← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الأعراض، وما كان مفتقراً إلى ممكن من الممكنات امتنع وجوبه بنفسه، فالمفتقر إلى كل واحد واحد من الممكنات ممكن بنفسه، ولا يوجد شيء مما هو ممكن بنفسه إلا بغيره، لم يوجد شيء من ذلك إلا بغيره، ويمتنع وجود الممكن بمجرد ممكن، فإن الممكن لا يوجد بنفسه، فلا يوجد به غيره بطريق الأولى وهو معنى قولهم: المعلق بالممكن أولى أن يكون ممكناً الوجه الثالث أن يقال: المجموع إما أن يكون مغايراً لكل واحد واحد، وإما أن لا يكون. فإن لم يكن مغايراً بطل هذا السؤال، ولم يكن هناك مجموع غير الآحاد الممكنة، وإن كان مغايراً لها فهو معلول لها، ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكناً. وهذا معنى قول ابن سينا إن الجملة إذا لم تقتض علة أصلاً، أي لم يستلزم علة تكون موجبة للجملة، كانت واجبة غير معلومة وكيف يتأتى هذا وإنما تجب بآحادها. يقول: هي لم تجب بنفسها، وإنما وجبت بآحادها، وما وجب بغيره لم يكن واجباً بنفسه. كلام الآمدي في خطبة أبكار الأفكار وإيضاح هذا بالكلام على عبارة الآمدي حيث قال هذا إشكال مشكل وربما يكون عند غيري حله مع أنه يعظم ما يتكلم فيه

стр. 982

من الكلام والفلسفة ويقول في خطبة كتابه أبكار الأفكار ما تقوله الفلاسفة من أنه لما كان كمال كل شيء وتمامه بحصول كمالاته الممكنة له، كان كمال النفس الإنسانية بحصول ما لها من الكمالات، وهي الإحاطة بالمعقولات، والعلم بالمجهولات، ولما كانت العلوم متكثرة، والمعارف متعددة، وكان الزمان لا يتسع لتحصيل جملتها، مع تقاصر الهمم وكثرة القواطع، كان الواجب السعي في تحصيل أكملها، والإحاطة بأفضلها، تقديماً لما هو الأهم فالأهم، وما الفائدة في معرفته أتم، ولا يخفى أن أولى ما تترامى إليه بالبصر أبصار البصائر

стр. 983

وتمتد نحوه أعناق الهمم والخواطر، ما كان موضوعه أجل الموضوعات وغايته أشرف الغايات، وإليه مرجع العلوم الدينية، ومستند النواميس الشرعية وبه صلاح العالم ونظامه، وحله وإبرامه والطرق الموصلة إليه يقينيات، والمسالك المرشدة نحوه قطعيات. وذلك هو العلم الملقب بعلم الكلام، الباحث في ذات واجب الوجود، وصفاته وأفعاله، ومتعلقاته، ولما كنا مع ذلك قد حققنا أصوله، ونقحنا فصوله، وأحطنا بمعانيه، وأوضحنا مبانيه، وأظهرنا أغواره، وكشفنا أسراره، وفزنا فيه بقصب سبق الأولين، وحزنا غايات أفكار المتقدمين والمتأخرين، واستنزعنا منه خلاصة الألباب وفصلنا القشر عن اللباب، سألني بعض الأصحاب

стр. 984

والفضلاء من الطلاب جمع كتاب حاو لمسائل الأصول جامع لأبكار أفكار العقول. وذكر تمام الكلام، فهو مع هذا الكلام، ومع ما في كلامه من ذكر مباحث أهل الفلسفة والكلام، يذكر مثل هذا السؤال المشكل الوارد على طريقة معرفة واجب الوجود، الذي لم يذكر طريقاً سواه، ويذكر أنه مشكل وليس عنده حله، ولكن من عدل عن الطرق الصحيحة الجلية، القطعية القريبة البينة، إلى طرق طويلة بعيدة، لم يؤمن عليه مثل هذا الانقطاع، كما قد نبه العلماء على ذلك غير مرة، وذكروا أن الطرق المبتدعة إما أن تكون مخطرة لطولها ودقتها وإما أن تكون فاسدة ولكن من سلك الطريق المخوقة، وكانت طريقاً صحيحة فإنه يرجى له الوصول إلى المطلوب. ولكن لما فعل هؤلاء ما فعلوا، وصاروا يعارضون بمضمون طرقهم

стр. 985

صحيح المنقول وصريح المعقول، ويدعون أن لا معرفة إلا من طريقهم، أولا يكون عالماً كاملاً إلا من عرف طريقهم احتيج إلى تبين ما فيها دفعاً لمن يحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض فساداً، وبياناً للطرق النافعة غير طريقهم، وبياناً لأن أهل العلم والإيمان عالمون بحقائق ما عندهم، ليسوا عاجزين عن ذلك، ولكن من كان قادراً على قطع الطريق، فترك ذلك إيماناً واحتساباً، وطلباً للعدل والحق، وجعل قوته في الجهاد في أعداء الله ورسوله، كان خيراً ممن جعل ما أوتيه من القوة فيما يشبه قطع الطريق ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون * وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين * مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون * أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد

стр. 986

وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين﴾ . البقرة ١١- ١٩ فإن الهدى الذي بعث الله به رسوله، لما كان فيه معنى الماء الذي يحصل به الحياة، ومعنى النور الذي يحصل به الإشراق، ذكر هذين المثلين، كما قال تعالى ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ الأنعام ١٢٢ وكما ضرب المثل بهذا وهذا في قوله تعالى ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ الرعد ١٧. وقال تعالى ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا * أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ النساء ٦٠ - ٦٣. ومن أعظم المصائب أن يصاب الإنسان فيما لا سعادة له ولا نجاة له

стр. 987

إلا به، ويصاب في الطريق الذي يقول إنه به يعرف ربه، ويرد عليه فيه إشكال لا ينحل له، مع أنه من أكبر رؤوس طوائف أهل الكلام والفلسفة، بل قد يقال: إنه لم يكن فيهم في وقته مثله. والمقصود هنا ذكر عبارته في الإشكال الذي أورده وهو قوله: ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها، وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير نهاية. الرد على الآمدي فيقال له: والأمور التي شملها وجوب أو إمكان أو امتناع أو غير ذلك، إن لم يكن هناك إلا مجرد شمول ذلك الوصف لها من غير أمر وجودي زائد على الآحاد، فليس اجتماعها زائداً على أفرادها، وإن كان هناك اجتماع خاص كالتأليف الخاص، فهذا التأليف والاجتماع الخاص زائد على الأفراد، وإذا كان كذلك فليس في مجرد تقدير ممكنات شملها الإمكان ما يقتضى أن يكون اشتراكها في ذلك قدراً زائداً على الآحاد، كما أن العشرة المطلقة ليست قدراً زائداً على آحاد العشرة. لكن نحن نذكر التقسيمات الممكنة التي تخطر بالبال، ليكون الدليل جامعاً، فنقول: إذا قال القائل في مثل المعلولات الممكنة:

стр. 988

الجملة معلولة بالآحاد. فيقال له: إما أن لا يكون هنا جملة غيرالآحاد، كما ليس للعشرة جملة غير آحاد العشرة، وإما أن تكون الجملة غير الآحاد، كالشكل المثلث، فإن اجتماع الإضلاع الثلاثة غير وجودها مفترقة، وكالعشرة المصفوفة فإن اصطفافها غير العشرة المطلقة فإن كان الأول فالجملة هي الآحاد المتعاقبة وكلها ممكن فالجملة كلها ممكنة. وإن كان الثاني فالجملة إما ان يراد بها الهيئة الاجتماعية دون أفرادها، وإما أن يراد بها الأفراد دون الاجتماع، وإما ان يراد بها الأمران، والأول هو الذي أراده بالسؤال. لكن ذكرنا كل ما يمكن أن يقال فإذا قال: الاجتماع ممكن، وترجحه بالآحاد المتعاقبة. قيل له: فيكون الاجتماع معلول الآحاد وموجبها ومقتضاها والآحاد ممكنة ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكناً، فيكون حينئذ كل من الآحاد ممكناً ونفس الجملة ممكنة، لكن هذا الممكن معلول تلك الممكنات، وقد علم أن الممكن لا يوجد بنفسه، فلا يكون شيء من تلك الآحاد موجوداً بنفسه، ولا الجملة موجودة بنفسها، فلا يكون

стр. 989

في جميع ما ذكر ما يوجد بنفسه، وما لا يوجد بنفسه إذا وجد ن فلا بد له من موجد. ومما يبين ذلك أن الجملة إذا قيل: هي ممكنة معلولة الآحاد المتعاقبة، كان هاك ممكن زيد على تلك الممكنات، فكان الممكنات التي هي معلولات متعاقبة زيدت معلولا آخر، ومعلوم أنها بزيادة معلول آخر تكون أحوج إلى الواجب منها لو لم تزد ذلك المعلول. ولو قيل: إنها زيدت علة ممكنة لم يغن عنها شيئاً فكيف إذا زيدت معلولا ممكناً. ومما يبين هذا أن الجملة قد تكون مقترنة وقد تكون متعاقبة فالمقترنة مثل اجتماع أعضاء الإنسان واجتماع أبعاض الجسم المركب سواء كان لها ترتيب وضعي كالجسم أو لم يكن كاجتماع الملائكة والناس والجن والبهائم وغير ذلك. وأما المتعاقبة فمثل تعاقب الحوادث كاليوم والأمس، والولد مع الولد ونحو ذلك. والجملة المقترنة أحق بالاجتماع مما تعاقبت أفرادها، فإن ما

стр. 990

تعاقبت أفراده قد يقال: إنه ليس بموجود، لأن الماضي معدوم والمستقبل معدوم، ولهذا جوز من جوز عدم التناهي في هذا دون ذاك، وفرق بين الماضي والمستقبل لأن الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل، وفرق قائل ثالث بين ماله اجتماع وترتيب كالجسم، وبين ما فقد أحدهما كالنفوس والحركات. وإذا كان كذلك فإذا قال اقائل: الجملة ممكنة وهي معلولة الآحاد، فلو كانت الجملة هنا مقترنة مجتمعة في زمان احد، لكان الأمر فيها أظهر من المتعاقبة التي لا اقتران لآحادها، ولا أجتماع لها في زمن واحد، والعل والمعلولات لا تكون إلا مجتمعة، لا تكون متعاقبة. لكن المقصود أن ما يذكره يشمل القسمين فلو قدر أنها متعاقبة لكان ذلك يشملها. والآمدي جعل العمدة في نفي تناهي العلل والمعلولات على أنه قال: والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية، وكل واحد منها ممكن على ما وقع به الغرض فهي غما متعاقبة

стр. 991

وإما معاً، فإن قيل بالأول فقد أبطل بثلاثة اوجه ثم زيفها وقال والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة فكل واحد منها حادث لا محالة، وعند ذلك فلا يخلو ما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل، أولا وجود لشيء منها في الأزل فإن كان الأول فهو ممتنع، لأن الأزلي لا يكون مسبوقاً بالعدم والحادث مسبوق بالعدم وإن كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ضرورة أن لا شيء منها في الأزل ويلزم من ذلك أن يكون لها ابتداء ونهاية وماله ابتداء ونهاية فهو متوقف على سبق غيره عليه، وأما أن كانت العلل والمعلولات المفروضة موجودة معاً. ثم ساق الدليل كما حكيناه عنه، وهذه التقاسيم والتطويل لا يحتاج إليها، وهي باطلة في نفسها ن فزاد في الدليل مايستغنى عنه ويكون توقف الدليل عليه مبطلاً له، إذا لم يبطل إلا بما ذكره. وهذا كثيراً ما يقع في كلام أهل الكلام المذموم، يطولون في الحدود

стр. 992

والأدلة بما لا يحتاج التعريف والبيان إليه ثم يكون ما طولوا به مانعاً من التعريف والبيان، فيكونون مثل من يريد الحج من الشام فيذهب إلى الهند ليحج من هناك فينقطع عليه الطريق فلم يصل إلى مكة. وجوه الرد على الآمدي الأول أن يقال: ما ذكره من الدليل على امتناع علل ومعلولات مجتمعة، يتناول العلل والمعلولات مطلقاً سواء كانت متعاقبة، أو لم تكن. وإذا كان دليل الامتناع يعم القسمين، فلا حاجة إلى التقسيم ولكن زيادة هذا القسم كزيادة القسم فيما ذكره بعد ذلك، حيث قال وإن كانت العلل والمعلولات معاً، فالنظر إلى الجملة غير النظر إلى كل من الآحاد وحينئذ فالجملة إما أن تكون واجبة، وأما أن تكون ممكنة وهذا لا يحتاج إليه أيضاً. فإن قد ذكر أن الآحاد ممكنة مفتقرة إلى الواجب فبتقدير أن لا تكون الجملة زائدة على الآحاد يكون الأمر أقرب.

