Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
معدوماً في الأزل وعدمه صفة نقص فكان متصفاً بالنقص كان بمنزلة من يقول إنه لا يقدر أن يحدث الحوادث ولا يفعل ذلك لأنه لو قدر على ذلك وفعله لكان إحداثه للحادث الثاني معدوماً قبل إحداثه وذلك نقص فيكون متصفاً بالنقص.
فيقال: أنت وصفته بالكمال عن النقص، حذراً من أن تصفه بما هو عندك نوع نقص، فإن من لا يفعل قط، ولا يقدر أن يفعل، هو أعظم نقصاً ممن يقدر على الفعل ويفعله والفعل لا يكون إلا حادثاً شيئاً بعد شيء.
وهذه عادة النفاة، لا ينفون شيئاً من الصفات فراراً من محذور إلا لزمهم في النفي أعظم من ذلك المحذور، كنفاة الصفات من الباطنية من المتفلسفة وغيرهم، لما قبل لهم إذا لم يوصف بالعلم والقدرة والحياة لزم أن يتصف بما يقابل ذلك كالعجز والجهل والموت.
فقالوا: إنما يلزم ذلك لو كان قابلاً للاتصاف بذلك فإن المتقابلين تقابل السلب والإيجاب كالوجود والعدم إذا عدم أحدهما ثبت الآخر.
وأما المتقابلان تقابل العدم والملكة، كالحياة والموت، والعمى والبصر فقد يخلو المحل عنهما، كالجماد فإنه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا.
стр. 1262
فيقال لهم: فررتم عن تشبيهه بالحيوان الناقص الذي لا يسمع ولا يبصر مع إمكانه ذلك منه فشبهتموه بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا فكان ما فررتم إليه شراً مما فررتم منه.
ولهذا نظائر مبسوطة ف يغير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن من نفي الأفعال الاختيارية القائمة به لئلا يكون وجود الحادث منها ناقصاً، كان قد وصفه بالنقص التام فراراً بزعمه مما يظنه نقصاً
الوجه السادس
أن يقال: الأفعال التي حدثت بعد ان لم تكن لم تكن وجودها قبل وجودها كمالاً، ولا عدمها نقصاً، فإن النقص إنما يكون إذا عدم ما يصلح وجوده، وما به يحصل الكمال، وما ينبغي وجوده ونحو ذلك.
والرب تعالى حكيم في أفعاله.
وهو المقدم والمؤخر فما قدمه كان الكمال في تقديمه، وما أخره كان الكمال في تأخيره.
كما أن ما خصصه بما خصصه به من الصفات فقد فعله على وجه الحكمة، وإن لم نعلم نحن تفاصيل ذلك واعتبر ذلك بما يحدثه من المحدثات.
الوجه السابع
أن يقال: الحوادث يمتنع قدمها، ويمتنع أن توجد معاً، واو وجدت معاً لم تكن حوادث.
ومعلوم انه إذا دار الأمر بين
стр. 1263
إحداث الحوادث وعدم إحداثها، كان أحداثها أكمل ولا يكون إحداثها إلا مع عدم الحادث منها في الأزل.
وإذا كان كذلك صار هذا بمنزلة جعل الشيء موجوداً معدوماً، فلا يقال عدم فعل هذا او عدم تعلق القدرة به صفة نقص بل النقص عدم القدرة على جعله موجوداً فإذا كان قادراً على ذلك كان موصوفاً بصفة الكمال التي لا يمكن غيرها فكذلك المحدث للأمور المتعاقبة هو موصوف بالكمال الذي لا يمكن في الحدوث غيره.
الوجه الثامن
أن يقال: لا ريب أن الحوادث مشهودة وأن لها محدثاً أحدثها، فالمحدث لها: إما أن يحدثها بفعل اختياري يقوم به وإما أن تحث عنه شيئاً بعد شيء من غير فعل يقوم به ولا حدوث شيء منه ومعلوم أن اتصافه بالأول أولى لو كان الاثنين ممكناً فإن الأول فيه وصفة بصفة الكمال بخلاف الثاني فكيف والثاني ممتنع، لأن حدوث الحوادث من غير سبب حادث ممتنع.
وإذا كان حال الفاعل قبل حدوثها كحاله مع حدوثها وبعد حدوثها، وهي في الحالين حادثة، لم يكن الفاعل قد فعل شيئاً ولا أحدث شيئاً بل حدثت بذاتها.
وهذا الدليل قد بسط في غير هذا الموضع وبين فساد قول
стр. 1264
الفلاسفة الدهرية القائلين بان حركات الأفلاك تصدر عن قديم أزلي لا يحدث منه شيء وإن قولهم أفسد من قول المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام، فغن هؤلاء الفلاسفة استدلوا على قدم العالم بحجتهم العظمى، وهو انه لو حدث بعد أن لم يكن لاحتاج إلى سبب حادث والقول في ذلك السبب كالقول فيه فيلزم التسلسل او الترجيح بلا مرجح.
فيقال لهم: أنتم تقولون بحدوث الحوادث شيئاً بعد شيء عن فاعل قائم بنفسه لا تقوم به صفة ولا فعل ولا يحدث له فعل ولا غير فعل.
فقولكم بصدور الحوادث المختلفة الدائمة عمن لا فعل له ولا صفة ولا يحدث منه شيء أعظم فساداً من قول من يقول إنه تارة تصدر عنه الحوادث وتارة تصدر فإنه إن كان صدور الحوادث عنه من غير حدوث شيء فيه محالاً فصدورها دائماً عنه من غير حدوث شيء فيه أشد إحالة.
