← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2150

العزف على أنوار الذكر

محمود توفيق محمد سعد

Полный текст (275 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفصل الرابع: التَّحْليلُ البَيَانيّ لكلمات وجمل وآيات السورة *** بين يدي السَّفَر: الذى يحسن إدراكه أنَّ البناء الكليّ سورة ينبثق من معايشته ومخادنته مزيجٌ من التصورات الفكرية والانفعالات القلبيّة والاشراقات الروحيَّة، وينتهى الاستغراق فى الترتيل المصحوب باليقين بقدسية البيان المفجّرِ تلك التّصورات والانفعالات والإشراقات إلى اكتساب توازنٍ نفسيّ وقلبيّ وروحىّ مشرق. هذا التوازن ضرورة لإنجاز الرؤية النظرية لمعالم التحليل للسورة، فانَّ تلك الرؤية غير كافية للاقدام العَزْمِيّ على تحقيق ذلك التحليل واستثماره، ذلك أنَّ هذا التحقيق والإنجاز حمل ثقيل لا يصبرُ عليه الا مستغرِقٌ فِي لذة المخادنة ونوارنية الاشراق الروحيّ. وهذا التوازن يعصم صاحبه من الذاتية الخالصة، لأنَّه توازنٌ موضوعيٌّ؛ لانبثاقِهِ من الاستغراق فى الترتيل الواعي المستبصر. *** التحليل البيانى للسورة هو القادر على إضاءة السورة داخلياً فتشرق مضامين الهدى منها فى نفوسنا على نحو يحقق إكتساب أمرين: الأول: المضمون التشريعي ببعديه: العقدي والسلوكي، والمضمون التثقيفى متوازيين أو متمازجين. الأخر: القناعة والرضا القلبيّ المثمر زهدًا في كلّ ما يشغل عن التلذّذ بالعبودية لرب العالمين، فإنَّ لها لذة هي الثواب الحقيقيّ للإخلاص في كلّ طاعة مما يجعل ذائقها في الفردوس على الرغم من أنَّه قد يكون حنيئذٍ أشعث أغبر ذا طمرين مدفوعًا بالأبواب لايؤبه له.

стр. 142

وكلُّ أنحاء التدبر للسورة المفتقرة إلى منهج التحليل البيانى للسورة عاجزة عن تحقيق هذين الأمرين معاً مما يحقق لتلك الأنحاء عجزاً أو تقصيراً فى النصيحة لكتاب الله ،فإنّ رسالة المتدبر ليست مقصورة على إستكشاف المضمون التشريعيّ التثقيفى بل ذلك فريضة استنبات القناعة والرضا القلبي بذلك المضمون ثم استثماره فى توليد الطاقة الإنجازية لذلك المضمون، فلا قيمة لاستكشاف معالم التشريع والتثقيف بل هى له مجموعاً إليه استيلادُ دوافع الإنجاز والإتقان. وإذا ما عجز التحليل البيانى للسورة عن استيلاد دوافع الانجاز والإتقان فى نفس المتلقي، فانَّ مردَّ ذلك إلى نقص فى تناول عناصر السورة بالتحليل أو إلى خلل فى تصور معالم ذلك التحليل أو فى توظيف ذلك التصور توظيفاً متلائماً مع شخصية السورة التى هى مناط التحليل، فإنَّ منهاج التوظيف لتلك المعالم تختلف من سورة إلى أخرى، ولا مسوغ البتة إلى إسقاط ما يصلح لسورة ما على سائر السور الأخرى، لما بينها من تغاير مضموني وبنائي يرمى فى سياق كليّ إلى غاية واحدة. ليس التحليل البيانى للسورة إلاَّ قراءة إنتاجية فاحصة كلَّ عناصرها فحصاً كاشفاً عن قيمة كلِّ عنصر وعلاقته فى تشكيل الوجود الدلاليّ للسورة مثلما كان له قيمة فى تشكيل وجودها اللغوى المقروء أو المسموع. هذه القراءة يجتاز بها صاحبها مرحلة تحويل المسطور على وجه صحيفة إلى مسموع مَنْغُوم فى أذن سامع، فذلك معنى عام للقراءة يشارك فيه الدهماء أهل العلم.

стр. 143

وإنّما هى قراءة قائمة بإخضاع جميع عناصر المقروءة فى وجود الكليّ للاستبصار: فهى موقف استبصاري إنتاجي من السورة، وهذا يقتضِى من صاحب هذه القراءة التحليلية للسورة أن يتسلل بوعيه فى الوجود اللغوي للسورة يجوس خلاله ويخادنه، فيمتزج وعيه بالسورة مثلما تمتزج السورة بوعيه، وهذا ما يجعل المعنى القرآنيّ للسورة فى صورته الإدراكية لا القصدية يختلف باختلاف وعى المتلقى، فانَّ ثَمَّ علاقةً جدلية بين السورة والمتلقي قائمة على التَّبادل، فهو يأخذُ من السورة مقومات وجودها اللغوى، ويضيف إلى وجودها الدلاليّ من ذاته القائمة بالإيمان والتعلم العميق الفسيح والخبرة وملكة التذوق والاستبصاروالالتزام السلوكيّ وغير ذلك. وإنى أزعم أنَّ التحليل البيانيّ للسورة القرآنية سبيلٌ من سبل حسن القيام بالاستجابة لأوّل أمر إلهيّ فى دعوة الإسلام ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:١) فما أظن أنَّ الوحى كان يطلب من سيدنا محمد ﷺ حينذاك أن يقرأ قراءة تُحِيلُ المسطور مسموعاً، فإنَّه ﷺ ما كان إلاَّ أميًّا لا يملك تلك الطاقة المُحِيلة ما هو مسطورٌ إلى مسموع، فضلاً عن أنّه لو كان ذلك هو مراد الأمر بالقراءة فى أول آية نزلت لما كان سيدنا " جبريل " ﵇ بحاجة إلى أن يأخذ بالنبي ﷺ فيغطه حتى يبلغ من النبى ﷺ الجهد ثلاث مرات، فانَّ مثل هذا لا يليق أن يُفعل حينذاك إلاَّ إذا كان المأمور به شيئاً غير ذلك، تفسّره لنا تَهْيِئَةُ النبي ﷺ نفسه له بالاعتكاف والتعبد والتحنّث فى الغار والاعتصام مما يشغله، ويهوش عليه من حركة الحياة المائجة الماجنة تهيئة بتوفيق من ربه الذى خلق واصطفى، ودونما قصد منه ﷺ .

стр. 144

ما أُمر به هو قراءة استيعاب للكون محسوسه ومعقوله استيعاباً يُفعم النفس،ويسيطر على منهج السلوك المعرفيّ والحركة المشكّل وجوداً جديدا للإنسان به يحقق رسالة الاستخلاف العظمَى ورسالة الشهادة على الأمم الأخرى، فتنال به الأمة المحمديّة مقام الخيريّة. أزعم أنَّ القراءة التحليلية للسورة القرآنية سبيل إلى تحقيق تلك القراءة المأمور بها فى سورة العلق. *** - منزلة الذاتية فى التحليل البياني البيان القرآنيّ وحى من الله لم يجعله خاضعاً لسلطان ما يُعرف ويشْهرُ من معايير وقواعد بيان الانسان؛ لأنَّ ما كان من الله لا يخضع لما كان من الانسان على الرغم من أنه اتخذ لغة الانسان مظهراً للقرآن الكريم حتى يبين لهم الذى يختلفون فيه، ومن ثم لا يصلح كل ما استنبطه العلماء من قواعد من بيان الإنسان أن يتخذ معياراً أو نموذجاً يلتزم به فى التحليل البيانى للسورة، فانَّ قواعد البيان الإنسانيّ لا تَعْدُو الاسترشاد بها والاهتداء بضوئها مما يمنح أو يفرض على القائم بالتحليل البياني للسورة أن يكون منهجه التحليلي وحركته الإنجازية لذلك المنهج متناسقين مع الواقع البياني لكلّ سورة من سور القرآن الكريم وفقاً لمعالم شخصيتها البيانية التى هى الصورة الحسية لشخصية مضمونها التشريعيّ والتثقيفى، وإنجاز ذلك حمل جد ثقيل. وكل ما يذكره أهل العلم من معالم التحليل البيانى فى مثل هذا إنَّما هو مفاتيح أبواب طرائق مديدة فسيحة إلى عالم التحليل البيانى للسورة فلا يكاد يحاط بأقطاره المترامية. ولهذا كان للذاتية الرشيدة الثَّقِيفة أثرٌعظيمٌ فى استيلاد طرائق تحليلية متناسقة مع واقع كل سورة.

