← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الموضع، وبين ما دخل على الفلاسفة من الغلط في مسائل الصفات من هذا الوجه حيث لم يميزوا بين الشرط والعلة الفاعلة بل قد يجعلون ذلك كله علة، إذ العلة عندهم يدخل فيها الفاعل والغاية، وهما العلتان المفصلتان اللتان بهما يكون وجود المعلول والقابل، الذي قد يسمى مادة وهيولى مع الصورة، وهما علتا حقيقة الشيء في نفسه، سواء قيل إن حقيقته غير العين الموجودة في الخارج كما يدعون ذلك أو قيل هي هي كما هو المعروف عن متكلمي أهل السنة. والمقصود هنا أن الدليل لما دل على أنه لا بد من موجود واجب بنفسه أي لا يكون له فاعل يوجده: لا علة فاعلة، ولاما يسمى فاعلاً غير ذلك، صاروا يطلقون عليه الواجب بنفسه، ثم أخذوا ما يحتمله هذا اللفظ من المعاني، فأرادوا إثباته كلها، فصاروا ينفون الصفات وينفون أن يكون له حقيقة موصوفة بالوجود لئلا تكون الذات متعلقة بصفة، فلا تكون واجبة بنفسها. ومعلوم أن كون الذات مستلزمة لصفة كمال يمتنع

стр. 912

تحققها بدونها لا يوجب افتقارها إلى فاعل أو علة فاعلة، ولكن غاية ما فيه أن تكون الذات مشروطة بالصفة والصفة مشروطة بالذات، وأن تكون الصفة إذا قيل بأنها واجبة لا تقوم إلا بموصوف فإذا قيل: هذا فيه افتقار الواجب إلى غيره لم يلزم أن يكون ذلك الغير فاعلاً ولا علة فاعلة بل إذا قدر أنه يطلق عليه غير فإنما هو شرط من المشروط وكون الذات مشروطة بالصفة اللازمة لها والصفة مشروطة بالذات لا يمنع أن يكون الجميع واجباً بنفسه لا يفتقر إلى فاعل ولا إلى علة فاعلة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. والمقصود أنه إذا كان قد علم أن الصفة المشروطة بمحلها تقتضي أن يكون محلها موجوداً فالمفعول المفتقر إلى فاعل موجب يقتضي أن يكون فاعله موجوداً بطريق الأولى. وأيضاً فيقال: الحوادث المشهودة لا بد لها من محدث إذ المحدث من حيث هو محدث وكل ما يقدر محدثاً سواء قدر متناهياً أو غير متناه لا يوجد بنفسه بل لا بد له من فاعل ليس بمحدث والعلم بذلك ضروري إذ طبيعة الحدث تقتقي الإفتقار إلى فاعل فلا بد لكل ما يقدر محدثاً من فاعل فيمتنع أن يكون فاعل كل المحدثات محدثاً فوجب أن يكون قديماً.

стр. 913

وأيضاً فالمحدث مفتقر إلى محدث كامل، مستقل بالفعل، إذ ما ليس مستقلاً بالفعل مفتقر إلى غيره فلا يكون هو وحده الفاعل، بل الفاعل هو وذلك الغير فلا يكون وحده فاعلاً للمحدث ثم ذلك الغير إن كان محدثاً فلا بد له من فاعل أيضاً فلا بد للمحدثات من فاعل مستقل بالفعل مستغن عن جميع محدثاته، والعقل يعلم ضرورة افتقار المحدث إلى المحدث الفاعل ويقطع به ويعلمه ضرورة أبلغ من علمه بافتقار الممكن إلى الواجب الموجب له، فلا يحتاج أن يقال في ذلك أن المحدث يتخصص بزمان دون زمان أو بقدر دون قدر ولا بد للتخصيص مكن مخصص فإن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث أبين في العقل وأبده له. ولهذا قال تعالى ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ الطور ٣٥ قال جبير بن مطعم: لما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها أحسست بفؤادي قد انصدع. وقال ﴿أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ الواقعة ٥٨ - ٥٩ إذ كان كل من القسمين: وهو كونهم خلقوا من غير خالق، وكونهم خلقوا أنفسهم معلوم الانتفاء بالضرورة فإن الإنسان يعلم بالضرورة أنه لم يحدث من غير محدث وأنه لم يحدث نفسه. فلما كان العلم بأنه لا بد له من محدث، وأن محدثه ليس هو إياه علماً ضرورياً ثبت بالضرورة أن له محدثاً خالقاً غيره، وكل ما يقدر فيه انه مخلوق فهو كذلك.

стр. 914

والخلق يتضمن الحدوث والتقدير ففيه معنى الإبداع والتقدير وإذا علمت أن الممكن لا بد له من مرجح يجب به وإلا لم يكن موجوداً بل يبقى معدوماً على أصح القولين، أو متردداً بين الوجود والعدم على الآخر فالمحدث لا بد له من فاعل يستغن به المفعول فيكون به وإلا بقي مفتقراً إلى غيره وإذا قدر محدثه أيضاً فهو أيضاً محدث لم يستغن به لأن ذلك المحدث مفتقر إلى غيره فالمفتقر إليه مفتقر إلى ذلك الغير، الذي هو الأول مفتقر إليه بطريق الأولى، فلا توجد الحوادث إلا بفاعل غني عن غيره وكل محدث مفتقر إلى غيره فلا توجد الحوادث إلا بفاعل قديم غير محدث فهذه طرق متعددة يثبت بها الموجود الواجب بنفسه القديم. فصل ويمكن تصوير هذه المادة في الغنى والفقر، وفي الخلق وعدم الخلق، والقدرة وعدم القدرة، والكمال والنقصان، والحياة والموت، والعلم والجهل، وغير ذلك بأن يقال: كل موجود فإما أن يكون غنياً بنفسه عما سواه، وإما أن يكون مفتقراً إلى ما سواه، والمفتقر إلى ما سواه لا يوجد إلا بغنى عما سواه، فيلزم وجوده الغني عما سواه على التقديرين.

