وغير خفيٍّ أنَّ حسن الدلالة وتمامها وتبرج صورتها ليس مقصوراً على النَّظم بل النَّظم عمود ذلك وبدونه لا يكون حسن دلالة ولا تمامها ولا تبرج صورتها.
ولذلك يقرر أنَّ ذهابه إلى أنَّ عمود البلاغة المعجزة هو النظم لا يخرج ما فى القرآن الكريم من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، بل ذلك يقتضى دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو معجز، وذلك لأنَّ هذه المعاني التي هى الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم، وعنه يحدث، وبه يكون ... " (١)
فالإمام حين يكون بصدد التحليل البيانى لعمود البلاغة يقصر قوله على النظم القائم على ما بين الكلم من علائق تركيبه إسنادية راجعة إلى معانى النحو. وحين يكون بصدد التحليل البيانيّ لتمام البلاغة لا يقصره على شىء دون غيره، ولذلك نراه يدخل السلامة من الثقل والتنافر وما شاكل ذلك فيما تقع به الفضيلة (٢) بل إنه ليذهب إلى ما هو بعيد حين يرى أن السجع والجناس حين يقتضيها المعنى مقوماً من مقومات تمام بلاغة الكلام حتى إنَّ المتكلم لو رام تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس فيه ولا سجع لدخل من عقوق المعنى وإدخال الوحشة عليه فى شبيه مما يتسبب اليه المتكلف للتجنيس المستكرة والسجع النافر (٣)
ومثل هذا جعل "أبا فهر" يذهب إلى إنِّ «الذى فعله عبد القاهر فى كتابه (دلائل الاعجاز) هو أول تحليل للغة من حيث هى تركيب.
ومزية كل تركيب فى إشتماله على وجوه (البيان) القائمة فى نفس المبين عنها. وبهذا الكتاب وصنْوِه: (كتاب أسرار البلاغة) أسس" عبد القاهر" (علم تحليل البيان الانسانى كله) لا فى اللسان العربى وحده بل فى جميع ألسنة البشر.
стр. 177
وضع عبد القاهر هذا الأساس فلم يسبقه إليه سابق ولا لحقه من بعده لاحق فى لسان العرب ولا فى غير لسان العرب.» (١)
فاستطاع بهذا التحليل أن يكشف لنا «عن سر تأثير الكلام المركب من الألفاظ فى نفس الإنسان المتذوق لهذا الكلام، فيهتز لبعضه اهتزاز الأريحية، ويجد له من العذوبة والبشاشة ما يحمله على حفظه وترديده وتأمل جماله وروعته» (٢)
وجملة الأمر فى هذا أن التحليل البيانى للتراكيب وإنماطها فى إطار سياق كل معقد من معاقد السورة ثم إطار سياق السورة كلها لا يدع نمطاً تركيبياً إلا ونظر فى جميع وجوهه ووصفها وفسرها وبين أوجه المعنى وعلته ومقتضاه من السياق والمقام بدأ من تركيب الجملة فتركيب المعقد فالسورة، فاذا ما تم ذلك كانت الحاجة بالغة إلى حسن التأليف والتصنيف
وإستكشاف ما غلب من أنماط تركيبية فى العقد ثم فى السورة وما ندر وما كان فريداً.
واستكشاف ما كان النمط التركيبى الرئيس فى كل سياق ومقام وما يتمازج معه من أنماط تركيبية آخرى.
واستكشاف ذلك في كلِّ معقدٍ، ثم فى السورة كلِّها معين على فقه المعنى القرآني أولاً ثم معين ثانياً على فقه طبائع التركيب فى البيان القرآنيّ عامة
وهذا يهدى أيضاً إلى فقه ما بينهما فى السياق القرآنى والسياقات الأخرى من مفارقات منها تدرك الأذواق أنَّ هذا تركيب قرآنيّ أو غير قرآني وإنْ عجزت عن الإبانة والتفسير فضلا عن التَّأويل والتّعليل. (٣)
***
стр. 178
- ثالثاً: التحليل البياني للصورة البيانية.
الصورة البيانية فى القرآن الكريم جزء من التصوير القرآنيّ لمعانيه، فانَّ التصوير الذى هو تشكيل المعنى إنَّما هو متعدد العناصر، بل إنَّ كلَّ عنصر من عناصر البيان هو فى حقيقته عنصر فى بناء صورة المعنى.
الصورة القرآنية في مفهومها العام هى: الهيئة التى تكون عليها الكلمات والعبارات بما فيها من سمات صوتيةٍ وتكوينية ودلالية فى سياق من سياقات القول المبين عمَّا يحقق به المرء عباديته الخالصة.
فهى كل ما يحقق للمعنى هيئة فى نفس الملتقى تختلف عن هيئة غيره، فكل ما شارك فى تكوين هذه الهيئة هوعنصرمن عناصرالصورة (١)
وبذلك لا تنحصر الصورة فيما عرف عند البلاغيين المتأخرين بالتشبيه والمجاز والكناية. بل يشمل " تصاريف الكلمات في النظم والضمّ، فكلّ تعلق أو احتكاك بين لفظتين يلد لا محالة صورة خاصة لمعنى خاص لاينطبق على غيره ... " (٢)
وهذا كما ترى مؤسس على قول "عبد القاهر":
стр. 179
«وأعلم أن قولنا "الصورة" إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذى نراه بأبصارنا، فلمَّا رأينا البيْنونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة، فكان تبيُّن إنسان من إنسان، وفرس من فرس بخصوصية تكون فى صورة هذا لا تكون فى صورة ذاك، وكذلك كان الأمر فى المصنوعات، فكان تبيُّن خاتم من خاتم وسِوارٍ من سِوار بذلك، ثُمَّ وجدنا بين المعنى فى أحد البيتين وبينه فى الآخر بينونةً فى عقولنا وفَرْقًا عبَّرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: للمعنى فى هذا صورة غير صورته فى تلك.
وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئاً نحن إبتدأناه، فينكره منكِرٌ بل هو مستعمل مشهور فى كلام العلماء، ويكفيك قول " الجاحظ ": «وإنَّما الشعر صياغة وضرب من التصوير.» (١)
فالتشبيه والمجاز والكناية إنَّما هى من أنماط التصوير وليست هى التصوير كلّه فى عرف علمائنا الأقدمين وأن تكن أصولاً كبيرة فى التصوير «كأنَّ جُلَّ محاسن الكلام أن لم نقل: كلها- متفرعة عنها وراجعة اليها وكأنها أقطاب تدور عليها المعانى فى متصرفاتها وأقطار تحيط بها من جهاتها.» (٢)
والمتأخرون من علماء البلاغة حين خصوا هذه الأنماط التصويرية الثلاثة: (التشبيه والمجاز والكناية) باسم علم البيان لم يكن ذلك منهم إختصاصاً لهذه الثلاثة بأنها عِلْمُ تصوير المعنى بل بيان أنماط دلالة الكلام على معناه وضوحا وخفاءً؛ لأنَّ علم البيان عندهم ليس علم تصوير المعانى بل البلاغة كلّها علمُ تصوير المعانى، والبيان منها علم وجوه دلالة الصورة على المعنى وضوحا وخفاءً.
وآية ذلك تعريفهم علم البيان بأنَّه: علمُ يعرفُ به منهجُ إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى تصويره من حيث وضوح الدلالة عليه وخفاؤها
стр. 180
وكلٌّ من الإيضاح والإخفاء بيانٌ، فتعريفهم علم البيان محط الفائدة فيه ومناط الخصيصة الفارقة قولُهم (فى وضوح الدلالة عليه) وليس قولهم «يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة» على سبيل الاطلاق بل هو إختلاف فى مناهج الإبانة عن المعنى وضوحاً وخفاء، وإلا فإنَّ علم البلاغة كلَّه هو علم إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة أى علم تصوير المعنى بصور مختلفة سواء كان هذا الإختلاف بتقديم عنصر أو تأخيره أو فصله أو وصله أو تعريفه أو تنكيره أو ذكره أوحذفه ... الخ، فاذا تغيرت صورة العبارة عن المعنى تغيراً لا يتعلق بوضوح الدلالة عليه، فإنَّ هذه الصورةَ لا تكونُ من علم البيان أى لا تكون صورة بيانية بل تكون صورة تعبيرية إن صحت العبارة.
