Полный текст (4 031 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الصفات: إما أن يكون لجسميته، أو لما يكون حالاً في الجسمية، أو لما يكون محلاً لها، أو لما لا يكون حالاً فيها ولا محلاً لها.
وهذا القسم الأخير: إما أن يكون جسماً أو جسمانياً، أولا جسماً ولا جسمانياً وتبطل كل هذه الأقسام سوى القسم الأخير بما مر تقريره في إثبات المسلك الأول في مسألة حدوث العالم) .
تعليق ابن تيمية
قلت: وهذا هو القول بتماثل الأجسام وأن تخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر إلى مخصص، والقول بتماثل الأجسام في غاية الفساد، والرازي نفسه قد بين بطلان ذلك في غير موضع.
وهذا الذي أحال عليه ليس فيه إلا أن الجسم لا يكون اختصاصه بالحيز واجباً، بل جائزاً وبتقدير ثبوت هذا في التحيز لا يلزم مثله في سائر الصفات.
وما ذكره من الدليل لا يصح، وذلك أنه قال: (اختصاصه بذلك إن كان واجباً) : فإما أن يكون الوجوب لنفس
стр. 877
الجسمية، أولأمر للجسمية، أو لأمر الجسمية عرضت له، أو لأمر غير عارض لها، ولا معروض لها.
والأول يوجب اشتراك الأجسام في تلك الصفة، وإن كان لعارض: فإما أن يكون ممتنع الزوال، وهو اللازم، أو ممكن الزوال، وهو العارض، فإن العرض في اصطلاحهم أعم من العرض، فإن كان ممتنع الزوال: فإن كان الامتناع لنفس الجسمية عاد الإشكال الأول، وإن كان لغيرها أفضى للتسلسل، وإن كان لمعروض الجسمية لم يصح، لأن المعقول من الجسمية الذهاب في الجهات، فلو كان في محل لكن ذلك المحل يجب أن يكون ذاهباً في الجهات، فيكون محل الجسمية جسماً، لأنه إن لم يكن ذاهباً في الجهات لم
стр. 878
يكن له اختصاص بالحيز، فلا يعقل حصول الجسم المختص بالحيز في محل غير مختص بالحيز، وإذا كان محله ذاهباً في الجهات كان جسماً، وحينئذ فالقول في اختصاصه بذلك الحال فيه كالقول في الحيز لا يجوز أن يكون للجسمية أو لوازمها، بل لأمر عارض ممكن الزوال، فيكون ذلك الحيز ممكن الزوال، وهو المقصود) .
قلت: ولقائل أن يقول: هذا الدليل مبني على تماثل الأجسام، وأكثر العقلاء على خلافه، وقد قرر الرازي في موضع آخر أنها مختلفة لا متماثلة.
وهو مبني أيضاً على الكلام في الصورة والمادة، ونحو ذلك مما ليس هذا موضع بسط الكلام فيه، لكن يبين فساده ببيان موضع المنع في مقدماته.
قوله: (إن كان الامتناع لغير الجسمية أفضى إلى التسلسل) ممنوع، فإن الأجسام إذا كانت مشتركة في مسمى الجسمية، وقد اختص بعضها بصفات أخرى، لم يجب في ذلك التسلسل، كما في سائر الأمور التي تشترك في شيء وتفترق في شيء، فالمقادير والحيوانات إذا اشتركت في مسمى القدر والحيوانية، واختص بعضها عن بعض بشيء آخر لازم له، لم يلزم التسلسل، سواء قيل بتماثل الأجسام أو اختلافها، فإنه إن قيل باختلافها كانت ذات كل واحد موصوفة بصفات لازمة لها لا توجد في الآخر، كسائر الحقائق المختلفة، وإن قيل بتماثلها كتماثل أفراد النوع، فالموجب لوجود كل فرد من تلك
стр. 879
الأفراد هو الموجب لصفاته اللازمة له، لا تفتقر صفاته اللازمة له إلى موجب غير الموجب لذاته، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين فيه فساد ما يقوله المنطقيون: من أن اختلاف أفراد النوع إنما هو بسبب المادة القابلة، ونحو ذلك، فإنهم بنوه على أن للحقيقة الموجودة في الخارج سبباً غير سبب وجودها، وهذا غلط لا يستريب فيه من فهمه، مع أنه لاحاجة بنا هنا إلى هذا، بل نقول: مجرد اشتراك الاثنين في كون كل منهما جسماً أو متحيزاً أو موصوفاً أو مقدراً أو غير ذلك، لا يمنع اختصاص أحدهما بصفات لازمة له، وليس إذا احتاج اختصاصه بالحيز إلى سبب غير الجسمية المشتركة يلزم أن يكون ذلك المخصص له مخصص آخر، بل المشاهد خلاف ذلك، فإن اختصاص الأجسام المشهودة بأحيازها ليس للجسمية المشتركة، بل لأمر يخصها، هو من لوازمها، بمعنى أن المقتضي لذاتها هو المقتضى لذلك اللازم.
وأيضاً، فقوله: (إن كان الامتناع لمعروض الجسمية فهو محال) ممنوع.
وقوله: (لأن المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات فمحله لا بد أن يكون له ذهاب في الجهات) .
يقال له: محل الامتداد في الجهات هو الممتد في الجهات، كما أن محل التحيز هو المتحيز، ومحل الطول والعرض والعمق هو الطويل
стр. 880
العريض العميق، ومحل المقدار هو المقدر، وكذلك محل السواد والبياض هو الأسود والأبيض.
وهذا في كل ما يوصف بصفة، فمحل الصفة هو الموصوف، وهكذا جميع مسميات المصادر وغيرها من الأعراض محلها الأعيان القائمة بنفسها، فإذا كانت الجسمية هي الامتداد في الجهات التي هي الطول والعرض والعمق مثلاً، كان محلها هو الشيء الممتد في الجهات الذي هو الطويل العريض العميق وحينئذ فمحلها له اختصاص بالحيز، ويكون ذلك المعروض للجسمية الذي هو محل لها الممتد في الجهات هو المقتضي لاختصاصه بما اختص به من الصفات اللازمة، وهو مستلزم لذلك، كما هو مستلزم للامتداد في الجهات، فجنس الجسم مستلزم لجنس الامتداد، وجنس الأعراض والصفات، فالجسم المعين هو مستلزم للامتداد المعين في الجهات المعينة، ومستلزم للصفات المعينة التي يقال: إنها لازمة له، حتى إنه متى قدر عدم تلك اللوازم فقد تبطل حقيقته، فالموجب لها هو الموجب لحقيقته، وهذا مطرد في كل ما يقدر من المواصفات المستلزمة لصفاتها، كالحيوانية والناطقية للإنسان، وكذلك الإغتذاء والنمو للحيوان والنبات مثلاً، فإن كون النبات نامياً متغذياً هو صفة لازمة له، لعموم كونه جسماً، ولا لسبب غير حقيقته التي يختص بها، بل حقيقته مستلزمة
стр. 881
لنموه وأغتذائه، وهذه الصفات أقرب إلى أن تكون داخلة في حقيقته من كونه ممتداً في الجهات، وإن كان ذلك أيضاً لازماً له، فإنا نعلم أن النار والثلج والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك وغير ذلك كلها مشتركة في أنها متحيزة ممتدة في الجهات، كما أنها مشتركة في أنها موصوفة بصفات قائمة بها، وفي أنها حاملة لتلك الصفات، وما به افترقت وامتاز بعضها عن بعض أعظم مما فيه اشتركت، فالصفات الفارقة بينها الموجبة لاختلافها ومباينة بعضها لبعض أعظم مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض، فمن يقول بتماثل الجواهر والأجسام يقول: إن الحقيقة هي ما اشتركت فيه من التحيزية
والمقدارية وتوابعها، وسائر الصفات عارضة لها، تفتقر إلى سبب غير الذات.
