Полный текст (685 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فتى يخوض غبار الحرب مبتسماً ... وينثني وسنان الرَّمح مختضب
إن سلّ صارمهُ سالت مضاربهُ ... وأشرق الجوُّ وانشقت له الحجب
والخيل تشهد لي أني أكفكفها ... والطّعنُ مثل شرار النَّار يلتهب
إذا التقيتُ الأعادي يومض معركةٍ ... تركت جمعهم المغرور ينتهب
ليّ النُّفوس وللطّير اللّحومُ ولل ... وحشِ العظامُ وللخيّالة السلب
لا أبعد الله عن عيني غطارفة ... إنساً إذا نزلوا جنَّا إذا ركبوا
أسودُ غابٍ ولمن لا نيوبَ لهم ... إلاّ الأسنّة والهنديّة القضب
تعدو بهم أعوجيّاتٌ مضمَّرة ... مثل السّراحين في أعناقها القببُ
ما زلت ألقى صدور الخيل مندفقاً ... بالطّعن حتى يضجَّ السّرجُ واللّبب
فالعمي لو كان في أجفانهم نظروا ... والخرس لو كان في أفواههم خطبوا
والنقع يوم طراد الخيل يشهدُ لي ... والضّرب والطّعن والأقلام والكتب
وقال أيضاً في إغارته على بني حريقة
حكّم سيوفك في رقاب العذّلِ ... وإذا نزلتَ بدار ذلّ فارحلِ
وإذا الجبانُ نهاك يومض كريهةٍ ... خوفاً عليك من ازدحام الجحفل
فاعص مقالته ولا تجفل بها ... واقدم إذا حق اللذقا في الأوّل
واختر لنفسك منزلاً تعلو به ... أو مت كريماً تحت ظلّ القسطل
إن كنتُ في عدد العبيد فهمَّتي ... فوق الثُّريَّا والسّماك الأعزل
أو أنكرت فرسانُ عبس نسبتي ... فسنانُ رمحي والحسام يقرُّ لي
وبذا بلى ومهنَّدي نلتُ العلى ... لا بالقرابة والعديد الأجزل
ورميت رمحي في العجاج فخاضه ... والنار تقدحُ من شفار النصل
خاض العجاجَ محجَّلاً حتى إذا ... شهد الوقيعةَ عاد غير محجّل
ولقد نكبت بني حريقة نكبة ... لما طعنت صميم قلبِ الأخيل
وقتلت فارسهم ربيعة عنوةً ... والهيذبان وجابر بنَ مهلهل
стр. 492
لا تستقني ماءَ الحياة بذلّة ... بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل
ماءُ الحياة بذلّةٍ كجهنّمٍ ... وجهنّمٌٌ بالعزّ أطيب منزلِ
وقال هبة الله بن سناء الملك المتوفى سنة ٢٣٥ ه ـ?
سوايَ يهابُ الموت أو يرهب الرّدى ... وغيريَ يهوى أن يعيشَ مخلَّدا
ولكنَّني لا أرهب الدَّهر إن سطا ... ولا أحذرُ الموتَ الزؤامَ إذا عدا
ولو مدَّ نحوي حادثُ الدَّهر كفّي ... لحدّثت نفسي أن أمدّ له يدا
توقدُّ عزمي يترك الماءَ جمرةً ... وحلية حلمي تتركُ السَّيف مبردا
وفرط احتقاري للأنام لأنني ... أرى كلّ عار من حلى سؤددي سدى
ويأبى إبائي أنْ يراني قاعداً ... وإني أرى كلّ البريّة مقعداً
وأظمأ إن أبدى ليَ الماءُ منَّة ... ولو كان لي نهرُ المجرة موردا
ولو كان إدراك الهدى بتذلُّل ... رأيت الهدى إلا أميلَ إلى الهدى
وقدماً بغيري اصبح الدهر أشيبا ... وبي وبفضلي اصبح الدَّهر امردا
وإنك عبدي يا زمان وإنني ... على الرَّغم منّي أن أرى لك سيّدا
وما أنا راض أنني واطئ الثّرى ... ولي همةٌ لا ترتضي الأفقَ مقعداً
ولو علمت زهو النجُّوم مكانتي ... لخرَّت جميعاً نحو وجهيَ سجّدا
أرى الخلق دوني إذ أراني فوقهم ... ذكاءً وعلماً واعتلاءً وسؤددا
وبذل نوالي زاد حتى لقد غدا ... من الغيظ منهُ ساكنُ البحر مزبدا
ولي يقلم في أنملي إنْ هززته ... فما ضرّني إلاّ أهزّ المهنَّدا
إذا صال فوق الطّرسِ وقع صريره ... فإنّ صليلَ المشرفيّ له صدى
" وقال حسان بن ثابت الأنصاري المتوفى سنة ٥٤ ه ـ?"
