← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

فإنه متعدد لكن تعدد المحل واتحاده لا ينفي التضاد فإن المثلين متضادان وغن كانا متماثلين في الحقيقة والمحل، فالباء والتاء تتضادان أعظم من تضاد الباء والحاء إذ الحرفان يتعدد محلها يمكن اجتماعها ن بخلاف ما يتحد محلهما والضدان إنما يمتنع اجتماعهما في محل واحد لا في محلين. فإذا قدر أن الحروف لا تكون إلا في محل واحد كانت بمنزلة معانيها التي لا تكون إلا في محل واحد. وإذا قدر أن لها محلين أمكن اجتماعها، كما تجتمع أصوات المتكلمين جميعاً. لكن الواحد منا لا يقدر منا لا يقدر على ذلك لكون حركة بعض آلاته مستلزماً لحركة الآخر وإلا فلو قدر أنا يمكننا تحريك الجميع كالذي ينفخ بيديه في هذه نفاخة وفي هذه نفاخة، أمكن اجتماع الحروف واجتماع الأصوات في زمن واحد مع تعدد المحل. وإنما الذي يظهر امتناعه اجتماع حرفين في محل واحد في زمن واحد. ولكن هذا قد يقال فيه إنه بمنزلة معاني الكلام فإن الواحد منا يجد من نفسه أنه لا يمكنه جمع معاني الكلام في زمن واحد في قلبه. وإذا كان كذلك فمن قال باجتماع المعاني لزمه ما يلزم من قال

стр. 1367

باجتماع الحروف، فكيف من قال إن المعاني تكون معنى واحداً. والفضلاء من أصحاب اعري يعترفون بضعف لوازم هذا القول مع نصرهم لكثير من أقواله الضعيفة. استطرادات مقالة الآمدي في مسألة كلام الله تعالى حتى الآمدي لما تكلم في مسألة الكلام قال فإن قيل وإذا ثبت أنه متصف بصفة الكلام، وان كلامه قديم وأنه ليس بحرف ولا صوت، فهو متحد لاكثره فيه في نفسه، بل التكثر إنما هو في تعلقاته ومتعلقاته فإن قيل عاقل ما لا يماري نفسه في انقسام الكلام إلى أمر ونهي وغيره من أقسام الكلام، وإن ما انقسم إليه حقائق مختلفة وأمور متمايزة وانها من أخص أوصاف الكلام، لا أن الاختلاف عائد إلى نفس العبارات والتعلقات والمتعلقات، ولهذا فإنا لو قطعنا النظر عن العبارات والتعلقات والمتعلقات ورفعناها وهماً لم يخرج الكلام عن كونه منقسماً وأيضاً فإن ما أخبر به عن القصص الماضية والأمور السالفة

стр. 1368

مختلفة متمايزة وكذلك المامورات والمنهيات مختلفة أيضاً فلا يتصور أن يكون الخبر عما جرى لموسى هو نفس الخبر عما جرى لعيسى، ولا الأمر بالصلاة هو نفس الأمر بالزكاة وغيرها ولا أن ما تعلق بزيد هو نفس ما تعلق بعمرو ولا ما سمى خبراً هو عين ما سمى أمراً إذ الأمر طلب والخبر لا طلب فيه بل هو حكم بنسبة مفرد إلى مفرد إيجاباً أو سلباً فثبت ان الكلام انواع مختلفة، والكلام عام للكل فيكون كالجنس لها. قلنا قد بينا فيما تقدم أن الكلام قضية واحدة ومعلوم واحد قائم بالنفس، وأن اختلاف العبارات عنه بسبب اختلاف التعلقات والمتعلقات وهذا النوع من الاختلاف ليس راجعاً إلى اخص صفة الكلام بل إلى أمر خارج عنه وعلى هذا نقول إنه لو قطع النظر عن التعلقات والمتعلقات الخارجة فلا سبيل إلى توهم اختلاف في الكلام النفساني أصلاً ولا يلزم منه رفع الكلام في نفسه وزوال حقيقته.

стр. 1369

قال وعلى هذا فلا يخفى اندفاع ما استبعدوه من اتحاد الخبر واختلاف المخبر واتحاد الأمر واختلاف المأمور وكذلك اختلاف الأمر والخبر مع اتحاد صفة الكلام. قال فإن قيل إذا قلتم بأن الكلام قضية واحدة وأن اختلاف العبارات عنها بسبب المتعلقات الخارجة فلم لا جوزتم أن تكون الإرادة والقدرة والعلم وباقي الصفات راجعة إلى معنى واحد ويكون اختلاف التعبيرات عنه بسبب المتعلقات لا بسبب اختلافه في ذاته وذلك بأن تسمى إرادة عند تعلقه بالتخصيص وقدرة عند تعلقه بالإيجاد وهكذا سائر الصفات. وإن جاز ذلك فلم لا يجوز أن يعود ذلك كله إلى نفس الذات من غير احتياج إلى الصفات. وقال أجاب الأصحاب عن ذلك بأنه يمتنع أن يكون الاختلاف بين القدرة والإرادة بسبب التعلقات والمتعلقات، إذ

стр. 1370

القدرة معنى من شانه تأتي الإيجاد به والإرادة معنى من شانه تأتي تخصيص الحادث بحال دون حال، وعند اختلاف التأثيرات لا بد من الاختلاف في نفس المؤثر وهذا بخلاف الكلام فإن تعلقاته بمتعلقاته لا توجب أثراً فضلاً عن كونه مختلفاً. قال وفيه نظر وذلك انه وإن سلم امتناع صدور الآثار المختلفة عن المؤثر الواحد مع إمكان النزاع فيه فهو موجب للاختلاف في نفس القدرة وذلك لأن القدرة مؤثرة في الوجود والوجود عند أصحابنا نفس الذات، لا انه زائد عليها وإلا كانت الذوات ثابتة في العدم وذلك مما لا نقول به وإذا كان الوجود هو نفس الذات ثابتة في العدم وذلك مما لا قول به وإذا كان الوجود هو نفس الذات فالذوات مختلفة، فتأثير القدرة في آثار مختلفة، فيلزم أن تكون مختلفة كما قرروه، وليس كذلك. وأيضاً فإن ما ذكروه من الفرق، وإن استمر في القدرة والإرادة فغير

стр. 1371

مستمر في باقي الصفات كالعلم والحياة والسمع والبصر، لعدم كونها مؤثرة في أثر ما. قال والحق ان ما أورده من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات مشكل وعسى أن يكون عند غيري حله، ولعسر جوابه فر بعض أصحابنا إلى القول بان كلام الله القائم بذاته خمس صفات مختلفة وهي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء. تعليق ابن تيمية هذا كلامه. فيقال: قول القائل: إن الكلام خمس صفات، أو سبع أو تسع، أو غير ذلك من العدد، لا يزال ما تقدم من الأمور الموجبة تعدد الكلام. وقد رأيت انه يلزم من قال باتحاد معنى الكلام اتحاد الصفات كلها، ثم رفعها بالكلية، وجعلها نفس الذات وهذا يعود إلى قول القائلين بان الوجود واحد، ولا يميزون بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، وذلك لأنه من جوز على الحقائق المتنوعة أن تكون شيئاً واحداً غلا فرق بين هذا وهذا وذلك من جنس من يقول إن العالم هو العلم والعلم هو القدرة.

