← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

جمعاً بين النقيضين. وتسلسل هذه المعلولات من غير أن تنتهي إلى موجوداً بنفسه أعظم في الامتناع، لكن من توهم أنها موجودات متسلسلة التبس عليه المر، وتقدير كونها موجودات متسلسلة ممتنع في نفسه، بل هو جمع بين النقيضين، لأن التقدير انه ليس فيها ما يوجد بنفسه ولا يوجد إلا بموجد موجود، وإذا لم يكن فيها موجود بنفسه ولا موجد موجود امتنع أن يكون فيها إلا معدوم، فتقدير وجودها جمع بين النقيضين وبيان ذلك أن كلا منها هو مفتقر إلى موجد يوجده، فلا يوجد بنفسه، وعلته لم توجد بنفسها، فليس فيها موجود بنفسه، وليس هنا علة موجودة بنفسها ٠ فإذا قدر في كل منها أنه موجود بغيره، فذلك الغير هو بمنزلته أيضاً لا وجود له من نفسه، فليس هناك موجود يوجدها إلا ما يقدر منها، وكل منها إذا لم يكن له من نفسه وجود فأن لا يكون موجداً لغيره بطريق الأولى والأحرى، فلا له من نفسه وجود ولا إيجاد، وغيره من جنسه ليس له من نفسه وجود ولا إيجاد، فمن أين يكون لشيء منها وجود بلا وجود لنفسه ولا إيجاد؟ إذ الإيجاد فرع الوجود اعتراض الأبهري فاسد من وجوه قلت وهذا الاعتراض فاسد جداً وبيان فساده من وجوه:

стр. 1017

الوجه الأول: أن يقال: هو اعتراض على قولهم مجموع العلل الممكنة ممكن لافتقار المجموع إلى الآحاد الممكنة ولا يجوز أن يكون المؤثر في المجموع واحداً من العل الممكنة، لن ذلك لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل، فامتنع أن يكون مؤثراً في المجموع، فقال المعترض: إنما يلزم هذا أن لو كان علة المجموع علة لكل واحد من أجزائه فلم قلتم إنه كذلك؟ فيقال له أولاً: نحن لا نعني بالمجموع مجرد الهيئة الاجتماعية، بل نعني به كل واحد من الأفراد والهيئة الاجتماعية، وحينئذ فتكون علة المجموع علة كل واحد من أجزائه، وهذا معلوم بالضرورة، فإن المؤثر إذا كان مؤثراً في مجموع الآحاد مع الهيئة الاجتماعية فقد أثر في كل جزء من أجزائه، فإنه لو لم يؤثر في كل جزء من الجزاء لجاز انتفاء ذلك الجزء، وإذا انتفى المجموع، والتقدير أنه في المجموع بحيث جعل المجموع موجوداً، والمجموع هو الأفراد والهيئة الاجتماعية، فلو قدر انه غير موجود لزم الجمع بين النقيضين، وهو الممتنع وهذا الممتنع لزم من تقدير كونه مؤثراً في المجموع، بحيث جعل المجموع موجوداً مع تقدير عدم بعض أجزاء المجموع، فعلم أنه يستلزم من كونه أثر في المجموع وجود

стр. 1018

المجموع، ويلزم من وجود المجموع انه لا ينتفى شيء من أجزائه، فعلم أن ما استلزم ثبوت المجوع استلزم ثبوت كل من أجزائه، وإن لم يكن المستلزم علة فاعلة، فكيف إذا كان المستلزم على فاعلة؟ فتبين أن ثبوت العلة الفاعلة للمجوع يتضمن أن يكون علة لكل من أجزائه، ولو تخيل متخيل أن الواحد من الجملة علة لسائر الأجزاء، والأجزاء علة للمجموع، أو أنه علة للمجموع، والمجموع علة للآحاد، فيكون ذلك الواحد علة العلة. قلنا هذا لا يضر لأن العلة علة، وكما يمتنع في الواحد أن يكون علة علة نفسه، فيمتنع أن يكون علة نفسه بطريق الأولى، فلو كان بعض الأجزاء علة للمجموع، والمجموع علة لكل من الأجزاء أو بالعكس، لزم أن يكون ذلك الجزء علة علة نفسه، وعلة علل نفسه، وهو ما قبل ذلك الجزء من العلل التي قدر أنه لا نهاية لها وهذا بين لا يتصوره أحد إلا يعلم امتناعه بالبديهة، ومن نازع فيه كان إما لعدم تصوره له، وإما لعنادة وحينئذ فيكفي أن يقال: هذا معلوم بالبديهة، فالشبهة الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية فلا يستحق جواباً.

стр. 1019

الوجه الثاني أن يحل ما ذكره من المعارضة، وهي قوله: وهذا لأن الشيء جاز أن يكون علة للمجموع من حيث هو علة للمجموع من حيث هو مجموع، ولا يكون علة لكل واحد من أجزائه، فغن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات، وليس علة لكل واحد من أجزائه، لاستحالة كونه علة لنفسه. قلنا: لا نسلم أن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات، وإنما هو علة لبعض الموجودات وهي الممكنات، وأما الموجود الواجب بنفسه فلا علة له وهو من الموجودات، وإذا كانت الموجودات، وإذا كانت الموجودات منقسمة إلى واجب وممكن، والواجب علة للمكن، لم يكن الواجب علة لمجموع الموجودات، بل علة لبعضها، وبعضها لا علة له. فإن قيل: إنما قلنا الواجب للمجموع من حيث هو مجموع لا لكل واحد، فهو علة للهيئة الاجتماعية. قيل: أولا: لا نسلم أن المجموع له وجود يزيد على الآحاد ويقال: ثانياً إذا قدر أن المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية أمر مغاير للأفراد فالواحد من تلك الأفراد إذا كان علة للهيئة الاجتماعية فالعلة مغايرة للمعلول، ليست العلة بعض المعلول.

стр. 1020

وهذا بين إذا تصوره المتصور معلوم بالبديهة. ولكن لفظ المجموع فيه إجمال قد يعنى به الأفراد المجتمعة، وقد يعنى به اجتماعها، وقد يعنى به الأمران ومعلوم انه يمتنع أن يكون بعض الأفراد المجتمعة علة لكل من الأفراد المجتمعة وهذا هو المطلوب. وأما الاجتماع إذا قدر انه مغاير للأفراد فالواحد منها يكون علة لذلك الاجتماع المغاير لذلك المفرد وغيره، وإن أريد الأفراد والاجتماع كان الاجتماع جزءاً من أجزاء المجموع، فيكون الواحد من ذلك المجموع علة لسائر الأجزاء، وهذا ممكن فالواجب هو المبدع لسائر الموجودات، ومبدع للاجتماع الحاصل منها ومنه إذا قدر ذلك الاجتماع مغايراً للأفراد لكن ذلك الاجتماع هو من جملة سائر الموجودات. فإذا قيل: إنه مبدع لسائر الموجودات، دخل في ذلك كل ما سواه من الموجودات أعيانها وأعراضها، ودخل في ذلك الاجتماع الحاصل منه ومنها، وهو الهيئة الاجتماعية، إذا قدر أنها موجودة، فإن ذلك الاجتماع أمر مغاير للواجب بنفسه، فهو داخل في سائر الموجودات سواه، فهو من جملة مصنوعاته. ومما يوضح ذلك أن الاجتماع إذا قدر أمراً مغايراً للأفراد: أمراً يحدث بحدوث ما يحدث من الممكنات فكلما حدث ممكن كان له مع سائر الممكنات اجتماع وذلك الاجتماع حادث بحدوثه، فإذا قدر أن ما سوى الله حادث، فاجتماع وجود الحوادث مع وجود الله وهو أيضاً حادث وهو كمعية المخلوقات مع خالقها، وهذه المعية ونحوها هو مما يجوز حدوثه باتفاق العقلاء، بل هو متفقون على جواز حدوث النسب