لعمرك أبيك الخير يا سعثُ ما نبا ... عليَّ لساني في الخطوب ولا يدي
لساني وسيفي صارمان كلاهما ... ويبلغُ ما لا يبلغ السّيف مذودي
وإنْ أذاك ذا مال كثير أحدْ بهِ ... وإن يعتصر عودي على الجهد يحمد
стр. 493
فلا المال ينسيني حياتي وعفَّتي ... ولا واقعات الدّهر يفللن مبردي
أكثّر أهلي من عيالٍ سواهم ... وأطوي على الماءِ القراح المبرّد
وإني لمعط ما وجدت وقائلٌ ... لموقد ناري ليلة الرّيح أوقد
وإني لقَّوالٌ لدى البثّ مرحباً ... وأهلاً إذا ما جاء من غير مرصد
وإني ليدعوني النّدى فأحيبه ... وأضرب بيض العارضِ المتوقّد
وإني لحلوٌ تعتريني مرارةٌ ... وإني لترّاكُ لما لم أعوّد
وإني لمزجٍ للمطيّ على الوجى ... وإني لترّاك الفراشِ الممهّد
وقال الفرزدق
لنا العزّة القعساء والعدد الذي ... عليه إذا عدَّ الحصى يتخلفُ
ومنّا الذي لا ينطق النّاس عندهُ ... ولكن هو المستأذنُ المتصرف
تراهمْ قعودا حوله وعيونهم ... مكسرةٌ أبصارها ما تصرفُ
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى النّاس وقَّفوا
ولا عزّ إلاّ عزُّنا قاهرٌ لهُ ... ويسألنا النّصف الذَّليلُ فننصف
وما قام منّا قائمٌ في نديّنا ... فينطق إلاَّ بالّتي هي أعرفُ
وقال وقد نزل في بادية وأوقد ناراً فرآها ذئب فأتاه فأطعمه من زاده وأنشده
وأطلس عسّال وما كان صاحباً ... دعوت بناري موهناً فأتاني
стр. 494
فلمَّا أتى قلتُ بيني وبينه ... على ضوءِ نارٍ مرَّةً ودخان
وقلت لهث لمَّا تكشّر ضاحكاً ... وقائمُ سيفي في يدي بمكان
تعشَ فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل منْ يا ذئبُ يصطحبان
وأنت امرؤٌ يا ذئب والغدرُ كنتما ... أخيينِ كانا أرضعا بلبان
ولوْ غيرنا نبهتَ تلتمسُ القرى ... رماك بسهم أو شباةِ سنان
وقال الشريف الرضي "وقيل لعنترة العبسي "
لغير العلى منّي القلى والتَّجنَّب ... ولولا العلى ما كنت في الحبّ أرغب
إذا الله لم يعذرك فيما ترومه ... فما النّاس إلاّ عاذل أو مؤنب
ملكت بسيفي فرصة ما استرقّها ... من الدّهر مفتول الذّراعين أغلب
لئن تك كفّى ما تطاول باعها ... فلي من وراء الكفّ قلبٌ مدرَّب
فحسبي أني في الأعادي مبغّض ... وأني إلى عزّ المعالي محبّب
وللحلم أوقات وللجهل مثلها ... ولكنَّ أوقاتي إلى الحلم أقربُ
يصولُ عليَّ الجاهلون وأعتلي ... ويعجمُ فيَّ القائلون وأعرب
стр. 495
يرونَ احتمالي غصّة ويزيدهم ... لواعج ضغن أنني لستُ اغضب
واعرض عن كاس النّديم كأنها ... وميض غمام غائر المزن خلّب
وقور فلا الألحان تأسر عزمتي ... ولا تمكر الصّهباء بي حين أشرب
ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ... ولا انطق العواء والقلب مغضب
تحلم عن كرّ القوارض شيمتي ... كان معيد المدح بالذمّ مطنب
لساني حصاة يقرع الجهل بالحجا ... إذا نال منّي العاضه المتوثب
ولست براض أن تمسّ عزائمي ... فضالاتُ ما يعطي الزّمان ويسلب
غرائبُ آدابٍ حباني بحفظها ... زماني وصرفُ الدّهر نعم المؤدب
تريّشنا الأيام ثم تهيضنا ... ألا نعم ذا البادي وبئس المعقّب
نهيتك عن طبع اللّئام فإنّني ... أرى البخلَ يأتي والمكارم تطلب
تعلّم فإن الجود في النّاس فطنة ... تقومُ بها الأحرار والطبع أغلب
"وقال العميد مؤيد الدين الطغرائي المتوفى سنة ٥١٣ هـ?"
أبى الله أن أسمو بغير فضائلي ... إذا ما سما بالمال كلّ مسوّد
وإن كرمت قبلي أوائل أسرتي ... فإنّي بحمد الله مبدأ سؤددي
وما منصبٌ إلا وقدري فوقه ... ولو حطّ رحلي بين نسر وفرقد
إذا شرفت نفسُ الفتى زاد قدره ... على كل أسنى منه ذكراً وأمجدَ
كذاك حديد السّيف إن يصفُ جوهراً ... فقيمتهُ أضعافهُ وزن عسجد
وما المال إلا عارةٌ مستردةٌ ... فهلاّ بفضلي كاثروني ومحتدي
إذا لم يكن لي في الولاية بسطةٌ ... يطول بها باعي وتسطو بها يدي
ولا كان لي حكمٌ مطاعٌ أجيزه ... فأرغمُ أعدائي وأكبت حسّدي
فاعذر إن قصَّرتُ في حقّ مجند ... وآمنُ أن يعتدني كيدُ معتد
ولولا تكاليف العلى ومغارمٌ ... ثقال وأعقاب الأحاديث في غد
لأعطيتُ نفسي في التخلّي مرادها ... فذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي
وقال الفضل بن العباس عتبة بن أبي لهب
مهلا بني عمنا مهلاً موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
стр. 496
لا تطعموا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفَّ الأذى عنكم وتؤذونا
مهلاً بني عمّنا من نحتِ أثلتنا ... سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم إن لم تحبَّونا
كلَّ له نيةٌ في بغض صاحبه ... بنعمة الله نقليكم وتقلونا
وقال محمد بن عبد الله الأزدي
لا أدفع ابن العم يمشي على شفا ... وإن بلغتني من أذاه الجنادعُ
ولن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوماً إليّ الرَّواجعُ
وحسبُ من ذلّ وسوءِ صنيعةٍ ... مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع
