← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2150

العزف على أنوار الذكر

محمود توفيق محمد سعد

Полный текст (275 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وليس يخفى عليك أنّي لست هنا إلى دراسة التصوير البياني في القرآن الكريمِ فاستقصى لك القولَ في أنماطه، وإنّما أنا إلى الإشارة إلى معالم تقوم على جنبات الطريق إلى فقه المعنى القرآني في سياق السورة، وهذا ما عُنِيت به، فبينت لك شيئًا من تلك المعالم قائمة في بيان شيخنا أبي موسى، وفي بيان أبي الحسن الرمانيّ " لتهتدي بهما، فيكون منك إحسان كما كان منهما. -..رابعاً: التحليل البياني لجرس والايقاع.. ... جماع الأثر في البيان القرآنيّ ... ليس متوقفًا في التسليم به أنّ البيان القرآنيّ الكريم يحمل أثرين جليلين ممتزجين في بنائه اللسانيّ المعجز: الأثر الأول: موضوعيّ متعفّل يمكن إدراكه وتعقُّله وضبطه والإبانة عنه الأثر الآخر: انطباعيّ نشعر به وندركه ونتبينه في قلوبنا وأرواحنا، ولكنَّ الجمهرة لا تضبطه، ومن ثَم لا نكاد نملك الاقتدار على وصفه وتبين معالمه وملامحه، بل قد يتعذر على كثير منا أن يحيط بمبعثه ومصدره - الأثر الأول عنيت الدراسات البيانية به فيما عرف بأصول النظر في نظم البيان ومناهج تركيبه وأنماط تصويره، وفنون تحبيره، وقد قام بكثير من حقوق ذلك علم بلاغة العربية. وهذا ما قرّر عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الأعجاز " فريضة الإحاطة به، والوقوف على تعليل الحسن فيه والإبانة عنه، وقد جعلت بين يديك نصّ بيانه في هذا من قبل (١) - والأثر الأخر النفسيّ الانطباعيّ ندركه من خلال جرس البيان وإيقاعه (٢)

стр. 212

، وهو لايقل أهمية عن الأثر الآخر في تحقيق مقصد القرآن الأعظم وتقريره في النفوس، لتنبعث إلى ما يراد منها ولها. بغير هذا الأثر قد لا يتسارع إلى النفس توغل الأثر الموضوعيّ القائم برسالة الإعلام بما يريده الله – مِنَّا ولنا. وهذا الأثرُ قد يكونُ أظهرَ وأسرعَ إدراكا من الأثر الموضوعيّ المتعقَّل، كما نراه في موقف غير قليل من أصحاب الفطر والحس المتيقظ ممن لا يفقهون أصول البيان بالعربية، وهم يستمعون ترتيل القرآن الكريم، فيتأثرون بما يسمعون، ولا يفقهون أثره الموضوعيّ المتعقَّل. يقول " جان جاك روسّو " (١٧١٢-١٧٧٨ م) في كتابه (محاولة في أصل اللغات) : « ... إنّك لترى الذي له بعض معرفة باللغة العربية يبتسم إذ يتصفح القرآن، ولعمري، إنّه لو أنْصَتَ إلى محمد يقرأه بنفسه في تلك اللغة البليغة الموقَّعة، وبذلك الصوت الجهوريّ المقنع الذي كان يستهوِي الأذن قبل أن يستهوِي القلب، ولو أنصت إليه إذ لاينفكُّ ينفثُ فِي حكمِه نبرةً وحماسًا لسجد على الأرضِ من الرهبة، ثُمَّ لناداه: ألا، أيها النبي الأعظم، ألا، يارسول الله خذنا إلي المجد والشهادة: نريد أن نغلب أو نموت في سبيلك» (١) هذا الذي يحدثك عنه " روسو" أثر انطباعيّ " قائم في البيان القرآنيّ يزيدك إدراكا له، ويسارع به إلى قلبك ترتيلُ القاري وتغنِّيه مما يبعث فيضًا من الاستحسان للبيان القرآنيّ إلى قلبك، وكأنَّك قد فقهت بما قاله " روسو" شيئًا مما جاء عن النبيّ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا – مرفُوعًا من الأمر بتزيين القرآن الكريم بأصواتنا. عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"زينوا القرآن بأصواتكم. (البخاري تعليقا- كتاب: التوحيد)

стр. 213

وقد حث الحق نبيَّه ﷺ على ترتيله ( ... وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (المزمل:٤) وحثَّ النبيُّ ﷺ أمته على حسن التغنى به: روى الشيخان بسنديهما أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: «لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِشَىْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِىِّ ﷺ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» . (البخاري: حديث: ٥٠٢٣، ومسلم: صلاة المسافرين - حديث: ١٨٨١ وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «للهُ أشدُّ أذنا إلى الرجل حسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته» . (سنن ابن ماجة: إقامة الصلاة – إمامة) وعن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ هذا القُرآنَ نزل بحُزن، فاذا قرأتموه، فابكوا، فان لم تبكوا، فتباكوا، وتغنوا، فمن لم يتغن به، فليس منا» (ابن ماجة: إقامة) وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه، وتغنُّوا به» (مسند أحمد: ٤/١٣٦) فهذه الأحاديث وكثير غيرها تهدى إلى سنة أداء القرآن الكريم أداء حسناً، فانَّ فيه تزينَه فى قلوب سامعيه، فيقبلون عليه يتعلمونه، ويتدبرونه، ويلتزمون بهداه، فإنَّ حسن تلاوته وترتيله هو أول الطريق الرئيسي إلى فقه معناه المؤدِّي إلى حسن التزام هديه أمرا ونهياً، ولن يتحقق لبيان أن يرتّل وأن يتغنى به إلا إذا كان نسقه ونظمه وجرس كلماته وموقع معانيه غنيًا بمقومات الإيقاع وأنواعه وألوانه المتعدِّدة وهذا ما تحقق للقرآن الكريم،فلا يشاركه فيه بيان آخر.

стр. 214

الجرس والإيقاع فيه عنصر رئيس من عناصر البيان المنتج المعنى القرآني فى قلب المتلقي لا يقل عن أىّ عنصرٍ آخر أثراً وقيمة، بل هو أظهر عناصر ذلك البيان وأقربها إلى الادراك إجمالا، وأن يكن إدراكه على التفصيل والتحليل والتفسير غير قريب، ولا يسيرٍ فى كثير من صوره ممَّا يجعل المرء يحتاج في إدراكِهِ إلى لقانية وحسٍّ مرهف وأذن واعية. عناية القرآن في العهد المكيّ بالقيم الصوتيّة. تنزّل القرآن الكريم في ثلاثٍ وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة في مكة يقرر أصول العقيدة بالقصد الأول، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ومنها عشر سنوات في المدينة النبوية يقيم فيها أصول التشريع وما يضبط حركة الحياة المسلمة، وما يحقق للأمة عزَّها وسلطانها. اتسم البيان القرآنيّ النازل في العهد المكيّ بظهور القيم الصوتية من الجرس والإيقاع في تكوين وتشكيل صورة المعنى؛ لما يملكه الجرس والإيقاع من قدرة على النفوذ في حنايا القلوب، وذلك مرده إلى الميل الفطري للإنسان للإيقاع، فقد جبلت النفوس الناطقة على إدراكه،والارتياح والطرب بإدراكه (١) ، ففي ما تسمعه أذنه منغوما تجاوب مع حركته وحركة الحياة في داخله وخارجه، ذلك أنَّ هنالك تلازمًا بين الحياة والإيقاع، فليست هناك حياة لا إيقاع فيها. وهذا أمر لايكادُ يغيمُ على كلِّ من ألقى السمع لما نزل من آيات الذكر الحكيم في العهد المكيّ. وليس معنى ذلك افتقار ما نزل من الآيات في العهد المدني إلى الإيقاع بل هو قائم فيه، ولكن قد يكون لطيفًا , وأقلَّ ظهورًا ممَّا هو في نظيره من التنزّل في العهد المكيّ.