وليس تسمية العلم بالبيان من أنَّه مقصورٌ على درجات الوضوح ومصروفٌ عن درجات الخفاءِ، فالإبانةُ ليست ظهورًا ووضوحًا يقابلُ الخفاءَ، بل البيانُ هو التَّفصيلُ الذى يتأتَّى منه أن تكونَ السُّبُل إلى المعاني واضحة، وإن كانت هذه المعانى دفينة، وليست العبرةُ بوضوح المدلولِ بل العبرة بوضوح الدلالة.
وإذا ما كنت قد تحدثت عن تحليل التراكيب أو الصورة التعبيرية في معناها العام عند علمائنا الأقدمين، فإنِّي هنا مشيرٌ إلى الصورة البيانيّة في معناها الخاص عندهم دون أن يغيبَ عنَّا أن الصورة البيانيّة عنصر من عناصر الصورة العامة.
والأعلى أن نشيرَ إلى أمرين مهمين:
الأول: الأساس الذي يكون عليه النظر.
والأخر: معالم الطريق إلى التحليل
أساس النظر:
стр. 181
من الأسس المهمَّة هنا ضرورة المحاذَرَة من الإسراع إلى حُسبان أنَّ كلَّ ما لا تدركه أبصارنا أو عقولنا أو ليس له وجود فى واقعنا مِمَّا تحدَّث عنه القرآنُ الكريم إنَّما هو من قبيل المجاز أو التمثيل؛ لأنَّ ذلك الحسبانَ إنَّما يكون مقبولاً حين يكونُ صاحب هذا التصوير كمثلنا ومن بنى جنسنا، فنحسَِب كلَّ ما لا تقع عليه العين أوكلّ ما لا يَعِيه العقل، أو لا يكون له وجود فى واقعنا من عالم التصوير القائم على التمثيل والتقريب
أمَّا إذا كان صاحب هذا التصوير هو الحق الذى يرى الأشياء على حقائقها، فيصفها لنا بما لا يتجاوز حقيقتها فهو الذى خلقها ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:١٤) فالأمرُ ليس من المجازِ في شيءٍ من ذلك.
فاذا وصف الحق ﷻ ما غاب عنا أو غابت عنا حقيقته فإنَّ وصفه لنا لا يتجاوز حقيقة الموصوف التى علمها بل التى خلقها وأوجدها:
يقول الحق : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (الحج:٥)
стр. 182
ويقول ﷻ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت:٣٩)
يذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك من قبيل المجاز المُقَرِّبِ للحقيقة فى همود الأرض وخشوعها وإهتزازها وربوها وأحيائها.
يقول "الزمخشرىّ" فى آية فصلت: «الخشوع:التذلُّل والتقاصر، فأستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لانبات فيها، كما وصفها بالهمود فى قوله : ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو وهو الارتفاع إذا أخصيت وتزخرفت بالنبات كأنها بمنزلة المختال فى زيه وهى قبل ذلك كالذليل الكاسف البال فى الأطمار الرثّة» (١)
هذا إن قُبِلَ منه في زمانه، فلا يقبلُ منَّا فِي زَمَانِنَا الذي انتهى فيه العلم الموضوعيّ إلى أنَّه يكون من الأرض فى جدبها حالة وفى خصبها وإنباتها آخرى غيرها هى إهتزاز وربّو وحياة.
стр. 183
هذا علاوة على أن الذى أخبرنا بأنَّ الأرض خاشعة وهامدة فى جدبها ومهتزة رابية فى خصبها إنّما هو الذى خلق هذه الأرض وعلم حالها، فاذا وصفها لم يكن وصفه لها إلا كشفاً لحقيقتها، فالذى علم حالها ﷻ قبل نزول الماء عليها وعلم معنى الخشوع والهمود على حقيقته هو الذى وصف حالها هذا بالخشوع والهمود والذى علم حالها بعد نزول المطر وعلم حقيقة الاهتزاز والربو والحياة هو الذى وصفها بذلك بعد، ولو أنه علم بأنّ ذلك هو الحق المطلق لما وصفها بشىء من ذلك في حاليها. (١)
ولا يقال إنَّ الله خاطبنا بما نعرف، ولم يخاطبنا بما يعلم مما لانعرف، فهو مجاز بناء على ما نعرف لا بناء على ما هو معلوم عند الله ﷻ .
стр. 184
إنَّ هذا يفتح بابًا من ورائه ما لايطاق، فقد يَمُدُّ بعض الناظرين القول فيما يتعلق بصفات الله وأفعاله، فيعدّ هذا من المجاز، وأن الله لم يخاطبنا على ما عليه حقائق صفته وفعله، بل بما نعرف، فإذا قوله ﷻ : ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... ﴾ (آل عمران:١٨١) البيان بالسمع مجاز عن فعل من أفعاله وليس حقيقة.
ومثل هذا: ﴿ ... وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: من الآية٧٧)
وقوله ﴿ ... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: من الآية١١)
وغير ذلك من أفعاله وصفاته، والقول بأنّ هذا من المجاز الذي هو ضدّ الحقيقة مما أراه باطلا، وإن قال به بعض ممن يؤخذ عنه العلم (١)
стр. 185
وإذا ما كانَّا لا نعلم حقيقة خشوع الأرض وهمودها وإهتزازها وربوها وأحيائها فليس معنى ذلك أن نسقط علمنا بحقائق هذه الأوصاف فى غير الأرض على حقيقتها فيها، ذلك أنَّ منطق فقه العربية يقضِي أن تفهم حقائق الأفعال وفق حقائق فاعليها، فنحن لا نفهم فعلاً من الله كمثل فهمنا ذلك من أحدنا، ولا نفهم فعلاً أسنده الله العليم إلى الأرض أو السماء كمثل فهمنا ذلك الفعل حين يُسند إلى أحدنا، فإنَّ الأرض والسماء وما شاكلهما هي عند الله ﷻ ليس كما هي عندنا، فليس ثّمَّ مقتضٍ إسقاط حقائق أفعال الإنسان على حقائق أفعال غيره فى بيان الله .
ومما قيل فيه بالمجاز وليس فيه قول الله :
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا ولِلأََرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت:١١)
فهذا ليس من التصوير المجازى فى شىء إذا هو وصف للحقيقة المطلقة سواء فى (اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ) أو (قالَ لَها ولِلأَرْضِ) و (قَالَتَا أتَيْنَا طَائِعِينَ) فهو قول على الحقيقة من الله للسماء والأرض، وقول منهما أيضاً على الحقيقة.
وكذلك قول الله ﷻ : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب:٧٢)
لا أرى أنه على سبيل التمثيل المفروض المتخيل والتصوير المجازى، بل هوحقيقة كانت من الله الخالق القادر .
стр. 186
وإذا كانت عقولنا لا تسع ذلك من أن يكون حقيقة مشهورة فى عالمنا الأرضيّ، فعقولنا ليس فى مقدروها أن تسع الكون كله من قبل ومن بعد حسية ومعنوية ملكه وملكوته، ولا يصلح الادراك العقليّ فى الإنسان معيارَ الحقيقة والمجاز فى بيان الله ﷻ دون ملاحظة كماله.
ومجمل الأمر فى هذا أن كل ما كان من صفات الله وأفعاله، وما كان من عالم الغيب الذى لا يطلع عليه البشر أو ما هو من عالم اليوم الآخر والمعيشة والنار أو من علم حقائق الكون التى لم يكشف العلم الغطاء عنها حتى يومنا هذا، فإن الذى هو حميد عندى ألا يجعل من باب التصوير المجازى فان القرآن الكريم والسنة المطهرة قد هديا إلى ذلك:
يقول الحق ﷻ : ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت:٢٠)
فهذه آية بيّنةٌ قاهرة على أن الشهادة حقيقة وأن النطق حقيقة مطلقة.