стр. 145

وإذا ما كان نقدة الأدب يذهبون إلى أنَّ أولى قواعد المنهج العلمى هى أن تخضع نفوسنا لموضوع دراستنا لكى تنظم وسائل المعرفة وفقاً لطبيعة الشىء الذى نريد معرفته وأنَّنا نكون أكثر تمشياً مع الروح العلمية بإقرارنا بوجود التأثيرية فى دراستنا شريطة أن تخضع هذه التأثيرية للضبط والمراجعة - إذا كان هذا فإن الأمرَ مهمٌّ فى التحليل البيانيّ للسورة لأن إخضاع نفوسنا لها سوف يفجر فينا طاقة معرفية ذوقية تدرك ما لا تمكن العبارة عنه، لكنَّه يؤثر تأثيراً نافذاً فى شتى المجالات التى تمكن العبارة عنها، فالذَّوق الذى هو دعامة أساسية من دعائم التحليل البياني هو الذوق المتحدر من عدة روافد موضوعية يمكن اكتسابها بالمدارسة والدُّربَة، ومن ذاتية شخصيته تكتسب من سلوك إيمانى ناصح والتزام حركى خالص. وإذا ما كان من جوهر الأخذ بالذوق الذاتي الرشيد بالثقافة والسلوك الحركيّ أن يكون معللاً فانّه مما لا يخفى أنَّه ليس بلازم أن يكون ذلك التعليل موضوعياً جلياً فى كل أمر. المهم أن يقوم المنهاج على ثلاثة: التحليل والتأويل والتعليل وهذه المرتكزات ليست مما استحدثه التفكير البياني والنقدي بل ذلك أمرٌ قد حثَّ عليه وأكّده الأسلاف في أسفارهم: تراه جليًا عند "عبد القاهر الجرجانيّ" في فواتح (دلائل الإعجاز) : > (١)

стр. 146

فهذا دالٌ دَِلالةً بيّنَةً على أن الاستقصاء والتحليل دعامتان رئيسيتان في منهج التفكير البيانيّ، فالإجمال، والاكتفاء بظاهر البيان مما يتحرز منه التفكير البياني، ولذا يُذَكِّرُ به > في مواضع عديدة من كتابه؛ ليكون المتدبر والمتذوق عغلى ذكر من أهميته. يقول: > (١) تأمل قوله: > يتبيّن لك عظيم أهمية الاستقصاء في التحليل البياني ليقف المرء على ما هو مكنون في البيان من خصال البلاغة والبراعة والبيان. ولهذا تجد الإمام يهديك في مفاتح " الدلائل" إلى نهج في التتبع والتقصي، وهو يبين لك أن فضائل الكلم من علائقها ومواقعها: << وهل تشكُّ إذا فكرت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود:٤٤) فتجلى لك منها الإعجاز وبهرك الذي ترى وتسمع أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة وهكذا إلى أن تستقربها إلى آخرها وأن الفضل تناتج ما بينها وحصل من مجموعها.

стр. 147

إن شككت فتأمل هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت لأدَّت من الفصاحة ما تؤدِّيه، وهي في مكانها من الآية قل > واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها وكذلك فاعتبر سائر ما يليها. وكيف بالشك في ذلك ومعلوم أنَّ مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض ثم أمرت ثم في أن كان النداء بـ " يا " دون " أي " نحو يا أيتها الأرض، ثم إضافة "الماء" إلى " الكاف" دون أن يقال: ابلعي الماء، ثم أن أتبع نداء الأرض، وأمرها بما هو من شأنها، ونداء السماء، وأمرها كذلك بما يخصها، ثُمَّ أن قيل:" وغيض الماء "، فجاء الفعل على صيغة " فُعِلَ " الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر وقدرة قادر، ثُمَّ تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى:" قضي الأمر"، ثُمَّ ذكرماهو فائدة هذه الأموروهو " استوت على الجودي "، ثم إضمار السفينة قبل الذكر، كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثُم مقابلة قيل في الخاتمة بـ" قيل " في الفاتحة أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق، أم كلّ ذلك لمَّا بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب >> (١) هو في صنيعه هذا كمن يعلمك كيف تصطاد، فلا تفتقر إلى غير جهدك من العباد. وتراه يبينه لك في غير البيان القرآني حتّى لا تظنّ أن ذلك فريضة في تدبر القرآن الكريم،وليس فريضة في تذوق الشعر، يقول:

стр. 148

>، ثم قوله: > بتنكير >، وإضافة > إليه، ثم قوله: «فكالسيف» وعطفه بـ" الفاء" مع حذفه المبتدأ؛ لأنَّ المعنى لا محالة: فهو كالسيف، ثم تكريره "الكاف " في قوله: «وكالبحر» ، ثُمَّ أنْ قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطا جوابه فيه، ثم أنْ أخرج من كل واحد من الشرطين حالا على مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله: «صارخا» هناك و «مستثيبا» هاهنا؟ لا ترى حسنا تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت أو ما هو في حكم ما عددت فأعرف ذلك. وإن أردت أظهر أمرا في هذا المعنى، فانظر إلى قول " إبراهيم بن العباس ":

стр. 149

فَلوْ إذْ نَبَا دهْرٌ وأنْكر صاحبٌ * وسلط أعداءٌ وغابَ نَصيرُ ... تكونُ عن الأهوازِ داري بنجوة * ولكنْ مقاديرٌ جرَتْ وأمورُ ... وإنّي لأرْجو بعد هذا محمدا * لأفْضَلَ ما يُرجَى أخٌ ووزيرُ فإنّك ترى ما ترى من الرونق والطَّلاوة ومن الحسن والحلاوة، ثم تَتَفَقَّدُ السبب في ذلك، فتجده إنّما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو: «إذ نبا» على عامله الذي هو: «تكون» وأن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنحوة إذ نبا دهر، ثم أن قال:" تكون" ولم يقل: "كان"، ثُمَّ أن نكر "الدهر" ولم يقل:"فلو إذ نبا الدهر"، ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد، ثم أن قال:"وأنكر صاحب"، ولم يقل:" وأنكرت صاحبا" لا ترى في البيتين الأولين شيئا غير الذي عددته لك تجعله حسنا في النظم وكله من معاني النحو كما ترى. وهكذا السبيل أبدا في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى النظم وفضل وشرف أحيل فيهما عليه» (١) يهمنا – هنا- قوله:" واستقص في النظر" وقوله:" تَتَفَقَّدُ السبب" يدلك هذا دلالة بينة على وجوب الاستقصاء في التحليل والتذوق (٢)

стр. 150

المهم أن هذا الاستقصاء في التحليل والتّدبر والتّذَوّق لابدَّ معه من تعليلٍ وتأويلٍ وإبانةٍ عن ذلك بلسان مبين، فإنَّ الاستقصاء في تحليل وتدبر البيان لا يعدو مرحلة التذوق الانطباعي الذي قد لا يستفاد منه. يقول الإمام: «لا بُدَّ لكلِّ كلام تستحسنه ولفظ تستجيده من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة وعلة معقولة وأن يكون لنا إلى العبارة عن ذاك سبيل وعلى صحة ما ادعيناه من ذلك دليل وهو باب من العلم إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة ومعان شريفة» (١) فالعلم بجهة الحسن والاستجادة وعلة ذلك وسببه، ثُمَّ الاقتدار على الإبانة عن ذلك الذي أدركته بفراستك البيانية؛ليكون تدبّرك وتذوقك موضوعيًا علميًا متطهرًا من الذاتية المجردة التي لا يستفاد منها غالبًا في باب العلم والتعلم، ولا تهدى إلى الآخر ما به يسطيع السيرعلى الطريق الذي سلكت، فإنَّ البلاغيّ والناقد من رسالتهما فتح السبل إلى الولوج في النص، وإغراء القارئ بمخادنة النّص بالإشارة إلى بعض من جليل مكنونه. *** وتبقَى الإشارة التذكيرية بأمرين رئيسيين في منهاج التحليل البياني للقرآن الكريم في سياق السورة: ? الأول: العناية بتحليل مشتبه النظم (التصريف البياني للمعنى القرآنيّ) ? الآخر: العناية بالتوجيه البياني للقراءات القرآنية. هذان أمران لا تستقيم دراسة تحليلية لبيان القرآن الكريم غفلت عن أحدهما أو تساهلت في العناية بالوفاء ببعض حقهما.