стр. 1372

ولهذا كان منتهى هؤلاء النفاة إلى أن يجعلوا الوجود الذي هو نوع واحد واحداً بالعين، فيجعلون وجود الخالق هو عين وجود المخلوقات، ووجود زيد هو عين وجود عمرو، ووجود الجنة هو عين وجود النار ووجود الماء هو عين وجود النار. ومنشأ ضلال هؤلاء كلهم أنهم يأخذون القدر المشترك بين الأعيان، وهو الجنس اللغوي، فيجدونه واحداً في الذهن، فيظنون أن ذلك هو وحدة عينية، ولا يميزون بين الواحد بالجنس والواحد بالعين، وأن الجنس العام المشترك لا وجود له في الخارج وإنما يوجد في الأعيان المتميزة. ولهذا شبه بعض أهل زماننا الكلام في أنه جنس واحد مع تعدد أنواعه بالنوع الواحد، وعلى قوله لا يبقى في الخارج كلام أصلا، ولو اهتدى لعلم أن هذا الكلام ليس هذا الكلام كما أن هذه الحركة ليست هذه الحركة وأن اشترك أنواع الكلام في الكلام كاشتراك أنواع الحركة في الحركة، بل اختلاف معاني الكلام أعظم من اختلاف أنواع الحركات من بعض الوجوه والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود هنا ان يقال: من جوز أن تكون القدرة والإرادة

стр. 1373

والعلم حقيقة واحدة كما أن الطلب والخبر حقيقة واحدة، فلماذا لا يجوز أن تكون حقيقة الحروف المختلفة حقيقة واحدة، وكذلك حقيقة الأصواب؟ لست أعني واحدة بالنوع بل. واحدة بالعين كما جعل الكلام واحداً بالعين، وكما سوغ ان تكون الصفات المتنوعة واحدة بالعين. والذين قالوا: إن الكلام حروف وأصوات متقارنة قديمة لا يسبق بعضها بعضاً وهو مع ذلك واحد، إنما قالوه تبعاً لأولئك وجرياً على قياس قولهم، وهو لازم لهم مع ظهور فساده، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم. ويلزم من قال ذلك أن يجعل الطعم واللون والريح شيئاً واحداً. وإذا قيل: هذا كالسواد والبياض. قيل له: ويلزمك ان تجعل السواد والبياض شيئاً واحداً، كما جعلت العلم والقدرة والحياة شيئاً واحداً. فإذا قال: نحن تكلمنا فيما يمكن اجتماعه من المعاني، والسواد والبياض متضادان. قيل: الجواب من وجهين

стр. 1374

أحدهما: أنه يلزمك هذا في المعاني المختلفة التي يمكن اجتماعها، كالطعم واللون والريح، فقل إنها شيء واحد، كما أن العلم والإرادة والقدرة، والطلب والخبر والأمر والنهي شيء واحد. الثاني: أن يقال: تضاد الحروف كتضاد معاني الكلام، أو تضاد الحركات لا كتضاد السواد والبياض. فإن المحل الواحد لا يتسع لحركتين ولا لمعنيين فلا يتسع لحرفين وصوتين وفرق بين ما يتضادان لأنفسهما وما يتضادان لضيق المحل. وإذا كان كذلك، كان تضاد الحروف والحركات، كتضاد معاني الكلام. فإن قلب الإنسان يعجز في الساعة الواحدة عن جمع جميع معاني الكلام، فإلحاق حروف الكلام بأسبابها، وهي الحركات ومضموناتها ومدلولاتها، وهي المعاني، أولى من إلحاقها بالمتضادات لنفسها، كالسواد والبياض. وحينئذ فإذا جعلت معاني الكلام شيئاً واحداً فاجعل حروف الكلام شيئاً واحداً، وإلا فما الفرق؟ وقد يقال في الفرق: إن الحروف مقاطع الأصوات والأصوات تابعة لأسبابها، وهي الحركات. والحركات: إما متماثلة وإما مختلفة، وكل من الحركات المختلفة والمتماثلة متضادة، لا يمكن اجتماع

стр. 1375

حركتين في محل واحد في زمن واحد، فلا يجتمع صوتان، فلا يجتمع حرفان. والحركات هي من الأكوان، والأكوان كالألوان، فكما لا يجتمع لونان مختلفان في محل واحد في وقت واحد، فلا يجتمع كونان مختلفان في محل واحد في وقت واحد. بخلاف معاني الكلام، كالطلب الذي يتضمن الحب للمأمور به والبعض للمنهى عنه، والخبر الذي يتضمن العلم والاعتقاد للمخبر عنه فإنها وإن كانت حقائق متنوعة لكن لا يمنع اجتماعها فإن الأمر بالشيء لا يضاد النهي عن غيره ولا العلم بثالث فلم تتضاد لأنفسها ولكنها لعجز العبد عن جمعها. فالأمور ثلاثة أنواع: ما امتنع اجتماعها لنفسها، كالألوان المختلفة. وما امكن اجتماعها، وقد تجتمع كالعلم والإرادة والقدرة، والطعم واللون والريح. وما يعجز بعض الأحياء عن جمعها، كجمع الإرادات الكثيرة والاعتقادات الكثيرة في زمن واحد فهذه ليس بين حقائقها منافاة تمنع اجتماعها، ولكن العبد يعجز عن جمعها، كما أنه لا يمتنع ان يعمل بلسانه عملاً وبيده