стр. 993

وهو بعد هذا قد أورد انه لا يلزم من كون الأفراد ممكنة كون الجملة ممكنة، وأجاب عن ذلك بأن هذا ساقط. وهذا السؤال والجواب كاف عن ذلك التطويل، بزيادة قسم لا يحتاج إليه لكن هذا القسم وإن لم يحتج إليه فإنه لم يضره بخلاف ما ذكره من زيادة تعاقب العلل، فغنه زيادة أفسد بها دليله، مع استغناء الدليل عنها. الثاني وذلك يظهر بالوجه الثاني: وهو انه قال لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة فكل واحد منها حادث لا محالة فيلزم أن تكون الأولى حادثة، او تكون كلها حادثة مسبوقة بالعدم، وهذا قد استدل به طائفة من أهل الكلام على امتناع حوادث لا تتناهى. وقد تقدم الاعتراض عليه، وبين الفرق بين ما هو حادث بالنوع وحادث بالشخص وأن ما كان لم تزل آحاد متعاقبة. كان كل منها بمنزلة الآخر، وكل منها مسبوق بالعدم، وليس النوع مسبوقاً بالعدم. وقول القائل الأزلي لا يكون مسبوقاً بالعدم. لفظ مجمل فإن أراد به أن الواحد الذي هو بعينه أزلي لا يكون مسبوقاً

стр. 994

بالعدم، فهذا صحيخح وليس الكلام فيه. وإن أراد أن النوع الأزلي الذي لم يزل ولا يزال، ولا يكون مسبوقاً بالعدم فهذا محل النزاع. فقد صادر على المطلوب بتغيير العبارة وكأنه قال لا يمكن دوام الحوادث كما لو قال الأبدي لا يكون منقطعاً وكل من أفراد المستقبلات منقطع فلا تكون المستقبلات أبدية. فيقال النوع هو الأبدي ليس كل واحد أبدياً كذلك يقال في الماضي وهذا الكلام قد بسط في غير هذا الموضع. الثالث أن يقال: هذه المقدمة فيها نزاع مشهور بين العقلاء ولعل أكثر الأمم من أهل الملل والفلاسفة ينازع فيها وأما وجود علل ومعلولات لا نهاية لها فلم يتنازع فيها أحد من العقلاء المعروفين. فلو قدر أن تلك المقدمة المتنازع فيها صحيحة لكان تقدير المقدمة المجمع عليها بمقدمة متنازع فيها خلاف ما ينبغي في التعليم والبيان والاستدلال، لا سيما وليست أوضح منها، ولا لها دليل يخصها فإنه ربما ذكرت المقدمة المتنازع فيها لاختصاصها بدليل أو وضوح ونحو ذلك وأما بدون ذلك فهو خلاف الصواب في الاستدلال.

стр. 995

الرباع أن الغزالي سلك مسلكاً في تعجيز الفلاسفة عن إثبات الصانع، بان قال دليلكم مبني على نفي التناهي عن العلل والمعلولات قال وأنتم لا يمكنكم ذلك، مع إثباتكم حوادث لا تتناهى، فإن ما تذكرونه من دليل نفي النهاية في العلل يلزم مثله في الحوادث وما تذكرونه مما يسوغ وجود حوادث لا تتناهى يلزمكم نظيره في العلل. وهذا الذي قاله وإن كان قد استدركه من استدركه عليه، لكن هو أجود مما فعله الآمدي فإن مقصوده إلزامهم أحد امرين إما عدم إثبات الواجب وإما الإقرار بحدوث العالم وبين أن إثبات الصانع معلوم بإثبات الحوادث، وأن افتقار المحدث إلى المحدث أمر ضروري فهذا خير من أن يجعل إثبات الصانع موقوفاً على تقسيمها إلى التعاقب والاقتران وإن العلل المتعاقبة لا يمكن إبطالها إلا بالتسوية بين امتناع كون الحادث المعين دائماً لم يزل، وكون نوع الحوادث دائماً لم يزل، فإن هذا فيه من التطويل ووقف العلم بالصانع على مثل هذه المقدمة ما لا يخفى. الخامس أن الدليل الذي ذكره غايته أن يثبت ان الحوادث

стр. 996

لها ابتداء، إذ لو كانت العلل متعاقبة محدثة، وللحوادث أول، لزم أن يكون للحادث أول. وهذا غايته أن يكون بمنزلة إثبات حدوث العالم. وهو وأمثاله مع كونهم يحتجون على حدوث العالم، فلم يقولوا: إن المحدث لا بد له من محدث، كما هو قول الجمهور، ولا أثبتوا ذلك بان الحدوث مخصص بوقت دون وقت فيفتقر إلى مخصص كما فعله كثير من أهل الكلام، بل ولا بان الممكن يفتقر إلى المرجح لوجوده بل قالوا المحدث ممكن والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح ثم أوردوا جواز التسلسل في العل لن وأجابوا عن ذلك. فإذا كان الجواب عن ذلك لا يتم إلا بإثبات حدوث العلل، كما، كان غايتهم أن يثبتوا افتقار الممكن إلى علة حادثة، فهم بعد ذلك إن قالوا: والمحدث لا بد له من محدث، كانوا قد قالوا حقاً، لكن طولوا بذكر تقسيمات لا فائدة فيها بل تضعف الدليل، وكانوا مستغنين عنها في الأول. وإن لم يقولوا: والمحدث لا بد له من محدث، لم يكن ما ذكروه نافعاً. فإن مجرد حدوث العلة، إن لم يستلزم وجود المحدث لم يثبت واجب الوجود.

стр. 997

فتبين أن ما سلكوه إما أن لا يفيد، أو يكون فيه من التطويل والتعقيد، قد يكون فيه منفعة لمن يسفسط ويعاند ولمن لاتنقاد نفسه إلا بمثل ذلك، كما قد نبهنا عليه في غير هذا الموضع. ومضمون ما ذكروه دور في الاستدلال فلا يكون استدلالاً صحيحاً، فإنه إذا قدر علل ومعلولات متعاقبة وأثبت امنتناع ذلك، لأن الحادث لا يكون أزلياً، لزم أن هذه العلل محدثة. فيقال له: فلم لا يجوز ان يكون استناد الممكنات إلى العلل محدثة، فلا بد أن يقول على طريقته: إن المحدث ممكن، والممكن يفتقر إلى علة، وعلته لا تكون محدثة فيكون حقيقة كلامه: المحدث يفتقر إلى محدث، لأن المحدث يفتقر إلى محدث، إذا كان حقيقة ما يقوله: إن المحدث لا بد له من علة لأنه ممكن فيفتقر إلى مرجح، ومرجحة لا يكون محدثاً لأن المحدث ممكن لا بد له من علة. وإن غير العبارة فقال: هذا الممكن لا بد له من علة والعلة لا تكون ممكنة، لأن الممكن لا بد له من علة كان قد قال: الممكن له علة لأن الممكن له علة وكل ذلك إثبات الشيء بنفسه.