стр. 151

ينتبه بعض الباحثين إلى الأمر الأول «التصريف البياني للمعنى القرآني» فيقرنون النظر فيما تشابه نظما وتركيبا ... مع ما هم بصدد تحليله تحليلا بيانيا، وقد كان لسلفنا مزيد عناية بذلك، فأفردت أسفار جليلة في هذا كما تراه في كتاب " درة التنزيل وغرة التأويل " المنسوب إلى " أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي " (ت: ٤٢٠هـ) ، وكتاب:" ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من أي التنزيل " لأبي جعفر احمد بن الزبير الغرناطي" (ت: ٧٠٨هـ) وهما من أهم ما أفرد السلف من الأسفار في هذا الباب، وقد فاتهما أشياء غير قليلة (١) والأمر الآخر يغفل عنه غير قليل من الدارسين على الرغم من الزعم بأنّ مناط درسهم بلاغة القرآن الكريم، والقرآن الكريم ليس بالمقصور على ما جاء في قراءة حفص عن عاصم، وإن كان ترتيل جمهور أهل القرآن الكريم بها، علينا أن نقوم ببعض حق تدبر وتأويل بلاغة القرآن الكريم في وجوه الترتيل الأخرى، وهي متواترة تواترًا لايقل البتة عن تواتر قراءة حفصٍ عن عاصم، فليس من العدل أن نقصر عنايتنا بوجه من القراءات المتواترة دون غيرها مما تواتر مثلها.

стр. 152

التوجيه البياني للقراءات القرآنية فريضة في كل بحث يعمد إلى تدبر البيان القرآني الكريم: تحليلا وتأويلا وتعليلا، سواء ما كان مجال القراءة فيه متعلقا بالكلمة مادة وصيغة وموقعا، وما كان متعلقا بالنظم والتركيب والتصوير والتوقيع والتغني. (١) *** التحليل البيانى بين التفكيك والتركيب: التحليل البيانى يعنى بفحص كل عنصر وسبره وهذا يقتضى أن يتناول كل عنصر أولاً على حدة ثم فى سياقه الجزئى وينتهى إلى النظر فيه فى سياقه الكلى.

стр. 153

فهو لا يمزق النَّص ويجعله أشلاء، ثم يلقى بها، بل هو يحلل النَّصَّ إلى عناصره؛ ليفحص خصائص هذه العناصر وسماتها، وليفحص ما ببينهما من علائق ووشائج تحقق لها التعاون والتكافل فى إقامة النَّصَّ وإكتماله، فالتحليل البيانيّ لا يتوقف عند تجزئة النص وتفكيكه بل ينتهى إلى إعادة جميع العناصر بعد فحصها إلى مواقعها ليقوم النَّصُّ مشرقاً من بعد أن استكشف التحليل خصائصه فى عناصره وفى بنيته الكليَّة، ولهذا لا يحسن فى التحليل البيانى أن يقوم على النظر فى مسائل أسلوب ما مجموعة من واقعها فى النص معزولة عن سياقها، بل الأجدى أن يعتمد التحليل على النظر فى آيات كل معقد مجتمعة ليحلِّل كلَّ عنصر وتركيب وأسلوب فى سياق ذلك المعقد ثم فى خاتمة كل فصل تصنف الأساليب والخصائص التي إشتمل عليها ذلك المعقد دون أن نجعل تصنيف البلاغيين أساليب البيان فى علومه الثلاثة: معانى وبيان وبديع هى أساس التحليل والتصنيف ذلك أن صنيع علمائنا البلاغيين كان معنياً بالجانب التربوى فى ذلك التصنيف تقريباً لذلك العلم إلى طلابه، ولم يكن تصنيفاً يفصل بين الأساليب وفقاً لخصائص بيانية لذلك تراهم يحرصون على التصريح بأن علم المعانى كالجزء من علم البيان، فإنَّ كلَّ مسألة من مسائل علم البيان هى قائمة على مسائل علم المعانى، كما أن كل مسألة من مسائل علم المعاني تقوم بالتصوير، وكذلك تستطيع أن ترجع مسائل علم البديع إلى علم المعانى وعلم البيان، ذلك أنَّها قائمة على النظم أيضا الذى هو المحيط بعلم المعانى وهو فى الوقت نفسه عمود علم البلاغة كلّها، وعلم البلاغة كلُّه هو علم التصوير بالكلمة. ولذلك ترى حرص عبد القاهر على التصريح بعلاقة الاستعارة وهى رأس التصوير البيانى أو سنامه بالنظم وأنها لم يتحقق لها الحسن معزولة عن النظم. وكذلك حرصه على التصريح بعلاقة الجناس والسجع والطباق وهى سنام البديع بالنظم.

стр. 154

وهذا يقتضى منا ألا يكون التحليل البيانى منتهجا الى تصنيف مسائل التقديم ... والتشبيه ... والتجنبس ... الخ كل فى باب بل يحلل كل أسلوب فى سياقه ثم تجمل خصائص كل معقد المعنوية والأسلوبية حتى تستكشف الأساليب التى قامت ببناء معاني ذلك المعقد وتصويرها وتحبيرها حتى إذا فرغ التحليل من معاقد وفصول السورة كلّها استطاع أن يصنف الأساليب فى وحدات بل استطاع أن يستكشف الأساليب الرئيسية في السورة كلّها والأساليب المساعدة وأن يفسّر ذلك فى ضوء المقصود الأعظم والأغراض الكلية التى تندرج فى ذلك المقصود. (١) *** - مجال التحليل البيانيّ للسورة. السورة القرآنيّة فى وجودها اللغوى مكونة من عدة عناصر متنوعة، ولكلِّ عنصر صورة صوتية أفرادية أو تركيبية ودلالية ذهنية أو تركيبية أو سياقية وأنماط تكوينية وصور وظلال وعلاقات ووشائج. وإذا ما كان أىّ بيان يتحقق وجوده الكلّيّ من خلال تمازج عناصره اللفظية والمعنوية أو التركيبية تمازجاً لا يتأتى معه أن يقوم عنصرما بعملِه منعزلاً عن بقية العناصر، أوأن يُستبدل به عنصرٌ أخر، فإنَّ دراسة هذا البيان لا تتأتى إلا باستقصاء التحليل الذى يقتضى دراسة كلّ عنصر فى ذاته وفى وجوده السياقي الجمعيّ. ولهذا التحليل البياني لصورة المعنى القرآنيّ المتعبّد بترتيلها في السياق السوريّ مجالات عديدة، وهي مجالات متصاعدة في تحقيق الوجود النّصي المكتمل لبناء السورة.