стр. 1021

والإضافات بين الخالق والمخلوق، سواء قيل: إنها وجودية أو عدمية، ولو قدر أن من الممكنات ما هو قديم أزلي، كما يقوله من يقول بقدم شيء من العالم، فاجتماع ذلك الممكن مع ذلك الواجب معلول للواجب، والواجب ليس هو بعض ذلك الاجتماع بل هو بعض الأمور المجتمعة، وبعض الأمور المجتمعة إذا كان علة لسائر الأبعاض كان هذا ممكناً وذلك الاجتماع هو بعض آخر، فالواجب الذي هو بعض الأمور المجتمعة التي منها الاجتماع علة لسائر الأبعاض والاجتماع واحد منها، فليس في ذلك امتناع كون بعض الجملة علة لجميع أبعاض الجملة، وهذا هو المطلوب انتقاؤه، فتبين أن امتناع كون بعض الممكنات، فإن الأول يقتضى كونه علة لنفسه، وكون الممكن المفعول المصنوع مبدع نفسه ويخلقها أظهر امتناعاً من كونه يخلق غيره بعد وجوده. ولهذا قال تعالى ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ الطور ٣٥ فإنه من المعلوم في بدائه الفطر امتناع كونهم حدثوا من غير محدث وامتناع كونهم أحدثوا أنفسهم فعلم أن لهم محدثاً أحدثهم. الوجه الثالث لا نسلم أن المجموع المركب من الواجب والممكن يكون الواجب وحجه علة له، بل علته الأجزاء جميعها، وذلك لأن

стр. 1022

المجموع متوقف على كل من الأجزاء: الواجب والممكنات، فالمجموع من حيث هو مجموع توقفه على كل جزء كتوقفه على الجزء الآخر، إذ كان لا يوجد إلا بوجود كل من الأجزاء ثم إذا كان بعض الأجزاء علة لبعض، كان المجموع مفتقراً إلى الجزء الواجب، وإلى الجزء المفتقر إلى الجزء الواجب، ولا يلزم من ذلك أن يكون مجرد الواجب مقتضياً للمجموع بلا واسطة، بل لولا الجزء الآخر الممكن لما حصل المجموع ن فتبين أن الواجب لا يكون وحده علة للمجموع من حيث هو مجموع، وإنما يكون علة لسائر الأجزاء، وهو وسائر الأجزاء علة للمجموع. نعم يلزم أن يكون علة بنفسه للممكنات، وهو بتوسط الممكنات أو مع الممكنات علة للمجموع من حيث هو مجموع، ومثل هذا منتف في الأجزاء الممكنة فإنه لا يمكن أن يكون للمجموع لا بنفسه ولا بتوسط غيره. أما الأول فلأن الجزء الواجب إذا لم يكن وحده علة للمجموع، فالجزء الممكن أولى، ولأن المجموع متوقف على جميع الأجزاء فلا يستقل به واحد منها. وأما الثاني فلأن الممكن لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل، ولأن المجموع متوقف على جميع الأجزاء بالضرورة، فإن المعلول لا يكون علة علته وإذا امتنع كونه علة لنفسه ولسائر الأجزاء المتقدمة

стр. 1023

عليه لم يحصل به وحده هذه الأجزاء، والمجموع متوقف على هذه الأجزاء فلا يكون شيء من الأجزاء الممكنة علة للمجموع لا بنفسه ولا بتوسط معلولاته بخلاف الجزء الواجب فإنه إذا قيل عنه إنه علة لمجموع بنفسه وبتوسط معلولاته كان هذا المعنى ممتنعاً في الممكن فالمعنى الذي يمكن أن يجعل فيه الواجب علة للمجموع الذي هو واحد منه يمتنع مثله في الممكنات فلا يتصور أن يكون علة للمجموع الذي هو واحد منه وهذا يكشف ما في الاعتراض من التلبيس والغلط: الوجه الرابع أن يقال: لا نسلم أن الواجب علة للمجموع من حيث هو مجموع، بل الواجب علة للمكنات من الأجزاء والآحاد علة للمجموع، ومثل هذا لا يمكن أن يقال في مجموع العلل الممكنة ولا في مجموع الممكنات فإنه لا يمكن أن يكون شيء منها علة لسائر الأجزاء، إذ كل منها معلول لا يكون علة لنفسه ولا لعلله، وإذا كان كل من الأجزاء معلولاً والمجموع معلول الآحاد كان المجموع أولى بأن يكون معلولاً. الوجه الخامس أن يقال في إبطال هذا الاعتراض: نحن ذكرنا الحجة لإثبات أن يكون في الوجود واجب بنفسه، فإما أن يكون في الموجودات واجب بنفسه وإما أن لا يكون فإن كان فيها واجب بنفسه حصل المقصود وإن لم يكن فيها واجب بنفسه بطل الاعتراض.

стр. 1024

الوجه السادس أن يقال: الاعتراض مبناه على أن مجموع الموجودات له علة هو بعضهوهو الواجب فإن لم يكن في المجموع بعض واجب بطل الاعتراض وهذا الاعتراض مذكور على سبيل المعارضة لأنا قد ذكرنا انا نعلم بالضرورة أن مجموع العلل الممكنة إذا كان له علة كان علة لكل منها وأن العلم بذلك ضروري، وبيناه بياناً لا ريب فيه، وإذا تبين أن صحة الاعتراض مستلزمة لثبوت واجب الوجود، كان واجب الوجود ثابتاً على تقدير صحة الاعتراض وعلى تقدير فساده وإذا كان ثابتاً على التقديرين تقدير النفي وتقدير الإثبات، ثبت أنه ثابت فينفس الأمر وهو المطلوب وهذا بين لمن تأمله ولله الحمد. يمكن إيراد الجواب على وجوه الوجه الأول: أن يقال: أما أن يقدر ثبوت الواجب في نفسه، وإما أن يقدر انتفاؤه، فغن قدر ثبوته في نفس الأمر حصل المقصود وامتنع أن يكون في نفس الأمر ما ينفي وجوده وإن قدر انتقاؤه لزم بطلان الاعتراض المذكور على دليل ثبوته وإذا بطل الاعتراض كان الدليل المذكور على ثبوتهه سليماً عما يعارضه فيجب ثبوته مدلوله وهو الواجب الوجود فلزم ثبوت وجود سواء قدر المعترض ثبوته أو قدر انتفاءه وما

