Полный текст (4 031 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
أيضاً ممكن لنفسه بطريق الأولى فكل من الأجزاء ومن الهيئة الاجتماعية ممكن لنفسه فامتنع أن يكون هناك ما يقدر واجباً بنفسه.
وأيضاً فإن ما توصف به الأفراد قد يوصف به المجموع وقد لا يوصف فإن كان اتصاف الأفراد به لطبيعة مشتركة بينها وبين المجموع وجب اتصاف المجموع بخلاف ما إذا حدث للمجموع بالتركيب وصف منتف في الأفراد.
ومعلوم أن كل واحد واحد إذا لم يكن موجوداً إلا بغيرة، وهو فقير محتاج فكثرة المفتقرات المحتاجات واجتماعها لا يوجب استغناءها إلا أن يكون في بعضها معاونة للآخر، كالضعيفين إذا اجتمعا حصل باجتماعهما قوة، لأن كلا منهما مستغن عن غيره من وجه محتاج إليه من وجه وأما إذا قدر أن كلا منهما مفتقر إلى غيره من كل وجه امتنع أن يحصل لهما بالاجتماع قوة أو معونة من أحدهما للأخر إذ التقدير أن كل كل منهما ليس له شيء إلا من الآخر وهذا هو الدور القبلي، دور الفاعلين والعلل الفاعلية والغائية فلا يحصل لأحدهما من الآخر شيء
стр. 947
والتقدير أنه ليس له من نفسه شيء فلا يحصل بالاجتماع وجود أصلاً.
يبين هذا أن كل جزء فهو مفتقر من كل وجه إلى غيره والمجموع أيضاً مفتقر من كل وجه إلى الأفراد فإنه أي فرد من الأفراد قدر عدمه لزم عدم المجموع فليس في المجموع وجود يعطيه للأفراد ولا لشيء من الأفراد وجود يعطيه للمجموع او لغيره من الأفراد وهذا بخلاف ما إذا اجتمعت آحاد العشرة فإن كونها عشرة لا يحصل لأفرادها كما أن كل فرد ليس وجوده مستفاداً من اجتماع العشرة فلما لم يكن كل من الأفراد وجوده من العشرة ولا من غيره من الأفراد أمكن وجوده بنفسه، وأمكن أن يكون شرطاً في وجود الفرد الآخر، وأن يكون الحكم الحاصل باجتماع العشرة لا يحصل لفرد فرد، فتبين أن مجموع الممكنات لا يكون ممكناً وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
سؤال للآمدي وأجوبة عنه
والسؤال الثاني: سؤال الامدي وهو قوله: ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها وترجح كل واحد بالآخر إلى غير نهاية.
стр. 948
فيقال عن هذا أجوبة:
الأول
أنه إذا كان كل من الجملة ممكناً بنفسه لا يوجد إلا بغيره فكل من الآحاد، ليس وجوده بنفسه، والجملة ليس وجودها بنفسها، فليس هناك شيء وجوده بنفسه فلا يكون وجوده إلا بغيره.
فتعين أن يكون هناك غير ليس هو جملة مجموع الممكنات، ولا شيئاً من الممكنات وما ليس كذلك فهو موجود بنفسه، وهو الواجب بنفسه ضرورة.
وأما قوله: يكون ترجح كل واحد بالآخر أي يكون كل من الممكنات موجوداً بممكن آخر على سبيل التسلسل.
فيقال له: نفس طبيعة الإمكان شاملة لجميع الآحاد وهي مشتركة فيها، فلا يتصور أن يكون شيء من أفراد الممكنات خارجاً عن هذه الطبيعة العامة الشاملة، ونفس طبيعة الإمكان توجب الافتقار إلى الغير، فلو قدر وجود ممكنات بدون واجب بنفسه، للزم استغناء طبيعة الإمكان عن الغير، فيكون ما هو ممكن مفتقراً إلى غيره ليس ممكناً مفتقراً إلى غيره، وذلك جمع بين النقيضين.
يبين ذلك أنه مهماً قدر من الممكنات التي ليست متناهية، فإنه
стр. 949
ليس واحد منها موجوداً بنفسه، بل هو مفتقر إلى ما يبدعه ويفعله.
فالثاني منها مشارك للأول في هذه الصفة من كل وجه، فليس لشيء منها وجود من نفسه ولا للجملة، فلا يكون هناك موجود أصلاً.
بل إذا قال القائل: هذا موجوداً بآخر، والآخر إلى غير نهاية، أو هذا أبدعه آخر، والآخر أبداه آخر إلى نهاية كان حقيقة الكلام أنه يقدر معدومات لا نهاية لها.
فإن قدر فاعلاً إذا لم يكن موجوداً بنفسه، لم يكن له من نفسه إلا العدم، وقد قدر فاعله ليس له من نفسه إلا العدم.
فكل من هذه الأمور المتسلسلة ليس لشيء منها من نفسه إلا العدم، ولا للمجموع من نفسه إلا العدم، وليس هناك إلا الأفراد والمجموع، وكل من ذلك ليس منه إلا العدم فيكون قد قدر مجموع ليس منه إلا العدم، وما كان كذلك امتنع أن يكون منه وجود، فإن مالا يكون منه إلا العدم، ولا من مجموعه، ولا من أفراد، يمتنع أن يكون منه وجود.
فإذا قدر ممكنات متسلسلة كل منها لا وجود له من نفسه لم يكن هناك إلا العدم والوجود موجود محسوس، فعلم أن فيه ما هو موجود بنفسه، ليس وجوده من غيره وهو المطلوب.
стр. 950
الثاني
أن يقال: الموجود الذي ليس من نفسه، يمتنع أن يكون وجود غيره منه فإن وجود نفسه بنفسه، واستغناء نفسه بنفسه وقيام نفسه بنفسه، أولى من وجود غيره بوجوده، واستغناء غيره به، وقيام غيره به، فإذا قدر ممكنات ليس فيها ما وجوده بنفسه امتنع أن يكون فيها ما وجود غيره به بطريقة الأولى فلا يجوز أن يكون كل ممكن لا يوجد بنفسه وهو مع هذا فاعل لغيره إلى غير نهاية.
