير نفائس مفرداتها وأعلاق حلاها. له غرام باللفظ لايقل عن الغرام بالمعنى. وفي أقصى ضميره يؤثر البيت المجاد لفظاً على المجاد معنى. فإذا فاته الابتكار حيناً في التصوير، أولع بالاجتماعيات فقال فيها وأجاد ما شاء، فهو على الجملة أحد الثلاثة الذين هم نجوم الأدب العربي في مصر لهذا العصر، ولكل من تلك النجوم منزلة وإضاءته وأثره الخالد.
أما شعره فشعر البيان وإن من البيان لسحراً. ومن شعره الاجتماعي، قوله:
كم ذا يكابد عاشقٌ ويلاقي ... في حبِّ مصرَ كثيرةِ العشَّاق
إني لأحملُ في هواكِ صبابة ... يامصرُ، قد خرجت عن الأطواقِ
لهفي عليكِ? متى أراك طليقةً ... يحمي كريمَ حماكِ شعبٌ راقٍ
كلفٌ بمحمود الخلالِ، متيمٌ ... بالبذلِ بين يديكِ والإنفاقِ
إني لتطربني الخلالُ كريمةٌ ... طربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ
ويهزُّني ذكرُ المروءةِ والنَّدى ... بين الشّمائلِ هزّةَ المشتاقِ
ما البابليَّةُ في صفاءِ مزاجها ... والشربُ بين تنافس وسباقِ
والشمس تبدو في الكؤوسِ وتختفي ... والبدرُ يشرق من جبين السّاقي
بألذ من خلقٍ كريم طاهرٍ ... قد مازجتهُ سلامةُ الأذواقِ
فإذا رزقتَ خليقة محمودة ... فقدِ اصطفاكَ مقسّمُ الأرزاقِ
فالناسُ هذا حظهُ مالٌ، وذا ... علمٌ وذاك مكارمُ الأخلاقِ
والمالُ إن لم تدَّخرهُ محصناً ... بالعلم كان نهاية الإملاقِ
والعلمُ إن لم تكتنفهُ شمائلٌ ... تعليهِ كان مطية الإخفاق
стр. 476
لا تحسبنَّ العلم ينفعُ وحدهُ ... مالم يتوَّج ربُّهُ بخلاقِ
منْ لي بتربية النساءِ فإنَّها ... في الشرق علَّةُ ذلك الإخفاق
الأم مدرسةٌ إذا أعددتها ... أعددت شعباً طيّب الأعراقِ
الأم روضٌ تعهّدهُ الحيا ... بالريّ، أورقَ إيّما إبراق
الأمُّ أستاذُ الأساتذةِ الألى ... شغلت مآثرهم مدى الآفاق
أنا لا أقولُ: دعوا النساءَ سوافراً ... بين الرجال يجلنَ في الأسواق
يدرجنَ حيث أردنَ، لا من وازعٍ ... يحذرن رقبتهُ، ولا من واق
يفعلن أفعال الرجال لواهيا ... عن واجبات نواعس الأحداق
في دورهنّ شؤونهنّ كثيرة ... كشؤون ربّ السيفِ والمزراق
كلاّ، ولا أدعوكم أن تسرفوا ... في الحجبِ والتضييق والإرهاق
ليست نساؤكمُ حلىّ وجواهراً ... خوفَ الضياع تصانُ في الأحقاقِ
ليست نساؤكمُ أثاثاً يقتنى ... في الدُّور بين مخادع وطباق
تتشكَّلُ الأزمانُ في أدوارها ... دولاً، وهنَّ على الجمود بواق
فتوسَّطوا في الحالتين، وأنصفوا ... فالشرُّ في التقييد والإطلاقِ
ربُّوا البنات على الفضيلةِ، أنّها ... في الموقفين لهنَّ خير وثاق
وعليكمُ أن تستبينَ بناتكم ... نورَ الهدى وعلى الحياءِ الباقي
إسماعيل صبري باشا
أكثر ما ينظم فلخطرة تخطر على باله من مثل حادثة يشهدها أو خبر ذي بال يسمعه أو كتاب يطالعه، ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة إلى ستة، وقلما يزيد على هذا القدر إلا حيث يقصد قصيدة،
стр. 477
شديد النقد لشعره كثير التبديل والتحويل فيه حتى إذا استقام على ما يريده ذوقه من رقة اللفظ وفصاحة الأسلوب أهمله ثم نسيه، ومن قوله يصف الأهرام:
لا القومُ قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا ونى يوم تحصيل العلى وانِ
ولستُ أنْ لم يؤيدني فراعنة ... منكم بفرعونَ عالي العرش والشانِ
ولستُ جبّار ذا الوادي إذا سلمتِ ... جبالهُ تلك من غاراتِ أعواني
لا تقربوا النَّيلَ إن لم تعلموا عملاً ... فماؤهُ العذبُ لم يخلقْ لكسلانِ
ردوا المجرّة كذّاً دون موردهِ ... أو فاطلبوا غيرهُ رياً لظمآنِ
وابنوا كما بنت الأجيالُ قبلكمُ ... لا تتركوا بعدكم فخراً لإنسان
أمرتكم، فأطيعوا أمرَ ربّكم ... لا يئنِ مستمعاً عن طاعةٍ ثانِ
فالملك أمرٌ وطاعاتٌ تسابقهُ ... جنباً لجنب إلى غايات إحسانٍ