ومن يقول باختلافها يقول: بل المقدارية للجسم والتحيزية للمتحيز، كالموصوفية للموصوف، واللونية للملون، والعرضية للعرض، والقيام بالنفس للقائمات بأنفسها، ونحو ذلك، ومعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه: لم يكن أحدهما مثلاً للآخر، وإذا اشتركا في أن هذا لون وهذا لون، وهذا طعم وهذا طعم، وهذا عرض وهذا عرض: لم يكن أحدهما مثلاً للآخر، وإذا اشتركا في أن لهذا مقداراً ولهذا مقداراً،
стр. 882
ولهذا حيزاً ومكاناً ولهذا حيزاً ومكاناً: كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلهما، لأن الصفة للموصوف أدخل في حقيقته من القدر للمقدر، والمكان للمتمكن، والحيز للمتحيز، فإذا كان اشتراكهما فيما هو أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل، فاشتراكهما فيما هو دونه في ذلك أولى بعدم التماثل.
والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: التنبيه على مجامع ما أثبتوا به الصانع.
الرابع
قال الرازي: (المسلك الرابع الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود الصانع تعالى، مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً، فإذا كانت تلك التركيبات أعراضاً حادثة، والعبد غير قادر عليه، فلا بد من فاعل آخر، ثم من ادعى العلم بأن حاجة المحدث إلى الفاعل ضروري ادعى الضرورة هنا، ومن استدل على ذلك بالإمكان أو القياس على حدوث الذوات، فكذلك يقول أيضاً في حدوث الصفات) .
قال: (والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات، وبين
стр. 883
الاستدلال لحدوثها أن الأول يقتضي أن لا يكون الفاعل جسماً والثاني لا يقتضي ذلك) .
تعليق ابن تيمية
قلت: هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة في القرآن وهي التي جاءت بها الرسل، وكان عليها سلف الأمة وأئمتها وجماهير العقلاء من الآدميين، فإن الله سبحانه يذكر في آياته ما يحدثه في العالم من السحاب والمطر والنبات والحيوان، وغير ذلك من الحوادث ويذكر في آياته خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك، لكن القائلون بإثبات الجوهر الفرد من المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم يسمون هذا استدلالاً بحدوث الصفات، بناءً على أن هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها، بل الجواهر والأجسام التي كانت موجودة قبل ذلك لم تزل من حين حدوثها بتقدير حوادثها، ولا تزال موجودة، وإنما تغيرت صفاتها بتقدير حدوثها كان تتغير صفات الجسم إذا تحرك بعد السكون، وكما تتغير ألوانه، وكما تتغير أشكاله.
وهذا مما ينكره عليهم جماهير العقلاء من المسلمين وغيرهم.
стр. 884
وحقيقة قول هؤلاء الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم: أن الرب لم يزل معطلاً لا يفعل شيئاً، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم إنه أبدع جواهر من غير فعل يقوم به، وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئاً، بل إنما تحدث صفات تقوم بها، ويدعون أن هذا قول أهل الملل: الأنبياء وأتباعهم، وبينهم وبين الفلاسفة في مثل هذا نزاع أخطأ فيه كل من الفرقين، فإن الفلاسفة يقولون بإثبات المادة والصورة، ويجعلون المادة والصورة جوهرين، وهؤلاء يقولون: ليست الصورة إلا عرضاً قائماً بجسم.
والتحقيق: أن المادة والصورة لفظ يقع على معان.
كالمادة والصورة الصناعية والطبيعية، والكلية والأولية.
فالأول: مثل الفضة إذا جعلت درهماً وخاتماً وسبيكة، والخشب إذا جعل كرسياً، واللبن والحجر إذا جعل بيتاً، والغزل إذا نسج ثوباً، ونحو ذلك.
فلا ريب أن المادة هنا التي يسمونها الهيولى: هي أجسام قائمة بنفسها، وأن الصورة أعراض قائمة بها، فتحول الفضة من صورة إلى صورة هو تحولها من شكل إلى شكل، مع أن حقيقتها لم تتغير أصلاً.
وبهذا يظهر لك خطأ قول القائل: إن من أثبت افتقار المحدث إلى الفاعل بالقياس على حدوث الذوات قال هنا كذلك.
وهذه الطريقة
стр. 885
طريقة أبي علي وأبي هاشم ومن وافقهما.
فيقال: هؤلاء إنما قاسوا على افتقار الكتابة إلى كاتب، والبناء إلى بان، ونحو ذلك.
ومعلوم أن البناء والكاتب لم يبدع جسماً، وإنما أحدث في الأجسام تأليفاً خاصاً، وهو عرض من الأعراض.
فكيف يجعل مثل هذا محدثاً للذوات، ويجعل الذي خلق الإنسان من نطفة، والشجرة من نواة، إنما أحدث الصفات؟ لكن المعتزلة لا يقولون: إن الجسم يحدث جسماً، وإنما يحدث عرضاً.
والثاني: من معاني المادة والصورة: هي الطبيعية، وهي صورة الحيوانات والنباتات والمعادن ونحو ذلك، فهذه إن أريد بالصورة فيها نفس الشكل الذي لها فهو عرض قائم بجسم، وليس هذا مراد الفلاسفة.
وإن أريد بالصورة نفس هذا الجسم المتصور، فلا ريب أنه جوهر محسوس قائم بنفسه.
ومن قال: (إن هذا عرض قائم بجوهر) من أهل الكلام فقد غلط، وحينئذ فيقول المتفلسف: إن هذه الصورة قائمة بالمادة والهيولى، إن أراد بذلك ما خلق منه الإنسان كالمني - وهو لم يرد ذلك - فلا ريب أن ذاك جسم آخر فسد واستحال، وليس هو الآن
стр. 886
موجوداً، بل ذاك صورة، وهذا صورة، والله تعالى خلق إحداهما من الأخرى وإن أراد أن هنا جوهراً بنفسه غير هذا الجسم المشهود الذي هو صورة، وأن هذا الجسم المشهود - الذي هو صورة - قائم بذلك الجوهر العقلي، فهذا من خيالاتهم الفاسدة.
ومن هنا تعرف قولهم في الهيولى الكلية، حيث ادعوا أن بين أجسام العالم جوهراً قائماً بنفسه، تشترك في الأجسام.