وهذا مما لا يقبل النزاع بين العقلاء الذين يفهمونه وسواء قيل: إن المؤثر في مجموع الممكنات هو قدرة الله تعالى بدون أسباب، أو قيل: أنها مؤثرة فيها بالأسباب التي خلقها أو قيل: إن بعضها مؤثر في بعض بالإيجاب أو الإبداع أو التوليد أو الفعل أو غير ذلك مما قيل فإن كل من قال قولاً من هذه الأقوال لا بد أن يجعل للمؤثر وجوداً من موجود بنفسه، لا يمكن أحد ان يقول: كل منها مؤثر وليس له من نفسه إلا العدم، وليس هناك مؤثر له من نفسه وجود، فإنه يعلم بصريح العقل أنه إذا قدر أن كل تلك الأمور ليس لشيء منها وجود من نفسه وجود ولا بنفسه لم يكن له تأثير من نفسه ولا بنفسه، فإن مالا يكون موجوداص بنفسه ومن نفسه فأولى به إن لا يكون مؤثراً في وجود غيره بنفسه ومن نفسه فإذا لم يكن هناك ما هو موجود بنفسه ولا مؤثر بنفسه بل كل
стр. 951
منها غير موجود بنفسه ولا مؤثر بنفسه، كان كل معدوماً بنفسه، معدوم التأثير بنفسه، فنكون قد قدرناً أموراً متسلسلة كل منها لا وجود له بنفسه ولا تأثير له بنفسه وليس هناك مغاير لها يكون موجوداً مؤثراً فيها، فليس هناك لا وجود ولا تأثير قطعاً.
وإذا قال القائل: كل من هذه الأمور التي لا توجد بنفسها يبدع الآخر الذي لا يوجد بنفسه كان صريح العقل يقول له: فما لا يكون موجوداً بنفسه لا يكون مؤثراً بنفسه فكيف تجعله مؤثراً في غيره ولا حقيقة له
فإن قال: بل حقيقته توجد بذلك الغير.
قيل له: ليس هناك غير يتحقق به فإن الغير الذي قدرته هو أيضاً لا وجود له ولا تأثير أصلاً إلا بما تقدره من غير آخر ليس له وجود ولا تأثير.
ونكتة هذا الجواب أن تقدير العقل لما لا يوجد بنفسه بعد، ولا يحقق له وجود بغيره كونه مؤثراً مبدعاً لغيره من أعظم الأمور بطلاناً وفساداً فإن إبداعه للغير لا يكون إلا بعد وجوده وهو مع
стр. 952
كونه ممكناً يقبل الوجود والعدم ليس موجود فكل ما قدر إنما هي معدومات.
الثالث
يوضح هذا الجواب الثالث: وهو أن نقول: قول القائل: الممكن الذي لم يوجد هو معدوم ليس بموجود أصلاً والمعدوم الذي لم يحصل له ما يقتضي وجوده هو باق مستمر على العدم.
وإذا قال القائل: الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح فهذا بين ظاهر في جاب الإثبات فإنه لا يكون موجوداً إلا بمقتضي لوجوده إذا كان ليس له من نفسه وجود.
وأما في النفي فمن الناس من يقول: علة عدمه عدم علة وجوده ويجعل لعدمه علة كما لوجوده علة وهذا قول ابن سينا وأتباعه
والتحقيق الذي عليه جمهور النظار من المتكلمين والمتفلسفين.
стр. 953
وهو الآخر من قولي الرازي أن عدمه لا يفتقر إلى علة تجعله معدوماً فالعدم المحض لا يعلل ولا يعلل به إذ العدم المحض المستمر لا يفتقر إلى فاعل ولا علة ولكن عدم علته مستلزم لعدمه ودليل على عدمه فإذا أريد بعلة عدمه ما يستلزم عدمه ويدل على عدمه فهو صحيح وإن أريد بعلة عدمه تحقق العدم الذي يفتقر في تحقق إلى علة موجبة له فليس كذلك فإن العدم المستمر لا يفتقر إلى علة موجبة.
فقول القائل: الممكن لا يوجد إلا بمرجح بمنزل قوله: لا يوجد بنفسه لا يوجد إلا بغيره ولا يحتاج أن يقول مالا يوجد بنفسه لا يعدم إلا بغيره فإن مالا يوجد بنفسه فليس له من نفسه وجود.
وإذا قلت: له من نفسه العدم فهذا له معينان: إن أردت أن حقيقة مستلزمة للعدم لا تقبل الوجود فليس كذلك بل هي قابلة للوجود وإن أردت أن حقيقته لا تقتضي الوجود، بل ليس لها من نفسها غير العدم، وأن وجودها لا يكون إلا من غيرها لا من نفسها، فهذا صحيح فالفرق بين كونه ليس له من نفسه إلا العدم، وبين كون نفسه مستلزمة للعدم، فرق بين مع أن قولنا: له
стр. 954
من نفسه وليس له من نفسه، لا نريد به أنه في الخارج نفس ثابتة ليس لها إلا العدم، أو هي مستلزمة للعدم فإن هذا يتخيله من يقول: المعدوم شيء ثابت في الخارج، أو يقول الماهيات في الخارج أمور مغايرة للوجود المحقق في الخارج وهذا كله خيال باطل كما قد بسط في موضعه.
ولكن الماهية والشيء قد يقدر في الذهن قبل وجوده في الخارج، وبعد ذلك فما في الإذهان مغايرة لما في الأعيان.
وإذا قلنا: هذا الممكن يقبل الوجود والعدم، أو نفسه أو حقيقته لا تقتضي الوجود ولا تستلزم العدم، فنعني به أن ما تصوره العقل من هذه الحقائق لا يكون موجوداً في الخارج بنفسه، وليس له في الخارج وجود من نفسه ولا يجب عدمه في الخارج بل يقبل أن تتحقق حقيقته في الخارج فيصير موجوداً، ويمكن أن لا تتحقق حقيقته في الخارج فلا يكون موجوداً، وليس في الخارج حقيقة ثابتة أو موجودة تقبل الإثبات والنفي بل المراد أن ما تصورناه في الأذهان: هل يتحقق في الأعيان أولا يتحقق؟ وما تحقق في الأعيان هل تحققه بنفسه أو بغيره؟
فإذا قدر أن المتصورات في الإذهان ليس فيها ما يتحقق بنفسه في الخارج، فليس فيها ما هو مبدع بنفسه لغيره في الخارج بطريق الأولى،
стр. 955
وليس فيها إلا ما هو معدوم في الخارج، بل ليس فيها إلا ما هو ممتنع في الخارج، فإن الممكن إذا قدر عدم موجود بنفسه يبدعه كان ممتنعاً لغيره، فإذا قدر انه ليس في الخارج إلا ما ليس له وجود بنفسه، لم يكن في الخارج إلا ما هو ممتنع الوجود، وإما لنفسه إما لغيره، ولا يكون عدم شيء من ذلك مفتقراً إلى علة توجب عدمه، بل هو معدوم بنفسه سواء أمكن وجوده أو امتنع، وحينئذ فلا يكون في الخارج إلا العدم المستمر.
