Полный текст (300 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فطمعت في القضاء وجعلت تأخذ شريعة نفسك باهته، وتترشح لرتبته، وأنت الآن لاشك تتفقه في الأحكام، وتتطلع شريعة الإسلام، وهبك تحليت بهذا السمت، ونهيات لذلك الدست، وما تصنع في قصة السبت، ودع هذا التخل وارجع إلى أخلاقك، وعد في أطراقك، وتجاهل ما قبلك جاهل، وتحاق مع الحمقاء وأنت عاقل، فلا تمتنع لذة الاسترسال، ولا تتبع الدنيا بجد منك في سائر لأحوال، فما أشبه أدبارها بالإقبال، وكثرتها بالإقلال، وله يستدعي خمراً، أوصافك العطرة، ومكارمك المشتهرة، تنشط سامعها من غير توطئة، في اقتضاء ما عرض من أمنية، فللراح من قلبي محل لا تصل إليه سلوة، ولا تعترضه جفوة، إلا أن معانيها قد جف، وقطينها قد خف، فما توجد للسباء، لو بحشاشة الحرباء، فصلني منها مما يوازي قدري، ويقوم له شكري، فإن قدرك أرفع من أن تقتضي حقه زاخرات البحار، ولو سالت بذوب النضار، وله يستدعي إلى مجلس أنس، يومنا يوم تجهم محياه، ودمعت عيناه، وبرقعت شمسه الغيوم، ونثرت صباه لؤلؤة المنظوم، وملأ الخافقين دخان دجنه، وطبق بساط الأرض هملان جفنه، فأعرضنا عنه إلى مجلس وجهه كالصباح المسفر، وجلبابه كالرداء المجر، وحله يشرق في ترائبه، ونده يعبق في جوانبه، وطلائع أنواره تظهر، وكواكب إيناسه تزهر، وأباريقه تركع وتسجد، وأوتاره تنشد وتغرد، وبدوره تستحث خطاك، وتقبل أنملها مفدية، وسائر نغماتها، خذ وهاتها، وأملنا أن تحث خطاك، حتى يلو سناك، ونشتفي بمرءاك، وله فصل، ورد كتابك فنور ما كان بالإعباب داجيا، وحسن مشافها عنك ومناجيا، واسترد إلى الخلة بهاءها، وأجرى في صفحة الصلة ماءها، وعند شدة الظمأ، يعذب الماء وبعد مشقة السهر طيب لإغفاء، ورأيت ما وعدتني به من الزيار فسرني بعض من أطرابي، وحسن لي دين التصابي، فارتحت كأنما أدر علي المدام مديرها، وجاوب المثاني والمثالث زيرها، ولا تسأل عن حال استطلعتها فيه كاسفة بالي، كاشفة عن خبالي، ولصبح لاح من خلال ذوابتي، وتنفس في ليل لمتي، فأدجى مطالع أعمالي، وأراني مصارع أمالي، وله فصل، يا ليت شعري كي أتغير على بعضي، وأمنحه قطيعتي وبغضي، وله فصل، طلع علينا هذا اليوم فكاد يمطر من الغضارة صحوة، ويقبس من الإنارة جوه، ويحيي الرميم اعتداله، ويصبي الحليم جماله، فلف٥تنا
стр. 107
زهته، وضممتنا بهجته، وفي روضة أرضعتها السماء شأبيبها، ونثرت عليها كواكبها، ووفد عليها النعمان بشقيقه، واحتل فيها الهند بخلوق، وبكر إليها بابل برحيقه، فالجمال بحسنه طرفه، والنسيم يهز لأنفاسه عطفه، وتمنينا أن يتبلج صبحك من خلال فروجه، وتحل شمسك في منازل بروجه، فيطلع علينا الأنس بطلوعك، وتهديه بوقوعك، ولن تعدم نوراً شمائلك طيبا وبهجة، وراحا تخالها خلالك صفاء ورقة، وألحانا تثير أشجان الصب، وتبعث أطراب القلب، وندى من ترتاح إليهم الشمول، وتتعطر بارجهم القبول، ويحسد الصبح عليهم الأصيل،
وبقصر بمجالستهم الليل الطويل.