ومن تصور الأمور وعرف ما يقول علم أنه ليس بين هذا الجسم المعين وهذا الجسم المعين قدر مشترك موجود في الخارج أصلاً، بل كل منهما متميز عن الآخر بنفسه المتناولة لذاته وصفاته، ولكن يشتركان في المقدارية وغيرها، من الأحكام اللازمة للأجسام، وعلم أن اتصال الجسم بعد انفصاله هو نوع من التفرق، والتفرق والاجتماع هما من الأعراض التي يوصف بها الجسم، فالإتصال والإنفصال عرضان، والقابل لهما نفس الجسم الذي يكون متصلاً تارة، ومنفصلاً تارة أخرى، كما يكون مجتمعاً تارة ومفترقاً أخرى ومتحركاً تارة وساكناً أخرى.
وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
الخامس
قال الرازي: (والطريقة الخامسة - وهي عند التحقيق
стр. 887
عائدة إلى الطرق الأربع - وهي الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم الفاعل، والذي يدل على علم الفاعل هو بالدلالة على ذاته أولى) .
تعليق ابن تيمية
قلت: والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الموافق لصريح المعقول، وأن ما بينه من الآيات والدلائل والبراهين العقلية في إثبات الصانع سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله هو فوق نهاية العقول، وأن خيار ما عند حذاق الأولين والآخرين من الفلاسفة والمتكلمين هو بعض ما فيه، لكنهم يلبسون الحق بالباطل، فلا يأتون به على وجهه، كما أن طريقة الاستدلال بحدوث المحدثات على إثبات الصانع الخالق هي طريقة فطرية ضرورية، وهي خيار ما عندهم، بل ليس عندهم طريقة صحيحة غيرها، لكنهم أدخلوا فيها من الاختلال والفساد ما يعرفه أهل التحقيق والانتقاد، الذي آتاهم الله الهدى والسداد.
وقد بسط الكلام على هذه المطالب في غير الموضع.
стр. 888
بسم الله الرحمن الرحيم: فصل
وأما ما تكلموا به في وجود واجب الوجود وتحيرهم فيه هل وجوده حقيقة أو زائد على حقيقته؟ وفي صفاته وأفعاله؟ فهذا بحر واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع.
وقد اعترف الرازي بحيرته في مسائل الذات والصفات والأفعال وهو تارة يقول بقول هؤلاء وتارة يقول بقول هؤلاء والآمدي متوقف في مسائل الوجود والذات ونحو ذلك مع أنه لم يذكر دليلاً على إثبات واجب الوجود البتة فإنه ظن أن الطرق المذكورة ترجع إلى الاستدلال بالإمكان على المرجع الموجب فلم يسلك في إثبات واجب الوجود إلا هذه الطريقة التي هي طريقة ابن سينا لكن ابن سينا وأتباعه قرروها أحسن من تقرير الآمدي فإن أولئك أثبتوا أثبتوا واجب الوجود بالبرهان العقلي الذي لا ريب فيه لكن احتجوا على مغايرته للموجودات المحسوسة بطريقتهم المبنية على نفي الصفات وهي باطلة.
كلام الآمدي في الأبكار في أثبات واجب الوجود
وأما الآمدي فلم يقرر إثبات واجب الوجود بحال، بل قال في كتاب أبكار الأفكار في أعظم مسائل الكتاب وهي مسألة إثبات واجب الوجود: مذهب أهل الحق من المتشرعين وطوائف الإلهيين القول بوجوب
стр. 889
وجود وجوده لذاته لا لغيره، وكل ما سواه فمتوقف في وجوده عليه خلافاً لطائفة شاذة من الباطنية ومنشأ الاحتجاج على ذلك ما نشاهده من الموجودات العينية ونتحققه من الأمور الحسية فإنه إما أن يكون واجباً لذاته أو لا يكون واجباً لذاته فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فك موجود لا يكون واجباً لذاته فهو ممكن لذاته لأنه لو كان ممتنعاً لذاته لما كان موجوداً وإذا كان ممكناً فالوجود والعدم عليه جائزان عند ذلك فإما أن يكون في وجوده مفتقراً إلى مرجح أو غير مفتقر إليه فإن لم يكن مفتقراً إلى المرجح فقد ترجح أحد الجائزين من غير مرجح وهو ممتنع وإن افتقر إلى المرجح فذلك المرجح إما واجب لذاته أو لغيره، فإن كان الأول فهو مطلوب وإن كان الثاني فذلك الغير إما أن يكون معلولاً لمعلوله أو لغيره، فإن كان الأول فيلزم أن يكون كل واحد منهما مقوماً للآخر، ويلزم من ذلك أن يكون كل واحد منهما مقوماً لمقوم نفسه فيكون كل فليحج منهما مقوماً لنفسه لأن مقوم المقوم مقوم، وذلك يوجب جعل كل واحد من الممكنين متقوماً بنفسه والمقوم بنفسه لا يكون ممكناً وهو خلاف الفرض.
ولأن التقويم إضافة بين المقوم
стр. 890
والمقوم فيستدعى المغايرة بينهما، ولا مغايرة بين الشيء ونفسه، وإن كان الثاني: وهو أن يكون ذلك الغير معلولاً للغير، فالكلام في ذلك الغير كالكلام في الأول، وعند ذلك فإما أن يقف الأمر على موجود هو مبدأ الموجودات غير مفتقر في وجوده إلى غيره، أو يتسلسل الأمر إلى غير النهاية، فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فهو ممتنع.
ثم ذكر الأدلة المتقدمة على إبطال التسلسل وبين فسادها كلها كما تقدم حكاية قوله، واختار الحجة المذكورة عنه التي حكيناها، فقال وإن كانت العلل والمعلولات المفروضة موجودة معاً فلا يخفى أن النظر إلى الجملة غير النظر إلى كل واحد واحد من آحادها فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد، وعند ذلك فالجملة موجودة، وهي إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة، لا جائز أن تكون واجبة، وإلا لما كانت آحادها ممكنة، وقد قيل: إنها ممكنة
стр. 891
كما سبق، وإن كانت واجبة فهو مع الاستحالة عين المطلوب، وإن كانت ممكنة فلا بد لها من مرجح، والمرجح إما أن يكون داخلاً فيها أو خارجاً عنها، لا جائز أن يقال بالأول، فإن المرجح للجملة للجملة مرجح لآحادها، يلزم أن يكون مرجحاً لنفسه ضرورة كونه من الآحاد، ويخرج بذلك عن أن يكون ممكناً وهو خلاف الفرض، وأن يكون مرجحاً لعلته لكونه من الآحاد، وفيه جعل العلة معلولاً والمعلول علة، وهو دور ممتنع.
وأن كان المرجح خارجاً عنها فهو إما ممكن أو واجب، فإن كان ممكناً فهو من الجملة، وهو خلاف الفرض فلم يبق إلا أن يكون واجباً لذاته، وهو المطلوب.
قلت: فهذه الطريقة التي ذكرها لم يذكر غيرها في إثبات الصانع.