стр. 998

والمقصود هنا أن ما ذكر من امتناع التسلسل في العل يشمل ما إذا قدرت متعاقبة كما إذا قدرت مقترنة، وأنه حينئذ يكون الاجتماع معلولاً لها، كان أولى أن يكون ممكناً لا يوجد بنفسه ولا يوجد ممكن بممكن لا موجد له، فإن مالم يوجد نفسه أولى أن لا يوجد غيره فإذا لم يكن في الآحاد ما يوجد نفسه كان أولى أن لا يوجد غيره لا الجملة ولا غيرها من الآحاد. يبين هذا ان الممكن لا يوجد بنفسه بل لا يوجد إلا بغيره فإذا قدر أن ثم ممكنات موجودة، سواء كانت عللاً أو لم تكن، وسواء كانت متناهية أو غير متناهية، لم يكن فيها شيء وجد بنفسه، فإذا كان المجموع لا يوجد إلا بها وليس فيها شيء موجود بنفسه، لم يكن في جميع ما ذكر ما يوجد بنفسه لا جملة ولا تفصيلا وإذا وجد مالا يوجد بنفسه لم يوجد إلا بغيره. ألا ترى أنه لو قال: الحوادث لا توجد بنفسها، لم يكن فرق بين الحوادث التي لها نهاية والتي لا نهاية لها بل كل من الحوادث التي لا تتناهى لا يوجد بنفسه بل لا بد له من محدث. والذهن إذا قدر ممكنات محصورة ومحدثات محصورة ليس لها

стр. 999

محدث ولا مبدع علم امتناع ذلك فإذا قدرها لاتتناهى، لم تكن هذه الحال توجب استغناءها عن المحدث المبدع، وتجعلها غنية عن مبدع خارج عنها بل كلما كثر ذلك كان أولى بالحاجة إلى المبدع، فما لا يوجد بنفسه إذا ضم إليه مالا يوجد بنفسه مرات متناهية أو غير متناهية، كان ذلك مثل ضم المعدومات بعضها إلى بعض، وذلك لا يغنى عنها شيئاً، بل المعدومات لا تفتقر حال عدمها إلى فاعل، وأما هذه التي لا بد لها من فاعل، إذا كثرت، كان احتياجها إلى الفاعل أوكد وأقوى، وتسلسل الممكنات لا يخرجها عن طبيعة الإمكان الموجب لفقرها إلى المبدع، كما أن طبيعة الحدوث لا تخرج المحدثات عن طبيعة الحدوث الموجبة لفقرها إلى الفاعل. ومن جوز تسلسل الحوادث، وقال: كل منها حادث والنوع ليس بحادث، لا يمكنه أن يقول: كل من الممكنات ممكن، والجملة ليست ممكنة، كما لا يمكنه أن يقول: كل من الموجودات موجود، والجملة ليست موجودة، ولا يقول: كل من الممتنعات ممتنع والجملة ليست ممتنعة، بل الامتناع لجملة الممتنعات إولى منه لآحادها، وكذلك الإمكان لجملة الممكنات أولى منه لآحادها، والفقر إلى الصانع الذي يستلزمه الإمكان لجملة الممكنات أولى منه لآحادها، وأما الوجود لجملة الموجودات فليس هو اولى منه لآحادها.

стр. 1000

وإن قيل: هو واجب للجملة، وذلك أن جملة الموجودات موقوفة على وجود كل منها، بخلاف وجود الواحد منها، فإنها لا تتوقف على وجود الجملة. وأما الممتنعات فامتناع جملتها ليس موقوفاً على امتناع كل منها، بل كل منها ممتنع لذاته، فامتناع الجملة لذاتها أولى وأحرى، اللهم إلا ان يكون الامتناع مشروطاً بأفرادها، كالمتلازمين اللذين يمتنع وجود أحدهما دون الآخر، ولا يمتنع اجتماعهما. وكذلك الممكنات إذا كان كل منها ممكناً لذاته بحيث يفتقر إلى الفاعل ولا يوجد بنفسه فليس إمكان كل منها مشروطاً بالآخر ولا معلقاً به، ولا لإمكان هذا تأثير في إمكان هذا، كما في الامتناع، بخلاف الموجودات، فإنه قد يكون وجود أحد الأمرين إما مشروطاً وإما علة للآخر. بخلاف ما إذا قدر موجودات واجبة بأنفسها، فإنه حينئذ لا يكون وجود بعضها موقوفاً على وجود البعض، وأما ما هو ممكن بنفسه أو ممتنع بنفسه، فليس إمكانه وامتناعه مشروطاً بغيره، بل نفس تصور حقيقتة يوجب العلم بامتناعه وإمكانه. وحينئذ فكلما كثر أفراد هذه الحقيقة كان العلم بامتناعها أو إمكانها

стр. 1001

أكثر، والعلم بامتناع الجملة أو إمكانها أولى وأحرى ولو قدرنا واجبات بأنفسها غنية عن الغير، بحيث لا يكون بعضها شرطاً في البعض، لكانت الجملة واجبة، ولم يكن وجوبها بدون وجوب الآحاد، وامتنع أن يقال: الجملة ممتنعة أو ممكنة مع وجوب كل من الآحاد بنفسه وجوباً لا يقف فيه على غيره. فتبين أنه إذا كان من الأمور ما هو ممكن في نفسه، لا يقف إمكانه على غيره، ومعنى إمكانه أنه لا يستحق بنفسه وجوداً ويمتنع وجوده بنفسه، وهو بالنظر إلى نفسه فقير محض، أي الفقر الذاتي الذي يمتنع معه غناه بنفسه، وسواء قلنا: إن عدمه لا يفتقر إلى مرجح أو قلنا إن عدمه لعدم المرجح، وقدرنا عدم المرجح، فهو في الموضعين لا يستحق إلا العدم، لا يستحق وجوداً أصلاً. فكثرة مثل هذا، وتقدير مالا يتناهى من هذا الضرب، لا يقتضي حصول وجود له، أو غني في وجوده عن غيره، ولا وجود بعض هذه الأمور ببعض، فإن كثرة هذه الأمور التي لا تستحق إلا العدم توجب كثرة استحقاقها للعدم، وكثرة افتقارها إلى موجد يكون موجوداً بنفسه. فإذا قدر أمور لا نهاية لها، ليس فيها شيء يستحق الوجود، كان قول القائل: إن بعضها يوجد بعضاً، في غاية الجهل. فإن مالا يستحق في نفسه أن يكون موجوداً، كيف يستحق أن يكون موجوداً

стр. 1002

لغيره وكيف وكيف يكون وجوده ما هو مساو له في أنه لا يستحق الوجود. يبين هذا أنه إذا كان هذا لا يستحق الوجود، وهذا لا يستحق الوجود، لم يكن جعل هذا علة والآخر معلولاً باولى من العكس، فإن شرط الفاعل أن يكون موجوداً، فإذا لم يكن موجوداً امتنع أن يكون فاعلاً وكل منهما لا يستحق أن يكون موجوداً فلا يكون فاعلاً. وإذا قال: إن أحد هذين وجد بالاخر فهذا إنما يعقل إذا كان الآخر موجوداً، وذاك الآخر لا يكون موجوداً بنفسه، لا يكون موجوداً إلا بغيره، وذلك الغير الذي يفتقر إليه الممكن، ليس هو أي غير كان، بل لا بد من غير يحصل به وجوده، ووجوده بحيث يستغنى به عما سواه، فلذلك الغير الذي يفتقر إليه الممكن، من شرطه أن يكون مستقلا بإبداع الممكن لا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه فمتى قدر أنه محتاج إلى غيره، كان الممكن محتاجاً إلى هذا الغير وإلى هذا الغير، فلا يحصل وجوده بأحد الغيرين، بل لا بد منهما وكذلك لو قدر من الأغيار ما يقدر، فلا بد أن يكون ما يفتقر إليه الممكن غير محتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، وليس الممكنات ما هو بهذا الشرط، بل كل منها يحتاج إلى غيره، فلو قدر أن الممكن يوجد بممكن إلى نهاية او غير نهاية، والجملة