الوزير الفقيه الكاتب أبو القاسم ابن المجد رحمه الله تعالى
راضع ذي المعالي، المتواضع العالي، آية الإعجاز، وفي الصدور والإعجاز، والذي جمع طبع العراق وصنيعه الحجاز، واقطع استعارته جانب الحقيقة والمجاز، فأبداها شمساً، وأهداها لأجساد معانيه نفساً، إذا كتب ملأ المهارق بياناً، وأرى السحر عياناً، وله أدب لو تصور شخصاً، لكن بالقلوب مختصاً، ولو كان نوراً، لكان له السماك نجداً والمجرة غوراً إلى الاتسام بالوقار ولحلم، والافتنان في أنواع العلم، أقامك زمناً معتكفاً على دواوينه، كلفا بالعلم وأفانينه، ومشتغلاً بالدراسة، معتزلاً للرياسة، والملك يضم ضلوعه على علائه، ويرقب طلوعه في سمائه، وإلى أن استدعاه أمير المسلمين فأجاب بحكم الطاعة وأناب، وأراه الغناء المستعظم والمناب، وبكتب تهزم الكتائب بأغراضها، وتروق العيون بإيماضها، وقد أثبت من نثره البارع، ونظمه لعذب المشارع، وما هو افتن للأسماع، من مطرب السماع، وألذ في الألباب، من مناجات الأحباب، فمن ذلك رقعة راجعني بها عن معاتبة له في توقف مراجعة وهي، لو أطعت نفسي أعزّك الله بحسب هواها، ومحتمل قواها، لما خططت طرساً، ولا سمعت للقلم جرساً، ولنمت في حجر العطلة مستريحاً، ولزمت بيت العزلة حلساً طريحاً، ولكني بحكم الزمان مغلوب، وبحقوق الإخوان مطلوب، فلا أجد بدا من أعمال الخاطرون غداً طليحاً، وتناهى تبليحاً ولما طبع علي طالع خطابك الكريم، وفي صورة المقتضى الغريم، وتعين ألأداء، ووجب ألأعداء، واتصل بالتلبية النداء، وقد كنت تغافلت عن
стр. 108
الكتاب الأول، وتغافل الساكن إلى العذر المتأول، فهزتني من الثاني كلمات مولمات، ولكنها في وجه الحسن والإحسان سمات، ولم توجدني إلى المعذرة طريقاً، ولا سوغتني في النظرة ريقا، فتكلفت هذه الأسطر تكلف المضطر، حفرة ثقل البر، وأنت بفضلك تقبل وجيزها، ولا تبخل بأن يحيزها، والله يطيل بقاءك محسود النجابة، ولا يخلي دعوتي لك من الإجابة، وكتب عن أمير المسلمين وناصر الدين أيده الله إلى أهل إشبيلية، كتابنا أبقاكم الله وعلمكم بتقواه، ويسركم من الاتفاق والايتلاف إلى ما يرضاه، وجنبكم من أسباب الشقاق والخلاف ما يسخطه وينعاه، ومن حضرة مراكش حرسها الله لست بقين من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وخمسماية وقد بلغنا ما تأكد بين أعانكم من أسباب التباعد والتباين، ودواعي التحاسد والتضاغن، واتصال التباغض ولتدابر، وتمادي التقاطع والتهاجر، وفي هذا على فقهائكم وصلحائكم مطعن بين، ومغمز لا يرضاه مومن دين، فهلا سعوا في إصلاح ذات البين سعي الصالحين، ودوا في إبطال أعال المفسدين، وبذلوا في تأليف الآراء المختلفة وجمع الأهواء المفترقة جهد المجتهدين، ورأينا والله الموفق للصواب، أن نعذر إليكم بهذا الخطاب، فإذا وصل إليكم، وقرئ عليكم، فاقمعوا الأنفس الأمارة بالسوء وارغبوا في السكون والهدوء، ونكبوا عن طريق