ثم أورد على نفسه أسئلة كثيرة، منها قول المعترض: لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي ليصح ما ذكرتموه، ولا يلزم من صحة ذلك في المتناهي، مع إشعاره بالحصر، صحته في غير المتناهي، سلمنا أن مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى وأنه ممكن.
стр. 892
ولكن لا نسلم أنه زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية وعند ذلك فلا يلزم أن يكون معللاً بغير علة الآحاد.
سلمنا أنه زائد على الآحاد، ولكن ما لمانع أن يكون مترجحاً بآحاد الداخلة فيه، لا بمعنى أنه مترجح بواحد منها ليلزم ما ذكرتموه بل طريق ترجحه بالآحاد الداخلة فيه ترجح كل واحد من الآحاد بالآخر إلى غير النهاية، وعلى هذا فلا يلزم افتقاره إلى مرجح خارج عن الجملة، ولا أن يكون المرجح للجملة مرجح لنفسه ولا لعلته.
ثم قال في الجواب: قولهم: لا نسلم أن مفهوم الجملة زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية.
قلنا: إن أردتم أن مفهوم الجملة هو نفس المفهوم من كل واحد من الآحاد فهو ظاهر الإحالة.
وإن أردتم به الهيئة الاجتماعية من آحاد الأعداد، فلا خفاء بكونه زائداً على كل واحد من الآحاد، وهو المطلوب.
قولهم: ما لمانع من أن يكون الجملة مترجحة بآحادها الداخلة فيها كما قرروه؟ قلنا: إما ان يقال: تترجح الجملة بمجموع الآحاد الداخلة فيها
стр. 893
أو بواحد منها فإن كان بواحد منها فالحال الذي ألزمناه حاصل وإن كان بمجموع الآحاد فهو نفس الجملة المرفوضة، وفيه ترجح الشيء بنفسه وهو محال.
تعليق ابن تيمية
فهذا ما ذكره في كتابه المشهور بأبكار الأفكار المصنف في الكلام وليس في هذا تعرض لإبطال علل ومعلولات ممكنة مجتمعة لا نهاية لها ولكن فيه إثبات واجب الوجود خارجاً عنها، وقد ذهب طائفة من أهل الكلام كأصحاب معمر إلى إثبات معان لانهاية لها مجتمعة وهي الخلق، وهي شرط في الحدوث.
ثم إنه في كتابه المسمى بدقائق الحقائق في الفلسفة ذكر هذه الحجة وزاد فيها إبطال إثبات علل ومعلولات لا نهاية لها، ولكنه اعتراض عليها باعتراض وذكر أنه لا جواب له عنه، فبقيت حجته على إثبات واجب الوجود موقوفة على هذا الجواب.
فقال بعد أن ذكر ما ذكره هنا الجملة إما أن تكون باعتبار ذاتها واجبة، أو ممكنة، إذا كانت الآحاد ممكنة ومعناه افتقار كل واحد إلى علته وكانت الجملة هي مجموع الآحاد فلا مانع من إطلاق الوجوب وعدم الإمكان عليها، بمعنى أنها غير
стр. 894
مفتقرة إلى أمر خارج عن ذاتها وإن كانت أبعاضها مما يفتقر بعضها إلى بعض فتوهم ساقط، فإنه إذا قيل إن الجملة غير ممكنة فقد بينا في المنطقيات أن كل ما ليس بممكن بالمعنى الخاص، فإما واجب بذاته وإما ممتنع، لا جائز أن يقال بالامتناع، وإلا لما كانت موجودة، بقي أن تكون واجبة بذاتها، وإذا كانت الجملة هي مجموع آحادها وكل واحد من الآحاد ممكن، فالجملة أيضاً ممكنة بذاتها، والواجب باعتبار ذاته يستحيل أن يكون ممكناً باعتبار ذاته وإن كانت ممكنة فلا بد لها من مرجح لضرورة كونها موجودة، والمرجح فإما أن يكون ممكناً أو واجباً لا جائز أن يكون ممكناً إذ هو من الجملة، ثم يلزم أن يكون مرجحاً لنفسه لكونه مرجحاً للجملة، والمرجح للجملة مرجح لآحادها وهو من آحادها، وذلك محال، ثم يلزم أن يكون علة علته وهو دور ممتنع، وإن كان واجباً لذاته غير مفتقر إلى علة في وجوده فإما أن يكون علة للجملة أو لبعضها، فإن كان علة للجملة لزم أن يكون علة لكل واحد من آحادها، إذ الجملة هي مجموع الآحاد، وهو محال من جهة إفضائه إلى كون كل واحد من آحاد الجملة المفروضة معللاً بعلتين وهي العلة الواجبة الوجود، وما قيل إنه علة له من آحاد الجملة، وإن كان علة لبعض منها لا يكون معلولاً لغيره فهو خلاف الفرض.
وهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدم النهاية فهو محال كيف وكل علل ومعلولات قيل باستنادها إلى علة لا علة لها فالقول
стр. 895
بكونها غير متناهية محال، وجمع بين متناقضين، وهو القول بأن ما من علة إلا ولها علة، والقول بانتهاء العلل والمعلولات إلى علة لا علة لها.
فإذا قد اتضح بما مهدنا امتناع كون العلل والمعلولات غير متناهية وإن القول بان لا نهاية لها محال.
ثم قال: ولقائل أن يقول: إثبات الجملة لما لا يتناهى وإن كان غير مسلم لكن ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود، ويكون ترجحها بترجح آحادها، وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير النهاية على ما قيل.
قال: وهذا إشكال مشكل، وربما يكون عند غيري حله.
قلت: فهذا استدلاله على واجب الوجود لم يذكر في كتبه غيره، وأما حدوث العالم فأبطل طرق الناس، وبناه على أن الجسم لا يخلو من الأعراض الحادثة، إذ العرض لا يبقى زمانين، واستدل على امتناع حوادث لا أول لها بعد ان أبطل وجوه غيره بالوجه الذي تقدم، وتقدم ما فيه من الضعف الذي بينه الأرموي وغيره، ثم إذا ثبت حدوث العالم فإنه لم يستدل بالحدوث على المحدث إلا بطريقة الذين
стр. 896
بنوا ذلك على الإمكان، وهو ان ذلك يتضمن التخصيص المفتقر إلى مخصص، لأنه ترجيح لأحد طرفي الممكن، فهو لا يستدل بالحدوث على المحدث، إلا بناء على أن ذلك ممكن يفتقر إلى واجب، ولا يجعل الممكن دالاً على الواجب، إلا بناء على نفي التسلسل، والتسلسل قد أورد عليه السؤال الذي قال إنه لا جواب له عنه.
وكل هذه المقدمات التي ذكرها لا يفتقر إثبات الصانع إليها، وبتقدير افتقاره إليها فأبطال التسلسل ممكن، فتتم تلك المقدمات وذلك أن إثبات الصانع لا يفتقر إلى حدوث الأجسام كما تقدم، بل نفس ما يشهد حدوثه من الحوادث يغنى عن ذلك، والعلم بأن الحادث يفتقر إلى المحدث هو من أبين العلوم الضرورية وهو أبين من افتقار الممكن إلى المرجح، فلا يحتاج أن يقرر ذلك بان الحدوث ممكن، أو أنه كان يمكن حدوثه على غير ذلك الوجه، فتخصيصه بوجه دون وجه ممكن جائز الطرفين، فيحتاج إلى مرجح مخصص بأحدهما.