стр. 915

والحوادث مفتقرة إلى غيرها، فثبت أن من الموجودات ما هو غني بنفسه ومنها ما هو مفتقر إلى ما سواه ومثل أن يقال: كل موجود فإما أن يكون مخلوقاً وإما ألا يكون مخلوقاً، والمخلوق لا يكون مخلوقاً إلا بخالق ليس بمخلوق. وقد علم أن الحوادث لا تكون إلا مخلوقة، فثبت أن في الموجودات ما هو حادث مخلوق، ومنها ما هو خالق لتلك الحوادث ليس بمخلوق، وهو المطلوب. ومثل أن يقال: الموجودإما أن يكون قادراً بنفسه، وإما ألا يكون قادراً بنفسه، وما ليس بقادر بنفسه لا يكون قادراً إلا بإقدار القادر بنفسه، والحوادث المشهودة كانت معدومة، والمعدوم لا يكون موجوداً بنفسه فضلاً عن أن يكون قادراً بنفسه، فثبت أن في الموجودات ما هو محدث ومنها ما هو موجود قادر بنفسه، والقادر بنفسه لا يكون إلا قديماً أزلياً واجباً بنفسه، فثبت انقسام الموجودات إلى هذا وهذا، وهو المطلوب. ومثل أن يقال: الموجودإما أن يكون كاملاً ليس فيه نقص يحتاج إلى غيره. وإما أن يكون ناقصاً يحتاج في كماله إلى غيره، ومعلوم أن الحوادث المشهودة ليس لها من نفسها وجود، فضلاً عن أن تكون كاملة بنفسها، وأنها بعد وجودها مفتقرة إلى من يكمل نقصها، فثبت أن الموجودات فيها كامل ليس فيه نقص يحتاج فيه إلى غيره، وما ليس فيه

стр. 916

نقص، لا يكون إلا كاملاً قديماً أزلياً واجباً بنفسه، فثبت انقسام الموجودات إلى هذا وهذا، وهو المطلوب. ومثل أن يقال: الموجودإما عالم بنفسه، وإما محتاج في العلم إلى من يعلمه، وإما أن لا يقبل العلم، ومعلوم أن الإنسان مفتقر في حصول علمه إلى من يعلمه، ليس علمه من لوازم ذاته، فإنه خرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً ثم حدث له العلم بعد ذلك، فثبت أن في الموجود ما ليس عالماً بنفسه، بل هو مفتقر في حصول العلم له إلى من يعلمه، ومعلوم أن كل ما ليس بعالم بنفسه فلا بد له من عالم يعلمه، وذاك العلم إن كان عالماً بنفسه وإلا افتقر إلى عالم بنفسه، فلا بد له من عالم يعلمه، وذاك العالم إن كان عالماً بنفسه وإلا افتقر إلى عالم بنفسه فلا بد أن ينتهي الأمر إلى عالم بنفسه قطعاً للتسلسل الممتنع، فثبت أن في الوجود ما هو عالم بنفسه، وما ليس عالماً بنفسه بل بمن يعلمه كما قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ إلى قوله: ﴿اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ العلق ١ - ٥ وقال: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ البقرة ٢٥٥. وما كان عالماً بنفسه فإن يكون موجوداً بنفسه أولى وأحرى، فإن العلم صفة له، وإذا كانت تلك الصفة قديمة واجبة لا تفتقر إلى فاعل يفعلها في العالم بنفسه، فلا يكون الموصوف بها قديماً واجباً بطريق الأولى والأحرى.

стр. 917

ومثل أن يقال الموجود: إما حي بنفسه وإما حي بغيره، وإما ليس بحي. ومعلوم أن الحي بغيره موجود، فإن الإنسان يكون في بطن أمه قبل نفخ الروح فيه ليس بحي ثم يصير حياً بعد ذلك. فثبت وجود الحي بغيره الذي جعله حياً. وذلك الذي جعله حياً إما أن يكون حياً بنفسه، وإما بغيره. والحي بغيره يحتاج إلى حي، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى حي بنفسه قطعاً للتسلسل الممتنع، فثبت أن في الوجود ما هو حي بنفسه، والحي بنفسه لا يكون إلا واجباً قديماً بنفسه، فإن ذاته إذا كانت مستلزمة لحياته، بحيث لا تكون حياته حاصلة له من غيره، فغن تكون ذاته واجبة بنفسها، لا تكون حاصلة بغيرها أولى وأحرى فغن الحياة قائمة في الموصوف الحي بها، فإذا كانت الحياة قديمة أزلية واجبة بنفسها يمتنع عدمها، فالحي الموصوف بها أن يكون حياً قديماً أزلياً واجباً بنفسه أولى وأحرى. والتسلسل الذي يسمى التسلسل في العلل والمعلولات، والمؤثر والأثر والفاعل والمفعول، والخالق ولمخلوق هو ممتنع باتفاق العقلاء. وبصريح المعقول، بل هو ممتنع في بديهة العقل بعد التصور، وهو الذي أمر النبي ﷺ بالاستعاذة منه في قوله ﷺ «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ فيقول: الله فيقول: من خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته» فأمره بالاستعاذة منه ليقطع عنه الله الوساوس الفاسدة

стр. 918

التي يلقيها الشيطان بغير اختياره ويؤذيه بها، حتى قد يتمنى الموت، أو حتى يختار أن يحترق ولا يجدها، وهي الوسوسة التي سأله عنه الصحابة فقالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حمة أو يخر من السماء إلى الأرض خيراً له من أن يتكلم به فقال: ذلك صريح الإيمان، وفي رواية: ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. فقال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة. وأراد بذلك أن كراهته هذه الوسوسة ونفيها هو محض الإيمان وصريحة. فصل واعلم أن علم الإنسان بأن كل محدث لا بد له من محدث أو كل ممكن لا بد له من واجب أو كل فقير فلا بد له من غني، أو كل مخلوق فلا بد له من خالق، أو كل معلوم فلا بد له من يعلم، أو كل أثر فلا بد له من مؤثر، ونحو ذلك من القضايا الكلية والأخبار العامة هو علم كلي بقضية كلية، وهو حق في نفسه، لكن علمه بأن هذا المحدث المعين لا بد له من محدث، وهذا الممكن المعين لا بد له من واجب، هو أيضاً معلوم له مع كون القضية معينة مخصوصة جزئية، وليس علمه بهذه القضايا المعينة المخصوصة

стр. 919

موقوفاً على العلم بتلك القضية العامة الكلية، بل هذه القضايا المعينة المخصوصة موقوفاً على العلم بتلك القضية العامة الكلية، بل هذه القضايا المعينة قد تسبق إلى فطرته، قبل أن يستشعر تلك القضايا الكلية وهذا كعلمه بأن الكتابة لا بد من كاتب، والبناء لا بد له من بأن فإنه إذا رأى كتابه معينة علم انه لا بد لها من كاتب. وإذا رأى بنياناً علم أنه لا بد له من بأن وإن لم يستشعر في ذلك الحال كل كتابه كانت أو تكون، أو يمكن أن تكون، ولهذا تجد الصبي ونحوه يعلم هذه القضايا المعينة الجزئية، وإن كان عقله لا يستحضر القضية الكلية العامة، وهذا كما أن الإنسان يعلم أن هذا المعين لا يكون أسود أبيض، ولا يكون في مكانين، وإن لم يستحضر أن كل سواد وكل بياض فأنهما لا يجتمعان، وأن كل جسمين فإنهما لا يكونان في مكان واحد، وهكذا إذا رأى درهماً ونصف درهم، علم أن هذا الكل أعظم من هذا الجزء، وإن لم يستحضر أن كل كل فإنه يجب أن يكون أعظم من جزئه. وكذلك إذا قيل: هذا العدد الأول مساو لهذا العدد الثاني، وهذا العدد الثاني مساو لهذا العدد الثالث، فإنه يعلم أن الأول مساو لمساوي الثاني وهو مساو للثالث، وإن لم يستحضر أن كل مساو لمساو فهو مساو.

