← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

بالعلة لكونه متقوماً بها في الوجود إذ ليس المعلول صفة ولا العلة موصوفة به وأما الشبهة الثانية فلقائل أن يقول لا نسلم أن قيام الصفات بالجوهر لكونه متحيزاً بل أمكن أن يكون ذلك لمعنى مشترك بينه وبين الباري تعالى وغن كان ذلك لكونه متحيزاً فلا يلزم من انتفاء الدليل في حق الله تعالى انتفاء المدلول كما تقدم تحقيقة وقد أمكن أن يكون ذلك لمعنى اختص به الباري تعالى ولا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين في صورتين قلت أما الحجة الأولى فيقال قيام الصفة بالموصوف معروف يتصور بالبديهة وهو أوضح مما حدوه به حيث قالوا إن ذلك هو حصول الصفة في الحيز تبعاً لحصول محلها فيه فإن الناس يفهمون قيام اللون والطعم والريح بالموصوف بذلك وغن لم يخطر بقلوبهم هذا الحصول فإن ادعى مدع أن كل موصوف متحيز وأن قيام الصفة بدون المتحيز ممتنع

стр. 1332

فيقال من الناس من ينازعك في هذا ومنهم من يوافقك عليه والموافقون لك منهم من يقول كل قائم بنفسه متحيز ولا اعلم قائماً بنفسه إلا المتحيز ومنهم من يقول بل أعلم قائماً بنفسه غير المتحيز فقولك لا يصح إلا إذا ثبت لك أن كل موصوف متحيز وثبت لك وجود موجود ليس بمتحيز، حتى يستلزم ثبوت موجود ليس بموصوف وجمهور الخلق ينكرون هذه الدعوى بل يقولون إثبات موجود لا يوصف بشيء من الصفات بل هو ذات مجردة كإثبات وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص وهذا كله ممتنع لمن تصوره بضرورة العقل ويقولون هذا غنما يعقل تصوره في الأذهان لا في الأعيان، والذهن يقدر فيه الممتنعات، كالجمع بين الضدين والنقيضين والجواب المركب أن يقال ما تعني بقولك متحيزاً اتعني به ما كان له حيز موجود يحيط به أم تعني به ما يقدر المقدر له حيزاً عدمياً أو ما كان منحازاً عن غيره؟ فإن عنيت الأول كان باطلاً متناقضاً فإن الأجسام إن كانت متناهية لم تكن في حيز وجودي فإنها إذا كانت متناهية لو كانت في حيز وجودي لزم أن يكون الجسم في جسم آخر إلى ما لا يتناهي في حيز وجودي لأن ذلك الحيز هو أيضاً داخل فيما لا يتناهي

стр. 1333

فهذا جواب برهاني والجواب الإلزامي أن قولك كل موصوف يحيط به حيز وجودي يستلزم وجود أجسام لا تتناهى وهذا باطل عندك فإن العالم متحيز موصوف وليس في حيز وجودي وإن قلت أعني به أمراً عدمياً قيل لك لاشيء وما جعل في لاشيء لم يجعل في شيء فكأنك إن قلت المتحيز ليس في غيره وحينئذ فلا نسلم لك امتناع كون الرب متحيزاً بهذا الاعتبار وكذلك إن فسرته بالمنحاز المباين لغيره كان نفي اللازم ممتنعاً فإن قلت قد قام الدليل على حدوث ما كان كذلك لأن ما كان كذلك لم يخل من الحوادث والأعراض أو كان مختصاً بقدر أو صفة أو تميز منه شيء عن شيء وهذا تركيب عاد الكلام إلى هذه المواد الثلاثة وقد علم أنها مادة الكلام الباطل وقد بين فساد ذلك بوجوه وحينئذ بوجوه وحينئذ فلا يمكنك نفي شيء من موارد النزاع إلا بنفي ذلك فيعود الكلام إلى نفي ذلك وأما الحجة الثانية فقول القائل إن الجوهر إنما صح قيام الصفة به لكونه متحيزاً

стр. 1334

فيقال أولاً لا نسلم أن قيام الصفة بمحلها يحتاج إلى علة أعم من المحل بل صفة لازمة لمحلها وهي محتاجة إلى ذلك المحل المعين لمعنى يخص ذلك المعين لا يعلل كونها فيه بأعم منه لأن العلة إذا كانت أعم من المعلول كانت منتقضة وإن قيل نحن نعلل جنس قيام الصفات لا يحتاج إلى غير محل يقوم به وإن لم يخطر بالقلب كونه متحيزاً وإن قيل إن التحيز لازم للمحل الذي تقوم به الصفات قيل وقيام الموصوف بنفسه لازم أيضاً وغير ذلك ثم الكلام في التحيز على ما تقدم وبالجملة فهذا كلام في جنس الصفات لا في خصوص الحوادث ولا ريب أن نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة كلامهم الموضعين واحد وفساد اصولهم مبين في غير هذا الموضع طريقة الامدي في إثبات امتناع حلول الحوادث بذات الله تعالى قال الآمدي والمعتمد في المسألة حجتان تقريرية وإلزامية

стр. 1335

أما التقريرية فهو أن يقال لو جاز قيام الصفات الحادثة بذات الرب تعالى فغما أن يوجب نقصاً في ذاته أو في صفة من صفاته أو لا يوجب شيئاً من ذلك فإن كان الأول فهو محال باتفاق العقلاء وأهل الملل وإن كان الثاني فإما أن تكون في نفسها صفة كمال أو لا صفة كمال لا جائز أن يقال بالأول وإلا كان الرب تعالى ناقصاً قبل اتصافه بها وهو محال أيضاً بالاتفاق ولا جائز أن يقال بالثاني لوجهين اتفاق الأمة وأهل الملل قبل الكرامية على امتناع اتصاف الرب بغير صفات الكمال ونعوت الجلال والثاني أن وجود كل شيء أشرف من عدمها فإذا كان اتصاف الرب بها لا يوجب تقصاً في ذاته ولا في صفة