стр. 1025

لزم ثبوته على تقدير ثبوته وتقدير انتفائه كان ثابتاً في نفس الأمر قطعاً وهو المطلوب. فإن قيل: كيف يمكن تقدير ثبوته مع تقدير انتفائه وفي ذلك جمع بين النقيضين قيل: نعم هذا لأن تقدير انتفائه لما كان ممتنعاً في نفس الأمر جاز أن يلزمه ما هو ممتنع في نفس الأمر وهذا مما يقرر ثبوته. وأيضاً فإذا كان تقدير انتفائه يستلزم الجمع بين النقيضين كان تقديراً ممتنعاً في نفس الأمر، ويكون تقدير انتفائه ممتنعاً في نفس الأمر وإذا كان انتفاؤه ممتنعاً كان ثبوته واجباً وهو المطلوب. فإن قيل: إذا كان انتفاؤه ف ينفس الأمر ممتنعاً قطعاً وكان بطلان الاعرتاض معلقاً بانتفائه لم يلزمه بطلان الاعتراض وإذا صح الاعتراض بطل الدليل المذكور قلنا تقدير انتفائه هو جزء الدليل على بطلان الاعتراض ليس هو بطلان الاعتراض ومن المعلوم أن انتفاء الدليل لا يوجب انتفاء يدل عليه في نفس الأمر فغن الدليل لا يجب عكسه فلو كان انتفاؤه بس الأمر وحده دليلً على بطلان الاعتراض لم يلزم صحة الاعتراض بتقدير نقيض هذا الدليل فكيف إذا كان جزء دليل.

стр. 1026

فإن قيل بطلان جزء الدليل يوجب بطلان الدليل فيبطل ما ذكر من الدليل على فساد الاعتراض. قيل لفظ جزء الدليل مجمل، فإن أريد بالجزء قسم من القسام المقدرة كان هذا باطلاً فإنه لا يلزم من بطلان قسم في الأقسام المقدرة بطلان الدليل إذا كان غيره من الأقسام صحيحاً وإن أريد بجزء الدليل مقدمة من مدماته فهذا صحيح فإنه إذا بطلت مقدمة الدليل بطل لكن مقدمة الدليل هنا صحيحة فإنها تقسيم دائر بين النفي والإثبات ومن المعلوم أن التقسيم الدائر بين النقيضين يستلزم بطلان أحد القسمين في نفس الأمر ومقدمة الدليل ليست اجتماع النقيضين فإن هذا ممتنع وإنما هي صحة التقسيم إلى النفي والإثبات. والمقدمة الثانية حصول المطلوب على كل من التقديرين فإذا كان التقسيم دائراً بين النفي والإثبات والمطلوب حاصل على كل منهما ثبت حصوله في نفس الأمر وغن كان احد القسمين منتفياً في نفس الأمر فغن المطلوب حاصل على التقدير الآخر فلا يضر انتفاء هذا التقدير، وإنما ذكرت هذه التقديرات ليتبين أن ما ذكره المعترض لا يقدح في صحة الدليل المذكور على واجب الوجود بل الدليل صحيح على تقدير النقيضين وهذا من أحسن الدورات في النظر والمناظر لإبطال الاعتراضات الفاسدة بمنزلة عدو قدم يريد محاربة

стр. 1027

الحجيج وهناك عدة طرق يمكن أن ياتي من كل منها فإذا وكل بكل طريق طائفة ياخذونه كان من المعلوم أن الذي يصادفه طائفة ولكن إرسال تلك الطوائف ليعلم انه منع المحذور على كل تقدير إذ كان من الناس من هو خائف ان ياتي من طريقة فيرسل من يزيل خوفه ويوجب أمنه. الوجه الثاني ويمكن إيراد الجواب على وجه آخر. وهو ان يقال: إما أن يقدر فساد هذا الاعتراض في نفس الأمر، وإما أن يقدر صحته فإنه لا يخلو من أحدهما. وذلك أنه إما أن يكون مفسداً للدليل المذكور على بطلان تسلسل المؤثرات وإما أن لا يكون مبطلاً مفسداً فغن لم يكن مفسداً للدليل لفساده في نفسه ثبت صحة الدليل، وهو المطلوب وإن كان مفسداً للدليل فلا يفسده إلا إذا كان متوجهاً صحيحاً وإلا فالاعتراض الفاسد لا يفسد الدليل، وإذا كان متوجهاً صحيحاً لزم ثبوت واجب الوجود فإنه لا يصح إن لم يكن مجموع الموجودات فيها واجب وإذا صح أن فيها واجباً حصل المقصود، فيلزم ثبوت الموجود الواجب على تقدير صحته وفساده. الوجه الثالث ويمكن إيراد الجواب على صورة ثالثة، وهو أن يقال: إما أن يقدر أن في الموجودات ما هو واجب بنفسه وإما أن لا يكون فإن كان فيها

стр. 1028

واجب بنفسه حصل المقصود وإن لم يقدر أن فيها ما هو واجب لم يكن لها مجموع يكون جزء علة له، فبطل الاعتراض. وإذا بطل الاعتراض كان الدليل المذكور على واجب الوجود مستلزماً لمدلوله، وهو الموجود الواجب فيلزم ثبوت واجب الوجود. وأصل الغلط في هذا الاعتراض الذي يظهر به الفرق أن التقدير المستدل به قدر فيه أمور ليس فيها موجود بنفسه، بل كل منها مفتقر إلى غيره واجتماعها أيضاً مفتقر فليس هناك إلا فقير محتاج والتقدير المعترض به قدر أن موجوداً واجباً بنفسه معه ممكنات موجودة به ولكن المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية يفتقر إلى بعض الجملة وذلك البعض هو واجب بنفسه فهنا في الجملة واحد واجب بنفسه هو علة لسائر الأجزاء وللمجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية وتلك ليس فيها واجب بنفسه بل كل من الأجزاء والمجموع ممكن بنفسه فكيف يجعل افتقار هذا إلى خارج عنه كافتقار ذاك إلى خارج عنه والهندي لم يجب عنه.

стр. 1029

فإن قيل: فقد قدرتم عدم وجوب الوجود، فكيف يكون موجوداً بتقدير عدمه لما ذكرتم من الدليل؟ قلنا: لأن التقدير الممتنع قد يستلزم أمراً موجوداً واجباً وجائزا كما قد يستلزم أمراً ممتنعاً لأن التقدير هو شرط مستلزم للجزاء، والملزوم يلزم من تحققه تحقق اللازم ولا يلزم من انتقائه انتفاء اللازم. وهذا كما لو قيل: لو جاز أن يحث اجتماع الضدين لافتقر إلى محدث بل قد يكون اللازم ثابتا على تقدير النقيضين كوجود الخالق مع كل واحد من الملخوقات، فإنه موجود سواء كان موجوداً أو لم يكن. وحينئذ فيجوز أن يكون التقدير الممتنع، وهو تقدير عدم الواجب يستلزم وجوده، كما يكون التقدير الممكن، فإذا قدر عدمه لزم بطلان الاعتراض المذكور، وذلك يستلزم سلامة الدليل عن المعارض والدليل يستلزم وجوده. وأيضاً فإن تقدير عدمه تقدير ممتنع في نفس الأمر والتقدير الممتنع قد يستلزم أمراً ممتنعاً فاستلزم تقدير عدمه الجمع بين النقيضين وهو ثبوت وجوده مع ثبوت عدمه ن وهذا ممتنع فعلم أن تقدير عدمه ممتنع، وه المطلوب وعلم أنه لا بد من وجوده، وإن قدر في الأذهان عدم وجوده فتقدير عدمه في الأذهان لا يناقض وجوده في الخارج وقد ثبت وجوده فلا بد من وجوده على كل تقدير، وبهذا وغيره يظهر