لا تتركوا مستحيلاً في استحالته ... حتى يميطَ لكم عن وجه إمكانِ
مقالةً قد هوت من عرش قائلها ... على مناكب أبطال وشجعان
مادتْ لها الأرضُ من ذعرٍ ودان لها ... ما في المقطَّم من صخر وصوَّانِ
لو غير فرعونَ ألقاها على ملأِ ... في غير مصرِ لعدَّت حلم يقظان
لكنّ فرعونَ إن نادى جبلاً ... لبَّت حجارتهُ في قبضةِ الباني
وآزرتهُ جماهير تسيلُ بها ... بطاحُ واد بماضي القوم ملآنِ
يبنون ما تقف الأجيالُ حائرة ... أمامهُ بين إعجاب وإذعانٍ
من كل ما لم يد فكر ولا فتحت ... على نظائره في الكون عينانِ
ويشبهونَ إذا طاروا إلى عمل ... جنّاً تطير أمرٍ من سليمانِ
برّاً بذي الأمر لا خوفاً ولا طمعاً ... لكنّهم خلقوا طلابَ إتقانِ
стр. 478
أهرامهم تلك، حيّ الفنَّ متخذاً ... من الصُّخورِ بروجاً فوق كيوانِ
قد مرَّ دهر عليها، وهي ساخرة ... بما يضعضعُ من صرحٍ وإيوانِ
لم يأخذِ الّليلُ منها والنهارُ سوى ... ما يأخذُ النملُ من أركان تهلانِ
كأنها والعواد، في جوانبها ... صرعى بناءُ شياطين لشيطانٍ
جاءت إليها وفود الأرض قاطبة ... تسعى اشتياقاً إلى ما خلَّدَ الفاني
فصغَّرت كل موجود ضخامتها ... وغضَّ بنيانها من كلّ بنيانِ
وعادَ منكرُ فضل القوم معترفاً ... يثني على القوم في سرَّ وإعلانِ
تلك الهياكل في الأمصار شاهدةٌ ... بأنهم أهلُ سبقٍ، أهلُ إمعانٍ
وأن فرعونَ في حول ومقدرة ... وقومَ فرعونَ في أقدام كفؤانٍ
إذا أقام عليهم شاهداً حجرٌ ... في هيكل قامتْ الأخرى ببرهانٍ
كأنما هي والأقوام خاشعةٌ ... أمامها صحفُ من عالمٍ ثانِ
تستقبلُ العينَ في أثنائها صورٌ ... فصحة الرمز دارت حولَ جدرانِ
لو أنها أعطيتْ صوتاً لكانَ لهُ ... صدّى يروّع الإنس والجان
أين الألى سجَّلوا في الصّخر سيرتهم ... وصغّروا كلَّ ذي ملك وسلطانِ
بادوا، وبادت على آثارهم دولٌ ... وأدرجوا طيَّ أخبار وأكفانِ
خليل بك مطران
هو شاعر الشعور والخيال، وشاعر بعلبك والأهرام، ولد سنة ١٨٧١ ببعلبك وتعلم بها قدم مصر سنة ١٨٩٣ م واشتغل بمكاتبة الصحف وانشأ باسمه "المجلة المصرية" سنة ١٨٩٩ م وأنشأ أيضاً (جريدة الجوانب المصرية) وله ديوانه المسمى (ديوان الخليل) .
شعره: مجمع الصور وملعب الخيال، ونفسه كالصحيفة الحساسة ينطبع
стр. 479
عليها كل ما يمر بها، بل الغصن الرطب يميل به كل نسيم بل وجه البحيرة الصافي يحركه كل ريح، من قصيدة له يصف ضرب الأسطول الإيطالي سواحل الشام ويستنهض الهمم:
بلادي لا يزالُ هواكِ منّي ... كما كان الهوى قبل الفطام
أقبّل منك حيثُ رمى الأعادي ... رغاماً طاهراً دون الرّغام
وافدي كل جلمود فتيت ... وهي بقنابل القوم اللّئام
لحى الله المطامعَ حيث حلّت ... فتلك أشدّ آفات السلام
تشوبُ الماَء وهو أغرّ صاف ... وتمشي في المشارب بالسّقام
أقول وقد أفاق الشّرق ذعراً ... من الحال الشّبيهة بالمنام
على صخب المدافع في حماه ... ورقص الموت بينَ طلّيً وهامِ
أقول بصوته لحماة دار ... رماها من بغاة الغرب رام
أباةَ الضيَّم من عرب وترك ... نسورَ الشّمّ آسادَ الموامي
قرومَ العصر فرساناً ورجلاً ... نجوم الكرّ من خلف اللثام
بنا مرض النَّعيم فنسمونا ... وغّى يشفي من الصفّو العقام
بنا برد المكوث فأدفئونا ... بحمَّى الوثب حيث الخطب حام
بنا عطلُ السّماع فشنَّفونا ... بقعقعة الحديد لدى الصّدام
على هذا الرّجاء ونحن في ... نسيرُ موفقين إلى الأمام
وقال في نابليون وهو يراقب السماء في آخر أيامه
قالوا لنابليون ذات عشيّة ... إذ كان يرقب في السّماء الأنجما
هل بعد فتح الأرض من أمنيَّة ... فأجاب انظر كيف أفتتح السّما
أبواب الشعر العربي
الباب الأول في المديح
"قال أمية بن أبي الصلت المتوفى سنة ٩ هـ? في العزة الإلهية".