стр. 1336

من صفاته على ما وقع به الفرض فاتصافه إذا بما هو في نفسه كمال لا عدم كمال ولو كان كذلك لكان ناقصاً اتصافه بها وهو محال كما سبق الرد عليه من وجوه قلت: فهذا عمدته وهو من أفضل هؤلاء المتأخرين، وهي من أضعف الحجج كما قد بسط في غير هذا الموضع. الوجه الأول وبيان ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن عمدته في ذلك على مقدمة زعم أنها إجماعية، فلا تكون المسألة عقلية، ولا ثابتة بنص، بل بالإجماع المدعي ومثل هذا الإجماع عنده من الأدلة الظنية، فكيف يصلح أن يثبت بها مثل هذا الأصل؟ وإذا كانت هذه المسألة مبنية على مقدمة إجماعية لم يكن العلم بها قبل العلم بالسمع، لأن الإجماع دليل سمعي وهم بنوا عليها كون القرآن غير مخلوق. قالوا: لأنه لو خلقه في ذاته لكان محلاً للحوادث وحينئذ فقبل العلم بهذا الإجماع يمكن تقدير قيام كلام حادث بذاته وإرادات حادثة بذاته، وغير ذلك فلا يكون شيء من هذه المسائل من المسائل العقلية. وإذا لم تكن من العقلية لم تكن من العقليات التي يتوقف

стр. 1337

صحة السمع عليها بطريق الأولى وحينئذ فلا يجوز معارضة نصوص الكتاب والسنة بها، ويقال قد عارض الظواهر النقلية قواطع عقلية فليس هنا عقلي لا قاطع ولا غير قاطع بل غاية ما هنا دعوى المدعي للإجماع. وهؤلاء إذا احتج عليهم المحتج في إثبات الاستواء والنزول والمجيء، والإتيان وغير ذلك بنصوص الكتاب والسنة أدعوا أن هذه المسائل لا يحتج فيها بالسمع وأن الأدلة السمعية قد عارضها العقل. فإذا اعترفوا بأنه لم يعارضها إلا ما ادعوه من الدليل المبنى على مقدمة زعموا أنها معلومة بالإجماع كان عليهم أن يسمعوا من الأدلة السمعية ما هو أقوى من هذا ويذكروا من الإجماعات ما هو أبين من هذا الإجماع لا سيما والأدلة السمعية المثبتة للصفات الخبرية ولقيام الحوادث به أضعاف ما يدل على كون الإجماع حجة من السمع وهي أقوى دلالة. فإذا كانت الأدلة السمعية المثبتة لهذه الصفات أقوى مما يدل على كون الإجماع حجة امتنع أن تعارض هذه النصوص بنصوص الإجماع فضلاً عن نفس الإجماع فضلاً عما هو مبني على مقدمة

стр. 1338

مبنية على الإجماع لو كان البناء حقاً فكيف إذا كان باطلاً؟ الوجه الثاني أن يقال: هذا الإجماع لم ينقل بهذا اللفظ عن السلف والأئمة، لكن لعلمنا بعظمة الله في قلوبهم نعلم أنهم كانوا ينزهونه عن النقائص والعيوب. وهذا كلام مجمل، فكل من رأى شيئاً عيباً أو نقصاً نزه الله عنه بلا ريب. وإن كان من هؤلاء الجهمية الاتحادية من يقول إنه موصوف بكل النقائص والعيوب، كما هو موصوف عنده بكل المدائح إذ لا موجود إلا هو فله جميع النعوت محمودها ومذمومها. وهذا القائل يدعي أن هذا غاية الكمال المطلق كما قال ابن عربي وغيره لعلي لذاته هو الذي يكون له الكمال المطلق الذي يتضمن جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عقلاً وشرعاً وعرفاً أو مذمومة عقلاً وشرعاً وعرفاً وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة.

стр. 1339

وجمهور العقلاء الذين يتصورون هذا القول، يقولون هذا معلوم الفساد بالحس والعقل كما هو كفر باتفاق أهل الملل. ومن المعلوم أن كل متنازعين في هذا الباب فإن أحدهما يزعم أنه وصف الحق تعالى بصفة نقص لكن منازعه لا يسلم له ذلك. فإذا قال أنت وافقتني على تنزيهه عن النقص والعيب. قال له: هذا الذي نازعتك فيه ليس هو عندي نقصاً ولا عيباً فأي شيء تنفعك موافقتي لك على لفظ أنازعك في معناه. وإن قال بل اتفقنا على كل ما هو نقص في نفس الأمر فالله منزه عنه وهذا نقص في نفس الأمر فيجب تنزيه الله عنه. قال له: أنا وافقتك على أن كل ما هو نقص في نفس الأمر منزه عنه ولم أوافك على أن كل ما أثبت أنت أنه نقص بدليل تدعي صحته فإنه منزه عنه. وحاصله أن الإجماع لم يقع بلفظ يعلم به دخول مورد النزاع فيه ولكن يعلم أن كل ما عتقده الرجل نقصاً فإنه ينزه الله عنه وما تنازعا في ثبوته يقول المثبت أنا لم أوافقك على انتقاء هذا ولكن أنت تقول هذا نقص فعليك أن تنفيه كما نفيت ذلك النقص الآخر وانا أقول ليس هذا بنقص وذلك الأمر الآخر الذي نفيته نفيته.

стр. 1340

لمعنى منتف فيما أثبته وأنا ما نفيت ذاك إلا لمعنى يختص به، فإن كان ذلك المأخذ صحيحاً لم تجب التسوية وإن كان باطلاً لزم خطئ في نفي ذاك وحينئذ فإن كانا مستويين لزم خطئ في الفرق بينهما، وليس خطء في إثبات ما أثبته بأولى من خطيء في نفي ذاك وحينئذ فإن كمانا مستويين لزم خطئ في لافرق بينهما وليس خطئ في إثبات ما أثبته بأولى من خطئ في نفي ما نفيته فإنما يفيدك هذا تناقضي إن صح التسوية لا يفيدك صحة مذهبك وإن ثبت الفرق بطل قولك. فتبين ان هذا الإجماع هو من الإجماعات المركبة التي ترجع إلى حجة جدلية ولو كانت صحيحة لم تفد إلا تناقض الخصم. الوجه الثالث أن يقال: ما ذكرته من الحجة معارض بتجويزك على الله إحداث الحوادث بعد أن لم تكن، وهو كونه فاعلاً فالفاعلية: إما أن تكون صفة كمال وإما أن لا تكون صفة كمال. فإن كانت كمالاً، كان قد فاته الكمال قبل الفعل وإن لم تكن كمالاً لزم اتصافه بغير صفات الكمال وهذا محال لهذين الوجهين. وإذا قلت إن الفعل نسبة وإضافة. قيل لك: وإضافة هذا الحادث إليه نسبة وإضافة ولا فرق بينهما إلا كون أحدهما متصلاً والآخر منفصلاً.

