وإذا ما نظرنا فى مطلع سورة (البقرة) ألفينا أنَّه مجموع ما انتظم به تمام الدلالة على أم المعنى القرآنى فى السورة، ففى هذا المطلع ثلاثة مرتكزات: (الكتاب- المتقين - الإيمان بالغيب وما بعده) الثانى والثالث (المتقين - الإيمان بالغيب) من الأول (الكتاب) ، ولذلك جاءت العبارة عنه فى قوله- ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ فى غاية الإيجاز لمعنى جدّ مديد بسيط لا يُحاط به، ولأهل العلم من المفسرين والبلاغين مقالات فى بيان التعريف فى (ذلك الكتاب) وفى النفى فى قوله ﴿لا ريب فيه﴾ ثُمَّ فى ما تعلق بقوله (هدى) فإن قوله (للمتقين) أي المتقين صراط المغضوب عليهم من اليهود، ومن اتخذ منهاجهم في نبذ الحقّ بعد علمه تكبّرًا وجحدًا، وصراط الضَّالين من النصاري ومن اتخذ منهاجهم في العبادة على جهل بما يعبد وكيفية العبادة التي ترضيه وهذا المعنى أساس الإيمان وما يبنى عليه من منازل الطاعة والقرب. (١)
وقد شاع فى هذه السورة الحديث عن شيئين بهما تأطيد معنى كمال ذلك الكتاب:
- الأول: الإيمان بالغيب
стр. 107
- والآخر: (التقوى) فقد وردت هذه الكلمة ومشتقاتها فى سورة " البقرة" ستا وثلاثين مرة، وهذا ما لم يك فى غيرها.
وفى مطلع كل سورة تكون مفردة من مفردات القرآن الكريم تذكر من بعد ذلك فى السورة على نحو لافت بمادتها وصيغتها أو مادتها فقط وعلى نحو لا يكون مثله مقدارا وكيفية فى أى سورة أخرى، وكذلك يتوارد فى السورة ما كان من الأسرة الدلالية لهذه المفردة وفى هذا آية على أنَّ دلالة هذه المفردة عنصر رئيس من عناصر المقصود الأعظم للسورة، فليس بقية السورة من بعد ذلك عمل عقيم أو عابث لا يجدى، فإنَّه تنزيل من عزيز حكيم عليم حميد، فمن النصح للقرآن الكريم تدبُّرا ملاحظة ذلك فى استبصار عناصر المقصود الأعظم للسورة.
ولما كانت التقوى أساسُها ملاحظة الله الذى هو الغيب المطلق ذاتا والشهود الحاضر فى الكون صفة وفعلا كانت التَّقوى قائمة على يقين راسخ بالغيب.
لهذا كان لسورة البقرة عنايةٌ خاصَّة وظاهرة بأمرالغيب والإيمان به، وبكلِّ ما هو من سبيله، وعلى رأسه الإيمان بالبعث، وقد انتشر ذلك فى السورة على نحو ظاهر:
فى قصة أبينا (آدم) ﵇ إبراز لمعنى الإعلام بالغيب على نحو لا يتكرر فى هذه القصة فى سورة أخرى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (ي: ٣٠)
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لاعِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (ي:٣٢)
﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (ي:٣٣)
وفى غيرهذه القصة جاء قوله- : ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (ي:٧٢)
﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (ي:٧٧)
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (ي:٢٥٨)
وكذلك فى مخاطبته ربه ﷻ : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (ي:٢٦٠)
وكان فيها آخر آية أنزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (ي:٢٨١)
فجمع فيها بين التقوى والبعث.
وكثير مما جاء من تشريعات لا يقبله إلا من آمن بالغيب وأيقن بالبعث من نحو تشريعات الإنفاق صدقة أو قرضاً، وتشريع حرمة الربا وتشريع فريضة الصيام والحج بل أنَّ الحديث عن أركان الإسلام: (الصلاة والزكاة والصيام والحج) لم يجمع القول فيه مبسوطاً فى سورة كمثل جمعها هنا.
وهى أركان مبنية على الإيمان بالغيب والبعث، ومثل ذلك ما اعتنت السورة بذكره من أمر الجهاد، ولا يُقْدِمُ عليه إلاَّ من آمن بالغيب والبعث وأيقن بهما.
فأنت تجد أنَّ مطلع السورة قد جعل من خصال المتقين الذين كان الكتاب الكامل الحق لهم هدى الإيمان بالغيب الشامل كلَّ هذه الفرائض كما أنَّ المَطْلَعَ قد عُنِيَ بصفة إيمانهم بما أنزل من قبل وإيقانهم باليوم الآخر.
стр. 110
كل هذا دال على المقصود الأعظم لهذه السورة: «إقامة الدليل على أن الكتاب هدى يتبع فى كلِّ حال وأعظم ما يهدى إليه الإيمان بالغيب،ومجمعه الإيمان بالآخرة،ومداره الإيمان بالبعث الذى أعربت عن قصة البقرة التى مدارها الإيمان بالغيب، فلذلك سميت بها السورة» (١)
مطلع السورة واسمها منبئان عن مقصودها، واذا ما كنت قد تجاوزت القول فى (ألم) فى مطلع السورة،فإن «استخراج مناسبات هذه الحروف وأحوالها إلى مقاصد السور وأغراضها يحتاج إلى مزيد من التوفر والفهم والصفاء ووراءه علم دقيق ومعرفة لطيفة شريفة» (٢)
ومذاهب العلماء فى استبصار دلالات هذه الاستفتادات كثيرة وقليل منها ما سعى أصحابها إلى استخراج ما بينها وبين مقاصد سورها ومعانيها من تناسب ونتائج.وهي محاولات لا تسلم من المناقدة والتوقف (٣)
***
- الخاتمة والمقاطع:
إذا ما كان فى مطلع تلاوة كُلِّ سورة دلائلُ على مضمونِها وقرائن هداية إلى حسن استبصار معالم مقصودها الأعظم، فإنَّ من سنن بناء الكلام فى أدب العربية أن ينعطفَ آخرُ الكلام على أوَّله، ويكون فى آخره ما يتأخى مع أوله ويتناعى مع مفتتحه.
وقد جعل"شبيب بن شيبه" العناية بجودة الانتهاء كمثل العناية بجودة الابتداء يقول:" الناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه وأنا موكل بتفضيل جودة القطع ويمدح صاحبه " (٤)
стр. 111
فإنَّه إذاماكان فى المطلع، والافتتاح إسهام، وأرصاد، وإنباء بما يتضمنه الكلام من مقاصد، فإن فى مقطع التلاوة، ومختتمها استجماعَ معانى الكلام، واكتنازَ مقاصده، فهو آخر ما يسمع، فوجب أن يكون كنزا جامعا لمعانيه ومقاصده. ومن ثَمَّ عُنِىَ أهل الأدب به. (١)
فى الذكر الحكيم خاتمة السورة كمطلعها «فإنَّ الله ختمَ كلَّ سورةٍ من سوره بأحسن ختامٍ، وأتمها بأعجبِ إتمام ختامًا يطابق مقصدها، ويؤدي معناها» (٢)
ومقطع تلاوة كلِّ سورة يقابل مطلعها، فقد يكون ذلك المقطع هو خاتمة السورة وقد يكون آخر خاتمتها، فإذا نظرنا فى سورة "البقرة" فى ضوء ما سبق أن ذكرناه فى الحديث عن مطلعها ألفينا أنَّ مقطعها هو خاتمتها بخلاف مطلعها، فهو أول مقدمتها، فإنَّ مقدمتها من أولها إلى آخر الآية العشرين أما خاتمتها، فهى من قوله ﷻ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:٢٨٤)
إلى آخر السورة.
стр. 112
وأنت إذا ما تأملت هذه الخاتمة ألفيتها دالة على ما يتآخى مع ما دلَّت عليه مطلعها فإنَّه " لما ابتدأ السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذى لا ريب فيه على الوجه الذى تقدم ختمها بعد تفصيل الإنفاق الذى وصفهم به أولها على وجه يتصل بما قبله من الأوامر والنواهى " (١)
فأنت فى الخاتمة تلحظ استظهار الإيمان بالغيب الذى هو صدر صفات المتقين الذين كان القرآنُ الكريم هدًى لهم وتلحظ التعانق البديع بين قوله فى المطلع: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة:٤)
وقوله ﷻ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:٢٨٥)
وكذلك بين قوله ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة:٥) في مطلعها، وذلك الدعاء البديع فى آخرها ولا سيما قوله :
﴿ ... أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (ي:٢٨٦)
فمن كان الله مولاه وكان منصورًا على الكافرين كان يقينا على هدى من ربه وكان مفلحا.