стр. 215

وهذه الحقيقة التي لايمكن التوقف في التسليم بها فضلا عن إنكارها وجحدها دليلٌ على ما للقيم الصوتية: جرسًا وإيقاعًا من أثر في إيصال المعنى إلى القلب وتقريره فيه ليبعث صاحبه إلى ما يراد منه، وهذا ما جعل المكذبين بالقرآن الكريم في مكة يتناصحون بألا يستمعوا إليه، وأن يحرصوا على أن يلغوا فيه لعلهم يغلبون. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت:٢٦) ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (هود:٥) ونحن نسمع الحق يهدي عبده ونبيه سيدنا محمدًا ﷺ إلى أن يجير من يستجير به حتّى يسمع كلام الله ﷻ : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) (التوبة:٦) فإنَّ مجرد استماعه كلام الله ﷻ فيه الحجة عليه (١)

стр. 216

، وإن لم يفهم ما فيه إن كان أعجميًا، لأنَّ في الصورة الصوتية لبيانه ما يدلّ دلالة قطعية على أنّه ليس من كلام البشر، وأنّ ما فيه من تلك القيم الصوتية جرسًا وإيقاعًا، وما يتحقق فيه من التناغي والتناغم لا يمكن أن يأتي في كلام أحد من البشر، وإن كان نبيا رسولا على نحو ما سبق أن نقلته لك من كلام " جان جاك روسو" (١) القرآن الكريم في العهد المكيّ إذن طابق بين مكونات صورة المعنى ومقتضيات السياق والأغراض التي يساق لها الكلام، وطبيعة القوم النازل فيهم القرآن الكريم في ذلك العهد، فجعل للجرس والإيقاع مكانًا عليًّا في تكوين صورة المعنى وتشكليه فيما تنزل من القرآن في ذلك العهد المكيّ. (٢) *** . بيان الجرس والإيقاع.

стр. 217

(الجرس) هو الأثر السمعى الناتج عن الذبذبات الفرعية المتوائمة مع الذبذبات الأصلية الناتجة من الأوتار الصوتية عند نطق الأصوات المجهورة (١) . " فاذا كانت الكلمة مكونة من حروف قوية الإسماع حسن جرسها وإلاَّ، فلا، أضف إلى ذلك أنَّ حسن الجرس يرتبط أيضاً بحسن التأليف" (٢) وهذا الجرس يمكنك أن تلاحظه في بناء الكلمة – إذ تصغي إليها - ولهذا حرصت العرب في بناء كَلِمِ بيانها على أن توفر لها مزيدًا من التناغم والتناسب، وأجلَّت خفة الأداء، فأحدثت ضروبا من التغيير والتحول في أصوات الحروف، وكثيرًا من الاستغناء والحذف تحقيقًا للانسجام الصوتي للكلمات، وهذا ما يلحظه الناظر فيما قام له علم التصريف، وهو علم بأصول صناعة الكلمة في لسان العربية. (٣)

стр. 218

وهي في منهاجها التصريفي قد لا حظت العلاقة بين طبيعة أثر الصورة الصوتية للكلمة، والمعنى الذي تقوم الكلمة بحمله في سياقها الذي تدرج عليه،فهى لغة موسيقية موزونة فى حروفها ومفرداتها وتراكيبها فحروفها موزعة المخارج الصَّوتيَّة توزيعاً موسيقيًّا وافياً، فليس هناك مخرجٌ صوتيٌّ واحدٌ ناقصٌ فى الحروف العربية التى قسمت على حسن موقعها من أجهزة النطق المستخدمة أحسن استخدام يهدى إليه الافتنان فى الإيقاع الموسيقيّ، فاذا هى لغة شاعرة فى حروفها قبل أن تتألف منها كلمات. والوزن والانسجام هما دعامة بناء الكلمة المفردة فى العربية، فاذا التوازن بين العناصر الصوتية للكلمة وافر باهر من جهة وهو يبيّن صورة المبنى ومافيه من المعنى كذلك، وكثيراً ما يسترشد بالمبنى فى نسقه الصوتيّ على فقه المعنى ولا نجد لغة كالعربية تناسقت منها أصوات كلماتها من جهة وتناسقت تلك الهيئة الصوتية المركبة فى كلمة مع معناها، فاذا الأحداث بادية فى الأصوات وإذا الأرواح تنِمُّ عنها الأجسادُ،أو يَشِي المظهر بالمخبر (١)

стр. 219

ولمَّا كانت المعاني متنوعة وجدنا في العربية كلمات ما تزال تحمل في بنائها الصوتيّ آثارَ الحزونة والصعوبة التنغيمية بغية إعانتها على الوفاء بحق تصوير معناها بصوتها، فيكون منها عونٌ للمتلقى على أن يدرك المعنى الذي قد يجد من نفرة النفس عنه ما يعيقه بعض الشيء عن إدراكه وتعقله، فيبقى الأثر الصوتي معينا على إدراك المعنى الغريب الذي لاتأنس النفس بوقوعه وصحبته، كمثل ما تراه في اصطفاء الله كلمة: (ضِيزَى) في قوله- : (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى) (النجم:٢٢) وكلمة: (طغواها) في قوله ﷻ : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا) (الشمس:١١) المهم أنَّ جرس الكلمة رافد رئيسيّ من روافد الدلالة على معناها. ونحن بحاجة إلى ملاحظة انتشار الأصوات الجهرية التى هي معدن جرس البيان القرآنيّ وتوزيعها؛ لتتبين لنا سنة القرآن الكريم فى التنسيق الصوتيّ بين الجهر والهمس الذى هما رافد الايقاع. (١)

стр. 220

*** (الايقاع) هو التواتر والتتابع بين كل متقابلين فى عالم المحسوسات، بل وفى عالم المعنويات. وهو فى عالم اللغة توالى الصّوائت والصّوامت وانتظامها وأطّرادها على نسق خاص، فأساسه كما يقول أهل العلم رجوع الظاهرة الصوتية على مسافات زمنية متساوية أو متجاوبة (١) والعربى بفطرته يعشق الإيقاع،ونشأته فى الصحارى الفسيحة جعلته معتمداً على أدراكه السمعيّ، فأصوات الرياح حين تهبُّ إيقاع تتلقفه أذنه الرهيفة، وحين يسكن الكون من حوله، يسمع خفق القلوب ووجيبها، ويسمع وقع الأقدام على الأرض وتوقيعها وهى على أميال عديدة، فهو ذو أذن واعية خفايا الهمس، فكان منطوق ألسنتهم متناغياً مع ما فطرت عليه آذانهم التى عشقت توقيع الأصوات، فاذا العربية لغة موزونة فى حروفها ومفرداتها وتراكيبها الفنية والموسيقية «فهى فى جملتها فن منظوم منسق الأوزان والأصوات لا تنفصل من الشعر فى كلام تألفت منه ولو لم يكن من كلام الشعراء.

