← Адаб

Адаб · id 21505

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب

أحمد الهاشمي

Полный текст (685 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقال عبد المجيد بن عبدون الفهري المتوفى سنة ٥٢٠ هـ? راثياً ملوك بني الأفطس من قصيدة ممتعة في التاريخ والأدب الدَّهر يفجعُ بعد العين بالأثر ... فما البكاءُ على الأشباح والصُّور أنهاكَ أنهاكَ لا أنهاكَ واحدةً ... عن نومة بين ناب الَّليث والظفر فالدَّهر حربٌ وإن أبدى مسالمةً ... فالبيضُ والسمر مثلُ البيض والسُّمر ولا هوادةً بين الرأس تأخذه ... يدُ الضّراب وبين الصّارم الذكر فلا يغرَّنك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السَّهر فبالليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وغالتها يد العير في كل حين لها في كل جارحة ... منا جراح وإن زاغت عن الصبر تسر بالشيء لكن كي تغرَّ به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر كم دولة وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها وسل دنياك عن خير وقال أبو ذؤيب يرثي أولاده أمنَ المنون وريبها تتوجّعُ ... والدّهر ليس بمعتبٍ منْ يجزع قالت أمامة ما لجسمك شاحباً ... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفعُ ولقد حرصتُ بأن أدافع عنهمُ ... وإذا المنية أقبلتْ لا تدفعُ وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيتَ كلّ تميمة لا تنفعُ فالعين بعدهمُ كأن جفونها ... كحلتْ بشوكٍ فهي عورٌ تدمعُ وتجلدي لشامتين اربهمُ ... أني لرّيب الدَّهر لا أتضعضعُ حتى كأني للحوادث مروةٌ ... نصفَ المشقر كلّ يوم تقرع لا بدَّ من بلف مقيم فانتظر ... أبأرض قومك أن بأخرى المضجع ولقد أرى أن البكاءَ سفاهةٌ ... ولسوف يولع بالبكا من يفجع

стр. 597

وليأتينّ عليك يوماً مرّة ... يبكي عليك معنَّفاً لا تسمع فلئنْ بهم فجع الزَّمان وريبهُ ... أني بأهل مودّتي لمفجع والنّفس راغية إذا رغّبتها ... وإذا تردُّ إلى قليل تقنعْ وقال أبو الأنباري المتوفى سنة ٣٢٨ هـ? يرثي أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة لما قتل وصلب وهي من أعظم المراثي ولم يسمع بمثلها في مصلوب حتى أن عضد الدولة الذي صلبه تمنى لو كان هو المصلوب وقيلت فيه. علوَّ في الحياةِ وفي الممات ... لحقٌ أنتَ إحدى المعجزات كأنّ النَّاس حولك حين قاموا ... وفودُ نداك أيام الصلاتِ كأنكَ قائم فيهم خطيباً ... وكَّلهمُ قيامٌ للصّلاةِ مددت يديك نحوهم احتفاءً ... كمدّهما إليهمْ بالهباتِ ولمّا ضاقَ بطنُ الأرضِ عن أن ... يضمَّ علاكَ من بعدِ الوفاةِ أصاروا الجوَّ قبرك واستعاضوا ... عن الأكفان ثوب السّافيات لعظمك في النّفوس تبيت ترعى ... بحراَّس وحفّاظ ثقاب وتوقدُ حولك النّيرانُ ليلاً ... كذلك كنتَ أيَّامَ الحياة ركبت مطيَّة منْ قبلُ زيدٌ ... علاها في السّنينَ الماضياتِ وتلكَ قضيّةٌ فيها تاسّ ... تباعدُ عنك تعييرَ العداةِ ولم أر قبل جذعك قطُّ جذعاً ... تمكّن منْ عتاق المكرمات أسأتَ إلى النوائبِ فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائباتِ

стр. 598

وكنت تجيرنا من صرف دهر ... فعاد مطالبا لك بالثّرات وصيَّرَ دهرك الإحسانَ فيهش ... إلينا منْ عظيمِ السيئاتِ وكنتَ لمعشرِ سعداً فلمّا ... مضيتَ تفرقوا بالمنحساتِ غليلٌ باطنٌ لك في فؤادي ... يخفّفُ بالدُّموعِ الجارياتِ ولو أني قدرتُ على قيام ... بفرضك والحقوق الواجبات ملأت الأرض من نظم القوافي ... ونحتُ بها خلاف النائحاتِ ولكنّي أصبّرُ عنك نفسي ... مخافةَ أنْ أعدَّ من الجناةِ ومالك تربةٌ فأقولُ تسقى ... لأنك نصبَ هطل الهاطلات عليك تحيةُ الرّحمن تترى ... برحماتٍ غوادٍ رائحات وقال بهاء الدين زهير المتوفى سنة ٦٥٦ ه ـ? أراكَ هجرتني هجراً طويلاً ... وما عوّدتني من قبلُ ذا كا عهدتك لا تطيق الصَّبر عنّي ... وتعصى في ودادي من نهاكا فكيفَ تغيَّرتْ تلك السَّحايا ... ومن هذا الذي عنّي ثناكا فلا والله ما حاولتَ غدراً ... فكلُّ النّاس يغدر ما خلاكا وما فارقتني طوعاً ولكن ... دهاك في المنية ما دهاكا فيا من غابَ عنّي وهو روحي ... وكيفَ أطبق من روحي انفكاكا بعزُّ عليَّ أدير عيني ... أفتشُ في مكانك لا أراكا ختمتُ على ودادك في ضميري ... وليس يزال مختوماً هناك فيا أسفي لجسمك كيف يبلى ... ويذهبُ بعدَ بهجته سناك يا قبرَ الحبيب وددتُ أنّي ... حملت ولو على عيني ثراكا ولا زال السّلام عليك منّي ... يزفّ على النّسيم إلى ذراكا

стр. 599

وقال السيدة تماضر الخنساء المتوفاة سنة ٢٤ ه ـ? قذّى بعينك أم بالعين عوّارُ ... أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدّار كأنَّ عيني لذاكرة إذا خطرت ... فيضٌ يسيلُ على الخدّين مدرارُ تبكي خناسٌ على صخر وحقّ لها ... إذ رابها الدّهر إنّ الدّهر ضرارُ لا بدّ من ميتةِ في صرفها عبرٌ ... والدَّهر في صرفه حولٌ وأطوارُ يا يخرُ ورَّاد ماءٍ قد توارده ... أهل الموارد في ورده عارُ وإنّ صخراً لحامينا وسينا ... وغنَّ صخراً إذا نشتوا لنحّارُ وإنَّ صخراً لتأتمُّ الهداة بهِ ... كأنهُ علمٌ في رأسه نارُ لم ترهُ جارةٌ يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلى بيتهُ الجارُ مثل الرُّدينيّ لم تنفد شبيبتهُ ... كأنّه تحت طيّ البردِ أسوارُ طلقُ اليدينِ بفعل الخير معتمدٌ ... ضخمُ الدَّسعية بالخيرات أمارُ حمالُ ألوية هبّاط أوديةَ ... شهّاد أندية للجيش جرارُ وقالت أعرابية ترثي ابنها أيا ولدي قد زاد قلبي تلهُّبها ... وقد حرقت منّي الشُّؤون المدامعُ وقد أضرمت نارُ المصيبةِ شعلةُ ... وقد حميت منّي الحشا والأضالعُ وأسأل عنك الرّكب هل تخبرونني ... بحالك كيما تستكنُّ المضاجع فلم يكُ فيهم مخبرٌ عنك صادق ... ولا فيهمُ من قال إنّك راجع فيا ولدي غبت كدَّرت عيشتي ... فقلبي مصدوع وطرفي دامع وفكري مسقومٌ وعقلي ذاهب ... ودمعي مسفوحٌ وداري بلا قع