وإذا قيل، بعد هذا: الذي لا وجود له من نفسه موجود، بهذا الذي لا وجود له من نفسه وهلم جرا، كان بمنزلة أن يقال: هذا المعدوم موجود بهذا المعدوم وهلم جرا بل المعدوم أن يقال: هذا الممتنع موجود بهذا الممتنع فيكون هذا تناقضاً حيث جعلت المعدوم موجوداً بمعدوم، وسلسلت ذلك فجمعت بين تسلسل المعدومات وبين جعل كل واحد منها هو الذي أوجد المعدوم الآخر.
الرابع
أن يقال: الممكن لا يتحقق وجوده بمجرد ممكن آخر، فإن ذلك الممكن الآخر لا يترجح وجوده على عدمه إلا بغيره وإذا كان الممكن الذي قدر انه الفاعل المؤثر المرجح لم يترجح وجوده على عدمه، بل يقبل الوجود والعدم، فالممكن الذي قدر أنه الأثر المفعول المصنوع المرجح أولى أن لا يترجح وجوده على عدمه، بل هو قابل للوجود.
стр. 956
والعدم، بل الممكن لا يكون موجوداً إلا عند ما يجب به وجوده، فإنه ما دام متردداً بين إمكان الوجود والعدم لا يوجد فإذا حصل ما به يجب وجوده وجد، وإذا كان كذلك فنفس الممكن لا يجب به ممكن، بل لا يجب الممكن إلا بواجب، والواجب غما بنفسه، وإما بغيره، والواجب بغيره هو الممكن من نفسه الذي لا يوجد إلا بما يجب وجوده وحينئذ فيمتنع تسلسل الممكنات، بحيث يكون هذا الممكن هو الذي وجب به الآخر، بل إنما يجب الآخر بما هو واجب، وما كان ممكناً باقياً على الإمكان لم يكن واجباً: لا بنفسه ولا بغيره، فإذا قدر تسلسل الممكنات القابلة للوجود والعدم من غير أن يكون فيها موجود بنفسه كانت باقية على طبيعة الإمكان، ليس فيها واجب، فلا يكون فيها ما يجب به شيء من الممكنات بطريق الأولى، فلا يوجد شيء من الممكنات وقد وجدت الممكنات هذا خلف.
وإنما لزم هذا لما قدرنا ممكنات توجد بممكنات، ليس لها من نفسها وجود من غير أن يكون هناك واجب بنفسه.
واعلم أن الناس قد تنازعوا في الممكنات: هل يفتقر وجودها إلى ما به يجب وجودها، بحيث تكون إما واجبة الوجود معه، وإما ممتنعة العدم.
أو قد يحصل ما تكون معه بالوجود أولى مع إمكان العدم، وتكون موجودة لمرجح الوجود مع إمكان العدم.
فالأزل قول الجمهور والثاني قول من يقول ذلك من المعتزلة ونحوهم.
стр. 957
وكثير من الناس يتناقض في هذا الأصل، فإذا ابنينا على القول الصحيح فلا كلام وإن أردنا أن نذكر ما يعم القولين قلنا:
الخامس
أن الممكن لا يتحقق وجوده بمجرد ممكن آخر لم يتحقق وجوده، بل لا يتحقق وجوده إلا بما يحقق وجوده.
وحينئذ فإذا قدرنا الجميع ممكنات ليس فيها ما تحقق وجوده، لم يحصل شرط وجود شيء من الممكنات فلا يوجد شيء منها لأن كل ممكن إذا أخذته مفتقراً إلى فاعل يوجده، فهو في هذه الحال لم يتحقق وجوده بعده فإنه ما دام مفتقراً إلى أن يصير موجوداً فليس بموجود فإنه موجوداً ينافي كونه مفتقراً إلى أن يصير موجوداً، فلا يكون فيها موجود، فلا يكون فيها ما يحصل به شرط وجود الممكن، فضلاً عن أن يكون فيها ما يكون مبدعاً لممكن أو فاعلاً له فلا يوجد ممكن وقد وجدت الممكنات، فتسلسل الممكنات بكون كل منها مؤثراً في الآخر ممتنع وهو المطلوب.
واعلم أن تسلسل المؤثرات لما كان ممتنعاً ظاهر الامتناع في فطر جميع العقلاء لم يكن متقدمو النظار يطيلون في تقريره لكن المتأخرون أخذو يقرورنه وكان أسباب ذلك اشباه التسلسل في الآثار التي هي الفعال بالتسلسل في المؤثرين الذين هم الفاعلون، فإن جهم بن صفوان وأبا الهذيل العلاف ومن اتبعهما من اهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والأئمة وسلكه من سلكه من المعتزلة والكلابية والكرامية وغيرهم، اعتقدوا بطلان هذا كله.
وعن هذا امتنعوا أن يقولوا: إن الرب لم يزل متكلماً إذا شاء ثم اختلفوا: هل كلامه مخلوق أو حادث النوع
стр. 958
أو قديم العين وهو معنى أو قديم العين وهو حروف او حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلاً وأبداً؟ على الأقوال المعروفة في هذا الموضوع.
ثم إن جهما وأبا الهذيل العلاف منعا ذلك في الماضي والمستقبل ثم إن جهما كان أشد تعطيلاً، فقال بفناء الجنة والنار، وأما أبو الهذيل فقال بفناء حركات الجنة وجعلوا الرب تعالى فيما لا يزال لا يمكن أن يتكلم ولا يفعل، كما قالوا: لم يزل وهو لا يمكن أن يتكلم وأن يفعل، ثم صار الكلام والفعل ممكناً بغير حدوث شيء يقتضي إمكانه وأما أكثر أتباعهما ففرقوا بين الماضي والمستقبل، كما ذكر في غير هذا الموضع والمقصود هنا انه لما جعل من جعل التسلسل نوعاً واحداً، كما جعل من جعل الدور نوعاً واحداً حصلت شبهة فصار بعض المتأخرين كالآمدي والآبهري يوردون أسولة على تسلسل المؤثرات ويقولون إنه لا جواب عنها فلذلك احتيج إلى بسط الكلام في ذلك.