стр. 1030

الجواب عن اعتراضه على سائر ما ذكروه من التقديرات في احتياج مجموع الممكنات إلى واجب خارج عنها. ونحن نبين ذلك: قوله: لا يقال بان مجموع تلك السلسة ممكن ن وكل ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجة عنه وذلك المجموع مفتقر إلى علة خارجة عنه لأنا نقول: لا تسلم أن كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة عنه فإن المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن وليس محتاجاً إلى علة خارجة عنه. والجواب عن هذا أن يقال: هو القائل: كل ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجة عنه قضية بديهية ضرورية بعد تصورها فإن المعنى بالممكن مالا يوجد بنفسه بل لا بد له من موجد مقتض سواء سمي فاعلاً أو علة فاعلة أو مؤثراً. وإذا كان كذلك فإذا كان المجموع ممكناً لا يوجد بنفسه لم يكن له بد من موجد يوجده وقد علم أن المجموع لا يوجد بنفسه بنفسه إذ لو كان كذلك لكان واجباً بنفسه. ومن المعلوم بالضرورة أن المجموع الذي هو الأفراد واجتماعها إذا لم يكن موجداً مقتضياً فبعض المجموع أولى أن لا يكون مقتضياً موجداً

стр. 1031

فإنه من المعلوم ببدائه العقول أن المجموع إذا لم يجز أن يكون موجداً ولا مقتضيا ولا فاعلاً ولا علة فاعلة فبعضه إولى أن لا يكون كذلك فإن المجموع يدخل فيه بعضه، فإذا كان بجميع أبعاضه لا يكفي في الاقتضاء والفعل والإيجاد فكيف يكفي بعضه في ذلك؟ وهذا دليل مستقل في هذا المقام وهو أن المجموع إذا لم يكن علة فاعلة بل هو معلول مفتقر فيعضه إولى أن لا يكون علة فاعلة، بل معلول مفتقر فعلم أن مجموع الممكنات إذا كان مفتقراً إلى المؤثر فكل من أبعاض المجموع إولى بالافتقار إلى المؤثر فتبين أن كل ممكن ومجموع الممكنات مفتقر إلى المؤثر، وهو المطلوب ولله الحمد والمنة. الرد على باقي الاعتراض وأما قول المعترض: لانسلم أن كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة عنه إن المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن وليس محتاجاً إلى علة خارجة عنه. الوجه الأول فيقال له: اولاً: منشأ هذه الشبهة أنلفظ المجموع فيه إجمال يراد به نفس الهيئة الاجتماعية ن ويراد به جميع الأفراد ويراد به المجموع، والمجموع المركب الذي هو كل واحد واحد من الأفراد لا يفتقر

стр. 1032

إلى الممكن فإن منها الواجب وهو لا يفتقر إلى الممكن ولكن الهيئة الاجتماعية إذا قدر أن لها تحققاً في الخارج فهي التي يقال: أنها متوقفة على الممكن. وحينئذ فيظهر الفرق بين مجموع الممكنات ومجموع الموجودات، فإن مجموع الممكنات هو نفس الهيئة الممكنة، وكل من الأفراد ممكن والمجموع المتوقف على الممكن أولى بالإمكان وأما مجموع الموجودات فليس كل منها ممكناً، بل منه الواجب، فليس المجموع ممكناً، بمعنى ان كل واحد منها ممكن، فظهر الفرق. وحينئذ فيقال له: هذا باطل من وجوه: أحدها: أن يقال: أنت قد قلت في الاعتراض على الدليل الأول: إن الواجب بذاته علة لمجموع الموجودات. وقلت هنا إن المجموع مفتقر إلى الممكن فإن كان معلول الواجب يجب استغناؤه عن الممكنات بطل اعتراضك الأول وصح الدليل الأول لأنه حينئذ لا يكون المجموع مستغنياً بالواجب، بل هو محتاج إلى الممكنات، فلا يكون الواجب علة للمجموع إلا مع اقتضائه لجميع الممكنات، ثم هو مع الممكنات إما المجموع وإما علة المجموع، ومثل هذا منتف في مجموع الممكنات فإن الواحد منها لا يجوز أن يكون علة لسائرها، إذ ليس علة لنفسه ولا لعلته وعلة علته، وإذا لم يكن في الممكنات إلا ما هو

стр. 1033

معلول لم يكن فيها ما يوجب سائرها، فلم يكن فيها ما يصلح أن يكون علة للمجموع بوجه من الوجوه. وإن قلت: إن معلول الواجب يجب استغناؤه عن الممكنات، سواء اقتضاه بوسط أو بغير وسط، وإنه لما كان الواجب مقتضياً للوسط كانت الحاجة في الحقيقة إلى الواجب والغنى به، إذ كان هو مبدع الممكنات التي هي لغيرها شروط أو وسائط أو علل أو ما قيل من الأمور. فيقال لك: على هذا التقدير فمجموع الموجودات التي فيها الواجب بنفسه ليس مفتقراً إلى شيء من الممكنات بل افتقاره إلى الواجب وحده، فبطل اعتراضك على هذا الدليل الثاني، وأي الدليلين صح حصل المقصود. وتلخيص هذا الجواب: أن مجموع الموجودات من حيث هو مجموع، إن قال هو معلول الواجب وحده او بوسط بحيث لا يقال مفتقر إلى غيره بطل هذا الاعتراض وهو كونه مفتقراً إلى الممكن. وإن قال: هو معلول الواجب، لكون الممكن من معلول الواجب وهو معلول الممكن والواجب كان هذا مفسداً لاعتراضه على الدليل الأول، لكون مجموع الممكنات لا يكون معلولاً لواحد منها بوجه من الوجوه.