стр. 113
وكذلك التعانق بين قوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة: ٣) فى مطلعها وحديثه عن أحكام الإنفاق فى سبيل الله صدقة وحديث عن الإقراض فى الآية السابقة على ختمها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ ... ﴾ (البقرة: ٢٨٢) فكان فى هذا ضربٌ من التآخى جد بديع مما جعل رد المقطع على المطلع المُنْبئ عن المقصود من الأعظم ردًا جدَّ وثيق، فدلَّ على أنَّ فى ختمها اكتنازًا لمقصودها، وهكذا الشأن فى كلِّ سورِ القرآن الكريم (١)
- - -
تدبر الفروق البيانية بين المعانى الكلية المصرفة فى السور:
تشتمل السبع الطول والمئون على معان كلية مكونة من معان جزئية. هذه المعاني الكلّيّة قد يتشابه بعضها فى سورة مع بعض فى سورة أخرى، لما يتسم به الذكر الحكيم من التصريف، وهذايثْمِرُ فروقًا بيانيَّةً فى بناء آيات تلك المعانى الكلية فِي السّورتين.
وتصريف المعاني فى القرآن الكريمِ وجه من وجوه بلاغة المعجزة كما نص على ذلك الأقدمون (٢)
стр. 114
وهذا التصريف للمعاني ينفى عنها وصف التكرار والإعادة؛لأنَّه تصريفٌ منبثِقٌ عن المقصود الأعظم لكل سورة، وأكثر ما يكون جلاء ذلك التصريف فى القصص القرآنيّ حتى كان القول بالتصريف البياني فيها مما شاع ذكره فى أسفار أهل العلم.
وفد سبق أن تبين لك من شيخنا " أبي موسى" كيف أنَّ قصة موسى ﵇ قد اختلف بناؤها القصصيّ والبيانيّ فى كل من سورة (الشعراء) و (النمل) و (القصص) وهى سور متوالية فى الترتيب الترتيليّ.
وكذلك ترى التصريف جليًّا فى وصف أعمال الذين آمنوا وثوابهم يوم القيامة ووصف أعمال الذين كفروا وعقابهم. وكذلك فى وصف مشاهد اليوم الآخر وغير ذلك كثير.
وفى تديُّر بناء كل معنى من المعاني الكليّة المصرَّفة فى السور استكشاف للمقصود الأعظم لكلِّ سورة، وهو استكشافٌ يملك به المتدبرُ مفاتِحَ خزائن المعنى القرآني فى السورة.
والنظر البيانيّ فى مثل هذا مصروفٌ إلى ملاحظة بناء المعنى الكليّ من المعانى الجزئية الماثلة فى الجملة القرآنية على اختلاف مقاديرها إيجازًا وبسطًا، وهو نظر لا يرى فى هذا تكرارا بل يراه من قبيل التتميم والتكميل الذى هو وجه من وجوه التصريف؛ لأنَّ كلَّ معنى كليٍّ من تلك المعاني مكمّلٌ ومتممٌ لما قاربه فى سورة سابقة على سورته، وهذا التتميم إنَّما يكون بجديد يتناغَى مع السياق الذى أقيم فيه، ومن هنا كانت الفروق البيانية شكلا ومضمونا مما اقتضاه تشابه سياقات المعاني الكليّة فى بعض سور القرآن الكريم، والتَّفرُّس والتَّدبُّر لما بين المعاني الكليّة فى سورة ما وما بين المشابه لها فى أخرى رافد من روافد تحرير المقصود الأعظم للسورة وما فى استبصار تصريف المعانى الكلية المتشابه فى السور من حزونه لا يتغلب عليها إلا بطول الصحبة ونفوذ الرؤية والمثابرة.
***
تَدَبّر المعاني الكلية الخاصّة.
стр. 115
إذا ما كان كثير من المعاني الكليّة التى هى معاقد بناء المعنى فى السورة قد صار مصرفاً فى أكثر من سورة، فإنَّ بعضَ المعانِي الكليّةِ قد خصَّت به سورةٌ دون غيرها من سور القرآن الكريم. وفى تدبُّر هذا ما يُعينُ على استبصار الروحِ المُهَيمِنِ على تلك السورة، ذلك أنَّ معالم ذلك الروح ستكون باديةً فى ذلك المعنى الكليّ المخصوص به تلك السورة.
قِصّةُ "البقرة" مثلاً لم ترد في غير سورة "البقرة"، وكذلك قصّة " هاروت وماروت"،وقصّة تحويل القبلة،وفريضة الصيام، وبيان أحكامها، وقصّة: " طالوت وجالوت " وقصّة الذين خرجوا من ديَارِهِمْ وهُم ألُوفٌ حذرَ الموتِ، وقصّة الذي حاج "إبراهيم " ﵇ في ربّه، وقصّة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصّة " إبراهيم " ﵇ والطير، وأحكام المداينة ...
كلُّ ذلك مما أختصت به سورة (البقرة) ولم يكن فى غيرها مما يدلُّ على أنَّ فى هذه المعاني ما هو أعلق بمقصود سورة البقرة من غيرها فلم تصرّف هذه المعانى فى ما دونها من السور.
وكذلك سورة (الكهف) إختصت بقصة أصحاب الكهف وقصة العبد الصالح ﵇ مع موسى ﵇ وقصة صاحب الجنتين وقصة ذى القرنين، وفى هذا دلالة على أنَّ فيما بين هذه القصص ما يُوحّد بينها من جهة وما يجعلها أشدَّ تناسباً بمقصودها الأعظم، فاختصت بها من دون غيرها من السور.
وتكاد كلّ سورة ولاسيما السور الطول والمئين تنفرد بمعنى كلّيّ لا يتصرّف في غيرها، مثلما تجد في كلّ سورة من الطول والمئين معنى هو تصريف معنى في سورة أخرى. (١)
стр. 116
دراسة مثل هذا يكشف لنا عن بعض معالم الرُّوح المهيمن على السورة، وبه يتبين لنا الوجه فى عدم تصريف هذه المعانى فى سور آخرى، فلولا أنَّ فى تلك المعاقد من معانٍ خاصة تفَرِّقُ بين الروح المُهيمن على سورتها والروح المهيمن على ما عداها لكانت جديرة بالتَّصريف الذى هو سَمْتٌ غالب على كثير من المعانى الكليّة فى القرآن الكريم
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إلاَّ نُفُورا﴾ (الاسراء:٤١)
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلاَّ كُفُوراً﴾ (الاسراء:٨٩)
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (الكهف:٥٤)
***
تَدبُّر الفروق البيانية بين المعاني الجزئية المصرفة في السورة
المعاني الكلية المصرَّفة فى السور مكوَّنة من معانٍ جزئية تمثلها الجمل القرآنية على إختلاف مقاديرها، وأكثر سور القرآن الكريم فيها غير قليل من المعانى الجزئية المصرَّفة المتشابهة فى بعض وجوه النظم مع معان جزئية فى سورة آخرى.
وما بين هذه المعانى وصورها من وجوه اتفاق وافتراق كثيراً ما تستجلى معالمه فى ضوء السياق الجزئيّ القريب الذى هو إمتداد السياق الأكبر مما يجعله أقرب إدراكاً، ومنه يتوصل إلى الروح المهيمن على السياق الكليّ للسورة الذى هو المهيمن على السياق الجزئيّ الذى هو أظهر سلطاناً على مشتبه النظم فى المعانى الجزئية.
وهذا يستوجب المناظرة بين مناهج التفصيل للمعانى المصرَّفة مناظرةً تتجاوز الاكتفاء بتسجيل ظواهر الاتفاق والافتراق فى مشتبه النّظم إلي السعي إلى استبصار أثر السياق الجزئيّ أولاً، ثُمَّ الانتقال منه إلى السياق الكلى للسورة الذى به تُستبين معالم المقصود الأعظم الذى هو الروح السارى فى السورة كلّها.