البغي الذميم المشنو، واحذروا دواعي الفتن، وعواقب الإحن، وما يجر داء الضمائر، وفساد السرائر، وعمى البصائر، ووخيم المصائر، وأشفقوا على أديانكم وأعراضكم، وتوبوا إلى الصلاح في جميع أغراضكم، وأخلصوا السمع والطاعة لوالي أموركم، وخلفتنا في تدبيركم، وسياسة جمهوركم، وأخينا الكريم علينا أبي إسحاق إبراهيم أبقاه الله، وأدام عزه بتقواه، واعلموا أن يده فيكم كيدنا، ومشهده كمشهدنا، فقفوا أسلس انقياد لحكمه وعزمه، ولا تقيموا على ثبج عناد بين حده ورسمه، ولله تعالى يفيء بكم إلى الحسنى، وييسركم إلى ما فيه صلاح الدين والدنيا، بقدرته وله من قصيدة: طويل
لئن راق مراى للحسان ومسمع ... فحسناؤك الغراء أبهى وأمتع
عروس جلاها مطلع الفكر فانثنت ... إليها النجوم الزاهرات تطلع
زفت بها بكراً تضوع طيبها ... وما طيبها إلا الثناء المضوع
стр. 109
لها من طراز الحسن وشي مهلل ... ومن صنعة الإحسان تاج مرصع
وله فصل في جانب الفقيه لأجل ابن عياض إلى ابن حمدين ﵀، أما وكنف برك لمن أمك من أهل الفضل ممهد، وجفن رعايتك لهم مسهد، ومنزل حمايتك بهم متعهد، فكل وعز يلقونه في سبيل قصدك مستسهل، ولا يرويهم دونك منهل، ولا يضل بهم وأنت العلم مجهل، وممن رأى ن يقتحم نحوك ظهري لجة ومحجة، ويقرن في أم الكعبة فضلك بين عمرة وحجة، ويرحل إلى حضرتك المألوفة مهاجراً، ويعتمدها في طب العام تاجراً، ليجتهد في جمعه وكبسه اجتهاد مغترب، ويملأ من بضائعه وفوائده وعاء غير سرب، ومذهبه الاقتباس من أنوارك، والالتباس برهة من الدهر بجوارك، وللاستيناس بأسرة بشرك ومسرة جوارك، وفلان وله الفصل مذاهب يبهرج عندها الذهب، وعنده من النبل ضرائب لا يفارق زندها اللهب، وستقربه، فتستغربه، وتخبره، فتكبره، إن شاء الله، له مراجعا. طويل
سلام كأنفاس الأحبة موهناً ... سرت بشذاها العنبري صبا نجد
سلام كإيماض الغزالة بالضحى ... إلى الروضة الغناء غب الحيا العد
على من تحراني بمعجز شعره ... فاعجز أدنى عفوه منتهى جهدي
غزاني من حوك اللسان بلامة ... مضاعفة التاليف محكمة السرد
دلاص من النظم البديع حصينة ... ترد سنان النقد منثلم الحد
عليها من الإحسان والحسن رونق ... كما ديس متن السيف من صدا الغمد
وفيها على الطبع الكريم دلالة ... كما افترضوا للسقط عن كرم الزند
أبا عامر لا زال ربعك عامراً ... بوفد الثناء الحر والسودد الرغد
لقد سمتني في حرمة القول خطة ... لففت لها رأسي حاء من المجد
وكتب عن أمير المسلمين إلى ابن حمدين في أمر أب الفضل ابن عياض المذكور، وفلان أعزه الله بتقواه، وأعانه على ما نواه، ممن له في العلم حظ وافر، وزوجه سافر، وعنده دواوين إغفال، ولم تفتح لها على الشيوخ إقفال، وقصد تلك الحضرة ليقيم أود متونها، ويعاني رمد عيونها، وله إلينا ماتة مرعية أوجبت الإشادة بذكره، والاعتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفية تقضي مخاطبتك بخبره، وإنهاضك إلى قضاء وطره، وأنت إن شاء الله تسدد عمله، وتقرب أمله، وتصل أسباب العون له، إن شاء الله، وله مراجعا إلى أحد الشعراء. طويل