فصل
وما سلكه هؤلاء المتاخرون في إبطال الدور والتسلسل في العلل والمعلولات دون الآثار فهو طريق صحيح أيضاً، وإن كان منهم من
стр. 959
يورد على ذلك شكوكاً يعجز بعضهم عن حلها، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
لكنه طريق طويل مشق لا حاجة إليه، ولهذا لم يسلكه أحد من النظار المتقدمين من أهل الكلام المحدث، فضلاً عن السلف والأئمة فشيوخ المعتزلة، والأشعرية، والكرامية، وغيرهم من أصناف أهل الكلام، أثبتوا الصانع الحدوث والإمكان وما يتعلق بذلك من غير احتياج إلى بناء ذلك على إبطال الدور والتسلسل، كما هو الموجود في كتبهم فلا يوجد بناء إثبات الصانع على قطع الدور والتسلسل في العلل والمعلولات دون الآثار في كلام مثل أبي علي الجبائي، وأبي هاشم، وعبد الجبار بن أحمد، وأبي الحسين البصري، وغيرهم ولا في كلام مثل أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي بكر بن فورك وأبي إسحق الإسفراييني، وأبي المعالي الجوني وأمثالهم ولا في كلام محمد كرام ومحمد بن الهيصم وأمثالهم ولا في كتب من يوافق المتلكمين في كثير من طرقهم، مثل كلام أبي الحسن التميمي والقاضي أبي يعلي وأبي الوفاء بن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهم وكذلك غير هؤلاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد
стр. 960
ولا في كلام متكلمي الشيعة كالموسوي والطوسي وأمثالهما، لا أعلم أحداً من متكلمي طوائف المسلمين جعل إثبات الصانع موقوفاً على إبطال الدور والتسلسل في العلل والمعلولات دون الآثار وإن كان هؤلاء يبطلون ما يبطلونه من الدور والتسلسل.
فالمقصود أنهم لم يجعلوا إثبات الصانع متوقفاً عليه، بل من يذكر منهم إبطال التسلسل يذكره في مسائل الصفات والأفعال، فإن هذا فيه نزاع مشهور فيذكرون إبطال التسلسل مطلقاً في العلل والآثار لإبطال حوداث لا أول لها بدليل التطبيق ونحوه، وأما التسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة، والعلل الغائية دون الاثار فإنهم مع اتفاقهم على بطلانه لا يحتاجون إليه في إثبات الصانع.
وأما التسلسل في الآثار والشروط فهذا احتاج إليه من احتاج من نفاة ما يقوم به المقدورات والمرادات كالكلابية، وأكثر المعتزلة والكرامية ومن وافق هؤلاء.
стр. 961
ومن أقدم من رأيته ذكر نفي التسلسل في أثبات واجب الوجود في المؤثراتخاصة دون الآثار ابن سينا وهوبناه على نفي التسلسل في العلل فقط، ثم اتبعه من سلك طريقة كالسهوردي المقتول وأمثاله وكذلك الرازي والآمدي والطوسي وغيرهم.
لكن هؤلاء زادوا عليه احتياج الطريقة إلى تفي الدور أيضاً.
والدور القبلي مما اتفق العقلاء على نفيه، ولوضوح انتفائه لم يحتج المقدمون والجمهور إلى ذكر ذلك، لأن المستدل بدليل ليس عليه أن يذكر كل ما قد يخطر بقلوب الجهال من الاحتمالات وينفيه، فإن هذا لا نهاية له، وإنما عليه أن ينفي من الاحتمالات ما ينقدح ولا ريب أن اتقداح الاحتمالات يختلف باختلاف الأحوال.
ولعل هذا هو السبب في أن بعض الناس يذكر في الأدلة من
стр. 962
الاحتمالات التي ينفيها مالا يحتاج غيره إلى ذلك، ولكن هذا لا ضابط له، كما أن الأسولة والمعارضات الفاسدة التي يمكن أن يوردها بعض الناس على الأدلة لا نهاية لها فإن هذا من باب الخواطر الفاسدة، وهذا لا يحصيه أحد إلا الله تعالى، لكن إذا وقع مثل ذلك لناظر أو مناظر فإن الله ييسر من الهدى ما يبن له فساد ذلك، فإن هدايته لخلقه وإرشاده لهم هو بحسب حاجتهم إلى ذلك وبحسب قبولهم الهدى وطلبهم له قصداً وعملاً.
موقف الرازي من طريقة ابن سينا
ولهذا لما شرح الرازي طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود وقال إنه لم يذكر فيها إبطال الدور، وذكر ما ذكره في إبطال الدور ثم قال والإنصاف أن الدور معلوم البطلان بالضرورة، ولعل ابن سينا إنما تركه لذلك والطريقة التي سلكها ابن سينا في إثبات واجب الوجود ليس هي الطريقة أئمة الفلاسفة القدماء كأرسطو وأمثاله وهي عند التحقيق لا تفيد إلا إثبات مجرد واجب.
وأما كونه مغايراً للأفلاك فهو مبني على نفي الصفات، وهو توحيدهم الفاسد الذي
стр. 963
قد بينا فساده في غير هذا الموضع ولهذا كان من سلك هذه الطريقة قد يفضى به الأمر إلى إنكار وجود واجب مغاير لوجود الممكنات كما يقوله أهل الوحوة القائلون بوحدة الوجود من متأخري متصوفة هؤلاء الفلاسفة كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما، والقول بوجود قول حكاه ارسطو واتباعه عن طائفة من الفلاسفة وأبطلوه.
والقائلون بوحدة الوجود حقيقة قولهم هو قول ملاحدة الدهرية الطبيعية الذين يقولون: ما ثم موجود إلا هذا العالم المشهود، وهو واجب بنفسه، وهو القول الذي أظهره فرعون لكن هؤلاء ينازعون أولئك في الإسم، فأولئك يسمون هذا الموجود بأسماء الله وهؤلاء لا يسمونه بأسماء الله وأولئك يحسبون ان الإله الذي أخبرت عنه الرسل هو هذا الموجود، وأولئك لا يقولون هذا، وأولئك لهم توجه إلى الوجود المطلق، وأولئك ليس لهم توجه إليه.