стр. 221

وهذه الخاصَّة فى اللغة العربية ظاهرة من تركيب حروفها على حدة، إلى تركيب مفرداتها على حدة، إلى تركيب قواعدها وعباراتها، إلى تركيب أعرضها وتفعيلاتها فى بنية القصيد» . (١) فالعربى ذو نفس طروب فى جوهرها تتجلى مطامحها وإنفعالاتها وإندفاعاتها فى تعبير موسيقى موزون (٢) فإذا ما كانت العربية لغة موسيقية موزونة فى حروفها ومفرداتها فحروفها موزعة المخارج الصوتية توزيعاً موسيقياً وافياً فإنها فى نظم كلمات جملها أكثر اعتناء بالوزن والإيقاع، لأنهما دعامة البناء التركيبى للجملة فاذا التوازن بين العناصر الصوتية للجملة وافر باهر أيضًا على نحو لا تغفل عنه أذن واعية وقلب معافَى.. فالعربية فى أى أفق من آفاق البيان بها هى لغة الايقاع الحى المتجدد. *** قوانين الايقاع. يذهب أهل العلم بذلك إلى أن الايقاع تحكمه سبعة قوانين هى: النظام التغير التساوى التوازي التوازن التلازم التكرار. (٣) هذه القوانين السبعة تعمل مجتمعة متلازمة لا متعاقبة فى انتاج الايقاع سواء كان صوتياً أو معنوياً، وهى قوانين تجتمع فى باب الانتظام والانسجام، فلن يكون هناك إيقاع لشىء إلاَّ إذا تكوَّن من أشياء عديدة منظمة منسجمة سواء كان هذا الانتظام تقابليا أو توافقيا، فإنَّ الانسجام والانتظام ينبثقان من بين المختلفات مثلما ينبثقان من بين المتفقات

стр. 222

وهذه القوانين السبعة مجملة فى بابين: (الانتظام والانسجام: تقابلا وتوافقًا) . الأشياء لا تكون منسجمةً الا اذا كانت منتظمة أما الاضطراب والتهوش، فهو جرثومة القبح فى كل شىء، وحين يكون الانتظام بين وحدات متكررة بينهما وجوه تناظر عديدة وبعض وجوه التغاير يتحقق الانسجام، فالتكرار المطرد المتلازم بين الأشياء المتنوّعةالمتلاقية من وجوه عديدة متساوية متوازية متوازنة يخلق فيها الانسجام والتناسب الذى هو معدن الجمال فى الأشياء. فكلُّ جميل إنما جماله من انسجام عناصره (مبنى ومعنى) فيما بينها ومن انسجامه هو مع وظيفته ومن ثم لا ترى شيئاً جميلاً فى كل مقام وحال وسياق. (١) . مجال الايقاع اللغوي. البناء اللغوي القائم في سياقه الممتد يرتكز على أساس من علاقة التناظر والتقابل بين عناصره الجزئية ووحداته الكلية، وهذا الأساس هو روح (الإيقاع) لأنه كما تبين نظام يعتمد التناوب بين العناصر والوحدات المتناسبة والمتشابهة مما يحقق لها خاصية التردد المتطهر من عوامل الملل. وهنالك نوعان كليَّان للإيقاع: إيقاع صوتي، وإيقاع معنوي. الإيقاع الصوتيّ ينشأ من أصوات الحروف والحركات فى الكلمة، ومن اختيار الكلمات ومن تنضييد الجملة من كلماتٍ، وما فيها من حركاتٍ ومدَّات منسُوقة، ومن منهج التَّركيب، ومواقع الكلمات، ومن طول الكلمات والجمل وقصرها، ومن مقاطع الجمل وفواصلها كلُّ ذلك روافد رئيسية يستجمع منها الإيقاع الصوتيّ. . وقد هدى " عبد القاهر" إلى أثر اختيار مواقع الكلمات فى عزف إيقاعات البيان وهو بصدد التقديم لباب "التقديم والتأخير" يقول:

стр. 223

«هو باب كثير الفوائد جم المحاسن واسع التصرف بعيد الغاية لا يزال يفترُّ لك عن بديعة ويقضى بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعراً يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر، فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدّم فيه شىء وحول اللفظ عن مكانه إلى مكان." (١) فى قوله: «يروقك مسمعُه» آية على أن التقديم والتأخير رافد من روافد الايقاع الصوتى للعبارة. وأبين من هذا ما تراه من تحليله لقول ابن المعتز: وَإِنّي عَلَى إِشْفَاقِ عيْنِي مٍِنَ العِدَا ... لتَجْمَحُ مِنّي نَظْرَةٌ تُمَّ أَطْرِفُ وقول سبيع بن الحطيم: سَالَتْ عَلَيْهِ شِعابُ الحَيِّ حِينَ دَعَا أنْصارَهُ بِوُجُوهٍ كالدَّنَانِيرِ فأبان أن ما تراه من الطلاوة والظرف والحسن والحلاوة والأريحية والنشوة إنما يأتيك من مواقع الألفاظ واختيارها واختيار هيأتها وما الطلاوة والحلاوة إلاَّ من حسن إيقاع الكلام. (٢)

стр. 224

فاذا أنت نسجت كلمات البيت نسجاً آخر لا يخرج على قواعد النحو من نحو (سالت شعاب الحى عليه بوجوه كالدنانير حين دعا أنصاره) كما يقتضى ظاهر البناء اللغوي، فقد ذهب الذى كنتَ تجد من حسن وحلاوة وأريحية ونشوة، وفى هذا دلالة على أنَّ النَّظم وإن كان عمود بلاغة الكلام، فإنَّه أيضاً معه إيقاعٌ جالبٌ حسناً وحلاوة ونشوة واريحية. وأنت تجد مثل هذا ظاهرًا في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ* حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ) (القمر:٤-٧) تدبَّر هذا النسق الصوتي البادي في فواصل الآيات، وكيف أن فواصل الآيات معتلقة تركيبيًّا بما قبلها وما بعدها،ولو أنك أردت في غير القرآن أن تنسقها كما يقضي ظاهر النظم لقلت: (يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ) وستجد أن فيضًا من المعاني النفسية قد ضاع، وفقد البيان رونقه وبهاءه، وأنت لم تفعل غير أنك أقمت الكلمات والجمل مقاماتها التي يقتضيها ظاهر أصل النظم، فحقَّ أنَّك وجدت سبب أن راقك ما في النظم القرآنيّ ولطف عندك أن قدّم فيه شىء وحول اللفظ عن مكانه إلى مكان، كما يقول الإمام.

стр. 225

ومن ثَمَّ يَجْمُلُ بنا ألاَّ نقصرَ أثر نظم البيان العالي فضلا عن العَلِيِّ على الأثرِ الموضوعِيّ المتعقِّل الذي يمكن إدراكه وضبطه ووصفه والإبانة عنه، بل علينا – فريضة تدبّريّة تذوقيَّة – أن نجمع إليه الأثر الانطباعيّ الذي نشعر به وندركه، ولا نضبطه، ولا نتمكن من وصفه، والإبانة عنه كالأثر النفسيّ الذي ندركه من خلال جرس الكلام وإيقاعه، وهو لا يقلّ أهمية في تحقيق التثقيف النّفْسِي للمتلقي الأثرَ الموضوعيّ المتَعَقّل. وهذا ما يمكن أنْ تدركه من العدول الموقعيّ لبعض عناصر البنية اللغوية للخطاب كما سبق بيانُه، فليس بلازم حصر أثر ذلك العدول في الأثر الموضوعِيّ المتعقَّل من نحو توكيد أو تخصيص ... إلخ بل قد يصاحب هذا أثر نفسي انطباعي قد يكون أظهر وأسرع إدراكًا من الأثر الموضوعِيّ المتعقّل. وإذا ما كان علينا الأَّ نرغبَ عن القولِ به لأنّه حقيقة قائمة في البيان، فعلينا ألاَّ نجزم بأنّه أثرٌ أجرد، لايصاحبُ أثرًا موضوعًا متعقَّلا، لأنّ البيان الذي نحن بصدده بيانٌ وصفه المكتلم به بأنه كريم مجيد. وقد جاء عن "الزمخشري " فيما نُقِلَ عن كشافه القديم قوله: «لاتحسنُ المحافظة على الفواصل لمجردها إلاَّ مع بقاء المعاني على سردها، على المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتآمه، فأمَّا أن تهمَل المعاني،ويهتمّ بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤداه، فليس من قبيل البلاغة» (١)