стр. 1376

عملا، وبرجله عملا، وأن يسمع كلام هذا القارئ وهذا القارئ وهذا القارئ، فالجمع بين هذه الأمور قد يتعذر العبد لا لامتناع اجتماعها في نفسه، فإن سمع هذا لا ينافي سمع هذا لذاته، ولا هذه الحركة تنافي هذه الحركة لذاتها ولهذا يعقل اجتماع هذه بخلاف اجتماع الضدين. وكذلك رؤية المرئيات المختلفة لا تتضاد، ولكن يتضاد تحريك الأجفان إلى جهتين مختلفتين، فنفس الحركات متضادة، وأما ما يحصل عنها من إدراك، فليس هو في نفسه متضاداً. فإذا قدر إدراك لا يفتقر إلى حركة، أو يحصل بحركة واحدة، كمن ينظر إلى السماء بتحديق واحد، لم يكن إدراكه لهذه المدركات في آن واحد متضاداً، فهل يمكن أن يقال في الصوت مثل ذلك، وأنه يمكن حصول أصوات بلا حركات وحينئذ فلا تتضاد تلك الأصوات المجتمعة في محل واحد في زمن واحد؟ فيه نزاع، وجمهور العقلاء على امتناعه فإن كان هذا مما يمكن اجتماعه صار كمعاني الكلام والصفات وإن لم يمكن اجتماعه صار كالمتضادات. وعلى هذا التقدير: فمن قال بإمكان اجتماع هذه الأمور لم يكن في قوله من الاستبعاد اعظم من قول من يقول: تكون تلك الحقائق المختلفة شيئاً واحداً.

стр. 1377

وليس اجتماع ما يظهر تضاده بأعظم من اتحاد ما يعلم اختلافه. وإذا قال القائل: الأمور الإلهية لا تشبه بأحوال العباد، بل العبد يختلف علمه باختلاف المعلومات وإرادته باختلاف المرادات ويتعدد ذلك فيه والباري ليس كذلك. قيل: فإذا جوزتم أن يكون ما يعلم تعدده واختلافه في المخلوقين واحداً لا تعدد فيه ولا تنوع في حق الخالق أمكن منازعكم أن يقول كذلك، فيقول: ما يمتنع اجتماعه في حقنا لا يمتنع اجتماعه في حقه لأنه واسع لا يقاس بالمخلوقين. بل اجتماع الأمور التي يظهر تضادها فينا أقرب من اتحاد الأمور التي نعلم اختلافها، فإن كون الشيء هو نفس ما يخالفه، أمر فيه قلب الحقائق. وأما اجتماع الشيء وغيره في حق الخالق، مع امتناع اجتماعهما في حق المخلوقات فيدل على أنه يمكن في حقه ما لا يمكن في حق الخلق وذلك يدل على عظمته وقدرته. وأيضاً فقد يقول الكرامية وأمثالهم: إن محل هذه الحروف والأصوات ليس هو بعينه محل الأخرى، والله واسع عظيم، لا يحيط العباد به علماً، ولا تدركه أبصارهم. وبالجملة فالناس متنازعون في إمكان اجتماع الحروف وإمكان

стр. 1378

قدمها، والنزاع في ذلك قديم ذكره الأشعري في المقالات وأصحاب أحمد متنازعون في ذلك، وكذلك أصحاب مالك، وأبي حنيفة والشافعي، وغيرهم من الطوائف وكذلك أهل الحديث والصوفية. وحينئذ فيقال: إما أن يكون ذلك ممتنعاً وغما ان يكون ممكناً فغن كان ممتنعاً لم يكن ظهور امتناعه أعظم من ظهور امتناع قول الكلابية الذي يوجب قدم المعاني المتنوعة التي هي مدلول العبارات المنتظمة، ويجعلها مع ذلك معنى واحداً. فإن الألفاظ قوالب المعاني، ونحن كما لا نعقل الحروف إلا متوالية متعاقبة فلا تعقل معانيها إلا كذلك وبتقدير أن نعقل اجتماع معانيها، فهي معان متنوعة ليست شيئاً واحداً. ولهذا لما قالت الكلابية لهؤلاء: الحروف متعاقبة، والسين بعد الباء وذلك يمنع قدمها. أجابوهم بثلاثة أجوبة كما ذكر ابن الزاغوني وقالوا هذا معارض بمعارض الحروف فإنها متعاقبة عندنا وانتم تقولون بقدمها. الثاني أن التعاقب والترتيب نوعان: أحدهما ترتيب في نفس الحقيقة والثاني ترتيب في وجودها فإذا كانت موجودة شيئاً بعد شيء كان الثاني حادثاً وأما الترتيب الذاتي العقلي فهو بمنزلة كون

стр. 1379

الصفات تابعة للذات وكون الإرادة مشروطة بالعلم والعلم مشروطاً بالحياة. وادعوا أن تقدم الحروف من هذا الباب وهذا الذي يقال له تقدم بالطبع وهو تقدم الشرط على المشروط كتقدم الواحد على الإثنين وجزء المركب على جملته ومثل هذا الترتيب لا يستلزم عدم الثاني عند وجود الأول. فقول هؤلاء إن كان باطلاً، فكون العلم هو الحياة، والحياة هي الإرادة، ومعنى القرآن هو معنى التوراة، ومعنى آية الكرسي وقل هو الله أحد هو معنى آية الدين وتبت يدا أبي لهب هو باطل أيضاً سواء كان مثله في البطلان أو أخفى بطلاناً منه او أظهر بطلاناً منه. وحينئذ فيقال: هب أن قول السالمية والكرامية باجتماع الحروف محال، فقول الكلابية أيضاً محال، فلا يلزم من بطلان ذاك صحة هذا. وقول المعتزلة والفلاسفة أبطل من الكل. وحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر وهو انه لم يزل متكلماً بحروف متعاقبة لا مجتمعة. وهذا يستلزم قيام الحوادث به، فمن قال بهذا لم يكن تناقض الكرامية حجة عليه، ولم يلزم من بطلان قولهم بطلان هذا الأصل وإن كان اجتماع الحروف ممكناً بطل أصل الاعتراض.