стр. 155

كلّ مجال منها يُقريك تدبُّرُه زادًا إلى تدبّرِ ما بعده من المجالات المتصاعدة، بل إنك لتجد نفسك - وقد حسبت أنك قد فرغت - تملك من الزَّاد ما يُغريك بأن تكونَ الحالّ المرتحل في تدبُّرك وتذوقك، فإذا بك وقد أردت أن تحط الرحال، تسرج الجياد إلى ما بدأت به، فتستأنف التدبر والتذوق فإذا سُبُحات العطاء تتوافد وتترادف على قلبك. وتلك َمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواعلى المجاهدة في التحليل والتَّدبُّر والتَّذوِّق وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من الطَّبْعِ والعِلْمِ والتقْوى. ومجالات التحليل البيانيّ للسورة القرآنية إذا ما شئنا حركة من الأدنَى إلى الأعلى، والجزئي إلى الكلّى تبدأ بتحليل المفردات في سياقها التركيبي، ثُمَّ تحليل الهيئة التركيبية للبيان، ثُمَّ الصورة البيانية، ثُمَّ فنون التوقيع والتغنّي التي بإتقانها يتحقق لصاحب القرآن الكريم شيءٌ من فضيلة تحسينه القرآن الكريم بترتيله في قلوب المتلقين، وذلك وجه من وجوه النَّصيحة للقرآن الكريم ولعامة المسلمين وخاصتهم. *** - أولاً: التحليل البيانيّ للمفردات وكنت قد حدثتك عن المعجم اللغوي للسورة،وأثره في تحقيق وتحرير مقصود السورة التي أنت بصدد تدبُّرها، فإنَّ «أوّل ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيلُ معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه،كنحصيل اللبِنِ في كونه أوّل المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه ... " (١)

стр. 156

ومن العَليّ هنا أن ترصد المفردات في كلّ سورة رصدًا كاملاً يشمل أدوات المعاني والأسماء والأفعال، وذلك من قبل أن يتم إعداد معجم كلمات لكلّ معقد من معاقد السورة على حدة؛ ليتبين للمتفقه معانيها ما بين معاقد كل سورة من المجموع الكليّ لكلّ صنف من كلمات السورة، فإذا ما جئنا إلى سورة البقرة مثلا رصدنا أوَّلاً جميع كلماتها، وهذا ليس بالعسير اليوم، وقد كثرت وسائل ذلك ويُسِّرت، ثُمَّ فصّلنا ما فيها من أدوات معاني كل أداة على حدة، ثُمّ كل مادة، ونبين ما كان اسما وما كان فعلا وما كان من الأفعال ماضيا وما كان غير ذلك، وما هو مجرد وما هو مزيد، ومن الأسماء ما هو جامد وما هو مشتق، وكل مشتق يصنف وفق نوع اشتقاقه. وإعداد هذا المعجم مع كلِّ معقد ونجم ثم محاولة المقارنة بين معاجم كل إنَّما يعين على إدراك ما لكل معقد من تميز وما فى كلٍّ من العرى الوثقى التى يتواشج بها لغوياً وتركيباً ودلاليا مع المعاقد الأخرى فى السورة، فانَّ حضور مادة لغوية ما فى المعاقد كلها أو أكثرها قد يكون آية من آيات الإعتلاق والتناسج بين فصول السورة ومعاقدها، لهذا فإنِّي أوثر إعداد معجم لكلِّ معقدٍ بعد المعجم الكليّ للسورة، ثم مقارنته ببعضه واستبصار ما بينه من تحالف وتخالف كميٍّ ونوعيٍّ ودلاليٍّ. ومن البين السافر أنَّ التحليل البيانيّ لمفردات السورة يعمد فيه صاحبه إلى محاولة استبدال عناصر لغوية مقاربة بعناصر لغوية تشكلت منها السورة، ثم موازنة ما استبدال بما استبدل به ليتأتى له استبصار بعض معالم خصائص تلك العناصر اللغوية التى تنفرد بها،ولا سيَّما اذا ما كانت تلك الكلمات المستبدلة بغيرها مما له وجود فى سياق سورة أخرى.

стр. 157

وقد رأيت " عبد القاهر " يهديك إلى شيْءٍ من هذا، وهو يلفت بصرك إلى تدبر قول الله : ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ....﴾ (هود: من الآية٤٤) وكان يوقفك لتنظر في مادة الكلمة وصيغتها وموقعها وعلائقها بأخواتها.... وغير خفى إنَّه إذا ما كانت الكلمات القرآنية هى كلمات العربيّة من قبل تنزل القرآن الكريم، فلم يبدع كلمات لم تعرفها العرب، فانَّ بلاغة القرآن الكريم ليست فى إنَّه جاء بما لا تعرف العرب من كلمات بل بلاغته فى أنه نسج بيانه من كلمات تقاذفتها ألسنة العرب من قبل، وبرغم من هذا كان البيان القرآنيّ بما اصطفاه من مفردات المعجم العربيّ ونسجه لها معجزاً حتّى إنك لو شئت أن تقيم كلمة غير قرآنية مقام كلمة قرآنية بينهما تآخ في المعنى والأداء لتبين لك فرق ما بينهما وفضل ما جاء في البيان القرآنِيّ على ما اجتهدت في اصطفائه من المعجم العربي على اتساعه. يقول " أبو محمد ابن عطية الأندلسي " (ت: ٥٤٦هـ) : ... " كتابُ اللهِ لو نزعت منه لفظةٌ، ثُمَّ أُديرَ لسان العربِ فِي أن يوجد أحسن منها لم يوجد " (١) وكان من قبله قد أعلمك " عبد القاهر " أنَّ العرب في عصر المبعث المحمّديّ قد فتشوا القرآن الكريم تفتيشًا مدققًا فما وجدوا فيه كلمةً غيرُها يعدلها فضلا عن أن يفضلها:

стр. 158

«أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه وخصائص صادفوها في سياق لفظه وبدائع راعتهم من مبادىء آيه ومقاطعها ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كلِّ مثلٍ ومساق كلِّ خبرٍ وصورة كلِّ عِظةٍ وتنبيه وإعلام وتذكيرٍ وترغيبٍ وترهيبٍ، ومع كلِّ حجة وبرهان وصفة وتبيان، وبهرهم أنَّهم تأمَّلوه سورة سورة، وعُشْرا عشرا،وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى وأخلق بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور،ونظاما،والتئاما، وإتقانا، وإحكاما لم يدع في نفس بليغ منهم ولو حك بيافوخه السماء موضع طمع حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول وخلدت القروم فلم تملك أن تصول» (١) ومن قبل ذلك بقرن من الزمان قال "أبو سليمان الخطابيّ" إن حسن اختيار الكلمات من عمود بلاغة الخطاب عامة، فكيف بذلك في بلاغة القرآن الكريم: «.. اعلم أنَّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إمَّا تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإمَّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة " (٢) تأمل قوله: " إذا أبدل منها....إلخ " تدرك أثر اختيار المفردات من حيث هي مادة أو صيغة في المعنى، فقد يفسد المعنى العقلي، وقد يفسد المعنى البياني الذي عبر عنه بذهاب الرونق.

стр. 159

ولعلَّ هذا مما استمدّ منه "عبد القاهر" تبينه الطريق إلى تحقيق مقومات تمام بلاغة الخطاب في قوله: ... «ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات [البلاغة والقصاحة..] وسائر ما يجري مجراها مما يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى غير وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيماله كانت دلالة ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين وآنق وأعجب وأحق بأن تستولي على هوى النفس وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب وأولى بأن تطلق لسان الحامد وتطيل رغم الحاسد ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته ويختار له اللفظ الذي هو أخص به وأكشف عنه وأتم له وأحرى بأن يكسبه نبلا ويظهر فيه مزية» (١) تأمل قوله:" ويختارله اللفظ ... " كيف أنّه أوجب في اللفظ المختار خمس صفات: أن يكون أخصّ بالمعنى. وأكشف عنه. وأتم له. وأحرى بأن يكسبه نبلا. ويظهر فيه مزية. فعبد القاهر كما ترى يهديك إلى أن المفردات التي منها يقوم بناء الخطاب البليغ المتسم بحسن الدلالة وتمامها وتبرجها في صورة بهية معجبة مفردات ليس لها بدائل تقوم مقامها، فليس ما يعرف بالترادف الذي تقوم فيه كلمة مقام أخرى في الخطاب البليغ ثُم لا يكون ثَمَّ أثر في بلاغته، وهذا ما يجعل المثابرة في التحليل البياني لمفردات الخطاب أساسًا يبنى عليه غيره. إصطفاء القرآن الكريم كلماته من مفردات معجم العربية إنَّما كان ناظراً فيه إلى كثير من مكونات الكلمة المصطفاه من صوت وصيغة ومدلول ودلالة اكتسبها من روافد عدة، فمنحتها قدرة على أن تتناسج مع مفردات أخرى فى سياقات عديدة على أنحاء متنوعة.