وقوله : ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ (الاسراء:٩٧)
فلما كان هذا يحتمل أن يكون كناية عن الإسراع بهم إلى جهنم من قول العرب: قد مر القوم على وجوههم إذا أسرعوا ويحتمل أن يكون على سبيل الحقيقة سأل الصحابة ﵃ النبى ﷺ عن ذلك فقال لهم:
«إنَّ الذى أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كلّ حدبٍ وشوك»
(الترمذي - ك: تفسير القرآن وأحمد في مسنده:مسند أبي هريرة) .
стр. 187
فدلَّ هذا دلالة ظاهرة قاهرة على أن ما كان من هذا الباب ونحوه يحمل على الحقيقة، فهو من عالم الغيب أولاً، والفاعل هو الله القادر فلا مجال البتة لتحكيم أعراف العقل والعادة، بل منطق العلم يقضِي باستحضار جلال الله وكماله.
وهذا الذي قلته هنا لايضير البحث في التصوير البياني في القرآن الكريم، فإنّ أنماط التصوير البيانيّ في القرآن الكريم وفيرة فى غير هذا الباب، علاوة على أنَّ الذهاب إلى الحقيقة فى مثل هذا الذى ذكرت أدخل فى باب البلاغة التى تُبقى صور الحقائق على حالها دون تجريدها إلى معان ذهنية.
وهذا الذى أقوله – أيضًا - ليس إنكاراً للقول بالمجاز فى بيان القرآن الكريم بل هو إنكار للتساهل في القول به فى كل ما يحسب إمكان القول به فى بيان القرآن الكريم دون تحقيق لما يقتضيه حال المتكلم به من كماله فى ذاته وصفاته وأفعاله ودون تحقيق لما بين بيان الحق ﷻ وبيان الخلق من تفاوت لا يحاط، ودون تحقيق لما يقتضيه حال المعنى والغرض المنصوب له البيان. (١)
стр. 188
الحق الذى أراه أن يكون ثَمَّ منهجٌ خاصٌّ بفقه بيان القرآن الكريم ولا سيما ما يعرف بالتصوير البيانى، هذا المنهج يستحضر فى القلب كمال قائله في كل خطوة، واستحضار أن ما يقتضى الأدباء المبدعين إلى ارتكاب التصوير المجازى من ذواتهم وموضوعات إبداعهم لا وجود له البتة مع الله .
وإذا ما كان القرآن الكريم أنزل تبياناً لكلِّ شىءٍ متعلق بما يرضاه الله ﷻ منَّا، فأمرنا به، وما لايرضاه، فنهانا عنه، فهذا البيان وأن اقتضَى أن يكون بلسان المخاطبين به في عصر التنزيل، وعلى مذهبهم ومنهاجهم، فإنّ ذلك فيما يتعلق ببناء المعنى ونهج صورته التعبيرية أما مناهجهم فى تخيّل ما لا يعلمون أو يعرفون فإنَّ ذلك ليس من سنة بيان القرآن الكريم، فانَّ الله عليم بكلِّ الأشياء بحقائقها، وعليم أيضاً بلغة المخاطبين بالقرآن الكريم، وعليم بأنَّ صورة معنى الكلمة تختلف باختلاف ما تسند أو تضاف إليه، وهذا أساس بيانى قائم على أن معانى الكلمات قائمة على مركز دلالي وفضاء دلالي: المركز الدلالى أسٌّ ثابت مكتسبٌ من جذرها الاشتقاقى، أمَّا الفضاء الدلاليّ، فهو مفتوح، فتتغير دلالة الكلمة بتغيّر ما يلحق بها أو تضاف اليه.
***
стр. 189
= تحليل الصورة البيانية لا يغنى فيه تفصيل العناصر المكونة لها ثم الوقوف بها عن استبصار التطابق بين الحقيقة والمثال بل هو ضرورة أن يرمى بالتحليل إلى المقاصد القرآنية التى يرمى بالصورة إليها، فالاستهتار بتحليل عناصر الصورة ومنازعها ومنهج تركيبها، والانشغال به وحده، ثم التشاغل عن استكناه مقاصد هذه الصورة البيانية لا يعين على فقه المعنى القرآنى فى سياق السورة، فإذا صحَّ فى بيان الشعر فلا يصح في تدبر البيان القرآنيّ؛ لأنَّ اختلافهما فى باب التصوير البيانيّ جدّ عظيم،كما لايخفى على من يفقه ما يليق بالبيان القرآنيّ، ويقف على طبيعة الكلمة الشاعرة.
إذا ما نظرت في الصورة التشبيهية في قول الله ﷻ : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:٢٧٥)
تجد أنَّ التشبيه هنا مرميّ به إلى تصوير حال أكلة الربا تصويرًا لا يبقى ذو عقل معه إلا فارًّا من كلّ شائبة ربًا، وإن أحاطت به الحاجات فضلا عمَّا دونها.
إنك لا تجد أحدًا يؤقن أنَّ هذا كلام ربّ العالمين يرضي أن يكون كمن يتخبطه الشيطان من المسّ إن في حياته الدنيا وإن في الأخرى.
قراءة الصورة التشبيهية وتحليلها في نور مغزاها ومقصده هو الذي يفعم القلب بأثرها.
стр. 190
وغير خفيّ عليك أن طريق دلالة التشبيه هنا على ذلك المقصد دلالة جلية باهرة لا يتفاوت النّاس في إدراك أصل المعنى الذي يبنى على المقصد والمغزى، وإن بقيت لطائف يتفاوت أهل العلم فيها تأتيك من التدبر والتذوق لمنهاج بناء الصورة واختيار مفرداتها ومواقعها من نحو اختيار فعل الأكل، والبيان باسم الموصول، والبيان بالفعل المضارع (يأكلون) والنفي بـ "لا" ... (١)
ليست كل الصور البيانية فى سياق السورة على درجة سواء من منزلة بناء السورة، فمنها ما هو رئيسي يشكل حلقة رئيسية من حلقات المعنى ومنها ما تراه وشيجة التحام بين الحلقات تنساب بينهما روح التأخى والتناغى بين الحلقات الرئيسية، وهى برغم من ذلك خاضعة لسلطان ذلك الروح المهين.
المحلل البيانى لهذه الصورة البيانية عليه أن يعى أقدار الصور ويعرف منازلها فينزل كل صورة منزلها من العناية بالتحليل والتفسير والتأويل واستكشاف أثرها فى بناء المعنى القرآنى واستلاب وعى التلقى.
***
معالم الطريق
= التصوير البيانيّ فى القرآن الكريم بانماطه الثلاثة لا يحسن البته تدبره خارج سياق السورة التى أدرج على لاحبها فإنَّ فى ذلك السياق ما يكشف عن مكونات الصورة ومنازعها وعن منهج التصوير وآماده.