стр. 1380

ومعلوم أن القسمة العقلية أربعة لأن الحروف: إما أن يمكن قدم أعيانها، وحينئذ يلزم إمكان اجتماعها وإما ان لا يمكن قدم أعيانها بل قدم أنواعها وإما ان لا يمكن قدم أعيانها ولا أنواعها. وأما القسم الرابع: وهو قدم أعيانها لا أنواعها، فهذا لا يقوله عاقل وعلى التقديرين فإما أن يمكن اجتماعها وإما ان لا يمكن فهذه خمسة أقسام. وأيضاً فإذا أمكن الاجتماع، فإما ان يكون بقاؤها ممكناً، وإما أن لا يكون فالقول المذكور عن الكرامية يتضمن حدوث اعيانها وأنواعها، لكن مع إمكان اجتماعها وبقائها بعد الحدوث وهذا قول من أقوال متعددة. وبإزاء ذلك من يقول: يجب حدوثها ويمتنع بقاؤها إما مع إمكان الاجتماع وإما مع عدم إمكان الاجتماع. ومن يقول يجب قدم نوعها لا قدم أعيانها قد يقول بإمكان الاجتماع وقد لا يقول. والناس متنازعون في تكليم الله لعباده: هل هو مجرد خلق إدراك لهم من غير تجدد تكليم من جهته أو لا بد من تجدد تكليم؟ على قولين للمنتسبين إلى السنة وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم.

стр. 1381

فالأول: قول الكلابية والسالمية، ومن وافقهم من أصحاب هؤلاء الأئمة القائلين بان الكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته بل هو بمنزلة الحياة. والثاني: قول الأكثرين من أهل الحديث والسنة من أصحاب هؤلاء الأئمة وغيرهم وهو قول أكثر أهل الكلام من المرجئة والشيعة والكرامية والمعتزلة وغيرهم. قالوا: ونصوص الكتاب والسنة تدل على هذا القول، ولهذا فرق الله بين أيحائه وتكليمه كما ذكر في سورة النساء وسورة الشورى. والأحاديث التي جاءت بأنه يكلم عباده يوم القيامة ويحاسبهم وأنه إذا قضى أمراً في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان إلى غير ذلك مما يطول ذكره. وإذا كان كذلك امتنع أن لا يقوم كلام الله به فإنه يلزم ان لا يكون كلامه بل كلام من قام به كما قد قرر في موضعه. والله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة، لا يشغله حساب هذا عن حساب هذا وكذلك إذا ناجوه ودعوه أجابهم كما في الصحيح عن النبي ﷺ انه قال يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله حمدي عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم. قال الله أثنى على عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين قال مجدني عبدي فإذا

стр. 1382

قال إياك نعبد وإياك نستعين. قال هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولبعدي ما سأل. فإذا قال أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل. فقد أخبر النبي ﷺ أن الله يقول هذا لكل مصل، والناس يصلون في ساعة واحدة والله تعالى يقول لكل منهم هذا. وقد روي ان أبن عباس قيل له: كيف يحاسب الله الخلق في ساعة واحدة؟ فقال كما يرزقهم في ساعة واحدة وأمثال ذلك كثير. وحينئذ فمن قال: إن هذه أقوال قائمة بنفسه تتعلق بمشيئته وقدرته يلزمه أحد أمرين إما أن يقول باجتماعها في محل واحد، وإما أن يقول إن ذاته واسعة تسع هذه الأقوال كلها. ونحن نعقل ان يقوم بالذات الواحدة حروف كثيرة في آن واحد. وأصوات مجتمعة في آن واحد لكن لا يكون هذا حيث هذا إذ لا يعقل في الشاهد أنهما يجتمعان في محل واحد. وقد يقال: إن مثل هذا يجيء على قول من يقول: إنه يقوم بذاته لا نهاية لها، وإرادات لا نهاية لها، وقدر لا نهاية لها، فإن ذلك كقيام أفعال وأقوال لا نهاية لها. وهذا على وجهين: فمن قال:

стр. 1383

إن ذلك يقوم به على سبيل التعاقب فهو كمن يقول إنه تقوم به الكلمات والأفعال على سبيل التعاقب. ومن قال إنها كلها أزلية كما تقوله طائفة يقولون إنه تقوم به علوم لا نهاية لها في آن واحد كما يقوله أبو سهل الصعلوكي وغيره فإن هذا يشبه قول من يقول: تقوم به حروف لا نهاية لها في آن واحد. لكن قد يقال: اجتماع العلوم بمعلومات، والإرادات بمرادات، قد يقال إنه لا يتضاد كاجتماع معاني الكلام بخلاف اجتماع حروف فإنه كاجتماع أصوات واجتماع أصوات كاجتماع حركات. وجماع ذلك ان الحقائق: إما أن تكون متماثلة، وإما أن لا تكون. وإذا لم تكن متماثلة فإما أن يمكن اجتماعها في محل واحد في زمن واحد، وإما أن لا يمكن فالأولى المختلفة التي ليست بمتضادة، كالعلم والقدرة، وكالطعم واللون والثاني المتضادة، كسواد والبياض. وكالعجز مع القدرة، كالعلم بمعلومات والقدرة على مقدورات والإرادة ليست هي متضادة بل يمكن اجتماع

стр. 1384

ذلك، لكن قد يضيق عنه المحل، كما يضيق قلب العبد عن إجتماع أمور كثيرة من ذلك وإن كان قد يجتمع في قلبه من ذلك ما يسعه قلبه. والقلوب تختلف أيضاً بذاتها، ولهذا يمكن بعض الناس أن يقرأ ويفعل بيده ورجله وآخر لا يمكنه ذلك، كما يمكن هذا الحركة القوية الشديدة، والآخر لا يمكنه ذلك، ويمكن هذا أن يرى ويسمع من المختلفات ما لا يمكن الآخر رؤيته او سماعه. وإذا كان كذلك فالكلام في الصوت في شيئين: أحداهما: في بقائه وقدمه كما في بقاء الحركة وقدمها، ولا ريب في إمكان بقاء نوع الصوت والحركة، بمعنى حدوث الحركة والصوت شيئاً فشيئاً كحركة الفلك والكواكب. وأما إمكان قدم نوع الصوت والحركة ففيه قولان مشهوران للنظار فالجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم تنكر إمكان قدم ذلك وكثير من أئمة أهل الحديث والفقه والتصوف الفلاسفة يجوزون قدم ذلك ومنهم من يجوز قدم نوع الصوت لا نوع الحركة. وأما بقاء الصوت المعين والحركة المعينة فجمهور العقلاء يحيلون بقاء ذلك وقدمه، بل امتناع قدم ما يمتنع بقاؤه اولى فإن ما وجب قدمه