стр. 1341

ومعلوم أن الإجماع على تنزيه الله تعالى عن صفات النقص، متناول لتنزيهه عن كل نقص من صفاته الفعلية وغير الفعلية وأنت وجميع الطوائف تقسمون الصفات إلى صفات ذاتية وصفات فعلية ومتفقون على تنزيهه عن النقص في هذا وفي هذا. وأيضاً فهذا منقوص بسائر ما جوزوه من تجدد الإضافات والسلوب فإن الرب منزه عن الاتصاف بالنقائص في الثبوت والسلب والإضافة فما كان جوابهم في المتجددات كان جواباً لمنازعيهم في المحدثات. وهم يجيبون في المتجددات بأنه لا يمكن ثبوتها في الأزل. فيقال لهم: وكذلك الحوادث المتعاقبة لا يمكن ثبوتها في الأزل وهو وأمثاله يجيبون الدهرية بمثل ذلك في مسألة حدوث العالم. فإن من حججهم شبة برقلس قالوا إن الجود صفة كمال وعدمه صفة نقص فلو كان العالم قديماً لكان الرب تعالى في الأزل جواداً ولو كان حادثاً لما كان الرب تعالى في الأزل جواداً لعدم العالم عنه وهو محال. ثم قال في الجواب وأما الشبهة الرابعة فحاصل لفظ

стр. 1342

الجود فيها يرجع إلى صفة فعلية وهو كون الرب تعالى موجداً وفاعلاً لا لغرض يعود إليه من حلب نفع أو دفع ضر وعلى هذا فلا نسلم أن الصفات الأفعال من كمالاته تعالى وليس ذلك من الضروريات فلا بد له من دليل كيف وأنه لو كان من الكمالات لقد كان كمال واجب متوقفاً على وجود معلوله عنه، ومحال أن يستفيد الأشرف كماله من معلوله، كما قرروه في كونه موجوداً بالإرادة وإن سلمنا أنه كمال لكن إنما يكون عدمه في الأزل نقصاً ان لو كان وجود العالم في الأزل ممكناً وهو غير مسلم وهو على نحو قولهم في نفي النقص عنه بعدم إيجاده للكائنات الفاسدات كالصور الجوهرية العنصرية والأنفس الإنسانية لتعذر وجودها أزلاً من غير توسط ولا يلزم من كون العالم غير ممكن الوجود إزلاً أن لا يكون ممكن الحدوث لما حققناه. فهذا الجواب الذي أجاب به في هذا الموضع، إذا أجابته به الكرامية كان جوابهم له أحسن من جوابه لأولئك، وأدنى أحواله

стр. 1343

أن يكون مثله فإنه قال صفة الإحداث والفعل مطلقاً ليست بصفة كمال مع كونه اتصف بها بعد أن لم يكن. فيقال له لا فرق بينهما إلا من جهة أن أحدهما بنفسه والآخر مباين عنه ومن المعلوم أن ما يتصرف بنفسه أكمل ممن لا يتصرف بنفسه. الوجه الرابع أن يقال قول القائل إما أن تكون في نفسها صفة كمال أو لا صفة كمال. قلنا ليست في نفسها صفة كمال قوله فيلزم اتصاف الرب بما ليس من صفات الكمال وذلك ممتنع. قلنا متى يكون الممتنع إذا كان ذلك مع غيره صفة كمال أو إذا لم يكن مع غيره صفة كمال وذلك أن الشيء وحده قد لا يكون صفة كمال لكن هو مع غيره صفة كمال وما كان كهذا لم يجز اتصاف الرب به وحده لكن يجوز اتصافه به مع غيره ولا يلزم من كونه ليس صفة كمال منع قيامه بالرب مطلقاً.

стр. 1344

وهذا كالإرادة للفعل الخالية عن القدرة على المراد، ليست صفة كمال، فإن من أرادة شيئاً وهو عاجز عنه كان ناقصاً ولكن إذا كان قادراً على ما أراد كانت الإرادة مع القدرة صفة كمال. فلو قال قائل: مجرد الإرادة هل هو كمال أو لا؟ فإن قيل هو كمال انتقض بإرادة العاجز المتمني المتحسر. وإن قيل ليس بكمال لزم اتصافه بما ليس بكمال. قيل له الإرادة مع القدرة كمال. وكذلك قوله كن إما أن يكون صفة كمال أولا فإن كان صفة كمال فينبغي أن يكون كمالاً للعبد، ومعلوم أن العبد لو قال للمعدوم كن كان هاذيا لا كاملاً وإن لم يكن كمالاً فلا يوصف به الرب. فيقال له كن من القادر على التكوين الذي إذا قال للشيء كن فيكون كمال ومن غيره نقص. وكذلك الغضب إما أن يكون صفة كمال أولا فغن كان كمالاً فيحمد كل غضبان وإن كان نقصاً فكيف اتصف الرب به؟ فيقال الغضب على من يستحق الغضب عليه من القادر على عقوبته صفة كمال وأما غضب العاجز أو غضب الظالم فلا يقال إنه كمال ونظائر هذا كثيرة. وإذا كان كذلك فكونه قادراً على الأفعال المتعاقبة وفعله لها شيئاً بعد شيء صفة كمال وكل منها بشرط غيره كمال وأما الواحد منها

стр. 1345

مع عدم غيره فليس بكمال فإنه من المعلوم أنا إذا عرضنا على العقل الصريح ذاتاً لا تقدر أن تتصرف بنفسها وذاتاً تتصرف دائماً شيئاً بعد شيء كانت هذه الذات أكمل من تلك وكان الكمال قدم هذا النوع. وكذلك إذا قدرنا شيئاً يتكلم إذا شاء بما شاء وهو لم يزل كذلك وآخر لا يمكنه الكلام وإلا بعض الأحيان أو حدث له الكلام بعد أن لم يكن كان الأول أكمل. ونكتة الجواب: أن الواحد منها إذا لم يكن وحده كمالاً لا يلزم ان لا يكون مع سائر النوع كمالاً. لكن هذا الجواب إنما يناسب قول من يقول: لم يزل متصفاً بهذا النوع. والكرامية لا تقول بذلك بل تقول حدث له النوع بعد أن لم يكن لكن الكرامية تقول قولنا في هذا النوع كقول غيرنا في الحوادث المنفصلة وهو أن دوام هذا لما كان ممتنعاً لامتناع الحوادث في الأزل لم يلزم أن لا يكون متصفاً بصفات الكمال لأن عدم الممتنع ليس بنقص. الوجه الخامس وتحقيق هذا: أن يقال: قول القائل: إذا كان هذا كمالاً كان الرب ناقصاً قبل اتصافه.