وفساد قول هؤلاء يعرف بوجوه: منها العلم بما يشاهد حدوثه كالمطر
стр. 964
والسحاب، والحيوان، والنبات، والمعدن، وغير ذلك من الصور والأعراض، فإن هذه يمتنع أن يكون وجودها واجباً لكونها كانت معدومة ويمتنع أن تكون ممتنعة لكونها وجدت فهذه مما يعلم بالضرورة أنها ممكنة ليست واجبة ولا ممتنعة.
ثم إن الرازي جعل هذه الطريقة التي سلكها ابن سينا هي العمدة الكبرى في إثبات الصانع، كما ذكر ذلك في رسالة إثبات واجب الوجود ونهاية العقول والمطالب العالية وغير ذلك من كتبه وهذا مما لم يسلكه أحد من أئمة النظار المعروفين من أهل الإسلام بل لم يكن في هؤلاء من سلك هذه الطريقة إثبات الصانع فضلاً عن أن يجعلها هي العمدة ويجعل مبناها على ما سنذكره من المقدمات.
وقد رأيت من أهل عصرنا من يصنف في أصول الدين ويجعلون عمدة جميع الدين على هذا الأصل تبعاً لهؤلاء لكن منهم من لا يذكر دليلاً بل يجعل عمدته في نفي النهاية امتناع وجود مالا
стр. 965
يتناهي من غير حجة أصلاً ولا يفرق بين النوعين ويرتب على ذلك جميع أصول الدين.
ثم من هؤلاء المصنفين من يدخل مع أهل وحدة الوجود المدعين للتحقيق والعرفان، ويعتقد صحة قصيدة ابن الفارض لكونه قراها على القونوي وأعان على شرحها لمن شرحها من إخوانه وهم مع هذا يدعون أنهم أعظم العالم توحيداً وتحقيقاً ومعرفة.
فلينظر العاقل ما هو الرب الذي أثبته هؤلاء، وما هو الطريق لهم إلى إثباته وتناقضهم فيه فإن القائلين بوحدة الوجود يقولون بقدم العالم تصريحاً أو لزوماً، وذلك مستلزم للتسلسل، ودليله الذي أثبت به واجب الوجود وعمدته فيه نفي كل ما يسمى تسلسلاً.
وأيضاً ففيما صنفه من أصول الدين، يذكر حدوث العالم موافقة للمتكلمين المبطلين للتسلسل مطلقاً في المؤثرات والآثار ومع هؤلاء يقول بوحدة الوجود المستلزمة لقدمه وللتسلسل، موافقة لمتصرفة الفلاسفة الملاحدة كابن العربي وابن سبعين وابن الفارض وأمثالهم.
стр. 966
وإذا كان ما ذكره ابن سينا وأتباعه في إثبات واجب الوجود صحيحاً في نفسه، وإن كان لا حاجة إليه ولا يحصل المقصود من إثبات الصانع به، وكان الرازي ونحوه يزعمون أن هذه الطريقة هي الطريقة الكبرى في إثبات واجب الوجود، وهي الطريقة التي سلكها الآمدي مع أنه اعترض عليها باعتراض ذكر أنه لا جواب له عنه فنحن نذكرها على وجهها.
كلام ابن سينا في إثبات وجود الله تعالى
قال ابن سينا إشارة كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره فإما أن يكون بحيث يجب له الوجودفي نفسه، فإن وجب فهو الحق بذاته، الواجب وجوده من ذاته، وهو القيوم، وإن لم يجب، لم يجز أن يقال: هو ممتنع، بذاته بعد ما فرض موجودا، بل إن قرن باعتبار ذاته شرط مثل عدم علته صار ممتنعا، أو مثل شرط وجود
стр. 967
علته صار واجبا. وإن لم يقرن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له من ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان فيكون باعتبار ذاته الشىء الذي لا يجب ولا يمتنع فكل موجود إما واجب بذاته، وغما ممكن الوجود بحسب ذاته
إشارة ماحقة في نفسه الإمكان فليس يصير موجوداً من ذاته فإنه ليس وجوده من ذاته أولى من عدمه، ومن حيث هو ممكن، فإن صار أحدهما أولى، فلحضور شىء أو غيبته، فوجود كل ممكن الوجود هو من غيره
ثم قال تنبيه: إما أن يتسلسل ذلك إلى غير النهاية، فيكون كل واحد من أحاد السلسلة ممكناً في ذاته، والجملة معلقة بها فتكون غير واجبة أيضا، وتجب بغيرها. ولنرد هذا بياناً
стр. 968
شرح: كل جملة كل واحد منها معلول، فإنها تقتضي علة خارجة عن آحادها وذلك لأنها إما أن تقتضي علة أصلاً، فتكون واجبة غير معلولة، وكيف يتأتى هذا: وإنما تجب بآحادها؟ وإما أن تقتضي علة، هي الآحاد باسرها، فتكون معلولة لذاتها، فإن تلك الجملة والكل شىء واحد ٠ وأما الكل، بمعنى كل واحد، فليس تجب به الجملة ٠ وإما أن تقتضي علة هي بعض الاحاد أولى بذلك من بعض إن كان كل واحد منها معلولاً ولأن علته أولى بذلك، وإما أن تقتضي علة خارجة عن الآحاد كلها وهو الثاني
إشارة: كل علة جملة هي غير شىء من آحادها، فهي علة:
أولاً: للآحاد، ثم للجملة، وإلا فلتكن الآحاد غير محتاجة إليها. فالجملة إذا تمت بآحادها لم تحتج إليها، بل ربما كان شىء علة لبعض
стр. 969
الآحاد دون بعض، ولم يكن علة للجملة على الإطلاق
إشارة كل جملة مترتبة من علل ومعلولات على الولاء، وفيها علة غير معلولة، فهي طرف، لأنها كانت وسطاً فهي معلولة
إشارة كل سلسلة مترتبة من علل ومعلولات كانت متناهية أو غير متناهية فقد ظهر أنها لم يكن فيها إلا معلول، احتاجت إلى علة خارجة عنها لكنها يتصل بها لا محالة طرف، فظهر أنه إن كان فيها ما ليس بمعلول، فهو طرف ونهاية، فكل سلسلة تنتهي إلى واجب الوجود بذاته
تعليق على كلام ابن سينا
قلت: مضمون هذا الكلام ان الموجود إما واجب بنفسه، وإما ممكن لا يوجد إلا بغيره، كما قرر ذلك، في الإشارتين، لكن قد قيل إن في الكلام تكريراً لا يحتاج إليه، وإذا كان الممكن لا يوجد إلا بغيره فهو مفعول معلول، ويمتنع تسلسل المعلولات، لأن كل واحد من تلك الآحاد ممكن، والجملة متعلقة بتلك الممكنات، فتكون ممكنة غير
стр. 970