стр. 1003

الممكنة توجد بالأفراد، لكان الغير الذي يفتقر إليه الممكن محتاجاً إلى غيره، مع أن كلا من المحتاجين لا يغني عن نفسه شيئاً أصلاً ألبتة. يزيد هذا إيضاحاً أن الممكن مع عدم المقتضى التام يكون ممتنعاً لا ممكناً وأعني بالمقتضى التام الذي يلزم من وجوده وجود المقتضى، لكن يكون ممتنعاً لغيره، فإذا كان كل من الممكنات له علة ممكنة، والعلة الممكنة ليست مقتضياً تاماً، فإنها لا توجد إلا بغيرها، إذ الممكن مفتقر إلى غيره، فوجوده مجرداً عن مقتضية تام، كان كل منها ممتنعاً، وتقدير ممتنعات لا نهاية لها يوجب قوة امتناعها، ويمتنع مع ذلك ان تكون جملتها ممكنة، فضلاً عن أن تكون واجبة. فتبين بذلك أن جملة العلل الممكنات التي لا تتناهى جملة ممتنعة، فامتنع أن يقال: هي موجودة معلولة للأفراد، لأن الممتنع لا يكون موجوداً لا معلولاً ولا غير معلول. يبين ذلك ان تقدير معلول لا علة له ممتنع، والممكن الموجود معلول لغيره، فإذا قدر علل ممكنة لا تتناهى كان كل منها معلولاً فقد قدر معلولات لا تتناهي. ومن المعلوم بالضرورة أن وجود معلولات لا تتناهى لا يقتضي استغناءها عن العلة. وإذا قيل: إن الجملة معلولة للآحاد فقد ضم معلول إلى معلولات لا تتناهى، وذلك لا يقتضي استغناءها عن العلة.

стр. 1004

فتبين أن من توهم كون العلل الممكنة التي لا تتناهى، التي هي معلولات لا تتناهى، يمكن أن يكون لها معلول لا يتانهى، فإنما قدر ثبوت معلولات لا تتناهى ليس فيها علة. وإذا كانت المعلولات المتناهية لا بد لها من علة، فالمعلولات التي لا تتناهى أولى بذلك، فإن طبيعة المعلول تستلزم الافتقار إلى العلة. وهذا يظهر باعتبار المعاني التي يوصف بها الممكن، فإنه قدر واحد من هذا النوع كان ذلك مستلزماً لعلته وموجبه وصانعه وفاعله ومبدعه، وإذاقدر اثنان كان الاستلزام أعظم وإذا قدر مالا يتناهى كان الاستلزام أعظم فإنه إذا كان الواحد منها بدون الواجب ممتنعاً فالاثنان ممتنع وممتنع وتقدير مالا يتناهى من هذا تقدير ممتنعات لا تتناهى. وإن قيل: إن وجود الواحد منها يستلزم وجود الواجب فتقدير

стр. 1005

اثنين أولى أن يستلزم وجود الصانع، ولو أمكن وجود مالا يتناهى من العلل الممكنة كان ذلك أعظم في امتناعها، فكيف بما يتناهى، كما يقدر من يقدر أن العقل أولى أبدع الثاني والثاني أبدع الثالث، وفلكه إلى العاشر المبدع لما تحت الفلك، وإذا قدر مالا يتناهى كان الاستلزام أعظم. فتبين أنه كلما كثرت الممكنات وتسلسلت كان ذلك أعظم في دلالتها على ثبوب الواجب واستلزامها له، والإنسان قد يتوهم إذا فرض علل هي معلولات لا تتنتهى، وتوهم أن العلة تكون وحدها مؤثرة في المعلول أو مقتضية له او موجبة فهذا ممتنع، فإن العلة إذا كانت معلولة لزم أنها لا تقوم بنفسها بل تفتقر إلى غيرها، فالنعلول المفتقر إليها مفتقر إلى علة علتها التي هي مفتقرة إليه، فيكون معلولها كما أنه مفتقر إليها مفتقر إلى كل ما هي مفتقرة إليه فإذا قدر من ذلك مالا يتناهى قدر انه محتاج إلى أمور لا تتناهى وليس فيها ما هو موجود بنفسه ولا غنى عن غيره.

стр. 1006

ومن المعلوم أنه كلما كثرت الأمور المشروطة في وجود الموجود كان وجوده موقوفاً عليها كلها، وكان أبعد عن الوجود من الموجود الذي لا يتوقف وجوده إلا على بعض تلك الأمور، فإذا كان الممكن لا يوجد بعلة واحدة ممكنة، بل يمتنع وجوده بها، فإذا كثرت العلل الممكنة التي يتوقف وجوده عليها، كان وجوده أعظم في الامتناع، وأبعد عن الجواز، وإذا كانت الممكنات قد وجدت فقد وجد قطعاً مقتض لها مستغن عن غيره وكلما تدبر المتدبر هذه المعاني أزداد لها تبيناً وعلم ان كل ما يقدر وجوده من الممكنات فإنه دال على الواجب الغني بنفسه عن كل ممكن مباين له. ومن العجب أن هؤلاء يذكرون في إثبات واجب الوجود من الشبهات ما يذكرون، وإن كانوا يجيبون عنها. ثم إذا أخذوا وجوده إما مبرهناً وإما مسلماً، وصفوة من الصفات السلبية بأمور لم يدل عليها ما دل على وجوده، بل يصفونه بما يمتنع معه وجوده، حتى يعلم أن ما وصفوا به واجب الوجود لا يكون إلا ممتنع الوجود، كما قد بسط في غير هذا الموضع ولا يذكرون من القوادح المعارضة لتلك الأسلوب بعض ما يذكرونه في إثبات وجوده وإن توهموا بطلانها، مع أن تلك المعارضات