стр. 1385

وجب بقاؤه وامتنع عدمه ومن الناس من جوز بقاء الصوت المعين والحركة المعينة وبعض هؤلاء جوز قدم الصوت المعين. ولا فرق بين الحركة والصوت وأما الحروف المنطوق بها فالناس متنازعون: هل هي طرف للصوت أم يمكن وجود حروف منظومة بلا صوت على قولين. وإذ قيل: لا يمكن وجود حرف منطوق له إلا بصوت، فالحرف قد يعبر به عن نهاية الصوت وتقطعه وقد يعبر به عن نفس الصوت المقطع، كما يعبر بلفظ الحرف عن الحرف المكتوب، ويراد به مجرد الشكل تارة مجرداً عن المادة ويراد به مجموع المادة والشكل وهو المداد المصور. والمسألة الثانية: أن الأصوات المتنوعة سواء قيل بوجوب تعقبها شيئاً بعد شيء أو قيل بإمكان بقاء الصوت المعين: هل تقوم بالصائت الواحد، إذا كان محل هذا الصوت ليس هو بعينه محل هذا الصوت وإن كان الصائت واحداً؟ ولا ريب أن هذا أولى من قيام الحركات المتنوعة بالمتحرك الواحد، إذا قامت كل حركة بمحل غير محل الأخرى. وأما اجتماع الصوتين والحركتين في محل واحد فهو متعذر للتضاد عند اكثر العقلاء أو لضيق المحل عند بعضهم، كاجتماع العلمين

стр. 1386

والقدرتين والإرادتين المختلفتين والإدراكين، ثم إذا قدر ان محل هذه الصفات لا يكون إلا جسماً، فيبقى الكلام في الجسم هل هو مركب هل مركب من الجواهر المنفردة؟ أو من المادة والصورة؟ اولا من هذا ولا من هذا؟ لنظار ثلاثة أقوال في تركيب الجسم وفي ذلك للنظار ثلاثة أقولا: فمن قال بالمركب من الجواهر المنفردة اضطربوا في محل العلم ونحوه من العبد: هل هو جزء مفرد في القلب، كما يذكر عن ابن الرواندي؟ او أن الأعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء من الجملة اتصف بها سائر الجملة، كما يقوله المعتزلة؟ أو حكم العرض لا يتعدى محله بل يقوم، بل يقوم بكل جوهر فرد عرض يخصه من العلم والقدرة ونحو ذلك، كما يقوله الأشعري؟ على ثلاثة أقوال. ومن لم يقل بالجوهر الفرد لم يلزمه ذلك بل يقول: إن العرض القائم بالجسم ليس بمنقسم في نفسه، كما أن الجسم ليس بمنقسم، وأما قبوله للقسمة فهو كقبول الجسم للقسمة. وهؤلاء يقولون: إن الإنسان تقوم به الحياة والقدرة والحس بجميع بدنه، ويقولون: إن بدن الإنسان ليس مركباً من الجواهر المنفردة فلا يرد عليهم ما ورد على أولئك.

стр. 1387

وأما الأعراض القائمة بروحه من العلم والإرادة ونحو ذلك فهي أبعد عن الأنقسام من الأعراض ببدنه، وروحه أبعد عن كونها مركبة من الجواهر المنفردة من بدنه وإن قيل إنها جسم. وعلى هذا فإذا قيل: يقوم بها علم واحد بمعلوم واحد كان هذا بمنزلة أن يقال يقوم بالعين إدراك واحد لمدرك واحد وبمنزلة أن يقوم بداخل الأذن سمع واحد لمسموع واحد. وهذا وغيره مما يجيبون به المتفلسفة الذين قالوا إن النفس الناطقة لا تتحرك ولا تسكن ولا تصعد ولا تنزل وليست بجسم فإن عمدتهم على ذلك كونها يقوم بها مالا ينقسم، كالعلم بما لا ينقسم فيجب أن لا ينقسم وإذا لم تنقسم امتنع كونها جسما وكلا المقدمتين ممنوعة، كما قد بسط الجواب عن هذه الحجة التي هي عمدتهم في غير هذا الموضع. ولما عسر جواب هذه على الرازي ونحوه من أهل الكلام، اعتقدوا أن القول بالمعاد مبني على إثبات الجوهر الفرد لظنهم أنه لا يمكن الجواب عن هذه إلا بإثبات الجوهر الفرد وأن القول بالمعاد يفتقر إلى القول بان أجزاء البدن تفرقت ثم اجتمعت. وليس الأمر كذلك، فإن إثبات الجوهر الفرد مما أنكره أئمة السلف والفقهاء وأهل الحديث والصوفية وجمهور العقلاء وكثير من

стр. 1388

طوائف أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من الكرامية. والقول بمعاد الأبدان مما اتفق عليه أهل الملل، فكيف يكون القول بمعاد الأبدان مستلزما للقول بالجوهر الفرد؟ وبسط هذه الأمور له موضع آخر. والمقصود هنا التنبيه على ما ذكره من البحث مع الكرامية. وحينئذ فيقال قول الكرامية الذي حكاه عنهم من انه يستحيل تعري الباري عن الأقوال الحادثة في ذاته بعد قيامها قول لا يوافقهم عليه كل من وافقهم على أصل هذه المسألة، فإن الموافقين لهم على أصل المسألة هم أكثر الناس، وأئمتهم من الطوائف كلها، حتى من أئمة أهل السنة والحديث وأئمة الفلاسفة أهل الشرع وأهل الرأي وأما هذا القول فموافقهم عليه قليل. عود إلى مناقشة كلام الأمدي في مسألة كلام الله تعالى قال وعند ذلك فإما ان يقال باجتماع حروف القول في ذاته تعالى أو لا يقال باجتماعها فيه فإن قيل باجتماعها: فإما ان يقال بتحري ذات الباري وقيام كل حرف بجزأ منه وإماأن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات، فإن كان الأول فهو محال لوجهين:

стр. 1389

أحدهما انه يلزم منه التركيب في ذات الله وقد أبطلناه في أبطال لقول بالتجسيم. قلت: ولقائل أن يقول: قول القائل: إما أن يتجزأ ويلزم منه التركيب لفظ مجمل كما قد عرف غير مرة فإن هذا يفهم منه إما جواز الافتراق عليه، أو أنه مفترقاً فاجتمع أو ركبه ونحو هذه المعاني التي لا يقولونها. فإن أراد المريد بقوله إما أن يقال بتجزي ذات الباري تعالى هذا المعنى فهم لا يقولون بتجزئة، ولكن لا يلزم من رفع امتناع كون الذات واسعة تسع هذا وهذا وهذا وأن كل واحد يقوم لا يقوم الآخر وهذا هو الذي عناه بلفظ التجزي والتركيب. كلام الآمدي في نفي التجسيم وتعليق ابن تيمية وقوله إنه أبطل هذا في أبطال القول بالتجسيم فهم يقولون ليس فيما ذكرته في نفي التجسيم حجة على نفي قولهم. وذلك أنه قال والمعتمد في نفي التجسيم أن يقال لو كان