стр. 160

فتحليل السورة يستوجب النظروالاستبصار لمثل تلك الاصطفاءات والاستخدمات القرآنية لهذه الكلمات، ومن هنا عُنِيَ أهل العلم بالقرآن الكريم بمحاولة استكشاف تناسق وتناسب الكلمة القرآنية فى سياقها من وجوه عديدة: من حيث صورتها الصوتية، وصورتها التكوينية ومن حيث جذرها الاشتقاقى (١) ومنهم من عُنِيَ بالصورة الكتابية للكلمة القرآنية وكيف أن إخراج بعض كلماته فى صورتها الكتابية على خلاف مقتضى الظاهر المعهود فى النحو الكتابى للعربية إنَّما يكون عنصراً فى بناء المعنى وتصويره وتحييره.

стр. 161

ومثل هؤلاء ينطلقون من أنَّ للقرآن الكريم خصوصياتِه المقدسةَ التى لا يشاركه فيها بيانٌ آخر، فطرائق الأداء الصوتيّ للقرآن الكريم هي طرائق توقيفية متوارثة تعرف بالقراءات القرآنية وكذلك طرائق كتابته ورسمه فهو مثلما كان من أسمائه (القرآن) كان من أسمائه (الكتاب) فله خصوصية كتابية مثلما له خصوصية قرائية، فطرائق الأدء الكتابيّ لبعض كلماته لا تخضع لمعايير التصوير الكتابيّ لتلك الكلمات فى لغة البيان الإنسانيّ، وهم يرون فى تلك الصورة الاصطفائية لكتابة تلك الكلمات القرآنية معاني قرآنية طريفة لطيفة، وكان لهذه الصورة الكتابية عِلْمٌ أُلِّفَتْ فيه الأسفار مثلما كان للصورة الأدائية علمٌ ألِّفت فيه الأسفار (١)

стр. 162

فيحسن بالقائم بالتحليل البياني للسورة أن يعنى بكثير من وجوه كلمات القرآن الكريم، فإنّه سوف يبدوله من تلك الوجوه ضروبًا من التناسق المبهر هو جدير بأن يكون مناط عناية البلاغيين في درسهم وبحثهم. وقد بين لنا "سيد قطب" (ت ١٢٨٦) نماذج قرآنية رسمت كلمات منها صوراً مشخصة أمَّا بجرسها الذى تلقيه فى الأذن أو بظلها الذى يلقيه فى الخيال أو بالجرس والظل معاً. والمثابرة والمصابرة على تدبر ذلك وتذوق تحليل أهل العلم معين على اكتساب مزيد من الحنكة والخبرة. فالنظر فى الكلمات القرآنية من وجوهما المختلفة وعلاقة تلك الوجوه بالسياق الجزئى الذى تنسج فيه وبالسياق العام للسورة كلها ثم علاقتها بالسياق القرآنى كله لأمر جد عظيم فى حاجته إلى مجاهدة علمية وروحية وجد عظيم فى عطائه. ينظر صاحب التحليل البيانى إلى مادة الكلمة لقرآنية والعطاء الدلالى لتلك المادة فى سياقها من نحو أن ينظر كيف أن القرآنَّ الكريم ذكر كلمة (إبليس) فى سياق الامتناع عن السجود، ولم يذكر كلمة (شيطان) في هذا السياق، وكذلك لم يذكر كلمة (إبليس) فى سياق أغواء أدم وحواء بل ذكر كلمة (شيطان) على الرغم من أنهما اسمان لذات واحدة. وكيف أنه عبر بكلمة (قرية) فى قوله : ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (الكهف:٧٧)

стр. 163

وعبر بكلمة (مدينة) على البقعة نفسها فى قوله : ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) (الكهف:٨٢) ومن نحو اصطفاء القرآن الكريم كلمة: (يثرب) فى سياق حكاية مقالة المنفقين فى سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلاَّ فِرَاراً﴾ (الأحزاب:١٣) ولم يرد ذلك فى غيرها. وإن وردت مادة (الثرب) في قول الله ﷻ : ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف:٩٢) ومن نحو اصطفاء كلمة (إنسان) فى سياقات الذم ولم يصطفها فى مقام تكريم. وكيف أن الله لم يصطف البتة فى كتابه إيقاع فعل (الرؤية) على اسم الجلالة (الله) إلا فى سياق إنكاره وقوع ذلك والتوبيخ على طلبه وبيان ضلاله المبين: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (البقرة:٥٥)

стр. 164

﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ (النساء:١٥٣) وما جاء فى القرآن الكريم إنما هو إيقاع النظر لا الرؤية وعلى إسمه (الرب) وليس (الله) من نحو قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة: ٢٢ - ٢٣) وما جاء من قول الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (لأعراف:١٤٣) فغير خفي أن قول سيدنا "موسى " ﵇ (أرني) لايطلب مفعولا ثانيا يقدر، وإنما هو من جعل المتعدي إلى مفعولين متعديا إلى واحد، فمن قدر (أرني ذاتك) فقد وهم؛ لأنَّ ذات الله لا تُرى، والمعنى أرني:أي امنحني القدرة على رؤية الأشياء، فإن منحتني تلك القدرة أنظر إليك، وكاف الخطاب في (إليك) عائدة إلى اسمه (رب) ﷻ ، وليس إلى اسم الجلالة، فإنه لم يقل اللهم أرني أنظر إليك. إن علينا أن نعرف علائق الكلم بعضها ببعض، وقد قال "عبد القاهر": « ... إنّك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع،ثُمَّ تراها بعينها تثقُلُ علَيْكَ وتوحشك في موضع آخر» (١)

стр. 165

وإذا ما كان صاحب التحليل البيانيّ لمفردات القرآن الكريم ناظرًا في مادة الكلمة القرآنية وعلاقتها بسياقها والغرض المنصوب له البيان، فإنَّه أيضًا ناظر إلى صيغة الكلمة القرآنية والعطاء الدلاليّ لها فى سياقها من نحو اصطفاء (المضارع) : (يسبحن) واسم المفعول: (محشورة) من قول الله ﷻ : ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (صّ:١٨- ١٩) ومن نحو اصطفاء المضارع (يخرج) على الرغم من اصطفاء اسم فاعل (فالق) قبله و (مخرج) بعده فى قول الله ﷻ : ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (الأنعام:٩٥) إلى غير ذلك من صور الكلمة القرآنية من جمع وأفراد (١) وتعريف وتنكير فان ذلك باب فسيح لا يكاد يتناهى. واذا ما كان «النظر فى مفردات النص الأدبى من أوجب ما يجب على مفسره ودارسه؛ لأنّها مفتاح النّصّ، وزمام ما فيه من دقيق المعاني وخفي الإشارات، وكلَّما أحسن الدراسُ هذه الوقفات واستشف من المفردات كلّ ما تعطيه وتلوح به من معنى ووحي ورمز كان أقدر على الاندماج والمشاركة، وبهذا يصِل نفسَه بنفس منشئة، ويلحق فى آفاقه، ويتابع خطراته، ويملك تجربته كاملةً ... » (٢) فإنَّ الأمر أعظم فى تدبر سورة من القرآن الكريم

стр. 166

مجمل الأمر في هذا أنَّ القائم بالتحليل البيانى للسورة القرآنية فريضة أولى عليه أن يتدبر كلمات السورة كلمة كلمة يسبر أغوار كلّ وجه من وجوهها سبرًا يستكشف به بعض آماد التناغمٍ بين تلك الوجوه وسياقها الجزئى وسياق سورتها. وذلك يهيىء السبيل إلى أعداد معجم دلاليّ لكلمات القرآن الكريم تفتقر اليه الدراسات البيانية القرآنية وما بين أيدينا من نحو كتاب (المفردات) للراغب وكتاب (عمدة الحفاظ فى تفسير معانى كلمات القرآن الكريم) لأبى العباس السمين (ت:٧٥٦) ونحو ما هو معروف من كتب علم معرفة الوجوه النظائر انما هو توطئه لصناعة معجم دلاليّ سياقِي لكلمات القرآن الكريم يعنى بوجوه الدلالة فى كل كلمة، وسياق كلِّ وجه ومقامه وما يتلاقى معه فى الكلمات الأخرى وما بينه وبين ما قاربه من الكلمات خارج السياق القرآنى من مفارقات. (١) وهذا يجعلنا على عرفان بحال كلّ كلمة قرآنية وسنة القرآن الكريم في استخدامها لتحقيق مقاصده ليكون لنا من ذلك زادٌ في سفرنا إلى مرضاة ربنا ، فنعرف للكلمات حقوقها وحدودها، فلا نستخدم الكلمة في غير ما يجب أو يِجْمُل استخدامها فيه:

стр. 167

روى البخاري ﵁ في كتاب (الرقائق) من صحيحه بسنده عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِى جَهَنَّمَ» . (حديث رفم (٦٤٧٨) ألا ترى كيف أخذت الصاعقة بني إسرائل إذ قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ (النساء: من الآية١٥٣) فلم يحسنوا اختيار الكلمة في طلبهم، فنعت الله فعلهم بأنّه ظلم، فكانت تلك عقباهم. لذا كانت صناعة مثل هذا المعجم البيانيّ السياقيّ لكلمات القرآن الكريم فريضة لازمة لازبة ومن النصيحة لكتاب الله . هذا وإن بدا عسيرا، فإنّه غير عقيم إنه ييمنحك - أيضًا - زادًا كريمًا مجيدًا في رحلتك المديدة إلى فقه المعنى القرآني وفهمه من السورة، وإذا امتلأ قلبك بالفقه والفهم عن الله في هذا، فإنَّك في جنّات النعيم، وإن كنت حافِي القدمين طاوي البطن أشعث أغبر ذي طمرين لا يأبه أهل الدنيا لمثله، لكنَّك عند ربك ذي الجلال والإكرام لو أقسمت لأ برّ قسمك. صاحب القرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتأدُّبا في جنة عرضها السموات والأرض في حياته على الأرض، من قبل أن يكون فيها يوم القيامة، فيقال له:" اقرأ وارتق ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها " (سنن أبي داود: الوتر- استحباب الترتيل في القراءة) *** - ثانياً: التحليل البيانيّ للتراكيب.

стр. 168

لا ريب فى أن مفردات أى لغة لم توضع لتعرف معانيها فى أنفسها بل لأن ينسق بعضها مع بعض، فيتولد من ذلك النسق معنى يؤدى به الغرض ويصور به الحال، وأدْنَى صورذلك النسق المحقق ذلك المعنى المُؤَدَّى المُصَوَّر إنما يسمى (جملة) من أن الجَمْلَ هو الجَمْعُ (١) وهو فى صناعة الكلام جمع للكلم على نحو خاص، وليس مجرد ضم. وكل لغة لها نهجها ونحوها فى نسق كَلِمِها فى جمل وعبارات تصوّر ما هو مكنون فى الصدور من دقائق الفكر ورقائق الشعور.. وهذا التنسيق الجُملى بين الكَلِم يتأثر بصانعه تأثراً جد عظيم أكثر من تأثره بمواضعات التنسيق الكلية فى كلّ لغة، فسلطان النَّاسق الناظم أعظم من سلطان الأصول الكلية للتنسيق، لأنَّ تلك الأصول ما هى إلا متناثرة هادية يُسترشد بنورها ولا يخضع لسلطانها أو يتعبد باتباعها.

стр. 169

والجملة أصغر الإنساق الدالة على معنى مكنون ولذلك قلَّما يكون خطاب أو حوار أو بيان تقوم به جمل تواردت دون أن يبنى منها عبارة أوتنسق منها فقرة مما يجعل الجملة فى سياق التخاطب كمثل الكلمة فى بناء الجملة ... وإذا كان القرآن الكريم قد بنى سوره من آيات، فإنَّ بناء الآية لا يخضع ابتداء وانتهاء إلى معيار موضوعى من ظاهر المعنى أو التركيب أو النسق الصوتى بل من وراء ذلك أمرٌ قد تعجز عقولنا عن وعيه أو عباراتنا عن بيانه فانظر فى قول الله : ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء/٩٢-٩٨) . ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (الصافات:١٤١-١٥٢) ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأثِيمِ﴾ (الدخان:٤٣ -٤٤) ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى *عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ (العلق:٩-١٠) وغير ذلك جدُّ كثير فى القرآن الكريم، أنت لا تراه قائماً على معيار من تمام معنى أو اتساق تركيب وعلى هذا لا يحسن إتخاذ الآية إطاراً لتحليل التراكيب، بل الأقرب إتخاذ الجملة، ثم العبارة ذات الجمل المنسوقة على نهج يحقق للمعنى تمامه. والتحليل البيانى لتراكيب العبارة القرآنية القائمة بتمام المعنى يعمد أول ما يعمد إلى تحليل ما يحقق لبلاغةِ العبارة عمودها، ثُمَّ يَعْمَدُ من بعده الى يحقِّقُ لَهَا تَمامَها: عمود بلاغة الكلام إنَّما هو فى نظم العبارة من الكلم على وفق مناهج نحو العربية. يقول الامام "عبد القاهر" كاشفاً عن عمود البلاغة وما يكون منه:

стр. 170

«إعلم أن ليس النظم الا أن تضع كلامك الوضع الذى يقتضيه (علم النحو) وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التى رسمت لك، فلا تخل بشى منها، وذلك أنَّا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظرَ فى وجوه كلِّ بابٍ وفروقه. فينظر فى (الخبر) إلى الوجوه التى تراها فى قولك " زيد منطلق" و" زيد ينطلق " " وينطلق زيد " و" منطلق زيد " و" زيد المنطلق " و" المنطلق زيد " و" زيد المنطلق "و" زيد هو منطلق " وفى (الشرط والجزاء) إلى الوجوه التى تراها فِي قولك: " إن تخرج أخرج " و" إن خرجت خرجت "و" إن تخرخ فإنا خارج "و" أنا خارج إن خرجت "و" أنا إن خرجت خارج " وفى (الحال) إلى الوجوه التى تراها فى قولك:" جاءنى زيد مسرعاً " و" جاءنى يسرع "و" جاءنى وهو مسرع " أو " وهو يسرع "و" جاءنى قد أسرع "و" جاءنى وقد أسرع ". فيعرف لكل من ذلك موضعه ويجىء به حيث ينبغى له. وينظر فى (الحروف) التى تشترك فى معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية فى ذلك المعنى، فيضع كلا من ذلك فى خاص معناه، نحو أن يجىء"بـ (ما) فى نفى الحال، بـ (لا) اذا أراد نفى الاستقبال وبـ (أن) فيما يترجح بين أن يكون وأن لا يكون وبـ (إذا) فيما علم أنه كائن. (١)

стр. 171

وينظر فى (الجمل) التى تُسرد، فيعرف موضع (الفصل) فيها من موضع (الوصل) ، ثم يعرف فيما حقه (الوصل) موضع (الواو) من موضع (الفاء) وموضع (الفاء) من موضع (ثم) وموضع (أو) من موضع (أم) وموضع (لكن) من موضع (بل) . ويتصرف فى التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير فى الكلام كلّه، وفى الحذف والتكرار، والإضماروالإظهار، فيصب بكلّ من ذلك مكانه ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغى له. (١) فعبد القاهر يرشدك إلى أصول يُبنى عليها تركيب الجملة من الكلم، والعبارة من الجمل، وأنت تلحظ أنَّ هذه الوجوه لا تقف عند نمط من الأنماط، كنمط الموقع مثلا، بل تتناول الموقع كما في التقديم والتأخير،وتتناول هيئة الكلمة من خارجها من نحو التعريف والتنكير، وتتناول العلائق بين المكونات، وغير ذلك مما لايخفى عليك في كلامه. وهذه الفروق والوجوه في بناء التركيب جملة وعبارة كثيرة ليس لها غاية تقف عندها ونهاية لا تجد لها إزدياداً بعدها، وتكاثرها هذا يجعل المرء ليس همه استيعاب الأنماط بمقدار الفقه لمنهج التركيب،وأصول العلائق بين الكلم في بناء الجملة، وبين الجمل في بناء العبارة. فقه المنهج أجدى على المرء من حفظ مفردات المنهج؛لأنّ الإحاطة بأنماط التراكيب،وإن كان عسيرًا بل متعذرًا، فإنَّ عطاءه من دون ما يبذل فيه،وذلك أنَّ المزية ليست بواجبة لهذه الفروق والوجوه والأنماط " فى أنفسها ومن حيث هى على الاطلاق ولكن تعرض بسبب المعانى والأغراض التى يوضع لها الكلام أو بحسب موقع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض" فهذه ثلاث مثابات يؤول إليها أصل المزية في تلك الوجوه والفروق والأنماط التركيبية: المعنى والغرض الموضوع له الكلام. موقع الوجوه والفروق بعضها من بعض استعمال بعضها مع بعض