وقال حطان بن المعلى
أنزلني الدّهر على حكمه ... من شامخ عالٍ إلى خفض
وغالني الدهر بوفر الغنى ... فليس لي مالٌ سوى عرضي
أبكانيَ الدّهر ويا ربّما ... أضحكني الدّهر بما يرضي
لولا بنياتٌ كزغب القطا ... رددنَ من بعض إلى بعض
لكان لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرض ذات الطُّول والعرض
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبّت الريحُ على بعضهم ... لامتنعت عيني من الغمض
وقال أوس بن حبناء
إذا المرءُ أولاكَ الهوان فأوله ... هواناً وإن كانت قريباً أواصراه
فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فذرهُ إلى اليوم الذي أنت قادره
وقاربْ إذا لم تكن لك حيلة ... وصمّم إذا أيقنتَ انك عاقره
وقال سعد بن ناشب
تفنّدني فيما ترى من شراستي ... وشدّةِ نفسي أم سعدٍ وما تدري
стр. 497
فقلت لها إن الكريم وإن خلا ... ليلفى على حال أمرّ من الصبر
وفي اللّين ضعف والشراسة هيبةٌ ... ومن لم يهبْ يحمل على مركب وعر
وما بي على من لان لي من فظاظة ... ولكنّني فظَّ أبيَّ على القسر
وقال إبراهيم بن كنيف النبهاني
تعز فإنَّ الصّبر بالحرّ أجمل ... وليس على ريب الزّمان معوَّل
فلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً ... لحادثة أو كان يغني التذلل
لكانَ التّعزّي عندَ كل مصيبة ... ونائبة بالحرّ أولى وأجمل
فكيف وكلَّ ليس يعدوا حمامه ... وما لامرئٍ عما قضى الله مرحلُ
فإن تكن الأيام فينا تبدّلت ... ببؤسى ونعمى والحوادث تفعلُ
فما ليَّنت منَّا قناة صليبةً ... ولا ذللتنا للتي ليس تجملُ
ولكن رحلناها نفوسناً كريمةً ... تحمَّلُ ما لا يستطاع فتحمل
وقينا بحسن الصّبر منّا نفوسنا ... فصحت لنا الأعراضُ والناسُ هزَّلُ
وقال آخر
إن يحسدوني فإنّي غيرُ لائمهم ... قبلي من الناس أهلُ الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهمُ ... ومات أكثرنا غيظاً بما يجدُ
أنا الذي يجدوني في صدورهم ... ولا أرتقي صدراً منها ولا أرد
وقال سالم بن وابصة
عليك بالقصدِ فيما أنتَ فاعله ... إن التَّخلُّقَ يأتي دونه الخلقُ
وموقف مثل حدّ السيف قمتُ به ... أحمي الذّمار وترميني به الحدقُ
فما زلقت ولا أبديت فاحشةً ... إذ الرجال على أمثالها زلقوا
وقال تابط شرا
إذا المرُ لم يحتلْ وقد جدَّ جدُّهُ ... أضاعَ وقاسى أمرهُ وهو مدبرُ
стр. 498
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الخطبُ ألا وهو للقصد مبصرُ
وقال حبيب بن أوس أبو تمام الطائي
أنا ابن الذي استرضعَ الجودُ فيهمُ ... وقد ساد فيهم وهو كهلٌ ويافعُ
نجومٌ طواليعٌ جبالٌ فوارعٌ ... غيوثٌ هواميعٌ سيولٌ دوافعُ
مضوا وأنّ المكرمات لديهمُ ... لكثرة ما أوصوا بهنّ شرائعُ
فأيُّ يد في المحل مدَّت فلم يكن ... لها راحةٌ من جودهم وأصابع
هم استودعوا المعروف محفوظ ما لنا ... فضاع وما ضاعتْ لدينا الودائع
بها ليلُ لو عاينت فيض أكفهم ... لأيقنتَ أن الرّزق في الأرض واسع
إذا خفقت بالبذل أرواحُ جودهم ... حداها النَّدى واستنشقتها المدامع
رياحٌ كريح العنبر الغضّ في الندى ... ولكنها يوم اللّقاء زعازع
هي السَّمُّ ما تنفك في كلّ بلدةٍ ... تسيلُ به أرماحهم وهو ناقعُ
أصارت لهم أرض العدوّ قطائعاً ... نفوسٌ لحدّ المرهفات قطائع
بكلّ فتّى ما شاب من روع وقعةٍ ... ولكنه قد شبنَ منه الوقائع
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم فاحتوتهُ الصّنائع
فتعطي الذي تعطيهم الخيل والقنا ... أكف الإرث المكرمات موانع
وقال أبو فراس الحمداني
ووالله ما قصرّت في طلب العلى ... ولكن كأن الدّهر عني غافل
стр. 499
مواعيد آمال متى ما انتجعتها ... حلبتُ بكيّاتٍ وهنّ حوافل
تدافعني الأيامُ عمّا أريدهُ ... كما دفع الذيّن الغريم المماطل
فمثلي من نال الأعادي بسيفه ... ويا ربما غالته عنها الغوائل
وما لي لا تمسي وتصبح في يدي ... كرام أموالِ الرّجال العقائل
أحكّمُ في الأعداء عنها صوارماً ... أحكمها فيها إذا ضاق نازل
وما زال محميُّ الحمائل عنوةً ... سوى ما أقلت في الجفون الحمائل
ينالُ اختيارُ الصفح عن كل مذنب ... له عندنا ما لا تنال الوسائل
لنا عتب الأمر الذي في صدوره ... تطاولُ أعناق العدىَ والكواهل
أصاغرنا في المكرمات أكابرٌ ... وآخرنا في المأثرات أوائل
إذا صلتُ صولاً لم أجد لي مصاولاً ... وإن قلت قولاً لم أجد من يقاول
وقال أيضاً
أنا إذا اشتد الزّما ... ن ونابَ خطبٌ وادلهمْ
ألفيت حولَ بيوتنا ... عددَ الشجاعة والكرمْ
للقا العدا بيضٌ السُّيو ... فِ وللنّدى وحمر النّعم
هذا وهذا دأينا ... يودى دمٌ ويراقُ دمْ
وقال أيضاً
وغني لنزَّالٌ بكلّ مخوفةٍ ... كثيرٌ إلى نزّالها النَّظر الشّزرُ
وإني لجرّارٌ لالكل كتيبة ... معوَّدةٍ ألا يحل بها النّصر
ولا راحَ يطغيني بأثوابه الغنى ... ولا بات يثنيني عن الكرم الفقرُ