стр. 191
وجميع الصور البيانية مطبوعة بطابع سورتها ودراسة هذه الصور فى سورة من سور القرآن الكريم دراسة متأتية جديرة بأن تكشف الوشيجة الجامعة بين هذه الصور " لأنها ما دامت قد جرت فى سورة واحدة ذات سياق واحد، فلا بدَّ أن تكون فيها جامعة تجمعها، وهذه الجامعة قد تخفى وتدق، ولكنَّها رفيعة ورائعة كهذه الطباع الخفية الحية التى تراها تجرى فى أبناء العشيرة الواحدة، أو كهذه السيما والملامح الدقيقة التى تراها فى القوم يرجعون إلى آب واحد، لأن كل رموز السورة وصيغها وصورها ترجع إلى ما يشبه أن يكون أبا واحداً هو المحور الذى تدور حوله ولابد أن يكون فى كل هذه الصيغ وهذه الرموز وهذه الصور نفس واحد يجمعها ويؤلف بينها ويجعلها (عائلة) واحدة ذات سيما وملامح متقاربة والبحث الواعى الفطن هو الذى يقع على هذا. (١)
وهذا ما قام به شيخنا حين عمد إلى دراسة (أمثال سورة النور) ، فتناول ثلاثة أمثال جاءت فيها، وقد عُنِي شيخنا – أعزّه الله تعالى - بالنظر في سياق هذه الأمثال ومواقعها من سياق السورة، كما عُني بالنَّظر في تراكيبها،وفي دلالتها على الغرض المنصوب له المثل، والمنصوب له السورة،وعلاقات هذه الأمثال ببعضها وموقع كل مثل من الآخر، فهو يضع أمامه المثابات الثلاثة التي يُرجِع " عبد القاهر " بلاغة الأنماط والأساليب إليها.
والنهج التحليلي للصورة البياني فيما كتبه شيخنا هنا مما يحسن أن يتخذ نبراسًا يهتدى بنوره , كيما يمتلك به المتدبر ما يمكن أن يضيفه إليه.
***
стр. 192
= أن يعمد التحليل للصورة البيانية فى سياق سورة ما إلى أن يبحث عمَّا يناظر هذه الصورة البيانية فى سياقات السور الأخرى، فانَّ هذه المقارنة تكشف عن وجوه كثيرة من حقيقة هذا الشىء المصور، وعن الفروق التركيبية بين الصورتين فيتحقق لنا بذلك العلم بوجه دلالة كلّ صورة على المعنى والغرض المنصوب له الكلام، كمثل علمنا بأمر المعاني فيم تتفق وتختلف وكيف ذلك ومن أين تجتمع وتفترق والعلم بأجناس تلك المعانى وأنواعها مفصلة وبالخاص منها بالسورة وما هو شائع فى غيرها
ومثل هذا العلم يوقف صاحبه على شىء من أسرار بلاغه القرآن الكريم اللطيفة.
وأنت في قراءتك ما كتبه شيخنا في (أمثال سورة النور) تجده قد ناظر تمثيل أعمال الذين كفروا في سورة النور بسراب في قيعة وسيعة بتمثيل أعمالهم في سورة (إبراهيم) ﵇ برماد اشتدت به الريح في يوم عاصف،وبين الفرق بين كلّ وما اقتضى خصوصية المشبه به في كلّ صورة،وعلاقة ذلك بالسياق والغرض المنصوب له البيان في كلّ سورة.
تشبيه أعمال الذين كفروا جاء فى سورة "إبراهيم" ﵇ وفى سورة النور. فى سورة " إبراهيم" شبهت أعمالهم برماد اشتدت به الريح فى يوم عاصف. وفى سورة (النور) شبهت بسراب بقيعة أو ظلمات فى بحر لجى.
يقول الحق فى سورة (إبراهيم) ﵇:
﴿أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) ﴾
فإنَّها مدنيّةٌ نزلت فى قتلى قريش يوم بدر. (١)
وسورة (النُّور) مدنية كلها إجماعا.
وغير خفى أنَّ سياق المكيَّة غير سياق المدنيَّة.
سورة (إبراهيم) ﵇ المكية «موضوعها الأساسيّ هو موضوع السور المكية الغالب عليه العقيدة فى أصولها الكبيرة: الوحى والرسالة التوحيد والبعث والحساب والجزاء. وهذا تراه مبنيًا على ما جاءت به سورة الأنعام، فإنها رأس السور المكية في هذا، ومعاني السّور المكيّة تبنَى على معانيها في هذا الباب، مثلما معاني السّور المدنيّة مبنيّة على ما جاء في سورة (البقرة) ، فمنزل سورة (الإنعام) من السُّور المكيّة كمثل منزل سورة البقرة من السور المكية (٢)
стр. 195
ولكنَّ السياق فى السورة يسلك نهجا خاصا فى عرض هذا الموضوع وحقائقه الأصلية نهجا مفردا يميزها - كالشأن فى كل سورة قرآنية - عن السورغيرها:
يميزها بجوّها وطريقة أدائها والأضواء والظلال الخاصة التى فيها الحقائق الكبرى ولون هذه الحقائق التى قد لا تفترق موضوعيا عن مثيلاتها فى السور الأخرى، ولكنًَّها تعرض من زاوية خاصة فى أضواء خاصة، فتوحِى إيحاءات خاصَّة كما تختلف مساحتها فى رقعة السورة وجوِّها، فتزيد إطرافاً وتنقص إطرافاً، فيحسبها القارئ جديدة بما وقع فيها من تجديد....
ويبدو أنَّه كان لجو السورة من اسمها نصيب (إبراهيم) أبو الأنبياء الشاكر الأوَّاه المُنيب
كلُّ ظلالِ هذه الصفات ملحوظة فى جو السورة وفى الحقائق التى تبرزها وفى طريقة الأداء وفى التعبير والإيقاع.
ولقد تضمنت السورة عدة حقائق رئيسية فى العقيدة، ولكنَّ حقيقتين كبيرتين تظللان جو السورة:
? حقيقة وحدة الرسالة والرسل ووحدة دعوتهم ووقفتهم أمة واحدة فى مواجهة الجاهلية المكذبة بدين الله على اختلاف الأمكنة والازمان
? وحقيقة نعمة الله على البشر وزيادتها بالشكر ومقابلة أكثر الناس لها بالجحود والكفران (١)
فى سياق الحقيقة الأولى جاء تشبيه أعمال الذين كفروا بالرَّماد معقبا به على موقف الذين كفروا من جميع الرسل:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (ابراهيم:٩)
стр. 196
وقالوا لرسُلِهم: ﴿....لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا....﴾ (ابراهيم: من الآية١٣) فوعد الله رسله بالنصر والاستخلاف المكين ﴿ ... فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) ﴾
ويصور لنا جانبا من تلك الخيبة إذ يرى الذين كفروا أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الرِّيحُ فى يومٍ عاصفٍ، فلا يبقى منه شئ.
وقد صور عظيم تفريقه وابادته بقوله (اشتدت به) فآذن باقتلاعه، ثم تعقيبه بقوله ﷻ : ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ مقدما قوله (مما كسبوا) على قوله (على شئ) بخلاف ما جاء فى سورة (البقرة) من قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:٢٦٤)
فإن الأمر فى سورة (إبراهيم) ﵇ تمحض للأعمال، فكان تقدمها أنسب " وهو تعقيب حكيم، لأنَّ كلمه (لا يقدرون) فيها محاولة واستنفار أقصى الطاقة لتبلغ القدرة مبلغًا يصلُ بها إلى اقتناص ما كسبت، ثم إخلادهم إلى التسليم والعجز، وهذا وصفٌ خفيّ للهول الذى لا يحاط به.
وهذا التشبيه الذى يلخص ويكشف حالة الضياع للشئ المرجوّ نفعه فى وقت الحاجة إلى الانتفاع به جاء مغْروسًا فى موضعه من السورة كما يغرس العضو من أعضاء الإنسان فى موضعه الذى هو فيه.
стр. 197
بيان ذلك أن هذا التشبيه جاء متمما لوصف عذاب صاحب العمل وقد وصف القرآن الكريم ذلك وصفا يخلع القلب تأمل: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) (١٨) ﴾
تأمل اللغة والصور التى وراء اللغة.
تأمل قوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيد﴾ وكيف اسقطت هذه الكلمات صروح الطواغيت فى مستنقع الخيبة والضياع.
ثُمَّ تأمّلْ هذه الصورة الصارخة ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ وكيف دلَّ البِناءُ للمجهول على أن هناك سُقاةً غلاظا يعالجون سقيه وهو كاره رافض وهم يصبون فى قمة ماء الصديد صبًا بعد معالجةٍ.