стр. 1346

يقال له: متى يكون ناقصاً إذا وجوده قبل ذلك ممكناً أو لم يكن ممكناً والأول ممتنع، فإن عدم الممتنعات لا يكون نقصاً والحوادث عندهم يستحيل وجودها في الأزل فلا يكون عدمها نقصاً. الوجه السادس ان يقال: متى يكون عدم الشيء نقصاً إذا عدم في الحال التي يصلح ثبوته فيها او إذا عدم في حال لا يصلح ثبوته فيها الأول مسلم والثاني ممنوع. وهم يقولون كل حادث فإنما حدث في الوقت الذي كانت الحكمة مقتضية له، وحينئذ فوجوده ذلك الوقت صفة كمال وقبل ذلك صفة نقص. مثال ذلك تكليم الله لموسى صفة كمال لما أتى وقبل أن يتمكن من سماع كلام الله فصفة نقص. الوجه السابع أن يقال الأمور التي لا يمكن وجودها إلا حادثة أو متعاقبة أيما أكمل عدمها بالكلية او جودها على الوجه الممكن؟ ومعلوم أن وجودها على الوجه الممكن أكمل من عدمها وهكذا يقولون في الحوادث.

стр. 1347

الوجه الثامن أن يقال: قول القائل اتفاق الملل قبل الكرامية على امتنع اتصاف الرب بغير صفات الكمال كلام مجمل. فإن أريد بذلك أن الناس ما زالوا يقولون إن الله موصوف بصفات الكمال منزه عن النقائض فالكرامية تقول بذلك وإن أردت أن الناس قبل الكرامية كانوا يقولون إن الله لا يقوم به شيء من مقدوراته ومراداته فهذا غلط. فإن جمهور الخلائق على جواز ذلك قبل الإسلام وبعد الإسلام فالتوراة مملوءة من وصف الله بمثل ذلك وكذلك الإنجيل وسائر نبوات الأنبياء مثل الزبور ونبوة أشعيا وأرميا وأساطين الفلاسفة كانوا يقولون بذلك والسلف من الصحابة والتابعين وأهل الحديث متواتر عنهم ذلك. ثم هذا الرجل لما أوردت عليه الدهرية هذا في صفة الخالقية قال صفة الخالقية لا صفة نقص ولا صفة كمال. الوجه التاسع قوله إن وجود الشيء أشرف من عدمه. يقال له: وجوده أشرف مطلقاً أم في الوقت الذي يمكن وجوده فيه ويصلح وجوده فيه؟ أما الأول فممنوع فإن وجود الجهل المركب ليس أشرف من

стр. 1348

عدمه ولا وجود تكذيب الرسول أشرف من عدمه ولا وجود الممتنع أشرف من عدمه. وإن أريد وجود الممكن الصالح. قيل فلا نسلم أن ما حدث كان يمكن حدوثه ويصلح حدوثه قبل وقت حدوثه وحينئذ فلا يلزم من كونه وقت وجوده كمالاً أن يكون قبل وجوده نقصاً. ومدار الدليل على مقدمتين مغلطتين إحداهما أن ما وجد من الكمال كان عدمه قبل ذلك نقصاً وهذا فيه تفصيل كما تبين والثاني أن ما لا يكون وحده كمالاً يجب نفيه عن الرب مطلقاً وهذا فيه تفصيل كما سبق فإنه يقال إن كان الحادث كمالاً فعدمه قبل ذلك نقص وإن لم يكن كمالاً لم يتصف الرب بما ليس بكمال وكلا المقدمتين فيها من التموية والإجمال ما قد بين ويحتمل من البسط أكثر من هذا. رد الآمدي على الكرامية من ثمانية أوجه قال الآمدي الحجة الثانية من جهة المناقضة للخصم والإلزام وذلك من ثمانية أوجه. الأول أن من مذهب الكرامية انهم لا يجوزون إطلاق اسم متجدد على الله تعالى فيما لا يزال، كما بيناه من قبل فلو قامت بذاته صفات حادثة لا تصف بها وتعدي إليه حكمها كالعلم فإنه إذا قام بمحل وجب اتصافه بكونه عالماً.

стр. 1349

وكذا في سائر الصفات القائمة بمحالها، وساء كان المحل قديماً أو حادثاً وسواء كانت الصفة قديمة أو حادثة إذ لا فرق بين القديم والحادث من حيث أنه محل قامت به صفته إلا فيما يرجع إلى أمر خارج فلا أثر له وإذا ثبت ذلك فيلزم أن يقال إنه قائل بقول ومريد بإرادة ويلزم من ذلك تجدد اسم لم يكن له قبل قيام الصفة الحادثة به وهو مناقض لمذهبهم. تعليق ابن تيمية قلت ولقائل أن يقول: هذا أمر اصطلاحي لفظي ليس بحثاً عقلياً فإن كونهم لا يسمونه إلا بما هو لازم لذاته دون ما يعرض لها أمر اصطلحوا عليه ولا يرد عليهم العلم والقدرة ونحوهما، فإنه من لوازم ذاته، ولعلهم يدعون في ذلك توقيفاً، كما يدعي غيرهم في كثير مما لا يطلقه من الأسماء. وأيضاً فيقال: هذا إما أن يكون لازماً لهم وإما أن لا يكون لازماً فإن لم يكن لازماً بطل النقض به وإن كان لازما أمكن التزامه، وليس فيه إلا تجدد أسماء له مما تجدد من أفعاله. والمنازع يقول بمثل ذلك في جميع الأفعال، فإنه تجدد استحقاقه لأسمائها عند تجدد الأفعال كالخالق والرازق ونحو ذلك. وحينئذ فيمكن إذا كان هذا صواباً أن يجمع بين الصوابين فيقال بتجدد الحادث وتجدد الاسم أيضاً.