стр. 480
لكَ الحمدُ والنّعماء والملك ربُّنا ... فلا شيء أعلى منك مجداً وامجداُ
مليك على عرض السّماءِ مهيمنٌ ... لعزّته تعنوا الوجوه وتسجدُ
فسبحان من لا يعرفُ الخلقُ قدره ... ومنْ هو فوقَ العرش فردٌ موحّدُ
هو الله باري الخلقِ والخلقُ كلّهم ... إماءٌ له طوعاً جميعاً وأعبدُ
مليكُ السَّموات الشّداد وأرضها ... يدومُ ويبقى والخليقةُ تنفدُ
وقال أيضاً
إلهُ العالمينَ وكلَّ أرض ... ورب الرَّاسيات من الجبال
بناها وابتنى سبعا شداداً ... بلا عمدٍ يربنَ ولا رجالِ
وسوَّاها وزينها بنور ... من الشمس المضيئةِ والهلالِ
ومن شهب تلألأ في دجاها ... مراميها أشدُّ من النَّصالِ
وشقّ الأرض فانبجستْ عيونا ... وأنهاراً من العذب الزُّلالِ
وبارك في نواحيها وزكّى ... بها ما كان من حرثٍ ومعالٍ
فكلُّ معمّر لا بدّ يوماً ... وذي دنيا يصيرُ إلى زوالٍ
ويفني بعد جدته ويبلى ... سوى الباقي المقدّس ذي الجلالِ
وسيقَ المجرمون وهم عراة ... إلى ذات المقامع والنَّكالِ
فنادوا ويلنا ويلاً طويلاً ... وعجُّوا في سلاسلها الطّوالِ
فليسوا ميتين فيستريحوا ... وكلهمُ بحرّ النّار صالي
وحلّ المتّقون بدار صدق ... وعيش ناعمٍ تحت الظّلال
لهم ما يشتهون وما تممنا ... من الأفراح فيها والكمالِ
وقال محمود سامي البارودي باشا مادحاً سيد الأمة من كشف الغمة
"محمدٌ" خاتم الرُّسل الّذي خضعت ... له البرية من عرب ومن عجم
سميرُ وحي ومجنى حكمةٍ وندى ... سماحة وقرى عافٍ وريُّ ظم
стр. 481
قد ابلغ الوحيُ عنه قبل بعثته ... مسامعَ الرُّسل قولاً غير منكتم
فذاك دعوةُ إبراهيم خالقه ... وسرَّ ما قاله عيسى من القدمِ
أكرم به وبآباء محجّلة ... جاءت به غرّة في الأعصر الدُّهم
قد كان في ملكوت الله مدّخراً ... لدعوة كان فيها صاحبَ العلم
نورٌ تنقل في الأكوان ساطعة ... تنقلَ البدرِ من صلب إلى رحم
وقال أحمد بك شوقي مادحاً أفضل الخلق على الإطلاق من نهج البردة
محمدُ" صفوة الباري وحمته ... وبغيةُ الله من خلقٍ ومن نسيم
وصاحبُ الحوضِ يوم الرُّسلُ سائلةٌ ... متى الورود وجبريلُ الأمينُ ظمي
سناؤه وسناه الشمس طالعةٌ ... فالجرمُ في فلكٍ والضّوءُ في علم
قد أخطأ النجمُ ما نالت أبوته ... من سؤددٍ باذخٍ في مظهرٍ سنم
نموا إليه فزادوا في الورى شرفاً ... وربّ أصلٍ لفرعِ في الفخار نمي
حواه في سبحات الطُّهر قبلهمُ ... نورانِ قاما مقامَ الصُّلب والرَّحم
لما رآه بحيراً قال نعرفهُ ... بما حفظنا من الأسماء والسَّيمِ
وقال أبو تمام مادحاً المعتضد بالله
إلى قطب الدُّنيا الذي لو بفضله ... مدحت بني الدُّنيا كفتهم فضائله
من البأس والمعروف والجود والتُّقى ... عيالٌ عليه رزقهنَّ شمائله
هو البحرُ من أيّ النواحي أتيته ... فلجتهُ المعروفُ والجودُ ساحله
تعود بسط الكف حتّى لو أنَّه ... ثغاها لقبضٍ لم تعطهُ أنامله
ولو لم يكن في كفه غيرُ روحه ... لجاد بها فليتَّقِ الله سائله
стр. 482
وقال فيه أيضاً
السيف اصدقُ إنباءٌ من الكتبِ ... في حده الحدّ بين الجدّ والّلعبِ
بيضُ الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهنّ جلاء، الشّكَّ والرّيبِ
فتحٌ تفتحُ أبواب السّماء له ... وتبرزُ الأرضُ في أثوابها القشبِ
غادرت فيهم بهيمَ الليل وهو ضحى ... يقلهُ وسطها صبحٌ من الّلهبِ
حتى كأن جلابيبَ الدُّجى رغبت ... عن لونها وكأنَّ الشمس لم تغبِ
أجبتهُ معلناً بالسّيف متصلتا ... ولو أجبت بغير السّيف لم تجب
خليفةَ الله جازى سعيك عن ... جرثومة الدّين والإسلام والحسب
فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقربُ النّسب
وقال أبو العلاء المعري
إليك تناهي كلُّ فخرٍ وسؤدد ... فأبلِ الّليالي والأنام وجدد
لجدَّك كلن المجدُ ثم حويته ... ولابنك يبنى منه أشرف مقعدِ
ثلاثة أيامٍ هيَ الدّهرُ كله ... وما هنّ غير الأمسِ واليومِ والغدِ
وما البدرُ إلا واحدٌ غير أنه ... يغيبُ ويأتي بالضيّاءِ المجدّدِ
فلا تحسب الأقمار خلقاً كثيرة ... فجعلتها من نيَّر مترددٍ
وللحسنِ لحسنى وإن جاد غيره ... فذلك جودٌ ليس بالمعتمّد
وقال أبو الطيب المتنبي مادحاً سيف الدولة
ضاق الزمانُ ووجهُ الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السّهل والجبل
فنحن في جذل والرُّوم في وجل ... والبرُّ في شغل والبحرُ في خجل