ثُمَّ تأمل قوله ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ والمراد أسباب الموت، ولكنَّ العبارة جعلت الموت جيشا يقتحم بحشوده يحيط بهذا البائس التَّعس وقوله ﷻ ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ يعنى أشباح الموت المخيفة المفزعة قد تزاحمت بها جنبات الأرض من حوله. (١)
стр. 198
فالضعف البادى من المشبَّه به أعمالُ الذين كفروا الذين يستحبّون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجا يتناسق مع اجتماعهم فى وجه دعوة الرسل لهم، فردُّوا أيديهم فى أفواههم، وقالوا إنَّا كفرنا بما أرسلتم به، وإنَّا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب، وقالوا لهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا، هذا التجمّع والتظاهر والتآذر فى وجه الحق سيستحيل يوم القيامة رمادا تشتد به الريح فى يوم عاصف، وهؤلاء القادرون على مواجهة الحق فى الدنيا لا يقدرون مما كسبوا على شئ يوم القيامة.
«ولا يمكن أن يوضع تشبيه سورة (النور) هنا لا يمكن أن يكون الكلام فى سورة (إبراهيم) ﵇ بعد عرض حالة هذا الذى ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ هو ﴿.. كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً ... ﴾ (النور: من الآية٣٩) وذلك لأمر ظاهر هو أنَّ كلَّ تشبيه إنَّما هو امتداد للأنسجة اللغوية التى صاغت السياق كله، وهذا يعنى ضروبا من الاتساق الخفى المكين.» (١)
وفى سورة (إبراهيم) ﵇ صاحب الأعمال لا وجود له فقد انقطع عنها بموته وهو بين الزبانية يسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه، فكيف يكون راكضا وراء سراب، بل الأنسب أن يكون عمله رمادا.
وبهذا ترى أنَّ فى تشبيه أعمال الذين كفروا بالرماد فى سورة (إبراهيم) دَِلالةً على ما كان عليه أصحاب هذه الأعمال من استجماع وتظاهر فى وجه الحق الذى جاءت به الرسل لتخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
فكلّ تشبيه جاء في موطنه اللائق بالغرض المعقود له التمثيل، مما يجعل دلالته على معناه وغرضه دلالة لطيفة من وجه وحتميّة من وجه آخر، بحيث لا يجد المتدبِّر نفسه إلا مستقبلة من هذا المثل الغرض المنصوب له البيان، فكان الاقتضاء قويًا على الرغم من لطفه.
стр. 199
وهذا فيه – أيضًا - دَِلالةً مع مطلع السورة واسمها على مقصودها الأعظم: «التوحيد وبيان أنَّ هذا الكتاب غاية البلاغ إلى الله ﷻ لأنَّه كافِلٌ ببيان الصراط الدال عليه المؤدى إليه» (١)
فإبراهيم "أبو الأنبياء"، والرُّسلُ أجمعون غايتُهم دعوة أقوامهم إلى التوحيد وبيان الصراط المستقيم صراط العزيز الحميد.
أمَّا سورة (النور) المدنية فإن «المحور الذى تدور عليه السورة كلّها هو محور التربية التى تشتد فى وسائلها إلى درجة الحدود وترقّ إلى درجة اللمسات الوجدانية الرفيقة التى تَصِلُ القلبَ بنورِ الله ﷻ وبآياته المبثوثة فى تضاعيف الكون وثنايا الحياة.
الهدف واحد فى الشدة واللين هو تربية الضمائر واستجاشة المشاعر ورفع المقاييس الأخلاقية للحياة حتَّى تشفَّ وترفَّ وتتصل بنور الله وتتداخل الآداب النفسية الفردية وآداب البيت والأسرة وآداب الجماعة والقيادة بوصفها نابعة كلها من معين واحد هو العقيدة فى الله ﷻ متصلة كلها بنور واحد هو نور الله ، وهى فى صميمها نور وشفافية واشراق وطهارة وتربية عناصرها من مصدر النور الأول فى السماوات والأرض نور الله ﷻ الذى أشرقت به الظلمات فى السماوات والأرض والقلوب والضمائر والنفوس والأرواح» (٢)
وفي استحضار مقصودالسورة وسياق المعنى استحضار للمعنى والغرض المساق له المثل؛ ليبين لك وجه دلالته على هذا المعنى والغرض الكليّ، فليس تدبّر الصورة البيانية بالمقصور على إدراك ما يُسمَّى بالغرض البلاغي من التشبيه أوالصورة البيانية كما هو متعالم عند الناشئة بل تدبّرها يَؤُمّ إلى إدراك الغرض الكليّ - أيضًا - ووجه دلالةِ هذه الصورة على ذلك الغرض، واتساقها مع سائر الصور لتحقيق الإبانة العَلِيّة عن هذا الغرض الكليّ.
стр. 200
فى وسط السورة: فى عقدها الثالث يأتى تشبيه أعمال الذين كفروا بسراب بقيعة أو بظلمات فى بحر لجى.... وقد تقدمه عقد يبين جريمة الزنا وجريمة القذف وحدَّهما وعقد يُبيّن وسائل الوقاية من هاتين الجريمتين ويأتي من بعده عقد يبين المفارقة بين أخلاق المنافقين وأخلاق المؤمنين وموقفَ كُلٍّ من الدَّعوة ورسولِها - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا - وعقد يبين آداب الاستئذان والضيافة وهى آداب يُثمرُ التَّمسُّكُ بها الوقايةَ من التَّردِي فى جريمتى الزنا والقذف به.
стр. 201
جاء تمثيل أعمال الذين كفروا فى سورة (النور) بالسراب أو بالظلمات من بعد تمثيل نور الله بمشكاة فيها مصباح ... تمثيلا يقرب صورة غير المحدود للإدراك، وهى صورة تموج بالنور الباهر المتجلى فى السماوات والأرض المتبلور فى بيوت الله المشرق فى قلوب أهل الإيمان، فإذا بتمثيل أعمال الذين كفروا يقابل هذا المجال النورانيّ الباهر، لأنَّه مجال مظلم فى مبدئه مخيب موئس مخيف مرعب فى آخره، فإذا كان نور الحق ساطعا لا يخبو، فإنَّ فى أعمال الذين كفروا التماعًا كاذبا يتبعه صاحبه المتلهف، فلا يجد شيئا، ولكنَّه يجد الله عنده، فيوفيه حسابه، وهو سريع الحساب للذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخائفين يوما تقلب فيه الأبصار، فيجزيهم أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله وهو سريع الحساب للذين كفروا بنور الله الذى جاءت به الرسل، فإذا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا أو كظلمات فى بحر لُجِّيٍّ، والله يَطْوِي بيانَ حِسابِهِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: (فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) هَكذا فِي سُرْعَةٍ عَاجِلَةٍ تَتَنَاسَقُ مَعَ الْبَغْتَةِ وَالْفَجَاءَة (١)
سُورةَ "النّور" عُنِيَتْ بِحَديثِ الإفْكِ الّذِي يُمثِّلُ أخْطَرَ ما يُمكن أن يلْحَقَ بالمُجتمعِ بعد الشِّرْكِ، فَيُقَوِّضهُ،
حديث الإفكِ قدْ جعلَ كثيرًا في بَحْرٍ لُجّيٍّ يَغْشَاه موجٌ من فوقِه موجٌ، ولقيَ منْه ﷺ وعائشة وأبواها ﵃ ما لا يطاقُ، ولكنَّ نورَ الحقِّ بدد تلك الظلمات، فاذا المرجفون بالفتنة أعمالهم لا تبقى وإذا هى سرابٌ بقِيعَةٍ بسيطةٍ وسيعةٍ لاتتناهَى.
стр. 202
حديث الأفك وما أدَّى إليه وما أعقبه والعمل على وقايَةِ الأمَّة من مثله هو المقصود الأعظم لهذه السورة، وهذا منسول من الأصل الذي تقوم عليه السور المدنية: التصاعد في منازل التقوى من كلّ ما يردي الأمّة في المذلة والهوان في الدارين.