ما حاجتي في المال أبغي وفوره ... إذا لم أفرْ عرضي فلا وفر الوفرُ
أسرتُ وما صحبي بعزلٍ لدى الوغى ... ولا فرسي مهرٌ ولا ربُّه عمرُ
ولكن إذا حمّ القضاءُ على امرئٍ ... فليس له برٌّ يقيه ولا بحر
وقال أصيحابي الفرار أو الرّدى ... فقلتُ هما أمران أحلاهما مرُّ
ولكنّني أمضي لما لا يعيبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسرُ
стр. 500
ومنها
يمنَّون أن خلوا ثيابي وإنّما ... علي ثيابٌ من دمائهم حمرُ
وقائم سيفٍ فيهم دقَّ نضله ... وأعقاب رمحِ فيهم حطم الصدر
سيذكرني قومي إذ جدّ جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقدُ البدرُ
ولو سدَّ غيري ما سددتُ اكتفوا به ... وما كان يغني التّبر ولو نفق الصُّفر
ونحن أناسٌ لا توسط بيننا ... لنا الصدرُ دون العالمين أو القبر
أعزُّ بني الدنيا وأعلى ذوي العلا ... وأكرم من فوق التُّراب ولا فخر
وقال أيضاً
عيري يغيّره الفعالُ الجافي ... ويحولُ عن شيم الكريم الوافي
لا أرتضي ودّا إذا هو لم يدمْ ... عند الجفاء وقلّة الإنصاف
إنّ الغني هو الغني بنفسه ... ولو أنه عاري المناكب حافٍ
ما كلُّ ما فوق البسيطة كافياً ... وإذا قنعت فبعض شيء كافِ
وتعافُ لي طمع الحريص فتوتي ... ومروءتي وقناعتي وعفافي
ومكارمي عددُ النجومِ ومنزلي ... مأوى الكرامِ ومنزلِ الأضياف
وقال أيضاً
أتدعو كريماً ومن يجود بمالهُ ... ومن جادَ بالنّفس النّفيسة أكرمُ
إذا لم يكن ينجي الفرار من الرّدى ... على حالةٍ فالصّبر أرجي وأحزمُ
لعمري لقد أعذرت لو أن مسعداً ... وأقدمت لو أن الكتائب تقدمُ
وما عابك ابن السَّابقين إلى العلا ... تأخر أقوامٍ وأنت مقدِّم
وما لك لا تلقى بمهجتك الفنا ... وأنتَ ن القومِ الذين همُ هم
وقال أبو الطيب المتنبي
أطاعنُ من فوارسها الدّهر ... وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر
وأشجعُ مني كلّ يومٍ سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي فسها أمر
تمرّست بالآفات وحتى تركتها ... تقول أمات الموتُ أم ذعرَ الذعرُ
وأقدمت إقدامَ الأبي كأن لي ... سوى مهجتي أو كان لي عندها وترُ
стр. 501
ذر النّفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر
ولا تحسبنّ المجدَ زقّا وقينة ... فما المجد إلا السّيف والفتكة البكر
وتضربت أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السُّودُ والعسكر المجرْ
وترككُ في الدُّنيا دوياً كأنما ... تداول سمعَ المرءِ أنملة العشر
إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص ... على هبة فالفضل فيمن له الشكر
ومن ينفق السَّاعات في جمع مالهِ ... مخافة فقرِ فالذي فعل الفقر
وقال صفيّ الدّين الحليّ
سلِ الرماح العوالي عن معالينا ... واستشهد البيض هل خاب الرّجال فينا
وسائل العرب والأتراك ما فعلتْ ... في أ ﴿ضِ فير عبيد الله أيدينا
لقد سعينا فلم تضعف عزائمنا ... عما تروم ولا خابت مساعينا
يا يوْم وقعة زوراء العراقِ وقد ... دنّا الأعادي كما كانوا يدينونا
بضمرِ ما ريطناها مسوَّمة ... إلا لتغزو بها من بات يغزونا
وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم ... لقولنا أو دعوناهم أجابونا
قومٌ إذا استخصموا كانوا فراعنة ... يوماً وإن حكموا كانوا موازينا
تدَّرعوا العقل جلاباً فإن حميت ... نار الوغى خلتهم فيها مجانينا
إذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة ... وإن دعوا قالت الأيام آمينا
إن الزّرازير لما قام قائهما ... توهمت أنها صارت شواهينا
ظنت تأتي البُزاةِ الشُّهب عن جزع ... وما درت أنه قد كان تهوينا
ذلّوا بأسيافنا طول الزمان فمذ ... تحكموا وأظهروا أحقادهم فينا
لم يغنم مالنا عن نهب أنفسنا ... كأنهم في أمانٍ من تقاصينا
أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا ... حتى حملنا فأخلينا الدواوينا
ثم أثنينا وقد ظلت صوارمنا ... تميس عجباً وتهنز القنا لينا
والدّماء على أثوابنا علقٌ ... ينشره عن عبير المسك يغنينا
إنا لقومٌ أبت أخلاقنا شرفاً ... أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
بيضٌ صنائعنا سودُ وقائعنا ... خضٌ مرابعنا حمرُ مواضينا
لا يظهر العجزُ منا دون نيل منى ... ولو رأينا المنايا في أمانينا
وقال أبو العلاء المعري
ألا في سبيل المجدِ ما أنا فاعل ... عفافٌ وإقدامُ وحزمٌ ونائلٌ
أعندي وقد مارست كلَّ خفيةِ ... يصدق واشٍ أو يخيّب سائل
تعدٌّ ذنوبي عند قومٍ كثيرةٌ ... ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل
стр. 502
كأن إذا كلت الزّمان أهله ... رجعت وعندي للأنام طوائلُ
وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم ... بإخفاء شمسٍ ضوءها متكامل
يهمُّ الليالي بع ما أنا مضمر ... ويثقل رضوى دون ما أنا حامل
وإني إن كنتُ الأخيرَ زمانهُ ... لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