ليتَ المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة البدرِ ما يغنيك عن زحل
стр. 483
وقد وجدت مكانَ القول ذا سعةٍ ... فإن وجدتَ لساناً قائلاً فقل
إن الإمام الذي فخرُ الأنام به ... خيرُ السُّيوف بكفي خيرةِ الدُّول
تمسي الأماني صرعى دون مبلغهِ ... فما يقول لشيءٍ ليتَ ذلك لي
وقال أيضاً يمدح أبا شجاع
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ ... فليسعد النُّطق إن لم تسعد الحال
واجز الأميرَ الذي نغماه فاجئةٌ ... بغير قولٍ ونعمى النَّاس أقوالُ
فربما جرت الإحسانَ موليه ... جريدةٌ من عذارى الحيّ مكسالُ
وإن تكن محكمات الشّكل تمنعني ... ظهور جري فلي فيهن تصهالُ
وما شكرتُ لأن المالَ فرحني ... سيّان عنديَ إكثارٌ وإقلالُ
لكن رأيت قبيحاً أن يجاد لما ... وإننا بقضاء الحقَّ بخالُ
فكنتُ منبتَ روضِ الحزن باكره ... غيثٌ بغيرِ سباخ الأرض هطالُ
غيثٌ يبيّن للنُّظار موقعه ... أن الغيوث بما تأتيه جهّالُ
لا يدرك المجدَ إلا سيّدق فطنٌ ... لما يشقٌ على السادات فعّال
لا وارثٌ جهلتْ يمناهُ ما وهبتْ ... ولا كسوبٌ بغير السّيف سئّال
قال الزمانُ له قولاً فأفهم ... أن الزّمان على الإمساك عذال
تدري القناةُ إذا اهتزت براحته ... أن الشّقيّ بها خيلٌ وأبطالُ
كفاتكِ ودخول الكاف منقصةٌ ... كالشمس قلتُ وما للشمس أمثال
القائدُ الأسدَ غدتها براثنهُ ... بمثلها عداهُ وهي أشبالُ
وقال أيضاً يمدح سيف الدولة
ويذكر بناءه قلعة الحدث سنة ٣٤٣ هـ?
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
يكلف سيف الدّولة الجيش همّهُ ... وقد عجزت منه الجيوش الخضارم
стр. 484
ويطلب عند الناس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدّعيه الضراغم
يفدَّي أتمُّ الطَّير عمراً سلاحهُ ... نسورُ الفلا أحداثها والقشاعم
وما ضرّها خلقٌ بغير مخالب ... وقد خلقتْ أسيافه والقوائم
هل الحدث الحمراء تعرف لونها ... وتعلم أيُّ الساقيين الغمائم
سقتها الغمام الغرُّ قبل نزوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجم
بناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم
طريدة الّليالي كلّ شيءٍ أخذته ... وهنَّ لما يأخذن منك غوارم
وكيف ترجّى الرُّوم والرُّوس هدمها ... وذا الطعن آساس لها ودعائم
وقال جرير المتوفى سنة ١١٠ هـ? يمدح عبد الملك بن مروان:
تعزّت أمُّ حزرة ثمَّ قالتْ ... رأيتُ الموردين ذوي لقاحِ
ثقي بالله ليسَ له شريك ... ومنْ عندِ الخليفة بالنّجاحِ
سأشكر غنْ رددت إليّ ريشي ... وأنبتَّ القوادمَ في جناحي
ألستمْ خيرَ منْ ركبَ المطايا ... وأندى العالمينَ بطون راحِ
وقال أيضاً يمدح عمر بن عبد العزيز ويستعطفه
إكمْ باليمامةِ منْ شعثاءَ أرملةَ ... ومنْ يتيم ضعيف الصّوت والنّظرِ
ممّن يعدُّكَ تكفي فقد والدهِ ... كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطرِ
يدعوك دعوة ملهوف كانّ بهِ ... خبلاً من الجنّ أو مسّاً من النُّسرِ
إنّا لنرجو إذا ما الغيثُ اخلفنا ... منَ الخليفةِ ما نرجو منَ المطرِ
أنى الخلافةَ أو كانتْ لهُ قدراً ... كما أتى ربهُ موسى على قدر
هذي الأراملُ قد قضيتَ حاجتها ... فمنْ لحاجةِ هذا الأرمل الذّكرِ
стр. 485
وقال أيضاً يمدحه
يعودُ الفضلُ منكَ على قريشٍ ... وتفرجُ عنهمُ الكربَ الشدادا
وقد أمنتَ وحشهم برفق ... ويعيي النَّاسَ وحشك أن يصادا
وتدعو الله مجتهداً ليرضى ... وتذكر في رعيتكَ المعادا
وما كعبُ بنُ مامة وابنُ سعدى ... بأجود منك يا عمرُ الجوادا
وقال الثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩ هـ? مادحاً الأمير أبا الفضل الميكالي
لك في المفاخر معجزاتٌ جمّة ... أبداً لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحرٌ في البلاغة شابهُ ... شعر الوليدِ وحسن لفظ الأصعمي
وترسُّلُ الصّابي بزين علوهُ ... خط ابن مقلةَ ذو المحل الأرفع
كالنّور أو كالسّحر أو كالبدر أو ... كالوشي في بردٍ عليه موشّع
شكراً فكم من فقرةٍ لك كالغني ... وافي الكريم بعيدَ فقر مدقع
وإذا تفتّق نورُ شعرك ناضراً ... فالحسن بين مرصَّع ومصرَّع
أرجلتَ فرسان الكلام ورضتَ أف ... راس البديع وأنت أمجد مبدعِ
ونقشتَ في فضّ الزمان بدائعاً ... ترزى بآثار الربيع الممرع
وقال أبو محمد اليمني المتوفى سنة ٥٦٩ ه ـ?