стр. 226

وهذا ليس تقليلا من شأن الأثر النفسي الذي يتولد من مراعاة الفواصل بل هو تعظيم لمكان البيان القرآني العَلِيّ، فالأعلى أن نشير إلى أنَّ إدراكنا للأثر النفسيّ للجرس والإيقاع أظهر وأقرب وآنس للنفس، وأنّه قد يكون لمتفرّسٍ نفوذٌ إلى ما لم ندرك من الأثر الموضوعيّ المتعقل المصاحب له في لطف. ومن هنا ندرك أيضًا وجها من مقال غير قليل من أهل العلم بالبيان بأنَّ الحذف لمراعاة الفاصلة، وأن التقديم لذلك على نحو ما جاء عن " الشمس بن الصائغ " في كتابه " إحكام الراي في أحكام الآي " من أنّ المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية، يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول (١)

стр. 227

وقد جاء عن ابن الأثير أن التقديم في قول الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥) لمكان نظم الكلام ولمراعاة حسن النظم السّجعي (١) الاقتصار على هذا الأثر النفسي للقيم الصوتية في البيان القرآني غير عَلِيّ القول به بل هنالك ما يصاحبه من الأثر الموضوعيّ المتعقل الذي لا يخحسن البتة الغفلة عن صحبته له، وغن كان لطيفًا في بعض المقامات. *** وأما النوع الثانى: إيقاع المعاني فإنَّ ذلك بادٍ فيما يكون بين معانى المفردات فى العبارة وبين أنماط التراكيب فى الجمل، وما بين الفصول والمعاقد من توازٍ وتقابلٌ، وترديدٌ، وذلك فى العربية ظاهرة شائع، وهو فى القرآن الكريم جد بديع، فقد وصفه الله بأنَّه كتاب متشابه مثانٍ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر:٢٣) (٢)

стр. 228

يمثل الترديد وتصريف المعاني مظهرًا من مظاهر إيقاع المعاني في القرآن الكريم،وهو يحدث في القلب نشوة وبهجة كالتي تحدث من سماع الإيقاع الصّوتِي، وأكثر ما ترى هذا في تصريف الدلالة على المعنى الواحد كما تراه في الدلالة عليه بالمنطوق حينًا وبالمفهوم والتلويح حينا والتصريح حينًا آخر، فيعرض عليك المعنى أكثر من مرة في أكثر من معرض ليتمكن في قلب المتلقى وهذا يكثر في المعاني الرئيسة في باب العقيدة والشريعة. (١)

стр. 229

ومن إيقاع المعاني ماتراه فى ما بينها من تقابل وتناظر وتوازن وتكافؤ ورد عجز على صدر معنويّ وجمع وتفريق وتقسيم إلى آخر تنسيق المعاني ومراعاة النظائر ونسج المتقابلات في إطار الجملة والمعقد والسورة، بل إنَّ سورًا كاملة قامت على نهج التوقيع المعنويّ التقابليّ على نحو ما تراه فى سورة (محمد) وفى سورة (الحديد) أو منهج التوقيع المعنويّ التناظريّ كما تراه فى ما بين معاقد سورة (النحل) ، وما تراه من العموم الخصوص بين سورتي (النحل) و (الإسراء) فإنّ العلاقة بينهما كمثل العلاقة بين اسمية ﷻ : (الرحمن، الرحيم) ، فالنحل منسولة من اسمه (الرحمن) و (الإسراء) منسولة من اسمه (الرحيم) التحليل البيانى لإيقاع السورة القرآنية يعمد إلى النظر فى نوعى الإيقاع الصوتي والمعنويّ على السواء فانَّ أحدهما ليس أضعف أثراً من الآخر فى إنتاج المعني القرآنيّ فى قلب المتلقي، وإن يكن إدراك أثر الإيقاع الصوتي فى ذلك أسرع من إدراك أثر الإيقاع المعنويّ فإنّه قد يكون ألطف حين يدق، فيحتاج المرء معه إلى مزيد إعتناء ولقانية وخبرة ودربة. . الجرس والايقاع في الأساليب البلاغية. الناظر فى أساليب البيان العربى يدرك فيها جليا قوانين الإيقاع المدرجة فى باب الانسجام، وأكثر ما تجد هذا فى ما يعرف بضروب البديع سواء ما كان منها معنوياً أو لفظياً. ترى ذلك فى أسلوب المطابقة بنوعيها: (الإفرادية: الطباق) و (والتركيبية: المقابلة) فهو أسلوب يعتمد على الإيقاع بين المعانى سواء بين المفردات أو الجمل أو الآيات أو المعاقد والفصول بل إنَّك لترى توقيعاً تقابلياً بين سور القرآن الكريم كما بين سورة (النساء) وسورة (المسد) .

стр. 230

وترى ذلك فى أسلوب مراعاة النظائر والتناسب وهو فى القرآن الكريم كثير لا تراه فى الكلمات، فحسب بل يمتد إلى الجمل والآيات فى السورة بل بين المعاقد فى السورة الواحدة، كماتراه بين المعقد الأول والثالث من سورة (النحل) (١) بل تراه بين السورتين كما تراه بين سورة (آل عمران) و (البقرة) من وجه وبين (آل عمران) (الاخلاص) من وجة آخر، وما تراه بين (الطواسيم) وبين سور (الحواميم)

стр. 231

وتراه جلياً فى أساليب المزاوجة والجمع والتفريق واللف والنشر وفى التقسيم وفى المشاكلة وغير ذلك كثير من ضروب البديع فى المعانى فهى قائمة على دعائم الانتظام والتكرار والتماثل أو التغاير أو هما معاً من وجهين مختلفين..........الخ بل أنت لا ترى هذا الإيقاع المعنوى فى أساليب البديع المعنوية فحسب بل تراه أيضاً فى كثير من قضايا النظم وبناء المعنى: تراه كما سبقت الإشارة فى التقديم والتأخير وتراه فى الفصل والوصل ولا سيما تتابع الصفات أو الجمل والآيات، فهو فى صورته المعنوية واللفظية جد ظاهر، وتراه فى التكرار وفى تصريف الآيات. والايقاع الصوتى تراه جليا فى كثير من أساليب البديع اللفظى: تراه فى الجناس بجميع صوره، وما هى إلاَّ صور لتغاير إيقاع الكلمات سواء التام والمحرَّف والناقص واللاحق والمضارع والمزدوج والمقلوب وتراه فى السجع بجميع صوره التي لا تتناهى، وتراه جد ظاهر فى فواصل الآيات وفى رد المقاطع على المطالع. فريضة – إذن - على المتدبِّر البيان القرآني الساعي إلى فقه المعنى القرآني في سياق السورة أن يكون مَهْمُومًا بالنظر والتبصر والتدبر لمعالم الإيقاع المعنويّ والصوتيّ في كل تلك الأساليب. وجملة الأمر أن التحليل البيانيّ للايقاع يتناول كثيراً من أساليب البيان فى القرآن الكريم سواء ما أدرجه العلماء فى ما سمى بعلم المعانى أو البيان أو علم البديع. (١)

стр. 232

فكما أنَّ التَّحليل يتناولُ قيمة هذه الأساليب فى بناء المعنى وتصويره، فإنَّه يتناولها فى تحبيرها بما فيها من توقيع صوتى أو معنوى يتناغى مع توقيع خفقات القلوب والأنفاس ودفقات الدماء فى العروق. . التفكير البلاغيّ والصورة الصوتية للمعنى. (١) يحسن أن نستهل ذلك بكلمة عَلِيَّةٍ قالها " أبو زكريا: يحيي بن زياد الفراء" (ت: ٢٠٧) عند نظره في قول الله : في سورة " النازعات " ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) . جاء قوله ﷻ : ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً﴾ متفردًا في قراءة أهل المدينة والحجاز والبصرة بزنة (فَعِلة) ، وجاءت قراءة عامة قراء الكوفة على زنة: (فاعِلة: ناخِرة) مشاكلة للفواصل قبلها.