стр. 110
أما ونسيم الروض طاب به فجر ... وهب له من كل زاهرة نشر
تحامي له وعن سره زهرة الربى ... ولم تدر أن السر طية نشر
ففي كل سهب من أحاديث طيبه ... تمائم لم يعلق بحاملها وزر
لقد فغمتني من ثنائك نفحة ... ينافسني في طيب أنفاسها العطر
تضوع منها العنبر الورد فانثنت ... وقد أوهمتني أن منزلها السحر
سرى الكبر في نفسي لها ولربما ... تجانف عن مسرى ضرائبي الكبر
وشبت بها معنى من الراح مطربا ... فخيل لي أن ارتياحي بها سكر أبا
أبا عامر أنصف أخاك فإنه ... وإياك في محض الهوى الماء والخمر
أمثلك يبغي في سماءي كوكبا ... وفي جوك الشمس المنبرة والبدر
ويلتمس الحصباء في ثعب الحصا ... ومن بحرك الفياض يستخرج الدر
عجبت لمن يهوى من الصفر تومة ... وقد سال في أرجاء معدنه التبر
وكتب عن أمير المسلمين إلى أهل سبتة، كتابنا أبقاكم الله وأكرمكم بتقواه، ويسركم لما يرضاه، وأسبغ عليكم نعماه، وقد رأينا والله بفضله يقر جميع أرائنا بالتسديد، ولا يخلنا في كافة أنحائنا من النظر الحميد، أن نولي أبا زكريا يحيى بن أبي بكر محل ابننا، الناشيء في حجرنا، أعزه الله، وسدده فيما قلدناه إياه، ومن مدينتي فاس وسبتة وجميع أعمالها جرسها الله على الرسم الذي تولاه غير قبله، فأنفذنا ذلك له، لما توسمناه من مخائل النجابة قبله، ووصيناه بما نرجو أن يحتذيه ويمتثله ويجري عليه قوله وعمله، نحن في وراء اختباره، والفحص عن أخباره، لأنني بحول الله في امتحانه وتجريبه، والعناية بتخريجه وتدريبه، ولله مخيلتنا فيه، ويوفقه من سداد القول والعمل إلى ما يرضيه، فإذا وصل إليكم خطابنا فالتزموا له السمع والطاعة، والنصح ولمشائعة جهد الاستطاعة، وعظموا بحسب مكانه منا وقدره، وامتثلوا في كل عمل من أعمال الحق نهيه وأمره، والله تعالى يمده بتوفيقه وهدايته، ويعرفكم يمن ولايته بعزته، وكتب عنه أيده لله ونصره إلى أبي محمد عبد الله بن فاطمة ﵀، كتابنا أطال الله في طاعته عمرك، وأعز بتقواه قدرك، وشد في ما تولاه أزرك، وعضد بالتوفيق والتسديد أمرك، أن نجدد مهدنا إلى عمالنا عصمهم الله بالتزامهم أحكام الحق،
стр. 111
وإيثار أسباب الرفق لما نرجوه في ذلك من الصلاح الشامل، والخير العاجل والأجل، والله تعالى ييسرنا لما يرضيه من قول وعمل بمنه، وأنت أعزك اله ممن يستغنى بإشارة التذكرة، ويكتفي بلمحة التبصرة، ولما تأوى إليه من السياسة والتجربة، اتخذ الحق أمامك، وملك يده زمانك، وأجر عليه في القوي والضعيف أحكامك، وارفع لدعوة حجابك، ولا تسد في وجه المضطهد المظلوم بابك، ووطئ للرعية حاطها الله أكنافك، وأبذل لها أنصافك واستعمل عليها من يرفق بها ويعدل فيها، واطرح كل من يحيف عليها ويوذيها، ومن سبب عليها من عمالك زيادة، أو خرق