يمدح الملك الفائز ووزيره الصالح
أقسمت بالفائز المعصومِ معتقداً ... فوز النّجاةِ واجرَ البرّ في القسمِ
لقد حمى الدَّينَ والدنيا وأهلها ... وزيرهُ الصّالح الفرَّاجُ للغمم
الّلابسُ المجد لم تنسج غلائلهُ ... إلا يدُ الصانعين السّيفِ والقلم
قد ملكتهُ العوالي رق مملكةٍ ... تعيرُ أنفَ الثُّريا عزّة الشّمم
أرى مقاما عظيمَ الشان أوهمني ... في يقظتي انّه من جملةِ الحلم
ليتَ الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقودَ مدحِ فما أرضى لكمْ كلمي
خليفة ووزيرٌ فرَّ عدلهما ... ظلاَّ على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النّيل نقصٌ عندَ قيضهما ... فما عسى يتعاطى هاطل الدَّيم
стр. 486
وقال حافظ إبراهيم يمدح أستاذنا
الشيخ محمد عبده ويهنئه
رأيتك والأبصار حولك خشَّعٌ ... فقلت أبو حفص ببرديك أم علي
وخفضتَ من حزني على مجد أمة ... تداركتها والخطبُ للخطب يعتلي
طلعت بها باليمن من خير مطلع ... وكنت لها في الفوز قدحُ ابنُ مقبل
وجرّدت للفتيا حسام عزيمة ... بحدَّيه آياتُ الكتاب المنزل
محوتَ به في الدّين كلّ ضلالة ... وأثبتَ ما أثبتَّ غيرَ مضلَّل
لئن ظفر الأفتاءُ منك بفاضل ... لقد ظفر الإسلامُ منك بأفضل
الباب الثاني في الفخر والحماسة
قال السموءل بن عادياء المتوفى سنة ٦٢ قبل الهجرة
إذ المرءُ لمْ يدنسْ من الُّلؤمِ عرضهُ ... فكلُّ رداء يرتديهِ جميلٌ
وإن هوَ لمْ يحمل على النَّفسِ ضيمها ... فليسَ إلى حسنِ الثناءِ سبيلُ
يعيرنا أنا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرامَ قليلُ
وما قلَّ من كانتْ بقاياهُ مثلنا ... شابٌ نتسامى للعلا وكهولُ
وما ضرَّنا أنا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ
لنا جبلٌ يحتلهُ منْ نجيره ... منيعٌ يردُّ الطَّرفَ وهو كليلُ
стр. 487
رسا أصلهُ تحتَ الثرى وسما بهِ ... إلى النجمِ فرعٌ لا ينالُ طويلُ
هوَ الأبلقُ الفردُ الذي شاعَ ذكره ... يعزُّ على منْ رامهُ ويطولُ
وإنا لقومٌ لا نرى القتلَ سبّةٌ ... إذا ما رأتهُ عامرٌ وسلولُ
يقربُ حبُّ الموتِ آجالنا لن ... وتكرمهُ آجالهمْ فتطولُ
وما ماتَ منّا سيّدُ حتفَ انفهِ ... ولا ظلّ منا حيثُ كان قتيلُ
تسيلُ على حدّ الظُّبات نفوسنا ... وليستْ على غيرِ الظَّباتِ تسيلُ
صفونا فلم نكدرْ وأخلصَ سّرنا ... إناثٌ أطابتْ حملنا وفحولُ
علونا إلى خيرِ الظُّهور وحظنا ... لوقت إلى خيرِ البطونِ نزول
فنحن كماءِ المزنِ ما في نصابنا ... كهامٌ ولا فينا يعدُّ بخيلُ
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القولَ حين نقول
إذا سيدٌ منّا خلا قام سيدٌ ... قوولٌ لما قال الكرامُ فعول
стр. 488
وما أخمدتْ نارٌ لنا دون طارقٍ ... ولا ذمّنا في النازلينَ نزيلُ
وأيامنا مشهورةٌ في عدّنا ... لها غررٌ معلومةٌ وحجول
وأسيافنا في كلَ شرقٍ ومغرب ... بها من قراعِ الدَّارعينَ فلول
معوَّدةٌ ألا تسلَّ نصالها ... فتغمد حتى يستباحَ قبيلُ
سلي إن جهلتِ النّاس عنّا وعنهم ... فليسَ سواءٌ عالمٌ وجهولُ
فإن بنى الدَّيَّانِ قطبٌ لقومهمُ ... تدورُ رحاهم حولهمْ وتجولُ
وقال عنترة العبسي
لعمرك إن المجد والفخر والعلاَ ... ونيلَ الأماني وارتفاعَ المراتب
لمنْ يلتقي أبطالها وسراتها ... بقلبٍ صبور عند وقع المضارب
ويبني بحدّ السَّيف مجداً مشيداً ... على فلك العلياء فوق الكواكب