وأغدو ولو أ، الصباح صوارمٌ ... وأسري ولو أن الظلامَ حجافل
وإني جوادٌ لم يحلَّ لجامه ... ونصل يمانٍ أغفلته الصيَّافل
فإن كان في لبس الفتى شرفٌ له ... فما السَّيف إلا غمده والحمائل
ولي منطقٌ لم يرض لي كنه منزلي ... على أنّني بين السماكين نازلٌ
стр. 503
لدي مواطن يشتاقه كل سيّدٍ ... ويقصر عن إدراكه المتناول
ولما رأيت الجهلَ في الناس فاشياً ... تجاهلتُ حتى ظنَّ أني جاهلٌ
فوا عجباً كم يدَّعي الفضل ناقصٌ ... ووا أسفاكم يظهر النقص فاضل
وكيف تنامُ الطّير في وكناتها ... وقد نصبت للفرقدين الحبائل
ينافسُ يومي في أمس تشرّفاً ... وتحسد أساري عليّ الأصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفهِ ... فلستُ أبالي من تغولُ الغوائلِ
فلو بان عنقي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصف الطّائي بالبخل مادرٌ ... وعيّر قساً بالفهاهة باقلُ
وقال السُّهى للشمس أنت ضئيلةٌ ... وقال الدُّجى للصُّبح لونك حائل
стр. 504
وطاولتِ الأرض السَّماء سفاهةً ... وفاخرت الشُّهب الحصى والجنادل
فياموت زُر أن الحياة ذميمةٌ ... ويا نفس جدّي أن دهرك هازل
وقال المرحوم محمود باشا سامي البارودي
ولي شيمةٌ تأبى الدَّنايا وعزمةٌ ... تردّ لهامَ الجيش وهو سمورُ
إذا سرتُ فالأرض التي نحن فوقها ... مرادٌ لمهري والمعاقل دور
فلا عجب إن لم يصرني منزل ... فليس لعقبان الهواء وكور
همامة نفس ليس ينفي ركابها ... رواحٌ على طول المدى وبكور
معوَّدةٌ ألا تكف عنانها ... عن الحدِّ إلا أن تتم أمور
لها من راء الغيب أذنٌ سميعة ... وعينٌ ترى ما لا يراه بصير
وفيت بما ظنَّ الكرام ُفراسةً ... بأمري ومثلي بالوفاء جدير
وأصبحت محسود الخلال كأنّني ... على كل نفسٍ في الزَّمان أمير
إذا صلت كفَّ الدَّهر من غلوائه ... وإن قلت غصّت بالقلوب صدور
ملكت مقاليد الكلام وحكمةً ... لها كوكبٌ لفخم الضياء منير
وإني امرؤٌ صعبُ الشَّكيمة بالغ ... بنفسي شأواً ليس فيه نكير
وقال أيضاً
سواي بتحنان الأغاريد يطربُ ... وغيري باللّذات يلهو ويلعب
وما أنا ممن تأسر الخمر لبّه ... ويملك سمعيه اليراعُ المثقلَّب
ولكن أخو همّ إذا ما ترجحتْ ... به سورةٌ نحو العلا راح يدأب
نفى النومَ عن عينيه نفسٌ أبيَّةٌ ... لها بين أطرافِ الأسنةِ مطلب
стр. 505
لبانةُ نفس أصغرت زكلَّ مأرب ... فلا عزني خالٌ ولا ضمني أب
ومن تكن العلياءُ همةِ نفسهِ ... فكلُّ الذي يلقاه فيها محببّ
وقالت السيدة عائشة هانم التيمورية المتوفاة سنة ١٣٢٠ه ـ?
بيدِ العفافِ أصونُ عزَّ حجابي ... وبعصمتي أسمو على أترابي
وبفكرةِ وقادةٍ وقريحةٍ ... نقادة قد كلمت زهرة الألباب
ما عاقني خجلي عن العليا ولا ... سدّل الخمار بلمتي ونقابي
عن طيّ مضمار الرّهان إذا اشتكت ... صعبَ السّباق مطامحٌ الرُّكابِ
بل صولتي في راحتي وتفرُّسي ... ف حسن ما أسعى لخير مآب
стр. 506
الباب الثالث في شكوى الزمان والحال
قال الشنفرى المتوقة سنة ٥١٠م
أقيموا بني أمي صدود مطيّكم=فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمّت الحاداتُ والليل مقمرٌ ... وشدت الطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزَّل
لعمرك ما في الأرض ضيقٌ على امرئٍ ... سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل
ولي دونكم أهلون سيدُ علَّمسٌ ... وأرقط زهلولٌ وعرفاءُ جيأل
стр. 507
هم الأهل لا مستودع السرَّ ذائعٌ ... ليهم ولا الجاني بما جرّ يخذل
وكلَّ أبي باسلٌ غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل
وإني كفاني فقد من ليس جازياً ... بحسني ولا في قربه متعلل
ثلاثةُ أصحابٍ فؤاد مشيِّعٌ ... وأبيض إصليت وصفراء عطّلِ
هتوفٌ من الملس المتون يزينها ... رصائع قد نيطت إليها ومحمل
إذا زلَ عنها السّهم حنت كأنها ... مرزأة ثكلى ترن وتعول
ولست بمهياف يعشّى سوامه ... مجذّعة سقبانها وهي بهَّل
стр. 508
ولا جبَّا أكهى مرّ بعرسه ... يطالعها في شأنه كيف يفعل
ولا خرقٍ هيق كان فؤاده ... يظلّ به المكاء يعلو ويسفل
ولا خالف دارية متعزّل ... يروح ويغدو داهناً يتكحل
ولست بعلّ شرُّه دون خيره ... ألفُّ إذا ما رعته أهتاج أعزل
ولست بمحيار الظلام إذا انتحت ... هدى الهواجل العسف يهماء هوجل
إذا الأمعز الصّوان لاقى مناسمي ... تطاير منه قادحٌ ومفلل
أديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه الذكر صفحتً فأذهل
стр. 509
وأستفُّ رب الأرض كي لا يرى له ... على من الطول امرؤٌ متطول
ولولا اجتناب الذّام لم يلف مشربٌ ... يعاش به إلا لدي ومأكل
ولكنّ نفساً حرّةٌ لا تقيم بي ... على الضيم إلا ريثما أتحوّل
وأطوي على الخمص كما انطوت ... خيوطة ماري تغار وتفتل
وأغدو على القوتِ الزّهيد كما غدا ... أزلُّ تهاداه التنائف أطحل
غدا طاوياً يعرض الرّيح هافياً ... يخوت بأذناب الشّعاب ويعسل