стр. 233

يبين "الفراء" أنَّ "عمر بن الخطاب " ﵁ قرأ (ناخرة) ، وأنّ بن عباس ﵁ قرأ (نَخِرَة) و (ناخِرة) ثُمَّ يقول عن (ناخرة) إنَّها" أجود الوجهين في القراءة؛ لأنّ الآيات بالألف. ألا ترى أنَّ (ناخرة) مع (الحافرة) و (السَّاهرة) أشبه بمجيء التنزيل، و (الناخرة) و (النخرة) سواء في المعنى بمنزلة "الطَّامع" و" الطمع" و"الباخل" و"البخل" وقد فرَّق بعض المفسرين بينهما، فقال: (النخرة) : البالية، و (الناخرة) : العظم المجوف الذي تمرّ فيه الريح، فينخر " (١) لتنظر في قوله: «أجود الوجهين في القراءة؛ لأنَّ الآيات بالألف ... » فهذا منه إعلاء لعطاء التوافق في إيقاع النغم في الصورة الصوتية للآيات وقد يحسب ناظر أنَّ هذا من ردّ القراءات أو المفاضلة بينهما والقول بالتفاوت في بلاغة القرآن الكريم. لو نظرت في مقال " الفراء" لرأيت أنّه يقول: «أجود الوجهين» فهو لم يحكم بصحة أحدهما هنا دون الأخر بل قرر أن قراءة (ناخرة) أجود بفيوض المعنى على القلب من قراءة (نخرة) أي أن الصورة الصوتية لقراءة (ناخرة) يتوافد منها على القلب من المعاني أجودها بما حملته من الانسجام في الجرس والإيقاع. وهذا ما لا يمكن أن تدفعه، ولا سيّما أنّه يذهب إلى أن المعنى المتعقّل من (ناخرة) و (نخرة) سواء، فلم يبق إلا ما يتوافد عليك من الأثر الانطباعي من الصورة الصوتية المتناغية مع ما سبقها وما تلاها. *** والتفكير البلاغيّ قد ظهر تدوينه المصنّف على يدي " ابن المعتز ".

стр. 234

وكان مبعثه إلى ذلك ما شاع في عصره من العناية بالقيم الصوتية: جرسًا وإيقاعًا، حسبان بعض طلاب العلم أنَّ ذلك مستحدث لم يكن لأهل البيان من قبل عناية به أو عرفان، فخشي "ابن المعتز" من قيام ذلك الحسبان أن ينصرفوا عنه تذوقًا وعرفانًا فأقام كتابه (البديع) وهي تسمية عالية ذات دلالة على مضمون الكتاب وغايته، صدره بالنظر في خمسة فنون بديعية: اثنان هما أصل عظيم من أصول التصوير الصوتي للمعاني عن طريق الجرس والإيقاع: الجناس ورد الأعجاز، ولو أنّ كتابه في الشعر والنثر معا لجعل السجع ضميم الجناس ومن قبله الجاحظ كانت عنايته بالتصوير الصوتي، وأثر الجرس والإيقاع في الإبانة العلية عن المعاني ظاهرة في تفكيره البلاغي والنقديّ: تسمعه في شأن اللفظ وما به يتحقق له قدره في بناء البيان العالي: «متى كان اللفظ كريمًا في نفسه متخيرًا من جنسه، وكان سليمًا من الفضول بريئًا من التعقيد حُبِّبَ إلى النّفوسِ واتصل بالأذهان والتحم بالعقول، وهشّت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخفَّ على ألسن الرّواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره ... » (١) وإذا ما جاء " الرمانيّ " فإنّه يجعل من الأقسام العشرة للبلاغة عنده ثلاثة من التصوير الصوتي: التلاؤم والفواصل والتجانس. والتلاؤم عنده " تعديل الحروف في التأليف " «والمتلائم في الطبقة العليا القرآنُ كلُّه، وذلك بيّن لمن تأمّله ... والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة» (٢)

стр. 235

وهذا يزداد قدره عندك باستحضارك معنى البلاغة عنده:" إنَّما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ " (١) وهو يوجوب مشاكلة الحروف في مقاطع الكلام ليتحقق حسن إفهام المعاني، فتكون المشاكلة حينئذٍ بلاغةً، وإلاَّ كانت عيبًا، ولذلك يقرر أنَّ تشاكل الحروف في مقاطع الكلام في القرآن الكريم كلَّّه بلاغة وحكمة؛ لأنَّ هذه المشاكلة طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدلّ بها عليها (٢) وهذا الذي نصّ عليه " الرماني " أصلٌ في القيم الصوتية لأيِّ بيان عالٍ بله البيان العَلِيّ المعجز. وقد يترامى إلى غير متفرس أنَّ " عبد القاهر" مُعْرِضٌ نافرٌ من النظر في هذا الأثر، أو أنّه مُسْتَخِفٌ به،ولكن الأمر على غير هذا يقول شيخنا: " عبد القاهر لم يَنْفِِ أن يكون السّجع والجناس من القيم البلاغية مع أنهما مؤسَّسان على الأصوات، والأنغام، وإنَّما أكَّد ضرورة أن تكون الأصوات والأنغام هي أصوات وأنغام المعاني ساقت إلى الجناس والسجع، وحينئذٍ تكون القيم الصوتية داخلةً في صُلب الصياغة والدلالة، وأنّه لاسبيل إلى الإبانة عن المعنى إلا بهذا السجع أو هذا الجناس ... ولا أتصور أن يكون عبد القاهر وهو من هو في الحسّ باللمحة الدَّالّةِ قد أنكر هذه القيم الصوتية في بيان العربية؛ لأنَّها جزء من جوهر بلاغة هذا اللسان، ليس في الشعر فحسب، وإنَّما في النثر أيضًا ... وأهم من كل هذا القرآنُ الكريم الذي ذكر "الرّمَّاني" أنَّ التلاؤم فيه وهو النّسق الصوتي لا غير وجْهٌ من وجوه إعجازه» (٣)

стр. 236

وقد يستحضر وَعْيُك قولَ " عبد القاهر" في تعيين مناط مزية البيان البليغ: «إنّها ليست له حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك وتستعين بفكرك وتُعمل رويَّتك، وتراجع عقلك، وتستنتجد في الجملة فهمك» (١) فيقوم فيه أنَّ الإمام ينفى أن تكون القيم الصوتية في بناء البيان مناطا لمزيته. يعصمك من ذلك الحسبان أن تعيد النظر في مقال عبد القاهر: هو يقول «إنّها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك» يبيّن لك أن وسيلة إدراك المزية ليس الأذن فمن سمع فقه، فيتساوى السامعون في إدراك المزية متى تساووا في السمع، وإن تفاوتوا في الطبع والثقافة، كلاَّ. لايكون. هو يبين لك أن المزية تظهر لك حيث تنظر بقلبك، وهذا لايتساوى الناس فيه والقلب إذ ينظر لا ينظر إلا في المعاني وفي صورها وما تشكلت منه تلك الصور،ومنها القيم الصوتية على تنوعها، وفي مناهج دلالة الصُّوَرِ على معانيها، وليس حسنا التغافل حينئذٍ عن ما قرَّرَه في (إسرار البلاغة) من العلاقة بين السجع والجناس في تشكيل صورة المعنى، واقتضاء المقام والغرض المنصوب له الكلام لهما، فإذا لم ينزل البيان على ما اقتضاه المقام والغرض كان ذلك من عقوق المعنى. فعبد القاهر كما يقول " شيخنا ": «لمَّا ذكر "الجناس" اجتهد في أن يستخرج له سريرة معنوية يرجع إليها حسنه، ولم أعرف أحدًا قبل " عبد القاهر" حاول أن يجد تفسيرًا معنويًا لهذا الفنِّ الذي هو صوتٌ وجرسُ، ولكنّ " عبد القاهر" بتغلغله وإيغاله حاول أن يلتقط أطياف معاني هذا الرنين، ولم يذكر ذلك أحد بعده إلاَّ من شاموا كلامه، وراموا روْمه» (٢)