стр. 1350

وأيضاً فيقال: الكرامية قالوا هذا لكونه عندهم متصفاً في الأزل بصفات الكمال وكون أسمائه كلها الأسماء الحسنى التي تتضمن مدحاً له وثناء عليه وكون ذلك الحادث لا يمكن أن يمكن ازلياً فلا يكون مما يوجب أسماً. وحينئذ فيقال: إما أن يمكن دوام نوع ذلك الحادث، وإما ان لا يمكن فإن أمكن كانوا قد أخطأوا في نفي دوامه وإن لم يمكن فإما أن يكون تجدد اسم له ممكناً اولا يكون. فإن كان ممكناً أخطاوا في نفي ذلك الاسم، وإن لم يكن ممكناً كانوا مصيبين فبتقدير خطئهم على بعض التقديرات لا يلزم صواب قول منازعيهم. الثاني قال الآمدي أن الكرامية موافقون على أن القول والإرادة لا يقومان إلا بحي كالسمع والبصر وقد وافقوا على ان الحي إذا خلا عن السمع والبصر لا يخلو عن ضده وعند ذلك فإما أن يقولوا بأن الله يخلو عن القول الحادث والإرادة الحادثة وعن ضده فلا يجدون إلى الفرق بينه وبين السمع والبصر سبيلاً

стр. 1351

وإن قالوا بأنه لا يخلو الرب عن القول والإرادة وعن ضده فلا يخلو ذلك الضد إما أن يكون قديماً أو حادثاً فإن كان الأول فيلزم من ذلك عدم الموجود القديم ضرورة حدوث ضده، وهو محال بالاتفاق وبالدليل على ما سيأتي، وإن كان الثاني فالكلام في ذلك الضد كالكلام في الأول ويلزم من ذلك تعاقب الحوادث على الرب تعالى علىوجه لا يتصور خلوه عن واحد منها والحوادث المتعاقبة لا بد وأن تكون متناهية علىما سبق في إثبات واجب الوجود وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ضرورة. تعليق ابن تيمية فيقال: ولقائل أن يقول: نظير الحادث والإرادة الحادثة عندهم التسمع الحادث والتبصر الحادث، فإنهم يقولون: إنه عند وجود المسموعات والمرئيات تجدد ما يسمونه التسمع والتبصر، فهذا الحادث نظير ذلك الحادث، وعندهم أنه يخلو من وجود مثل هذا وضده العام، بخلاف نفس السمع والبصر، فإن ذاك عندهم بمنزلة القائلية والمريدية وعندهم انه لا يخلو عن القائلية

стр. 1352

والمريدية وضدها العام كما لا يخلو عن نفس السمع والبصر وضده العام. فإن قيل: منهم من يفرق بين القول والإرادة وبين التسمع والتبصر. فيقال قد قيل إن هذا ليس هو المشهور عنهم. وسواء كان هو المشهور أو لم يكن، فإنه يقال: إن كانت صورة الإلزام كصورة الوفاق لزم خطأ من فرق بين الصورتين منهم، وإن كان بينهما فرق مؤثر في الحكم لزم خطأ المسوى منهم وعلى التقديرين لا يلزم صواب المنازع لهما. وأيضاً فإنه يقال: إما أن يكون تعاقب الحوادث ممكناً وإما ان يكون ممتنعاً فإن كان ممكناً كانوا أخطأوا في قولهم: يخلو عن القول والإرادة وعن ضدها إذ يمكن تعاقب ذلك عليه دائماً وإن كان ممتنعاً كان هذا الامتناع هو الفرق بين ذلك وبين السمع والبصر، فإنه يمكن اتصافه في الأزل بالسمع والبصر، دون اتصافه بالحادث من القول والإرادة. لكن على هذا لا يلزم تناقضهم في أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فإنهم يقولون ليس هو قابلاً في الأزل للاتصاف بالحوادث. لكن يقال لهم: هذا فرع إمكان اتصافه بالحوادث فلم قلتم إن ذلك ممكن.

стр. 1353

فيقولون: وهذا الإلزام والمعارضة فرع امتناع اتصافه بالحوادث فلم قلتم إن ذلك ممتنع؟ فعلم أن مثل هذا الإلزام لا ينقطع به لا هم ولا خصومهم المسلمون لهم امتناع تسلسل الحوادث. وأما من يقول إنه يمكن تسلسل الحوادث فإنه يبين خطأهم في هذا التفريق ويقول: إذا كان الحي لا يخلو عما يقبله وعن ضده، والرب تعالى قابل للاتصاف بالقول والإرادة، لزم ان لا يخلو عن ذلك وعن ضده لكن ضده صفة نقص كضد السمع والبصر، فيلزم انه ما زال متصفاً بالقول والإرادة والاتصاف بنوع ذلك ممكن. ولهم جواب ثالث عما ذكره من الإلزام وهو ان يقال نحن قلنا الحي القابل لهذا لا يخلو عنه وعن ضده العام الذي يدخل فيه عدم هذه الصفات لم نقل إنه لا يخلو عنه وعن ضد وجودي فإن هذا ليس قولنا فإن القابل للشيء ولضده الوجودي قد يخلو عنهما عندنا. ولكن الأشعرية يقولون: إن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده الوجودي. وإذا كان كذلك، فضد القول والإرادة عدم ذلك، فلا يقال: القول في ضد ذلك كالقول فيه، ويلزم تسلسل الحوادث، لأن ضد ذلك عدم والعدم لا يفتقر إلى فاعل عندنا.

стр. 1354

ولا يضر عدم الشيء في الأزل ووجوده فيما لا يزال كالأفعال المحدثة. وهذا جواب محقق لهم. لكنه لا يتم ألا بأن يكون عدم القول والإرادة في الأزل ليس صفة نقص. وقولهم في ذلك كقول المعتزلة وهم خير من المعتزلة من وجهين: من جهة انهم يجعلون القول والإرادة قائمة بذاته وهذا بحث آخر لا يختص بهذه المسألة. ومن جهة أنهم يثبتون مشيئة أزلية وقابلية أزلية. وأيضاً فما ادعاه من انه أثبت أن الحوادث لا بد وأن تكون متناهية ليس كما ذكر. وقد عرف الكلام فيما ذكر هو وغيره وضعف ذلك. الثالث قال أبو الحسن الآمدي يعني في بيان تناقضهم أن من مذهبهم أن القول الحادث والإرادة الحادثة عرض كاللون والطعم والرائحة، وأنه يجوز في الشاهد تعري

стр. 1355

الجواهر عن الأقوال والإرادات، والطعوم والرائح والألوان، مع جواز اتصافها بها، وقد أحالوا قيام الألوان والطعوم والرائح بذات الله تعالى، وجوزوا ذلك في القول والإرادة، ولو قيل لهم لم قضيتم بجواز قيام الطعوم والألوان والروائح بذات الله تعالى من غير أن يلزم استحالة التعري عنها، كما في القول الحادث والإرادة الحادثة، لم يجدوا إلى الفرق سبيلاً. تعليق ابن تيمية فيقال: ولقائل أن يقول: جوابهم في هذا كجواب الأشعرية والسالمية، إذا قيل لهم: لم وصفتم الرب بالقول والإرادة، ولم تصفوه بالطعم واللون والريح؟ فإذا قالوا: لأن القول والإرادة من الصفات المشروطة بالحياة، وهي صفة كمال بخلاف الطعم واللون والريح، أو غير هذا من الفرق قالت الكرامية نظير ذلك، فالفرق بين هذا وهذا ليس من خصائص مسألة حلول الحوادث، فإن نفي ذلك عند من ينفيه واجب، سواء قال بحلول الحوادث أو لم يقل، وإنما يفترقان في أن هذا يجوز حدوث ذلك بخلاف الآخر، فحاصله أنهم لم ينفوا الطعم واللون والريح، لكونه لو قبلها لم يخل منها، فإن هذا الأصل عندهم