стр. 920

وكذلك إذا علم أن الشخص موجود علم أنه ليس بمعدوم، وإذا علم انه ليس بمعدوم علم أنه موجود، ويعلم انه لا يجتمع وجوده وعدمه بل يتناقضان، وأن لم يستحضر قضية كلية عامة أنه لا يجتمع نفي كل شيء وإثباته ووجوده وعدمه، وهكذا عامة القضايا الكلية. فإنه قد يكون علم الإنسان بالحكم في أعيانها المشخصة الجزئية أبده للعقل من الحكم الكلي، ولا تكون معرفته بحكم المعينات موقوفه على تلك القضايا الكليات، ولهذا كان علم الإنسان أنه هو لم يحدث نفسه، لا يتوقف على علمه بان كل إنسان لم يحدث نفسه، ولا على أن كل حادث لم يحدث نفسه، بل هذه القضايا العامة الكلية صادقة، وتلك القضية المعينة صادقة، والعلم بها فطري ضروري لا يحتاج أن يستدل عليه، وإن كان قد يمكن الاستدلال على بعض المعينات بالقضية الكلية، ويستفاد العلم بالقضية الكلية بواسطة العلم بالمعينات، لكن المقصود أن هذا الاستدلال ليس شرطاً في العلم، بل العلم بالمعينات قد يعلم كما تعلم الكليات وأعظم، بل قد يجزم بالمعينات من لا يجزم بالكليات، ولهذا لا تجد أحداً يشك في أن هذه الكتابة لا بد لها من كاتب، وهذا البناء لا بد له من باب، بل يعلم هذا ضرورة. وإن كان العلم بان كل حادث لا بد له من محدث فاعل

стр. 921

قد اعتقده طوائف من النظار نظرياً حتى أقاموا عليه دليلاً: إما بقياس الشمول، وإما بقياس التمثيل. فالأول قول من يقول: كل محدث لا بد له من محدث والثاني قول من يقول هذا محدث فيفتقر إلى محدث قياساً على البناء والكتابة. ثم القائلون بأن كل محدث لا بد له من محدث، منهم من يثبت هذا بالاستدلال على أن الحادث مختص والتخصيص لا بد له من مخصص ثم من الناس من يثبت هذا بأن المخصوص ممكن، والممكن لا بد له من مرجح لوجوده، ثم من الناس من يثبت هذا بأن نسبة الممكن إلى الوجود والعدم سواء، فلا بد من ترجيح أحد الجانبين. وكثير من الناس يجعل المقدمة الأولى في هذه القضايا ضرورية، بل يجعلها أبين من الثانية، التي استدل بها عليها، وهذا الاضطراب غنما يقع في القضايا الكلية العامة. وأما كون هذا البناء لا بد له من بان، وهذه الكتابة لا بد لها من كاتب، وهذا الثوب المخيط لا بد له من خياط وهذه الآثار التي في الأرض من آثار الأقدام لا بد لها من مؤثر وهذه الضربة لا بد لها من ضارب، وهذه الصياغة لا بد لها من صائغ، وهذا

стр. 922

الكلام المنظوم المسموع لا بد له من متكلم وهذا الضرب والرمي والطعن لا بد له من ضارب ورام وطاعن. فهذه القضايا المعينة الجزئية لا يشك فيها أحد من العقلاء، ولا يفتقر في العلم بها إلى دليل، وإن كان ذكر نظائرها حجة لها، وذكر القضية التي تتناولها وغيرها حجة ثانية فيستدل عليها بقياس التمثيل وبقياس الشمول لكن هي في نفسها معلومة للعقلاء بالضرورة، مع قطع نظرهم عن قضية كلية، كما يعلم الإنسان أحوال نفسه المعينة، فإنه يعلم أنه لم يحدث نفسه، وإن لم يستحضر أن كل حادث لا يحدث بنفسه. ولهذا كانت فطرة الخلق مجبولة على أنهم شاهدوا شيئاً من الحوادث المتجددة، كالرعد والبرق والزلازل ذكروا الله وسبحوه لأنهم يعلمون أن ذلك المتجدد لم يتجدد بنفسه بل له محدث أحدثه وإن كانوا يعلمون هذا في سائر المحدثات لكن ما اعتادوا حدوثه صار مألوفا لهم بخلاف المتجدد الغريب، وإلا فعامة ما يذكرون الله ويسبحونه عنده من الغريب المتجددة قد شهدوا من آيات الله المعتادة ما هو أعظم منه ولو لم يكن إلا خلق الإنسان فإنه من أعظم الآيات، فكل أحد يعلم أنه هو لم

стр. 923

يحدث نفسه ولا أبواه أحداثاه ولا أحد من البشر أحدثه، ويعلم أنه لا بد له من محدث، فكل أحد يعلم أن له خالقاً خلقه، ويعلم انه موجود، حي عليم قدير، سميع بصير، ومن جعل غيره حياً كان أولى أن يكون حياً، ومن جعل غيره عليماً كان أولى أن يكون عليماً، ومن جعل غيره قادراً كان أولى أن يكون قادراً، ويعلم أيضاً أن فيه من الإحكام ما دل على علم الفاعل، ومن الإختصاص ما دل على إرادة الفاعل، وأن نفس الإحداث لا يكون إلا بقدرة المحدث، فعلمه بنفسه المعينة المشخصة الجزئية يفيده العلم بهذه المطالب الإلهية وغيرها ن كما قال تعالى ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ الذاريات ٢١. فصل إذا تبين ذلك فالآية والعلامة والدلالة على الشيء يجب أن يكون ثبوتها مستلزماً لثبوت المدلول الذي هي آية له وعلامة عليه، ولا تفتقر في كونها آية وعلامة ودلالة إلى أن تندرج تحت قضية كلية، سواء كان المدلول عليه قد عرفت عينه، أو لم تعرف عينه، بل عرف على وجه مطلق مجمل.