стр. 1034

الوجه الثاني الوجه الثاني: أن يقال: قولك: لا نسلم أن كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة لأن المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن وليس محتاجاً إلى علة خارجة غلط. وذلك أن لفظ الممكن فيه إجمال قد يراد بالممكن ما ليس بممتنع فيكون الواجب بنفسه ممكناً. ويراد بالممكن ما ليس بموجود مع إمكان وجوده، فيكون ما وجد ليس بممكن بل واجب بغيره. ثم ما يقبل الوجود والعدم هو المحدث عند جمهور العقلاء، بل جميعهم، وبعضهم تناقض فجعله يعم المحدث والقديم الذي زعم أنه واجب بغيره. ويراد بالممكن ما ليس له من نفسه وجود، بل يكون قابلاً للعدم هو وكل جزء من أجزائه. وأنت قد سميت مجموع الموجود ممكناً ومرادك أن المجموع يقبل العدم ولا يقبله كل جزء من أجزائه. وهؤلاء الذين قالوا: إن مجموع الممكنات أو مجموع العلل الممكنة ممكن مرادهم أن كل ما كان لا يقبل الوجود بنفسه، بل يكون قابلاً للعدم بنفسه، وكل جزء من أجزائه قابل للعدم، يفتقر

стр. 1035

إلى علة خارجة عنه، وهذا هو المفهوم عند إطلاقهم من الممكن بنفسه المفتقر إلى علة خارجة، فإن الممكن بنفسه مالا يوجد بنفسه أي نفسه قابلة للعدم. وهذا لا يكون عند وجوب بعضها، فإن القابل للعدم حينئذ إنما هو بعض نفسه جملة نفسه، فغلطك أو تغليطك حصل مما في لفظ الممكن بنفسه من الإجمال. والأدلة العقلية إنما يعترض على معانيها، فإن كنت أوردت هذا سؤالاً لفظياً كان قليل الفائدة، وإن كان سؤالاً معنوياً كان باطلاً في نفسه. والقوم لما قالوا: الموجود إما أن يكون واجباً بنفسه، وإما أن يكون ممكناً بنفسه. جعلوا الوجود منحصراً في هذين القسمين، أي جعلوا كل واحد واحد من الموجودات منحصراً في هذين القسمين. وأما الجملة الجامعة لهذا وهذا، فهي جامعة للقسمين، ومرادهم بالممكن في أحد القسمين: ما يكون كل شيء منه لا يوجد إلا بشيء منفصل عنه ومرادهم بالواجب بنفسه مالا يفتقر إلى مباين له بوجه من الوجوه. ومن المعلوم أن الأول مفتقر إلى مقتض خارج عنه، وأن مجموع تلك الممكنات ممكن مفتقر إلى ما هو مفتقر إلى مقتض مباين له. والمفتقر إلى المفتقر المباين له اولى أن يكون مفتقراً إلى البماين، وأما

стр. 1036

الثاني فلا يجوز أن يكون مفتقراً إلى مباين له وأما افتقاره إلى نفسه أو جزئه، فهذا لا ينافي كونه غنياً عماً يباينه. وحينئذ فمجموع الموجودات التي بعضها واجب وبعضها ممكن ليس هو من الممكن بهذا التفسير، بل هو من الواجب لعدم افتقاره إلى مباين له. وإذا قيل: إن المجموع واجب بنفسه، لكونه واجباً بما هو واجب بنفسه، أو قيل: هو واجب بنفسه، وأريد بذلك أن فيه ما هو واجب بنفسه، وسائره مستغن بذلك الواجب بنفسه، فالمجموع واجب ببعضه، والواجب ببعضه يدخل بهذا الاعتبار في الواجب بنفسه تبين مغلطة المعترض. وقيل له: قولك: المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن. أتعني به انه مفتقر إلى أمر مباين، أم تعني به أنه مفتقر إلى بعضه. أما الأول فباطل. وأما الثاني فحق، ولكن إذا قيل: إن مجموع الممكنات التي كل منها مفتقر إلى مباين للمجموع هو أيضاً ممكن

стр. 1037

مفتقر إلى مباين لهذا المجموع، لم يعارض هذا المجموع الموجودات، فإن مجموع الموجودات لا يصح أن يكون ممكناً بمعنى أنه مفتقر إلى مباين له إذ ليس في أجزائه ما هو مفتقر إلى مباين للمجموع، فإذا كان هو متوقفاً على آحاده، وليس في آحاده ما هو متوقف على أمر مباين له، لم يجب أن يكون هو متوقفاً على أمر مباين له وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة أن مجموع الموجودات لا يتوقف على أمر مباين له، إذ المباين لمجموع الموجودات ليس بموجود، ومجموع الموجودات لا يكون معلولا لأمر غير موجود، بخلاف مجموع الممكنات، فإنه يكون معلولاً لأمر غير ممكن، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟ أم كيف يعارض هذا بهذا؟ إذا كان مجموع الموجودات لا يفتقر إلى أمر خارج عنها ليس بموجود، فكذلك يجوز أن يكون مجموع الممكنات لا يفتقر إلى أمر خارج عنها ليس بممكن؟ وهل هذا الإ بمنزلة من قال: إذا كان الموجودات لا تفتقر في وجودها إلى ما ليس بموجود، فمجموع المعدومات لا تفتقر في وجودها إلى ما ليس بمعدوم وهل هذا إلا مجرد مقايسة لفظية مع فرط التباين في المعنى؟ وهل يقول عاقل: إن الموجود الواجب بنفسه والموجود الذي

стр. 1038

وجب بغيره إذا لم يحتج إلى معدوم، فالمعدوم الذي لم يجب بنفسه ولا بغيره يكون موجوداً بأمر معدوم، والممكن ليس به من نفسه وجود، بل لا وجود له إلا من غيره سواء قيل: إن عدمه لا يفتقر إلى علة أو قيل: إن عدمه لعدم مقتضيه، فمجموع الممكنات التي ليس فيها ما وجوده بنفسه لا تكون إلا معدومة وكل منها لا يكون موجوداً إلا إذا كان وجوده بغيره سواء سمي هو معلولاً لغيره أو مفعولاً لغيره كيف تكون موجودة بغيرها؟ ونكتة هذا الجواب أن لفظ الممكن يراد به الممكن بالإمكان الذي توصف به الممكنات المفتقرة إلى مقتض مباين، فيلزم أن لا يكون لها ولا لشيء منها وجود بوجه من الوجوه إلا من المباين. وأما الإمكان الذي وصف به مجموع الموجودات، فمعناه أن ذلك المجموع لم يجب إلا بوجوب ما هو داخل فيه، فبعض ذلك المجموع واجب بنفسه، فلا يكون ذلك المجموع مفتقراً إلى مباين له. الوجه الثالث ويتضح هذا بالوجه الثالث: وهو أنا نقول ابتداء: كل موجود فإما أن يكون وجوده بامر مباين له، وإما أن لا يكون وجوده بأمر مباين له، وكل ما كان وجوده بامر مباين له لا يكون موجوداً إلا بوجود ما

стр. 1039

يباينه، ومجموع الممكنات لا توجد إلا بمباين لها فلا يوجد شيء منها إلا بمباين لها، وبعضها ليس بمباين لها فلا يوجد ببعضها بخلاف مجموع الموجودات فإنها لا تفتقر إلى مباين لها وإنما تفتقر إلى بعضها. وحينئذ فإذا صيغت الحجة هذه على هذا الوجه، تبين أنه لا بد من موجود مباين للممكنات خارج عنها، وهو المطلوب، وأن مجموع الموجودات لا بد لها من موجود هو بعهضا فوجد به مجموعها. وحينئذ فيلزم ثبوت واجب الوجود على التقديرين، فكان ما ذكروه من الاعتراض دليلاً على إثبات واجب الوجود لا على نفيه. فصل غلط المبتدعة في الله سبحانه على طرفي نقيض واعلم أن هؤلاء غلطوا في مسمى واجب الوجود وفيما يقتضيه الدليل من ذلك حتى صاروا في طرفي نقيض فتارة يثبتونه ويجزدونه عن الصفات حتى يجعلوه وجوداً مطلقاً ثم يقولون: هو الوجود الذي في الموجودات، فيجعلون وجود كل ممكن وحادث هو الوجود الواجب