الوجه التاسع
إن يقال: أفعال الله تعالى: إما أن يكون لها حكمة هي غايتها المطلوبة، وإما أن لا يكون والناس في هذا المقام مشهوران أحدهما قول من لا يثبت إلا المشيئة والثاني قول من يثبت حكمه قائمة بالمخلوق، أو حكمه قائمة بالخالق. والأقول الثلاثة معروفة في الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم
стр. 1265
فإن نفيتم الحكمة جوزتم أن يفعل أفعالاً لا يحصل له بها كمال فيقال لهم قولوا في أفعاله القائمة بنفسه الاختيارية ما تقولونه في حدوث المفعولات عنه، وهو الفعل عندكم
وإن أثبتم الحكمو، قيل لكم الحكمة الحاصلة بالفعل الحادث حادثة بعده فحدوث هذه الحكمة بعد أن لم تكن، سواء كانت قائمة بنفسه أو بغيره، اهي صفة كمال أو لا؟
فإن قلتم صفة كمال فقولوا في نفس الفعل الحادث ما قلتموه في الحكمة المطلوبة به
وإن قلتم ليست صفة كمال، فقولوا في نفس الفعل الحادث ما قلتموه في الحكمة المطلوبة
فقد لزمكم في الحكمة، إن أثبتموها أو نفيتموها، ما يلزمكم في نفس الفعل سواء بسواء، وهذا بين واضح
الوجه العاشر
أن يقول من يثبت الفعل القائم به والحكمة القائمة به معلوم بصريح العقل ان هذا صفة كمال، وأن من يكون كذلك أكمل ممن لا يفعل أو يفعل لا لحكمة فلم قلتم إن هذا ممتنع؟
فإذا قيل لئلا يلزم الكمال بعد النقص
قيل لهم لم قلتم وجود مثل هذا الكمال ممتنع؟
стр. 1266
ولفظ النقص لفظ مجمل كما تقدم فإن غايته أن يفسر بعدم ما وجد قبل أن يوجد، فيعود الأمر إلى أن هذا الموجود إذا وجد بعد أن لم يكن، لزم أن يكون معدوماً قبل وجوده
فيقال ومن أين علمتم أن وجود هذا بعد عدمه محال؟ وليس في ذلك افتقار الرب إلى غيره ولا استكماله بفعل غيره، بل هو الحي الفعال لما يشاء العليم القدير الحكيم، الخبير الرحيم الودود، لا إله إلا هو، وكل ما سواه فقير إليه، وهو غني عما سواه، لا يكمل بغيره، ولا يحتاج إلى سواه ولا يستعين بغيره في فعل، ولا يبلغ العباد نفعه فينفعوه، ولا ضره فيضروه، بل هو خالق الاسباب والمسببات، وهو الذي يلهم عبده الدعاء، ثم يجيبه وييسر عليه العمل، ثم يثيبه ويلهمه التوبة، ويحبه ويفرح بتوبته وهو الذي استعمل المؤمنين فيما يرضيه، ورضي عنهم فلم يحتج في فعله لما يحبه ويرضاه إلى سواه، بل هو الذي خلق حركات العباد التي يحبها ويرضاها، وهو الذي خلق ما لايحبه ولا يرضاه من اعمالهم، لما له في ذلك من الحكمة التي يحبها ويرضاها ﴿وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون﴾ القصص: ٧٠، فلا إله إلا هو ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ الانبياء: ٢٢، إذا كان هو الذي يستحق أن تكون العبادة له، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل لا منفعة فيه،
стр. 1267
فما لا يكون به لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم كما قال تعالى ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ الفرقان: ٢٣ وقال ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء﴾ إبراهيم: ١٨، وهو سبحانه يحب عباده الذين يحبونه، والمحبوب لغيره أولى أن يكون محبوباً
فإذا كنا إذا أحببنا شيئاً لله هو المحبوب في الحقيقة، وحبنا لذلك بطريق التبع، وكنا نحب من يحب الله لأنه يحب الله، فالله تعالى يحب الذين يحبونه، فهو المستحق أن يكون هو المحبوب المألوه المعبود، وأن يكون غاية كل حب كيف وهو سبحانه الذي يحمد نفسه ويثني على نفسه، ويحب الحمد من خلقه
كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح لا أحد أحب إليه المدح من الله
وقال له الأسود بن سريع يا رسول
стр. 1268
الله إني حمدت ربي بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا احصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك وقد روى انه كان يقول ذلك في آخر الوتر
فهو المثني على نفسه، إذا أفضل خلقه لا يحصى ثناء عليه
والثناء تكرير المحامد وتثنيتها، كما في الحدث الصحيح عن النبي ﷺ انه قال إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدني فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ انه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، احق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا
стр. 1269
معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. فذكر الحمد والثناء والمجد هنا، كما ذكره في اول الفاتحة، فالحمد يتناول جنس المحامد، والثناء يقتضي تكريرها وتعديدها والزيادة في عددها ٠ والمجد تعظيمها وتوسيعها والزيادة في قدرها وصفتها
فهو سبحانه مستحق للحمد والثناء والمجد، ولا أحد يحسن أن يحمد كما يحمد نفسه ن ولا يثني عليه كما يثني على نفسه، ولا يمجده كما يمجد نفسه
كما في حديث ابن عمر الذي في الصحيح، لما قرأ النبي ﷺ على المنبر ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر: ٦٧ قال يقبض الله سماواته بيده، والأرضون بيده الأخرى، ثم يمجد نفسه فيقول ـنا الملك، انا القدوس، انا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئاً، أنا الذي أعدتها، أين الملوك أين الجبارون أين المتكبرون؟ أو كما قال
стр. 1270
وفي الحديث الآخر يقول الله تعالى إني جواد، ماجد، واجد، إنما أمري إذا أردت شيئاً أن أقول له كن فيكون
فصل كلام الآمدي في أبكار الأفكار في بيان امتناع حلول الحوادث بذاته ﵎ .