فلمّا لواه القوت من حيث أمّه ... دعا فأجابته نظائر تحّل
مهللّة شيب الوجوه كأنها ... قداحٌ بكفّني باسرٍ تتقلقل
стр. 510
أو الخشرم المبعوث حثحث دبره ... محابيض أرساهن سام معسل
مهرّتةٌ فوهٌ كان شدوتها ... شقوق العصي كالحاث وبسّل
فضجّ وضجّت بالبراج كأنها ... وإيّاه نوحٌ فوق علياء ثكّل
وأغضي وأغضت وأتسي واتست به ... مراميل عزّاها وعزّته مرمل
شكل وشكت ثم ارعوي بعد وارعوت ... وللصّبر إن يم ينفع الشكو أجمل
وفاءَ وفاءت بادراتٍ وكلّها ... علىنكظٍ ممّا يكاتم مجمل
وتشرب أسآر القطا الكدر بعد ما ... سرتْ رباً أحشاؤها تتصلصل
стр. 511
هممت وهمّت وابتدرنا وأسدلت ... وشمّر مني فارطٌ متمهل
فوليت عنها وهي تكبو لعقره ... يباشره منها ذقونٌ وحوصل
كأنّ وغاها حجرتيه وحوله ... أضاميم من سفر القبائل تزَّل
توافين من شتى إليه فضمّها ... كما ضمَّ ركبٌ من أحاظةُ مجفل
وآلف وجهَ الأرض ند افتراشها ... بأهدأ تنبيه سناسن قحّل
стр. 512
وأعدل منحوضاً كأنّ فصوصه ... كعابٌ دحاها لاعبٌ فهي مثّل
فإن تبتئسْ بالشَّنفرى أم قسطل ... لما اغتبطت بالشنفرى قبلُ أطول
طريد جناياتِ تياسرن لحمه ... عقيرته لأيّها حمّ أوّل
تنام إذا ما نام يقظي عيونها ... حثاثاً إلى مكروهه تتغلغل
وإلفُ همومٍ ما تزال تعوده ... عياداً حمى الربّع أو عي أثقل
إذا وردت أصدرتها ثم إنها ... تؤوب فتأتي من تحيث ومن علُ
стр. 513
فأمّا تراني كابنة الرّمل ضاحياً ... على رقة أحفى ولا أتنعل
فإنّى لمولى الصَّبر أجتاب بزّه ... على مثل قلب السّمع والحزم أفعل
وأعدم أحياناً وأغنى وإنما ... ينال الغنى ذو البعدة المتبذّل
فلا جزعٌ من خلَّة متكشف ... ولا مرحٌ تخت الغنى أتخيّل
ولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرى ... سؤولاً بأعقاب الأقاويل أنمل
وليلة نحسٍ يصطلي القوس ربُّها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل
دعست على غطش وبغش وصحبتي ... سعارٌ وإيزيزٌ وواجرٌ وأفكل
فأيَّت نسواناً وأيتمت ولدةً ... وعدت كما أبدأت والليل أليل
стр. 514
وأصبح عني لابالغميضاء جالساً ... فريقان مسؤول وآخر يسأل
فقالوا القد هرت بليلٍ كلابنا ... فقلنا الذئبٌ عسَ أم عسَّ فرعل
فلم يكُ إلا نبأةٌ ثم هومت ... فقلنا قطاة ريع أو ريعَ أجدل
فإن يك من جنّ لأبرح طارقاً ... وإن يك إنساً ماكها الإنس يفعل
ويومٍ من الشِّعري يذوب لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ
نصبت له وجهي ولكن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمي المرعبل
وضاف إذا هبّت له الريح طيّرت ... لبائد عن أعطافه ما ترجل
بعيدٌ بمسّ الدُّهن والفلي عهده ... له عبسٌ عافٍ من الغسل محول
стр. 515
وخرق كظهر الترس قفرٍ قطعته ... بغاملتين ظهره ليس يعمل
فألحقت أولاه بأخراه موفياً ... على قنة أقعى مراراً وأمثل
ترود الأرواي الضخم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملاءِ المذّيل
ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أدفى ينتحي الكبح أعقل
وقال الطغرائي يواسي معين الملك في نكبته المتوفى سنة ١٠ه ـ?
فصبراً معين الملك إن عنَّ حادثٌ ... فعاقبة الصبر الجميل جميلٌ
ألم تر أن الليل بعد ظلامه ... عليه لإسفار الصباح دليلٌ
ألم ترَ أنّ الشمس بعد كسوفها ... لها صفحة تغشى العيون صقيل
وأن الهلال النَّضو يقمر بعدما ... بدا وهو شخت الجانين ضئيل
فقد يعطف الدّهر قياده ... فيشفى عليلٌ أو يبلّ غليل
ويرتاش مقصوصُ الجناحين بعد ما ... تساقط ريشٌ واستطار نسيل
стр. 516
أسأت إلى الأيام حتى وترتها ... فعندك أضعان لها وتبول
وصارمتها فيما أرادت صورفها ... ولولاك كانت تنتحي وتصول
وما أنت إلا السيف يسكن غمده ... ليشقى به يوم النزال قتيل
أمالك بالصّديق يوسفَ أسوة ... فتحمل وطء الدهر وهو ثقيل
وما غضَّ منك الحبسُ والذكر سائر ... طليقٌ له في الخافقين ذميل
وقال محمود باشا سامي البارودي وهو في منفاه
محا البين ما أبقت عيون المها مني ... فشبت ويم أقض اللبانة من سنيّ
عناءٌ ويأس واشتياق وغربة ... ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن
فإن أك فارقت الدّيار فلي بها ... فؤادٌ أضلّته عيون المها عنيّ
بعثت به يوم النوى إثر لحظة ... فأوقعه المقدار في شرك الحسن
فهل من فتى في الدهر يجمع بيننا ... فليس كلانا عن أخيه بمستغني
ولما وقفهنا للوداع وأسبلت ... مدامعنا فوق الترائب كالمزن
أهبتُ بصبري أن يعود فبزني ... وناديتُ حلمي ن يثوب فلم يغن
وما هي إلا خطرةٌ ثم أقلعت ... بنا عن شطوط الحيّ أجنحة السُّفن
فكم من مهجة من زفرة الوجد في لظى ... وكم مقلة عن غزرة الدمع في دجن
وما كنت جربت النوى قبل هذه ... فلما دهتني كدت أقضي من الحزن
ولكنّني راجعت حلمي وردني ... إلى الحزم رأيٌّ لا يحوم على أفن
ولولا بنيّات وشيبٌ عواطلٌ ... لما قرعت نفسي على فائت سنّي