стр. 1390

الباري جسماً، فإما أن يكون كالأجسام وإما أن لا يكون كالأجسام فغن قيل إنه لا كالأجسام كان النزاع في اللفظ دون المعنى، والطريق في الرد ما أسلفناه في كونه جوهراً. وإن قيل إنه كالأجسام فهو ممتنع لثمانية اوجه: منها أربعة وهي ما ذكرناها في استحالة كونه جوهراً وهي الأول والثالث والرابع والخامس ويختص الجسم بأربعة أخرى. قلت والذي ذكره في إبطال كونه جوهراً هو أن المعتمد هو أنا نقول لو كان الباري جوهراً لم يخل إما أن يكون جوهراً كالجواهر أولا كالجواهر والأول باطل لخمسة أوجه وإن قيل إنه جوهر لا كالجواهر فهو تسليم للمطلوب فإنا إنما ننكر كونه جوهراً كالجواهر وإذا عاد الأمر إلى الإطلاق اللفظي فالنزاع لفظي ولا مشاحة فيه إلا من وجهة ورد التعبد من الشارع به، ولا يخفي أن ذلك مما لا سبيل إلى إثباته.

стр. 1391

قال وعلى هذا فمن قال إنه جوهر، بمعنى أنه موجود لا في موضوع، والموضوع هو المحل المقوم ذاته المقوم لما يحل فيه، كما قاله الفلاسفة، أو أنه جوهر بمعنى أنه قائم بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى غيره، كما قاله أبو الحسين البصري، مع اعترافه أنه لا يثبت له أحكام الجواهر، فقد وافق في المعنى وأخطأ في الإطلاق، من حيث إنه لم ينقل عن العرب إطلاق الجوهر بأزاء القائم بنفسه، لا ورد فيه إذن من الشرع. فيقال: إذا كان قول القائل: إنه جوهر لا كالجواهر وجسم لا كالأجسام موافقاً لقولك في المعنى، وإنما النزاع بينك وبينهم ف ياللفظ قامت حجته عليك لفظاً ومعنى. أما اللفظ فمن وجهين: أحداهما أنه كما أن الشارع لم يأذن في إثبات هذه الألفاظ له فلم يأذن في نفيها عنه، وأنت لم تسمه سخياً لعدم إذن الشرع، فليس لك أن تقول ليس بسخي لعدم إذن الشرع في هذا النفي بل إذا لم يطلق إلا ما إذن فيه الشرع، لا يطلق لا هذا ولا هذا.

стр. 1392

ثم أنت تسميه قديماً، وواجب الوجود، وذاتاً، ونحو ذلك مما لم يرد به الشرع، والشارع يفرق بين ما يدعي به من الأسماء، فلا يدعي إلا بالأسماء الحسنى، وبين ما يخبر بمضمونه عنه من الأسماء لإثبات معنى يستحقه، نفاة عنه ناف لما يستحقه من الصفات، كما انه من نازعك في قدمه أو وجوب وجوده قلت مخبراً عنه بما يستحقه إنه قديم وواجب الوجود، فإن كان النزاع مع من يقول هو جوهر وجسم في اللفظ فعذرهم في الإطلاق أن النافي ما يستحقه الرب من الصفات في ضمن نفي هذا الاسم، فأثبتنا له ما يستحقه من الصفات بإثبات مسمى هذا الاسم، كما فعلت أنت وغيرك في اسم قديم وذات وواجب الوجود ونحو ذلك. الثاني: أنك احتججت على نفي ذاك العرب لم ينقل عنها إطلاق الجوهر بإزاء القائم بنفسه. فيقال لك: ولم ينقل عنها إطلاقة بإزاء كل متحيز حامل للأعراض ولا نقل عنها إطلاق لفظ ذات بإزاء نفسه وإنما لفظ الذات عندهم تأنيث ذو فلا تستعمل إلا مضافة كقوله تعالى ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ الأنفال ١ وقوله ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ الأنفال ٤٣. وقول النبي

стр. 1393

صلى الله عليه وسلم: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله» . وقول خبيب وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع وأمثال ذلك أي في جهة الله أي لله تعالى. ولهذا أنكر ابن برهان وغيره على المتكلمين إطلاق لفظ ذات الله. وإذا كان كذلك فأنت أطلقت لفظ الذات على ما لم تطلقه العرب بغير إذن من الشرع. ولو قال لك قائل: إن الله ليس بذات. نازعته. فهكذا يقول منازعك في اسم الجوهر والجسم إذا كان موافقاً لك على معناهما. وأيضاً فإن لفظ الجوهر والجسم قد صار في أصطلاحكم جميعاً أعم مما استعملت فيه العرب فإن العرب لا تسمي كل متحيز

стр. 1394

جوهراً ولا تسمي كل مشار إليه جسماً فلا تسمي الهواء جسماً. وفي أصطلاحكم سميتم هذا جسماً، كما سميتم في اصطلاحكم باسم الذات كل موصوف أو كل قائم بنفسه أو كل شيء فلستم متوقفين في الاستعمال لا على حد اللغة العربية ولا على إذن الشارع لا في النفي ولا في الإثبات. فإن لم يكن لك حجة على منازعك إلا هذا، كان خاصماً لك، وكان حكمه فيما تنازعتما فيه كحكمكما فيما اتفقتما أو فيما انفردت به من هذا الباب. وأيضاً فحكايتك عن الفلاسفة أنهم يسمونه جوهراً، والجوهر عندهم الموجود لا في موضوع إنما قاله ابن سينا ومن تبعه. وأما أرسطو وأتباعه وغيرهم من الفلاسفة فيسمونه جوهراً، فالوجود كله ينقسم عندهم إلى جوهر وعرض، والمبدأ الأول داخل عندهم في مقوله الجوهر. والأظهر أن النصارى إنما أخذوا تسميته جوهراً عن الفلاسفة فإنهم ركبوا قولاً من دين المسيح ودين المشركين الصابئين. وأما النزاع المعنوي فيقال: قول القائل إنه جوهر كالجواهر أو جسم كالأجسام لفظ مجمل، فإنه قد يراد به أنه مماثل لكل جوهر وكل