стр. 1356

فاسد، بل نفوها لما فارقت به صفات الحي وأيضاً فيقال الفرق الذي فرقوا به بين اللون والريح وبين القول والإرادة، إما أن يكون مؤثراً، وإما أن لا يكون. فإن كان مؤثراً بطل الإلزام، وإن لم يكن مؤثراً لزم خطؤهم في إحدى الصورتين لا بعينها، فلم لا يجوز أن يكون الخطأ فيما نفوه لا فيما أثبتوه، فلا يدل على صحة الصورتين لا بعينها، فلم لا يجوز أن يكون الخطأ فيما نفوه لا فيما أثبتوه، فلا يدل على صحة قول المنازع لهم فيما أثبتوه، فإن أقام المنازع لهم دليلاً عقلياً أو سمعياً على نفي اللون والريح، دون القول والإرادة، كان ذلك فرقاً مؤثراً، وإن أقام دليلاً على نفي حلول الجميع، كان ذلك حجة كافية دون الإلزام. الوجه الرابع قال الآمدي هو أن من مذهبهم أن الرب متحيز، وانه مقابل للعرش وأكبر منه وليس مقابلاً لجوهر فرد من العرش. وقد قالوا: بأن العرض الواحد لا يقوم بجوهرين ن والصفة الحادثة في ذات الله تعالى وهي القول أو

стр. 1357

الإرادة كما هو مذهبهم، يوجب قيامها مع اتحادها بجزئين فصاعداً، وهو مناقض لمذهبهم. تعليق ابن تيمية قلت: ولقائل أن يقول قولهم: إن العرض لا يقوم بجوهرين، مع قولهم بقيام القول والإرادة بالله تعالى، أمر لا يختص بمسألة الحوادث، فإن العلم والقدرة والمشيئة القديمة عندهم بذات الله تعالى، فالقيام بذاته لا يفترق الحال فيه بين أن يكون قديماً أو حادثاً، من جهة بذات الله تعالى، فالقيام بذاته لا يفترق الحال فيه بين أن يكون قديماً أو حادثاً، من جهة كونه صفة واحدة قامت بجزأين، بل هذا بحث يتعلق بمسألة الصفات مطاقاً ولها موضع آخر. وأيضاً فيقال: إذا كان من مذهبهم أن الرب متحيز، كما حكاه عنهم، مع أن ابن الهيصم وغيره منهم ينكر أن يكون متحيزاً، فما ذكر من حجة المعتزلة عليهم غايتها إلزامهم إذا قامت به الصفات والحوادث أن يكون متحيزاً، فإذا كانوا ملتزمين لذلك كان هذا طرد قولهم، ويبقى البحث ليس هو في هذه المسألة، بل يبقى الكلام مع المعتزلة يعود إلى مسألة التحيز. والكلام إذا عاد إلى أصل واحد، كان الكلام فيه أخف، مع

стр. 1358

انهم يمكنهم أن يلزموا المعتزلة بقيام الحوادث به وإن لم يكن متحيزاً إذا كان لكل من المسألتين مأخذ يخصه وبينهما اتفاق وافتراق. وأيضاً فإن ذكر قولهم في العرش ههنا لا يظهر له وجه، إلا أن يقال هم يقولون بالتحيز، والمتحيز مركب من الجواهر المنفردة، والعرض الواحد لا يقوم بجوهرين، فلا تقوم به إرادة ولا قول. وهذا القول إن توجه كان سؤلاً عليهم في أصل إثبات الصفات لله سواء كانت قديمة أو حادثة، لا يختص هذا بمسألة حلول الحوادث. والكرامية لهم في إثبات الجوهر الفرد قولان فمن نفى ذلك لم يلزمه هذا الإلزام، ومن أثبته كان جوابه عن هذا كجواب غيره من الصفاتية في الصفات القائمة بالملائكة والآدميين وغيرهم، وكان لهم أيضاً أجوبة أخرى، كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. الوجه الخامس قال الآمدي هو أن من مذهبهم أن مستند المحدثات إنما هو القول الحادث أو الإرادة الحادثة، ومستند القول

стр. 1359

والإرادة القدرة القديمة والمشيئة الأزلية، ولا فرق بين الحادث والمحدث من جهة تجدده، وهو إنما كان مفتقراً إلى المرجح من جهة تجدده، وقد استويا في التجدد، فلو قيل لهم لم لا أكتفي بالقدرة القديمة والمشيئة الأزلية في حدوث المحدثات من غير توسط القول والإرادة، كما اكتفى بها في القول والإرادة لم يجدوا إلى الفرق سبيلاً. تعليق ابن تيمية فيقال: ولقائل أن يقول: من الصفات ما يثبت بالسمع، وقد يكون أثبتوا ذلك بالسمع، كما أثبت الصفاتية من السلف والخلف كابن كلاب والأشعري، والقاضي أبي بكر، والقشيري، والبيهقي، تكوين آدم باليدين بالسمع، مع أن غيره لم يحتج إلى ذلك. كما أثبت أيضاً الأشعري، وغيره التكوين يكن سمعاً، مع أن العقل يكتفي بالقدرة. ونقل ذلك عن أهل السنة والحديث، وقال عنهم إن الله لم يخلق شيئاً إلا قال له: كن. وذكر أنه: بقولهم يقول. والقرآن قد أخبر أنه إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون. وأن تخلص الفعل المضارع للاستقبال. وكذلك إذا ظرف لما يستقبل من الزمان يتضمن معنى الشرط غالباً.