فيا قلب صبراً إن جزعت فربما ... جرت سنحا طيرُ الحوادث باليمن
فقد تورق الأغصان بعد ذنوبها ... ويبدو ضياءُ البدر في ظلمة الوهن
وأيُّ حسام لم تصبه كهامة ... ولهذم رمح لا يفل من الطعن
ومن شاغب الأيام لان مريره ... وأسلمه طولُ المراس إلى الوهن
وما المرء في دنياه إلاكسالك ... مناهج لا تخلو من السهل والحزن
فإن تكن الدنيا تولَّت بخيرها ... فأهون بدنيا لا تدوم على فن
إذا عرف المرء القلوب وما انطوت ... عليه من البغضاء عاش على ضعن
يرى بصري من لا أود لقاءه ... وتسمع أني ما تعاف من المن
تحملت خوف المن كل زريئة ... وحمل زرايا الدهر أحلى من اللحن
وعاشرت أخداناً فلما بلوتهم ... تمنَّيت أن أبقى وحيداً بلا خدن
وقال محمد حافظ بك إبراهيم
لم يبقَ شيءٌ من الدُّنيا بأيدينا ... إلا بقية دمع في مآقينا
كنا قلادة جيد الدهر وانفرطت ... وفي يمن العلا كنّا رياحينا
كانت منازلنا في العزّ شامخة ... لا تشرق الشمس إلا في مغانينا
وكان أقصى منى نهر المجرة لو ... من مائه مزجت أقداح ساقينا
والشهب لو أنها كانت مسخرة ... لرجم من كان يبدو من أغادينا
فلم نزل وصروف الدهر ترمقنا ... شزراً وتخدعنا الدنيا وتلهينا
حتى غدونا ولا جاه ولا نشبٌ ... ولا صديقٌ ولا خلٌ يواسنا
стр. 517
وقال أيضاً في شكوى الزمان
سميتُ إلى أن كدت أنتعل الدما ... وعدت وما أعقبت إلا التندُّما
سلامٌ على الدُّنيا مودّع ... رأى في ظلام القبر أنساً ومغنماً
تبلغ بالصَّبر الجميل وبالأسى ... زماناً وجادته المنى فتأدما
أضرَّت به الأول فهام بأختها ... وإن ساءت الأخرى فويلاه منهما
فهبى رياحَ الموت نكباء واطفئي ... سراج حياتي قبل أن يتحطما
فما عصمتني من زماني فضائلي ... ولكن رأيت الموت للحر أعصما
فيا قلب لا تجزع إذا عضك الأسى ... فإنك بعد اليوم لن تتألما
ويا عين قد آن الجمود لمدمعي ... فلا سيل دمع تسكبين ولا دما
ويا يدُّ ما كلفتك المبسط مرة ... لذي منة أولى الجميل وأنعما
فلله ما أحلاك في أنمل البلى وإن كنت حلى في الطروس وأكرما
ويا قدمي ما سرت بي لمذلة ... ولم ترتق إلا إلى العزّ سلّما
فلا تبطئي سيراً إلى الموت واعلمي ... بأنّ كريم القوم من مات مكرما
وقال فقيد الأدب حنفي بك ناصف
أتقضى معي إن جان حيني تجاربي ... وما نلتها إلاّ بطول عناء
وأبذلُ جهدي في اكتساب معارف ... ويفنى الذي حصلته بفنائي
ويحزنني ألا أرى لي حيلة ... لإعطائها من يستحق عطائي
إذا ورَّث الجهال أبناءهم غنّى ... وجاهاً فما أشقى بني الحكماء
стр. 518
وقال أحمد شوقي بك يصف أبا الهول ويناجيه
أبا الهول طال عليك العصر ... وبلغت في الأرض أقصى العمر
فيالدة الدَّهر لا الدهر شب ... ب ولا أنت جاوزت حد الصغر
إلام ركوبك متن الرّما ... ل لطيّ الأصيل وجوب السَّحر
تسافر منتقلاً في القرو ... ن فأيان تلقى غبار السَّفر
أبينك عهدٌ وبين الجبا ... ل تولان في الموعد المنتظر
ابا الهول ماذا وراء البقا ... ء إذا ما تطاول غير الضَّجر
عجبت للقمانَ في حرصه ... على لبد والنُّسور الأخر
стр. 519
وشكوى لبيد لطول الحيّا ... ة ولو لم تطل لتشكى القصر
ولو وجدت فيك يا ابن الصَّفا ... ة لحقت بصانعكَ المُقتدر
فإن الحياة تفل الحدي ... د إذا لبسته وتبلى الجر
أبا الهول ما أنت في المعضلا ... ت لقد صلت السبل فيك الفكر
تحيزت البدو ماذا تكو ... ن وضلّت بوادي الظنون الحضر
فمكنت لهم صورة العنفوا ... ن وكنت مثال الحجي والبصر
стр. 520
وسرُّك في حجبه كلما ... أطلّت عليه الظنون استتر
وما راعهم غير رأس الرجا ... ل على هيكل من ذوات الظفر
ولو صوروا من نواحي الطّبا ... ع توالوا عليك سباع الصُّور
فيا ربَّ وجهٍ كصافي النّمي ... ر تشابه حامله والنّمر
أبا الهول ويحك لا يستقل ... ل مع الدهر شيءٌ ولا يحتقر
تهزأت دهراً بديك الصّبا ... ح فنقر عينيك فيما نقر
اسأل البياض وسلّ السوا ... د وأوغل منقاره في الحفر
فعدت كأنك ذو المحبسي ... ن قطيعَ القيام سليبَ البصر
كأن الرمال على جانبي ... ك وبين يديك ذنوب البشر
كأنك فيها لواء القضا ... ء على الأرض أو ديدبان القدر
كأنك صاحب رمل يرى ... خبايا الغيوب خلال السطر
стр. 521
أيا الهول أنت نديمُ الزّما ... ن نحي الأوان سميرٌ العصر
بسطت ذراعيك من آدم ... ووليت وجهك شطر الزّمر
تطل على عالم يستهل_لُ وتوفى على عالم يحتضر
فعينٌ إلى من بدار للوجو ... د وأخرى مشيعة من عبر
فحدث فقد يهتدى بالحدي ... ث وخبر فد يؤتى بالخبر
ألم تبل فرعون في عزه ... إلى الشمس وخبر فقد يؤتى بالخبر
ألم تبل فرعون في عوة ... إلى الشّمس معتزياً والقمر
طليل الحضارة في الأوّلي ... ن رفيع البناء جليل الأثر
стр. 522
يؤسس في الأرض للغابري ... ن ويغرس للآخرين الثمر
وراعك ما راع من خيل قمب ... يز ترمي سنابكها بالشرَّر
جوارف بالنار تغزو في البلا ... د وآونةً بالقنا المشتجر
وأبصرت اسكندراً في الملا ... قشيب العلا في الشباب النضر