سورة " النّورِ "وإنْ صوَّرت أعمال الذين كفروا فى صورتين متعاقبتين صورة سرابٍ بأرضٍ قيعة يحسبه الظمآن ماءً، وصورة ظلمات فى بحر لجيّ، الأول تصوير لما يقع منهم من أعمال حسبوا أن لها نفعاً أيَّ نقع.
وهم بلا شك يفعلون بعض البِرِّ فطرة إلا أنَّه ليس لرب العالمين، وليس على هدي،فليس عملا صالحًا (١) ولذلك جاء تصوير هذه الأعمال بالسَّراب الذى يظنُّه صاحبُه ماءً، وما هو إلا سرابٌ ليشاكل حُسْبَانَهم أنَّ فى عملهم البرَّ على غير هدى نفعاً لهم.
والتشبيه الثانى تصوير للأعمال الأخرى التى يعْلَمون أنَّها غيرُنافعةٍ، ولذلك لا يطمعون فيها، ومن ثَمَّ لم يكن فى تصويرها ما يَدُلُّ على أنَّ لهم فيها مطمعاً فى الآخرة. (٢)
ولما كانت مفاسد الذين كفروا وأعمالهم الفاجرة التى لا تليق مع منطق العقل وفطرة الإنسانِ حشد تصويرُ أعمالِهم الفاجرة كلَّ هذه الظلمات وكلَّ هذه الأمواج والسحب على نحو فريد. (٣) فكان فيه من التساوق مع أعمالهم تلك مالا تغفلُ عنه بصيرة قارئ.
وهو شديد المقابلة للمثل الأول فى السورة: مثل نور الله :
стр. 203
«الأول نُورٌ على نورٍ، والثانى ظلمات بعضها فوق بعض، وفوق ذلك التقابل تقاربٌ فى البناء اللغوى لهما:
إحتشد الأول لبيان وهج النور، فذكر المشكاة ( ... مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ على نُورٍ....) (النور: من الآية٣٥)
وإحتشد المثل الثانى لتداخل الظلمات وأطباقها وتكاثفها حاذياً فى الصياغة حذو الأول تأمل ( ... يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ... ) (النور: من الآية٤٠)
ثم إنَّ كل صورة من الصورتين لها مدَدٌ يمدُّها، ولا ينضب، ففى الأولى شجرة مباركة يوقد منها، وفى الثانية سحاب مطبِقٌ فوق موج من تحته موج وكما قال هناك أيضا ( ... يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاء ... ) (النور: من الآية٣٥) قال هنا ( ... وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ... ) (النور: من الآية٤٠) (١)
وهذا المثل أقوى فى الدلالة على مقصود السورة الذى أشرنا إليه من قبل، فأعمال الفجور والقذف به وحبَّ إشاعة الفاحشة فى الذين آمنوا مما لا يطمع فى نفعه، فهى ظلماتٌ فى بحر لجيّ معصوم منها الذين هداهم الله لنوره، المُسبّحون له فى بيوته بالغدوِّ والآصال لا يليهم عن ذكره ﷻ وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة عَرَضٌ من الدنيا فضلاعن أعمال الفجور.
стр. 204
وإذا كانت معرفة معاني الكلمات والصِّيغ الجارية فى هذه التشبيهات متوقفة على معرفة السياق الذى جرت فيه؛ لأنَّ السياق هو الجذر الذى أمدها بالحياه والأسرار وهو الأرومة والمعدن الذى اليه يُرَدُّ الأمر فان تحرير المقصود الأعظم للسورة متوقف على معرفة معاني الكلمات والصيعِ الجارية فيها من خلال سياقها فالمقصود الأعظم له سلطان على السياق وما يدرج عليه من كلماتٍ وتراكيب وصور إلاَّ أنَّ معرفته وتحريره ينبثقان من معرفة السياق والكلمات والتراكيب والصور؛ لأنَّ ذلك أجلى مظهراً وأقرب إدراكاً. ولذلِكَ لا يَتَأَتَّى تَحْريرُ "المقْصُود الأعظم" من بادئ النَّظر والتأمّل، بل يكونُ ذلك من بعد تردِيدٍ للنَّظرِ، وكلّمَا ازداد المرءُ نظرًا فِي السِّياقِ والتراكيب، وانْمَاط التصوير وفنون التحبيرازدادَ قُرْبًا مٍِن تَحرير "المقصُود الأعظم"
وهذا وأن كان غير يسير فان طول الصحبة وإخلاصها استبصار وامتلاك بعض من ذلك.
***
وأنت إذا ما نظرت فيما جاءنا عن أبي الحسن:علي بن عيسى الرمّانيّ " (ت: ٣٨٦هـ) مثلا في تدبر التشبيه في القرآن الكريم في رسالته (النكت في إعجاز القرآن) (١)
стр. 205
رأيت عنايته بتبيان منهاج القرآن الكريم في التصوير البياني للمعاني، ودلالته عليها، ولذا يكثر من التصريح بأنَّ هذا بيان قد أخرج كذا إلى كذا.
وقد يحسب العجل أنَّ هذا ممّا قَرُب إدراكه وقلّ نفعُه، ولو أنَّه تمهَّل وتبصّر لرأى أن "الرماني" يهدينا إلى مناط العناية الرئيسيَّة في قراءة الصورة البيانية: العناية بالنظر في منهاج التصوير وطريق الدلالة.
فانظر قوله: «فبلاغة التشبيه الجمعُ بين شيئين بمعنى يجمعهما يكسب بيانًا فيهما. والأظهر الذي يقع فيه البيان بالتشبيه به على وجوه: (١)
- منها إخراج ما لاتقعُ عليه الحاسَّة إلى ما تقعُ عليه الحاسَّة.
-ومنها إخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به عادة.
-ومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما لا يعلم بالبديهة.
-ومنها إخراج ما قوة له في صفة إلى ما له قوة في صفة» (٢)
قوله (إخراج ... ) بيان منهاج، وهذا الإخراج ليس سبيلا مطرَّقًا،لأنّه إخراج مرتهن بالسياق والمقصد الأعظم الذي يساق إليه البيان.
وهو يبين لنا شيئًا من ذلك: يعرض لقول الله في سورة (النور:٣٩) :
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
فيبرز لنا منهاج البيان فيه بأن «هذا بيانٌ قد أَخرَج ما لا تقع عليه الحاسّة إلى ما تقعُ عليه.
стр. 206
وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة، ولو قيل: يحسبه الرائي ماءً، ثُمّ يظهر أنّه على خلاف ما قدَّر لكان بليغًا.
وأبلغ منه لفظ القرأن؛ لأنَّ الظمآن أشدّ حرصًا عليه وتعلّقَ قلبٍ به،ثُمَّ بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذي يصيره إلى عذاب الأبد في النَّار – نعوذ بالله من هذه الحال
وتشبيه أعمال الكفار بالسَّراب من حسن التشبيه، فكيف إذا تضمن مع ذلك حسن النظم
وعذوبة اللفظ
وكثرة الفائدة
وصحة الدلالة» (١)
الرُّمَّانيّ كما ترى عُني أولاً بِلَفْتِكَ إلى المقصد المَرْمِيّ بالتشبيه إليه لتعرفَ موقعه في طرفي التشبيه، وهي معرفة تبيّن لك منهاج الدلالة، ومنهاج اختيار صورة الطرفين أيضًا، فأفادك أنَّ المشبّه، والمشبه به قد اجتمعا، لم يجمعهما جامع قَسْرًا بل تعارفا، فاجتمعا، وهو يُحرِّر لك مناط الاجتماع: بطلان المتوهّم، وهذه كلمة تبين لك امتلاء النفس بما بطل، وتبيّن لك عظيم جهالة من يملأُ نفسه بمثل هذا، ولو أنّه لم يكن مفتقرًا إليه لكان له في أن يملأها بذلك ما يغفر له، ولكنّه يبيِّن لك أنَّه توهّم باطلا، وهو شديد الحاجة وعظيم الفاقة. فكشف لك بهذه الكلمات القليلة مبلغ ما هو آخذ بالنفس حينذاك.