стр. 172

وهذا يوجب على القائم بالتحليل البياني للتراكيب أن يرجع مزايا البيان وبلاغته إلى هذه الأمور، وليس من شك في أنَّ هذه الثلاث متغيرة متنوعة بتغير السياق وتنوعه،ومن ثمّ لا تجد قوانين تطبق بحذافيرها فِي كلّ موطن وسياقٍ. وهذه المثابات الثلاث توجب علينا في تحليلنا البياني للتراكيب أن تكون من خطواتنا الرئيسية في التحليل: تحقيق التناسب بين الوجه الذي اصطفيناه والمعنى والغرض المنصوب له الخطاب. وهذه خطوة مهمة جدًا وكثيرًا ما نغفل عنها، أولانوفيها كثيرًا من حقها. إذا ما نظرت فيما يعرض من احتمالات التأويل رأيت غير قليل منها لا يتناسب مع المعنى والعرض المقام له الكلام، وأقرب شيء ترى فيه ذلك تأويلهم بعض آيات الغيب واليوم الآخر، وآيات أفعال الله وصفاته على أنّها مجاز أو تخييل، وهذا التحليل لا يتناسب مع المعنى والغرض المنصوب له الكلام. العناية بعلاقات الأساليب واستعمال أنماط التركيب بعضا ببعض. وهذا يستوجب أن نبحث عن النمط الرئيسي في تصوير المعنى، والأساليب المعينة له على ذلك، ففي كل صورة معنى،ولا سيّما المعاني الكليّة الممتدة القائمة من عدة أساليب وهي ليست منازلها سواء في تحقيق المعنى، منها ما هو رئيس،ومنها ما ليس كذلك،وقد تتعدد الأساليب الرئيسة فتكون أكثر من أسلوب. علينا أن نستبصر النمط التركيبي الرئيس في كل صورة من صور المعاني التي نحن بصدد تحليل تراكيبها تحليلا بيانيا. لتنظر مثلا في سورة (والليل) وسورة (والضحى) أيمكن أن تقول إن الأسلوب الرئيس الذي تبنى عليه الأساليب الأخري،وعليه مدار تصوير المعنى في كل أسلوب واحدٌ؟ سورة (والليل) تجد اسلوب القسم والمقابلة هو النمط التركيبي الرئيس المهيمن، تسانده أساليب أخرى. وفي سورة (والضحى) تجد أسلوب القسم والتقسيم هو الأسلوب المهيمن،وليس المقابلة. العناية بتدبر مواقع الأساليب والأنماط التركيبية بعضها مع بعض

стр. 173

الأسلوب المهيمن مثلا ليس بلازم أن يكون في صدر صورة المعنى، فيكون النمط التركيبي الرئيس مما بني عليه الأنماط الأخرى. ترى هذا مثلا في (آية الكرسي) ولكنك ترى في قوله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) (البقرة) الأسلوب الرئيس في قوله : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وسائر الأساليب مساندة لتقرير هذه الحقيقة التي أخبربها هذا النمط التركيبي المؤسس من خبر مجرد من التأكيد في صورة مقابلة قائمة في بصر القارئ وبصيرته، يلقى بها في وجه كلّ من يسعى إلى المجادلة بالتي هي أسوأ في شأن الربا. وهو خبر على ما فيه من تجرد من عوامل التوكيد مكنوز فيه كل ما يقيم المسلم أمام حقيقة لا يملك عند سماعها إلا أن يقول بلسان يصور فيض التسليم الذي في قلبه: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: من الآية٢٨٥) تحقيقا لما أخبر الله به عن شأن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:٥١)

стр. 174

وإذا ما كانت كل صورة من صور المعاني من عدة أساليب، فإنّه ليس ثَمَّ أسلوبٌ ونمط تركيبيّ هو المقدم على غيره، والذي تبنى عليه الأساليب والأنماط الأخرى بل يتخذ موقعه وفق ما يفتضيه حال صورة المعنى في حسن دلالته وتمامها عليه.وهذا مما لانكاد نعنى به كثيرًا في تحليلنا البياني لتراكيب صور المعاني. ولهذا عُنِيَ " عبد القاهر " بالتنبيه إلى تلك المثابات كيما يقوم في قلوبنا وحركة تأملنا وتدبُّرنا، وينبهنا إلى عظيم لطفها، كأنَّها التي تكتم عنك أنفاسها كما تكتم الحسناء حركتها وحسّها عن كلّ غريب: «واعلم أن من شأن الوجوه والفروق أن لا يزال تحدث بسببها وعلى حسب الأعراض والمعانى التى تقع، دقائق وخفايا لا إلى حد ونهاية، وأنها خفايا تكتم أنفسها جهدها حتى لا ينتبه لأكثرها، ولا يعلم أنَّها هى، وحتى لا تزال ترى العَالِم يعرضُ له السهو فيه وحتى إنِّه ليقصدُ إلى الصَّواب، فيقع فى أثناء كلامه ما يوهم الخطأ كل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض.» (١)

стр. 175

وهذا يقيمك في سياق المجاهدة والمصابرة والعمل على اقتناص اللطائف، والتطهرمن معابة التساهل والتسارع والاستغناء بظاهرالنظر. ... وتشتد الحاجة إلى المصابرة والمجاهدة في التدبر وتحليل التراكيب تحليلا بيانيا حين يكون الأمر على وجهين من التأويل أو أكثر أحدهما أنسب وآنس بالسياق والمقام والغرض المنصوب له الكلام، وإذا ما كان بيّنًا فى الشىء أنَّه لا يحتمل إلا الوجه الذى هو عليه حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج فى العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب إلى فكرة وروية فى مزية، وكانت المزية تتحقق ويجب الفضل إذا إحتمل فى ظاهر الحال غير الوجه الذى جاء عليه وجها آخر ثم رأيت النفس تنبوعن ذلك الوجه الأخر ورأيت للذى جاء عليه حسناً وقبولاً تعد مهماً إذا أنت تركته إلى الثانى. (١) فإنَّ المجاهدة في التحليل والتأويل حينئذٍ فريضة لا مناص من القيام لها وبها. بهذا يبين لنا "عبد القاهر" السببل إلى التحليل البيانيّ لعمود بلاغة الكلام الذي بغيره لا يكون كلام يؤدي معنى ويصور حالاً. ومن وراء عمود بلاغة الخطاب (النظم) ما به يتحقق لبلاغة الكلام تمامها، وهو ثلاثة: حسن الدلالة على المعنى. تمام الدلالة على المعنى تبرج الدلالة على المعنى في صورة بهية معجبة.وفد سبق أن ذكرت لك مقاله (٢) ولذلك نراه فى التحليل البيانى لقول الله - عَزَّ اسْمُهُ -: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود:٤٤) يذهب إلى أن ما تجده من المزية الطاهرة والفضيلة القاهرة والاعجاز الباهر إنما هو لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض ويذهب إلى أنه لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لا قت الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة.

стр. 176

وغير خفيٍّ أنَّ حسن الدلالة وتمامها وتبرج صورتها ليس مقصوراً على النَّظم بل النَّظم عمود ذلك وبدونه لا يكون حسن دلالة ولا تمامها ولا تبرج صورتها. ولذلك يقرر أنَّ ذهابه إلى أنَّ عمود البلاغة المعجزة هو النظم لا يخرج ما فى القرآن الكريم من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، بل ذلك يقتضى دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو معجز، وذلك لأنَّ هذه المعاني التي هى الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم، وعنه يحدث، وبه يكون ... " (١) فالإمام حين يكون بصدد التحليل البيانى لعمود البلاغة يقصر قوله على النظم القائم على ما بين الكلم من علائق تركيبه إسنادية راجعة إلى معانى النحو. وحين يكون بصدد التحليل البيانيّ لتمام البلاغة لا يقصره على شىء دون غيره، ولذلك نراه يدخل السلامة من الثقل والتنافر وما شاكل ذلك فيما تقع به الفضيلة (٢) بل إنه ليذهب إلى ما هو بعيد حين يرى أن السجع والجناس حين يقتضيها المعنى مقوماً من مقومات تمام بلاغة الكلام حتى إنَّ المتكلم لو رام تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس فيه ولا سجع لدخل من عقوق المعنى وإدخال الوحشة عليه فى شبيه مما يتسبب اليه المتكلف للتجنيس المستكرة والسجع النافر (٣) ومثل هذا جعل "أبا فهر" يذهب إلى إنِّ «الذى فعله عبد القاهر فى كتابه (دلائل الاعجاز) هو أول تحليل للغة من حيث هى تركيب. ومزية كل تركيب فى إشتماله على وجوه (البيان) القائمة فى نفس المبين عنها. وبهذا الكتاب وصنْوِه: (كتاب أسرار البلاغة) أسس" عبد القاهر" (علم تحليل البيان الانسانى كله) لا فى اللسان العربى وحده بل فى جميع ألسنة البشر.