стр. 117
وإذا ما كان مشتبه النظم قد لقى عناية بالغة من أهل العلم قديماً وحديثاً، فقد غلب على كثير منهم ملاحظته واستبصاره فى سياقه الجزئى الذى هو خطوة إلى أمد أبعد، وقليل من أولئك من مد استبصاره وتدبره مشتبه النظم فى ضوء السياق الكلى للسورة ملاحظاً سلطان المقصود الأعظم، وما ذلك إلاَّ لخفاء ذلك السلطان على مشتبه النظم فى المعانى الجزئية التى يغلب أن يكون نظمها نظماً تركيباً بخلاف سلطان المقصود الأعظم على سياق المعانى الكلية ومشتبه النظم الترتيبي فيها، فإنَّه أجلى منه فى التركيب، وبهذا يتبين لك أنَّ مشتبه النظم فى المعانى الجزئية غيره مشتبه النظم فى المعانى الكليّة التى هى معاقد السورة ونجومها الكبرى.
ذلك أنَّ النظم القرآنيّ الكريم ضربان:
- نظم تركيبيّ
- ونظم ترتيبيّ
الثانى منهما مرتب على الأول، والتركيبيّ مجاله المعانى الجزئية التى هى عناصر بناء المعانى الكلية، والترتيبيّ مجاله المعانى الكلية التى هى عناصر بناء السورة كلها، والنظم التركيبى أقرب إدراكاً لأنَّ معالمه أجلى للبصائر، واشتغال أهل العلم به،ولا سيما النحاة والبلاغيون والمفسرون أعظمُ، بل إنَّ أغلبَهم قصر سعيه فى ميدانه.
والنظم الترتيبيّ أبعد، ُوأعسرُ إدراكاً؛ لأنَّ معالمه أخفى، وقليل من أهل العلمِ مَنْ عُنِى بترتيب المعانى الكليّة وبمنهجِ بنائها لإقامة السورة القرآنية كلها. (١)
يقول الله في سورة (آل عمران) :
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران:١٣٣)
ويقول في سورة (الحديد) :
стр. 118
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد:٢١)
ما يبين الآيتين من تصريف المعاني ومن مشتبه النظم جليٌ لا يخفى: فى آية (آل عمران) وسارعوا (وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر بغير واو عطف وكذلك هو فى مصاحف المدينة والشام وقرأ بقية العشرة بواو العطف وعليه مصاحف مكة والعراق)
﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ دون أداة تشبيه مع جمع السماء)
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
وفى آية الحديد: ﴿سابقوا﴾ (عند القراء العشرة) بغير عطف.
﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ بداه تشبيه مع ذكر المشبه المضاف (عرض) وأفراد المضاف اليه (السماء)
﴿أعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾
وغير خفيٍّ أنَّ هذه المفارقات فى العطف والتشبيه والحذف والأفراد والجمع وغير ذلك له ما يقتضيه من سياقه الجزئى وسياقه الكلى لسورةِ كُلٍّ. (١)
стр. 119
فى آية سورة (آل عمران) كان الأمر بالمسارعة وفى آية سورة (الحديد) بالمسابقة، وكانت الجنَّة الموعود بها فى آية سورة (آل عمران) عرضها السموات والأرض، والجنة الموعود بها فى آية سورة (الحديد) عرضها كعرض السماء والأرض، وفى آية سورة (آل عمران) كانت الجنة للمتقين، وفى آية سورة (الحديد) كانت الجنة للذين آمنوا.
آية سورة (آل عمران) سياقها الحَضُّ على الجهاد وتعظيم فضله والإبلاغ فى ذلك، وسورة (آل عمران) إنّما هى سورة التوحيد وسورة الاصطفاء والمصطفين الأخيار الذين من أهم صفاتهم التقوى والصبر، وقد شاعت هاتان الصفتان فى آيات السورة على نحو جِدّ ظاهر.
وهذه الآية فى سورة (آل عمران) جاءت عقيب بيان أسباب النصر وأسباب الخذلان الذي من أهم أسبابه الإقبال على الدنيا التى أشار إلى ذمها بقوله ﷻ : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:١٤)
وعقيب الأمر بما تضمن الفوز والنجاة والقرب، فجأة الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والى جنة عرضها السموات والأرض، ويبيِّن أنَّ أولئك الذين أُعدَّت هذه الجنة لهم هم المتقون الذين تقدمت الإشارة إليهم كثيراً والذين يتخلّوْنَ عن الأموال وجميع مصانع الدنيا فلا تمتد أعتينهم إلى الإزدياد من شىء منها، ويتحلَّون بالزُّهد فيها والإنفاق لها فى سبيل الله .
стр. 120
أمَّا آية سورة (الحديد) فقد جاءت فى سياق الأمر بالإيمان بالله ورسوله ﷺ والإنفاق فى سبيل الله ﷻ مما استخلفهم فيه وحثهم على الإنفاق ورغبهم فى الإقرض الحسن إبتغاء أجرِ يومٍ كبير، ناعِيًاً عدم خشوع قلوبهم لذكر الله ، وما نزل من الحق الداعى إلى الإيمان والإنفاق والإقراض مؤكدًا الحثَّ على الصدقة والإقراض، مبينًا حقيقة الدنيا ومتاعها، فالسياق الكليّ كما ترى يدفع بطائفة ليست على المستوى الإيمانى العَلِيّ، فيدعوهم إلى المسابقة فيما بينهم إلى مغفرة وجنة عرضها كعرض السماء والأرض.
وهى جنة دون جنة "آل عمران " التى أعدت للمتقين؛ لأنَّ أصحاب هذه الجنة إنما هم الذين آمنوا: الذين ما تزال فيهم رغبة فى الحياة الدنيا، ومنْ ثَمَّ كان الأمر هنا بالمسابقة لا بالمسارعة؛ لأنَّ المسابقة وإن تكنْ فعل من يسابق شخصاً، فهو يسعى فى سبقه إلاَّ أنَّها ربَّما كانت المسابقة بين بَطِيئَيْنِ يَسِيرَانِ الْهُوَيْنَا، فلا يلزم من المسابقة الإسراع، وهذا أليق بحال الذين آمنوا: الذين لم يرتقوا إلى درج التقوى.
стр. 121
أمَّا المسارعة فلا تكونُ الاَّ بجهد النفس مع السُّرعة، وهى قريبة لفظاً وإقتضاء من (المُصارعة) الدَّالة على القوة والاجتهاد مما يدل على حاجة المسارعة إلى قوة واجتهاد، وهذا ما يتناسب مع حال من أعدت لهم جنة (آل عمران) فإنَّهم قد بلغوا فى التقوى مبلغاً صارت التقوى صفة لهم، وهذا لا يكون مناسباً لمن لهم سياق آية (الحديد) ولهذا كانت المسارعة فى سياق (آل عمران) والمسابقة فى سياق آية سورة (الحديد) وليس اختصاص كل منهما بما جاء فيها لأن المسارعة أسبق من المسابقة كما ذهب اليه (أبو جعفر ابن الزبير) فأعطى الأول (المسارعة) لما هو أسبق ترتيلا:سورة آل عمران، وأعطى الآخر: (المسابقة) لمن هو تالٍ ترتيلاً: سورة الحديد، كلاَّ،بل ذلك مرجعه إلى السياق الكليّ والجزئيّ فى كلٍ على نحو ما فصَّلتُ.
стр. 122
وكان جمع السموات فى سياق (آل عمران) وحذف أداة التشبيه وحذف المضاف (عرض) ؛لأنَّ فى ذلك إبلاغاً فى وصف ما أُعِدَّ للمتقين يتناسب مع سياق السورة القائم على الإبلاغ فى تحقيق الوحدانية وفى تحقيق صفات المصطفين والاتقياء، فكان نظم آية (آل عمران) يحتمل المعنَى معه إرادة الطول والعرض معًا، أيْ عرض الجنّة هذه هو طول وعرض السماوات جميعها والأرض، فلم يذكر كلمة العرض ليشمل إرادة الطول والعرض معاً مضافاً إلى أنها ليستْ طول وعرض سماءٍ واحدةٍ بل السماوات كلها، ومضافاً إلى ذلك - أيضًا - أنَّ عرض هذه الجنة ليس مقارباً أو مشابها عرض السماء والأرض كما فى سورة (الحديد) بل هو طول وعرض السموات جميعاً والأرض بل والأرضين بدلالة جمع السماوات، فالقرآن الكريم لا يجمع الأرض وإنَّما تفهم إرادة الجمع من عطف الأرض على جمع السماء: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأََرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق:١٢) .