واجبة أيضاً، فتجب بغيرها، وما كان غير جملة الممكنات وآحادها فهو واجب فهذا معنى قوله: إما أن يتسلسل ذلك إلى غير النهاية، فيكون كل واحد من آحاد السلسلة ممكناً في ذاته والجملة معلقة بها، فتكون غير واجبة أيضاً وتجب بغيرها لكن قوله إما أن يتسلسل يحتاج أن يقال: وإما ان لا يتسلسل، فقيل إنه حذف ذلك اختصاراً إذ كان هو مقصوده والمعنى: وإن لم تتسلسل الممكنات انتهت إلى واجب الوجود، وهو المطلوب
ولو قيل بدل هذا اللفظ: إن تسلسل ذلك كان هو العبارة المناسبة لمطلوبه
ثم ذكر شرح هذا الدليل على وجه تفصيلي، بعد ان ذكره محملاً، فقال: إذا تسلسلت الممكنات، وكل منها معلول، فغنها تقتضي علة خارجة عن آحادها لأنه إما يكون لها علة، وإما أن لا
стр. 971
يكون، وإذا كان لها علة، فالعلة إما المجموع، وإما بعضه، وإنما خارج عنه، والأقسام ممتنعة، إلا الأخير
أما الأول وهو أن لا تقتضي علة أصلاً فتكون الجملة واجبة غير معلولة، فهذا لا يتاتى، لأنها إنما تجب بآحادها، وما وجب كان معلولاً واجباً بغيره
وهذا يقرره بعضهم كالرازي بوجهين: أحدهما: أن الجملة مركبة من الآحاد وىحادها غيرها، وما افتقر إلى غيره لم يكن واجباً بنفسه، وهو تقرير ضعيف، لأنه لو قدر أن كل واحد من الأجزاء واجب بنفسه، لم يمتنع أن تكون الجملة واجبة بنفسها، فإن مجموع الأمور الواجبة بنفسها لا يمتنع أن تكون غير محتاجة إلى أمور خارجة عنها، وهذا هو المراد بكونه واجباً بنفسه ٠ ولكن هذا من جنس حجتهم على نفي الصفات بنفي التركيب وهي حجة داحضة
الوجه الثاني: أن كل واحد من الآحاد ممكن غير واجب، والجملة لا تحصل إلا بها فما لا يحصل إلا بالممكن اولى ان يكون ممكناً، وهذا
стр. 972
التقرير خير من ذاك، وهذا التقرير الثاني هو الذي ذكره السهروردي في تلويحاته وهو أحد الوجهين الذين ذكرهما الرازي وهو أحد الآمدي أيضاً
قال السهروردي: لما كان كل واحد من الممكنات يحتاج إلى العلة، فجميعها محتاج لأنه معلول الآحاد الممكنة، فيفتقر إلى علة خارجة عنه، وهي ممكنة، لأنها لو كانت ممكنة كانت من الجملة فتكون إذاً واجبة الوجود
وقد قررها الآمدي بوجه ثالث، وهو أنها إن كانت الجملة واجبة بذاتها فهو عين المطلوب، فقال الجملة إما ان تكون واجبة لذاتها، وإما أن تكون ممكنة، لا جائز أن تكون واجبة، وإلا لما
стр. 973
كانت احادها ممكنة، وقد ثيل: إنها ممكنة قال: ثم وإن كانت واجبة فهو مع الاستحالة عين المطلوب
وهذا الوجه الثاني الذي ذكره هو وجه ثالث، وليس هذا بمحصل للمقصود، لأنه حينئذ لا يلزم ثبوت واجب بنفسه خارج عن جملة الممكنات
كلام الآمدي في دقائق الحقائق
وقد أورد بعضهم على هذا سؤلاً، فقال: إذا كانت الآحاد ممكنة، ومعناه افتقار كل واحد إلى علته، وكانت الجملة هي مجموع الآحاد، فلا مانع من إطلاق الوجوب وعدم الإمكان عليها، بمعنى أنها غير مفتقرة إلى امر خارج عنها، وإن كانت أبعاضها مما يفتقر بعضها إلى بعض
قال الآمدي: وهذا ساقط، لأنه إذا كانت الجملة غير
стр. 974
ممكنة، كانت واجبة بذاتها، وهي مجموع الاحاد. وكل واحد من الاحاد ممكن، فالجملة أيضاً ممكنة بذاتها، والواجب بذاته لا يكون ممكناً بذاته
قلت: وهذا السؤال يحتمل ثلاثة اوجه:
احدهما أن يقال: إنها واجبة بالآحاد والأجتماع جميعاً، ومعلوم ان الجملة هي الآحاد واجتماعها، فإذا كان ذلك كان ممكناً، كانت الذات ممكنة، فيكون السؤال ساقطاً كما قال الآمدي:
الثاني: أن يقال: المجموع واجب بآحاده الممكنة، ولا يجعل المجموع نفسه ممكناً، بل يقال: المجموع واجب بالآحاد الممكنة وهذا هو السؤال الذي يقصده من يفهم ما يقول، وحينئذ فسيأتي جوابه بان الاجتماع الذي للممكنات أولى أن يكون ممكناً لكونه عرضاً لها، والعرض محتاج إلى موارده، فإذا كانت ممكنة كان هو اولى بالإمكان، وغير ذلك
الاحتمال الثالث: أن يقال: كل واحد من الآحاد يترجح بالآخر، والمجموع ممكن أيضا، لكنه يترجح بترجح الآحاد المتعاقبة
وهذا السؤال ذكره الآمدي مورداً له على هذه الحجة في كتابه المسمى بدقائق الحقائق
стр. 975
قال: ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود، وبكون ترجحها بترجح آحادها، وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير النهاية
قال: وهذا شكال مشكل، وربما يكون عنده غيري حله
تعليق ابن تيمية على كلام الآمدي
ولقائل أن يقول: إن أريد بكون الجملة ممكنة، انها ممكنة غير واجبة، بل مفتقرة إلى أمر خارج عنها، فلذلك يوجب افتقارها إلى غيرها، وهو المطلوب
وإن أريد أنها ممكنة بنفسها، واجبة بالآحاد المتسلسلة فهذا السؤال هو في معنى السؤال الذي قبله، وإنما الاختلاف بينهما في أن الأول قال: لم لا تكون واجبة بنفسها، بمعنى أنها غير مفتقرة إلى أمر خارج عن آحادها بل المجموع واجب بآحادها الممكنة
والثاني قال: لم لا تكون ممكنة بنفسها واجبة بآحادها على وجه التسلسل
لكن قد يقال: إنه في احد التقديرين ادعى وجوب الهيئة الاجتماعية بنفسها مع إمكان الآحاد، وفي الثاني ادعى ان الهيئة الاجتماعية ممكنة
стр. 976
بنفسها، لكنها واجبة بالآحاد المتسلسلة، ومعلوم أن كليهما باطل، والأول أظهر بطلاناً من الثاني، فإنها إذا كانت الآحاد كلها ممكنة، والاجتماع نسبة وإضافة بينها، غايته أن يكون عرضاً قائماً بها، امتنع ان يكون واجباً بنفسه، فإن الموصوف الممكن يمتنع أن تكون صفته واجبة الوجود بنفسها