وانظر كيف أنه أبرز أثرين: الشدة والعظم.
في الشدّة نفوذ وحركة رأسية للأثر، وفي العِظَم إحاطة وحركة أفقية له، فإن العظيم ما أحاط بالأشياء وجمعها.
ثُم يترقّى بك إلى أفقٍ أعلى من النَّظر: يُقيمك أمام منزلين من البيان: بيان عارٍ من التصوير: (يحسبه الرائي ماءً ... ) عبارة دَالة ولكنها لا تملأ النفس بالشعور بشديد الخيبة وعظيمه.
стр. 207
وبيان مصور (يحسبه الظمآن ماء) أرأيت إلى تلك الكلمة المصورة ما هو آخذ بخناق الحاسب (١) .
وهذا منهج عالٍ من مناهج إدراك الفروق بين نمطين من البيان.
الرمانيّ لم يجرد هذا البيان العاري من البلاغة، فإنَه ناظر إلى قوله (يحسبه) وهي كلمة لا تقال إلا في مقام الدلالة على أنَّ هذا من ظلمات الخطأ او الخطيئة،وكذلك هي في البيان القرآنيّ لا تأتي إلا دالة على أن ما كان ليس بحق أو ليس بنافع. وناظر إلى قوله (ثُمَّ يظهر أنّه ... )
يقول: «لو قيل: يحسبه الرائي ماءً، ثُم يظهر أنّه على خلاف ما قدّر لكان بليغًا»
وكأنَّه يهدينا إلى أن البيان العاري من التصوير لا يفقد كل عناصر بلاغته، فإنَّ عناصرها كثيرة. وهذا منهج في التقويم دقيق.
стр. 208
وهو يقرن بهذا البيان العاري ذلك البيان القرآنيّ العَلِيّ، فيبيِّن أنَّه الأبلغ: «أبلغ منه لفظ القرآن (١) ؛لأنّ الظمآن أشدَّ حرصَا عليه وتعلق قلب به، ثُمَّ بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذي يصيّره إلى عذاب الأبد في النار»
بيَّن لنا أنَّ كلمة «الظمأن» في نظمها هنا قد صورت لنا ما هو آخذ بالحاسب، فالصورة قد قامت على كلمة ساندتها كلمات، فهيَ أساس الصورة.
كذلك يرسم "الرماني" لنا منهاج النظر، ويقيم المعالم على طريق فقه الصورة البيانية في القرآن الكريم.
ثُمّ يضيف إلى هذا أنَّ هذا التشبيه لأعمال الكافرين بالسَّراب من حسن التشبيه.
وكلمة (حُسْن) من كثرة ما مرت على الآذان كادت بعض القلوب تغفل عن مدلولها.
الحُسن ما فاض عليه من نافلة العطاء من بعد أن توفَّى لك فريضة العطاء، ومنه الإحسان، فهذا شيءٌ "حسنٌ " أي جاءك بما هو فوق حقك، فأحسن إليك، ومن قدم إليك حقك عنده أحسن إلى نفسه أولا إذ عتقها من التَّبعة، ومن قدَّم لك ما فوق حقك فقد أحسن إلى نفسه وإليك معًا، فافترقا (٢)
стр. 209
كلمة (من حسن التشبيه) دالّة على أن هذا التصوير قد أفاض عليه فوق ما جاءك من البيان العاري عن التشبيه. ثُم يلفتك إلى أنَّ روافد الإحسان إليك من الصورة التشبيهية في الآية قد تكاثرت فقال «فكيف إذا تضمَّن مع ذلك حسن النظم وعذوبة اللفظ وكثرة الفائدة وصحة الدلالة»
هذا الاستفهام التعظيمي يرسُم في قلبك شيئًا من فخامة العطاء وعظمته حين تتضام الروافد وتتلاقى: حسن النظم، عذوبة اللفظ، كثرة الفائدة، صحة الدلالة.
أربعة روافد اجتمعت إلى حسن التشبيه، فقوله (حسن النظم) دلَّك على أنَّ حسن التشبيه هنا ليس قائمًا من حسن النظم وحده وإن كانا متمازجين: حسن التشبيه آتيك من منهاج الإخراج: إخراج ما تقع عليه الحاسة إلى ماتقع عليه.
وحسن النظم آتيك من منهاج التعالق والتآلف والتآخي.
وعذوبة اللفظ تبين لك مبلغ ما يقوم في فمك وأذنك من الترتيل فينساب العطاء إلى قلبك، كأنّي به ينظر إلى ما يحمل عطاء الحسنين إلى قلبك: إنها عذوبة اللفظ فتناغي الألفاظ في إيقاعاتها وجرسها يفجر نهر العذوبة في فمّ التَّالى وأذن المستمع، فلا يملّ التالى من ترتيله، ولا السامع من إصغائه، وذلك هو شرف التواصل والاجتماع والتعاون على البر ّ والتقوى (١) وهذا وجه من وجوه المعنى في قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... ) (الحجرات:١٠) فشأن الأخوة التلاقى على البِرّ لا التدابر والتخاصم لعرض من الدنيا،وخير التلاقي ما كان على تلاوة القرآن واستماعه.
ويأتيك قوله (كثرة الفائدة) مؤسسًا على قوله: «حسن التشبيه وحسن النظم وعذوبة اللفظ»
والكثرة تقال لما نما وزاد مما شأنه النماء، أمَّا إن بقي على حاله وجمد فلا يقال له كثير، وإن تعدد، فلم يحصَ.
стр. 210
وكأنّه يلمح إلى أن عطايا هذا التشبيه تنمو بما يتردد فيه النظر المتأمل، وهذا يثمر صحة دلالتك عَلَى عَلِيِّ معاني الهدى إلى الصراط المستقيم، ومن ثمَّ رتّب عليه قوله (وصحة الدلالة)
وفي الصِّحة براءة من المعابة والعجز، فالصحيح نقيض السَّقيم أي لاشائبة ولا معابة فيه، وهذا يدلّك على أن تشبيه القرآن الكريم يحقِّق لك النَّظرُ النَّاصِحُ فيه شيئًا ممَّا تطلبه في ابتهالك في أم الكتاب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) . (١)
نقلت لك ما جاءك به " الرمانيّ" منذ عشرة قرون مضت لترى المعالم التي أقامها أسلافك على طريق فقه المعنى القرآني، فتهتدي كمثل ما اهتدى شيخنا " أبو موسى" فلم يقف جوادُه عند ما وقفت جياد الأسلاف بل أغذَ فِي السَّير، فكان منه الذي بدأت بذكره ليملأ قلبك، فتعلم أنّه مبني على حركة عالم مضى منذ عشرة قرون، وأنَّ لك أن تبني على ما بنى عليه شيخنا، فيتصاعد السفر إلى منازل الشرفاء. (٢)
стр. 211
وليس يخفى عليك أنّي لست هنا إلى دراسة التصوير البياني في القرآن الكريمِ فاستقصى لك القولَ في أنماطه، وإنّما أنا إلى الإشارة إلى معالم تقوم على جنبات الطريق إلى فقه المعنى القرآني في سياق السورة، وهذا ما عُنِيت به، فبينت لك شيئًا من تلك المعالم قائمة في بيان شيخنا أبي موسى، وفي بيان أبي الحسن الرمانيّ " لتهتدي بهما، فيكون منك إحسان كما كان منهما.
-..رابعاً: التحليل البياني لجرس والايقاع..
... جماع الأثر في البيان القرآنيّ ...