стр. 924

فالأول مثل أن يقال: علامة دار فلان أن على بابها كذا، أو على عتبها كذا، أو علامة فلان أنه كذا وكذا، فإذا رؤيت تلك العلامة عرف ذلك المعين. والثاني أن يقال: علامة من يكون أميراً أو قاضياً أن تكون هيئته كذا وكذا، فإن رؤيت تلك الهيئة علم أن هناك أميراً أو قاضياً وإن لم تعلم عينه. وإذا كان كذلك فجميع المخلوقات مستلزمة للخالق بعينه، وكل منها يدل بنفسه على أن له محدثاً بنفسه، ولا يحتاج أن يقرن بذلك أن كل محدث فله محدث، كما قدمناه أن العلم بأفراد هذه القضية لا يجب أن يتوقف على كلياتها، بل قد تكون دلالته على المحدث المعين أظهر وأسبق. ولهذا كان ما يشهده الناس من الحوادث آيات دالة على الفاعل المحدث بنفسها، من غير أن يجب أن يقترن بها قضية كلية: أن كل محدث فله محدث، وهي أيضاً دالة على الخالق سبحانه، من حيث يعلم أنه لا يحدثها إلا هو، فإنه كما يستدل على أن المحدثات لا بد لها من محدث قادر، عليم، مريد، حكيم، فالفعل يستلزم القدرة، والإحكام

стр. 925

يستلزم العلم، والتخصيص يستلزم الإرادة وحسن العافية يستلزم الحكمة. وكل حادث يدل على ذلك كما يدل عليه الآخر، وكل حادث كما دل على عين الخالق، فكذلك الآخر يدل عليه، فلهذا كانت المخلوقات آيات عليه، وسماها الله آيات، والآيات لا تفتقر في كونها آيات إلى قياس كلي: لا قياس تمثيلي، ولا قياس شمولي، وإن كان القياس شاهداً لها مؤيداً لمقتضاها، لكن علم القلوب بمقتضى الآيات والعلامات لا يجب أن يقف على هذا القياس، بل يعلم موجبها مقتضاها، وإن لم يخطر لها أن كل ممكن فإنه لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، أو لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح. ومن هنا يتبين لك أن ما تنازع فيه طائفة من النظار وهو أن علة الإفتقار إلى الصانع، هل هو الحدوث أو الإمكان، أو مجموعيهما، لا يحتاج إليه، وذلك أن كل مخلوق فنفسه وذاته مفتقرة إلى الخالق، وهذا الافتقار وصف له لازم. ومعنى هذا أن حقيقته لا تكون موجودة إلا بخالق يخلقه، فإن شهدت حقيقته موجودة في الخارج علم أنه لا بد لها من فاعل، وإن تصورت في العقل علم أنها لا توجد في الخارج إلا بفاعل، ولو قدر أنها تتصور تصوراً مطلقاً علم أنها لا توجد إلا بفاعل فهي في نفسها لا توجد إلا بفاعل وهذا يعلم بنفس تصورها وإن لم يشعر القلب

стр. 926

بكونها حادثة أو ممكنة، وإن كان كل من الإمكان والحدوث دليلاً أيضاً على هذا الافتقار، لكن الحدوث يستلزم وجودها بعد العدم، وقد علم أنها لا توجد إلا بفاعل، والإمكان يستلزم أنها لا تكون إلا بموجد، وذلك يستلزم إذا وجدت أن تكون بموجد وهي من حيث هي هي، وإن لم تدرج تحت وصف كلي يستلزم الافتقار إلى الفاعل أي لا تكون موجودة إلا بفاعل، ولا تدوم وتبقى إلا بالفاعل المبقي المديم لها، فهي مفتقرة إليه في حدوثها، سواء قيل إن بقاءها وصف زائد عليها أو لم يقل. ولهذا يعلم العقل بالضرورة أن هذا الحادث لا يبقى إلا بسبب يبقيه، كما يعلم أنه لم يحدث إلا بسبب يحدثه، ولو بنى الإنسان سقفاً ولم يدع شيئاً يمسكه لقال له الناس: هذا لا يدوم ولا يبقى، وكذلك إذا خاط الثوب بخيوط ضعيفة وخاطه خياطة فاسدة قالوا له هذا لا يبقى البقاء المطلوب فهم يعلمون بفطرتهم افتقار الأمور المفتقرة إلى ما يبقيها كما يعلمون افتقارها إلى ما يحدثها وينشئها. وما يذكر من الأمثال المضروبة والشواهد المبينة لكون الصنعة تفتقر إلى الصانع في حدوثها وبقائها، إنما هو للتنبيه على ما في الفطرة كما يمثل بالسفينة في الحكاية المشهورة عن بعض أهل العلم، أنه قال له طائفة

стр. 927

من الملاحدة: ما الدلالة على وجود الصانع؟ فقال لهم: دعوني فخاطري مشغول بأمر غريب. قالوا قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها. فقالوا له: أمجنون أنت؟ قال: وما ذاك قالوا أهذا يصدقه عاقل؟ فقال: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف والحوادث العجيبة وهذا الفلك الدوار السيار يجري وتحدث هذه الحوادث بغير محدث، وتتحرك هذه المتحركات بغير محرك؟ فرجعوا على أنفسهم بالملام وهكذا إذ قيل: فهذه السفينة أثبتت نفسها في الساحل بغير موثق اوثقها ولا رابط ربطها، كذبت العقول بذلك. فهكذا إذ قيل: إن الحوادث تبقى وتدوم بغير مبق يبقيها، ولا ممسك يمسكها. ولهذا نبه سبحانه على هذا وهذا فالأول: كثير وأما الثاني: ففي مثل قوله ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا﴾ فاطر ٤١ وقوله ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ الروم ٢٥ وقوله ﴿رفع السماوات بغير عمد ترونها﴾ الرعد ٢ وهذا الإبقاء يكون بالرزق الذي يمد الله به المخلوقات كما قال الله

стр. 928

تعالى ﴿الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الروم ٤٠. كلام الشهر ستأتي في نهاية الإقدام وهذا الذي ذكرناه، من أن نفس الأعيان المحدثة كالإنسان تستلزم وجود الصانع الخالق. وأن علم الإنسان بأنه مصنوع يستلزم العلم بصانعه بذاته من غير احتياج إلى قضية كلية، تقترن بهذا وهو معنى ما يذكره كثير من الناس، مثل قول الشهر ستأتي: أما تعطيل العالم عن الصانع العليم القادر الحكيم، فليست أراها مقالة ولا عرفت عليها صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية أنهم قالوا: كان العالم في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة فاصطكت اتفاقاً فحصل العالم بشكله الذي تراه عليه