لا في أمرها عادة، أو غير رسما، أو بدل حكما، أو أخذ لنفسه منها درهما ظلما، فاعزله من علمه، وعاقبه في نده، والزمه رد ما أخذ تعديا إلى أهله، واجعله نكالاً لغيره فاعزله عن عمله، وعاقبه في ندنه، والزمه رد ما أخذ تعديا إلى أهله، واجعله نكالاً لغيره حتى لا قدم منهم أحد على مثل عله، إن شاء الله وهو تعالى ولي تسديدك، والملي بعضدك وتأييدك لا إله غيره، وله عنه إلى أهل غرناطة، كتابنا عصمكم الله بتقواه، ويسركم لما يرضاه وجنبكم ما يسخطه وينعاه، ومن حضرة مراكش حرسها لله يوم الجمعة التاسع عشر من شهر الصوم المعظم سنة سبع وخمساية وقد اتصل بنا أنكم من مطالبة فلان على أولكم، وفي عنفوان عملكم، وأنه لا يعدم تشغيباً وتأليباً من قبلكم، فإلى متى تلحون في الطلب، وتجدون في الغلب، وتقرعون النبع بالغرب، لقد آن حركتكم في أمره أن تهدي، وللنائرة بينكم أن تطفي، ولذات بينكم أن تصلح، ولوجوه المراشد قبلكم أن تضح، وإذا وصل إليكم خطابنا هذا فاتركوه متابعة الهوى، واسلكوا معه الطريقة المثلى، ودعوا التنافس على حطام الدنيا، وليقبل كل واحد منكم على ما يعنيه، ولا يشتغل بما ينصبه ويعنيه، لابد لكل عمل، من أجل ولكل ولاية، ومن غاية، ولن يسبق شيء أناه، وإذا أراد الله أمرا سناه، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون، وفقكم الله لما فيه صون أديانكم وأعراضكم، وتسديد أنحائكم وأغراضكم بمنه، وكتب أعزه الله مرحبا بك أيها البر الفاتح، والروض النافح، فما أحسن تويجك، وأعطر تارجك، لقد تحت بالمخاطبة بابا، طالما كنت له هيابا، ورعت حجابا، وترك قلبي وجابا، وما زلت أحوم عليه شرعة، وفلا أسيغ منها جرعة، وأغازلها أملاً، فلا أطيقها عملاً، وألاحظها أمدا، أذوب دونها كمدا، وفي تعب
стр. 112
من يحسد الشمس نورها، ويجهد أن يأتي لها بضريب، وإلى أن وردني خطابك الخطير مشتملا على نظم من الكلام، رائق الأعلام، يقرب من الإفهام، ويبعد نيله في الأوهام، قد أرهفت نواحيه بالتهذيب، وطرزت حواشيه بكل معنى غريب، وحشيت معانيه باللفظ الرائع المهيب، فازددت به تهيبا ورعبا، وعاينت منه مركبا صعبا، وقلت التغافل عن الجواب، أولى بالصواب، وإن ألمت بالجفاء، وقابلت الوفاء باللفاء، إذ ليس بلبيب من يعارض السيل بوشل، ويناهض التشمير بفشل، ويطاول الفيل بشلو منتشل،
ولا باريب من قيس الشبر بالبارع، والمد بالصاع، والجبان بالشجاع، والقطوف بالوساع، فمن طلب فوق طاقته افتضح، ومن تعسف الخرق النازح رزح، ومن سبح ف البحر كم عسى أن يسبح، ولا جرم أنه اقتضاني في المراجعة صديق لنا كريم لم لتت إلى معذرة، ولا سمح بنظرة، فتكلفتها بحكم عزمته وتحت فادح حصر، ونازح بصر، فقد يكدي على علمك الخاطر، ويحوي النجم الماطر، وربما عاد اللسن في بعض الأوقات لكنا، والجواد كودنا، وبحر القريحة ثمدا، وحسام الذهن معضدا، فإن تفضلت بالأعضاء، سامحت في الاقتضاء، وسلمت