стр. 177

وضع عبد القاهر هذا الأساس فلم يسبقه إليه سابق ولا لحقه من بعده لاحق فى لسان العرب ولا فى غير لسان العرب.» (١) فاستطاع بهذا التحليل أن يكشف لنا «عن سر تأثير الكلام المركب من الألفاظ فى نفس الإنسان المتذوق لهذا الكلام، فيهتز لبعضه اهتزاز الأريحية، ويجد له من العذوبة والبشاشة ما يحمله على حفظه وترديده وتأمل جماله وروعته» (٢) وجملة الأمر فى هذا أن التحليل البيانى للتراكيب وإنماطها فى إطار سياق كل معقد من معاقد السورة ثم إطار سياق السورة كلها لا يدع نمطاً تركيبياً إلا ونظر فى جميع وجوهه ووصفها وفسرها وبين أوجه المعنى وعلته ومقتضاه من السياق والمقام بدأ من تركيب الجملة فتركيب المعقد فالسورة، فاذا ما تم ذلك كانت الحاجة بالغة إلى حسن التأليف والتصنيف وإستكشاف ما غلب من أنماط تركيبية فى العقد ثم فى السورة وما ندر وما كان فريداً. واستكشاف ما كان النمط التركيبى الرئيس فى كل سياق ومقام وما يتمازج معه من أنماط تركيبية آخرى. واستكشاف ذلك في كلِّ معقدٍ، ثم فى السورة كلِّها معين على فقه المعنى القرآني أولاً ثم معين ثانياً على فقه طبائع التركيب فى البيان القرآنيّ عامة وهذا يهدى أيضاً إلى فقه ما بينهما فى السياق القرآنى والسياقات الأخرى من مفارقات منها تدرك الأذواق أنَّ هذا تركيب قرآنيّ أو غير قرآني وإنْ عجزت عن الإبانة والتفسير فضلا عن التَّأويل والتّعليل. (٣) ***

стр. 178

- ثالثاً: التحليل البياني للصورة البيانية. الصورة البيانية فى القرآن الكريم جزء من التصوير القرآنيّ لمعانيه، فانَّ التصوير الذى هو تشكيل المعنى إنَّما هو متعدد العناصر، بل إنَّ كلَّ عنصر من عناصر البيان هو فى حقيقته عنصر فى بناء صورة المعنى. الصورة القرآنية في مفهومها العام هى: الهيئة التى تكون عليها الكلمات والعبارات بما فيها من سمات صوتيةٍ وتكوينية ودلالية فى سياق من سياقات القول المبين عمَّا يحقق به المرء عباديته الخالصة. فهى كل ما يحقق للمعنى هيئة فى نفس الملتقى تختلف عن هيئة غيره، فكل ما شارك فى تكوين هذه الهيئة هوعنصرمن عناصرالصورة (١) وبذلك لا تنحصر الصورة فيما عرف عند البلاغيين المتأخرين بالتشبيه والمجاز والكناية. بل يشمل " تصاريف الكلمات في النظم والضمّ، فكلّ تعلق أو احتكاك بين لفظتين يلد لا محالة صورة خاصة لمعنى خاص لاينطبق على غيره ... " (٢) وهذا كما ترى مؤسس على قول "عبد القاهر":

стр. 179

«وأعلم أن قولنا "الصورة" إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذى نراه بأبصارنا، فلمَّا رأينا البيْنونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة، فكان تبيُّن إنسان من إنسان، وفرس من فرس بخصوصية تكون فى صورة هذا لا تكون فى صورة ذاك، وكذلك كان الأمر فى المصنوعات، فكان تبيُّن خاتم من خاتم وسِوارٍ من سِوار بذلك، ثُمَّ وجدنا بين المعنى فى أحد البيتين وبينه فى الآخر بينونةً فى عقولنا وفَرْقًا عبَّرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: للمعنى فى هذا صورة غير صورته فى تلك. وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئاً نحن إبتدأناه، فينكره منكِرٌ بل هو مستعمل مشهور فى كلام العلماء، ويكفيك قول " الجاحظ ": «وإنَّما الشعر صياغة وضرب من التصوير.» (١) فالتشبيه والمجاز والكناية إنَّما هى من أنماط التصوير وليست هى التصوير كلّه فى عرف علمائنا الأقدمين وأن تكن أصولاً كبيرة فى التصوير «كأنَّ جُلَّ محاسن الكلام أن لم نقل: كلها- متفرعة عنها وراجعة اليها وكأنها أقطاب تدور عليها المعانى فى متصرفاتها وأقطار تحيط بها من جهاتها.» (٢) والمتأخرون من علماء البلاغة حين خصوا هذه الأنماط التصويرية الثلاثة: (التشبيه والمجاز والكناية) باسم علم البيان لم يكن ذلك منهم إختصاصاً لهذه الثلاثة بأنها عِلْمُ تصوير المعنى بل بيان أنماط دلالة الكلام على معناه وضوحا وخفاءً؛ لأنَّ علم البيان عندهم ليس علم تصوير المعانى بل البلاغة كلّها علمُ تصوير المعانى، والبيان منها علم وجوه دلالة الصورة على المعنى وضوحا وخفاءً. وآية ذلك تعريفهم علم البيان بأنَّه: علمُ يعرفُ به منهجُ إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى تصويره من حيث وضوح الدلالة عليه وخفاؤها

стр. 180

وكلٌّ من الإيضاح والإخفاء بيانٌ، فتعريفهم علم البيان محط الفائدة فيه ومناط الخصيصة الفارقة قولُهم (فى وضوح الدلالة عليه) وليس قولهم «يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة» على سبيل الاطلاق بل هو إختلاف فى مناهج الإبانة عن المعنى وضوحاً وخفاء، وإلا فإنَّ علم البلاغة كلَّه هو علم إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة أى علم تصوير المعنى بصور مختلفة سواء كان هذا الإختلاف بتقديم عنصر أو تأخيره أو فصله أو وصله أو تعريفه أو تنكيره أو ذكره أوحذفه ... الخ، فاذا تغيرت صورة العبارة عن المعنى تغيراً لا يتعلق بوضوح الدلالة عليه، فإنَّ هذه الصورةَ لا تكونُ من علم البيان أى لا تكون صورة بيانية بل تكون صورة تعبيرية إن صحت العبارة. وليس تسمية العلم بالبيان من أنَّه مقصورٌ على درجات الوضوح ومصروفٌ عن درجات الخفاءِ، فالإبانةُ ليست ظهورًا ووضوحًا يقابلُ الخفاءَ، بل البيانُ هو التَّفصيلُ الذى يتأتَّى منه أن تكونَ السُّبُل إلى المعاني واضحة، وإن كانت هذه المعانى دفينة، وليست العبرةُ بوضوح المدلولِ بل العبرة بوضوح الدلالة. وإذا ما كنت قد تحدثت عن تحليل التراكيب أو الصورة التعبيرية في معناها العام عند علمائنا الأقدمين، فإنِّي هنا مشيرٌ إلى الصورة البيانيّة في معناها الخاص عندهم دون أن يغيبَ عنَّا أن الصورة البيانيّة عنصر من عناصر الصورة العامة. والأعلى أن نشيرَ إلى أمرين مهمين: الأول: الأساس الذي يكون عليه النظر. والأخر: معالم الطريق إلى التحليل أساس النظر:
следующие страницы →