стр. 1007

هي صحيحة قادحة فيما ينفى صفاته، بل الشيطان يلقى إليهم من الشبهات القادحة في الحق ما لو حصل لهم نظير من الأمور القادحة في الباطل لما اعتقدوه. فهذا كله إذا أريد بالجملة الاجتماع المغايرة لكل واحد واحد، وغن أريد بها كل واحد واحد كان الأمر أظهر وأبين فإن كل واحد واحد ممكن مفتقر إلى الفاعل، فإذا لم يكن هناك جملة غير الآحاد امتنع أن يكون هناك غير الآحاد الممكنة مما يوصف بوجوب أو إمكان وإن أريد بالجملة مجموع الأمرين الآحاد والاجتماع، كان الاجتماع جزءاً من أجزاء المجموع، فيكون هناك اجزاء متعاقبة، وجزء هو الاجتماع، وهذا الجزء يمتنع أن يكون واجباً بنفسه لأنه مفتقر إلى الممكنات، ولأنه عرض قائم بغيره، واحسن احواله ان يكون كالتأليف مع المؤلف، فإذا كان المؤلف ممكناً بنفسه فتأليفه أولى، بل قد يقال: ليس للجملة هنا أمر وجودي مغاير للأفراد المتعاقبة، وإنما لها أمر نسبي اعتباري، كالنسبة التي بين أفراد العشرة، وهذا وغيره مما يبين امتناع وجوبها بنفسها، فيبقى هذا الجزء ممكناً بنفسه فقيراً إلى غيره كسائر الأجزاء، فيكون حينئذ هناك كل منها محتاج إلى الموجد، فيحتاج كل منها إلى الموجد، والجملة هنا داخل في قولنا: كل منها، فإنه جزء من هذا الكل

стр. 1008

فتبين انه كيفما ادبر المر ليس في الممكنات المتعاقبة لا واجب بنفسه ولا بغيره، إلا أن يكون هناك واجب بنفسه خارج عن الممكنات إذا كان كل فرد فرد ممكناً والاجتماع أيضاً ممكن بطريق الولى والمران ممكنان بطريق الأولى والحرى وكل من الأفراد مستغن عن الهيئة الاجتماعية فإنه موجود بدونها، وما احتاج إلى الممكن المستغن عنه كان أحق بالإمكان وايضاح ذلك أنه إذا قدر كل موجود معلول مفعول مفتقر، وليس في الوجود إلا ما هو كذلك، كما إذا قدر ان الممكنات ليس لها مقتض واجب بنفسه، فإنه يكون المر كذلك وإن لم يجعل بعضها معلولاً لبعض، فهذا التقدير يقتضي أن لا يوجد شيء منها، لأنها لا توجد بانفسها، إذ التقدير كذلك، وما لم يكن موجوداً بنفسه فهو اولى ان لا يوجد غيره، فلا يكون شيء منها موجوداً بنفسه ولا موجوداً بغيره ومعلوم أن الموجود إما موجود بنفسه، وإما موجود بغيره، فإذا قدر انها موجودة، وقدر مع ذلك انها لا موجودة بأنفسها، ولا بموجد أوجدها لزم الجمع بين النقيضين، ولو قدر مع ذلك موجداً لغيره، والمعدوم لا يوجد غيره، فإذا لم يكن فيها ما هو موجود بنفسه لم يكن فيها ما هو

стр. 1009

موجد لغيره، وهذا أعظم امتناعاً من تقدير أفعال لا فاعل لها، وجوادث لا محدث لها فإن تلك يكون التقدير فيها انها وجدت بلأنفسها، والتقدير هنا لم توجد بأنفسها ولا هناك ما هو موجود بنفسه يوجدها، ولا هناك غير موجود يوجدها وإنما التقدير معلولات مفتقرات، والمعلول من حيث هو معلول، والمفتقر من حيث هو مفتقر ليس فيه ما يقتضي وجوده، وإذا لم يكن لها وجود، ولا لمقتضيها وجود، لزم انتفاء الوجود عنها كلها، وهذا مع كونها موجودة جمع بين النقيضين وهذا كلام محقق وتنبيه للإنسان بان يعلم أن مجرد تقدير معلولات ممكنة لا هي موجودة بنفسها ولا فيها علة موجودة بنفسه لا يقتضى وجود ذلك في الخارج فليس كل ما قدرته الذهان امكن وجوده في الأعيان لا سيما مع سلب الوجود عنها من نفسها ومن موجد يوجدها وإذا قدر ان المعلول الممكن له علة ممكنة فهي ايضاً معدومة من تلقاء نفسها، كما هي معدوم من تلقاء نفسه فليس فيما قدر قط شيء موجود فمن أين يحصل لها الوجود؟

стр. 1010

فصل: اعتراض الأبهري على حجة قطع التسلسل في العلل وقد أورد الأبهري ومن اتبعه على هذه الحجة المذكورة لقطع التسلسل في العلل اعتراضاً زعم انه يبين ضعفها، فقال في كلامه على ملخص الرازي وغيره قول القائل: مجموع تلك العلل الممكنة يحتاج إلى كل واحد منها الخ ٠ قلنا: لم لا يجوز أن يكون المؤثر في ذلك المجموع واحداً منها أما قوله بأن ذلك لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله فلا يكون علة للمجموع قلنا لا نسلم وإنما يلزم أن لو كان علة المجموع علة لكل واحد من أجزائه فلم قلتم إنه كذلك وهذا لن الشيء جاز ان يكون علة للمجموع من حيث هو مجموع فلا يكون علة لكل واحد من أجزائه، فإن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات وليس علة لكل واحد من أجزائه لاستحالة كونه علة لنفسه لا يقال بأن مجموع تلك العلل المتسلسلة ممكن وكل ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجية فذلك المجموع افتقر إلى علة خارجية عنه لنا نقول لا نسلم ان كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجية عنه فإن المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن، وليس مفتقراً إلى علة خارجية عنه لا يقال بأن المجموع المركب من آحاد كل واحد منها محتاج إلى علة خارجية لأنا

стр. 1011

نقول لا نسلم وإنما يكون كذلك أن لو لم يكن كل واحد منها معولاً لآخر إلى غير النهاية لا يقال إن جملة ما يفتقر إليه المجموع إما ان يكون نفس المجموع أو داخلاً فيه أو خارجاً عنه والأول محال وإلا لكان الشيء علة نفسه والثاني محال، وإلا لكان بعض الأجزاء كافياً في المجموع والثالث حق قلنا إن أردتم بجملة ما يفتقر إليه المجموع جملة الأمور التي يصدق على كل واحد منها انه مفتقر إليه، فلم قلتم بانه لا يجوز أن يكون هو نفس المجموع، والذي يدل عليه أن جملة المور التي يفتقر إليها الواجب والممكن ليس داخلاً في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجاً عنه فهو نفس المجموع وإن أردتم العلة الفاعلية فلم قلتم إنه يلزم أن يكون بعض الأجزاء كافياً في المجموع وإذا كان المجموع ممكناً في نفسه فهو مفتقر إلى غيره فما يفتقر إليه المجموع إما ان يكون هو المجموع أو داخلاً فيه أو خارجاً منه والأول محال وإلا لكان الشيء علة لنفسه والثاني محال وإلا لكان بعض الأجزاء كافياً في المجموع، لأن المجموع إذا كان ممكناً وإنما يفتقر إلى البعض، لزم أن يكون البعض هو المقتضي للمجموع، فيلزم أن يكون مقتضياً لنفسه ولعلته، وإن كان ما