ونحن نذكر ما ذكره أبو الحسن الآمدي في هذا الأصل وتتكلم عليه قال في كتابه الكبير المسمى أبكار الأفكار المسألة الرابعة من النوع الرابع الذي سماه إبطال التشبيه في بيان امتناع حلول الحوادث بذاته ﵎:
قال وقبل الخوض في الحجاج لا بد من تلخيص محل
стр. 1271
النزاع فنقول المراد بالحادث المتنازع فيه الموجود بعد العدم، كان ذاتاً قائمة بنفسها، أو صفة لغيره كالأعراض وأما ما لا وجود له كالعدم، أو الأحوال عند القائلين بها، فإنها غير موصوفة بالوجود ولا بالعدم، كالعالمية والقادرية والمريدية ونحو ذلك، أو النسب والإضافات، فإنها عند المتكلم أمور وهمية لا وجود لها، فما تحقق من ذلك بعد أن لم يكن فيقال له متجدد، ولا يقال له حادث
قال وعند هذا فنقول العقلاء من أرباب الملل وغيرهم متفقون على استحالة قيام الحوادث بذات الرب ﵎ غير المجوس والكرامية فإنهم اتفقوا على جواز ذلك
غير أن الكرامية لم يجوزوا قيام كل حادث بذات الرب تعالى، بل قال أكثرهم هو ما يفتقر إليه في الإيجاد والخلق، ثم اختلفوا في هذا الحادث فمنهم من قال هو قوله كن ومنهم من قال هو
стр. 1272
الإرادة أو القول في ذاته يستند إلى القدرة القديمة، لا أنه حادث بإحداث ن وأما خلق باقي المخلوقات فمستند إلى الإرادة أو القول، على اختلاف مذهبهم، فالمخلوق القائم بذاته يعبرون عنه بالحادث، والخارج عن ذاته يعبرون عنه بالمحدث، ومنهم من زاد على ذلك حادثين آخرين، وهما السمع والبصر
قال وأجمعت الكرامية على أن ما قام بذاته من الصفات الحادثة لا يتجدد له منها اسم، ولا يعود إليه منها حكم، حتى لا يقال إنه قائل بقول، ولا مريد بإرادة، بل قائل بالقائلية، ومريد بالمريدية، ولم يجوزواعليه إطلاق اسم متجدد لم يكن فيما لا يزال، بل قالوا أسماؤه كلها أزلية، حتى في الخالق والرازق، وغن لم يكن في الأزل خلق ولا رزق
стр. 1273
قال وأما ما كان من الصفات المتجددة التي لا وجود لها في الأعيان، فما كان منها حالاً فقد اتفق المتكلمون على امتناع اتصاف الرب به، غير أبي الحسين البصري فإنه قال تتجدد عالميات لله تعالى بتجدد الملومات ن وما كان من النسب والإضافات والتعلقات، فمتفق بين أرباب العقول على جواز اتصاف الرب تعالى بها، حتى يقال إنه موجود مع العالم بعد أن لم يكن، وإنه خالق العالم بعد أن لم يكن ٠ وما كان من الأعدام والسلوب ٠ فإن كان سلب أمر يستحيل تقدير وجوده لله تعالى، فلا يكون متجدداً بالإجماع، مثل كونه غير جسم ولا جوهر ولا عرض، إلى غير ذلك. وإن كان سلب أمر لا يستحيل تقدير اتصاف الرب به كالنسب والإضافات، فغير ممتنع إن يتصف به الرب تعالى بعد أن
стр. 1274
لم يكن بالإتفاق، فإنه إذا كان الحادث موجوداً صح أن يقال الرب تعالى موجود مع موجوده، وتنعدم هذه المعية عند فرض عدم ذلك الحادث فيتجدد له صفة سلب بعد أن لم تكن
تعليق ابن تيمية
قلت قد ذكر أن لفظ الحادث مرادهم به الموجود بعد العدم، سواء كان قائماً بنفسه كالجوهر، أو صفة لغيره كالأعراض ن وسمي ما ليس بموجود كالأحوال والسلوب والإضافات متجددات، وهذا الفرق أمر اصطلاحي، وإلا فلا فرق بين معنى المتجدد ومعنى الحادث
وأيضاً فإن الأحوال عند القائلين بها، منهم من يقول بوجودها، وقالوا يصح أن تكون معلومة تبعاً لغيرها، وأن يكون وجودها تبعاً لغيرها
وخالفوا أبا هاشم في قوله ليست معلومة ولا مجهولة ولا موجودة ولا معدومة
وأيضاً فالنسب والإضافات عند الفلاسفة قد تكون وجودية، وأما المذاهب فيقال لفظ الحوادث والمتجدادت في لغة العرب يتناول أشياء كثيرة، وربما أفهم أو اوهم في العرف
стр. 1275
استحالات كالأمراض والغموم والأحزان ونحوها، إذا قيل فلان حدث به حادث وكثير منهم يعبر بالأحداث عن المعاصي والذنوب ونحو ذلك كما قد عرف هذا
وأما مورد النزاع انه هل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته إما من باب الأفعال كالاستواء إلى غيره والأستواء عليه، والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك، وإما من باب الأقوال والكلمات، وإما من باب الأحوال كالفرح والغضب والإرادات والرضا والضحك ونحو ذلك، وإما من باب العلوم والإدراكات كالسمع والبصر والعلم بالموجود بعد العلم بأنه سيوجد وإذا كان كذلك فقوله إن العقلاء من أرباب الملل وغيرهم متفقون على استحالة ذلك غير أن الكرامية إلى آخره ليس بنقل مطابق
أما أهل الملل فلا يضاف إليهم من حيث هم أرباب ملة إلا ما ثبت عن صاحب الملة، صلوات الله عليه وسلامه، أو ما أجمع عليه أهل العلم، وأما ما قاله بعض أهل الملة برأيه أو استنباطه، مع منازعة غيره له، فلا يجوز إضافته إلى الملة ومن المعلوم أنه لا يمكن أحد أن ينقل عن محمد ﷺ ، ولا عن إخوانه المرسلين كموسى وعيسى صلوات الله عليهما، ما يدل على قول النفاة لا نصاً ولا ظاهراً، بل الكتب الإلهية
стр. 1276
المتواترة عنهم والأحاديث المتواترة عنهم تدل على نقيض قول النفاة وتوافق قول أهل الإثبات
وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين أرباب المذاهب المشهورة، وشيوخ المسلمين المتقدمين، لا يمكن أحد أن ينقل نقلاً صحيحاً عن أحد منهم بما يوافق قول النفاة بل المنقول المستفيض عنهم يوافق قول أهل الإثبات فنقل مثل هذا عن أهل الملة خطأ ظاهر
ولكن أهل الكلام والنظر من أهل الملة تنازعوا في هذا الأصل لما حدث في أهل الملة مذهب الجهمية نفاة الصفات وذلك بعد المائة الأولى في أواخر عصر التابعين ولم يكن قبل هذا يعرف في أهل الملة من يقول بنفي الصفات ولا بنفي الأمور الاختيارية القائمة بذاته