***
- تكرار أو تصريف نمط تركيبى فى سياق السورة:
يكون فى بعض سور القرآن الكريم إعادةُ بعض الجمل أو الأنماط التركيبية الجزئية على نهجٍ متميِّزٍ لا يكونُ فى غيرها، ومثل هذا فيه دَِلالةٌ على إعتناء السُّورة بما يتضمنه هذا العنصر التركيبيّ المصرف أو المكرّر فيها، لما له من مزيد اعْتلاقٍ بمضمونها وسياقها الكليّ ومقصودها الأعظم، وهذا على ضربين:
стр. 123
- الضرب الأول هو التكرار النظميّ الذي تكون فيه الإعادة لنمط تركيبى بحروفه ومعناه فى سياق السورة الواحدة، كتكرار قوله : ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ في سورة (القمر) وتكرار قوله : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فى سورة (الرحمن) ، وتكرار قوله ﷻ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فى سورة المرسلات وتكرار قوله ﷻ : (اتقوا الله) فى سورة (البقرة) وقوله : ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وهذا لم يكن كذلك في غيرها، وتكرار قوله : ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ في سورة (الشعراء) ، وكذلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
- الضرب الثاني:
هو التصريف النظميّ الذى تكون فيه الإعاداة لنمط تركيبي ذي عدول فى بعض مفرداته أو مواقعها فى سياق السورة الواحدة، وهو ما يعرف بمشتبه النظم فى السورة الواحدة.
ومن نحو قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة:٣٣)
стр. 124
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة:٤١)
ومن نحو قوله تعالى فى سورة الأنفال:
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال:٥٢)
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (الأنفال:٥٤)
وغير ذلك جد كثير لا يخفى.
وهذا الضرب جدير باسم التصريف لما فيه من تصريف فى العبارة هو آية على تصريف فى المعنى مما يَصْرِفُه عن استحقاق اسم التكرار، فانَّه كما ذهب اليه الإمام" عبد القاهر" من أنَّه لا يكون لإحدى العبارتين مزيّة على الأخرى حتى يكون لها فى المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها
وقد تكون تلك المزيّة تقديم حرف من حروف المعانى على آخر من نحو قولك:" كأنَّ زيداً أسدٌ " وقولك " إنَّ زيداً كالأسد".
وجود هذين الضربين أو إحداهما فى سورة ما فيه دَِلالة على أنَّ ثَمَّ مزيداً من اعتلاق مضمونه بالسياق الكلي للسورة ومقصودها الأعظم.
стр. 125
وهذا الذى نقوله فى دَِلالة تكرارأوتصريف بعض عناصرالسورة وانتشارها على لا حب سياقها في وحدتها البيانية، وما يهيمن عليها من الروح السّاري في جملها وآياتها ومعاقدها إنّما يقول بمثله بعض مذاهب النقد الحديث، ونحن لا نقول ذلك إستظهاراً بمذهب نقديّ على صحة مذهب فى البيان القرآنيّ، بل لبيان أنَّ ما نذهبُ إليه هنا إنّما هو من معين الإدراك الفطريّ الرشيد للحقائق فى أى ضرب من ضروب البيان..
***
المعجم اللغوى.
لكلِّ سورة من سور القرآن الكريم معجمٌ لغويٌّ يتميز بصنفين من الكلمات ? الصنف الأول: ما توارد فيها على نحو لافت للبصر.
- والصنف الآخر ما اختصت به دون غيرها على نحو من الأنحاء: مادة أو اشتقاقاً وتصريفاً.
الصنف الأول:
يشمل المعجمُ الكلماتِ التى تنمتى إلى إسرة لغوية واحدة بحيث يكون بين تلك الكلمات قرابة دلالية قد تكون جلية حيناً، وقد تكون خفية حيناً آخر.
والأسرة اللغوية تُسْتَجْمَعُ فيها الكلمات عن طريق الاشتقاق الذى تلتقى الكلمات فيه حول جذر لغوي واحد.
ويمكن أن يجمع إلى تلك الأسرة اللغوية تلك الكلمات التى تتلاحظ معانيها، ويتجاوب، وأن لم يكن بينهما اشتقاق لغوى، كمثل كلمات التقوى والطاعة والايمان، والاحسان، الإيقان، فهى من أسرة دلاليّة متقاربة، وكذلك ما يتعلق بذلك من عبادات كالصلاة والزكاة والجهاد والقتال ونحو ذلك.
стр. 126
ولتوارد أسماء الله الحسنى فى سورة ما على نحو خاص مزيد عناية بملاحظة وتدبُّر إعتلاق معانيها بسياق ومقصود السورة التى فيها،فالله لايقيم اسمًا من أسمائه الحسنى إلا في سياقه ليدل على ما يترادف من فيوض المعاني على ذلك السياق، فكان فقه معانى أسماء الله الحسنى ومواقعها فى الذكر الحكيم بابًا من العلم جدُّ عظيم، ولا يقوم به إلا من كان محتسبًا متخلقًا بما يليق به من معاني تلك الأسماء،فيكون له من ذلك زاد إلى زاد عرفانه العلمي يهديه إلى حسن استبصار الروح المهيمن على السورة (١)
إنَّ من السور ما اختص بكثرة ذكراسم من أسماء الله الحسنى على نحو فريدٍ،كمثل اسمه (العليم) جاء فى سورة (البقرة) إحدى وعشرين مرة، كان مفردًاغير مقترن باسمٍ آخر ثماني مرات، ومقترنًا باسمه الحكيم مرة واحدة، وباسمه الشاكر مرة واحدة، وباسمه الواسع أربع مرات، وباسمه السميع سبع مرات.
стр. 127
وجاءاسمه (الحكيم) سبع مرات اقترن بالعليم مرة واحدة، وبالعزيز ست مرات.
واسمه (الواسع) لم يتكرر في سورة غير البقرة، ولم يقترن في البقرة باسم آخر غير العليم، بل لم يقترن باسم آخر في القرآن الكريم إلا مرة واحدة باسمه الحكيم في سورة النساء: ... ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً ً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ (النساء:١٣٠)
واسمه (الشاكر) لم يرد في القرآن الكريم إلا مرتين في البقرة، وآية النساء.
واسمه (الغفور) جاء فى سورة (النساء) عشر مرات وجاء فيها اسمه (الرحيم) ثلاث عشرة مرة.
وإسمه (الرحمن) جاء فى سورة (مريم) ست عشرة مرة.
وجاء إسمه (العزيز) فى سورة (الشعراء) تسع مرات
ومثل هذا الاستبصار رافد من روافد فقه الروح المهيمن على بيان السورة،فاذا مالا حظنا معه أمراً آخر هو اقتران بعض الأسماء مع بعض على نحو فريد فى بعض السور كان ذلك أيضاً معينا على معرفة معالم المقصود الأعظم، فاسمه (العزيز الرحيم) لم يأت على ذلك النحو كمثل ما جاء فى سورة (الشعراء) بل لم يرد فيها إسمه (العزيز) أو اسمه (الرحيم) ألا مقترنين مع تقديم (العزيز) على (الرحيم) على الرغم من أن الذى هو شائع فى القرآن الكريم اقتران إسمه (العزيز) باسمه (الحكيم) .
ومن الجدير بالملاحظة أنَّ كلمات الأسرة اللغوية إذا ما تكاثر تواردها فى سورة ما كان فى هذا آية على هيمنة ما تلتقى عليه تلك الكلمات دلاليا على موضوع السورة، ذلك أنَّ حشد مفردات هذه الأسرة اللغوية وتَجْييشها في سورة واحدة لن يكون عملاً عقيماً أو عابثاً، فهو تنزيل من عزيز حكيم عليم حميد.