ومنْ لم يرو رمحه من دم العدا ... إذا اشتبكتْ سمرُ القنا بالقواضب
ويعطي القنا الخطيّ في الحرب حقَّه ... ويبري بحدّ السّيف عرض المناكب
يعيشُ كما عاش الذليل بغصة ... وإن مات لا يجري دموع النوادب
فضائلُ عزمٍ لا تباع لضارع ... وأسرارُ حزمٍ لا تذاع لعائب
برزت بها دهراً على كل حادث ... ولا كحل إلا من غبار الكتائب
стр. 489
إذا كذب البرق اللموعُ لشائمِ ... فبرقُ حسامي صادقٌ غيرُ كاذب
وقال أيضاً في الحماسة والفخر
سكت فغرَّ أعدائي السكوتُ ... وظنوني لأهلي قد نسيتُ
وكيف أنامُ عن ساداتِ قوم ... أنا في فضلِ نعمتهم ربيتُ
وإن دارت بهم خيلُ الأعادي ... ونادوني أجبتُ متى دعيت
بسيف حدُّهُ موجُ المنايا ... ورمحِ صدرهُ الحتفُ المميتُ
خلقتُ من الحديد أشدُّ قلباً ... وقد بلى الحديدُ وما بليتْ
وإني قد شربتُ دم الأعادي ... بأقحاف الرُّؤوس وما رويتُ
وفي الحرب العوان ولدت طفلاً ... ومن لبن المعامع قد سقيتُ
فما للرَّمح في جسمي نصيبٌ ... ولا للسّيف في أعضاي قوتُ
ولي بيت علا فلك الثُّريَّا ... تخر لعظم هيبته البيوت
وقال أيضاً في الحماسة والفخر يوم المصانع
إذا كشف الزّمانُ لك القناعا ... ومدّ إليك صرفُ الدّهر باعا
فلا تخش المنية والتقيها ... ودافع ما استطعت لها دفاعا
ولا تختر فراشاً من حريرس ... ولا تبكِ المنازلَ والبقاعا
وحولك نسوة يندبن حزناً ... ويهتكن البراقعَ واللفاعا
يقول لك الطّبيبُ دواك عندي ... إذا ما جسَّ كفّك والذّراعا
ولو عرف الطّبيبُ دواء داءٍ ... يردَّ الموتَ ما قاسى النّزاعا
وفي يوم المصانع قد تركنا ... لنا بفعالنا خبراً مشاعا
أقمنا بالذّوابل سوقَ حرب ... وصيرنا النفوس لها متاعا
حصاني كان دلاّل المنايا ... فخاضَ غبارها وشرى وباعا
وسيفي كان في الهيجا طبيباً ... يداوي رأس من يشكو الصُّداعا
أنا العبدُ الذي خبّرت عنه ... وقد عاينتني فدع السماعا
стр. 490
ولو أرسلتُ رمحي مع جبان ... لكان بهيبتي يلقى السّباعا
ملأتُ الأرضَ خوفاً من حسامي ... وخصمي لم يجدْ فيها اتّساعا
إذا الأبطال فرَّتْ خوفَ بأسي ... ترى الأقطار باعاً أو ذراعا
وقال أيضاً في الفخر والحماسة
أعادي صرفَ دهر لا يعادى ... وأحتملُ القطيعةَ والبعادا
وأظهرُ نصح قوم ضيعوني ... وإن خانت قلوبهم الودادا
أعلّلُ بالمنى قلباً عليلاً ... وبالصبر الجميل وإن تمادى
تعيّرني العدا بسواد جلدي ... وبيضُ خصائلي تمحو السّوادا
وردت الحربَ والأبطالُ حولي ... تهزّ اكفُّها السُّمرَ الصّعادا
وخضتُ بمهجتي بحر المنايا ... ونار الحرب تتَّقدُ الصعادا
وعدت مخضّبا بدم الأعادي ... وكربُ الرّكض قد خضب الجوادا
وسيفي مرهفُ الحدّين ماض ... تقدُّ شفارهُ الصَّحرَ الجمادا
ورمحي ما طعنت به طعيناً ... فعاد بعينه نظرَ الرّشادا
ولولا صارمي وسنان رمحي ... لما رفعت بنو عبس عمادا
وقال يتوعد النعمان بن المنذر ملك العرب ويفتخر بقومه
لا يحملُ الحقدَ من تعلوبه الرُّتبُ ... ولا ينال العلى من طبعه الغضبُ
لله درُّ بني عبس لقد نسلوا ... من الأكارم ما قد تنسلُ العرب
قد كنت فيما مضى أرعى جمالهمُ ... واليومَ احمي حماهم كلّما نكبوا
لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسبٌ ... يومَ النّزال إذا ما فاتني النّسب
إن كنت تعلم يا نعمان أنّ يدي ... قصيرةٌ عنك فالأيام تنقلب
إنّ الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلّب في أنيابها العطب