стр. 929

قال: ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع، بل هو يعترف بالصانع لكنه يحيل سبب وجود العالم على البخت والاتفاق احترازاً عن التعليل، فما عدت هذه المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها، بصانع عليم قادر حكيم ﴿أفي الله شك﴾ إبراهيم ١٠ ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ الزخرف ٨٧ ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ الزخرف ٩ وإن هو غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء ﴿دعوا الله مخلصين له الدين﴾ يونس ٢٢ ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ الإسراء ٦٧. قال ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشرك: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله

стр. 930

إلا الله فأعلم انه لا إله إلا الله ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ﴿ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا﴾ غافر ١٢ ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ الزمر ٤٥ ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا﴾ الإسراء ٤٦. قال وقد سلك المتكلمون طريقاً في إثبات الصانع، وهو الاستدلال بالحوادث على محدث صانع وسلك الأوائل طريقاً آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي الإمكان. قلت: وهذا الطريق الثاني لم يسلكه الأوائل، وإنما سلكه ابن سينا ومن وافقه ولكن الشهرستاني وأمثاله لا يعرفون مذهب أرسطو والأوائل إذ كان عمدتهم فيما ينقلونه من الفلسفة على كتب ابن سينا.

стр. 931

قال ويدعي كل واحد في جهة الاستدلال ضرورة وبديهة. قال وأنا أقول: ما شهد به الحدوث، أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياجه في ذاته إلى مدبر هو منتهى مطلب الحاجات، يرغب إليه، ولا يرغب عنه، ويستغنى به ولا يستغنى عنه ويتوجه إليه ولا يعرض عنه ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح من احتياج الممكن الخارج إلى الواجب والحادث إلى المحدث. وعن هذا المعنى كانت تعريفات الحق سبحانه في التنزيل على هذا المنهاج ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ النمل ٦٢ ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ الأنعام ٦٣ ﴿قل من

стр. 932

يرزقكم من السماوات والأرض﴾ يونس ﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ النمل ٦٤. وعن هذا المعنى قال النبي ﷺ «خلق الله العباد على معرفته فاجتالتهم الشياطين عنها» . قلت: لفظ الحديث في الصحيح: «يقول الله خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» قال: فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج، وذلك الاجتيال من الشيطان هو تسويلة الاستغناء ونفي الحاجة والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة وتطهيرها عن تسويلات الشياطين فإنهم الباقون على أصل الفطرة وما كان له عليهم من سلطان ﴿فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى﴾ الأعلى ١٠ - ١١

стр. 933

﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ طه ٤٤. قلت: الذي في الحديث: إن الشياطين امرتهم أن يشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً وهذا المرض العام في أكثر بني آدام وهو الشرك كما قال تعالى ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ يوسف ١٠٦ وأما التعطيل فهو مرض خاص لا يكاد يقع إلا عن عناد كما وقع لفرعون. وليس في الحديث أن الشياطين سولت لهم الاستغناء عن الصانع فإن هذا لا يقع إلا خاصاً لبعض الناس أو لكثير منهم في بعض الأحوال وهو جنس السفسطة بل هو شر السفسطة والسفسطة لا تكون عامة لعدد كثير دائماً بل تعرض لبعض الناس أو لكثير منهم في بعض الأشياء قال: ومن رحل إلى الله قربت مسافته حيث رجع إلى نفسه أدنى رجوع فعرف احتياجه إليه في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه ثم استبصر من آيات الآفاق إلى آيات الأنفس ثم استشهد به على الملكوت لا بالملكوت عليه ... الخ

стр. 934

تعليق ابن تيمية قلت هو وطائفة معه يضنون أن الضمير في قوله ﴿حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ فصلت ٥٣ عائد إلى الله تعالى ويقولون هذه جمعت طريق من استدل بالخلق على الخالق، ومن استدل بالخالق على المخلوق. والصواب الذي عليه المفسرون وعليه تدل الآية أن الضمير عائد إلى القرآن وأن الله يري عباده من الآيات الفقيه والنفسية ما يبين لهم أن القرآن حق وذلك يتضمن ثبوت الرسالة وأن يسلم ما أخبر به الرسول كما قال تعالى ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد * سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ فصلت ٥٢ ٥٣. والمقصود هنا التنبيه على أن حاجة المعين إلى العلم لا تتوقف على العلم بحاجة كل من هو مثله والاستدلال على ذلك بالقياس الشمولي والتمثيلي. وأيضا فالحاجة التي يقترن مع العلم بها ذوق الحاجة هي اعضم وقعا في النفس من العلم الذي لا يقترن به ذوق. ولهذا كانت معرفة النفوس بما تحبه وتكرهه، وينفعها ويضرها، هو أرسخ فيها فيها من معرفتها بما لا تحتاج إليه، ولا تكرهه ولا تحبه، ولهذا كان ما يعرف من أحوال الرسل مع أممهم

стр. 935

بالأخبار المتواترة ورؤية الآثار من حسن عاقبة أتباع الرسل، وسوء عاقبة المكذبين، أنفع من معرفة صدق الرسول وأتباعه مما يفيد العلم فقط، فإن هذا يفيد العلم مع الترغيب والترهيب، فيفيد كمال القوتين: العلمية والعملية بنفسه، بخلاف ما يفيد العم، ثم العلم يفيد العمل. ولهذا كان أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري، وذلك أن اضطرار النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى مالا تتعلق به حاجتها. ألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق به منافعهم ومضارهم، كولاة أمورهم وممالكيهم، وأصدقائهم وأعدائهم، مالا يعلمونه من أحوال من لا يرجونه ولا يخافونه، ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه فهم يحتاجون إليه من جهة ربوبيته، إذ كان هو الذي خلقهم، وهو الذي يأتيهم بالمنافع، ويدفع عنهم المضار: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون﴾ النحل ٥٣. وكل ما يحصل من أحد فإنما هو بخلقه وتقديره وتسبيبه وتيسيره، وهذه الحاجة التي توجب رجوعهم إليه حال اضطرارهم، كما يخاطبهم بذلك