فلما حدث هذا القول وقالت به المعتزلة وقالوا لا تحل به الأعراض والحوادث وأرادوا بذلك انه لا تقوم به صفة كالعلم والقدرة ولا فعل كالخلق والاستواء أنكر أئمة السلف ذلك عليهم كما هو متواتر معروف
وعن هذا قالت المعتزلة إن القرآن مخلوق لأنه لو قام بذاته للزم أن تقوم به الأفعال والصفات، وأطبق السلف والأئمة على إنكار هذا عليهم
стр. 1277
وكل من خالفهم قبل ابن كلاب كان يقول بقيام الصفات والأقوال والأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته به لكن ابن كلاب ومتبعوه فرقوا بين ما يلزم الذات من أعيان الصفات كالحياة والعلم وبين ما يتعلق بالمشيئة والقدرة فقالوا هذا لا يقوم بذاته لن ذلك يستلزم تعاقب الحوادث عليه كما سيأتي
وابن كرام كان متأخراً بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل وتوفي ابن كرام في حدود ستين ومائتين فكان بعد ابن كلاب بمدة وكان أكثر أهل القبلة قبلة على مخالفة المتزلة والكلابية حتى طوائف أهل الكلام من الشيعة والمرجئة كالهشامية وأصحاب أبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهما كما ذكر عنهم الأشعري في المقالات
وأمثال هؤلاء كانوا يقولون بقيام الحوادث به حتى صرح طوائف منهم بالحركة كما صرح بذلك طوائف من أئمة الحديث والسنة وصرحوا بأنه لم يزل متكلماً إذا شاء وأن الحركة من لوازم الحياة وأمثال ذلك بل هم يقولون إنه إنما ابتدع من ابتداع من أهل الكلام البدع المخالفة للنصوص وللمعقول بهذا الأصل كقول من قال إن الكلام معنى واحد قديم وقول من قال إن المعدوم يرى ويسمع وقول من قال بقدم صوت معين
وأما غير أهل الملل فالفلاسفة متنازعون في هذا الأصل والمحكي عن كثير من أساطينهم القدماء أنه كان يقول بذلك كما تقدم نقل المقالات عنهم حتى صرح بالحركة من صرح منهم بل الذين
стр. 1278
كانوا قبل أرسطو من الأساطين كانوا يقولون بحدوث العالم عن أسباب حادثة وهم يقولون بهذا الأصل إما تصريحاً وإما لزوماً وكذلك غير واحد من متأخريهم كأبي البركات البغدادي صاحب المعتبر وهذا اختيار طائفة من النظار كالأثير الأبهري وغيره
وما حكاه عن أبي الحسين البصري فهو قول غير واحد قبل أبي الحسين وبعده كهشام ونحوه وغيره وإبن عقيل يختار قول ابي الحسين وهو معنى قول السلف والرازي يميل إلى قول أبي الحسين بل وإلى زيادة على قوله كما ذكره في المطالب العالية بل ينصره وقوله عن الكرامية إنهم قالوا أسماؤه كلها أزلية أي معاني أسمائه أي ما لأجله استحق تلك الأسماء كالخالقية والرازقية
واما نفس الاسم فهو من كلامه وكلامه عندهم حادث قائم بذاته ويمتنع عندهم أن يكون في الأزل كلام أو أسماء لن ذلك يقتضي حوادث لا أول لها، أو يقتضي قدم القول المعين، وكلاهما باطل عندهم وحكايته عن الكرامية أنهم يقولون خلق الإرادة والقول في ذاته مستند إلى القدرة القديمة وخلق ما في المخلوقات يستند إلى
стр. 1279
الإرادة والقول تعبير عن مذهبهم بعبارته وإلا فهم لا يسمون شيئاً مما يقوم بذات الرب لا مخلوقاً ولا محدثاً وغنما يقولون حادث ولا يقولون إن إرادته وكلامه لا مخلوق ولا محدوث
تابع كلام الآمدي وتعليق ابن تيمية عليه
قال وقد احتج أهل الحق على امتناع قيام الحوادث به بحجج ضعيفة:
الأولى قالوا لو كان الباري تعالى قابلاً لحلول الحوادث بذاته لما خلا عنها أو عن أضدادها وضد الحادث وما لا يخلو عن الحوادث فيجب أن يكون حادثاً والرب تعالى ليس بحادث
قال وهذه الحجة مبينة على خمس مقدمات الأولى أن كل صفة حادثة لا بد لها من ضد والثانية أن ضد الصفة الحادثة لا بد وأن يكون حادثاً والثالثة أن ما قبل حادثاً فلا يخلو عنه وعن ضده والرابعة أن مالا يخلو عن الحوادث فهو حادث والخامسة أن الحدوث
стр. 1280
على الله تعالى محال أما أن الرب تعالى ليس بحادث فقد سبق تقريره
قلت هذا معلوم باتفاق أهل الملل وسائر العقلاء ممن أثبت الصانع ومعلوم بالأدلة اليقينية بل معلوم بالضرورة وقد ذكر انه قرر ذلك وهو لم يقرره فإنه إنما قرره بناء على إثبات واجب الوجود وبني ذلك على نفي التسلسل في العلل وإبطال حوادث لا أول لها وحجته على ذلك ضعيفة
وقد أورد في كتابه المسمى بدقائق الحقائق على إبطال تسلسل العلل سؤلاً زعم أنه لا يعرف عنه جواباً فبطل ما ذكره من تقريره لكن هذا بحمد الله أجل من أن يحتاج إلى مثل هذا التقرير
وقال وأما أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فسيأتي تقريره في حدوث الجواهر
قلت لم يقرر ذلك إلا بدليل حدوث الأعراض وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها وإنما قرر ذلك بإبطال التسلسل في الآثار وقرر ذلك بان الحادث يمتنع أن يكون أزلياً
وقد تقدم فساد ذلك بأن لفظ الحادث يراد به النوع الدائم ويراد به الحادث المعين والمعلوم امتناعه إنما هو النوع الثاني والنزاع إنما هو في الأول
стр. 1281
وأيضاً فإن الذي قرر به امتناع تسلسل العلل في دقائق الحقائق أورد عليه سؤلاً واعترف بأنه لا جواب له عنه وإذا كان تقريره لنفى تسلسل العلل قد بين انه ورد عليه سؤال لا يعرف جوابه فكيف بتقرير نفي تسلسل الحوادث
ومن المعلوم أن العقلاء اتفقوا على نفي تسلسل العلل وتنازعوا في نفي تسلسل الحوادث فإن كان لم يقم على نفي ذاك عنده دليل عقلي فهذا أولى.
والسؤال الذي أورده يرد على النوعين، وقد ذكرنا وذكرنا الجواب عنه فيما تقدم.