إذا نظرنا فى سورة (البقرة) ألفينا أن فى معجمها اللغوى كلمات قد تواردت على نحو لم يكن فى غيرها، وهى مفردات تتناسل من رحم مقصودها الأعظم الذى أشرت إليه من قبل، وهى فى الوقت نفسه مفردات تتجاوب مع مفردات مطلع السورة.
стр. 128
نجد أن مفردات (الإيمان) جاءت أربعاً وسبعين مرة.
ومفردات معنى (التقوى) جاءت ستا وثلاثين مرة
ومفردات (الهدى) جاءت ثلاثين مرة
ومفردات (الخير) جاءت سبعا وعشرين مرة
ومفردات (الإحسان) جاءت اثنتى عشرة مرة.
وجاءت مفردات (الصلاة) جاءت اثنتى عشرة مرة
ومفردات (الزكاة) خمس مرات
ومفردات (الانفاق) عشرين مرة
ومفردات (الصيام) ست مرات
ومفردات (الحج والاعتمار) عشر مرات
ومفردات (القتال والجهاد) ست مرات.
ومثل هذا لم يجتمع فى سورة على ذلك النحو الفريد فى غير هذه السورة
وجاء اسم أبى الأنبياء (ابراهيم) خمس عشرة مرة وهذا ما لم يكن مثله فى غيرها
فهذه المفردات فى معجم سورة (البقرة) منبثقة من سياقها الكلي، واستبصار تلك المفردات فى دلالتها السياقية يهدى إلى معالم مقصودها الأعظم.
والصنف الآخر
هوالذى تختص به السورة دون غيرها على نحو من الأنحاء، فانَّ كثيراً من السور تختص بكلمات لا تكون فى غيرها على اطلاق الوجوه كلها، أو تختص بها من وجه دون وجه، مثل اختصاصها بها من وجه الاشتقاق دون وجه المادة أو وجه الجمع دون الأفراد....إلى آخر ذلك.
والناظر فى معجم الكلمات القرآنية يرى كثيراً منها لم يرد ذكره الا فى سورة واحدة، وبين يدى عشرات من فرائد المفردات فى الذكر الحكيم، وغير خفيّ أنَّ فى هذا الاختصاص آياتٍ بيّنةً على مزيد اختصاص معناها بمقصود سورتها، ولولا ذلك ما كان لها أن تختص السورة بها من دون غيرها، ولا سيما أن غيرها قد يرد فيها ما يتوارد معها فى معناها العام.
ومن هذا اختصاصُ بعض السور باسم من أسماء الله الحسنى فاسمه (المقيت) لم يأت إلا فى قوله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ (النساء:٨٥)
стр. 129
واسمه (البر) لم يأت إلا فى قوله : ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (الطور:٢٨)
واسمه (المليك) لم يأت إلا فى قوله ﷻ : ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر:٥٥)
وإسمه (الفتاح) لم يأت إلا فى قوله : ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (سبأ:٢٦)
***ُ
ومما يحسن استبصاره فى هذا أسماء الجنة والنار واليوم الأخر فان بعض السور تختص باسم غير معهود من ذلك مما ينبىء عن مزيد إعتلاق بين معنى ذلك الاسم وسياقه الجزئي، فالكلي، ثم مقصود السورة الأعظم، وقد يكون فى اختصاص معنى ما بمقصود سورتها خفاءٌ يستوجب مزيد اجتهادٍ فى الاستبصار والتدبر، وان كان اختصاص معناها بسياقها الجزئى أجلى وأظهر.
إنَّ تدبر فرائد المفردات في البيان القرآني ذو عونٍ على حسن فقه المعاني الإحسانية التي بها يتصاعد العبد في مقامات القرب الأقدس
إذا نظرنا فى سورة (البقرة) ألفينا أن فى معجمها اللغوى كلمات لم ترد فى غير سورة البقرة من ذلك كلمة (يسفك) و (فاقع) (إعتمر) (العمرة) (انفصام) (صفوان) (وابل) (طل) (يتخبط) (يربي)
وإذا ما نظرت في سورة (القمر) مثلاً رأيت كلمات التي لم ترد في غير سورة القمر من نحو: (منهمر) ، (دسر) ، (منقعر) ، (أشر) ....
فهذا قليل من مفردات قرآنية خاصة بمعجم سورة "البقرة" وسورة "القمر"ولن يكون اصطفاء هذه المفردات دون غيرها، ولا سيما التى لها ما يقارب دلالتها الا إذا ما كان لهذه المفردات وثيق اعتلاق بسياقها الجزئى أولاً وبسياقها الكليّ ثانياً من أن السياق الجزئيّ عنصر من عناصر بناء السياق الكليّ للسورة الذى يهيمن عليه المقصود الأعظم لتلك السورة وأن تحدرت على لاحبه موضوعات عديدة متنوعة إلاَّ أنَّها فى تعددها وتنوعها خاضعة لسلطان روح واحد مهيمن عليها ومعدن الجمال والكمال إنَّما هو تنوع العناصر فى وحدة تسوقها إلى غاية عظمة مثلما الكون كلُّه على اختلاف أجناسه وأنواعه مسوق إلى تحقيق عبوديته لله رب العالمين الواحد القهار.
стр. 130
الفصل الثالث: تقسيمُ السُّورَةِ إلَى معاقِدَ كُلِّيَّةٍ
***
يغلبُ على سور القرآن الكريم أن تكون ذات معان كلية تمثل معاقد لبناء السورة الكليّ وتحرير معالم هذه المعاقد مبتدأ ومنتهى إنَّما يقع عليه المرء من طول قراءة ونظر وتبصّر فى السورة به يصبح المعنى الكليّ للسورة مستحضراً فى قلب القارئ، فيتأتي له إبصار تلك المعالم، ثمَّ تحديدها، ومثل هذا ذو أهميَّة بالغة فى الوقوف على مدارج المعنى القرآنيّ فى السورة الذى به تتحقق معرفة حركة المعنى في سياق السورة.
وهو ذو أهمية أيضاً فى معرفة مواقع هذه المعانى الكلية فى السورة على مدرجة المعنى القرآنيّ فيما سبق السورة مناط البحث.
تقسيم السورة إلى معاقد تقسيم أساسه تآخي المعاني الجزئية وتناغيها فى تشكيل وحدة كليّة بيّنة المعالم التى بها تمتاز عما سبقها وما تلاها من وجه، وبها يتحقق الإعتلاق بما سبقها وما تلاها - أيضاً - من معاقد على جادة السياق الكليّ للسورة.
стр. 131
وهذا التقسيم به يتبين صاحب القرآن الكريم مقدّمة السورة ومفتتحها ومؤخرتها ومختتمها وما جرى بينهما من معاقِد، وموقع قلب السورة الذى منه تتناسل وشائج القربى وأسباب التآخي وأشطانه، فانَّ كلَّ سورة ولا سيّما الطول والمئين وكبار المفصل لا تكاد تخلو من: (المطلع والمقطع والقلب) وإذا ما كان المطلع تلاوة والمقطع ترتيلاً قد تحدد موقعهما من السورة، فانَّ مقداريهما يختلفان من سورة إلى آخرى، كما أنَّ موقع قلب السورة ليس محدَّدًاً، فقد يكونُ فى ثبجها، وقد يكون أقرب إلى مطلعها، أو أقرب إلى مقطعها.
وإذا ما نظرت في سورة (البقرة) وقد امتد نزول آياتها سنين عددًا امتدادًا لم يكن لغيرها مثله، كان مقتضى ظاهر النَّظر أن يُمْنَى بناؤها بالاقتضاب والتبتير، ولكن القراءة الواعية المتدبرة تريك أمرًا غير الذي يحْسبه من كان أعجميً القلب واللسان
سبق أن بينتُ مطلع تلاوة سورة (البقرة) ومختتمها وقلبها أما تقسيمها إلى معاقد، فانَّ هذا له مرجع موضوعى ومرجع ذاتى، ولهذا نجد تقسيم العلماء سورة (البقرة) إلى معاقد متقارباً من وجه متباعداً من وجه آخر.