стр. 1360

فلما رأوا السمع دل على أن المحدث يتعلق بقول وإرادة يكون المحدث عقبه مع علمهم بأن قول الرب وإرادته لا يقوم إلا بذاته قالوا ذلك. وأيضاً فجميع الطوائف فرقوا بين حادث وحادث، وشرطوا في هذا ما لم يشرطوه في الآخر. فالفلاسفة يقولون: كل حادث مشروط بما قبله من الحوادث، ولا يسوون بين الحوادث. والمعتزلة البصريون يقولون كل المحدثات لا تحدث إلا بإرادة، ولا تقوم الصفات إلا بمحل. وقالوا إن الإرادة حدثت بلا إرادة وقامت في غير محل، وكذلك الفناء عندهم. والأشعرية فرقوا بين خلق وغيره. وأيضاً فلا يخلو: إما أن يكون بين هذين الحادثين فرق مؤثر، وغما أن لا يكون، فإن كان بينهما فرق مؤثر بطل الإلزام، وإن لم يكن فرق مؤثر لزم خطؤهم في أحد القولين: إما في الاكتفاء في الحدوث بالقدرة القديمة، وغما في إثبات شيء حادث للمحدثات المنفصلة.

стр. 1361

وحينئذ فقد يكونون إنما أخطأوا في الاكتفاء بمجرد القدرة والإرادة القديمة، كما يقوله من يقول إن الحوادث لا بد لها من سبب حادث، وحينئذ فيلزمهم القول بدوام الحوادث. كما هو قول من قاله من السلف وأهل الحديث والكلام والفلسفة. وفي الجملة هذا الإلزام إذا صح يلزم الخطأ في أحد الموضعين، لا يلزم صحة قول المنازع. الوجه السادس قال الآمدي يخص القائلين بحدوث القول، وذلك انهم وافقوا على أن القول مركب من حروف منتظمة، والحروف متضادة، فإنا كما نعلم استحالة الجمع بين السواد والبياض، نعلم استحالة الجمع بين الحروف ن وأنه يتعذر الجمع بين الكاف والنون، من قوله: كن. وقد وافقوا على استحالة تعري الباري عن الأقوال الحادثة في ذاته بعد قيامها به، وعند ذلك فإما أن يقال باجتماع حروف القول في ذات الباري تعالى، أولا

стр. 1362

يقال باجتماعها فيه. فإن قيل باجتماعها: فإما أن يقال بتجزىء ذات الباري تعالى، وقيام كل حرف بجزء منه، وإما أن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات. فإن كان الأول فهو محال لوجهين: الأول: أنه يلزم منه التركيب في ذات الله تعالى وقد أبطلناه في إبطال القول بالتجسيم. الثاني: أنه ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض الحروف دون البعض. أولى من العكس. وإن كان الثاني، فيلزم منه اجتماع المتضادات في شيء واحد وهو محال. وإن لم نقل باجتماع حروف القول في ذاته، فيلزم منه مناقضة أصلهم في أن ما اتصف به الرب تعالى يستحيل عروه عنه بعد اتصافه به، والحرف السابق الذي عدم عند وجود اللاحق قد كان صفة للرب وقد زال بعد وجوده له. تعليق ابن تيمية قلت ولقائل أن يقول: هذا غايته ان يستلزم خطأهم في قولهم: إن ما يقوم به من الحوادث لا يخلو منه.

стр. 1363

ولا ريب أن أكثر الناس يخالفونهم في هذا، ولا يقولون بدوام الحادث المعين. فمن قال بإثبات الاستواء والنزول، وغيرهما من الأفعال القائمة بذاته، المتعلقة بمشيئته وقدرته، لا يقول: إن ذلك يدوم. وكذلك أكثر القائلين بأن الله كلم موسى بنداء بصوت سمعه موسى، والنداء بالصوت قائم بذات الله تعالى، لا يقولون: إن ذلك النداء بعينه دائم أبداً، ونظائره كثيرة. وإذا كان كذلك، فيقال إما أن يكون بقاء الحادث الذي هو الحروف والأصوات ممكناً، أو ممتنعاً. فإن كان ممكناً، صح قول الكرامية. وإن كان ممتنعاً، صح قول من ينازعهم في دوام الحادث ويقول: إنه لا يبقى، مع اتفاق الجميع على قيام الحوادث به. وحينئذ فعلى التقديرين لا يلزم صحة قول المنازع النافي لقيام الحوادث به. وأيضاً فيقال قول القائل إنه يستحيل الجمع بين الحروف، هو من موارد النزاع. فذهب طوائف إلى إمكان اجتماعها من القائلين بقدم الحروف، والقائلين بحدوثها. وهذا قول السالمية وغيرهم من القائلين باجتماعها مع قدمها، وقول من قال باجتماعها مع حدوثها كالكرامية.

стр. 1364

وقد قال بالأول: طوائف من أهل الحديث والفقه والكلام، من أصحاب مالك والشافعي واحمد وغيرهم. وإذا كان هذا من موارد النزاع، فإذا قال مثل هذا القائل نحن نعلم استحالة اجتماع الحروف، كما نعلم استحالة اجتماع الضدين كالسواد والبياض. قيل له فالذي تنصرهم أنت من الكلابية والأشعرية قالوا بأن المعاني التي هي معاني الحروف المنتظمة، هي معنى واحد في نفسه والأمر والنهي والخبر صفات لموصوف واحد، فالذي هو الأمر هو الخبر ن والذي هو الخبر هو النهي وقالوا إن ذلك بالسريانية كان إنجيلاً. ولا ريب أن جمهور العقلاء من الأولين والأخرين القائلين بأن القرآن غير مخلوق، والقائلين بأنه مخلوق ن يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالضرورة من عدة أوجه: منها كون الأمر هو عين الخبر. ومنها كون الخبر عن الخالق بمثل آية الكرسي هو الخبر عن المخلوق بمثل ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ .

стр. 1365

ومنها كون معاني التوراة إذا عربت تكون معاني القرآن إلى أمثال ذلك. ولهذا لم يقل هذا القول من طوائف المسلمين ولا غير المسلمين إلا ابن كلاب ومن اتبعه. وهذا القول يتضمن أن تكون المعاني المتنوعة معنى واحداً. ولو قال: إن المعاني التي للحروف يمكن اجتماعها في زم واحد، كان أقرب إلى المعقول من كونها معنى واحد. ولو قال قائل إن الحروف المجتمعة هي حرف واحد في الحقيقة، وغنما الحروف المتفرقة صفات للحرف لا أقسام له، كان هذا شبيهاً بقول من يقول إن تلك المعاني المتنوعة معنى واحد. وذلك انه من المعلوم بالاضطرار أن الحروف المنتظمة مطابقة لمعانيها المدلول عليها بها، تحدث بحدوثها في نفس المتكم. وإذا قال القائل إن الحروف متضادة يمتنع اجتماع اثنين منها في محل واحد، أمكن أن يقال إن المعاني متضادة يمتنع اجتماع اثنين في محل واحد. فإن غاية ما يقال إن محل المعاني واحد بخلاف محل الحروف