стр. 936

في كتابه، وهم محتاجون إليه من جهة ألوهيته، فإنه لا صلاح لهم إلا بأن يكون هو معبودهم الذي يحبونه ويعظمونه، ولا يجعلون له أنداداً يحبونهم كحب الله، بل يكون ما يحبونه سواه، كأنبيائه وصالحي عباده، إنما يحبونهم لأجله، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» ومعلوم أن السؤال، والحب، والذل، والخوف، والرجاء، والتعظيم، والإعتراف بالحاجة، والافتقار، ونحو ذلك، مشروط بالشعور بالمسؤل المحبوب المرجو، المخوف، المعبود، المعظم، الذي تعترف النفوس بالحاجة إليه والإفتقار، الذي تواضع كل شيء لعظمته، واستسلم كل شيء لقدرته، وذل كل شيء لعزته. فإذا كانت هذه الأمور مما تحتاج النفوس إليها ولا بد لها منها، بل هي ضرورية فيها كان شرطها ولازمها، وهو الاعتراف بالصانع به، أولى أن يكون في النفوس. وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة» يروي عن ربه: «خلقت عبادي حنفاء»

стр. 937

ونحو ذلك، لا يتضمن مجرد الإقرار بالصانع فقط، بل إقراراً يتبعه عبودية لله بالحب والتعظيم وإخلاص الدين له ن وهذا هو الحنيفية. وأصل الإيمان قول القلب وعمله، أي علمه بالخالق وعبوديته للخالق، والقلب مفطور على هذا وهذا. وإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة بما عرض له من المرض، إما بجهله، وإما بظلمه، فجحد بآيات الله واستيقنتها نفسه ظلماً وعلواً، لم يمتنع أن يكون الخلق ولدوا على الفطرة. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع طائفة من قول من ذكر أن المعرفة ضرورية، والعلم الذي يقترن به حب المعلوم قد يسمى معرفة، كما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمعروف ما تحبه القلوب مع العلم، والمنكر ما تكرهه وتنفر عنه عند العلم به. فلهذا قد يسمى من كان فيه مع علمه بالله حب لله وإنابة إليه عارفاً، بخلاف العالم الخالي عن حب القلب وتألهه، فإنهم لا يسمونه عارف. ومن المعلوم أن وجود حب الله وخشيته والرغبة إليه وتألهه في القلب، فرع وجود الإقرار به، وهذا الثاني مستلزم للأول. فإذا كان هذا يكون ضرورياً في القلب، فوجود الإقرار السابق عليه اللازم له، أولى أن يكون ضرورياً، فإن ثبوت الملزوم لا يكون إلا مع ثبوت اللازم.

стр. 938

وقد يراد بلفظ المعرفة العلم الذي يكون معلومة معيناً خاصاً، وبالعلم الذي هو قسيم المعرفة ما يكون المعلوم به كلياً عاما، وقد يراد بلفظ المعرفة ما يكون معلومة الشيء بعينه، وإن كان لفظ العلم يتناول النوعين في الأصل، كما بسط في موضع آخر، وسيأتي كلام الناس في الإقرار بالصانع، هل يحصل بهذا وبهذا. وقد بينا في غير هذا الموضع الكلام على قولهم: علة الحاجة إلى المؤثر: هل هي الحدوث، أو الإمكان، أو مجموعها؟ وبينا أنه إن أريد بذلك أن الحدوث مثلا دليل على أن هذا المحدث يحتاج إلى محدث، أو أن الحدوث شرط في إفتقار المفعول إلى فاعل، فهذا صحيح، وإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقراً إلى الفاعل فهذا باطل، وكذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على إلى المؤثر، أو أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح، وإن أريد به أنه جعل نفس الممكن مفتقراً، فهذا باطل. وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث دليلاً على الافتقار إلى المؤثر، وشرطاً في الافتقار إلى المؤثر، وإنما النزاع في مسألتين: إحداهما: أن الواجب بغيره إزلاً وأبداً: هل يصح أن يكون مفعولاً

стр. 939

لغيره؟ كما يقوله من يقول من المتفلسفة: إن الفلك قديم معلول ممكن لواجب الوجود ازلاً وأبداً، فهذا هو القول الذي ينكره جماهير العقلاء من بني آدم. ويقولون ك إن كون الشيء مفعولاً مصنوعاً، مع كونه مقارناً لفاعله أزلاً وأبداً ممتنع ويقولون أيضاً: إن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا موجوداً تارة ومعدوماً أخرى، فأما ما كان دائم الوجود فهذا عند عامة العقلاء ضروري الوجود، وليس من الممكن الذي يقبل الوجود والعدم. وهذا مما وافق عليه الفلاسفة قاطبة حتى ابن سينا وأتباعه. ولكن ابن سينا تناقض فادعى في باب إثبات واجب الوجود أن الممكن قد يكون قديماً أزلياً مع كونه ممكناً، ووافقه على ذلك طائفة من المتأخرين، كالرازي وغيره، ولزمهم على ذلك من الاشكالات ما لم يقدروا على جوابه، كما قد بسط في موضعه وعلى هذا فالإمكان والحدوث متلازمان، فكل ممكن محدث وكل محدث ممكن. وأما تقدير ممكن مفعول واجب لغيره، مع أنه غير

стр. 940

محدث، فهذا ممتنع عند جماهير العقلاء. وأكثر الفلاسفة من أتباع ارسطو وغيره مع الجمهور يقولون: إن الإمكان لا يعقل إلا في المحدثات وأما الذي أدعى ثبوت ممكن قديم فهو ابن سينا ومن وافقه ولهذا ورد عليهم في إثبات هذا الإمكان سؤالات لا جواب لهم عنها. موافقة الرازي لابن سينا وإنكار ابن رشد على ابن سينا والرازي لما كان مثبتاً لهذا الإمكان، لابن سينا، كان في كلامه من الاضطراب ما هو معروف في كتبه الكبار والصغار، مع أن هؤلاء كلهم يثبتون في كتبهم المنطقية ما يوافقون فيه سلفهم أرسطو وغيره: أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثاً كائناً بعد أن لم يكن، وقد ذكر أبو الوليد بن رشد الحفيد هذا وقال: ما ذكره ابن سينا ونحوه، من أن الشيء يكون ممكناً يقبل الوجود والعدم، مع كونه قديماً أزلياً قول لم يقله أحد من الفلاسفة قبل ابن سينا قلت: وابن سينا قد ذكر أيضاً في غير موضع أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم، لا يكون إلا حادثاً، مسبوقاً بالعدم، كما قاله سلفه وسائر العقلاء، وقد ذكرت ألفاظه من كتاب الشفاء وغيره في غير هذا