وأما الثاني فلأن الهيئة الاجتماعية إذا كانت معلول الآحاد الممكنة كانت أولى بالإمكان، فإن معلول الممكن أولى أن يكون ممكناً، وإن شئت قلت: المفتقر إلى الممكن أولى أن يكون ممكناً والآحاد ليس فيها إلا ما هو ممكن، فلا يكون في الاجتماع وأحاده إلا ما هو ممكن لا يوجد بنفسه، وما لا يوجد بنفسه يمتنع أن يوجد به غيره، إذا لم يحصل له ما يوجد به فإن وجوده في نفسه قبل وجود غيره به، فإذا لم يكن وجوده إلا بموجد يوجده، فلان لا يكون وجود غيره به بدون الموجد الذي يوجده أولى واحرى، وكل من الممكنات واجتماعها ليس موجوداً بنفسه، فيمتنع ان يكون شيء منها موجداً لغيره، فامتنع ترجح بعضها ببعض، وترجح المجموع بالآحاد
وفي الجملة، فكلا السؤالين يتضمن افتقار الاجتماع إلى
стр. 977
الآحاد فكلاهما لم يدع فيه إلا وجوبها بالآحاد، لم يدع وجوباً بالذات غير الوجوب بالآحاد لكن الآمدي وهي هذا السؤال لما أضافة إلى غيره بعبارة أخرى واعتبار، ثم إنه اعترف بعدم قدرته على حله لما أورده من جهة نفسه بعبارة أخرى واعتبار آخر
ومن أجاب عن الآمدي في الفرق بينهما يقول: السؤال الأول قيل فيه: إن المجموع واجب بنفسه، بعبارة ممتنع وهذا قيل فيه: إنه ممكن وجب بالآحاد
وهذا الجواب بالفرق ضعيف، وذلك لأنه إذا قيل: هو ممكن واجب بالآحاد، فقد قيل: إنه واجب بتلك الآحاد، وتلك الآحاد كلها ممكنة، ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكناً، فيمتنع أن يكون معلول الممكن قبل وجوب الممكن، والممكن لا يجب إلا بالواجب بنفسه بل ما كان واحد من الممكنات جزء علة لوجوده فهو ممكن فكيف إذا كان كل من الممكنات التي لا نهاية لها جزء علة
стр. 978
وجوده؟ فإن الاجتماع الذي يحصل للممكنات المتسلسلة، التي هي علل ومعلولات، يتوقف على كل واحد من تلك الأمور، التي كل منها علة معلول، فالاجتماع أولى بالإمكان وأبعد عن الوجوب، إن قدر أن له حقيقة غير الآحاد
فثبت انه إذا قدر سلسلة العلل والمعلولات، كل منها ممكن فلا بد لها من أمر خارج عنها، وهذا أمر متفق عليه بين العقلاء وهو من أقوى العلوم اليقينية والمعارف القطعية
ولولا أن طوائف من متأخري النظار طولوا في ذلك وشكك فيه بعضهم، كالآمدي، والأبهري لما بسطنا فيه الكلام
المجموع مغاير لكل واحد من الآحاد
وأصل هذا السؤال مبناه على أن المجموع ليس هو كل واحد واحد من الآحاد، إذا المجموع مغاير لكل واحد من الآحاد فقد يقال: هو واجب بكل واحد واحد من الآحاد، وحينئذ فالمجموع ممكن من جهة كونه مجموعاً واجباً بالآحاد الممكنة، لا سيما وهؤلاء الفلاسفة الذين احتجوا بهذا ٠ هم واكثر الناس، يقولون: لا يجب في كل جملة ان توصف بما يوصف به آحادها
كلام ابن سينا
قال ابن سينا: ليس إذا صح على كل واحد حكمه صح
стр. 979
على كل محصل، وإلا لكان يصح أن يقال الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود، لأن كل واحد يمكن أن يدخل في الوجود، فيحمل الإمكان على الكل، كما حمل على كل واحد
كلام السهروردي
وكذلك قال السهروردي الحكم على الكل بما على كل واحد لا يجوز، فإن كل ممكن غير الحركة جائز وقوعه دفعة واحدة، وليس كذلك الجميع، وكل واحد من الضدين ممكن في محل، والكل معاً غير ممكن
الرد على ذلك من وجوه
الوجه الأول
أن يقال: نفس الاجتماع يمتنع أن يكون واجباً بنفسه بدون الأجزاء، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة، ولم يقله أحد، كيف والاجتماع عرض يفتقر إلى محله، فإذا كان محل العرض غير واجب بنفسه، كان العرض المفتقر إلى الممكن بنفسه أولى أن يكون ممكناً غير واجب بنفسه وإنما يتوهم وجوبه بالأجزاء الممكنة، وحينئذ فيكون ذلك الاجتماع ممكناً بنفسه، واجباً بالأجزاء وإذا كان ممكناً بنفسه، فنفس
стр. 980
اجتماع الآحاد من جمله أجزاء المجموع فيقال: المجموع هو الآحاد مع الهيئة الاجتماعية، وكل واحد من ذلك ممكن، ليس واجباً بنفسه، وحينئذ فلا يكون هنا مجموع منفصل عن الأجزاء، فلو قيل: وجب المجموع الآحاد، لكان قولاً بوجوب أحد الجزأين الممكنين بالآخر، وهو وجوب الجزء الممكن بنفسه، الذي هو الصورة الاجتماعية، بسائر الأجزاء التي كل منها ممكن بنفسه
وإذا كان كذلك كان هذا مضمونه حصول أحد الممكنين بالآخر من غير شيء واجب نفسه
ومن المعلوم أن المعلق بالممكن بنفسه أولى أن يكون ممكناً بنفسه، والممكن بنفسه لا يوجد إلا بغيره، فيلزم أن لا يوجد واحد منهما على هذا التقدير، والتقدير أن الممكنات قد وجدت، فهناك شيء خارج هن الممكنات وجدت به
الرد على ذلك من وجوه
الوجه الثاني
بأن يقال: المجموع الذي هو هيئة اجتماعية نسبة وإضافة بين آحاد الممكنات، ليس هو جوهراً قائماً بنفسه، فيمتنع أن تكون واجبة بنفسها، فإن العرض مفتقر إلى غيره والنسبة من أضعف
стр. 981
الأعراض، وما كان مفتقراً إلى ممكن من الممكنات امتنع وجوبه بنفسه، فالمفتقر إلى كل واحد واحد من الممكنات ممكن بنفسه، ولا يوجد شيء مما هو ممكن بنفسه إلا بغيره، لم يوجد شيء من ذلك إلا بغيره، ويمتنع وجود الممكن بمجرد ممكن، فإن الممكن لا يوجد بنفسه، فلا يوجد به غيره بطريق الأولى وهو معنى قولهم: المعلق بالممكن أولى أن يكون ممكناً
الوجه الثالث
أن يقال: المجموع إما أن يكون مغايراً لكل واحد واحد، وإما أن لا يكون.