وهذه الطريقة يسلكها من متأخري أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم على ذلك.
من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم.
وقد نبهنا على أنها وإن كانت صحيحة فإنها تطويل بلا فائدة فيه، واستدلال على الأظهر بالأخفى، وعلى الأقوى
стр. 897
بالأضعف، كما لا يحد الشيء بما هو أخفى منه، وإن كان الحد مطابقاً للمحدود مطرداً منعكساً يحصل به التمييز، مع أن الحد والاستدلال بالأخفى قد يكون فيه منفعة من وجوه أخرى، مثل من حصلت له شبهة أو معاندة في الأمر الجلي فيبين له بغيره، لكون ذلك أظهر عنده فإن الظهور والخفاء أمر نسبي إضافي، مثل من يكون من شانه الاستخفاف بالأمور الواضحة البينة، فإذا كان الكلام طويلاً مستغلقاها به وعظمة، كما يوجد في جنس هؤلاء إلى غير ذلك من الفوائد، لكن ليس هذا مما يتوقف العلم والبيان عليه مطلقاً، وهذا هو المقصود هنا وهؤلاء كثيراً ما يغلطون، فيظنون أن المطلوب لا يمكن معرفته إلا بما ذكروه من الحد والدليل، وبسبب هذا الغلط يضل من يضل، حتى يتوهم أن ذلك الطريق المعين إذا بطل انسد باب المعرفة.
ولهذا لما بني الآمدي وغيره على هذه الطريقة التي تعود إلى طريقة الإمكان، وبنوا طريقة الإمكان على نفي التسلسل، حصل ما حصل، فكان مثل هؤلاء مثل من عمد إلى أمراء المسلمين وجندهم الشجعان الذين يدفعون العدو ويقاتلونهم، فقطعهم، ومنعهم الرزق الذي به
стр. 898
يجاهدون، وتركوا واحداً، ظناً أنه يكفي في قتال العدو وهو أضعف الجماعة وأعجزهم، ثم أنهم مع هذا قطعوا رزقه الذي به يستعين فلم يبق بإزاء العدو أحد.
ومثل نهر كبير كدجلة والفرات كان عليه عدة جسور فقطعها كلها ولم يترك إلا واحد طويلاً بعيداً ضعيفاً، ثم إنه خرقه في أثنائه حتى انقطع الطريق، ولم يبق لأحد طريق إلى العبور، وهو مع هذا يستعمل الناس في الآلات التي يصنع بها الجسور، ويشعر الناس أنه لا يمكن أحداً أن يعبر إلا بما يصنعه.
أو مثل رجل كان لمدينته أسوار متداخلة سور خلف سور، كل سور منه يحفظ المدينة، فعمد المتولي فهدم تلك الأسوار كلها وترك سوراً هو أضعفها وأطولها وأصعبها حفظاً، ثم إنه مع ذلك خرق منه ناحية يدخل منها العدو، فلم يبق للمدينة سور يحفظها.
فيقال إن إثبات الصانع ممكن بطرق كثيرة منها الاستدلال بالحدوث على المحدث، وهذا يكفى فيه حدوث الإنسان نفسه أو حدوث ما يشاهد من المحدثات كالنبات والحيوان وغير ذلك، ثم إنه يعلم بالضرورة أن المحدث لا بد من محدث، وإذا قدر أنه أثبت الصانع بحدوث
стр. 899
العالم لزم أن المحدث لا بد من محدث، ثم إذا قدر أنه استدل بطريقة الإمكان إما ابتداء وإما مع طريقة الحدوث، فالعلم بأن الممكن يفتقر إلى الواجب علم ضروري لا يفتقر إلى نفي التسلسل.
إبطال التسلسل
وأيضاً فإبطال التسلسل له طرق كثيرة، وذلك أنه يمكن أن يقال فيه وجوه:
الوجه الأول
أحدها: أن الموجودات بأسرها إما أن تكون واجبة الوجود، أو ممكنة الوجود، أو ممتنعة الوجود، والأقسام الثلاثة باطلة، فلزم أن يكون بعضها واجباً، وبعضها ممكناً.
أما الثالث فهو باطل لأن ما وجد لا يكون ممتنع الوجود.
والثاني: باطل أيضا لأن ممكن الوجود هو الذي وجوده وعدمه، وما كان كذلك لم يوجد إلا بغيره.
فلو كان مجموع الموجودات ممكنة، لافتقرت الموجودات كلها إلى غيرها، وما ليس بموجود فهو معدوم، والمعدوم لا يفعل الموجود بالضرورة.
والأول باطل أيضاً لأنا نشاهد ما يحدث بعد أن لم يكن، كالحيوان والنبات والمعدن والسحاب والأمطار.
стр. 900
والحادث عدم ووجد أخرى، فلا يكون ممتنعاً لأن الممتنع لا يوجد ولا واجباً بنفسه لأن الواجب بنفسه لا يعدم، فثبت أنه ممكن، وثبت أن في الموجودات ما هو ممكن بنفسه وأنه ليس كلها ممكناً، فثبت أن فيها موجوداً ليس بممكن، والموجود الذي ليس بممكن هو الواجب بنفسه، فإن الموجود إما أن يكون وجوده بنفسه وهو الواجب أو بغيره وهو الممكن، ولا يجوز أن يكون ممتنع لأن الممتنع هو الذي لا يجوز أن يوجد فيمتنع أن يكون في الوجود ممتنع.
فتبين أن في الموجودات واجباً وممكناً، وليس فيها ممتنع.
وإن شئت قلت: إما أن يقبل من جهة نفسه العدم وهو الممكن، أو لا يقبل العدم وهو الواجب بنفسه، وإن شئت قلت إما أن يفتقر إلى غيره وهو الممكن أو لا يفتقر وهو الواجب.
وإذا كانت الموجودات إما واجبة وإما ممكنة، وليس كلها ممكناً ولا كلها واجباً تعين أن فيها واجباً وفيها ممكناً.
الوجه الثاني
أن يقال كل ممكن بنفسه لا يوجد إلا بموجب يجب به وجوده، لأنه إذا لم يحصل ما به يجب وجوده ممكناً قابلاً للوجود والعدم، فلا يوجد.
وما به يجب وجوده لا يكون ممكناً، لأن الممكن لا يجب به شيء لافتقاره إلى غيره، فالمفتقر إلى الممكن مفتقر إليه وإلى ما به وجب الممكن، وإذا كان الممكن وحده لا يجب به شيء، علم افتقار الممكن إلى واجب بنفسه.
стр. 901
الوجه الثالث
أن يقال: طبيعة الإمكان سواء فرضت الممكنات متناهية أو غير متناهية لا يوجب الوجود بنفسها، فإن ما كان كذلك لم يكن ممكناً.