الناظر فى صنيع العلامة " دراز" فى سفره القيّم: " النبأ العظيم " وصنيع " سيد قطب" فى تفسيره الجليل" فى ظلال القرآن" والشيخ العالم" عبد المتعال الصعيدي " فى كتابه " النظم الفنى فى القرآن " وصنيع كثير غيرهم سيجد اختلافاً فى تبيان الفصول والمعاقد بدءاً وانتهاء، فاذا هى كثيرة عند أحدهم لتفصيله وقليلة عند آخر لإجماله، وهذا مرده - فى غالب الأمر- إلى أمرٍ ذاتيٍ يختلف باختلاف المتدبر.
والأمر فى هذا متسع يحتضن كل استبصار رشيد.
ولعل تقسيم العلامة " دراز " سورة "البقرة" هو الأقرب إلى الإحكام، أوجز لك صنيعه على أن يكون فيه ما يهدى.
يقول تحت عنوان: «نظام عقد المعانى فى سورة البقرة» ما خلاصته: إنَّ هذه السورة على طولها تتألف وحدتهامن مقدمة، أربعة مقاصد وخاتمة.
стр. 132
المقدمة: (ى/١-٢٠) : فى التعريف بشأن هذا القرآن الكريم وبيان أن ما فيه من هداية قد بلغ من الوضوح لا يتردد فيه ذو قلب سليم، وإنَّما يعرض عنه من لا قلب له، أو من كان فى قلبه مرض وقد فصل القول فيما اشتملت عليه تلك المقدمة من معان.
(المقصد الأول: من مقاصد سورة البقرة) :
دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام جاءت فى خمس آيات (ى:٢١-٢٥) لخصت فيها أركان الدعوة من أمر بالإيمان بالله وحده والإيمان بكتابه والأمر باتقاء العذاب وبابتغاء الثواب.
ثم كانت أربع عشرة آية (ي: ٢٦-٢٩) مفصلة ما جاء فى المقدمة مجملاً من وصف القرآن الكريم بأنَّه هدى وبيان طريقته فى الهداية، وقد أبرز وشائج القربى بين ما فى المقدمة: (ي:١-٢٠) وما فى هذه الدرة الفاصلة فى عقد نظام السورة بين آيات المقصد الأول (ي: ٢١- ٢٥) وآيات المقصد الثانى (ي:٤٠-١٦٢) وفى الوقت نفسه مبينا وشائج القربى بين هذه الفاصلة وبين آيات المقصد الأول بأركانه الثلاثة،وكيف أنَّ هذه الفاصلة ختمت حديثها بالمخالفين،كما ختمته المقدمة،وذلك تمهيدا للانتقال مرة أخرى إلى نداء فريق منهم ودعوتهم إلى الاسلام فى فاتحة المقصد الثانى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة:٤٠)
مثلما استفتح المقصد الأول بنداء الناس كافة ودعوتهم إلى الاسلام:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:٢١)
فكل من المقصد الأول والثانى مستفتح بالنداء والدعوة إلى الإسلام.
стр. 133
(المقصد الثانى) من مقاصد السورة فى دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم والدخول فى هذا الدين الحق وجاء ذلك فى ثلاث وعشرين ومائة آية (ي: ٤٠ – ١٦٢) فالسورة " مدينة " وفى المدينة النبويّة اليهود أشد الناس عداوة للإسلام، فكان من المقتضى العناية بدعوتهم خاصة إلى الإسلام، ودحض أباطيلهم، فدعاهم، وذكرهم بالنعمة، وطالبهم بالوفاء بالوعد، وفصل لهم ذلك الوعد وبيّن لهم نعم الله عليهم. (ي: ٤٠ – ٤٨)
ثُمَّ بين سالفتهم وتاريخهم (ي: ٤٩-٧٤) وكشف أحوال المعاصرين منهم للبعثة (ي:٧٥-١٢١) ،وذكرقدامى المسلمين من لَدُن سيدنا (إبراهيم) ﵇ (ي: ١٢٢ - ١٣٤) ؛ ليكون فى ذكرهم قدوة وباعثا على الاستجابة لدعوة الحق من بعد أن دحض أباطيل بنى اسرائيل.
ثمَّ ذكر حاضر المسلمين وقت البعثة (ي:١٣٥-١٦٢) بيانا لتعالق الخلف بالسلف، فأمّة سيدنامحمد ﷺ هى امتداد لأمة أبى الأنبياء إبراهيم ﵇.
(المقصد الثالث من مقاصد السورة) (ي: ١٦٣ – ٢٨٣)
معقود لعرض شرائع الإسلام عرضها مفصلا، فالسورة مدينة متكفلة بتأسيس أصول التشريع السلوكي في ذلك العهد المدني (ي:١٦٣-٢٨٣)
وقد جعل لهذا المقصد الرئيسي من مقاصد السورة مدخلاً اشتمل على خمس عشرة آية (ي: ١٦٣ - ١٧٧) ليكون ذلك المدخل توطئة لما تفصله آيات المقصد من شرائع الاسلام فى (ست ومائة آية) : (ي:١٧٨ - ٢٨٣) تفصيلا يرسم نظام العمل للمؤمنين فى شتَّى مناحى الحياة فى شأن الفرد والأسرة والأمة.
وقد استفتح ذلك بأحكام ما يحقق للأمة قوتها وأمنها فى داخلها أحكام القصاص (ي:١٧٨ - ١٧٩) ثم توالت أحكام الشريعة مفصلة منسوقة ممزوجة بما يعين على القناعة والرضى بها.
(المقصد الرابع من مقاصد السورة) (ي: ٢٨٤)
فى ذكر ما يبعث على ملازمة الشرائع ويعصم عن مخالفتها،وقد جاء هذا فى آية واحدة (ي: ٢٨٤) هي من جوامع الكلم في هذا الغرض.
стр. 134
كأنَّ الشيخ "دراز"ينظر إلى ما بين الآية رقم (١٦٣) : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إلاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:١٦٣) التى عدَّها فاتحة الشطر التشريعي فى السورة، والآية رقم (٢٨٤) : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:٢٨٤) التى جاءت فى عقب تفصيل آيات الشطر العملي التشريعى. فإنَّ ما بين الآيتين جدُّ وثيق وغير خفيّ، فكأنَّ فيه ردَّعجزٍ على صدر.
(الخاتمة) : (ي: ٢٨٥-٢٨٦) فى التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد وبيان ما يرجى لهم فى آجلهم وعاجلهم فإذا مقطع السورة بلاغ عن نجاح الدعوة ووفاء بوعدها لكل نفس بذلت وسعها فى اتباعها وفتح باب الأمل على مصراعيه أمام هؤلاء المهتدين.
ثُمَّ يختم العلامة (دراز) بيان نظام عقد المعانى فى سورة البقرة بقوله:
( ... لئن كانت للقرآن فى بلاغة تعبيره معجزات وفى أساليب تربيته معجزات وفى نبوءاته الصادقة معجزات وفى تشريعاته الخالدة معجزات وفى كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونية معجزات ... إنَّه فى ترتيب آيه على هذا الوجه لهو معجزة المعجزات. (١)
وإذا ما كنت ذاهبًا إلى أنَّ تقسيم العلامة (دراز) سورة "البقرة" أفضل من تقسيمات أخرى فإننى أميل إلى أن السورة مكونة من مقدمة وقسمين كبيرين وخاتمة.
المقدمة من الآية (١-٢٠) مثلما أبان عنه العلامة (دراز)
والقسم الأول من الآية (٢١ - ١٦٧) من أول قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:٢١)
стр. 135
إلى آخر قوله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة:١٦٧) وهو قائم بالحقائق والتشريعات العقدية الإيمانية.
وأيات هذا الشوط مقسومة على عقدين: الأول من أوّل قول الله :
﴿يَاأَيُّهَاالنَّاسُ اعْبُدُوارَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:٢١) إلى آخر قوله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:٣٩)
فهذه ثماني عشرة آية في دعوة الناس كافة إلى الإسلام.