ومضمونه أنه: لم يلا يجوز أن كان لم لا يجوز أن يكون مجموع المعلومات التي لا تتناهى وإن كان ممكناً في نفسه لكنه واجب بوجوب آحاده المتعاقبة وكل واحد واجب بما قبله وهذا وإن كان باطلاً لكن المقصود التنبيه على أن من خالف الكتاب والسنة وقال إنه ينصر بالمعقول أصول الدين يخل بمثل هذا الواجب في أعظم أصول الدين مع انه يقرر ما لا يحتاج إليه في الدين أو ما يعارض ما يثبت انه من الدين
وكذلك من قال مثل هذا وأمثاله انه يتكلم بالقليات يظهر منه في أعظم المعقولات التقصير والتوقف والخيرة فيها ويحقق من المعقولات ما تقل الحاجة إليه أو ما يكون وسيلة إلى غيره مع أن المقصود بالوسيلة لم يحققه
стр. 1282
وقد احتج على إبطال حوادث لا أول لها بعد أن أبطل حجج موافقيه بأن ذلك يستلزم كون الحادث أزلياً وهذا الوجه ضعيف
فإن المنازع يقول أشخاص الحوادث ليست أزلية وإنما الأزلي النوع فالموصوف بأنه أزلي ليس هو الموصوف بأنه حادث ثم يقال إذا لم تقدر أن تقيم حجة على امتناع تسلسل المعلولات وإثبات الصانع عندك موقوف على هذا فأي شيء ينفعك نفي حلول الحوادث عما لم تقم حجة على إثباته فضلا عن قدمه؟
قال: وإنما الإشكال في المقدمات الثلاثة الأول.
قال وذلك أن لقائل أن يقول قولكم إن كل صفة حادثة لا بد لها من ضد فإما أن يراد بالضد معنى وجودي يستحيل اجتماعه مع تلك الصفة لذاتيهما وإما أن يراد به ما هو اعم من ذلك وهو ما لا يتصور اجتماعه مع وجود الصفة لذاتيهما وإن كان عدماً حتى يقال فإن عدم الصفة يكون ضداً لوجودها فإن كان الأول فلا نسلم انه لا بد وان يكون للصفة ضد بذلك الاعتبار والاستدلال على موقع المنع عسير جداً وإن كان الثاني فلا نسلم أنه
стр. 1283
يلزم أن يكون ضد الحادث حادثاً وإلا كان عدم العالم السابق على وجوده حادثاً ولو كان عدمه حادثاً كان وجوده سابقاً على عدمه وهو محال
قال وإن سلمنا انه لا بد أن يكون ضد الحادث معنى وجودياً ولكن لا نسلم امتناع خلو عن الصفة وضدها بهذا الاعتبار وحيث قررنا في مسألة الكلام والإدراكات أن القابل لصفة لا يخلو عنها وعن ضدها إنما كان بالمعنى الأعم لا بالمعنى الأخص فلا مناقضة
قلت هذا كلام حسن جيد لو كان قد وفي بموجبه فإن هذه الطريقة مما كان يحتج بها السلف والأئمة في إثبات صفات الكمال كالكلام والسمع والبصر وقد اتبعهم في ذلك متكلمة الصفلتية من أصحاب أبي كلاب وابن كرام والأشعري وغيرهم بل أثبتوا بها عامة صفات الكمال
وقد أورد عليها ما يورده نفاة الصفات وزعم أن ذلك قادح فيها،
стр. 1284
فقال أما أهل الإثبات يعني للصفات فقد سلك بعضهم في الإثبات مسلكاً ضعيفاً وهو انهم تعرضوا لإثبات أحكام الصفات ثم توصلوا منها إلى إثبات العلم بالصفات ثانياً ٠ فقالوا إن العالم لا محالة على غاية من الحكمة والإتقان وهو مع ذلك جائز وجوده وجائز عدمه كما سيأتي وهو مستند في التخصيص والإيجاد إلى واجب الوجود كما سيأتي أيضاً فيجب أن يكون قادراً عليه مريداً له عالماً به كما وقع به الاستقراء في الشاهد فإن من لم يكن قادراً لا يصح صدور شيء عنه ومن لم يكن مريداً لم يكن تخصيص بعض الجائزات عنه دون بعض بأولى من العكس إذ نسبتها إليه واحدة ومن لم يكن عالماً بالشيء لا يتصور منه القصد إلى إيجاده
стр. 1285
قالوا وإذا ثبت كونه قادراً مريداً عالماً وجب أن يكون حياً إذ الحياة شرط في هذه الصفات على ما عرف في الشاهد وما كان له في وجوده أو عدمه شرط لا يختلف شاهداً ولا غائباً ويلزم من كونه حياً أن يكون سميعاً بصيراً متكلماً فإن من لم تثبت له هذه الصفات من الأحياء فهو متصف بأضدادها كالعمي والطرش والخرس، على ما عرف في الشاهد أيضاً والإله تعالى يتقدس عن الاتصاف بهذه الصفات
قالوا وإذا ثبت له هذه الأحكام فهي في الشاهد معللة بالصفات، فالعلم في الشاهد علة كون العالم عالماً والقدرة علة كون القادر قادراً، وعلى هذا النحو باقي الصفات، والعلة لا تختلف لا شاهداً ولا غائباً
وأيضاً فإن حد العالم في الشاهد من قام به العلم والقادر من قامت به القدرة وعلى هذا النحو والحد لا يختلف شاهداً ولا غائباً
стр. 1286
وأيضاً فإن شرط العالم في الشاهد قيام العلم به وكذلك في القدرة وغيرها والشرط لا يختلف شاهداً ولا غائباً
قلت وهذه الطريقة مع إمكان تقريرها علي هذا الوجه، فإنه يمكن تقريرها على وجه اكمل منه ومع هذا فقد قال هذه الحجة مما يضعف التمسك بها جداً وأورد عليها أنها مبنية على الجمع بين الشاهد والغائب
وقد تكلمنا على ما ذكره هو وغيره في غير هذا الموضع وبينا أن الحجة لا يحتاج فيها إلى هذا الجمع ولو احتيج فيها إلى هذا الجمع فهو صحيح فإنه من باب قياس الأولى وهو أن ما كان من لوازم الكمال فثبوته للخالق أولى منه للمخلوق كما قد ذكر في غير هذا الموضع
لكن المقصود هنا انه اعترض على قولهم لو لم يتصف بهذا لاتصف بضده العام الذي يتضمن النفي وهو قد ذكر هنا أنه قرره
قال وأما قولهم لو لم يتصف بهذه الصفات مع كونه
стр. 1287
حياً لكان متصفاً بما يقابلها فالتحقيق فيه موقوف على بيان حقيقة المتقابلين يعني المتنافيين