فلا بد للمكن من حيث هو ممكن من موجود ليس بممكن، والمراد بالممكن في هذه المواضع الممكن الإمكان الخاص، وهو الذي يقبل الوجود والعدم فيكون الواجب والممتنع قسيميه.
فأما إذا أريد به الممكن الإمكان العام، وهو قسيم الممتنع، فكل موجود فهو ممكن بالإمكان العام.
ثم الموجود إما موجود بنفسه وإما بغيره، وليس كل موجود وجد بنفسه، لأن منها المحدثات التي يعلم بضرورة العقل أن وجودها ليس بأنفسها.
فثبت أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه، وما هو موجود بغيره.
الوجه الرابع
أن يقال الموجودات ليست كلها موجودة بغيرها، لأن الغير إن كان معدوماً امتنع أن يكون الموجود موجوداً بما ليس بموجود.
وإن كان الغير موجوداً كان الموجود خارجاً عن جملة الموجودات.
وإذا لم تكن الموجودات كلها موجودة بغيرها: فإما أن تكون كلها أو كل منها موجوداً بنفسه، وإما أن لا يكون والأول ممتنع لأن المحدثات التي يشهد حدوثها يعلم بالضرورة أنها ليست موجودة بنفسها، وإذا لم تكن كلها موجودة بغيرها ولا كلها موجودة بنفسها، تعين أن منها
стр. 902
ما هو موجود بنفسه ومنها ما هو موجود بغيره، وهذا لك أن تعتبره في كل فرد فرد من الموجودات، وفي المجموع فتقول: يمتنع في كل فرد من الموجودات أن يكون موجوداً بغير موجود، لأنه إذا كان كل واحد من الموجودات موجوداً بغير موجود لزم أن يكون كل من الموجودات موجوداً بمعدوم وهذا ممتنع وإذا امتنع فإما أن يكون كل موجود موجوداً بنفسه، وإما أن يكون موجوداً بمعدوم، وهذا ممتنع، وإذا امتنع فإما أن يكون كل موجود موجوداً بنفسه، وإما أن يكون موجوداً بوجود غيره، وإما أن يكون منها ما هو موجود بنفسه ومنها ما هو موجود بوجود غيره.
والأول ممتنع لوجود الحوادث التي لا توجد بأنفسها.
والثاني ممتنع لأن كل واحد واحد من الموجودات إذا كان موجوداً بوجود غيره، والغير من الموجودات التي لا توجد إلا بموجود غيرها لم يكن فيها إلا ما هو مفتقر محتاج إلى الغير، وما كان بنفسه مفتقراً محتاجاً إلى الغير ولم يوجد إلا بوجود ذلك الغير، وما كان في نفسه لا يوجد إلا بغيره، فأولى أن لا يكون بنفسه مبدعاً لغيره، فيلزم أن لا يكون في الموجودات ما هو موجود بنفسه، ولا ما هو فاعل لغيره، فيلزم حينئذ أن لا يوجد شيء من الموجودات، لأن الموجود إما موجود بنفسه، وإما بوجود غيره، وهذا إنما لزم لما قدر أن كل موجود موجود بغيره
стр. 903
فتعين أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وهو المطلوب.
وأما إذا اعتبرت ذلك في المجموع، فمجموع الموجود لا يكون واجباً بنفسه، لأن من أجزائه ما هو ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن، والمجموع يتوقف عليه، والمتوقف على الممكن لا يكون واجباً بنفسه، ولا يكون المجموع مفتقراً إلى غيره المباين له فإن ذلك لا يكون إلا معدوماً، والموجود لا يكون مفتقراً إلى فاعل معدوم ليس بموجود فضلاً عن مجموع الموجود.
فتعين أن يكون المجموع مفتقراً إلى ما هو داخل في المجموع، وذلك البعض لا يكون إلا واجباً بنفسه، إذ لم يكن واجباً بنفسه لكان ممكناً مفتقراً إلى غيره، فيكون مجموع كل واحد من الموجودات مفتقراً إلى غيره، وذلك الغير مجموع الممكنات ليس مفتقراً إلى ما هو بعض الممكنات، فإن مجموعهما أعظم من بعضها، وذلك البعض يشرك لمجموع في الفقر والإحتياج إلى الغير، ففيه ما فيها من الإحتياج والفقر إلى الغير، مع أن المجموع أعظم منه، فإذا كانت الأجزاء كلها فقيرة محتاجة، والمجموع محتاجاً فقيراً، أمتنع أن يكون شيء من الأجزاء بالمجموع وحده، فضلاً عن أن يكون بجزء آخر فضلاً عن أن يكون المجموع الذي كل أجزائه فقراء بواحد من تلك
стр. 904
الأجزاء الفقراء.
وهذا كله بين ضروري لا يستريب فيه من تصوره.
ويمكن تصوير هذه المواد على وجوه أخرى.
فصل
وكذلك يمكن تصوير هذه الأدلة في مادة الحدوث بأن يقال: الموجودات إما أن تكون كلها حادثة، وهو ممتنع، لأن الحوادث لا بد من فاعل، وذلك معلوم بالضرورة، ومحدث الموجودات كلها لا يكون معدوماً، وذلك أيضاً معلوم بالضرورة، وما خرج عن الموجودات لا يكون إلا معدوماً، فلو كانت الموجودات كلها محدثة للزم: إما حدوثها بلا محدث، وإما حدوثها معدوم.
وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة، فثبت أنه لا بد في الوجود من موجود قديم، وليس كل موجود قديماً بالضرورة الحسية، فثبت أن الموجودات تنقسم إلى قديم ومحدث.
وهاتان المقدمتان وهو أن كل حادث فلا بد من محدث، وأن المحدث للموجود لا يكون إلا موجوداً، مع انهما معلومتان بالضرورة، فإن كثيراً من أهل الكلام أخذوا يقررون ذلك بأدلة نظرية، ويحتجون على ذلك بأدلة، وهي وإن كانت صحيحة، لكن
стр. 905
النتيجة أبين عند العقل من المقدمات، فيصير كمن يحج الأجلى بالأخفى، وهذا وإن كان قد يذمه كثير من الناس مطلقاً، فقد ينتفع به في مواضع، مثل عناد المناظر ومنازعته في المقدمة الجلية، دون ما هو أخفى منها، ومثل حصول العلم بذلك من الطرق الدقيقة الخفية الطويلة، لمن يرى أن حصول العلم له بمثل هذه الطرق أعظم عنده وأحب إليه، وأنه إذا خوطب بالأدلة الواضحة المعروفة للعامة، لم يكن مزية على العامة، ولمن يقصد بمخاطبته بمثل ذلك، أن مثل هذه الطرق معروف معلوم عندنا، لم ندعه عجزاً وجهلاً، وإنما أعرضنا عنه استغناء عنه بما هو خير منه، واشتغالاً بما هو أنفع من تطويل لا يحتاج إليه، إلى أمثال ذلك من المقاصد.
فأما كون الحادث لا بد له من محدث، فهي ضرورية عند جماهير العلماء، وكثير من متكلمة المعتزلة ومن اتبعهم جعلوه نظرياً، كما سيأتي ذكره بعد هذا.