стр. 941

الموضع، وهو مما يتبين به اتفاق العقلاء على أن كل ممكن يقبل الوجود والعدم فلا يكون إلا حادثاً كائناً بعد أن لم يكن، وهذا مما يبين أن كل ما سوى الواجب بنفسه فهو محدث، كائن بعد أن لم يكن، وهذا لا يناقض دوام فاعليته. والمقصود هنا أن نفس الحدوث والإمكان دليل على الافتقار إلى الموثر، وأما كون أحدهما جعل نفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق فهذا خطأ، بل نفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق بذاتها، واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي لها، لا يحتاج إلى علة، فإنه ليس كل حكم ثبت للذوات يحتاج إلى علة، إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل. وهو باطل باتفاق العلماء، بل من الأحكام ما هو لازم للذوات، لا يمكن أن يكون مفارقاً للذوات، ولا يفتقر إلى علة، وكون كل ما سوى الله فقيراً إليه محتاجاً إليه دائماً هو من هذا الباب. فالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله، كما أن الغني والصمدية أمر لازم لذات الله، فيمتنع أن يكون سبحانه فقيراً، ويمتنع أن يكون إلا غنياً عن كل ما سواه، ويمتنع فيما سواه أن يكون غنياً عنه

стр. 942

بوجه من الوجوه، ويجب في كل ما سواه أن يكون فقيراً محتاجاً إليه دائماً في كل وقت. وهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية، وهو أن المحدث المخلوق هل افتقار إلى الخالق المحدث وقت الإحداث فقط، أو هو دائماً مفتقر إليه، على قولين للنظار. وكثير من أهل الكلام المحدث المتلقى عن جهم وأبي الهذيل ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم، يقولون إنه لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث لا في حال البقاء وهذا القول في مقابلة قول الفلاسفة الدهرية، الذين يقولون: افتقار الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثه بل افتقاره إليه في حال بقائه دائماً ازلاً وأبداً. فهؤلاء زعموا وجود الفعل بلا حدوث شيء وأولئك زعموا أن المخلوق لا يفتقر إلى الخالق لا يحتاج دائماً وكلا القولين باطل كما قد بسط في موضعه. والمقصود هنا أن كثيراً مما يجعلونه مقدمات في أدله إثبات الصانع، وإن كان حقاً فإنه لا يحتاج إليه عامة الفطر السليمة، وإن كان من عرضت له شبهة قد ينتفع به.

стр. 943

والكلام على إبطال الدور والتسلسل هو من هذا الباب، وما سلكوه من الطرق بقطع التسلسل والدور فهو طريق صحيح أيضاً. وجماع ذلك أن الدور نوعان، والتسلسل نوعان أما الدور: فقد يراد به أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا، ولا هذا إلا مع هذا، ويسمى هذا الدور المعي الاقتراني. ويراد به أنه لا يوجد هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا ونحو ذلك، وهو الدور البعدي. فالأول ممكن، كالأمور المتضايفة، مثل البنوة والأبوة، وكالمعلولين لعلة واحدة، وسائر الأمور المتلازمة التي لا يوجد منها إلا مع الآخر، كصفات الخالق سبحانه المتلازمة وكصفاته مع ذاته وكسائر الشروط كغير الشروط كغير ذلك مما هو من باب الشرط والمشروط. وأما الثاني فممتنع، فإنه إذا كان هذا لا يوجد إلا بعد ذاك، وذاك لا يوجد إلا بعد هذا، لزم أن يكون ذاك موجوداً قبل هذا، وهذا قبل ذاك، فيكون كل من هذا وذاك موجوداً قبل أن يكون موجوداً، فيلزم

стр. 944

اجتماع الوجود والعدم غير مرة، وذلك كله ممتنع. ومن هذا الباب أن يكون هذا فاعلاً لهذا، او علة فاعلة أو علة غائية، ونحو ذلك لأن الفاعل والعلة ونحو ذلك يمتنع أن يكون فعلاً لنفسه، فكيف يكون فاعلاً لفاعل نفسه؟ وكذلك العلة الفاعلة لا تكون علة فاعلة لنفسها فكيف لعلة نفسها؟ وكذلك العلة الغائية التي يوجدها الفاعل هي مفعولة للفاعل ومعلولة في وجودها له لا لنفسها، فإذا لم تكن معلولة لنفسها فكيف تكون معلولة لمعلول نفسها؟ فهذا ونحوه من الدور المستلزم تقدم الشيء على نفسه أو على المتقدم على نفسه، وكونه فاعلاً لنفسه المفعولة أو لمفعول نفسه، أو علة لنفسه المعلولة أو لمعلول معلول نفسه أو معلولاً مفعولاً لنفسه، أو لمعلول نفسه ومفعول نفسه كل ذلك ممتنع ظاهر الامتناع ولهذا اتفق لعقلاء على امتناع ذلك. وأما التسلسل في الآثار والشروط ونحو ذلك، ففيه قولان معروفان لأصناف الناس وأما التسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة ونحو ذلك فهذا ممتنع بلا ريب.

стр. 945

فإذا تبين هذا فنقول: لو كان جميع الموجودات ممكناً مفتقراً إلى فاعل غيره فذلك الغير إن كان هو الغير الفاعل له، لزم كون كل منهما فاعلاً للآخر وهذا من الدور القبلي الممتنع باتفاق العقلاء وإن كان ذلك الغير غيراً آخر، لزم وجود فاعلين ومفعولين إلى غير غاية، وإن شئت قلت: لزم مؤثرون كل منهم مؤثر في الآخر إلى غير غاية وإن شئت قلت لزم علل كل منها معلول للآخر إلى غير غاية. وكل من هؤلاء ممكن الوجود، مفتقر إلى غيره لا يوجد بنفسه. فهنا سؤالان: أحدهما: قول القائل: لم لا يجوز أن يكون المجموع واجباً بنفسه وإن كان كل فرد من أفراد ممكناً بنفسه؟ وقد أجيب عن هذا بأنه يستلزم ثبوت واجب الوجود بنفسه مع أنه باطل أيضاً لأن المجموع هو الأجزاء المجتمعة مع الهيئة الاجتماعية وكل من الأجزاء ممكن بنفسه والهيئة الاجتماعية عرض من الأعراض الذي لا يقوم بنفسه فهو