стр. 237

إنك إذا ما استرجعت تبيان عبد القاهر مقومات تمام بلاغة الخطاب، وتقريره أنها حسن دلالة الكلام على معناه وتمام هذه الدلالة وتبرجها في صورة هي أبهى وأزين وآنق وأعجب وأحقّ بأن تستولي على هوى النفس وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق لسان الحامد وتطيل رَغْمَ الحاسد" فإنَّه لا يبقى لديك شكٌ في إعلاء " عبد القاهر" القيم الصَّوتيَّة في تشكيل الصورة الدّالة على المعنى دلالة حسنة تامّه، ولهذا تراه يُعْنَى كثيرًا بأمر اللفظ الذي هو لبنة بناء الصورة الدّالة على المعنى دلالة حسنة تامة، فيوجب أن تختار اللفظ الذي هو أخصّ بالمعنى، وأكشف عنه، وأتمّ له، وأحرى بأن يكسبه نبلاً، ويظهر فيه مزية. (١) وأنت إذ تنظر في معجم المصطلحات البلاغية التي نشأت في التفكير البلاغيّ المتقدم فضلا عن المتأخر تجد أن غير قليل منها منسول من منهاج العلاقات الصوتية بين مكونات مباني المعاني، فلم يكن أولئك العلماء قديمًا وحديثًا يكتفون بأن تكون مباني المعاني جرداء بل يعلون استحالة المباني إلى مغانٍ حسنة الدلالة على المعاني وحسن دلالتها ذو روافد عديدة منها حسن نسقها الصوتي، ولست أحسب أني مفتقر إلى أن أُعَدِّدَ هنا شيئًا من تلك المصطلحات وما يندرج من تحتها من البيان العألي البديع شعرًا ونثرًا والبيان العَلِيّ المبلس والمعجز: قرآنًا وسنة، فالأمر أجلى ظهورًا من الشمس المشرقة. مجمل القول: إنَّ التفكير البلاغيّ قديمًا وحديثًا قد كانت له عناية كريمة بالقيم الصوتية المكونة من الجرس والإيقاع على اختلاف مساحتهما ومنهاجهما، وكانت عنايتهم به مَنْسُولَةً من عنايتهم بالمعاني وصورها ومناهج الدلالة عليها ومسالكها إلى النفوس حاملة إليها تلك المعاني، ولعلَّ تبيان "الرمّاني" جوهر البلاغة بقوله:" إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ" يسلك تلك الحقيقة في قلبك ويقررها فيه.

стр. 238

*** ومن أشياخ عصرنا من غير البلاغيين الذين عنوا بتقرير أهمية التناسق النغمي وأثره في بلاغة القرآن الكريم وإعجازه " مصطفى صادق الرافعي" فيما بثه في سفره القيم (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) : وهو في تدبره وتأويله ينزع من حقيقة أنَّ القرآن الكريم " وجود لغويّ ركّب كلّ ما فيه على أن يبقى خالدًا مع الإنسانية، فهو يدفع عن هذه اللغة العربية النسيان الذي لا يدفع عن شيءٍ، وهذا وحده إعجاز، ثُمَّ هو لن يكون كفاءَ ذلك،ولن يقومَ بهِ إلاَّ إذَا كانَ معجِزًا أهلَ اللغةِ جميعًا، فتذكرُ به اللغةُ، ولا يُذكرُ هو بها، وبذلك يحفظها؛ إذ يكون في إعجازه مشغلةَ العقل البيانيّ العربيّ في كلّ الأزمنةِ، يأتي الجيلُ من النّاسِ،ويمضي،وهو باقٍ بحقائقه ينتظر الجيل الذي يخلفه ... " (١) وهذه الحقيقة الكبري توجب على العقل البياني في كل جيل أن يمنح أوًل ما تركب منه البيان القرآني إدراكًا (جرس وإيقاع كلماته في إفرادها ونظمها) بعضًا من عنايته تدبرًا وتذوقا. وهذا ما قام بشيءٍ منه الرافعيّ فعقد بابًا لنظم القرآن بأبعاده الثلاثة: نظم الحروف،ونظم الكلم، ونظم الجمل فإنَّ " سرّ الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلها بحيثُ خرجت من جميعها تلك الطريقة المعجزة التي قامت به، فليس لنا بدّ في صفته من الكلام في ثلاثتها جميعًا " (٢) يعمد إلى الحروف وأصواتها،وهو يبيّن أن العرب حين سمعت القرآن الكريم لفتها أوَّل ما لفتها إليه جرسُ حروف كَلِمِه وإيقاعها «رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله ألحانا لغوية رائعة، كأنَّها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة قراءتها هي توقيعها " (٣)

стр. 239

فالجرس والإيقاع هو أول ما يسترعي انتباه المستمع، وإن لم يستطع لظلمة جهالة أو عجمة أن يدرك شيئًا من المعنى المتعقّل، ولها تجد العامة ممن لا يعرفون من علم العربية شيئًا يرغبون في الإصغاء إلى الترتيل الحسن، وقد ينفعلون لتوقيعه انفعالا قد لا يتجاوب مع ما يحمل هذا الإيقاع من المعنى المتعقل، فتراه يهتف بكلمة الإعجاب في مقام ترهيب وإنذار تنخلع له قلوب العارفين،وما هو بالذي هتف إعجابا لما تضمنه من ترهيب وإنذار، فهو به جهول، وإنما هتف لجرسه وإيقاعه، وذلك ما يدركه حسه الفطريّ. فهذا من وجوه الحسن في النظم القرآنيّ لأصوات حروفه وكلمه، وفوق هذا يدرك من يملك نصيبًا من العرفان بأسرار البيان أنَّ القرآن الكريم قد: تألفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو بدل بغيره أو أقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللا بيّنًا أو ضعفًا ظاهرًا في نسق الوزن وجرس النغمة،وفي حسّ السمعِ وذوق اللسان، وفي انسجام العبارة، وبراعة المخرج،وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض، ولرأيت لذلك هجنة في السمع كالذي تنكره من كلّ مرئيّ لم تقع أجزاؤه على ترتيبها، ولم تتفق علىطبقاتها، وخرج بعضها طولا، وبعضها عرضًا، وذهب ما بقي منها إلى جهات متناكرة» (١) يترامي إلى قلبك أنَّها منسول من عبارة " الخطابي" في " بيان إعجاز القرآن " إذا ما اتسعت قراءتها: قضى بأن وضع الكلمة في غير موضعها قد ينتج منه تبدل المعنى المتعقل الذي يكون منه فساد الكلام، وقد ينتج ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة (٢)