стр. 1040

بنفسه، كما يفعل ذلك محققة صوفيتهم كابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني وأمثالهم. وتارة يشككون في نفس الوجود الواجب، ويقدرون أن يكون كل موجود ممكناً بنفسه لا فاعل له، وأن مجموع الوجود ليس فيه واجب بنفسه، بل هذا معلول مفعول وهذا معلول مفعلول، وليس في الوجود إلا ما هو معلول مفعول، فلا يكون في الوجود ما هو فاعل مستغن عن غيره فتارة يجعلون كل موجود واجباً بنفسه، وتارة يجعلون كل موجوزد ممكناً بنفسه. ومعلوم بضرورة العقل بطلان كل من القسمين، وأن من الموجودات ما هو حادث. كان تارة موجوداً وتارة معدوماً، وهذا لا يكون واجباً بنفسه، وهذا لا بد له من موجود واجب بنفسه. ومن غلطهم في مسمى واجب الوجود أنهم لم يعرفوا ما هو الذي قام عليه الدليل، وجوده مستفاداً من أمر مباين له، بل وجوده بنفسه، وكون وجوده بنفسه لا ينفي أن يكون موجوداً بنفسه، وأن يكون ما دخل في مسمى نفسه من صفاته لازماً له، فالدليل دل على أنه لا بد للممكنات من أمر خارج عنها يكون

стр. 1041

موجوداً بنفسه. فلا يكون وجوده بامر خارج عنه وحينئذ فاتصافه بصفاته، سواء سمي ذلك تركيباً او لم يسم، لا يمنعه ان يكون واجباً بنفسه ر يفتقر إلى أمر خارج عنه. ولهذا كانت صفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار، وإن لزم من ذلك تعدد مسمى واجب الوجود بهذا المعنى. بخلاف ما إذا عنى به أنه الموجود الفاعل للممكنات فإن هذا واحد سبحانه لا شريك له. وأما إذا عني به الموجود بنفسه القائم بنفسه. فالصفات اللازمة تكون ممكنة، لكن هذا يقتضي أن يكون في الممكنات ما هو قديم أزلي وهذا باطل كما قد بسطناه في موضع آخر. الوجه الثالث أن يقال: قولك: المجموع المركب من لاواجب والممكن ممكن ممنوع بان يقال ليس المجموع إلا الأفراد الموجودة في الخارج والمجموع هو جميع تلك الأفراد وتلك الأفراد بعضها واجب وبعضها ممكن، والجميع ليس هوصفة ثبوته قائمة بالأفراد، وإنما هو امر نسبي إضافي كالعدد والموجود في الخارج، فليست جملته غير آحاد المعنية ومعلوم أن الجملة ليست هي كل واحد من الآحاد بعينه لكن هي الآحاد جميعها فالآحاد.

стр. 1042

جميعها هي الجملة والمجموع وهذا لا حقيقة له غير الآحاد والآحاد بعهضا واجب وبعضها ممكن. يبين ذلك أنه قد قال بعد هذا: إن جملة الأمور التي يتوقف عليها الواجب والممكن ليس داخلاً في المجموع لتوقفه على كل جزء منها ولا خارجاً عنه فهي نفس المجموع. فإن قال: بل المجموع هو الهيئة الاجتماعية الحاصلة باجتماع الواجب والممكن وتلك ممكنة لتوقفها على غيرها. قيل: تلك النسبة ليست أعياناً قائمة بانفسها، ولا صفات ثبوتية بالأعيان، بل أمر نسبي إضافي، سواء كانت نسبة عدمية أو ثبوتيه إذا قيل: هي ممكنة لم يضر، فإن الواجب الذي هو واحد من المجموع موجب لسائر الممكنات، وتلك النسبة من الممكنات، ولا يكون جزء المجموع موجباً للمجموع، بمعنى انه موجب لكل واحد من الأفراد، فإن هذا يقتضي أن يكون موجباً لنفسه، وهو ممتنع، بل بمعنى انه موجب لما سواه وللهيئة الاجتماعية وهذا صحيح

стр. 1043

أو يقال: هو موجب لماسواه والهيئة الاجتماعية إن كانت ثبوتية فهي ممكنة من جملة الممكنات التي هي سواه وإن كانت عدمية فالأمر ظاهر الوجه الرابع أن يقال: مجموع الموجودات إما أن يكون فيها واجب بنفسه وإما أن لا يكون أي إما أن يقدر ذلك وإما أن لا يقدر. فإن قدر فيها واجب بنفسه وجوب الواجب بنفسه وهو المطلوب، وإن لم يقدر ذلك هذه الحجة، وقد تقدم تقرير هذا الكلام. الدليل الثالث على إبطال التسلسل وأما الدليل الثالث على إبطال التسلسل وهو قولهم: إن جملة ما يفتقر إليه المجموع: إما أن يكون نفس المجموع، أو داخلاً فيه أو خارجاً عنه. والأول محال، وإلا لكان الشيء علة نفسه. والثاني محال وإلا لكان بعض أجزائه كافياً في المجموع والثالث حق اعتراض الأبهري عليه فقد اعترض عليه بقوله: قلنا إن أردتم بجملة ما يفتقر إليه المجموع جملة الأمور التي يصدق على كل واحد منها انه مفتقر إليه، فلم قلتم بانه لا يجوز أن يكون هو نفس المجموع، والذي يدل عليه أن جملة الأمور التي يفتقر إليه الواجب والممكن ليس داخلاً في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجاً عنه، فهو نفس المجموع.

стр. 1044

وإن أردتم العلة الفاعلية فلم قلتم أنه يلزم أن يكون بعض الأجزاء كافياً في المجموع؟ الجواب عن هذا الاعتراض من وجوه الوجه الأول أن نقول: العلم بكون مجموع المعلولات الممكنة معلولاً ممكناً أمر معلوم بالأضطرار، فإن المجموع مفتقر إلى المعلولات الممكنة، والمفتقر إلى المعلول أولى أن يكون معلولاً، وحينئذ فما أورده من القدح في تلك الحجة لا يضر إذ كان قدحاً في الضروريات فهو من جنس شبه السوفسطائية. الوجه الثاني أن مجموع المعلولات الممكنة إما أن يكون واجباً بنفسه وإما أن يكون ممكناً وإذا كان ممكناً فالمقتضى له غما نفسه أو جزؤه أو أمر خارج عنه. أما كون مجموع المعلولات الممكنات واجباً بنفسه فهو معلوم الفساد بالضرورة، لأن المجموع غما كل واحد واحد من الأفراد، وغما الهيئة الاجتماعية، وإما مجموعهما، وكل من ذلك ممكن. فإذاً ليس الأفراد ممكنة وكل منها معلول ولو قدر مالا غاية له