стр. 600

وقالت ليلى الأخيلية المتوفاة سنة ٨٠ ه ـ? لعمرك ما بالموت عارٌ على الفتى=إذا لم تصبه في الحياة المعابرُ وما أحدٌ حيٌّ وإن عاشَ سالماً ... بأخلد ممّن غيبتهُ المقابر ومن كان مما يحدث الدَّهر جازعاً ... فلا بد يوماً يرى وهو صابر وليس لذي عيش عن الموت مقصر ... وليس على الأيام والدهر غابر ولا الحيّ مما يحدث الدَّهر معتب ... ولا الميت أن لم يصبر الحيّ ناشرُ وكل شباب أو جديد إلى بلّى ... وكل امرئ يوماً إلى الله صائر وقالت عائشة هانم التيمورية المتوفاة سنة ١٣٠٠ ه ـ? إن سألَ من غرب العيون بحور ... فالدَّهر باغ والزمانُ غدورُ فلكلّ عين حقّ مدرار الدّما ... ولكل قلبٍ لوعةٌ وثبورُ ستر السنا وتحجَّبت شمس الضّحى ... وتغيّبت بعد الشّروق بدور ومضى الذي أهوى وجرّعني الأسا ... وغدت بقلبي جذوة وسعير يا ليته لمَّا نوى عهد النّوى ... وافى العيون من الظّلام نذير ناهيك ما فعلت بماء حشاشتي ... نارٌ لها بين الضلوع زفير لو بثّ حزني في الورى لم يلتفت ... لمصاب قيسٍ والمصاب كبير طافت بشهر الصوم كاسات الرَّدى ... سحراً وأكوابُ الدّموع تدّور فتناولت منها ابنتي فتغيَّرت ... وجنات خدّ شانها التَّغيير فذوت أزاهير الحياة بروضها ... وانقدَّ منها مائسٌ ونضير لبستْ ثيابَ السُّقم في صغرٍ وقد ... ذاقتْ شراب الموت وهو مرير جاء الطبيب ضحّى وبشّر بالشفا ... إن الطبيب بطبّه مغرور وصفَ التجرُّع وهو يزعم أنهُ ... بالبرءِ من كل السّقامِ بشير

стр. 601

وارحم شبابي إن والدتي غدت ... ثكلى يشير لها الجوى وتشير وارأف بعين حرّمت طيب الكرى ... تشكو السُّهاد وفي الجفون فتور لمّا رأت يأس الطبيب وعجزه ... قالت ودمعُ المقلتين غزير أماه قد كلّ الطّبيبُ وفاتني ... ممّا أؤمّلُ في الحياة نصير لو جاءَ عرَّاف اليمامة يبتغي ... يرئي لردّ الطّرف وهو حسير يا روع روحي حلّها نزعُ الضنّا ... عمّا قليل ورقها ستطيرُ أمّاه قد عزّ اللقاءُ وفي غدٍ ... سترين نعشي كالعروس يسيرُ وسينتهي المسعى إلى الّلحد الذي ... هو منزلي وله الجموع تصيرُ قولي لرب اللحد رفقاً بابنتي ... جاءت عروساً ساقها التّقدير وتجلّدي بإزاء لحدي برهة ... فتراك روحٌ راعها المقدور أماه قد سلفت لنا أمنيةً ... يا حسنها لو ساقها التيسير كانت كأحلامٍ مضتْ وتخلفتْ ... مذْ بان يوم البين وهو عسير عودي إلى ربعٍ خلا ومآثر ... قد خلّفتْ عنّي لها تأثير صوني جهاز العرس تذكاراً فلي ... قد كان منه إلى الزّفاف سرور جرت مصائب فرقتي لك بعدَ ذا ... لبس السّواد ونفّذَ المسطور والقبرُ صار لغصن قدَّي روضةٌ ... ريحانها عند المزار زهور أماه لا تنسي بحقّ بنوتي ... قبري لئلا يحزن المقبور ورجاء عفو أو تلاوة منزل ... فسواك من لي بالحنين يزور فلعلما أحظى برحمة خالق ... هو راحمٌ برٌّ بنا وغفور فأجبتها والدّمع يحبسُ منطقي ... والدّهر من بعد الجوار يجور بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي ... قد زال صفوٌ شانه التكدير لا توصي ثكلى قد أذاب فؤادها ... حزنٌ عليك وحسرةٌ وزفير قسماً بغضّ نواظري وتلهفي ... مذ غاب إنسانٌ وفارقَ نور وبقلتي ثغراً تقضّي نحبه ... فحرمتُ طيب شذاه وهو عطير والله لا أسلو التلاوة والدُّعا ... ما غرَّدت فوقَ الغصون طيور كلا ولا أنسى زفير توجعي ... والقدّ منك لدى الثرى مدثور إني ألفت الحزن حتى أنّني ... لو غاب عنّي ساءني التأخير قد كنتُ لا أرضى التّباعد برهة ... كيف التّصبّر والبعاد دهور أبكيك حتى نلتقي في جنّة ... برياض خلد زينتها الحور

стр. 602

إن قيل على "توحيدة" الحسن التي ... قد غاب بدرُ جمالها المستور قلبي وجفني واللسان وخالقي ... راض وباك شاكرٌ وغفور متعتِ بالرّضوان في خلد الرّضا ... ما ازّنيت لك غرفة وقصور وسمعت قول الحقّ للقوم داخلوا ... دار السّلام فسعيكم مشكور هذا النّعيم به الأحبة تلتقي ... لا عيشَ إلا عيشهُ المبرور وقالت المرحومة ملك حفني ناصف ترثي عائشة هانم تيمور ألا يا موت ويحك لم تراع ... حقوقاً للطروس ولا اليراع تركتَ الكتب بالكيةٌ بكاءً ... يشيبُ الطفل في عهد الرضاع ولم تهب الفضائلَ والمعالي ... وطول السّعي في خير المساعي ولم يمنعك ممّا رمتَ نثرٌ ... ولا شعرٌ ولا حسنُ ابتداع نراك تجودُ بالأرزاء حتى ... عددنا البخلَ من كرم الطّباع فذبْ يا قلبُ لا تكُ في جمّود=وزد دمع لا تكُ في امتناع ولا تبخل عليّ وكن جموماً ... فكنز العلم أمسى في ضياع سنبقى بعد عائشةٍ حيارى ... كسربٍ في الفلاةَ بغير راع لقد فقدت ولم تفقد علاها ... وهل شمسٌ تغيب بلا شعاع هي الدُّرّ المصون ببطن أرض ... وقد كانت كذلك في قناع هي البحرُ الخضمّ ومات سمعنا ... بأن البحرَ يدفن في التّلاع لها القدحُ المعلّى في العوالي ... وفي نشر المعارف طول باع فيا شمس المحامد غبت عنّا ... وخلفت البكاءَ لكل ناع ويا خيرَ النساءِ بلا خوف ... وقدوتنا بلا أدنى نزاع لقد أحييت ذكر نساء مصر ... وجدّدت العلا بعد انقطّاع وشدت صروح طهر باذخات ... محصّنةٍ كتحصين القلاع

стр. 603

وقال المرحوم حفني بك ناصف راثياً عبد الله باشا فكري ليدعِ المدّعون العلم والأدبا ... فقد تغيّبَ عبدُ الله واحتجا ولينتسب أدعياء الفضل كيف قضت ... آراؤهم إذا قضى من يحفظ النّسبا وليفخر اليوم قومٌ باليرّاع ولا ... خوفٌ عليهم فمن يخشونه ذهبا وليرق من شاء أعواد المنّابر إذا ... مات الذي يتقّيهِ كلّ من خطبا لو عاش لم يطرق الأسماع ذكرهم ... في طلعة الشمس من ذا يبصرُ الشُّهبا فليسمُ من شاء بالإنشاءِ لا عجبٌ ... مضى الذي كان من آياته عجبا طودٌ من الفضل من بعد الرُّسوخ هوى ... وكوكب بعد أن أبدي الهدى غربا أجلْ فقد مات عبدُ الله وا أسفا ... وأوحشتْ مصرُ من فكري فواحربا فكلّ نفس لمعناه شكتْ وبكت ... وكلُّ فكرٍ بفكري ماجَ واضطربا قضى الحياة ونصرُ الحقّ ديدنهُ ... لا ينثني رهناً عنه ولا رغبا لا كان عيدٌ رأينا صفوه كدراً ... بفقدهِ وانثنت راحاته تعبا سارت جنازتهُ والعلم في جزع ... والفضلُ يندبهُ في ضمن من ندبا وقال أحمد بك شوقي يرثي مصطفى باشا كامل المتوفى ١٣٢٦ ه ـ? ألمشرقان عليك ينتحبان ... قاصيهما في مأنم والدَّاني يا خادمَ الإسلام أجرَ مجاهد ... في الله من خلد ومن رضوان الله يشهد أن موتك بالحجا ... والجدّ والإقدام والعرفان إن كان للأخلاق ركن قائم ... في هذه الدنيا فأنت الباني بالله فتَّش عن فؤادك في الثرى ... هل فيه آمالٌ وفيه أماني وجدانك الحي المقيم على المدى ... ولربّ حيّ ميّت الوجدان الناسُ جار في الحياة لغاية ... ومضللٌ يجري بغير عنان