وذكر التقسيم المشهور فيه للفلاسفة وانه أربعة أقسام تقابل السلب والإيجاب، والعدم والملكة، والتضايف، والتضاد، وان تقابل العلم والجهل، أعمى والبصر، هو عندهم من باب تقابل أتعدم والملكة
والملكة على اصطلاحهم كل معني وجودي أمكن أن يكون ثابتاً للشيء إما بحق جنسه للإنسان، فإن البصير يمكن ثبوته لجنسه وهو الحيوان أو بحق نوعه ككتابه زيد فإن هذا ممكن لنوع الإنسان أو بحق شخصه كاللحية للرجل فإنها ممكنة في حق الرجل
قال والعدم المقابل لها ارتفاع هذه الملكة
стр. 1288
قال فإن أريد بتقابل الإدراك ونفيه تقابل التناقض بالسلب والإيجاب وهو انه لا يخلو من كونه سميعاً وبصيراً ومتكلماً أو ليس فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل
وإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة، فلا يلزم من نفي الملكة تحقق العدم ولا بالعكس إلا في محل يكون قابلاً لهما ولهذا يصح أن يقال الحجر لا أعمى ولا بصير والقول بكون البارىء تعالى قابلاً للبصر والعمى، دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب وعلى هذا فقد امتنع نفي لزوم العمي والخرس والطرش في حق الله تعالى من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام عنه
قلت وقد أشكل هذا على كثير من النظار حتى ضل به لاعتقادهم صحته حتى على الآمدي فهذا كلامه في الخلو عن الضدين بالمعنى العام قد أورد عليه ما ذكر فكيف يدعي انه
стр. 1289
قرره وهذا الإيراد إيراد معروف للمعطلة نفاة الصفات وهو إيراد فاسد من وجوه
الوجه الأول لن يقال نحن نريد بالتقابل السلب والإيجاب ونفي هذه الصفات يتضمن النقص لكل من نفيت عنه سواء قيل إنه قابل لها أو لم يقل فإنه من المعلوم بصريح العقل أن المتصف بالحياة والعلم والكلام والسمع والبصر اكمل ممن لم يتصف بذلك وما قدر انتفاء ذلك عنه كالجماد فهو أنقص بالنسبة إلى من اتصف بذلك
وهو قد سلك في إثبات الصفات طريقة الكمال وهي في الحقيقة من جنس هذه، فقال واعلم أن ههنا طريقة رشيقة سهلة المعرك، قريبة المدرك يعسر على المنصف المتبحر الخروج عنها، والقدح في دلالتها، يمكن طردها في إثبات جميع الصفات النفسانية، وهي مما ألهمني الله إياها ولم أجدها على صورتها وتحريرها لأحد غيري، وهو أن يقال المفهوم من كل واحد من هذه الصفات المذكورة، مع قطع النظر عما يتصف به صفة كمال أو لا صفة كمال، لا جائز أن تكون لا صفة كمال، وإلا كان حال من اتصف بها في الشاهد أنقص من حال من لم يتصف بها إن كان عدمها في نفس الأمر كمالاً أو مساوياً من لم يتصف بها إن لم يكن عدمها في نفس الأمر كمالاً وهو خلاف ما نعلمه بالضرورة في الشاهد فلم يبق إلا القسم الأول وهو انه في
стр. 1290
نفسها وذواتها كمال وعند ذلك فلو قدر عدم اتصاف الباري تعالى بها لكان ناقصاً بالنسبة إلى من اتصف بها من مخلوقاته ومحال أن يكون الخالق أنقص من المخلوق
قلت هذه الحجة مادتها صحيحة وقد استدل بها ما شاء الله من السلف والخلف وغن كان تصويرها والتعبير عنها يتنوع وهذه المادة بعينها يمكن نقلها إلى الحجة الأولى التي زيفها بان يقال لو لم يتصف بصفات الكمال لاتصف بنقائضها وهي صفات نقص فيكون انقص من بعض مخلوقاته
الوجه الثاني أن يقال هب انهما متقابلان تقابل العدم والملكة فقولكم لا يلزم من نفي أحدهما ثبوت الآخر إلا إذا كان المحل قابلاً
جوابه أن يقال الموجودات نوعان نوع يقبل الاتصاف بأحد هذين كالحيوان وصنف لا يقبل ذلك كالجماد ومن المعلوم أن ما قبل أحدهما اكمل ممن لا يقبل واحداً منهما وإن كان موصوفاً بالعمى والصم والخرس فإن الحيوان الذي هو كذلك أقرب إلى الكمال ممن لا يقبل لا هذا ولا هذا، إذ الحيوان الأبكم الأعمى الأصم يمكن أن يتصف بصفات الكمال، وما يقبل الاتصاف بصفات الكمال اكمل ممن لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال
فإذا كان قد علم أن الرب تعالى مقدس عن أن يتصف بهذه النقائص مع قبوله للاتصاف بصفات الكمال، فلان يقدس عن كونه لا يقبل
стр. 1291
الاتصاف بصفات الكمال أولى وأحرى.
وهذا معلوم ببداهة العقول.
الوجه الثالث: إن نقول: لا نسلم أن في الأعيان مالا يقبل الاتصاف بهذه الصفات فإن الله قادر على أن يخلق الحياة في كل جسم، وأن ينطقه كما أنطق ما شاء من الجمادات.
وقد قال تعالى ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ النحل ٢٠ - ٢١.
وإذا كان كذلك فدعواهم أن من الأعيان مالا يقبل الاتصاف بهذه الصفات رجوع منهم إلى مجرد ما شهدوه من العادة وإلا فمن كان مصدقاً بأن الله قلب عصا موسى وهي جماد ثعبانا عظيما ابتلعت الحبال والعصي لم يمكنه أن يطرد هذه الدعوى.
وإذا كان سبحانه قادراً على أن يثبت هذه الصفات صفات الكمال لما كان جماداً من مخلوقاته وكان كل مخلوق يقبل ذلك بقدرة الله تعالى فهو أحق بقبول ذلك، بل بوجود به له، إذ ما كان ممكناً في حقه من صفات الكمال كان واجباً، فإنه لا يستفيد صفات الكمال من غيره بل هو مستحق لها بذاته فهي من لوازم ذاته.