اليومَ تعلم يا نعمان أيُّ فتى ... يلقى أخاك الذي قد غرّهُ العصب
стр. 491
فتى يخوض غبار الحرب مبتسماً ... وينثني وسنان الرَّمح مختضب
إن سلّ صارمهُ سالت مضاربهُ ... وأشرق الجوُّ وانشقت له الحجب
والخيل تشهد لي أني أكفكفها ... والطّعنُ مثل شرار النَّار يلتهب
إذا التقيتُ الأعادي يومض معركةٍ ... تركت جمعهم المغرور ينتهب
ليّ النُّفوس وللطّير اللّحومُ ولل ... وحشِ العظامُ وللخيّالة السلب
لا أبعد الله عن عيني غطارفة ... إنساً إذا نزلوا جنَّا إذا ركبوا
أسودُ غابٍ ولمن لا نيوبَ لهم ... إلاّ الأسنّة والهنديّة القضب
تعدو بهم أعوجيّاتٌ مضمَّرة ... مثل السّراحين في أعناقها القببُ
ما زلت ألقى صدور الخيل مندفقاً ... بالطّعن حتى يضجَّ السّرجُ واللّبب
فالعمي لو كان في أجفانهم نظروا ... والخرس لو كان في أفواههم خطبوا
والنقع يوم طراد الخيل يشهدُ لي ... والضّرب والطّعن والأقلام والكتب
وقال أيضاً في إغارته على بني حريقة
حكّم سيوفك في رقاب العذّلِ ... وإذا نزلتَ بدار ذلّ فارحلِ
وإذا الجبانُ نهاك يومض كريهةٍ ... خوفاً عليك من ازدحام الجحفل
فاعص مقالته ولا تجفل بها ... واقدم إذا حق اللذقا في الأوّل
واختر لنفسك منزلاً تعلو به ... أو مت كريماً تحت ظلّ القسطل
إن كنتُ في عدد العبيد فهمَّتي ... فوق الثُّريَّا والسّماك الأعزل
أو أنكرت فرسانُ عبس نسبتي ... فسنانُ رمحي والحسام يقرُّ لي
وبذا بلى ومهنَّدي نلتُ العلى ... لا بالقرابة والعديد الأجزل
ورميت رمحي في العجاج فخاضه ... والنار تقدحُ من شفار النصل
خاض العجاجَ محجَّلاً حتى إذا ... شهد الوقيعةَ عاد غير محجّل
ولقد نكبت بني حريقة نكبة ... لما طعنت صميم قلبِ الأخيل
وقتلت فارسهم ربيعة عنوةً ... والهيذبان وجابر بنَ مهلهل
стр. 492
لا تستقني ماءَ الحياة بذلّة ... بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل
ماءُ الحياة بذلّةٍ كجهنّمٍ ... وجهنّمٌٌ بالعزّ أطيب منزلِ
وقال هبة الله بن سناء الملك المتوفى سنة ٢٣٥ ه ـ?
سوايَ يهابُ الموت أو يرهب الرّدى ... وغيريَ يهوى أن يعيشَ مخلَّدا
ولكنَّني لا أرهب الدَّهر إن سطا ... ولا أحذرُ الموتَ الزؤامَ إذا عدا
ولو مدَّ نحوي حادثُ الدَّهر كفّي ... لحدّثت نفسي أن أمدّ له يدا
توقدُّ عزمي يترك الماءَ جمرةً ... وحلية حلمي تتركُ السَّيف مبردا
وفرط احتقاري للأنام لأنني ... أرى كلّ عار من حلى سؤددي سدى
ويأبى إبائي أنْ يراني قاعداً ... وإني أرى كلّ البريّة مقعداً
وأظمأ إن أبدى ليَ الماءُ منَّة ... ولو كان لي نهرُ المجرة موردا
ولو كان إدراك الهدى بتذلُّل ... رأيت الهدى إلا أميلَ إلى الهدى
وقدماً بغيري اصبح الدهر أشيبا ... وبي وبفضلي اصبح الدَّهر امردا
وإنك عبدي يا زمان وإنني ... على الرَّغم منّي أن أرى لك سيّدا
وما أنا راض أنني واطئ الثّرى ... ولي همةٌ لا ترتضي الأفقَ مقعداً
ولو علمت زهو النجُّوم مكانتي ... لخرَّت جميعاً نحو وجهيَ سجّدا
أرى الخلق دوني إذ أراني فوقهم ... ذكاءً وعلماً واعتلاءً وسؤددا
وبذل نوالي زاد حتى لقد غدا ... من الغيظ منهُ ساكنُ البحر مزبدا
ولي يقلم في أنملي إنْ هززته ... فما ضرّني إلاّ أهزّ المهنَّدا
إذا صال فوق الطّرسِ وقع صريره ... فإنّ صليلَ المشرفيّ له صدى
" وقال حسان بن ثابت الأنصاري المتوفى سنة ٥٤ ه ـ?"