стр. 604

والخلد في الدّنيا وليس بهيّن ... عليا المراتب لم تتح لجبان فلو أن رسل الله قد جبنوا لما ... ماتوا على دين ولا إيمان المجد والشرف الرّفيع صحيفةٌ ... جعلت لها الأخلاق كالعنوان وأحبُّ من طول الحياة بذلّه ... قصرٌ يريك تقاصر الأقران دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائقٌ وثواني فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذّكر للإنسان عمرٌ ثاني للمرء في الدّنيا وجمّ شؤونها ... ما شاء من ربح ومن خسران فهي الفضاء لراغبٍ متطلّع ... وهي المضيق لمؤثر السُّلوان النّاس غادٍ في الشفاء ورائح ... يشقى له الرّحماء وهو الأشجان ومنعّم لم يلقَ إلاّ لذّة ... في طيّها شجنٌ من الأشجان فاصبر على نعم الحياة وبؤسها ... نعمُ الحياة وبؤسها سيّان يا طاهر الغدوات والرّوحات وال ... خطرات والأسرار والإعلان هل قامَ قبلك في المدائن فاتحاً ... غازٍ بغير مهنّد وسنان يدعو إلى العلم الشريف وعنده ... أنّ العلوم دعائم العمران لفّوك في علم البلاد منكساً ... جزع الهلالُ على فتى الفتيان ما احمر من خجل ولا من رتبة ... لكنّما يبكي بدمع قاني يزجون نعشك في السّناء وفي السّنا ... فكأنما في نعشك القمران وكأنه نعش (الحسين بكربلا) ... يختال بين بكّي وبين حنّان في ذمّة الله الكريم وبرّه ... ما ضمّ من عرف ومن إحسان (ومشى جلال الموت وهو حقيقةٌ ... وجلالك المصدوق يلتقيان) شقتْ لمنظرك الجيوب عقائلٌ ... وبكتك بالدّمع الهتون غواني والخلق حولك خاشعون كعهدهم ... إذ ينصتون لخطبة وبيان

стр. 605

يتساءلون بأيّ قلب ترتقي ... بعد المنابر أم بأيّ لسان فلو أن أوطاناً تصوّر هيكلا ... دفنوكَ بين جوانح الأوطان أو كان يحملُ في الجوارح ميّت ... حملوكَ في الأسماع والأجفان أو صيغ من غرر الفضائل والعلى ... كفنَ لبست أحاسن الأكفان أو كان للذّكر الحكيم بقيّة ... لم تأت بعدُ رثيتَ في القرآن يا صبَّ مصر ويا شهيد غرامها ... هذا ثرى مصرِ فنم بأمان اخلع على مصرٍ شبابك عالياً ... والبس شباب الحور والولدان فلعلَّ مصراً من شبابك ترتدي ... مجداً تتيه به على البلدان فلو أن بالهرمين من عزماته ... بعض المضاء تحرّك الهرمان علّمتَ شبّان المدائن والقرى ... كيف الحياة تكون في الشبّان مصر الأسيفةُ ريفها وصعيدها ... قبرٌ أبرُّ على عظامك حاني أقسمت أنّك في التّراب طهارة ... ملك يهابُ سؤاله الملكان وقال ابن هانئ الأندلس يرثي إبراهيم بن جعفر بن علي وهبَ الدّهر نفيساً فاستردْ ... ربّما جادَ بخيلٌ فحسد خاب من يرجو زماناً دائماً ... تعرف الباساءُ منه والنَّكد فلقد أذكر منْ كان سها ... ولقد نبّه منْ كان رقد قلْ لمنْ شاءَ يقل ما شاءه ... إنّ خصمي في حياتي لألد منتضٍ نصلاً إذا شاء مضى ... رائشٌ سهماً إذا شاء قصدْ ماتَ منْ لو عاش سرباله ... غلبَ النّور عليه فاتقد إنما كان شهاباً ثاقباً ... صعق الّليل له ثم خمد لا رجاءٌ في خلود كلّنا ... واردُ الماءِ الذي كان ورد

стр. 606

وقال شاعر النيل أحمد بك شوقي راثياً خلقنا للحياة وللممات ... ومن هذين كلّ الحادثات ومن يولك يعش ويمت كان لم ... يمرَّ خياله بالكائنات ومهدُ المرء في أيدي الرواقي ... كنعش المرء بين النائحات وما سلم الوليد من اشتكاء ... فهل يخلو المعمّر من أداة هي الدنيا قتالٌ نحن فيه ... مقاصد للحسام وللقنّاة وكل الناس مدفوع إليه ... كما دفع الجبان إلى الثّبات نروع ما نروّع ثم نرمى ... بسهم من يد المقدورِ آتٍ وقال محمد بك حافظ إبراهيم راثياً الإمام الشيخ محمد عبده سلامٌ على الإسلام بعد محمدٍ ... سلامٌ على أيامه النّضراتِ لقد كنت أخشى عادي الموت قبله ... فأصبحتُ أخشى أن تطول حياتي فوالهفي والقبرُ بيني وبينه ... على نظرةٍ من تلكمُ النظراتِ وفقت عليه حاسرَ الرأس خاشعاً ... كأنّي حيال القبر في عرفاتِ أبنتَ لنا التنزيلَ حكماً وحكمة ... وفرَّقت بين النور والظلّمات ووفقت بين الدّين والعلم والدّجى ... فأطلعت نوراً من ثلاث جهات وقفتَ (لها نوتر ورينان) وقفة ... أمدّك فيها الروح بالنفحاتِ وخفتَ مقام الله في كل موقفٍ ... فخافك أهل الشكْ والنَّزعاتِ وأرصدت للباغي على دين أحمد ... شباة يراعٍ ساحر النفثاتِ مشى نعشه يختال عجباً بربه ... ويخطر بين الّلمس والقبلات بكى الشرق فارتجت له الأرض رجّة ... وضاقت عيون الكون بالعبراتِ

стр. 607

بكى عالمُ الإسلام عالمَ عصره ... سراج الدَّياجي هادم الشبهات فيا ويح للشُّورى إذا جدّ جدذها ... وطاشت بها الآراء مشتجرّاتِ ويا ويح للفتيا إذا قيل منْ لها ... ويا ويح للخيرات والصّدقات بكينا على فرد وإن بكاءنا ... على أنفس لله منقطعات تعهدها فضل الإمام وحاطها ... بأحسانه والدّهر غير مؤآني

стр. 608

الباب الثامن في الحكم والنصائح قال عبيد بن الأبرص كفى زاجراً للمرء أيّام دهرهِ ... تروح له بالواعظاتِ وتغتدي إذا أنت طالبت الرجال نوالهم ... فعفّ ولا تطلب بجهد فتنكد عسى سائل ذو حاجة غن منعته ... من اليوم سؤلاً أن يسرّك في غد ولا تقعدن عن سعي ما قد ورثته ... وما استطعت من خير لنفسك فازدد إذا ما رأيت الشرّ يبعث أهله ... وقام جناة الشرّ بالشرّ فاقعد وبالعدل فانطلق إن نطقت ولا تج ... وذا الذمّ فاذممه وذا الحمد فاحمد عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي

стр. 609

ولا ابتغي ودّ امرئ قلّ خيره ... وما أنا عن وصل الصديق بأحيد إذا أنت حملت الخؤون أمانة ... فإنك قد أسندتها شرّ مسند ولا تظهرن ودّ امرئ قبل خبره ... وبعد بلاء المرء فاذمم أو أحمد وقال أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي المتوفى سنة ٣٢١ ه ـ? يا ظبيةً أشبهَ شيءٍ بالمها ... ترعى الخزامى بين أشجارِ النَّقا إما ترى رأسي حاكى لونه ... طرَّة صبحٍ تحت أذيال الدُّجى واشتعل المبيضُّ في مسوده ... مثل اشتعال النَّار في جزل الغضى فكان كالليل البهيم حلّ في ... أرجائه ضوء صباحٍ فانجلى وغاض ماءَ شرَّتي دهرٌ رمى ... خواطر القلب بتبريح الجوى وآض روضُ الّلهو يبساً ذاويا ... من بعد ما قد كان مجاجَ الثرى وضرّمَ النّأيُ المشتُّ جذوةٌ ... ما تأتلي تسفعُ أثناءَ الحشى واتخذ التّمهيد عيني مألفاً ... لمّا جفا أجفانها طيفُ الكرى

стр. 610

فكلُّ ما لاقيتهُ مفتفرٌ ... في جنبٍ ما أسأره شحط النَّوى لوْ لابسَ الصّخرَ الأصمَّ بعضُ ما ... يلقاه قلبي فضَّ أصلادَ الصّفا إذا ذوي الغصنُ الرطيبُ فاعلمن ... أنّ قصاراه نفاد وتوى شجيتُ لا بلْ أجرضتني غصَّه ... عنودها اقتلُ لي من الشجى إنْ يحمِ عن عيني البكا تجلُّدي ... فالقلب موقوف على سبل البكا لو كانت الأحلام ناجتني بما ... ألقاهُ يقظانَ لأصماني الرَّدى منزلة ما خلتها يرضى بها ... لنفسه ذو أدب ولا حجا شيمُ سحابٍ خلَّب بارقه ... وموقفٌ بين أرتجاء ومنّى في كل يوم منزلٌ مستوبلٌ ... يشتفُ ماءَ مهجتي أو مجتوي ما خلت أن الدّهر يثنني على ... ضرَّاء لا يرضى بها ضبُّ الكدى أرمق العيش على برض فإن ... رمت ارتشافاً فارمت صعبَ المنتسى أراجعٌ لي الدَّهر حولاً كاملاً ... إلى الذي عوّد أم لا يزتجي يا دهر إن لم تك عتبى فائتد ... فإنّ إروادك والعتبى سوى

стр. 611

رفه عليّ طالما أنصبتني ... واستبقِ بعض ماءِ غصنِ ملتحى لا تحسبنْ يا دهر أني ضارعٌ ... لنكبةٍ تعرقني عرقَ المدى مارستَ من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجوّ عليه ما شكا لكنها نفثةُ مصدورٍ إذا ... جاش لغامٌ من نواحيها غما رضيت قسراً وعلى القسر رضى ... من كان ذا سخط على صرف القضا إن الجديدين إذا ما استوليا ... على جديدٍ أذنياه للبلى ما كنتُ أدري والزّمان مولعٌ ... بشتَّ ملمومٍ وتنكيث قوي إنّ القضاء قاذفي في هوَّةٍ ... لا تستبلُّ نفس من فيها هوى فإن عثرتُ بعدها غن وألتْ ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا وإن تكن مدتها موصولةً ... بالحتف سلّطتُ الأسى على الأسا إنَّ امرأ القيس جرى إلى مدى ... فاعتاقه حمامهُ دون المدى

стр. 612

وخامرت نفسُ أبي الجبرِ الجوى ... حتى حواه الحتف فيمن قد حوى وابن الأشجّ القيلُ ساق نفسه ... إلى الرَّدى حذار إشمات العدى واحترم الوضّاح من دون التي ... أملّها سيفُ الحمامِ المنتضى فقد سما قبلي يزيدُ طالباً ... شأو العلا فما وهيَ ولا ونى فاعترضت دون الذي رام وقد ... جدّ به الجدُّ الهيمُ الأربى هل أنا بدعٌ من عرانين علاَ ... جار عليهم صرف دهر واعتدى فإن أنالتني المقاديرُ الذي ... أكيده لم آل في رأب الثأى وقد سما عمرو إلى أوتاره ... فاحتطَّ منها كلَّ عالي المستمى

стр. 613

فاستنزل الرَّبَّا قسراً وهي من ... عقاب لوح الجوَ أعلى منتمى وسيفٌ استعلتْ به همتهُ ... حتى رمى أبعد شاو المرتمى فجرّع الأحبوش سمّاً ناقعاً ... واحتلّ من غمدان محراب الدُّمى ثم ابن هند باشرتْ نيرانه ... يوم أوراتٍ تميماً بالصلا ما اعتنّ لي بأس يناجي همتي ... إلا تحداهُ رجاءٌ فاكتمى أليّة باليعملاتِ يرتمى ... بها النَّجاء بين أجوزِ الفلا خوص كأشباح الحنايا ضمرّ ... يرعفن بالأمشاج منْ جذب البري

стр. 614

يرسبن في بحر الدُّجى وبالضُّحى ... يطفون في الآل إذا الآل طفا أخفافهنّ من حفّا ومن وجّى ... مرثومةٌ تخضبُ مبيض الحصا يحملن كلّ شاحبٍ محقوقف ... من طول تدآب الغدوّ والسُّرى بارٌّ برى طولُ الطوى جثمانه ... فهو كقدحِ النّبع محني القرا ينوي التي فضلها ربّ العلى ... لما دحا تربتها على البنى حتى إذا قابلها استعبر لا ... يملك دمع العين من حيث يرى ثمّت طاف وانثنى مستلماً ... تمَّت جاءَ المروتين فسعى وأوجب الحجَّ وثنى عمرةً ... من بعد ما عجَّ ولبَّى ودعا ثمَّت راح في الملبين إلى ... حيث تحجّى المأزمان ومنى

стр. 615

ثم أتى التعريف يقرو مختباً ... مواقفاً بين الآل فالتَّقا واستأنف السّبع وسبعاً بعدها ... والسَّعى ما بين العقابِ والصُّوى وراح للتَّوديع فيمن راح قد ... أحرز أجراً وقلى هجر اَّلغا بذاك أم بالخيل تعد المرطى ... ناشزةً أكتادها قبَّ الكلى شعثاً تعادى كسراحين الغضا ... ميل الحماليق يبارين الش?با يحملن كلّ شمَّري ياسل ... شهم الجنانِ خائضٍ غمر الوغى يغشى صلا الحربِ بحدَّيه إذا ... كان لظى الحرب كريه المصطلى لو مثّل الحتفُ لهث قرناً لما ... صدتهُ عنهُ هيبة ولا انثنى ولوْ حمى المقدار عنهُ مهجه ... لرامها يستبيح ما حمى تغدو المنايا طائعاتٍ أمرهُ ... ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى

стр. 616

بل قسماً بالشمّ منْ يعربَ هل ... لمقسمٍ من بعد هذا منتهى همُ الأولى إن فخروا قال العلا ... بفي امرئ فاخركم عفرا البرا همُ الأولى اجروا ينابيع النّدى ... هاميةً لمنْ عرا او اعتفى همُ الَّذين دوخوا من انتحى ... وقوموا منْ صعر ومن صغا همُ الَّذين جرعوا فما حلّوا ... أفارق الضَّيم ممراة الحسا أزال حشو نثرةِ موضونة ... حتى أورى بين أثناءِ الحثى وصاحبيَّ صارمٌ في متنه ... مثلُ مدبّ النّمل يعلو في الرُّبى أبيض كالملح إذا انتصيته ... لم يلق شيئاً حدُّهُ إلاّ فرى كأنّ بين عيره وغرّ به ... مفتأداً تأكلتْ فيه الجذى يري المنونَ حين تقفو إثرهُ ... في ظلمِ الأكبادِ سبلاً لا ترى إذا هوى في جثةٍ غادرها ... من بعدما كانت خساً وهي زكا ومشرفُ الأقطار خاطٍ نحضهُ ... حابى القصيرى جرشعٍ عردُ النسى