стр. 1045

والمعلول من حيث هو معلول لا بد له من علة، فكل منها لا بد له من علة، وتعاقب معلولات لا تتناهى لا يمنع ان يكون كل منها محتاجاً إلى العلة، فإذا لم يكن ثم مجموع إلا هذه الآحاد التي كل منها معلول محتاج، لزم أن لا يكون في الوجود إلا ما هو معلول محتاج، ومن المعلول بالضرورة أن المعلول المحتاج لا يوجد بنفسه. فعلى هذا التقدير لا يكون في الوجود ما يوجد بنفسه، وما لا يوجد بنفسه لا يوجد إلا بموحد، والموجد إذا لم يكن موجوداً بنفسه كان مما لا يوجد بنفسه فلا يوجد فيلزم أن لا يوجد شيء، وقد وجدت الموجودات، فيلزم الجمع بين النقيضين: وهو أن لا يكون شيء من الموجودات موجوداً، إذا قدر انه ليس فيها شيء موجود بنفسه، وهي كلها موجودة، فلا بد من غير موجود بنفسه. فيكون الموجود موجوداً بنفسه، غير موجود بنفسه، وهو جمع بين النقيضين. الوجه الثالث أن يقال: أردنا بجملة ما يفتقر إليه المجموع العلة الفاعلة، فغن الكلام إنما هو في إثبات الفاعل لمجموع الممكنات، ليس هو فيما هو أعم من ذلك قوله: إن أردتم العلة الفاعلة التامة، فلم قلتم: إنه يستلزم أن يكون بعض الأجزاء كافياً في المجموع؟ فيقال: قلنا ذلك لأنه إذا وجدت العلة الفاعلة التامة لزم وجود المعلول، فإنه إنما نعني بالعلة مجموع ما يلزم من وجوده وجود المعلول، فغن الممكن لا يوجد حتى يحصل المرجح التام المستلزم لوجوده، فإذا

стр. 1046

كان الفاعل فاعلاً باختياره، فلا بد من القدرة التامة والإرادة الجازمة، فلا يحصل الممكن بدون ذلك، ومتى وجد ذلك وجب حصول المفعول الممكن، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ الله امتنع وجوده، فإن حصل للمكن المؤثر التام وجب وجوده بغيره، وإن لم يحصل امتنع وجوده لانتفاء المؤثر التام، فوجوده لا يحصل إلا بغيره. وأما عدمه فقد قيل: إنه أيضاً لا بد له من علة، وهو قول ابن سينا وأتباعه المتأخرين الذين يقولون: إن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح. وقيل: لا يحتاج عدمه إلى علة، وهو قول نظار السنة المشهورين كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وهو آخر قول الرازي فإنه يقول بقول هؤلاء تارة، وهؤلاء تارة، لكن هذا آخر قوليه. فإن العدم عندهم لا يفتقر إلى علة، وإذا قيل: عدم لعدم علته، فمعناه أن عدم علته مستلزم لعدمه، لا أنه هو الذي أوجب عدمه، بل إذا عدمت علته علمنا أنه معدوم فكان ذلك دليلاً على عدمه، لا أن أحد العدمين

стр. 1047

أوجب الآخر، فإن العدم لا تأثير له في شيء أصلاً، بل عدمه يستلزم عدمه علته، وعدم علته يستلزم عدمه من غير أن يكون أحد العدمين مؤثراً في الآخر. وأما وجوده فلا بد له من المؤثر التام، وإذا حصل المؤثر التام وجب وجوده، وإلا امتنع وجوده. ولهذا تنازع الناس في الممكن: هل من شرطه أن يكون معدوماً؟ فالذي عليه قدماء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه من المتقدمين والمتأخرين كأبن رشد وغيره حتى الفارابي معلمهم الثاني، فإن أرسطو معلمهم الأول. وحتى ابن سينا وأتباعه وافقوا هؤلاء أيضاً لكن تناقضوا وعليه جمهور نظار أهل الملل من المسلمين وغيرهم: أن من شرطه أن يكون معدوماً وأنه لا يعقل إلامكان فيما لم يكن معدوماً. وذهب ابن سينا وأتباعه إلى أن القديم الموجود بغيره يوصف بالإمكان وإن كان قديماً أزلياً لم يزل واجباً بغيره، لكنه قد صرح هو وأصحابه في غير موضع بنقيض ذلك كما قاله الجمهور، وقد ذكرت بعض ألفاظه في كتابه المسمى بالشفاء في غير هذا الموضع وأصحابه الفلاسفة المتبعين لأرسطو وأصحابه مع الجمهور أنكروا ذلك عليه وقالوا إنه خالف به سلفهم، كما خالف به جمهور النظار وخالف به ما ذكره هو مصرحاً به في غير موضع.

стр. 1048

وذلك لأن الممكن بنفسه هو الذي يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد، وذلك أنما يعقل فيما يكون معدوماً، ويمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد، بل يستمر عدمه. فأما ما لم يزل موجوداً بغيره فكيف يقال فيه إنه يمكن وجوده وعدمه؟ أو يقال فيه إنه يقبل الوجود والعدم؟ ومما يوضح ذلك أن القابل للموجود والعدم غما أن يكون هو الموجود في الخارج أو الماهية الموجودة في الخارج عند من يقول: الوجود زائد على الماهية أو ما ليس موجوداً في الخارج. فإن قيل بالأول فهو ممتنع، لأن ما كان موجوداً في الخارج أزلاً وأبداً: واجباً بغيره فإنه لا يقبل العدم أصلاً. فكيف يقال: إنه يقبل الوجود والعدم؟ وإن قيل أمر آخر، فذلك لا حقيقة له حتى يقبل وجوداً أو عدماً، لأن وجود كل شيء عين ماهيته في الخارج، ولكن الذهن قد يتصور ماهية غير الوجود الخارجي، فإذا اعتبرت الماهية في الذهن والوجود في الخارج أو

стр. 1049

بالعكس فاحدهما غير الآخر، وأما إذا اعتبر ما في الخارج فقط أو ما في الذهن فقط فليس هناك وجود وماهية زائدة ومن تصور هذا تصوراً تاماً لم ينازع فيه، وإنما ينازع من لم يميز بين الذهني والخارجي، واشتبه عليه أحدهما بالآخر، وأيضاً فلو قدر أن في الخارج ماهية ووجوداً لواجب قديم أزلي، فهذه كما يقوله كثير من المتكلمين: إن لواجب الوجود ماهية غير زائدة على وجوده، وحينئذ فمثل وجود هذه الماهية لا يقبل العدم كما أن وجود الماهية الواجبة بنفسها لا تقبل العدم. وإن قيل: نحن نريد بذلك أن ماهية الممكن الزائدة على وجوده القديم الأزلي كماهية الفلك هي من حيث هي هي مع قطع النظر عن وجودها وعدمها تقبل الوجود والعدم. قيل: إثبات هذه الماهية زائدة على الوجود باطل. كما قد بين في موضع آخر.