وهذا فصل معترض ذكرناه تنبيها على تقصير من يقصر في الاستدلال على الحق الذي قامت عليه الدلائل اليقينية العقلية مع
стр. 1292
السمعية مع مدافعتهم لما دلت عليه دلائل السمع والعقل، وإن كنا لا نظن بمسلم بل بعاقل أن يتكلم في جهة الربوبية بما يراه تقصيراً ولكن لا يخلو صاحب هذه الطريق من عجز أو تفريط، وكلاهما يظهر به نقصه عن حال السلف الأئمة الموافقين للشرع والعقل، وأنهم كانوا فوق المخالفين لهم في هذه المطالب الإلهية والمعارف الربانية.
وهذه الحجة التي صدر بها الآمدي وزيفها هي الحجة التي اعتمد عليها الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من السالمية والفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، كالقاضي أبي يعلي وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم وهي مبنية على مقدمتين أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وأكثر الناس ينازعونهم في ذلك، بل جميع الطوائف من أهل النظر والأثر ينازعونهم، كالمعتزلة والكرامية والشيعة والمرجئة وأهل الحديث والفقهاء والصوفية والفلاسفة.
والثانية: على امتناع تسلسل الحوادث والنزاع فيها مشهور بين جميع الطوائف.
قال الآمدي الحجة الثانية أنه لو قامت الحوادث بذات الرب تعالى لكان لها سبب.
والسبب إما الذات وإما خارج عنها.
فإن كان هو الذات وجب دوامها بدوام
стр. 1293
الذات، وخرجت عن أن تكون حادثة وإن كان خارجاً عن الذات فإما أن يكون معلولاً للإله تعالى أو لا يكون معلولاً له.
فإن كان الأول لزم الدور، وإن كان الثاني فذلك الخارج يكون واجب الوجود بذاته مفيداً للإله تعالى صفاته فكان أولى أن يكون هو إلاله.
وهذه المحالات إنما لزمت من قيام الحوادث بذات الرب ﵎ فتكون محالاً.
قال الآمدي ولقائل أن يقول وإن افتقرت الصفات الحادثة إلى سبب، فالسبب إنما هو القدرة القديمة والمشيئة الأزلية القائمة بذات الرب، كما هو مذهب الكرامية على ما أوضحناه، فليس السبب هو المسبب ولا خارجاً، ولا يلزم من دوام القدرة دوام المقدور، وإلا كان العالم قديماً وهو محال.
قال: فإن قيل: إذا كان المرجح للصفة الحادثة هو القدرة والاختيار، فلا بد وأن يكون الرب تعالى قاصداً لمحل
стр. 1294
حدوثها، ومحل حدوثها ليس إلا ذاته، فيجيب أن يكون قاصداً لذاته.
والقصد إلى الشيء يستدعي كونه في الجهة وهو محال ثم ولجاز قيام كل حادث به هو محال.
وأيضاً فإن الصفةالحادثة عند الكرامية إنما هو قوله كن والإرادة هي مستند المحدثات وعند ذلك فلا حاجة إلى الحادث الذي هو القول والإرادة لإمكان إسناد جميع المحدثات إلى القدرة القديمة
قلنا أما الأول فمندفع فإن القصد إلى إيجاد الصفة وإن استدعي القصد إلى محل حدوثها، فإنما يلزم من ذلك أن يكون المحل في الجهة أن لو كان القصد بمعنى الإشارة إلى الجهة وليس كذلك، بل بمعنى إرادة إحداث الصفة فيه وذلك غير موجب للجهة
ثم وإن كان القصد إلى إيجاد الصفة في المحل يوجب كون المحل في الجهة، فيلزم من ذلك امتناع القصد من الله تعالى إلى إيجاد الأعراض لأن القصد إلى إيجادها يكون قصداً لمحالها، ويلزم من ذلك أن تكون محالها في الجهات والقصد إلى ما هو في جهة ممن ليس
стр. 1295
في الجهة محال، وذلك يفضي إلى أن يكون الرب في الجهة عند قصد خلق الأعراض وهو محال
والقول بأنه إذا جاز خلق بعض الحوادث في ذاته جاز خلق كل حادث فدعوى مجردة وقياس من غير جامع وهو باطل على ما أسلفناه في تحقيق الدليل
وأما الثاني فحاصله يرجع إلى لزوم رعاية الغرض والحكمة في أفعال الله تعالى وهو غير موافق لأصولنا وإن كان ذلك بطريق الإلزام للخصم فلعله لا يقول به وإن كان قائلاً به فليس القول بتخطئته في القول بحلول الحوادث بذات الرب تعالى ضرورة تصويبه في رعاية الحكمة أولى من العكس
قلت هذه الحجة مادتها من الفلاسفة الدهرية كابن سينا وامثاله الذين يقولون إن الرب لا يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثاً ولهذا يستدل بهذه الحجة على نفي الحوادث المنفصلة كما يستدل بها على نفي الحوادث المتصلة وهو أن الموجب لحدوث
стр. 1296
الحادث مطلقاً من الذات إن كان الذات لزم دوامه وإن كان الذات لزم دوامه وغن كان خارجاً عنها فإن كان معلولاً للذات لزم الدور لن ذلك الحادث موقوف على ذلك المعلول الخارج وذلك المعلول الخارج لا بد أن يكون حادثاً وإلا لو كان قديماً لكان كمال المقتضي لذلك الحادث قديماً وهو الذات ومعولها القديم وإذا كان المعلول الخارج حادثاً فلا يحدث إلا بسبب حادث في الذات وإلا لزم حدوث الحادث بلا سبب فيلزم أن يكون ما حدث في الذات من الذات موقوفاً على الحادث الخارج وما حدث في الخارج موقوفاً على الحادث فيها فيلزم الدور وإن كان الخارج ليس من مقتضيات الذات لزم أن يكون واجباً بنفسه فيكون ما يقوم بالرب من الحوادث موقوفاً على ذلك الواحب بنفسه ثم قال فيكون أولى بالإلهية فهذه عمدة هؤلاء الدهرية في نفي فعله للحوادث سواء كانت قائمة به أو بغيره
ولهذا بين الآمدي ضعفها بين المتكلمين المنازعين للكرامية فإن قال الكرامية يقولون في الحوادث بذاته كما تقولون أنتم في الحوادث المنفصلة عنه فكما أن تلك الحوادث تحدث عندكم بكونه قادراً أو بالقدرة أو المشيئة القديمة فهكذا نقول فيما يقوم بذاته
ولا ريب أن ما ذكره جواب تنقطع به عنهم مطالبة إخوانهم المتكلمين من المعتزلة والأشعرية ولكن لا تنقطع عنهم مطالبة
стр. 1297
الفلاسفة إلا بما يقوله الجميع من أن القادر المختار يرجح أحد المتساويين لا لمرجح أو أن الإرادة الأزلية ترجح أحد المتساويين لا لمرجح
والمنازعون في هذا من أهل الحديث والكلام والفلسفة يقولون إن هذا جحد للضرورة وإن هذا يقدح فيما به أثبتوا وجود الصانع فإنهم أثبتوا الصانع بأن ترجيح أحد المتساويين لا بد له من مرجح، وقد عرف كلام الناس في هذا المقام.