وأما كون المعدوم لا يكون فاعلاً للموجودات فهو أظهر من ذلك، ولذلك اعترف بكونه ضرورياً من استدل على أن المحدث لا بد له من محدث موجود، والممكن لا بد له من مؤثر موجود، كالرازي وغيره.
стр. 906
كلام الرازي في إثبات وجود الله
قال الرازي: أما كون المؤثر موجوداً فإنه لا فرق بين نفي المؤثر وبين مؤثر منفي والحكم بالاكتفاء المؤثر المنفي حكم بعدم الإحتياج إلى المؤثر.
قال: والعلم بذلك ضروري، ولا يتصور في هذا المقام الاستدلال بالكلام المشهور من أن المعدوم لا تميز فيه فلا يمكن استناد الأثر إليه، لأنه يتوجه عليه شكوك معروفة.
قال: والجواب عنها وإن كان ممكناً، إلا أن العلم بفساد استناد الأثر الموجود إلى المؤثر المعدوم أظهر كثيراً من العلم بذلك، والدليل
стр. 907
والأجوبة عن الأسولة التي تورد عليه وإيضاح الواضح لا يزيده إلا خفاء.
قال: وقول القائل: هب أن المؤثر ليس بمعدوم فلم يجب أن يكون موجوداً؟ قلنا: لا واسطة بين الوجود والعدم، وقول القائل: الماهية تقتضي الإمكان لا بشرط الوجود ولا العدم فهو متوسط بين الوجود والعدم قلنا: نحن لا ندعي أن كل حقيقة فهي إما الوجود وإما العدم، حتى يلزم من كون الماهية مغايرة لهما فساد ذلك الحصر بل ندعي أن العقل يحكم على كل حقيقة من الحقائق التي لا نهاية لها أنها لا تخلو عن وصفي الوجود والعدم، وإذا كان كذلك فكون الماهية مغايرة للوجود والعدم لا يقدح في قولنا: إنه لا واسطة بين الوجود والعدم.
стр. 908
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا السؤال والجواب عنه لا يحتاج إليه مع علمنا الضروري بأن المؤثر في الموجود لا يكون إلا موجوداً وهذا قد سبقه إليه غير واحد من النظار.
كلام الجويني في الإرشاد
كأبي المعالي الجويني فإنه قال في الإرشاد: فإن قال قائل: قد دللتم فيما قدمتم على العلم بالصانع، فيم تنكروه على من يقدر الصانع عدما قلنا: العدم عندنا نفي محض، وليس المعدوم على صفة من صفات الإثبات، ولا فرق بين نفي الصانع، وبين تقدير الصانع منفياً من كل وجه، بل نفي الصانع وإن كان باطلاً بالدليل القاطع فالقول به غير متناقض في نفسه، والمصير إلى إثبات صانع منفي متناقض، وإنما يلزم القول بالصانع المعدوم المعتزلة، حيث أثبتوا للمعدوم صفات الإثبات وقضوا بأن المعدوم على خصائص الأجناس.
قال: والوجه أن لا نعد الوجود من الصفات فإن الوجود نفس الذات، وليس بمثابة التحيز للجوهر، فإن التحيز صفة زائدة على ذات الجوهر، وجود الجوهر عندنا نفسه من غير تقدير مزيد.
قال: والأئمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات، والعلم به علم بالذات.
قال الكيا الهراسي الطبري: إذا قلنا الباري موجود فوجوده ذاته هذا بالاتفاق من أصحابنا القائلين بالأحوال والنافين لها إلا على رأي المعتزلة الذين قالوا: المعدوم شيء.
стр. 909
كلام أبي القاسم الأنصاري
وقال أبو القاسم الأنصاري شارح الإرشاد والقاضي أبو بكر: وإن أثبت الأحوال فلم يجعل الوجود حالاً فإن العلم به علم بالذات، وعند أبي هاشم ومتبعيه الوجود من الأحوال، وهو من أثر كون الفاعل قادراً.
قال وما قاله إمام الحرمين: من أن الأئمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات فإنما قالوا ذلك لما بيناه من ان صفة النفس عندهم تفيد ما تفيده النفس فلا فرق بين وجود الجوهر وتحيزه.
وهكذا قال الكيا: الوجود بمنزلة التحيز للجوهر، فإن التحيز للجوهر نفس الجوهر خالف أبا المعالي.
قال ومن الدليل على وجود الصانع أنه موصوف بالصفات القائمة به كالحياة والقدرة والعلم ونحوها وهذه الصفات مشروطة بوجود محلها وقد يكون الشيء موجوداً ولا يكون مختصاً بهذه الصفات ويستحيل الاختصاص بهذه الصفات من غير تحقق وجود.
قال ومما يحقق ما قلناه قيام الدليل القاطع على أنه فاعل ومن شرط الفاعل أن يكون موجوداً.
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الثاني هو ما ذكره أبو المعالي فإن إثبات الصانع إثبات لوجوده، وإلا فصانع منتف كنفي الصانع، وأما الأول فهو وإن كان صحيحاً لكن النتيجة أبين من المقدمات فإن العلم بأن الصانع لا يكون إلا موجوداً أبين من كون ما تقوم به الصفة لا يكون إلا
стр. 910
موجوداً، وكلاهما معلوم بالضرورة، لكن الفاعل الذي يبدع غيره أحق بالوجود، وكما أن الوجود من محل الصفة فإن محل الصفة قد يكون جماداً وقد يكون حيواناً وقد يكون قادراً، وقد يكون عاجزاً، والصفة وإن كانت مفتقرة إلى محل وجودي فهو من باب الأفتقار إلى المحل القابل وأما المفعول المفتقر إلى الفاعل فهو من باب الافتقار إلى الفاعل.
ومعلوم أن الحاجة إلى الفاعل فيما له فاعل أقوى من الحاجة إلى القابل فيما له قابل.
وأيضاً فإن القابل شرط في المقبول لا يجب تقدمه عليه بل يجوز اقترانهما بخلاف الفاعل فإنه لا يجوز أن يقارن المفعول، بل لا بد من تقدمه عليه.
ولهذا اتفق العقلاء على أنه لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلاً للآخر لا بمعنى كونه علة فاعلة ولا بغير ذلك من المعاني، وأما كون كل من الشيئين شرطاً للآخر فإنه يجوز، وهذا هو الدور المعي، وذاك هو الدور القبلي، وقد بسط هذا في غير
стр. 911
الموضع، وبين ما دخل على الفلاسفة من الغلط في مسائل الصفات من هذا الوجه حيث لم يميزوا بين الشرط والعلة الفاعلة بل قد يجعلون ذلك كله علة، إذ العلة عندهم يدخل فيها الفاعل والغاية، وهما العلتان المفصلتان اللتان بهما يكون وجود المعلول والقابل، الذي قد يسمى مادة وهيولى مع الصورة، وهما علتا حقيقة الشيء في نفسه، سواء قيل إن حقيقته غير العين الموجودة في الخارج كما يدعون ذلك أو قيل هي هي كما هو المعروف عن متكلمي أهل السنة.