стр. 1395

جسم فيما يجب ويجوز ويمتنع عليه وقد يريد به أنه مماثل لها في القدر المشترك بينها كلها، بحيث يجب ويجوز ويمتنع عليه ما يجب ويجوز ويمتنع على ما حصل فيه القدر المشترك منها، ولو أنه واحد. فأما الأول فإنه إما أن يقول مع ذلك بتماثل الأجسام والجواهر، وإما أن يقول باختلافها فإن قال بتماثلها كان قوله هو القول الثاني، إذ كان يجوز على كل منها ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه باعتبار ذاته. وإن قال باختلافها امتنع مع ذلك أن يقول إنه كالأجسام فإنه من المعلوم على هذا التقدير أن كل جسم ليس هو مثل الآخر، ولا يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر فكيف يقال في الخالق سبحانه إنه يجوز عليه ما يجوز على كل مخلوق قائم بنفسه حتى في الجماد والنبات والحيوان. هذا لا يقوله عاقل حتى القائلون بوحدة الوجود، فهؤلاء عندهم هونفس وجود الأجسام المخلوقة، ولكن هم مع هذا لا يقولون إنه يجوز على وجود جميع الموجودات ما يجوز على وجود هذا. وهذا وإن قال: إنه كالأجسام المخلوقة في القدر المشترك بينها بحيث يجوز عليه ما يجوز على المجموع لا على كل واحد واحد فهذا

стр. 1396

أيضاً قول معلوم الفساد ولا نعرف قائلاً معروفاً يقول به فإن هذا هو التشبيه والتمثيل الذي يعلم تنزه الله عنه إذ كان كل ما سواه مخلوقاً والمخلوقات تشترك في هذا المسمى فيجوز على المجموع من العدم والحدوث والافتقار ما يجب تنزيه الله عنه بل لو جاز ووجب وامتنع عليه ما يجوز ويجب ويمتنع على الممكنات والمحدثات لزم الجمع بين النقيضين، فإنه يجب له الوجود والقدم، فلو وجب ذلك للمحدث، مع أنه لا يجب له ذلك، لزم أن يكون ذلك واجباً للمحدث غير واجب له، ولو جاز عليه الإمكان والعدم، مع أن الواجب بنفسه، القديم الذي لا يقبل العدم، لا يجوز عليه الإمكان والعدم للزم أن يمتنع عليه العدم لا يمتنع عليه، وأن يجب له الوجود، لا يجب له، وذلك جمع بين النقيضين. فتنزيه الله عما يستحق التنزيه عنه من مماثلة المخلوقين يمنع أن يشاركها في شيء من خصائصها، سواء كانت تلك الخاصة شاملة لجميع المخلوقات، أو مختصة ببعضها. فعلم أن القول بأنه جوهر كالجواهر، أو جسم كالأجسام، سواء جعل التشبيه لكل منها، أو بالقدر المشترك بينها، لم تقل به طائفة معروفة أصلاً. فإن كان النزاع ليس إلا مع هؤلاء فلا نزاع في المسألة فتبقى بحوثه المعنوية في ذلك ضائعة، وبحوثه اللفظية غير نافعة مع أني إلى ساعتي هذه لم أقف على قول لطائفة ولا نقل عن طائفة أنهم قالوا

стр. 1397

جسم كالجسام مع أن مقالة المشبهة الذين يقولون يد كيدي وقدم كقدمي وبصر كبصري مقالة معروفة وقد ذكرها الأئمة كيزيد ابن هارون، واحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية وغيرهم وأنكروها وذموها، ونسبوها إلى مثل داود الجواربي البصري وأمثاله. ولكن مع هذا صاحب هذه المقالة لا يمثله بكل شيء من الجسام بل ببعضها ولا مع ذلك أن يثبتوا التماثل من وجه والاختلاف من وجه لكن إذا أثبتوا من التماثل ما يختص بالمخلوقات كانوا مبطلين على كل حال. وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر. فإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون يد كيدي وبصر كبصري وقدم كقدمي. وقد قال الله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١

стр. 1398

وقال تعالى ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ الإخلاص: ٤ وقال ﴿هل تعلم له سميا﴾ مريم: ٦٥ وقال تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ البقرة: ٢٢. وأيضاً فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض كما قد بسط الكلام على ذلك في غير موضع ن وأفردنا الكلام على قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١ في مصنف مفرد. وأما الكلام في الجسم والجوهر ونفيهما أو إثباتهما فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك لا نفياً ولا إثباتاً. والنزاع بين المتنازعين في ذلك بعضه لفظي وبعضه معنوي اخطأ هؤلاء من وجه، وهؤلاء من وجه فإن كان النزاع مع من يقول هو جسم أو جوهر إذا قال لا كالأجسام ولا كالجواهر إنما هو اللفظ فمن قال هو كالأجسام والجواهر يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى. فإن فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى كان قوله مردوداً وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله فكل قول تضمن هذا فهو باطل.

стр. 1399

وإن فسر قوله جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه. فلا بد أن يلحظ في هذا المقام إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا وذلك مثل أن يقول أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات وبين كل حي عليم سميع بصير وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات وإلا فلو قال الرجل هو حي لا كالأحياء وقادر لا كالقادرين وعليم لا كالعلماء وسميع لا كالسمعاء وبصير لا كالبصراء ونحو ذلك واراد بذلك نفي خصائص المخلوقين فقد أصاب. وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله فقد أخطأ. إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته يقع من جهة المعنى في شيئين أحدهما انهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين. فمن قال بتماثلها قال كل من قال إنه جسم لزمه التمثيل. ومن قال إنها لا تتماثل قال إنه لا يلزمه التمثيل.

стр. 1400

ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة بحسب ما ظنوه لازماً لهم كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة ومجسمة وحشوية وغثاء وغثراء ونحو ذلك ما ظنوه لازماً لهم. لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم لم يجز نسبتها إليه على إنها قول له سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها دل على فساد قوله. وعلى هذا النزاع بين هؤلاء وهؤلاء في تماثل الأجسام وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبين الكلام على جميع حججهم. والثاني أن مسمى الجسم في اصطلاحهم قد تنازعوا فيه هل هو مركب من أجزاء منفردة أو من الهيولى والصورة أو لا مركب لا من هذا ولا من هذا؟ وإذا كان مركباً فهل هو جزآن أو ستة أجزاء أو ثمانية أجزاء أو ستة عشر جزءاً أو اثنان وثلاثون؟ هذا كله مما تنازع فيه هؤلاء فمثبتوا التركيب المتنازع فيه في الجسم يقولون لأولئك إنه لازم لكم إذا قالوا هو جسم وأولئك ينفون هذا اللزوم.