وجاءت فيها قصة سيدنا (آدم) ﵇ أبي ابشر بعد أن أنكر عليهم الكفر بالله ،وقد كانوا أمواتا، فأحياهم، ثُمَّ يميتهم، ثُم يحيهم، ثُمَّ إليه يرجعون، ومبينا لهم فى قصة سيدنا (آدم) ﵇ أنه فطر على الإيمان وأنَّ الشيطان استكبر، وكان من الكافرين، فهو لن يرضى إلا أن يكونوا مثله، ومن ثَمَّ ختمت آيات هذا العقد بقول الله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:٣٩)
стр. 136
ليكون في هذا تقريرٌ بالترهيب من الإعراض عما دعا إليه في مفتتح المعقد بالترغيب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:٢١ - ٢٢)
وآيات العقد الثانى من هذا القسم من قول الله : ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوانِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوابِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (البقرة:٤٠)
إلى آخر قوله ﷻ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة:١٦٧) سبع وعشرون ومئة آية (١٢٧ ي) فى دعوى أهل الكتاب خاصة إلى ترك باطلهم والدخول فى هذا الدين الحق.
стр. 137
والتشابه بين العقدين ابتداء وانتهاء جدّ واضح، وجدّ وثيق، وجاءت دعوة أهل الكتاب إلى الاسلام من بعد دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم ﷻ وهم من جملة الناس تأكيدا لتلك الدعوة، ولأنَّهم أحقُّ الناس بالاستجابة لها والدخول فيها سراعا: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (البقرة:٤١) لأنهم أعلم الناس حينذاك بصدق الدعوة المحمدية، وإذا ما آمن أهل الكتاب بالاسلام كان ذلك أدعى إلى دخول غيرهم فيه أفواجا، لذلك بسطت آيات ذلك العقد بسطا وعظم القول فى أهل الكتاب ونَعَى عليهم كثيرا من أفاعيلهم وكتمانهم الحق وهم يعلمون، وتبديلهم قولا غير الذى قيل لهم، وتوليهم من بعد أخذ الميثاق عليهم أن يأخذوا ما آتاهم بقوة، ويذكروا ما فيه، وايمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، وكفرهم بالكتاب المصدق لما معهم واعلانهم الايمان بما أنزل عليهم وكفرهم بما وراء ذلك، ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون، وودّهم ردّ المسلمين عن دينهم، وانكارهم تحويل القبلة، وكتمانهم ما انزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس فى الكتاب، فكان هذا البسط اعتناءً بشأن دعوتهم إلى الاسلام.
***
стр. 138
والقسم الثانى من السورة من الآية: (١٦٨ - ٢٨٣) من أول قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة:١٦٨) إلى آخر قوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:٢٨٣)
فهذه خمسَ عشرة ومئة آية (١١٥ي) معقودة لبيان أحكام الشريعة لتكتمل بها صورة الاسلام وهدية عقيدة وشريعة، فإن السورة سنام القرآن الكريم، واستهلال هذا الشطر بدعوة الناس كافة إلى أن يأكلوا مما فى الارض حلالا طيبا ولا يتبعوا خطوات الشيطان، فهو عدوهم المبين يتناغى مع ما عقدت له آياته من بيان أحكام الشريعة وأبرزها أحكام المطعم؛ لأنَّها أساس قبول الأعمال، فإنَّ كلَّ جسم نبت من حرام مآله إلى النار لا تقبل صلاته وصيامه وزكاته وحجه وجهاده إلى آخر تلك الشرائع التى فصلتها آيات هذا العقد.
التوحيد رأس الجانب العقدى.
وطيب المطعم رأس الجانب التشريعي
فكانت الدعوة إلى الأول للناس كافة فى مستهل القسم الأول العقدي وكانت الدعوى إلى الآخرللناس كافة فى مستهل لقسم الثانى التشريعي
стр. 139
ثُمَّ توالت تشريعات ما أحل الله ﷻ من الطعام، ثُمَّ بيان البِرِّ وصوره، وأحكام القصاص ليحقق الأمن من بعد طيب المطعم واحكام الصيام والجهاد والحج والإنفاق والقتال فى الأشهر الحرم والخمر والميسر وأحكام الأسرة وأحكام المعاملات المالية من صدقه وربا وقرض ورهن، فختم آيات هذا القسم بأطول آية: (آية المداينة) فأية الرهن مؤكدا الدعوة إلى الأمانة والقيام بحق الشهادة.
ثم تأتى الخاتمة فى ثلاث آيات (٢٨٤-٢٨٦) : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة:٢٨٦)
стр. 140
فهذه الثلاث مقررة أنَّ الكون يكون كلَّه لله وحده، وأن ما فى الأنفس يحاسب عليه، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، فكأنَّ فى هذه تعقيبا على القسمين معا العقدي والتشريعي وفى الوقت نفسه توطئة لذكر الذين قاموا بحق هذين القسمين، فكان هذا ردَّ عجز السورة على صدرها الذى يبين صفات المتقين، فتلاقى حديثه عن المؤمنين فى مقطعها مع حديثه عن المتقين فى مطلعها.
تبين لنا مما مضى بناء السورة من معاقد وفصول متلاحمة هيمن عليها جميعاً مقصد رئيس سَرَى فى جميع متعاقد السورة وآياتها.
إنَّ تقسيم السورة إلى حلقات تجمع فى محيطها مجموع المعانى الجزئية التي تشكِّل معنى كلياً هو أساسٌ لاستبصارالعلاقات بين معاني السورة على نحو محكم ذلك أنَّ استبصار علاقة المعنى الجزئي بغيره فى محيط حلقة من حلقات المعنى القرآنيّ للسورة أقرب إدراكاً وأيسر تحصيلاً من استبصار علاقته بمعنى جزئيّ فى محيط حلقة أخرى من حلقات السورة، لأن تلك العلاقة ذات خفاء،وهو خفاء لا علاقة له بوثاقه الاعتلاق أو وَهَنَِهِ، فقد يكون وجه الاعتلاق خفياً الا أنه جد وثيق. (١)
واستبصار السورة آية آية دون تقسيمها إلى فصول ومعاقد كلية يضعف قدرة المستبصرعلى إدراك معالم المقصود والغرض الأعظم المهيمن على السورة، فان إنشغاله بتلاحم الآية بالآية التى بعدها لا يعنيه على مد بصره إلى أفق أبعد، لكن استبصار التلاحم بين آيات المعقد الواحد أقرب وأمكن ثم من بعده استبصار علائق المعاقد بعضها ببعض وخضوعها لسلطان غرض رئيس ومقصود أعظم.
стр. 141
الفصل الرابع: التَّحْليلُ البَيَانيّ لكلمات وجمل وآيات السورة
***
بين يدي السَّفَر:
الذى يحسن إدراكه أنَّ البناء الكليّ سورة ينبثق من معايشته ومخادنته مزيجٌ من التصورات الفكرية والانفعالات القلبيّة والاشراقات الروحيَّة، وينتهى الاستغراق فى الترتيل المصحوب باليقين بقدسية البيان المفجّرِ تلك التّصورات والانفعالات والإشراقات إلى اكتساب توازنٍ نفسيّ وقلبيّ وروحىّ مشرق.
هذا التوازن ضرورة لإنجاز الرؤية النظرية لمعالم التحليل للسورة، فانَّ تلك الرؤية غير كافية للاقدام العَزْمِيّ على تحقيق ذلك التحليل واستثماره، ذلك أنَّ هذا التحقيق والإنجاز حمل ثقيل لا يصبرُ عليه الا مستغرِقٌ فِي لذة المخادنة ونوارنية الاشراق الروحيّ.
وهذا التوازن يعصم صاحبه من الذاتية الخالصة، لأنَّه توازنٌ موضوعيٌّ؛ لانبثاقِهِ من الاستغراق فى الترتيل الواعي المستبصر.
***
التحليل البيانى للسورة هو القادر على إضاءة السورة داخلياً فتشرق مضامين الهدى منها فى نفوسنا على نحو يحقق إكتساب أمرين:
الأول: المضمون التشريعي ببعديه: العقدي والسلوكي، والمضمون التثقيفى متوازيين أو متمازجين.
الأخر: القناعة والرضا القلبيّ المثمر زهدًا في كلّ ما يشغل عن التلذّذ بالعبودية لرب العالمين، فإنَّ لها لذة هي الثواب الحقيقيّ للإخلاص في كلّ طاعة مما يجعل ذائقها في الفردوس على الرغم من أنَّه قد يكون حنيئذٍ أشعث أغبر ذا طمرين مدفوعًا بالأبواب لايؤبه له.