الرد على الفلاسفة في مسألة امتناع حلول الحوادث بذاته تعالى من وجوه
ونحن نذكر ما تجاب به الفلاسفة عن أهل الملل جميعاً وذلك من وجوه
الوجه الأول
ان يقال الحوادث إما أن يجب تناهيها أو لا يجب بل يجوز أن لا يكون لها نهاية فإن وجب تناهيها لزم أن يكون للحوادث اول ولزم جواز حدوث الحوادث بدون سبب حادث وبطلت حجتكم وقولكم بدوام حركات الفلك وأنها أزلية وإن جاز دوام الحوادث فحينئذ ما من حادث إلا وهو مسبوق بحادث وحينئذ فالأفلاك إذا كانت حادثة لزم أن يكون قبلها حادث آخر وحينئذ فيمكن أن تكون تلك الإرادات المتعاقبة القائمة بذات الواجب أو غيرها من الحوادث هي الشرط في حدوث الأفلاك كما تقولون انتم كل حادث فهو مشروط بحادث قبله
فإن قالوا ذاته لا تحلها الحوادث
стр. 1298
قيل لهم دليلكم على نفي قيام الحوادث به إما أن يكون نافياً لقيام الصفات به مطلقاً وإما ان يخص الحوادث فإن كان الول فقد عرف فساد قولكم فيه ببيان فساد حجتكم على نفي الصفات وإبطال ما تذكرونه في التوحيد الذي مضمونه نفي الصفات كما بسط في موضعه
وإن كان مختصاً فدليلكم على النفي هو هذا الدليل على امتناع حدوث الحوادث عنه فليس لكم ان تثبتوا هذا بهذا وهذا بهذا فإنه يكون دوراً وهذا من المصادرة على المطلوب فغن نفيكم لحدوث الحوادث بذاته وبغيره سواء فإذا لم يمكنكم نفي ذلك إلا بنفي حلولها بذاته كنتم قد صادرتم على المطلوب
الوجه الثاني
إن يقال لهم قول القائل سبب الحوادث غما الذات أو خارج عنها أتريدون به سبب كل حادث أو سبب نوع الحوادث فإن أردتم الأول منعوكم الحصر وقالوا لكم بل سبب كل حادث الذات بما قام بها من الحوادث المتعاقبة
فإن قلتم هذا يستدعي تعاقب الحوادث بذاته وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث
قالوا لكم فهذا يبطل قولكم بقدم الأفلاك ويوجب حدوثها
стр. 1299
وأيضاً فيقال لكم مالا يخلو عن جنس الحوادث إن لم يجب حدوثه بطلت هذه الحجة وغن وجب حدوثه لزم حدوث الأفلاك وحينئذ فالموجب لحدوث الأفلاك إن كان قديماً لم يحدث به حادث جاز حدوث الحادث بدون سبب حادث ولا فرق حينئذ بين أن يكون الحادث بذاته أو منفصلاً إنه فيلزم قول الكرامية ٠ وإن كانت الحوادث لا تحدث إلا بحوادث متعاقبة لزم تسلسل الحوادث وبطل القائل فما لا ينفك عن حنس الحوادث فهو حادث وحينئذ فتبطل هذه الحجة
فتبين انه يلزمكم إما بطلان هذه الحجة وإما تصحيح قول الكرامية وذلك يستلزم بطلان الحجة فثبت بطلانها على كل تقدير
وإن أردتم سبب نوع الحوادث فيقال لكم سبب نوع الحادث المتصل كسبب نوع الحادث المنفصل عندكم وإذا جاز عندكم ان تكون الذات سبب الحوادث التي لا أول لها مع انفصاله عنها فمع قيامها به بطريق الأولى فإن اقتضاء المقتضي لما قام به أولى من اقتضائه لما باينه ولا محيص لهم عن هذا إلا بما ينفون به الصفات مطلقاً
وقد عرف فساد قولهم في ذلك وأن حجتهم عليه من أسقط الحجج وحينئذ فيكون جماهير الناس خصومهم في ذلك الأصل
الوجه الثالث
أن يقال هب أن سبب الحادث خارج عن الذات وهو معلول الذات قولهم يلزم الدور له إنما
стр. 1300
يلزم الدور إذا كان ذلك الحادث الخارج موقوفاً على الحادث المتصل والمتصل موقوفاً على الخارج وأما إذا كان ذلك الخارج موقوفاً على متصل وذلك المتصل موقوف على خارج آخر والخارج الآخر موقوف على متصل آخر فإنما يلزم التسلسل في الآثار وفي تمام التأثيرات المعينة لا يلزم الدور على هذا التقدير
وإذا كان اللازم هو التسلسل في الآثار والتأثيرات المعينة فذلك لا يلزم منه الدور والتسلسل جائز عند هؤلاء الفلاسفة وكثير من أهل الكلام والحديث وغيرهم وليس هذا تسلسلاً ولا دوراً في أصل التأثير فإن هذا باطل باتفاق العقلاء كالدور والتسلسل في نفس المؤثر فإن الدور والتسلسل في تمام التأثيرات المعينة فإنه كالتسلسل في الآثار المعنية والتسلسل في أصل التأثير كالتسلسل في أصل الآثار
ثم يقال إن كان هذا التسلسل جائزاً بطلت هذه الحجة وإن كان ممتنعاً لزم أن يكون للحوادث أول وان تصدر الحوادث كلها عن قديم بلا سبب حادث من غير أن يجب دوام الحوادث ٠ وحينئذ فيلزم صحة قول الكرامية كما يلزم صحة قول غيرهم من أهل الكلام الجهمية والقدرية وأتباعهم الذين يقولون بحدوث جميع الحوادث بدون سبب حادث وإنما النزاع بينهم في المتصل والمنفصل
والوجه الرابع
في الجواب أن يقال هب أن ذلك الخارج إذا
следующие страницы →