стр. 617

قريبُ ما بين القطاة والمطا ... بعيد ما بين القذال والصُّلا سامي التَّليل في دسيع مقعمٍ ... رحب اّلليان في أمينات العجى ركينَ في حواشبٍ مكتنةٍ ... إلى نسور مثل نلفوظ النوى يرضخ بالبيدِ الحصى فإن رقى ... إلى الرُّبى أورى بها نارَ الحبا يديرُ إغليطين في ملمومةٍ ... إلى لموحين بألحاظ اللأى مداخلُ الحلقَ رحيبٌ شجرهُ ... مخلولقُ الصَّهوةِ ممسودٌ وأى لا صككٌ يشينه ولا فجا ... ولا دخيسٌ واهنٌ ولا شطا يجري فتكبوا الرّيح في غاياته ... حسرى تلوذ بجراثيم السَّحا لو اعتسفتَ الأرض فوق متنه ... يجوبها ما خفتَ أن يشكو الوجى تظنهُ وهو يرى محتجباً ... عن العيون إن دأى أو إن ردى إذا اجتهدت نظراً في إثره ... قلت سناً أو مض أو برقٌ خفا

стр. 618

كأنمّا الجوزاءٌ في أرساغه ... والنجم في جبهته إذا بدا هما عتادي الكافيان فقد من ... أعددتهُ فلينأ عنَّي من نأى فإن سمعت برحّى منصوبة ... للحزب فاعلم أنّني قطب الرَّحى وإن رأيت نار حرب تلتظى ... فاعلم بأني مسعرٌ ذاك اللظى خيرُ النفوس الَّسائلاتُ جهرةً ... على ظباتِ المرهفات والقنا إنّ العراق لم أفارقْ أهله ... عنْ شنآنٍ صدّني ولا قلى ولا أطّبي عيني مذ فارقتهم ... شيءٌ يروق العين من هذا الورى هم الشَّناخيبُ المنيفاتُ الذرا ... والناس أدحالٌ سواهم وهوى همُ البحور زاخرٌ ادبُّها ... والناس ضخضاح ثعابٌ وأضى إن كنتُ أبصرتُ لهم من بعدهم ... مثلاً فأغضيتُ على وخز السّفا حاشا الأميرينِ الذين أوفدا ... عليَّ ظلاَّ منْ نعيمٍ قد ضفا هما الّلذان أثبتا لي أملاً ... قد وقف اليأسُ به على شفا

стр. 619

تلافيا العيش الذي رنَّقه ... صرفُ الزّمان فاستساغَ وصفا وأجريا ماءَ الحيا لي رغداً ... فاهتزَّ غصني بعدما كان ذوى هما الّلذان سموا بناظري ... من بعد إغضائي على لذعِ القذى هما الّلذان عمَّرا لي جانيا ... من الرّجاءِ كان قدماً قدْ عفا وقلّداني منَّهُ لوْ قرنتْ ... بشكر أهل الأرض عنّي ما وفى بالعشر من معشارها وكان كال ... حشوة في آديّ بحرِ قد طمى إنّ ابنَ ميكال الأميرَ انتاشني ... من بعدما قد كنتُ كالشيء الّلقا ومدَّ ضبعيَّ أبو العبّاس من ... بعد انقباض الدَّرعِ والباعِ الوزى ذاك الذي ما زال يسمو للعلا ... بفعله حتى علا فوق العلا لو كان يرقّى أحدٌ بجوده ... ومجده إلى السَّماء لارتقى ما إن أتى بحرَ نداه معتفٍ ... على أوارى علم إلا ارتوى نفسي الفداءُ لأميري ومنْ ... تحت السماءِ لأميريّ الفدا لا زال شكري لهما موصلا ... لفظيَ أو يعتاقني صرفُ المنى

стр. 620

إن الأولى فارقتُ من غير قلى ... ما زاغ قلبي عنهم وما هفا لكنَّ لي عزماً إذا امتطيتهُ ... لمبهمِ الخطبِ فآهُ فانفأى ولو أشاءُ ضمَّ قطريه الصَّبا ... عليّ في ظلّ نعيم وغنى ولا عبتني غاذةٌ وهنانة ... تضني وفي ترشافها برءُ الضنى تفري بسيفِ لحظها غن نظرتْ ... نظرةَ غضبى منك اثناء الحشا في خدّها روضٌ من الورد على النَّس ... رين بالألحاظِ منها يجتنى لو ناجتِ الأعصمَ لانحطّ لها ... طوعَ القياد في شماريخ الذُّرا أوْ صابت القانتَ في مخلولقِ ... مستصعبٍ المسلكَ وعر المرتقى ألهاه عنْ تسبيحه ودينه ... تأنيسها حتى تراه قد صبا كأنّما الصّهباء مقطوبٌ بها ... ماءُ جنى وردٍ إذا الّليلُ عسا يمتاحهُ راشفُ بردٍ ريقها ... بين بياض الظَّلم منها والَّلمى سقى العقيق فالحزيز فالملا ... إلى النَّحيت فالقريّات الدُّنا

стр. 621

فالمريد الأعلى الذي يلقى به ... مصارع الأسد بألحاظ المها محلَّ كلّ مقرم سمتْ به ... مآثر الأباءِ في فرع العلا من الأولى جوهرهمْ إذا اعتزوا ... منْ جوهر منهُ النبيّ المصطفى صلَّى عليه ما جنَّ الدُّجى ... وما جرت في فلك شمس الضحى جونٌ أعارته الجنوبُ جانباً ... منها وواصتْ صوبهُ يدُ الصَّبا نأى يمانياً فلمَّا انتشرتُ ... أحضانهُ وامتدّ كسراه غطا فجلّل الأفق فكلُّ جانبٍ ... منها كأن من قطره المرن حبا وطبّق الأرض فكل بقعةٍ ... منها تقولُ الغيثُ في هاتا ثوى إذا خبت بروقهُ عنّتْ لها ... ريحُ الصَّبا تشبُّ منها ما خبا وإنْ ونتْ رعودهُ حدا بها ... راعي الجنوبِ فحدثْ كما حدا

стр. 622

كأنّ في أحضانهِ وبركهِ ... بركاً تداعى بينَ سجر ووحى لم تر كالمرنِ سواماً بهلاَ ... تحتسبها مرعيَّة وهي سدا تقولُ للأجراز لمّا استوسقتْ ... بسوقهِ ثقي بريّ وحيا فأوسعَ الأحداب سيباً محسباً ... وطبّق البطنان بالماءِ الرّوى كأنما البيداءُ غيبَّ صوبه ... بحرٌ طما تيارهُ ثمّ سجا ذاك الجدا لا زال مخصوصاً به ... قوم هم للأرض غيثٌ وجدا لستُ إذا ما بهظتني غمرةٌ ... ممن يقول بلغ السّيلُ الزُّبى نهنهتها مكظومةً حتى يرى ... مخضوضعاً منها الذي كان طغا ولا أقول إن عرتني نكبةٌ ... قول القنوطِ انقدّ في البطن السّلا