فإن لم يكن مغايراً بطل هذا السؤال، ولم يكن هناك مجموع غير الآحاد الممكنة، وإن كان مغايراً لها فهو معلول لها، ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكناً.
وهذا معنى قول ابن سينا إن الجملة إذا لم تقتض علة أصلاً، أي لم يستلزم علة تكون موجبة للجملة، كانت واجبة غير معلومة وكيف يتأتى هذا وإنما تجب بآحادها.
يقول: هي لم تجب بنفسها، وإنما وجبت بآحادها، وما وجب بغيره لم يكن واجباً بنفسه.
كلام الآمدي في خطبة أبكار الأفكار
وإيضاح هذا بالكلام على عبارة الآمدي حيث قال هذا إشكال مشكل وربما يكون عند غيري حله مع أنه يعظم ما يتكلم فيه
стр. 982
من الكلام والفلسفة ويقول في خطبة كتابه أبكار الأفكار ما تقوله الفلاسفة من أنه لما كان كمال كل شيء وتمامه بحصول كمالاته الممكنة له، كان كمال النفس الإنسانية بحصول ما لها من الكمالات، وهي الإحاطة بالمعقولات، والعلم بالمجهولات، ولما كانت العلوم متكثرة، والمعارف متعددة، وكان الزمان لا يتسع لتحصيل جملتها، مع تقاصر الهمم وكثرة القواطع، كان الواجب السعي في تحصيل أكملها، والإحاطة بأفضلها، تقديماً لما هو الأهم فالأهم، وما الفائدة في معرفته أتم، ولا يخفى أن أولى ما تترامى إليه بالبصر أبصار البصائر
стр. 983
وتمتد نحوه أعناق الهمم والخواطر، ما كان موضوعه أجل الموضوعات وغايته أشرف الغايات، وإليه مرجع العلوم الدينية، ومستند النواميس الشرعية وبه صلاح العالم ونظامه، وحله وإبرامه والطرق الموصلة إليه يقينيات، والمسالك المرشدة نحوه قطعيات.
وذلك هو العلم الملقب بعلم الكلام، الباحث في ذات واجب الوجود، وصفاته وأفعاله، ومتعلقاته، ولما كنا مع ذلك قد حققنا أصوله، ونقحنا فصوله، وأحطنا بمعانيه، وأوضحنا مبانيه، وأظهرنا أغواره، وكشفنا أسراره، وفزنا فيه بقصب سبق الأولين، وحزنا غايات أفكار المتقدمين والمتأخرين، واستنزعنا منه خلاصة الألباب وفصلنا القشر عن اللباب، سألني بعض الأصحاب
стр. 984
والفضلاء من الطلاب جمع كتاب حاو لمسائل الأصول جامع لأبكار أفكار العقول.
وذكر تمام الكلام، فهو مع هذا الكلام، ومع ما في كلامه من ذكر مباحث أهل الفلسفة والكلام، يذكر مثل هذا السؤال المشكل الوارد على طريقة معرفة واجب الوجود، الذي لم يذكر طريقاً سواه، ويذكر أنه مشكل وليس عنده حله، ولكن من عدل عن الطرق الصحيحة الجلية، القطعية القريبة البينة، إلى طرق طويلة بعيدة، لم يؤمن عليه مثل هذا الانقطاع، كما قد نبه العلماء على ذلك غير مرة، وذكروا أن الطرق المبتدعة إما أن تكون مخطرة لطولها ودقتها وإما أن تكون فاسدة ولكن من سلك الطريق المخوقة، وكانت طريقاً صحيحة فإنه يرجى له الوصول إلى المطلوب.
ولكن لما فعل هؤلاء ما فعلوا، وصاروا يعارضون بمضمون طرقهم
стр. 985
صحيح المنقول وصريح المعقول، ويدعون أن لا معرفة إلا من طريقهم، أولا يكون عالماً كاملاً إلا من عرف طريقهم احتيج إلى تبين ما فيها دفعاً لمن يحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض فساداً، وبياناً للطرق النافعة غير طريقهم، وبياناً لأن أهل العلم والإيمان عالمون بحقائق ما عندهم، ليسوا عاجزين عن ذلك، ولكن من كان قادراً على قطع الطريق، فترك ذلك إيماناً واحتساباً، وطلباً للعدل والحق، وجعل قوته في الجهاد في أعداء الله ورسوله، كان خيراً ممن جعل ما أوتيه من القوة فيما يشبه قطع الطريق ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون * وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين * مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون * أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد
следующие страницы →