стр. 240

رونق الكلام - كما لايخفى عليك – صفاؤه، وصفاء الكلام يبدو في ما يلقاك من جرسه وإيقاعه في نظم حروف كلمه ونظم كلم جمله (١) فذهاب صفاء الصورة الصوتية: جرسًا وإيقاعا من تبدل حرف أو كلمة قد ينتج منه سقوط بلاغة الكلام، وهذا ما يتبين لك منه أنَّ " الحرف الواحد من القرآن معجز في موضعه؛ لأنّه يمسك الكلمة التي هو فيها ليمسك بها الآية والآيات الكثيرة. وهذا هو السرّ في إعجاز جملته إعجازًا أبديًا، فهو فوق الطبيعة الإنسانية، وفوق ما ينتسب إليه الإنسان ... " (٢) وهو إذ يبين لك نسق أجراس الكلم وإيقاعها في نظم الجملة يرشد إلى أنَّ المعنى في بيان البشر يقوم في النفس، فيصطفي الطبع لها من الكلم ما هو من جنس المعنى، فيتسحيل الكلم الجاري على لسان المبين والساري في أذن المستمع صوت نفس المتكلم يحمل معناه إلى قلب المتلقى. ويبين لما أن نسق الكلام البليغ من ثلاثة أصوات أولها ما أسماه «صوت النفس» وهو الصوت الموسيقيّ الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها،ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه على طريقة متساوقة،وعلى نضد متساوٍ بحيثُ تكون الكلمة كأنَّها خطوة للمعنَى في سبيله إلى النفس إن وَقف عندها هذا المعنَى قُُطعَ عنها. والصوت الثاني: «صوت العقل» وهو الصوت المعنويّ الذي يكون من لطائف التركيب من جملة الكلام، ومن الوجوه البيانية التي يداور بها المعنى، لايخطئ طريق النفس من أي الجهات انتحى إليها.

стр. 241

وهذان النوعان تراهما في كلماء البلغاء لا يستعصي عليهم التبريز فيهما، وكلام " الرافعي" فيهما مجمل، والصوت الثالث: «صوت الحس» وهو لا يكون إلا من دقة التصوير المعنوي، والإبداع في تلوين الخطاب ومجاذبة النفس مرة وموادعتها مرة، واستيلائها على محض بما يورد عليها من وجوه البيان أو يسوق إليها من طرائف المعاني. وهذ الصوت أبلغ الأصوات شأنا وعلى مقدارما يكون في الكلام البليغ منه يكون فيه من روح البلاغة. وهذا الصوت قد خلت لغة العرب في لسانهم من صريحه وانفرد به القرآن الكريم. وهذا ما يجعلك، وانت تقرأ القرآن الكريم «تحس من حروفه وأصواتها وحركاتها ومواقع كلماتها وطريقة نظمها ومداورتها للمعنى بأنّه كلام يخرج من نفسك وبأن هذه النفس قد ذهبت مع التلاوة أصواتًا واستحال كلّ ما فيها من قوة الفكر والحسّ إليها،وجرى فيها مجرى البيان، فصرت كأنّك على الحقيقة مطويٌّ في لسانك (١) ،

стр. 242

وكلامه في أنواع أصوات البيان، واختصاص البيان القرآني بصوت الحسّ هو المفتقر إلى مزيد تبيين افتقارنا نحن إلى ذلك التبيين، وما أشار إليه من أنّ صوت الحس يتبين لك فيما تلحظه من نفسك مع القرآن الكريم من أنّضها لا تضيق به ولا تنفر منه، ولا يتخونها الملال ... " لأنّ طريقة نظمه قد جعلت في تلاوته قوة الانبعاث للنفس المكدودة ... " إنما هو وصف للشيء بما يحسّ من أثره، فلا يكشف عن حقيقته، ولا عن منبعه وروافده. المهم أنه ينتهي إلى تقرير أنك «لو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيئ بعضها لبعضٍ ويساند بعضًا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقيّ حتّى إنَّ الحركة ربّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب، ولا تساغُ، وربما كانت أوْكَسَ النّصِبَيْنِ فِي حظِّ الكلامِ من الحرف والحركة ِ، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنًا عجيبًا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امْتَهَدَتْ لها طريقًا في اللسان، واكتنفتها بضروبٍ من النّغم الموسيقيّ حتّى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيءٍ، وأرفه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة» (١)

стр. 243

وهذا منه يهدي إلى أن الكلمات لا تتسم في وجدها الانفرادي بقبح أو حسن أو ثقل أو خفة، فتلك صفات تكتسبها من وجودها الاجتماعي، فهي أشبه بنعت التقوى في الإنسان، لاسبيل إلى نعته به مفردًا عن قومه محجوزًا عن الترابط بأمور حياتهم، فإقامة الكلمة مقامها الآنس بها يحجز النفس عن أن ترى فيها ثقلا أو نفرة بل ترى ما فيها من حزونة مبعث أنس بها، وهذا لا يكون من الكلمة نفسها وإنّما مما يصنعه المتكلم بها إذ يقيم من قبلها ما يوطّئُ لها السبيل إلى مقامها الشريف، فتتناغى أصوات مبناها مع ما قبلها وما بعدها مثلما يتآخى معناها مع معنى جاراتها وأخواتها. كلامه هنا بسط لأبعاد نظرية النظم عند "عبد القاهر"، ومَدُّ لها، وإحاطة لما منه يكون البيان مبنى ومعنى. وأنت تراه يصحبك في تدبره وتذوقه البيان بكلمة (النُّذُر) في قول الله : ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ (القمر:٣٦) وأشارإلى ما تحسه من ثقل الضمة لتواليها على " النون" و" الذال " معا، مضافا إلى ذلك جسأة حرف " الذال " وصلابته وخشونته ونبوه في اللسان وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكلُّ ذلك مما يكشف عنه، ويفصح عن موضعه الثقل فيه، ولكنَّه جاء في في هذه الآية على العكس من ذلك. تأمل موقع القلقة في "دال" "لقد" وفي "الطاء" من " بطشتنا"،وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء " الطاء" إلى "واو" " تماروا" مع الفصل بالمدّ، كأنّها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا جرت على اللسان؛ ليكون ثقل الضمة عليها مستخفًا بعد، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة. ثُمَّ ردّد نظرك في " الراء" من " تماروا" فإنَّها ما جاءت إلا مساندة لـ" راء " " النذر" حتَّى إذا انتهى إليها مثلها، فلا تجْفُ عليه ولا تغلظ، ولا تنبو فيه.

стр. 244

ثُمّ اعجب لهذه الغنّة التي سبقت " الطاء " في " نون " " انذرهم " وفي ميمها، وللغنة الأخرى التي سبقت " الذال " في " النذر " (١) ويتبر معك بعضًا آخر من الكلمات هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع ممَّا قد يَسِمُها بالاستثقال طبيعةَ وضعٍ أو تركيبٍ، ولكنَّها في نظمها القرآني خرجت مخرجًا سريًّا من نحو قول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥) فقوله ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ كلمة واحدة [إملائيًا لا نحويًا] من عشر ة أحرف، وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها، فإنَّها بذلك صارت في النطق كأنَّها أربع كلمات إذ تنطق على أربعة مقاطع» (٢) ويجرى القول منه في ذلك، فينتهى بنا إلى أن «طريقة نظم القرآن تجري على استواء واحد في تركيب الحروف باعتبار من أصواتها ومخارجها،وفي التمكين بحسّ الكلمة وصفتها، ثُم الافتنان فيه بوضعها من الكلام،وباستقصاء أجزاء البيان،وترتيب طبقاته على حسب مواقع الكلمات لا يتفاوت ذلك ولا يختل» (٣) *** وممن عنى بذلك – أيضًا - "العلامة: محمد عبد الله دراز" في كتابه القيم الذي أخرجه لطلاب العلم سنة (١٩٣٣) فسبق كثيرًا. وذلك ما تراه من نظره في خصائص الأسلوب القرآنيّ، جاعلاً الخاصية الأولى " خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره، (٤)