стр. 1366

فإنه متعدد لكن تعدد المحل واتحاده لا ينفي التضاد فإن المثلين متضادان وغن كانا متماثلين في الحقيقة والمحل، فالباء والتاء تتضادان أعظم من تضاد الباء والحاء إذ الحرفان يتعدد محلها يمكن اجتماعها ن بخلاف ما يتحد محلهما والضدان إنما يمتنع اجتماعهما في محل واحد لا في محلين. فإذا قدر أن الحروف لا تكون إلا في محل واحد كانت بمنزلة معانيها التي لا تكون إلا في محل واحد. وإذا قدر أن لها محلين أمكن اجتماعها، كما تجتمع أصوات المتكلمين جميعاً. لكن الواحد منا لا يقدر منا لا يقدر على ذلك لكون حركة بعض آلاته مستلزماً لحركة الآخر وإلا فلو قدر أنا يمكننا تحريك الجميع كالذي ينفخ بيديه في هذه نفاخة وفي هذه نفاخة، أمكن اجتماع الحروف واجتماع الأصوات في زمن واحد مع تعدد المحل. وإنما الذي يظهر امتناعه اجتماع حرفين في محل واحد في زمن واحد. ولكن هذا قد يقال فيه إنه بمنزلة معاني الكلام فإن الواحد منا يجد من نفسه أنه لا يمكنه جمع معاني الكلام في زمن واحد في قلبه. وإذا كان كذلك فمن قال باجتماع المعاني لزمه ما يلزم من قال

стр. 1367

باجتماع الحروف، فكيف من قال إن المعاني تكون معنى واحداً. والفضلاء من أصحاب اعري يعترفون بضعف لوازم هذا القول مع نصرهم لكثير من أقواله الضعيفة. استطرادات مقالة الآمدي في مسألة كلام الله تعالى حتى الآمدي لما تكلم في مسألة الكلام قال فإن قيل وإذا ثبت أنه متصف بصفة الكلام، وان كلامه قديم وأنه ليس بحرف ولا صوت، فهو متحد لاكثره فيه في نفسه، بل التكثر إنما هو في تعلقاته ومتعلقاته فإن قيل عاقل ما لا يماري نفسه في انقسام الكلام إلى أمر ونهي وغيره من أقسام الكلام، وإن ما انقسم إليه حقائق مختلفة وأمور متمايزة وانها من أخص أوصاف الكلام، لا أن الاختلاف عائد إلى نفس العبارات والتعلقات والمتعلقات، ولهذا فإنا لو قطعنا النظر عن العبارات والتعلقات والمتعلقات ورفعناها وهماً لم يخرج الكلام عن كونه منقسماً وأيضاً فإن ما أخبر به عن القصص الماضية والأمور السالفة

стр. 1368

مختلفة متمايزة وكذلك المامورات والمنهيات مختلفة أيضاً فلا يتصور أن يكون الخبر عما جرى لموسى هو نفس الخبر عما جرى لعيسى، ولا الأمر بالصلاة هو نفس الأمر بالزكاة وغيرها ولا أن ما تعلق بزيد هو نفس ما تعلق بعمرو ولا ما سمى خبراً هو عين ما سمى أمراً إذ الأمر طلب والخبر لا طلب فيه بل هو حكم بنسبة مفرد إلى مفرد إيجاباً أو سلباً فثبت ان الكلام انواع مختلفة، والكلام عام للكل فيكون كالجنس لها. قلنا قد بينا فيما تقدم أن الكلام قضية واحدة ومعلوم واحد قائم بالنفس، وأن اختلاف العبارات عنه بسبب اختلاف التعلقات والمتعلقات وهذا النوع من الاختلاف ليس راجعاً إلى اخص صفة الكلام بل إلى أمر خارج عنه وعلى هذا نقول إنه لو قطع النظر عن التعلقات والمتعلقات الخارجة فلا سبيل إلى توهم اختلاف في الكلام النفساني أصلاً ولا يلزم منه رفع الكلام في نفسه وزوال حقيقته.

стр. 1369

قال وعلى هذا فلا يخفى اندفاع ما استبعدوه من اتحاد الخبر واختلاف المخبر واتحاد الأمر واختلاف المأمور وكذلك اختلاف الأمر والخبر مع اتحاد صفة الكلام. قال فإن قيل إذا قلتم بأن الكلام قضية واحدة وأن اختلاف العبارات عنها بسبب المتعلقات الخارجة فلم لا جوزتم أن تكون الإرادة والقدرة والعلم وباقي الصفات راجعة إلى معنى واحد ويكون اختلاف التعبيرات عنه بسبب المتعلقات لا بسبب اختلافه في ذاته وذلك بأن تسمى إرادة عند تعلقه بالتخصيص وقدرة عند تعلقه بالإيجاد وهكذا سائر الصفات. وإن جاز ذلك فلم لا يجوز أن يعود ذلك كله إلى نفس الذات من غير احتياج إلى الصفات. وقال أجاب الأصحاب عن ذلك بأنه يمتنع أن يكون الاختلاف بين القدرة والإرادة بسبب التعلقات والمتعلقات، إذ

стр. 1370

القدرة معنى من شانه تأتي الإيجاد به والإرادة معنى من شانه تأتي تخصيص الحادث بحال دون حال، وعند اختلاف التأثيرات لا بد من الاختلاف في نفس المؤثر وهذا بخلاف الكلام فإن تعلقاته بمتعلقاته لا توجب أثراً فضلاً عن كونه مختلفاً. قال وفيه نظر وذلك انه وإن سلم امتناع صدور الآثار المختلفة عن المؤثر الواحد مع إمكان النزاع فيه فهو موجب للاختلاف في نفس القدرة وذلك لأن القدرة مؤثرة في الوجود والوجود عند أصحابنا نفس الذات، لا انه زائد عليها وإلا كانت الذوات ثابتة في العدم وذلك مما لا نقول به وإذا كان الوجود هو نفس الذات ثابتة في العدم وذلك مما لا قول به وإذا كان الوجود هو نفس الذات فالذوات مختلفة، فتأثير القدرة في آثار مختلفة، فيلزم أن تكون مختلفة كما قرروه، وليس كذلك. وأيضاً فإن ما ذكروه من الفرق، وإن استمر في القدرة والإرادة فغير
следующие страницы →