والمقصود هنا أن الدليل لما دل على أنه لا بد من موجود واجب بنفسه أي لا يكون له فاعل يوجده: لا علة فاعلة، ولاما يسمى فاعلاً غير ذلك، صاروا يطلقون عليه الواجب بنفسه، ثم أخذوا ما يحتمله هذا اللفظ من المعاني، فأرادوا إثباته كلها، فصاروا ينفون الصفات وينفون أن يكون له حقيقة موصوفة بالوجود لئلا تكون الذات متعلقة بصفة، فلا تكون واجبة بنفسها.
ومعلوم أن كون الذات مستلزمة لصفة كمال يمتنع
стр. 912
تحققها بدونها لا يوجب افتقارها إلى فاعل أو علة فاعلة، ولكن غاية ما فيه أن تكون الذات مشروطة بالصفة والصفة مشروطة بالذات، وأن تكون الصفة إذا قيل بأنها واجبة لا تقوم إلا بموصوف فإذا قيل: هذا فيه افتقار الواجب إلى غيره لم يلزم أن يكون ذلك الغير فاعلاً ولا علة فاعلة بل إذا قدر أنه يطلق عليه غير فإنما هو شرط من المشروط وكون الذات مشروطة بالصفة اللازمة لها والصفة مشروطة بالذات لا يمنع أن يكون الجميع واجباً بنفسه لا يفتقر إلى فاعل ولا إلى علة فاعلة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود أنه إذا كان قد علم أن الصفة المشروطة بمحلها تقتضي أن يكون محلها موجوداً فالمفعول المفتقر إلى فاعل موجب يقتضي أن يكون فاعله موجوداً بطريق الأولى.
وأيضاً فيقال: الحوادث المشهودة لا بد لها من محدث إذ المحدث من حيث هو محدث وكل ما يقدر محدثاً سواء قدر متناهياً أو غير متناه لا يوجد بنفسه بل لا بد له من فاعل ليس بمحدث والعلم بذلك ضروري إذ طبيعة الحدث تقتقي الإفتقار إلى فاعل فلا بد لكل ما يقدر محدثاً من فاعل فيمتنع أن يكون فاعل كل المحدثات محدثاً فوجب أن يكون قديماً.
стр. 913
وأيضاً فالمحدث مفتقر إلى محدث كامل، مستقل بالفعل، إذ ما ليس مستقلاً بالفعل مفتقر إلى غيره فلا يكون هو وحده الفاعل، بل الفاعل هو وذلك الغير فلا يكون وحده فاعلاً للمحدث ثم ذلك الغير إن كان محدثاً فلا بد له من فاعل أيضاً فلا بد للمحدثات من فاعل مستقل بالفعل مستغن عن جميع محدثاته، والعقل يعلم ضرورة افتقار المحدث إلى المحدث الفاعل ويقطع به ويعلمه ضرورة أبلغ من علمه بافتقار الممكن إلى الواجب الموجب له، فلا يحتاج أن يقال في ذلك أن المحدث يتخصص بزمان دون زمان أو بقدر دون قدر ولا بد للتخصيص مكن مخصص فإن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث أبين في العقل وأبده له.
ولهذا قال تعالى ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ الطور ٣٥
قال جبير بن مطعم: لما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها أحسست بفؤادي قد انصدع.
وقال ﴿أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ الواقعة ٥٨ - ٥٩ إذ كان كل من القسمين: وهو كونهم خلقوا من غير خالق، وكونهم خلقوا أنفسهم معلوم الانتفاء بالضرورة فإن الإنسان يعلم بالضرورة أنه لم يحدث من غير محدث وأنه لم يحدث نفسه.
فلما كان العلم بأنه لا بد له من محدث، وأن محدثه ليس هو إياه علماً ضرورياً ثبت بالضرورة أن له محدثاً خالقاً غيره، وكل ما يقدر فيه انه مخلوق فهو كذلك.
стр. 914
والخلق يتضمن الحدوث والتقدير ففيه معنى الإبداع والتقدير وإذا علمت أن الممكن لا بد له من مرجح يجب به وإلا لم يكن موجوداً بل يبقى معدوماً على أصح القولين، أو متردداً بين الوجود والعدم على الآخر فالمحدث لا بد له من فاعل يستغن به المفعول فيكون به وإلا بقي مفتقراً إلى غيره وإذا قدر محدثه أيضاً فهو أيضاً محدث لم يستغن به لأن ذلك المحدث مفتقر إلى غيره فالمفتقر إليه مفتقر إلى ذلك الغير، الذي هو الأول مفتقر إليه بطريق الأولى، فلا توجد الحوادث إلا بفاعل غني عن غيره وكل محدث مفتقر إلى غيره فلا توجد الحوادث إلا بفاعل قديم غير محدث فهذه طرق متعددة يثبت بها الموجود الواجب بنفسه القديم.
فصل
ويمكن تصوير هذه المادة في الغنى والفقر، وفي الخلق وعدم الخلق، والقدرة وعدم القدرة، والكمال والنقصان، والحياة والموت، والعلم والجهل، وغير ذلك بأن يقال: كل موجود فإما أن يكون غنياً بنفسه عما سواه، وإما أن يكون مفتقراً إلى ما سواه، والمفتقر إلى ما سواه لا يوجد إلا بغنى عما سواه، فيلزم وجوده الغني عما سواه على التقديرين.
стр. 915
والحوادث مفتقرة إلى غيرها، فثبت أن من الموجودات ما هو غني بنفسه ومنها ما هو مفتقر إلى ما سواه ومثل أن يقال: كل موجود فإما أن يكون مخلوقاً وإما ألا يكون مخلوقاً، والمخلوق لا يكون مخلوقاً إلا بخالق ليس بمخلوق.
وقد علم أن الحوادث لا تكون إلا مخلوقة، فثبت أن في الموجودات ما هو حادث مخلوق، ومنها ما هو خالق لتلك الحوادث ليس بمخلوق، وهو المطلوب.
ومثل أن يقال: الموجودإما أن يكون قادراً بنفسه، وإما ألا يكون قادراً بنفسه، وما ليس بقادر بنفسه لا يكون قادراً إلا بإقدار القادر بنفسه، والحوادث المشهودة كانت معدومة، والمعدوم لا يكون موجوداً بنفسه فضلاً عن أن يكون قادراً بنفسه، فثبت أن في الموجودات ما هو محدث ومنها ما هو موجود قادر بنفسه، والقادر بنفسه لا يكون إلا قديماً أزلياً واجباً بنفسه، فثبت انقسام الموجودات إلى هذا وهذا، وهو المطلوب.
ومثل أن يقال: الموجودإما أن يكون كاملاً ليس فيه نقص يحتاج إلى غيره.
وإما أن يكون ناقصاً يحتاج في كماله إلى غيره، ومعلوم أن الحوادث المشهودة ليس لها من نفسها وجود، فضلاً عن أن تكون كاملة بنفسها، وأنها بعد وجودها مفتقرة إلى من يكمل نقصها، فثبت أن الموجودات فيها كامل ليس فيه نقص يحتاج فيه إلى غيره، وما ليس فيه
следующие страницы →