لعمرك أبيك الخير يا سعثُ ما نبا ... عليَّ لساني في الخطوب ولا يدي
لساني وسيفي صارمان كلاهما ... ويبلغُ ما لا يبلغ السّيف مذودي
وإنْ أذاك ذا مال كثير أحدْ بهِ ... وإن يعتصر عودي على الجهد يحمد
стр. 493
فلا المال ينسيني حياتي وعفَّتي ... ولا واقعات الدّهر يفللن مبردي
أكثّر أهلي من عيالٍ سواهم ... وأطوي على الماءِ القراح المبرّد
وإني لمعط ما وجدت وقائلٌ ... لموقد ناري ليلة الرّيح أوقد
وإني لقَّوالٌ لدى البثّ مرحباً ... وأهلاً إذا ما جاء من غير مرصد
وإني ليدعوني النّدى فأحيبه ... وأضرب بيض العارضِ المتوقّد
وإني لحلوٌ تعتريني مرارةٌ ... وإني لترّاكُ لما لم أعوّد
وإني لمزجٍ للمطيّ على الوجى ... وإني لترّاك الفراشِ الممهّد
وقال الفرزدق
لنا العزّة القعساء والعدد الذي ... عليه إذا عدَّ الحصى يتخلفُ
ومنّا الذي لا ينطق النّاس عندهُ ... ولكن هو المستأذنُ المتصرف
تراهمْ قعودا حوله وعيونهم ... مكسرةٌ أبصارها ما تصرفُ
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى النّاس وقَّفوا
ولا عزّ إلاّ عزُّنا قاهرٌ لهُ ... ويسألنا النّصف الذَّليلُ فننصف
وما قام منّا قائمٌ في نديّنا ... فينطق إلاَّ بالّتي هي أعرفُ
وقال وقد نزل في بادية وأوقد ناراً فرآها ذئب فأتاه فأطعمه من زاده وأنشده
وأطلس عسّال وما كان صاحباً ... دعوت بناري موهناً فأتاني
стр. 494
فلمَّا أتى قلتُ بيني وبينه ... على ضوءِ نارٍ مرَّةً ودخان
وقلت لهث لمَّا تكشّر ضاحكاً ... وقائمُ سيفي في يدي بمكان
تعشَ فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل منْ يا ذئبُ يصطحبان
وأنت امرؤٌ يا ذئب والغدرُ كنتما ... أخيينِ كانا أرضعا بلبان
ولوْ غيرنا نبهتَ تلتمسُ القرى ... رماك بسهم أو شباةِ سنان
وقال الشريف الرضي "وقيل لعنترة العبسي "
لغير العلى منّي القلى والتَّجنَّب ... ولولا العلى ما كنت في الحبّ أرغب
إذا الله لم يعذرك فيما ترومه ... فما النّاس إلاّ عاذل أو مؤنب
ملكت بسيفي فرصة ما استرقّها ... من الدّهر مفتول الذّراعين أغلب
لئن تك كفّى ما تطاول باعها ... فلي من وراء الكفّ قلبٌ مدرَّب
فحسبي أني في الأعادي مبغّض ... وأني إلى عزّ المعالي محبّب
وللحلم أوقات وللجهل مثلها ... ولكنَّ أوقاتي إلى الحلم أقربُ
يصولُ عليَّ الجاهلون وأعتلي ... ويعجمُ فيَّ القائلون وأعرب
стр. 495
يرونَ احتمالي غصّة ويزيدهم ... لواعج ضغن أنني لستُ اغضب
واعرض عن كاس النّديم كأنها ... وميض غمام غائر المزن خلّب
وقور فلا الألحان تأسر عزمتي ... ولا تمكر الصّهباء بي حين أشرب
ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ... ولا انطق العواء والقلب مغضب
تحلم عن كرّ القوارض شيمتي ... كان معيد المدح بالذمّ مطنب
لساني حصاة يقرع الجهل بالحجا ... إذا نال منّي العاضه المتوثب
ولست براض أن تمسّ عزائمي ... فضالاتُ ما يعطي الزّمان ويسلب
غرائبُ آدابٍ حباني بحفظها ... زماني وصرفُ الدّهر نعم المؤدب
تريّشنا الأيام ثم تهيضنا ... ألا نعم ذا البادي وبئس المعقّب
نهيتك عن طبع اللّئام فإنّني ... أرى البخلَ يأتي والمكارم تطلب
تعلّم فإن الجود في النّاس فطنة ... تقومُ بها الأحرار والطبع أغلب
"وقال العميد مؤيد الدين الطغرائي المتوفى سنة ٥١٣ هـ?"
أبى الله أن أسمو بغير فضائلي ... إذا ما سما بالمال كلّ مسوّد
وإن كرمت قبلي أوائل أسرتي ... فإنّي بحمد الله مبدأ سؤددي
وما منصبٌ إلا وقدري فوقه ... ولو حطّ رحلي بين نسر وفرقد
إذا شرفت نفسُ الفتى زاد قدره ... على كل أسنى منه ذكراً وأمجدَ
كذاك حديد السّيف إن يصفُ جوهراً ... فقيمتهُ أضعافهُ وزن عسجد
وما المال إلا عارةٌ مستردةٌ ... فهلاّ بفضلي كاثروني ومحتدي
إذا لم يكن لي في الولاية بسطةٌ ... يطول بها باعي وتسطو بها يدي
ولا كان لي حكمٌ مطاعٌ أجيزه ... فأرغمُ أعدائي وأكبت حسّدي
فاعذر إن قصَّرتُ في حقّ مجند ... وآمنُ أن يعتدني كيدُ معتد
ولولا تكاليف العلى ومغارمٌ ... ثقال وأعقاب الأحاديث في غد
لأعطيتُ نفسي في التخلّي مرادها ... فذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي
وقال الفضل بن العباس عتبة بن أبي لهب
مهلا بني عمنا مهلاً موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
следующие страницы →