стр. 1401

وقد يكون في المجسمة من يقول إنه جسم مركب من الجواهر المنفردة وينازعهم في امتناع مثل هذا التركيب عليه ويقول لا حجة لكم على نفي ذلك إلا ما اقمتموه من الأدلة على كون الأجسام محدثة أو ممكنة وكلها أدلة باطلة، كما بسط في موضعه. وبينهم نزاع في أمور أخرى ينازعهم فيها من لا يقول هو جسم مثل كونه فوق العالم أو كونه ذا قدر أو كونه متصفاً بصفات قائمة به. فالنفاة يقولون هذه لا تقوم إلا بجسم، وأولئك قد ينازعونهم في هذا أو بعضه، وينازعونهم في إتنفاء هذا المعنى الذي سموه جسماً فهم ينازعون إما في التلازم وإما في انتفاء اللازم. إذا تبين أن هذه الأمور كلها ترجع إلى هذه الأمور الثلاثة فإن الحجج الثمانية التي ذكرها الآمدي على نفي الجوهر، وأربعة مختصة بالجسم. ذكر الآمدي أربعة حجج على نفي الجوهر مختصة بالجسم الحجة الأولى قوله لو كان جوهراً كالجواهر فإما أن يكون واجباً لذاته وإما أن لا يكون فإن كان واجباً لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب الوجود لذاتها ضرورة اشتراكها في معنى

стр. 1402

الجوهرية وإن كان ممكناً لزم أن لا يكون واجباً لذاته وإن كان لا كالجواهر فهو تسليم للمطلوب. الرد عليه فيقال لا نسلم انه إذا كان واجبا لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب الوجود ولا يلزم أن الاشتراك في الجوهرية يقتضي الاشتراك في جميع الصفات التي تجب لكل منها وتمتنع عليه وتجوز له. وكذلك سيقال لا نسلم أنه إذا لم يكن كالجواهر كان تسليماً للمطلوب وذلك انه إذا قيل لا كالأحياء وعالم لا كالعلماء وقادر لا كالقادرين لا يلزم من ذلك نفي هذه الصفات ولا إثبات خصائص المخلوقات. فمن قال هو جوهر وفسره إما بالمتحيز وغما بالقائم بذاته وغما بما هو موجود في موضوع لم يسلم أن الجواهر متماثلة بل يقول تنقسم إلى واجب وممكن كما ينقسم الحي والعليم إلى هذا وهذا.

стр. 1403

فإن قال إذا كان متحيزاً فالمتحيزات مماثلة له كان هذا مصادرة على المطلوب، لأنه نفي كونه جسماً بناءً على نفي الجوهر ونفي الجوهر بناء على نفي على نفي المتحيز. والمتحيز هو الجسم أو الجوهر والجسم فيكون قد جعل الشيء مقدمة في إثبات نفسه وهذه هي المصادرة. الحجة الثانية قال الآمدي انه إما أن يكون قابلاً للتحيزية أو لا يكون فإن كان الأول لزم أن يكون جسماً مركباً وهو محال كما يأتي وغن كان الثاني لزم أن يكون بمنزلة الجوهر الفرد. ولقائل أن يقول إن عنيت بالتحيزية تفرقته بعد الاجتماع أو اجتماعه بعد الافتراق فلا نسلم أن ما لا يكون كذلك يلزم أن يكون حقيراً. وإن عنيت به ما يشار إليه أو يتميز منه شيء عن شيء لم نسلم أن مثل هذا ممتنع بل نقول إن كل موجود قائم بنفسه فإنه كذلك،

стр. 1404

وأن ما لا يكون كذلك فلا يكون إلا عرضاً قائماً وانه لا يعقل موجود إلا ما يشار إليه أو ما يقوم بما يشار إليه كما قد بسط في موضعه وسيأتي الكلام على نفي حجته. الحجة الثالثة قال لا يخلو غما ان يكون لذاته قابلاً لحلول الأعراض المتعاقبة أولاً فإن كان الأول فيلزم ان يكون محلاً للحوادث وهو محال كما يأتي وإن كان الثاني فيلزم امتناع ذلك على كل الجواهر ضرورة الاشتراك بينها في المعنى وهو محال خلاف المحسوس. الرد عليه من وجوه ولقائل أن يقول الجواب من وجوه الأول أنا لا نسلم حلول الأعراض المتعاقبة وأنت قد اعتمدت في هذا الوجه الذي ذكرته من تناقض أهل هذا القول على نفي الجسم والجوهر فلو جعلت هذا حجة في ذلك لزم المصادرة على المطلوب إذ كنت في كل من المسألتين تعتمد على الأخرى وإن اعتمدت على نفيه بالوجوه الأخر فقد عرف فساد كلامك وكلام غيرك.

стр. 1405

الوجه الثاني الثانية أن يقال ولم قلت إنه إذا امتنع حلول الحوادث على بعض الجواهر بعض وبعض القائمين بأنفسهم دون بعض وبعض الموصوفات دون بعض فلو قال لك قائل الاشتراك في كون كل من الشيئين ذاتاً قائمة بنفسها موصوفة بالصفات يوجب اشتراكهما في حلول الحوادث لكان هذا القول إما أن يلزمك وإما أن لا يلزمك فإن لزمك كان هذا لازماً لك ولمنازعك فليس لك أن تنفيه وإن لم يلزمك فما كان جوابك عن إلزام من يلزمك به هو جواب منازعك. فإن قلت الاشتراك في الجوهرية اشتراك في المعنى الذي لآجله جاز قيام الحوادث به. قال لك كل من الخصمين والاشتراك في الذاتية والموصوفية والقيام بالنفس اشتراك في المعنى الذي لجله جاز قيام الحوادث به وأنت إذا أنصفت علمت أن البابين واحد. الحجة الثالثة الثالثة أن يقال ما تعنى بقولك الأعراض المتعاقبة أتعني به أحواله التي دلت النصوص على قيامها به أم غير ذلك؟ الأول مسلم لكن لا نسلم مساواة المخلوقات له في خصائصه والثاني ممنوع.
следующие страницы →