стр. 623

قد مارستْ منّي الخطوبُ مارساً ... يساورُ الهول إذا الهولُ علا طمعي شريُّ للعدوّ تارة ... والرَّاح والأريُ لمن ودّي ابتغي لدنٌ إذا لوينتُ سهلٌ معطفي ... ألوى إذا خوشنتُ مرهوب الشدّا يعتصمُ الحلمُ بجنبيْ حبوتي=إذا رياحُ الطّيشِ طارتْ بالحبا لا يطبيني طمعُ مدنّسٌ ... إذا استعمالَ طمعٌ أواطبى وقد علتْ بي رتباً تجاربي ... أشفين بي منها على سباِ النُّهى إن امرؤٌ خيف لإفراط الأذى ... لم يخش مني نزقٌ ولا أذى من غير ما وهن ولكنّي امرؤٌ ... أصونُ عرضاً لم يدنسهُ الطُّخا وصونُ عرض المرءِ أن يبذلَ ما ... ضنّ به ممّا حواهُ وانتضى والحمد قرن ناجم في زمن ... فهو شبيهُ زمن فيه بدا والناس كالنّبت فمنهمْ رائقٌ ... غضَّ نضيرٌ عوده مرُّ الجنى ومنهُ ما تقتحم العين فإن ... ذقت جناه انساغ عذاباً في اللها يقومُ الشارخُ منْ زيغانهَ ... فيستوي ما انعاجَ منهُ وانحنى والشّيخ إن قومتهُ منْ زيغه ... لمْ يقم التثقيفُ منه ما التوى كذلك الغصن يسيرٌ عطفه ... لدناً شديدٌ غمزهُ إذا عسا من ظلمَ الناس تحاموا ظلمهُ ... وعزَّ عنهم جانباه واحتمى

стр. 624

وهم لمنْ لان لهم جانبه ... أظلمُ من حيّاتٍ أنباثِ السّفا عبيدُ ذي المال وإن لم يطمعوا ... منْ غمره في جرعه تشفي الصدى وهم لمنْ أملقَ أعداءٌ وإن ... شاركهم فيما أفاد وحوى عاجمتُ أيامي وما الغرّ كمن ... تأزرَ الدَّهرُ عليهِ واعتدى لا يرفعُ الّلبُّ بلا جدَّ ولا ... يحطُّكَ الجهل إذا الجدُّ علا منْ لم يعظهُ الدَّهر لم ينفعه ما ... راحَ به الواعظ يوماً أو غدّاً من لم تفدهُ عبراً أيامهُ ... كان العمى أولى به من الهدى منْ قاس ما لم يره بما يرى ... أراهُ ما يدنو إليه ما نأى منْ ملكَ الحرصَ القيادَ لم يزل ... يكرعُ منْ ماءِ من الذُّلّ صرى منْ عارض الطماع باليأسِ رنتْ ... إليه عينُ العزّ من حيث رنا منْ عطف النَّفس على مكروها ... كان الغنى قرينه حيثُ انتوى من لم يقف عند انتهاء قدره ... تقاصرت عنه فسيحات الخطا منْ ضيع الحزم جنى لنفسه ... ندامةً ألذع من سفع الذَّكا من ناط بالعجبِ عرى أخلاقه ... نيطت عرى المقتِ إلى تلك العرى منْ طالَ فوقَ منتهى بسطته ... أعجزه نيل الدُّنى بله القصا

стр. 625

من رام ما يعجزُ عنه طوقهُ=ملعبء يوماً آض مجزول المطا والناس ألفٌ منهمُ كواحد ... وواحدٌ كالألف أن أمرق عنى وللفتى ماله ما قدمتْ ... يداه قبل موتهِ لا ما اقتنى وإنما المرءُ حديثٌ بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن وعى إنّي حلبتُ الدّهر شطريه فق ... أمرَّ لي حيناً وأحياناً حلا وفرَّ عن تجربة نابي فقلْ ... في بازلٍ راضَ الخطوبَ وامتطى والناس للموتِ خلاً يلسُّهمْ ... وقلّ ما يبقى على الَّلسّ الخلا عجبت منْ مستيقن أنّ الرّدى ... إذا أتاه لا يداوي بالرُّقى وهو من الغفلةِ في أهويةٍ ... كخابط بين ظلام وعشا نحن ولا كفران لله كما ... قد قيل للسّارب أخلى فارتعى إذا أحسَّ نبأةً ريعَ وإنْ ... تطامنتْ عنه تمادى ولها كثلةٍ ريعت لليثِ فانزوت ... حتى إذا غاب اطمأنَّت إنْ مضى نهالُ للسّير الذي يروعنا ... ونرتعي في غفلة إذا انقضى إن الشقاءَ بالشقيّ مولعٌ ... لا يملكُ الرَّدَّ له إذا أتى والّلوم لحرّ مقيمٌ رادعٌ ... والعبدُ لا يردعهُ إلاّ العصا وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواهُ عقله فقد نجا كم من أخٍ مسخوطة أخلاقه ... أضفيتهُ الودَّ لخلق مرتضى إذا بلوتَ السيَّف محموداً فلا ... تذممه يوماً أن تراه قد نبا والطّرف يجتاز المدى وربّما ... عنَّ لمعداهُ عثارٌ فكبا منْ لك بالمهذَّب النّدبِ الذي ... لا يجدُ العيبُ إليهِ مختطى إذا تصفَّحت أمور الناس لم ... تلف امرأَ حاز الكمال فاكتفى عوّلْ على الصبّر الجميل أنّه ... أمنعُ ما لاذ به أولوا الحجا وعطّفِ النّفس على سبلِ الأسى ... إذا استفزّ القلب تبريح الجوى

стр. 626

والدّهر يكبو بالفتى وتارة ... ينهضهُ منْ عثرةٍ إذا كبا لا تعجبنْ من هالكٍ كيف هوى ... بلى فاعجبن من سالمٍ كيف نجا إنّ نجوم المجدِ أمستْ أفّلا ... وظلّهُ القالصُ أضحى قد أزى إلا بقايا منْ أناسٍ بهم ... إلى سبيلِ المكرمات يقتدى إذا الأحاديث انتضتْ أنباءهم ... كانت كنشر الرَّوض غاداهُ السَّدى لا يسمع السّامع في مجلسهم ... هجراً إذا جالسهم ولا خنا ما أنعم العيشة لو أن الفتى ... يقبل منه الموتُ أسنّاء الرُّشا أو لو تحلَّى بالشبّاب عمرهُ ... لم يستبله الشَّيبُ هاتيك الحلى هيهات مهما يستعرّ مسترجعٌ ... وفي خطوب الدّهر للناس أسى وفتية سامرهم طيفٌ السكرى ... فسامروا النَّوم وهم غيد الطّلى والليل ملقٍ بالموامي بركهُ ... والعيس ينبئن أفاحيص القطا بحيث لا تهدي لسمع نبأة ... إلاّ نئيمُ البوم أو صوت الصَّدى شايعتهم على السُّرى حتى إذا ... مالت أداةُ الرّحلِ بالحبس الدّرى قلت لهم إنّ الهوينا غبُّها ... وهنٌ فجدُّوا نحمدوا غب السرى وموحش الأقطار طام ماؤهُ ... مدعثر الأعضادِ مزومِ الجبا

стр. 627

كأنما الرّيشُ على أرجائه ... زرقُ نصالِ أرهفت لتمتهي وردتهُ والذئبُ يعوي حولهُ ... مسنكُّ سمُّ السمع من طول الطّوى ومنتجٍ أمُّ أبيهِ أمُّهُ ... لم يتخوَّنْ جسمهُ مسّ الضّوى أفرشتهُ بنتَ أخيه فانثنت ... عن ولد يورى به ويشتوى ومرقبٍ مخلولقٍ أرجاؤهُ ... مستصعب المسلكِ وعرِ المرتقى والشّخص في الآل يرى لناظر ... ترمقه حيناً وحيناً لا يرى أوفيت والشّمس تمجُّ ريقها ... والضّلُّ من تحت الحذاءِ محتذى وطارقٍ يؤنسهُ الذّئب إذا ... تضورّ عشاءً وانضوى آوى إلى ناريَ وهيَ مألفٌ ... يدعو العفاةَ ضوؤها إلى القرى لله ما طيفُ خيال زائرٍ ... تزفُّهُ للقلب أحلام الرُّؤى يجوبُ أجواز الفلا محتقراً ... هول دجى الّليل إذا الّليل انبرى