ليس متوقفًا في التسليم به أنّ البيان القرآنيّ الكريم يحمل أثرين جليلين ممتزجين في بنائه اللسانيّ المعجز:
الأثر الأول: موضوعيّ متعفّل يمكن إدراكه وتعقُّله وضبطه والإبانة عنه الأثر الآخر: انطباعيّ نشعر به وندركه ونتبينه في قلوبنا وأرواحنا، ولكنَّ الجمهرة لا تضبطه، ومن ثَم لا نكاد نملك الاقتدار على وصفه وتبين معالمه وملامحه، بل قد يتعذر على كثير منا أن يحيط بمبعثه ومصدره
- الأثر الأول عنيت الدراسات البيانية به فيما عرف بأصول النظر في نظم البيان ومناهج تركيبه وأنماط تصويره، وفنون تحبيره، وقد قام بكثير من حقوق ذلك علم بلاغة العربية.
وهذا ما قرّر عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الأعجاز " فريضة الإحاطة به، والوقوف على تعليل الحسن فيه والإبانة عنه، وقد جعلت بين يديك نصّ بيانه في هذا من قبل (١)
- والأثر الأخر النفسيّ الانطباعيّ ندركه من خلال جرس البيان وإيقاعه (٢)
стр. 212
، وهو لايقل أهمية عن الأثر الآخر في تحقيق مقصد القرآن الأعظم وتقريره في النفوس، لتنبعث إلى ما يراد منها ولها.
بغير هذا الأثر قد لا يتسارع إلى النفس توغل الأثر الموضوعيّ القائم برسالة الإعلام بما يريده الله – مِنَّا ولنا.
وهذا الأثرُ قد يكونُ أظهرَ وأسرعَ إدراكا من الأثر الموضوعيّ المتعقَّل، كما نراه في موقف غير قليل من أصحاب الفطر والحس المتيقظ ممن لا يفقهون أصول البيان بالعربية، وهم يستمعون ترتيل القرآن الكريم، فيتأثرون بما يسمعون، ولا يفقهون أثره الموضوعيّ المتعقَّل.
يقول " جان جاك روسّو " (١٧١٢-١٧٧٨ م) في كتابه (محاولة في أصل اللغات) :
« ... إنّك لترى الذي له بعض معرفة باللغة العربية يبتسم إذ يتصفح القرآن، ولعمري، إنّه لو أنْصَتَ إلى محمد يقرأه بنفسه في تلك اللغة البليغة الموقَّعة، وبذلك الصوت الجهوريّ المقنع الذي كان يستهوِي الأذن قبل أن يستهوِي القلب، ولو أنصت إليه إذ لاينفكُّ ينفثُ فِي حكمِه نبرةً وحماسًا لسجد على الأرضِ من الرهبة، ثُمَّ لناداه: ألا، أيها النبي الأعظم، ألا، يارسول الله خذنا إلي المجد والشهادة: نريد أن نغلب أو نموت في سبيلك» (١)
هذا الذي يحدثك عنه " روسو" أثر انطباعيّ " قائم في البيان القرآنيّ يزيدك إدراكا له، ويسارع به إلى قلبك ترتيلُ القاري وتغنِّيه مما يبعث فيضًا من الاستحسان للبيان القرآنيّ إلى قلبك، وكأنَّك قد فقهت بما قاله " روسو" شيئًا مما جاء عن النبيّ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا – مرفُوعًا من الأمر بتزيين القرآن الكريم بأصواتنا.
عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"زينوا القرآن بأصواتكم. (البخاري تعليقا- كتاب: التوحيد)
стр. 213
وقد حث الحق نبيَّه ﷺ على ترتيله ( ... وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (المزمل:٤) وحثَّ النبيُّ ﷺ أمته على حسن التغنى به:
روى الشيخان بسنديهما أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: «لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِشَىْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِىِّ ﷺ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» . (البخاري: حديث: ٥٠٢٣، ومسلم: صلاة المسافرين - حديث: ١٨٨١
وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «للهُ أشدُّ أذنا إلى الرجل حسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته» . (سنن ابن ماجة: إقامة الصلاة – إمامة)
وعن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ هذا القُرآنَ نزل بحُزن، فاذا قرأتموه، فابكوا، فان لم تبكوا، فتباكوا، وتغنوا، فمن لم يتغن به، فليس منا» (ابن ماجة: إقامة)
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه، وتغنُّوا به» (مسند أحمد: ٤/١٣٦)
فهذه الأحاديث وكثير غيرها تهدى إلى سنة أداء القرآن الكريم أداء حسناً، فانَّ فيه تزينَه فى قلوب سامعيه، فيقبلون عليه يتعلمونه، ويتدبرونه، ويلتزمون بهداه، فإنَّ حسن تلاوته وترتيله هو أول الطريق الرئيسي إلى فقه معناه المؤدِّي إلى حسن التزام هديه أمرا ونهياً، ولن يتحقق لبيان أن يرتّل وأن يتغنى به إلا إذا كان نسقه ونظمه وجرس كلماته وموقع معانيه غنيًا بمقومات الإيقاع وأنواعه وألوانه المتعدِّدة وهذا ما تحقق للقرآن الكريم،فلا يشاركه فيه بيان آخر.
стр. 214
الجرس والإيقاع فيه عنصر رئيس من عناصر البيان المنتج المعنى القرآني فى قلب المتلقي لا يقل عن أىّ عنصرٍ آخر أثراً وقيمة، بل هو أظهر عناصر ذلك البيان وأقربها إلى الادراك إجمالا، وأن يكن إدراكه على التفصيل والتحليل والتفسير غير قريب، ولا يسيرٍ فى كثير من صوره ممَّا يجعل المرء يحتاج في إدراكِهِ إلى لقانية وحسٍّ مرهف وأذن واعية.
عناية القرآن في العهد المكيّ بالقيم الصوتيّة.
تنزّل القرآن الكريم في ثلاثٍ وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة في مكة يقرر أصول العقيدة بالقصد الأول، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ومنها عشر سنوات في المدينة النبوية يقيم فيها أصول التشريع وما يضبط حركة الحياة المسلمة، وما يحقق للأمة عزَّها وسلطانها.
اتسم البيان القرآنيّ النازل في العهد المكيّ بظهور القيم الصوتية من الجرس والإيقاع في تكوين وتشكيل صورة المعنى؛ لما يملكه الجرس والإيقاع من قدرة على النفوذ في حنايا القلوب، وذلك مرده إلى الميل الفطري للإنسان للإيقاع، فقد جبلت النفوس الناطقة على إدراكه،والارتياح والطرب بإدراكه (١) ، ففي ما تسمعه أذنه منغوما تجاوب مع حركته وحركة الحياة في داخله وخارجه، ذلك أنَّ هنالك تلازمًا بين الحياة والإيقاع، فليست هناك حياة لا إيقاع فيها.
وهذا أمر لايكادُ يغيمُ على كلِّ من ألقى السمع لما نزل من آيات الذكر الحكيم في العهد المكيّ.
وليس معنى ذلك افتقار ما نزل من الآيات في العهد المدني إلى الإيقاع بل هو قائم فيه، ولكن قد يكون لطيفًا , وأقلَّ ظهورًا ممَّا هو في نظيره من التنزّل في العهد المكيّ.
стр. 215
وهذه الحقيقة التي لايمكن التوقف في التسليم بها فضلا عن إنكارها وجحدها دليلٌ على ما للقيم الصوتية: جرسًا وإيقاعًا من أثر في إيصال المعنى إلى القلب وتقريره فيه ليبعث صاحبه إلى ما يراد منه، وهذا ما جعل المكذبين بالقرآن الكريم في مكة يتناصحون بألا يستمعوا إليه، وأن يحرصوا على أن يلغوا فيه لعلهم يغلبون.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت:٢٦)
﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (هود:٥)
ونحن نسمع الحق يهدي عبده ونبيه سيدنا محمدًا ﷺ إلى أن يجير من يستجير به حتّى يسمع كلام الله ﷻ :
(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) (التوبة:٦)
فإنَّ مجرد استماعه كلام الله ﷻ فيه الحجة عليه (١)