стр. 245

ويأتي قرينه الشيخ " محمد عبد العظيم الزرقاني " ليزيد الأمر بيانًا في سفره القيم " مناهل العرفان في علوم القرآن"، جاعلا الخاصّة الأولى من خصائص أسلوب القرآن الكريم تبعا للشيخ " دراز " خاصة " مسحة القرآن اللفظية" (١) وقد بيّن أنَّ جمال البيان القرآنيّ أول ما يتجلى لك حين تصغي إليه يتجلّى في" تلك الظاهرة العجيبة التي امتاز بها القرآن في رصف حروفه وترتيب كلماته ترتيبا دونه كل ترتيب ونظام تعاطاه الناس في كلامهم. وبيان ذلك: أنك إذا استمعت إلى حروف القرآن خارجة من مخارجها الصحيحة تشعر بلذة جديدة في رصف هذه الحروف بعضها بجانب بعض في الكلمات والآيات هذا ينقر وذاك يصفّر، وهذا يخفى وذاك يظهر وهذا يهمس وذاك يجهر إلى غير ذلك مما هو مقرر في باب مخارج الحروف وصفاتها في علم التجويد، ومن هنا يتجلى لك جمال لغة القرآن حين خرج إلى الناس في هذه المجموعة المختلفة المؤتلفة الجامعة بين اللين والشدة والخشونة والرقة والجهر والخفية على وجه دقيق محكم، وضع كلا من الحروف وصفاتها المتقابلة في موضعه بميزان حتى تألف من المجموع قالب لفظي مدهش وقشرة سطحية أخاذة امتزجت فيها جزالة البداوة في غير خشونة برقة الحضارة من غير ميوعة، وتلاقت عندها أذواق القبائل العربية على اختلافها بكل يسر وسهولة. ولقد وصل هذا الجمال اللغوي إلى قمة الإعجاز بحيث لو داخل في القرآن شيء من كلام الناس لاعتل مذاقه في أفواه قارئيه واختل نظامه في آذان سامعيه.

стр. 246

ومن عجيب أمر هذا الجمال اللغوي، وذاك النظام الصوتي أنَّهما كما كانا دليل إعجاز من ناحية كانا سورا منيعا لحفظ القرآن من ناحية أخرى،وذلك أنَّ مِنْ شأنِ الجمال اللغوي والنظام الصوتي أن يسترعي الأسماع، ويثير الانتباه، ويحرك داعية الإقبال في كل إنسان إلى هذا القرآن الكريم،وبذلك يبقى أبد الدهر سائدا على ألسنة الخلق، وفي آذانهم، ويعرف بذاته ومزاياه بينهم، فلا يجرؤ أحد على تغييره، وتبديله مصداقا لقوله سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ » (١) ***

стр. 247

وممن كانت عنايتة بتدبر وتذوق القيم الصوتية: جرسا وإيقاعًا في البيان القرآني على نحوٍ متميز " سيد قطب" ولا سيّما في كتابه " التصوير الفني في القرآن " (١) وتفسيره " في ظلال القرآن " وهو يقرر أن " التصويرَ هو الأداة المفضَّلة في أسلوب القرآن "، وأنَّ هذا يستوجب أن ندرك حقيقة التصوير ومجالاته، وأن نتوسع في معناه " حتّى ندرك آفاق التصوير الفنّي في القرآن، فهو تصوير باللون، وتصويرٌ بالحركةِ، وتصوير بالتّخييل (٢) ، كما أنَّه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل، وكثيرًا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات، ونغم العبارات، وموسيقى السياق،

стр. 248

في إبرازِ صورة من الصور، تتملاها العينُ، والأذنُ، والحسّ، والخيالُ، والفكر والوجدان " (١) فالجرس والنغم والموسيقى رافِدٌ من روافد تكوين الصورة، ومن ثَمَّ كانت العناية بهذا الرَّافد من العناية بفقه الصورة الحاملة معاني الهدى إلى الصراط المستقيم، والتقصير في فقهها تقصير فيما يحقِّق ضربًا من ضروب الهدى. ... ولهذا تكاثرت وتوافرت عناية " سيد قطب " بهذا الرافد وأثره في التصوير القرآني، سواء كان هذا الرافد قائمًا في الصورة الصوتية لكلمة أو جملة أو معقد أو سورة. تراه يعقد فصلا للتناسق الفني في القرآن، ويبيّن أنَّ هذا التناسق ألوانٌ ودرجاتٌ، ومن" ذلك الإيقاع الموسقيّ الناشئ من تخير الألفاظ ونظمها في نسق خاصّ " (٢) تأتي كلمة في بناء تعبيريّ ممتد فيكون لجرسها من الأثر ما يغني عن عديد من الكلمات كما تراه في قول الله في سورة (آل عمران:١١٧) : ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ جاءت كلمة (صِرَّ) في هذا السياق المصوِّر نفقة الذين كفروا، وما يحيط به من هلاك لا يبقى ولا يذر، فرتسم كلمة (صِرّ) بجرسها هول ما يحيط بالحرث من الريح المهلكة، ولو استبدلت بها كلمة أخرى بل كلمات لما استطاعت بدلالتها المباشرة الصريحة أن تقوم بما قام به هذا الجرس المالئ سمعك وقلبك بصوت الريح المهلكة المفزعة التي تخلع القلوب قبل أن تخلع الحرث وتهلكه (٣) وتسمع قول الله :

стр. 249

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ (التوبة:٣٨) (١) فيملأ سمعك وقلبك بهذا السؤال الاستنكاري التوبيخي الكاشف عن ضلال الحركة النفسية المضطربة في داخلهم، وقد نودوا إلى الجنة أن ادخلوا فتثقالوا. روى البخاري في صحيحه من كتاب (الاعتصام بالكتاب) بسنده عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كُلُّ أُمَّتِى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلاَّ مَنْ أَبَى» . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ «مَنْ أَطَاعَنِى دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ أَبَى» . (حديث: ٧٢٨٠) ينادي عليهم: انفروا في سبيل الله إلى مرضاته وجناته، فيتثاقلون. «تسمع الأذن كلمة (اثَّاقلتم) ... فيتصور الخيال [أي يبصر القلب الحقيقة النفسية] ذلك الجسم المتثاقل، يرفعه الرافعون في جهد، فيسقط من أيديهم في ثقل.

стр. 250

إنَّ في هذه الكلمة "طنًا" على الأقلّ من الأثقال، ولو أنَّك قلت:" تثاقلتم" (١) لخفَّ الجرسُ، ولضاع الأثر المنشود، ولتوارت الصورة المطلوبة التي رسمها هذا اللفظ واستقلّ برسمها» (٢) أن الإصغاء إلى جرس هذه الكلمة في صحبة استحضار معنى النداء عليهم بهذه الصفة (آمنوا) وهذا السؤال المرعب كلَّ قلبٍ ذاق طعم الإيمان، وهذا الحذف للمراد النفرة إليه (انفروا في سبيل الله) وكأنه قيل: انفروا في سبيل إلله إلى رضوانه وجناته حيث ما لاعين رأت ولا أذن سمعت، إلى لقائه والنظر إليه ... واستحضار ما يفيض من السؤال المفعم بالتنبيه على الضلالة (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أيفعلها من ذاق قلبه طعم الإيمان؟!! فالرضا لا يكون إلا عن علم واطمئنان قلب إلى ما رضي به. كلّ ذاك في صحبة جرس هذه الكلمة الذي يملأ القلب المعافى من الغفلة فزعًا، فلا يرضى إلا بأن ينفر في سبيل الله إلى حيث يرضى ويتجلى بأنواره ومحبته.
следующие страницы →