стр. 946

أيضاً ممكن لنفسه بطريق الأولى فكل من الأجزاء ومن الهيئة الاجتماعية ممكن لنفسه فامتنع أن يكون هناك ما يقدر واجباً بنفسه. وأيضاً فإن ما توصف به الأفراد قد يوصف به المجموع وقد لا يوصف فإن كان اتصاف الأفراد به لطبيعة مشتركة بينها وبين المجموع وجب اتصاف المجموع بخلاف ما إذا حدث للمجموع بالتركيب وصف منتف في الأفراد. ومعلوم أن كل واحد واحد إذا لم يكن موجوداً إلا بغيرة، وهو فقير محتاج فكثرة المفتقرات المحتاجات واجتماعها لا يوجب استغناءها إلا أن يكون في بعضها معاونة للآخر، كالضعيفين إذا اجتمعا حصل باجتماعهما قوة، لأن كلا منهما مستغن عن غيره من وجه محتاج إليه من وجه وأما إذا قدر أن كلا منهما مفتقر إلى غيره من كل وجه امتنع أن يحصل لهما بالاجتماع قوة أو معونة من أحدهما للأخر إذ التقدير أن كل كل منهما ليس له شيء إلا من الآخر وهذا هو الدور القبلي، دور الفاعلين والعلل الفاعلية والغائية فلا يحصل لأحدهما من الآخر شيء

стр. 947

والتقدير أنه ليس له من نفسه شيء فلا يحصل بالاجتماع وجود أصلاً. يبين هذا أن كل جزء فهو مفتقر من كل وجه إلى غيره والمجموع أيضاً مفتقر من كل وجه إلى الأفراد فإنه أي فرد من الأفراد قدر عدمه لزم عدم المجموع فليس في المجموع وجود يعطيه للأفراد ولا لشيء من الأفراد وجود يعطيه للمجموع او لغيره من الأفراد وهذا بخلاف ما إذا اجتمعت آحاد العشرة فإن كونها عشرة لا يحصل لأفرادها كما أن كل فرد ليس وجوده مستفاداً من اجتماع العشرة فلما لم يكن كل من الأفراد وجوده من العشرة ولا من غيره من الأفراد أمكن وجوده بنفسه، وأمكن أن يكون شرطاً في وجود الفرد الآخر، وأن يكون الحكم الحاصل باجتماع العشرة لا يحصل لفرد فرد، فتبين أن مجموع الممكنات لا يكون ممكناً وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. سؤال للآمدي وأجوبة عنه والسؤال الثاني: سؤال الامدي وهو قوله: ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها وترجح كل واحد بالآخر إلى غير نهاية.

стр. 948

فيقال عن هذا أجوبة: الأول أنه إذا كان كل من الجملة ممكناً بنفسه لا يوجد إلا بغيره فكل من الآحاد، ليس وجوده بنفسه، والجملة ليس وجودها بنفسها، فليس هناك شيء وجوده بنفسه فلا يكون وجوده إلا بغيره. فتعين أن يكون هناك غير ليس هو جملة مجموع الممكنات، ولا شيئاً من الممكنات وما ليس كذلك فهو موجود بنفسه، وهو الواجب بنفسه ضرورة. وأما قوله: يكون ترجح كل واحد بالآخر أي يكون كل من الممكنات موجوداً بممكن آخر على سبيل التسلسل. فيقال له: نفس طبيعة الإمكان شاملة لجميع الآحاد وهي مشتركة فيها، فلا يتصور أن يكون شيء من أفراد الممكنات خارجاً عن هذه الطبيعة العامة الشاملة، ونفس طبيعة الإمكان توجب الافتقار إلى الغير، فلو قدر وجود ممكنات بدون واجب بنفسه، للزم استغناء طبيعة الإمكان عن الغير، فيكون ما هو ممكن مفتقراً إلى غيره ليس ممكناً مفتقراً إلى غيره، وذلك جمع بين النقيضين. يبين ذلك أنه مهماً قدر من الممكنات التي ليست متناهية، فإنه

стр. 949

ليس واحد منها موجوداً بنفسه، بل هو مفتقر إلى ما يبدعه ويفعله. فالثاني منها مشارك للأول في هذه الصفة من كل وجه، فليس لشيء منها وجود من نفسه ولا للجملة، فلا يكون هناك موجود أصلاً. بل إذا قال القائل: هذا موجوداً بآخر، والآخر إلى غير نهاية، أو هذا أبدعه آخر، والآخر أبداه آخر إلى نهاية كان حقيقة الكلام أنه يقدر معدومات لا نهاية لها. فإن قدر فاعلاً إذا لم يكن موجوداً بنفسه، لم يكن له من نفسه إلا العدم، وقد قدر فاعله ليس له من نفسه إلا العدم. فكل من هذه الأمور المتسلسلة ليس لشيء منها من نفسه إلا العدم، ولا للمجموع من نفسه إلا العدم، وليس هناك إلا الأفراد والمجموع، وكل من ذلك ليس منه إلا العدم فيكون قد قدر مجموع ليس منه إلا العدم، وما كان كذلك امتنع أن يكون منه وجود، فإن مالا يكون منه إلا العدم، ولا من مجموعه، ولا من أفراد، يمتنع أن يكون منه وجود. فإذا قدر ممكنات متسلسلة كل منها لا وجود له من نفسه لم يكن هناك إلا العدم والوجود موجود محسوس، فعلم أن فيه ما هو موجود بنفسه، ليس وجوده من غيره وهو المطلوب.

стр. 950

الثاني أن يقال: الموجود الذي ليس من نفسه، يمتنع أن يكون وجود غيره منه فإن وجود نفسه بنفسه، واستغناء نفسه بنفسه وقيام نفسه بنفسه، أولى من وجود غيره بوجوده، واستغناء غيره به، وقيام غيره به، فإذا قدر ممكنات ليس فيها ما وجوده بنفسه امتنع أن يكون فيها ما وجود غيره به بطريقة الأولى فلا يجوز أن يكون كل ممكن لا يوجد بنفسه وهو مع هذا فاعل لغيره إلى غير نهاية. وهذا مما لا يقبل النزاع بين العقلاء الذين يفهمونه وسواء قيل: إن المؤثر في مجموع الممكنات هو قدرة الله تعالى بدون أسباب، أو قيل: أنها مؤثرة فيها بالأسباب التي خلقها أو قيل: إن بعضها مؤثر في بعض بالإيجاب أو الإبداع أو التوليد أو الفعل أو غير ذلك مما قيل فإن كل من قال قولاً من هذه الأقوال لا بد أن يجعل للمؤثر وجوداً من موجود بنفسه، لا يمكن أحد ان يقول: كل منها مؤثر وليس له من نفسه إلا العدم، وليس هناك مؤثر له من نفسه وجود، فإنه يعلم بصريح العقل أنه إذا قدر أن كل تلك الأمور ليس لشيء منها وجود من نفسه وجود ولا بنفسه لم يكن له تأثير من نفسه ولا بنفسه، فإن مالا يكون موجوداص بنفسه ومن نفسه فأولى به إن لا يكون مؤثراً في وجود غيره بنفسه ومن نفسه فإذا لم يكن هناك ما هو موجود بنفسه ولا مؤثر بنفسه بل كل
следующие страницы →