стр. 142
وكلُّ أنحاء التدبر للسورة المفتقرة إلى منهج التحليل البيانى للسورة عاجزة عن تحقيق هذين الأمرين معاً مما يحقق لتلك الأنحاء عجزاً أو تقصيراً فى النصيحة لكتاب الله ،فإنّ رسالة المتدبر ليست مقصورة على إستكشاف المضمون التشريعيّ التثقيفى بل ذلك فريضة استنبات القناعة والرضا القلبي بذلك المضمون ثم استثماره فى توليد الطاقة الإنجازية لذلك المضمون، فلا قيمة لاستكشاف معالم التشريع والتثقيف بل هى له مجموعاً إليه استيلادُ دوافع الإنجاز والإتقان.
وإذا ما عجز التحليل البيانى للسورة عن استيلاد دوافع الانجاز والإتقان فى نفس المتلقي، فانَّ مردَّ ذلك إلى نقص فى تناول عناصر السورة بالتحليل أو إلى خلل فى تصور معالم ذلك التحليل أو فى توظيف ذلك التصور توظيفاً متلائماً مع شخصية السورة التى هى مناط التحليل، فإنَّ منهاج التوظيف لتلك المعالم تختلف من سورة إلى أخرى، ولا مسوغ البتة إلى إسقاط ما يصلح لسورة ما على سائر السور الأخرى، لما بينها من تغاير مضموني وبنائي يرمى فى سياق كليّ إلى غاية واحدة.
ليس التحليل البيانى للسورة إلاَّ قراءة إنتاجية فاحصة كلَّ عناصرها فحصاً كاشفاً عن قيمة كلِّ عنصر وعلاقته فى تشكيل الوجود الدلاليّ للسورة مثلما كان له قيمة فى تشكيل وجودها اللغوى المقروء أو المسموع.
هذه القراءة يجتاز بها صاحبها مرحلة تحويل المسطور على وجه صحيفة إلى مسموع مَنْغُوم فى أذن سامع، فذلك معنى عام للقراءة يشارك فيه الدهماء أهل العلم.
стр. 143
وإنّما هى قراءة قائمة بإخضاع جميع عناصر المقروءة فى وجود الكليّ للاستبصار: فهى موقف استبصاري إنتاجي من السورة، وهذا يقتضِى من صاحب هذه القراءة التحليلية للسورة أن يتسلل بوعيه فى الوجود اللغوي للسورة يجوس خلاله ويخادنه، فيمتزج وعيه بالسورة مثلما تمتزج السورة بوعيه، وهذا ما يجعل المعنى القرآنيّ للسورة فى صورته الإدراكية لا القصدية يختلف باختلاف وعى المتلقى، فانَّ ثَمَّ علاقةً جدلية بين السورة والمتلقي قائمة على التَّبادل، فهو يأخذُ من السورة مقومات وجودها اللغوى، ويضيف إلى وجودها الدلاليّ من ذاته القائمة بالإيمان والتعلم العميق الفسيح والخبرة وملكة التذوق والاستبصاروالالتزام السلوكيّ وغير ذلك.
وإنى أزعم أنَّ التحليل البيانيّ للسورة القرآنية سبيلٌ من سبل حسن القيام بالاستجابة لأوّل أمر إلهيّ فى دعوة الإسلام
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:١)
فما أظن أنَّ الوحى كان يطلب من سيدنا محمد ﷺ حينذاك أن يقرأ قراءة تُحِيلُ المسطور مسموعاً، فإنَّه ﷺ ما كان إلاَّ أميًّا لا يملك تلك الطاقة المُحِيلة ما هو مسطورٌ إلى مسموع، فضلاً عن أنّه لو كان ذلك هو مراد الأمر بالقراءة فى أول آية نزلت لما كان سيدنا " جبريل " ﵇ بحاجة إلى أن يأخذ بالنبي ﷺ فيغطه حتى يبلغ من النبى ﷺ الجهد ثلاث مرات، فانَّ مثل هذا لا يليق أن يُفعل حينذاك إلاَّ إذا كان المأمور به شيئاً غير ذلك، تفسّره لنا تَهْيِئَةُ النبي ﷺ نفسه له بالاعتكاف والتعبد والتحنّث فى الغار والاعتصام مما يشغله، ويهوش عليه من حركة الحياة المائجة الماجنة تهيئة بتوفيق من ربه الذى خلق واصطفى، ودونما قصد منه ﷺ .
стр. 144
ما أُمر به هو قراءة استيعاب للكون محسوسه ومعقوله استيعاباً يُفعم النفس،ويسيطر على منهج السلوك المعرفيّ والحركة المشكّل وجوداً جديدا للإنسان به يحقق رسالة الاستخلاف العظمَى ورسالة الشهادة على الأمم الأخرى، فتنال به الأمة المحمديّة مقام الخيريّة.
أزعم أنَّ القراءة التحليلية للسورة القرآنية سبيل إلى تحقيق تلك القراءة المأمور بها فى سورة العلق.
***
- منزلة الذاتية فى التحليل البياني
البيان القرآنيّ وحى من الله لم يجعله خاضعاً لسلطان ما يُعرف ويشْهرُ من معايير وقواعد بيان الانسان؛ لأنَّ ما كان من الله لا يخضع لما كان من الانسان على الرغم من أنه اتخذ لغة الانسان مظهراً للقرآن الكريم حتى يبين لهم الذى يختلفون فيه، ومن ثم لا يصلح كل ما استنبطه العلماء من قواعد من بيان الإنسان أن يتخذ معياراً أو نموذجاً يلتزم به فى التحليل البيانى للسورة، فانَّ قواعد البيان الإنسانيّ لا تَعْدُو الاسترشاد بها والاهتداء بضوئها مما يمنح أو يفرض على القائم بالتحليل البياني للسورة أن يكون منهجه التحليلي وحركته الإنجازية لذلك المنهج متناسقين مع الواقع البياني لكلّ سورة من سور القرآن الكريم وفقاً لمعالم شخصيتها البيانية التى هى الصورة الحسية لشخصية مضمونها التشريعيّ والتثقيفى، وإنجاز ذلك حمل جد ثقيل.
وكل ما يذكره أهل العلم من معالم التحليل البيانى فى مثل هذا إنَّما هو مفاتيح أبواب طرائق مديدة فسيحة إلى عالم التحليل البيانى للسورة فلا يكاد يحاط بأقطاره المترامية.
ولهذا كان للذاتية الرشيدة الثَّقِيفة أثرٌعظيمٌ فى استيلاد طرائق تحليلية متناسقة مع واقع كل سورة.
стр. 145
وإذا ما كان نقدة الأدب يذهبون إلى أنَّ أولى قواعد المنهج العلمى هى أن تخضع نفوسنا لموضوع دراستنا لكى تنظم وسائل المعرفة وفقاً لطبيعة الشىء الذى نريد معرفته وأنَّنا نكون أكثر تمشياً مع الروح العلمية بإقرارنا بوجود التأثيرية فى دراستنا شريطة أن تخضع هذه التأثيرية للضبط والمراجعة - إذا كان هذا فإن الأمرَ مهمٌّ فى التحليل البيانيّ للسورة لأن إخضاع نفوسنا لها سوف يفجر فينا طاقة معرفية ذوقية تدرك ما لا تمكن العبارة عنه، لكنَّه يؤثر تأثيراً نافذاً فى شتى المجالات التى تمكن العبارة عنها، فالذَّوق الذى هو دعامة أساسية من دعائم التحليل البياني هو الذوق المتحدر من عدة روافد موضوعية يمكن اكتسابها بالمدارسة والدُّربَة، ومن ذاتية شخصيته تكتسب من سلوك إيمانى ناصح والتزام حركى خالص.
وإذا ما كان من جوهر الأخذ بالذوق الذاتي الرشيد بالثقافة والسلوك الحركيّ أن يكون معللاً فانّه مما لا يخفى أنَّه ليس بلازم أن يكون ذلك التعليل موضوعياً جلياً فى كل أمر.
المهم أن يقوم المنهاج على ثلاثة:
التحليل
والتأويل
والتعليل
وهذه المرتكزات ليست مما استحدثه التفكير البياني والنقدي بل ذلك أمرٌ قد حثَّ عليه وأكّده الأسلاف في أسفارهم:
تراه جليًا عند "عبد القاهر الجرجانيّ" في فواتح (دلائل الإعجاز) :
> (١)