стр. 523
تبلج في مصر إكليله ... فلم يعد في الملك عمر الزهر
وشاهدت قيصر كيف استبد ... د وكيف أذلَّ بمصرَ القصر
وكيفغ تجبر أعوانه ... وساقوا الخلائقَ سوقِ الحُمر
وكيف ابتلوا بقليل العدي ... د من الفاتحين كريم النّفر
رمى تاج قيصر رميَّ الزّجا ... ج وفلّ الجموع وثلَّ السرر
فدع كل طاغية للزما ... ن فإن الزمان يقيم الصّعر
رأيت الدّيانات في نظمها ... وحين وهي لكها وانتثر
стр. 524
تشاد البيوت لها كالبرو ... ج إذا أخذ الطّرف فيها انحسر
تلاقى أساساً وشمّ الجبا ... ل كما تتلاقى أصولُ الشَّجر
(وإيزيس) خلف مقاصيرها ... تخطى الملوك إليها الستر
تضيء عل صفحات السّما ... ء وتشرق في الأرض منها الحجر
وآبيس في نيره العالمو ... ن وبعض العقائد نير عسر
تساس به معضلات الأمو ... ر ويرجى النعيم وتخشى سقر
ولا يشعر القوم إلا به ... ولو أخذته المدى ما شعر
يقلّ أبو المسك عبداً له ... وإن صاغ أحمدُ فيه الدُّرر
وآنست (موسى) وتابوته ... ونورُ العصا والوصايا الغرر
وعيسى يلّم رداء الحيا ... ء ومريم تجمع ذيلَ الخفر
стр. 525
وعمرو يسوق بمصر الصحا ... ب ويزجي الكتاب ويحددوا السور
فكيف رأيت الهدى والضلا ... ل ودنيا الملوك وأخرى عمر
ونبذ المقوقس عهد الفجو ... ر وأخذ المقوقس عهد الفجر
وتبديله ظلمات الضّلا ... ل يصبح الهداية لما سفر
وتأليفه القبط والمسلمي ... ن كما ألفت بالولاء الأسر
أبا الهول لو لم تكن آية ... لكان وفاؤك إحدى العبر
أطلت على الهرمين الوقو ... ف كثاكلة لا تريم الحفر
ترجى لبانيهما عودةٌ ... وكيف يعودُ الرَّميم النَّخر
تجوس بعين خلال الدّيا ... ر وترمي بأخرى فضاء النهر
تروم (بمنفيس) بيض الظُّبى ... وسمر القنا والخميس الدثر
ومهد العلوم الخطير الجلا ... ل وعهد الفنون الجليل الخطر
فلا تستبين سوى قرية ... أجد محاسنها ما اندثر
стр. 526
تكاد لإغراقها في الجمو ... د إذا الأرض دار بها لم تدر
فهل من يبلغ عنا الأصو ... ل بأن الفروع اقتدت بالسير
وأنّا خطبنا حسان العلى ... وسقنا لها الغالي المدَّخر
وأنا ركينا غمار الأمو ... ر وأنا نزلنا إلى المؤتمر
بكل مبين شديد اللّدا ... د وكل أريب بعيد وانتشر
نطالب بالحق في أمة ... جرى دمها دونه وانتشر
ولم تفتخر بأساطيلها ... ولكت بدستورها تفتخر
فلم يبق غيرك من لم يخفْ ... ولم يبق غيرك من لم يطر
تحرك أبا الهول هذا الزمان ... ن تحرّك ما فيه حتى الحجر
وقال أيضاً يصف ملكة النحل من قصيدة
مملكة مدبرّه ... بامرأة مؤمرَّه
تحمل في العمال والصُ ... نَّاع عبء السَّيطرة
فاعجب لعمال يولو ... ن عليهم قيصره
تحكمهم راهبةٌ ... ذكارة مغبّرة
عاقدةٌ زنارها ... عن ساقها مشمرة
تلثمت بالأرجوا ... ن وارتده مئزر
وارتفعت كأنها ... شرارة مطيرَّة
ووقعت لم تختلجْ ... كأنها مسمَّرة
مخلوقةٌ ضعيفةٌ ... من خلق مصوَّره
стр. 527
قف سائل النحل به ... بأي عقل دبره
حبك قوى الأخلاق ما ... تغني القوى المفكرة
ويرفع الله بها ... من شاء حتى الحشرة
أليس في ملكة الن ... حل لقوم تبصره
ملك بغاه أهله ... بهمة ومجدر
تقتل أو تنفي الكسا ... لى فيه غير منذره
تحكم فيه قيصره ... في قومها موقره
من الرجال وقيو ... د حكمهم محررّه
الملك للإناث في الدّ ... ستور لا للذكره
أنثى ولكن في جنا ... حيها لباةٌ مخدره
стр. 528
ذائدة عن حوضها ... طاردة من كدره
ما الملك إلا في ذرا ... الألوية المنشرة
إن الأمور همة ... ليس الأمور ثرثرة
مالكة عاملة ... مصلحة معمرة
стр. 529
وقال أيضاً يصف مصر قديمها وحديثها
قفي يا أخت (يوشع) خبرينا ... أحاديث القرون الغابرينا
وقصي من مصارعهم علينا ... ومن دولاتهم ما تعلمين
فمثلك من روى الأخبار طراً ... ومن نسب القبائل أجمعينا
نرى لك في السماء خضيب قرن ... ولا نحصي على الأرض الطَّعينا
مشيت على الشباب شواظ نار ... ودرت على المشيب رحى طحونا
تعينين المواد والمنايا ... وتبنن الحياة وتهدمينا
فيا لك هرة أكلت بنيها ... وما ولدوا وتنتظر الجنينا
أأمَّ المالكين بنى (أمون) ... ليهنك أنهم نزعوا (أمونا
стр. 530
ولدت له (المآمين) الدواهي ... ولم تلدي له قط (الأمينا)
فكانوا الشهب حين الأرض ليلٌ ... وحين الناس جد مضللينا
مشت بمنارهم الدهر بالوادي أقاموا ... على (وادي الملوك) محجبينا
فربّ مصفد منهم وكانت ... تساق له الملوك مصفدينا
تقيد في التراب بغير قيد ... وحلّ على جوانبه رهينا
تعالى الله كان السَّحر فيهم ... أليسوا للحجارة منطقينا
غدوا يبنون ما يبقى وراحوا ... وراء الآبدات مخلدينا
إذا عمدوا لمآثرة أعدوا ... لها الإتقان والخلق المتينا
وليس الخلد مرتبة تلقى ... وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار ... إذا ذهبت مصادرها بقينا
وسرُّ العبقرية حين يسري ... فينتظم الصَّنائع والفنونا
وآثار الرّجال إذا تناهت ... إلى التاريخ خير الحاكمينا
следующие страницы →