стр. 628

سائلهُ إن أفصح عن أنبائه ... أنّى تسدَّى الليل أن أنّى اهتدى أو كان يدري قبلها ما فارسٌ ... وما مواميها القفار والقرّى وسائلي بمزعجي في وطني ... ما ضاق بيَ جنابهُ ولا نبا قلتُ القضاءُ مالكٌ أمرَ الفتى ... من حيث لا يدري ومن حيث درى لا تسألني واسأل المقدارَ هل ... يعصمُ منه وزرُ ومزدرى لا بدّ أن يلقى امرؤٌ ما خطه ... ذو العرش مما هو لاقٍ ووحي لا غرو إن لح زمان جائرٌ ... فاعترق العظم الممخّ وانتقى فقد ترى القاحلَ مخصرّاً وقد ... تلقى أخا الأقتارِ يوماً قد نما يا هؤليّا هلْ نشدتنَّ لنا ... ناقية البرقع عن عيني طلا ما أنصفتْ أم الصَّبيَّين التي ... أصبتَ أخا الحلم ولما يصطبى استحي بيضاً بين أفوادك أن ... يقتادك البيضُ اقتياد المهتدى هيهات ما أسفعَ هاتا زلّةً ... أطرباً بعدَ المشيب والجّلا ياربَ ليل جمعتْ قطريهِ لي ... بنتُ ثمانين عروساً تجتلى

стр. 629

لم يملك الماُء عليها أمرها ... ولم يدنسها الضَّرام المحتضى حيناً هي الدَّاء وأحياناً بها ... من دائها إذا يهيج يشتفى قد صانها الخمارُ لمّا اختارها ... ضنّا بها على سواها واختبى فهي ترى من طول عهدٍ أن بدت ... في كاسها الأعين الناس كلا كأنّ قرن الشّمس في ذرورها ... بفعلها في الصَّحن والكاس اقتدى نازعتها أروع لا تسطو على ... نديمهِ شرَّتهُ إذا انتشى كأن نور الرّوض نظمُ لفظه ... مرتجلاً أو منشداً أو إن شدا من كلّ ما نال الفتى قد نلته ... والمرءُ يبقى بعده حسن الثّنا فإن أمت فقد تناهت لذّتي ... وكلُّ شيء بلغ الحدّ انتهى وغن اعش صاحبت دهري عالماً ... بما انطوى من صرفهِ وما انتشى حاشا لما أساره فيّ الحجا ... والحلم أن أتبع رواد الخنا أو أن أرى لنكبة مختضعاً ... أو لابتهاج فرحاً ومزدهى وقال المثقب العبدي الجاهلي المتوفى سنة ٥٨٧ م من قصيدة لا تقولنّ إذا ما ترد ... أن تتمّ الوعد في شيء (نعم) حسن قول (نعم (من بعد (لا) ... وقبيح قول (لا) بعد (نعم) إن (لا) بعد (نعم) فاحشةٌ ... فبلا فابدأ إذا خفت الندم وإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاز الوعد إن الخلفَ ذم

стр. 630

اكرم الجار وراعٍ حقّه ... إن عرفان الفتى الحقَّ كرم لا تراني راتعاً من مجلسِ ... في لحوم الناس كالسّبع الضّرم إن شرّ الناس من يمدحني ... حين يلقاني وإن غبت شتم وكلام سيءِ قد وقرت ... عنه أذناي بي من صمم ولبعضُ الصفح والأعراض عن ... ذي الخنا أبقى وإن كان ظلم وقال الأفوه الأودي الجاهي المتوفى سنة ٥٧٠ م البيت لا يبتنى إلا على عمد ... ولا عماد إذا لم ترسُ أوتاد فإن تجمَّع أوتاد وأعمدة ... يوماً فقد بلغوا الأمر الذي كادوا لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولّت فبالأشرار تنقاد إذا تولى سراة الناس أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم فازدادوا كيف الرشاد إذا ما كنت في بقر ... لهم عن الرّشد أغلال وأقياد أعطوا غواتهمُ جهلاً مقادتهم ... فكلهم في حبال الفيّ منقاد وقال الإمام علي كرم الله وجهه أما والله الظَّلم شؤمق ... ولا زال المسيءُ هو الظّلومُ إلى الدّيان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غداً عند المليك من الملوم ستنقطع الّلذاذةُ عن أناسٍ ... من الدُّنيا وتنقطع الهموم لأمر تصرّمت الليالي ... لأمرٍ ما تحرّمت النّجوم سل الأيّام عن أمم تقضّتْ ... ستنبيك المعالم والرُّسوم تروم الخلد في دار الدّنايا ... فكم قد رام غيرك ما تروم تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبّه للمنيّة يا نؤوم لهوت عن الفناء وأنتَ تفنى ... فما شيءٌ من الدُّنيا يدوم تموت غداً وأنت قرير عين ... من الشّهوات في لجج تعوم

стр. 631

وقال أيضاً عليك ببّر الوالدين كليهما ... وبرّ ذوي القربى وبرّ الأباعد ولا تصحبن إلاّ تقيّا مهذباً ... عفيفاً ذكياً منجزاً للمواعد وقارن إذا قارنتَ حرّاً مؤدباً ... فتى من بني الأحرار زين المشاهد وكفّ الأذى واحفظ لسانك واتّق ... فديتك في ودّ الخليل المساعد ونافس ببذل المال في طلب العلى ... بهمّة محمود الخلائق ماجد وكن واثقاً بالله في كل حادثٍ ... يصنكَ مدى الأيام من شرّ حاسد وبالله فاستعصم ولا ترجُ غيره ... ولا تكُ في النّعماءِ عنه بجاحد وغضّ عن المكروه طرفك واجتنبْ ... أذى الجارِ واستسمك بحبل المحامد ولا تبينِ في الدُّنيا بناءَ مؤمل ... خلوداً فما حيَّ عليها بخالد وقال أيضاً قدَّم لنفسك في الحياة تزوَّداً ... فلقد تفارقها وأنت مودّع واهتم للسّفر القريب فإنه ... أنأى منَ السَّفر البعيد وأشنعُ واجعل تزودُّدك المخافة والتُّقى ... فلعلّ حتفك في مسائك أسرعُ واقنع بقوتك فالقناع هو الغنى ... والفقر مقرون بمن لا يقنع وأحذر مصاحبة اللئام فإنهم ... منعوك صفو ودادهم وتصنّعوا أهلُ المودّة ما أنلتهمُ الرَّضا ... وإذا منّعت فسمُّهم لك منقّع لا تفش سراً ما استطعت إلى امرئ ... يفشى إليك سرائراً يستودع فكما تراه بسّرٍ غيرك صانعاً ... فكذا بسرّك لا محالة يصنع لا تبدأن بمنطق في مجلس ... قبل السُّؤال فإن ذلك يشنع فالصمت يحسنُ كل ظنّ بالفتى ... ولعلهُ خرقٌ سفيهٌ أرقع ودع المزاحَ قربَّ لفظةِ مازحٍ ... جلبت إليك بلابلاً لا تدفع وحفاظَ جارٍ لا تضعهُ فإنه ... لا يبلغُ الشرفَ الجسيمَ مضيّع

стр. 632

وإذا استقالك ذو الإساءةِ عثرةً ... فأقلهُ إن ثواب ذلك أوسع وإذا ائتمنت على السّرائر فاخفها ... واستر عيوب أخيك حين تطلَّع لا يجزَعنَّ الحوادث إنما ... خرقُ الرّجال عن الحوادث يجزع وأطعْ أباك بكل ما أوصى به ... إن المطيع أباه لا يتضعضعُ وقال أيضاً صن النّفس واحملها على ما يزينها ... تعشْ سالماً والقول فيك جميلُ ولا تريَّن الناسَ إلا تجملاً ... نبا بك دهرٌ أو جفاك خليل وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غدٍ ... عسى نكبات الدّهر عنك تزول يعزُّ غنيُّ النّفس إن قلّ مالهُ ... ويفنى غنيُّ المال وهو ذليل ولا خير في وُدّ امرئٍ متلونٍ ... إذا الرّيح مالت مال حيث تميل جوادٌ إذا استغنيت عن أخذِ مالهِ ... وعند احتمال الفقر عنك بخيل فما أكثر الأخوان تعدُّهم ... ولكنّهم في النائباتِ قليل وقال عبد الله بن جعفر الطالبي المتوفى سنة ٨٠ ه ـ? إذا كنتَ في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسلْ حكيماً ولا توصهِ وإن بابُ أمرٍ عليك التوى ... فشاورْ لبيباً ولا تعصهِ وإن ناصحٌ منكَ يوماً دنا ... فلا تنأ عنهُ ولا تقصهِ ولا تذكر الدهرَ في مجلسٍ ... حديثاً إذا أنت لم تحصهِ ونص الحديث إلى أهلهِ ... فإن الأمانةَ في نصّه وكم من فتى عازبٍ لبهُ ... وقد تعجبُ العينُ من شخصهِ وآخرَ تحسبهُ أنوكاً ... ويأتيكَ بالأمرِ من فصهِ وقال أبو الأسود الدؤلي حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصومُ

стр. 633

وترى اللبيبَ محسداً لم يجترم ... شتمَ الرّجال وعرضهُ مشتوم وكذاكَ من عظمتْ عليه نعمةٌ ... حساده سيفٌ عليه صروم فاترك مجاراة السّفيه فإنها ... ندمٌ وغبٌّ بعد ذاك وخيم فإذا جريتَ مع السّفيه كما جرى ... فكلاَ كما في جرْيه مذموم وإذا عتبتَ على السّفيه ولمتهُ ... في مثل ما تأتي فأنت ظلوم أيها الرجلُ المعلّم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصفُ الدّواءَ وذي السّقام وذي الضّنى ... كيما يصحُّ به وأنت سقيم وأراك تصلحُ بالرّشاد عقولنا ... أبداً وأنت من الرّشاد عقيم لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيم فهناك يقبلُ ما وعظتَ ويقتدى ... بالعلم منك وينفع التّعليم لا تكلمنْ عرض بن عمّك ظالماً ... فإذا فعلتَ فعرضك المكلوم وحريمه أيضاً حريمك فاحمهِ ... كيلا يباع لديك منه حريم وإذا اقتصصت من ابن عمّك كلمةً ... فكلومهُ لك إن علقتَ كلوم وإذا طلبت إلى كريم حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتّسليم فإذا رآك مسلّماً ذكر الذي ... كلّمتهُ فكأنه ملزوم ورأى عواقب حمدِ ذاك وذمّه ... للمرء تبقى والعظام رميم فارجُ الكريم وإن رأيتَ جفاءه ... فالعتب منه والكريم كريم إن كنتَ مضطرّاً وإلا فاتخذْ ... نفقاً كأنك خائفٌ مهزوم واتركه واحذر أن تمرّ ببابه ... دهراً وعرضك إن فعلتَ سليم فالناس قد صاروا بهائم كلُّهم ... ومن البهائم قائلٌ وزعيم عميٌ وبكمٌ ليس يرجى نفعهم ... وزعيمهم في النّائبات مليم وإذا طلبتَ إلى لئيم حاجة ... فألحّ في رفقٍ وأنت مديم والزم قبالةَ بيته وفنائه ... بأشدّ ما لزمَ الغريَم غريمُ وعجبت للدّنيا ورغبة أهلها ... والرّزق فيما بينهم مقسوم والأحمق المرزوقُ أعجبُ من أرى ... من أهلها والعاقلُ المحروم ثم انقضى عجبي لعلمي أنّه ... رزقُ موافٍ وقتهُ معلوم وقال العباس بن مرداس المتوفى سنة ١٦ه ـ? ترى الرجلَ النّحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسدٌ مزيرُ ويعجبك الطّرير فتبتليه ... فيخلف ظنّك الرّجل الطرير فما عظمُ الرّجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرمٌ وخير بغاثُ الطّير أكثرها فراخاً ... وأم الصَّقر مقلاتٌ نزور ضعافُ الطّير أطولها جسوماً ... ولم تطل البزاة ولا الصُّقور لقد عظم البعير بغير لبّ ... فلم يستغن بالعظم البعير يصرّفه الصبيّ بكل وجهٍ ... ويحسبه على الخسف الجرير فإن أك في شراركم قليلاً ... فإني في خياركم كثير

стр. 634

وقال الإمام الشافعي ﵁ دع الأيّام تفعل ما تشاءُ ... وطب نفساً إذا حكم القضاءُ ولا تجزع لحادثة الليالي ... فما لحوادث الدنيا بقاء وكن رجلاً على الأهوال جلداً ... وشيمتك السماح والسّخاء يغطّى بالسّماحة كلّ عيب ... وكم عيب يغطّيه السّخاء ولا حزنٌ يدوم ولا سرور ... ولا بأسٌ عليك ولا رخاء ولا تريَ الأعادي قط ذلاًّ ... فإن شماتة الأعدا بلاء ولا ترجُ السّماحة من بخيل ... فما في النار للظّمآن ماء ورزقك ليس ينقصه التأنّي ... وليس يزيد في الرّزق العناء إذا ما كنت ذا قلب قنوع ... فأنتَ ومالكُ الدنيا سواء ومن نزلت بساحته المنايا ... فلا أرضٌ تقيهِ ولا سماء وأرض الله واسعة ولكن ... إذا نزل القضا ضاق الفضاء دع الأيام تغدر كلّ حين ... ولا يغني عن الموت الدواء وقال عبدة بن الطيب المتوفى سنة ٣٩ ه ـ? أبنيَّ إني قد كبرتُ ورابني ... بصري وفّي لمنظرٌ مستمتعُ أوصيكم بتقى الإله فإنّه ... يعطي الرغائب من يشاءُ ويمنع وببّر والدكم وطاعة أمره ... إن الأبرّ من البنين الأطوعُ إنّ الكبير إذا عصاهُ أهله ... ضاقت يداهُ بأمره ما يصنع ودعوا الضّغائن لا تكن من شأنكم ... إن الغضائن للقرابة توضع يزجي عقاربه ليبعث بينكم ... حرباً كما بعث العروقَ الأخدع إن الذين ترونكم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا وإذا مضيتُ إلى سبيلي فابعثوا ... رجلاً له قلب حديد أصمع

стр. 635

إنّ الحوادث تخترِمنَ وإنما ... عمر الفتى في أهله مستودع يسعى ويجمعُ جاهداً مستهتراً ... جدَّا وليس بآكل ما يجمع وقال قيس بن الخطيم المتوفي سنة ٦١٢ م من قصيدة وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاءُ وبعضُ خلائق الأقوام داءُ ... كداء البطن ليس له دواءُ يريدُ المرءُ أن يعطي مناهُ ... ويأبى الله إلا ما يشاءُ وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدّتها رخاءُ ولا يعطى الحريص غنى لحرص ... وقد يمنى على الجود الثَّراء غنيُّ النفس ما عمرتْ غنيٌّ ... وفقرُ النّفس ما عمرتْ شقاءُ وليس بنافع ذا البخل مالٌ ... ولا مزر بصاحبه السّخاء وبعض الدواء ملتمسٌ شفاءً ... وداءُ النوك ليس له إناء وبعض القول ليس له غناجٌ ... كمحضِ الماءِ ليس له إناء ولم أرى كامرئٍ يدنو لخسفٍ ... له في الأرض سيرٌ واستواء يصوغ لك اللسان على هواهُ ... ويفضحُ أكثر القيل البلاء ألا من مبلغ الشعراءِ عني ... فلا ظلم لديّ ولا ابتداء ولستُ بغائظِِ الأكفاء ظلماً ... وعندي للملمّاتِ اجتراء وقال صالح بن عيد القدوس المتوفى سنة ٨٥٥ ه ـ المرء يجمعُ والزّمان يفرقُ ... ويظل يرقع والخطوب تمزّقُ لأن يعادي عاقلاً خيٌر له ... من أن يكون له صديقٌ أحمق فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقاً ... إن الصّديق على الصّديق مصدق وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عقول ذي العقول المنطق ومن الرّجال إذا استوت أخلاقهم ... من يستشار إذا استشيَر فيطرق حتى يحلَّ بكل وادٍ قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق لا ألفينّك ثاوياً في غربةٍ ... إن الغريب بكل سهم يرشق ما النّاس إلا عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق والناس في طلب المعاش وإنما ... بالجدّ يرزق منهم من يرزق
следующие страницы →