стр. 1050

وبتقدير التسليم فهذا كما يقدر أن وجود واجب الوجود زائد على ماهيته. ومعلوم أنه لا يستلزم ذلك كون ماهيته قابلة للعدم. ثم يقال: قول القائل: الماهية من حيث هي هي تقدير للماهية مجردة عن الوجو د والعدم، وهذا تقدير ممتنع في نفسه، فإن الماهية لو قدر تحققها فإما أن تكون موجودة أو معدومة، فلا يمكن تقديرها مجردة في الخارج حتى يقال: إن تلك الماهية تقبل الوجود معدومة، فلا يمكن تقديرها مجردة في الخارج حتى يقال: إن تلك الماهية تقبل الوجود والعدم. وأيضاً، فلو قيل: إنه يمكن تقديرها مجردة، فهذا إنما يمكن في الماهية إذا كانت يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن تكون معدومة. وأما ما كان الوجود لازماً لها قديماً ازلياً يمتنع عدمه، فكيف يتصور ان يقال: إن هذه الماهية تقبل العدم وهي لم تزل واجبة الوجود، فليس لها وقت من الأوقات تقبل فيه العدم، وإذا قدرت مجردة في الذهن فليست هذه المقدرة في الذهن هي الموجودة في الخارج المستلزمة للوجود القديم الأزلي. فإن قيل: هذا كما نقول في ماهية المحدث أنه يقبل الوجود والعدم. قيل: إن سلم لكم أن ماهية المحدث زائدة على وجودهما موافقتكم لسائر العقلاء على أنه يمتنع تحققها في الخارج إلا إذا كانت موجودة،

стр. 1051

وحين وجودها لا تكون معدومة، بمعنى كونها تقبل الوجود والعدم قيل أحد إمرين: إما ان يقال: الماهية المقدرة في الذهن يمكن أن تكون موجودة في الخارج، ويمكن أن تكون معدومة، وإما أن يقال: هذه الحقيقة يمكن أن تكون في الخارج معدومة، فإذا اخترنا من ذلك حال عدمها قيل: يمكن وجودها بعد العدم، وإن كان حين وجودها: قيل: يمكن عدمها بعد الوجود، ومثل هذا ممتنع في الماهية القديمة الازلية التي يجب وجودها ويمتنع عدمها، سواء قدر ان وجوبها بنفسها أو بغيرها كما أن صفات الرب عند من قال: ممكنة مع كونها قديمة أزلية واجبة بالذات، فإنها عندهم لا يمكن عدمها ولا تقبله، فإن ما وجب قدمه من الأمور الوجودية امتنع عدمه باتفاق العقلاء. فإن ما يجب قدمه لا يكون إلا واجباً بنفسه ولا بغيره ليس قديما باتفاق العقلاء.

стр. 1052

فإنه إذا قدر أنه ليس واجباً بنفسه فلا بد أن يكون من لوازم الواجب بنفسه، فإنه إذا لم يكن من لوازمه، بل جاز وجوده تارة وعدمه أخرى. لم يكن هناك موجب لذاته ولا ذاته واجبة بنفسها فامتنع قدمه. وإذا كان من لوازم الواجب بنفسه امتنع عدمه إلا إذا عدم الملزوم، فإن اللازم لا ينتفي إلا إذا انتفى الملزوم والملزوم الواجب بنفسه يمتنع عدمه فيمتنع عدم لازمه، وما امتنع عدمه لا يكون ممكن العدم. فإن قيل: فالممكنات التي هي محدثة هي واجبة بغيرها، إذا وجدت تجب بوجوب سببها. فما شاء الله كان وجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده. وهي ممتنعة حال عدمها. ومع هذا فهي تقبل الوجود والعدم، ولا يلزم من عدمها عدم الواجب. قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما أن تلك كانت معدومة تارة وموجودة أخرى فثبت قبولها للوجود والعدم، فلا يمكن أن يقال: إنها لا تقبل

стр. 1053

العدم بخلاف ما هو لم يعدم قط ولم يكن عدمه في وقت من الأوقات. الثاني: أن هذه لا يوجبها نفس الواجب إذا لو كان كذلك لكانت لازمة لذاته قديمة أزلية، بل إنما توجبها الذات مع ما يحدث من الشروط التي بها تم حصول المقتضى التام، فحينئذ ليست من لوازم الواجب بنفسه بل من لوازم مؤثرها التام، ومن جملة ذلك الأمور الحادثة التي هي شرط في حدوثها، وإذا عدمت فأنها تعدم لانتفاء بعض هذه الشروط الشروط الحادثة، أو لحدوث مانع ضاد وجودها، ومنع تمام علتها التامة فعدمت لعدم بعض الحوادث أو وجود بعض الحوادث، كما وجدت لحدوث بعض الحوادث.

стр. 1054

وقدم بعضها أيضا. فلهذا لم تكن من لوازم ذاته المجدة في الأزل. بخلاف ما كان من لوازم ذاته في الأزلية الواجبة الوجود، وعدمها ممتنع تحقق ذاته في الأزل بدونها فمتى قدر عدمه لزم عدم الذات الأزلية الواجبة الوجود ن وعدمها ممتنع، فعدم لازمها الأزلي ممتنع، فلا يكون لازمه الأزلي ممكنا ً البتة، بل لا يكون إلا واجباً قديماً أزلياً لا تقبل ذاته العدم. وهذا هو المطلوب. فقد تبين أن ما كان أزلياً فإنه واجب الوجود يمتنع عدمه لا يكون ممكناً البتة، وهذا مما اتفق عليه العقلاء أولوهم وأخرون. حتى أرسطو وجميع أتباعه الفلاسفة إلى الفارابي وغيره، وكذلك ابن سينا وأتباعه. لكن هؤلاء تناقضوا فوافقوا سلفهم والجمهور في موضع، وخالفوا العقلاء قاطبة مع مخالفتهم لأنفسهم في هذا الموضع. حيث قضوا بوجود موجود ممكن يقبل الوجود والعدم مع كونه قديماً أزلياً وأجباً، وإن قيل: هو واجب بغيره.

стр. 1055

ولهذا لا يوجد هذا القول عن أحد من عقلاء قبل هؤلاء، ولا نقله أهل المقالات عن احد من الطوائف. وإنما يوجد في كلام هؤلاء وأتباعهم وإذا عرف هذا فإن قال هؤلاء: نحن نريد به العدم الاستقبالي أي يقبل ان يعدم في المستقبل قيل فهذا يبطل قولكم. لأن ما كان واجباً بغيره أزلياً لم يقبل العدم لا في الماضي ولا في المستقبل. وكذلك هو عندكم أزلياً كان أبديا يمتنع عندكم عدمه. وإن قيل: نريد به أن ما تصور في الذهن يمكن وجوده في الخارج ويمكن أن لا يوجد. قيل: إذا كان أزلياً واجباً بغيره لم يمكن أن يقبل العدم بحال فلا يكون ممكناً، فالممكن لا يكون ممكنا إن لم يكن معدوماً في الماضي أو المستقبل. وإذا قيل: إن من الممكن يقبل الوجود والعدم لم نرد به انه يقبلهما على سبيل الجمع، فإن هذا جمع بين النقيضين بل المراد به أنه يقبل الوجود بدلاً عن العدم، والعدم بدلاً عن الوجود، فإذا كان معدوماً كان قابلاً لدوام العدم وقابلاً لحدوث الوجود، وإذا كان موجوداً قبل دوام الوجود، فإذا كان معدوما كان قابلاً لدوام العدم وقابلاً لحدوث الوجود، وإذا كان موجوداً قبل دوام الوجود وقبل حدوث العدم هذا إذا اعتبر حاله في الخارج وإن اعتبر حاله في الذهن فالمراد
следующие страницы →