стр. 1012

يفتقر إليه المجموع خارجاً عن المجموع فهو المطلوب وهذا التحرير يوجب أن يكون البعض علة فاعلة للمجموع، والعلة الفاعلة كافية للمجموع وقوله إن أردتم بجملة ما يفتقر إليه المجموع جملة المور التي يصدق على كل واحد منها انه مفتقر إليه فلم قلتم بانه لا يجوز أن يكون هو نفس المجموع الرد على الأبهري من وجوه فيقال له: لأن المجموع إن لم يكن زائداً على تلك الأمور التي كل منها معلول فليس هنا مجموع غير المعلولات، والمعلولات التي لا يوجد شيء منها بنفسه، بل لا بد له من موجد موجود إذا لم يكن فيها موجد موجود، وامتنع ان يكون مجموعها حتصلاً بمجموعها، وإن كان المجموع معلولاً لها فهو اولى بالافتقار، وهذا امر معلوم بالضرورة وما قدح فيه كان قدحاً في الضروريات فلا يسمع الوجه الثالث الجواب عن معارضته وهو قوله إن جملة الأمور التي يتوقف عليها الواجب والممكن ليس داخلاً في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجاً عنه فهو نفس المجموع وملخص هذا الكلام أن مجموع الموجودات ليس متوقفاً على بعض الأجزاء لتوقفه على الجميع، ولا متوقفاً على ما خرج عن المجموع، فالمجموع متوقف على المجموع

стр. 1013

فيقال له هذا يناقض ما ذكرته أولاً من ان المؤثر في مجموع الموجودات واحد منها، وزعمت أن هذا معارضة لقولهم مجموع الممكنات لا يجوز أن يكون المؤثر فيها واحداً وإذا كان هذا يناقض ذاك فإما ان تقول المؤثر في المجموع جزؤه او المؤثر فيه هو المجموع فإن قلت إنه جزؤه بطل هذا الاعتراض وسلم هذا الدليل الدال على امتناع معلولات ممكنة ليس لها علة واجبة، وبذلك يحصل المقصود من إثبات واجب الوجود ٠ وغن قلت إن المؤثر هو المجموع بطل اعتراضك على ذلك الدليل وسلم ذلك الدليل عن المعارضة، فحصل به المقصود الوجه الرابع أن يقال قولك جملة الأمور او مجموع المور الذي يفتقر إليه الواجب والممكن ليس داخلاً في المجموع يتضمن أن مجموع الموجودات يفتقر إلى أمر من المور وانت لم تذكر على ذلك دليلاً فلم قلت إن مجموع الموجودات يفتقر إلى أمر وأولئك إنما ادعوا ان مجموع الممكنات يفتقر إلى امر من المور وهذا معلوم بادلة متعددة، بل بلضرورة، وما ذكرته ليس بمعلوم الوجه الخامس أن يقال مجموع الموجود المتضمن للواجب

стр. 1014

لا يقبل العدم وما لا يقبل العدم فليس بممكن، وما ليس بممكن فهو واجب، فالمجموع حينئذ واجب وما كان واجباً لم يفتقر إلى أمر من الأمور وقولك إن المجموع مفتقر إلى المجموع هو معنى قول القائل إنه واجب بنفسه، فإن الواجب بنفسه لا يستغني عن نفسه، بل لا بد له من نفسه وإذا كنت قد أقررت انه واجب بنفسه بطل قولك إنه يفتقر إلى أمر وهذا بخلاف مجموع العلل الممكنة فإنه لا يمكن أن يكون واجباً بنفسه لأنه ليس فيها ما هو موجود بنفسه، وإذا لم يكن في المجموع ما هو موجود بنفسه كان امتناع المجموع أن يكون واجباً بنفسه أولى وأحرى وهذا السؤال الذي أورده هذا من جنس السؤال الذي أورده الآمدي بل هو هو ولعل احدهما اخذه من الآخر وهو أن تكون الجملة مترجحة بالآحاد وكل منها مترجح بالآخر إلى غير نهاية واجاب عنه الآمدي في أحد كتابيه وقال في الآخر إنه لا يعرف عنه جواباً وذكر عن قوم أنهم قالوا المجموع واجب بنفسه بهذا الاعتبار واستفسط هذا الاعتراض ومقصود الجميع أن مجموع المعلولات التي لا تتناهي لا تفتقر إلى شيء غير آحادها المتعاقبة وفساد هذا معلوم بالاضطرار بعد جودة التصور وإنما أشكل على من أشكل لعدم التصور التام فإنه إذا قال القائل علل

стр. 1015

لا تتناهى أو ممكنات لا تتناهى كل منها مترجح أو معلول بالآخر توهم الذهن أن هذا يتضمن تقدير موجودات في الخارج كل منها معلول الموجود الآخر وان الأمر هكذا إلى غير نهاية ولهذا أراد طائفة أن يبطلوا هذا التسلسل بجنس ما يبطلون به الآثار التي لا تنتهي كالحركات التي لا تتناهى، وهذا غلط، فإن المقدر هو أمور ليس فيها ما يوجد بنفسه بل لا يوجد إلا بعلة مباينة له موجودة وكلها بهذه المثابة إلى غير نهاية وهذا في الحقيقة تقدير معدومات بعضها علة لبعض في وجوده إلى غير نهاية من غير أن يوجد شيء منها وكما أن المعدوم إذا كان باطلاً وإن قدر وجوده مع ذلك كان جمعاً بين النقيضين وإذا كان تقدير معلول معدوم بعلة معدومة تقتضي وجوده ولم يوجد ممتنع في بديهة العقل من جهة انه لم يوجد ومن جهة أن علته ليست موجودة، فكثرة هذه العلل اولى بالامتناع، وتسلسلها إلى غير نهاية اعظم في الامتناع، فكذلك إذا قدر ما هو معلول ممكن لا يوجد إلا بموجد يوجده، وقدر انه ليس هناك موجود يوجده، فإن وجوده يكون ممتنعاً، فإن قدر موجوداً كان

стр. 1016

جمعاً بين النقيضين. وتسلسل هذه المعلولات من غير أن تنتهي إلى موجوداً بنفسه أعظم في الامتناع، لكن من توهم أنها موجودات متسلسلة التبس عليه المر، وتقدير كونها موجودات متسلسلة ممتنع في نفسه، بل هو جمع بين النقيضين، لأن التقدير انه ليس فيها ما يوجد بنفسه ولا يوجد إلا بموجد موجود، وإذا لم يكن فيها موجود بنفسه ولا موجد موجود امتنع أن يكون فيها إلا معدوم، فتقدير وجودها جمع بين النقيضين وبيان ذلك أن كلا منها هو مفتقر إلى موجد يوجده، فلا يوجد بنفسه، وعلته لم توجد بنفسها، فليس فيها موجود بنفسه، وليس هنا علة موجودة بنفسها ٠ فإذا قدر في كل منها أنه موجود بغيره، فذلك الغير هو بمنزلته أيضاً لا وجود له من نفسه، فليس هناك موجود يوجدها إلا ما يقدر منها، وكل منها إذا لم يكن له من نفسه وجود فأن لا يكون موجداً لغيره بطريق الأولى والأحرى، فلا له من نفسه وجود ولا إيجاد، وغيره من جنسه ليس له من نفسه وجود ولا إيجاد، فمن أين يكون لشيء منها وجود بلا وجود لنفسه ولا إيجاد؟ إذ الإيجاد فرع الوجود اعتراض الأبهري فاسد من وجوه قلت وهذا الاعتراض فاسد جداً وبيان فساده من وجوه:

стр. 1017

الوجه الأول: أن يقال: هو اعتراض على قولهم مجموع العلل الممكنة ممكن لافتقار المجموع إلى الآحاد الممكنة ولا يجوز أن يكون المؤثر في المجموع واحداً من العل الممكنة، لن ذلك لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل، فامتنع أن يكون مؤثراً في المجموع، فقال المعترض: إنما يلزم هذا أن لو كان علة المجموع علة لكل واحد من أجزائه فلم قلتم إنه كذلك؟ فيقال له أولاً: نحن لا نعني بالمجموع مجرد الهيئة الاجتماعية، بل نعني به كل واحد من الأفراد والهيئة الاجتماعية، وحينئذ فتكون علة المجموع علة كل واحد من أجزائه، وهذا معلوم بالضرورة، فإن المؤثر إذا كان مؤثراً في مجموع الآحاد مع الهيئة الاجتماعية فقد أثر في كل جزء من أجزائه، فإنه لو لم يؤثر في كل جزء من الجزاء لجاز انتفاء ذلك الجزء، وإذا انتفى المجموع، والتقدير أنه في المجموع بحيث جعل المجموع موجوداً، والمجموع هو الأفراد والهيئة الاجتماعية، فلو قدر انه غير موجود لزم الجمع بين النقيضين، وهو الممتنع وهذا الممتنع لزم من تقدير كونه مؤثراً في المجموع، بحيث جعل المجموع موجوداً مع تقدير عدم بعض أجزاء المجموع، فعلم أنه يستلزم من كونه أثر في المجموع وجود

стр. 1018

المجموع، ويلزم من وجود المجموع انه لا ينتفى شيء من أجزائه، فعلم أن ما استلزم ثبوت المجوع استلزم ثبوت كل من أجزائه، وإن لم يكن المستلزم علة فاعلة، فكيف إذا كان المستلزم على فاعلة؟ فتبين أن ثبوت العلة الفاعلة للمجوع يتضمن أن يكون علة لكل من أجزائه، ولو تخيل متخيل أن الواحد من الجملة علة لسائر الأجزاء، والأجزاء علة للمجموع، أو أنه علة للمجموع، والمجموع علة للآحاد، فيكون ذلك الواحد علة العلة. قلنا هذا لا يضر لأن العلة علة، وكما يمتنع في الواحد أن يكون علة علة نفسه، فيمتنع أن يكون علة نفسه بطريق الأولى، فلو كان بعض الأجزاء علة للمجموع، والمجموع علة لكل من الأجزاء أو بالعكس، لزم أن يكون ذلك الجزء علة علة نفسه، وعلة علل نفسه، وهو ما قبل ذلك الجزء من العلل التي قدر أنه لا نهاية لها وهذا بين لا يتصوره أحد إلا يعلم امتناعه بالبديهة، ومن نازع فيه كان إما لعدم تصوره له، وإما لعنادة وحينئذ فيكفي أن يقال: هذا معلوم بالبديهة، فالشبهة الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية فلا يستحق جواباً.

стр. 1019

الوجه الثاني أن يحل ما ذكره من المعارضة، وهي قوله: وهذا لأن الشيء جاز أن يكون علة للمجموع من حيث هو علة للمجموع من حيث هو مجموع، ولا يكون علة لكل واحد من أجزائه، فغن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات، وليس علة لكل واحد من أجزائه، لاستحالة كونه علة لنفسه. قلنا: لا نسلم أن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات، وإنما هو علة لبعض الموجودات وهي الممكنات، وأما الموجود الواجب بنفسه فلا علة له وهو من الموجودات، وإذا كانت الموجودات، وإذا كانت الموجودات منقسمة إلى واجب وممكن، والواجب علة للمكن، لم يكن الواجب علة لمجموع الموجودات، بل علة لبعضها، وبعضها لا علة له. فإن قيل: إنما قلنا الواجب للمجموع من حيث هو مجموع لا لكل واحد، فهو علة للهيئة الاجتماعية. قيل: أولا: لا نسلم أن المجموع له وجود يزيد على الآحاد ويقال: ثانياً إذا قدر أن المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية أمر مغاير للأفراد فالواحد من تلك الأفراد إذا كان علة للهيئة الاجتماعية فالعلة مغايرة للمعلول، ليست العلة بعض المعلول.

стр. 1020

وهذا بين إذا تصوره المتصور معلوم بالبديهة. ولكن لفظ المجموع فيه إجمال قد يعنى به الأفراد المجتمعة، وقد يعنى به اجتماعها، وقد يعنى به الأمران ومعلوم انه يمتنع أن يكون بعض الأفراد المجتمعة علة لكل من الأفراد المجتمعة وهذا هو المطلوب. وأما الاجتماع إذا قدر انه مغاير للأفراد فالواحد منها يكون علة لذلك الاجتماع المغاير لذلك المفرد وغيره، وإن أريد الأفراد والاجتماع كان الاجتماع جزءاً من أجزاء المجموع، فيكون الواحد من ذلك المجموع علة لسائر الأجزاء، وهذا ممكن فالواجب هو المبدع لسائر الموجودات، ومبدع للاجتماع الحاصل منها ومنه إذا قدر ذلك الاجتماع مغايراً للأفراد لكن ذلك الاجتماع هو من جملة سائر الموجودات. فإذا قيل: إنه مبدع لسائر الموجودات، دخل في ذلك كل ما سواه من الموجودات أعيانها وأعراضها، ودخل في ذلك الاجتماع الحاصل منه ومنها، وهو الهيئة الاجتماعية، إذا قدر أنها موجودة، فإن ذلك الاجتماع أمر مغاير للواجب بنفسه، فهو داخل في سائر الموجودات سواه، فهو من جملة مصنوعاته. ومما يوضح ذلك أن الاجتماع إذا قدر أمراً مغايراً للأفراد: أمراً يحدث بحدوث ما يحدث من الممكنات فكلما حدث ممكن كان له مع سائر الممكنات اجتماع وذلك الاجتماع حادث بحدوثه، فإذا قدر أن ما سوى الله حادث، فاجتماع وجود الحوادث مع وجود الله وهو أيضاً حادث وهو كمعية المخلوقات مع خالقها، وهذه المعية ونحوها هو مما يجوز حدوثه باتفاق العقلاء، بل هو متفقون على جواز حدوث النسب
следующие страницы →