لك في اليد البيضاء، وبرزت لشكرك في الفضاء، واجتليت منك أدام الله عزك ف معنى تعذر تلاقينا، عند قرب تدانينا، فصولاً حساناً حسبتها برهانا، ورأيت بها السحر الحلال عيانا، ولئن اعترض عائق الزمان دون ذلك الأمل وقد عارضنا من أمم، وصار أدنى من يد لفم، فإن نفوسنا بحمد الله في المقاصد والأغراض، متلاقية على موارد الإخلاص ولا محاض، والله تعالى بحفظ جواهرها من الأرض، ويصونها من الانتكاث والانتفاض، بمنه وطوله أنه على كل شيء قدير، وبيده الأمر والتدبير، وأما ما جلاه من صورة الود، في معرض الجد، وفقد ثوى بين الجوانح محلاً، لا يسوم الدهر عقده حلا، ولا يزال جفني ف رعيه مسهدا، وقلبي لصونه ممهداً، إن شاء الله واقرأ عليك يا سيدي المعظم في خلدي ساماً شريف النصاب، كريم الإحساب، والسلام الأتم الدعم، ما طلعت الأنجم وتضوع المسك الأحم، على سيدي الأعظم، ورحمة الله وبركاته.
ذو الوزارتين المشرف أبو بكر محمد بن أحمد بن رحيم أعزه لله
стр. 113
رجل الشرق سودداً وعلاء، وواحدة اشتمالاً على الفضل واستيلاء، استقل بالنفض والإبرام، وأوضح رسم المجاملة والإكرام، فله الشفوف في المجد، والحفوف إلى الوفد، تجتليه بساما، وتنتضيه حساماً، أن وأخاك أبرم عقد إخائه، وأعفاك من زهوة وانتخائه، مع أدب يزجر بحره، وتتزين به لبه الزمان ونحره، وسجية خلصت خلوص التبر، ونفس سلبت من الخيلا والكبر، تتهاداه الدول تهادي الروض للنسيم، وتفتقر إليه افتقار المصراع إلى القسم، فيطلع بأفاقها طلوع الشمس، وينشر سيرها الحميدة من رمس، قد آمنت غوائله، وحسنت أواخره وأوائله، وبنو رحيم من أعلام الشرق في القديم والحديث، وعنهم يؤثر أطيب الحديث، اتصلوا في الفضل اتصال الشوبوب، وانتشوا كالرمح أنبوباً على أنبوب، وقد أثبت له ما ترتشفه ريقا، وتبصر له في سماء الإحسان شروقاً، من ذلك قوله من قصيدة: بسيط
نفديك من منزل بالنفس والذات ... كم ل بمغناك من أيام لذات
نجني بك العيش والآمال دانية ... أعوام وصل قطعناها كساعات
نسقي لديك اغتباقات مسلسلة ... والده قد نام عنا باصطباحات
يا قبة الدهر لا زلت مجددة ... تلك المعالم ما دامت مقيمات
حفظت من قبة بيضاء حف بها ... نه تفضض يجري بين دوحات
عليك مني ريحان السلام كما ... حيتك مسكة دارين بنفحات
خير البنيات لا تنفكك آهلة ... بمن حوت وهم خير البريات
لله يوم ضربنا للمدام بها ... رواق لهو بطاسات وجامات
وللبلابل ألحان مرجعة ... تجيبهن غوانينا بأصوات
وللرياحين أنفاس معنبرة ... مع الرياح توافينا لأوقات
وللمياه ابتسام في جداولها ... كما تشق خيوب فوق لبات
حدائق أحدقتها للمنى شجر ... حسبت نفسي منها وسط جنات
منازل لست أهوى غيرها سقيت ... حيا يعم وخصت بالتحيات
ووصل هو وابن وضاح صهر المرتضى وابن جما الخلافة صاحب صقلية، وإلى إحدى جنات مرسية، فحلوا منها في قبة فوق جدول مطرد، وتحت أدواح طيرها
стр. 114
غرد، وأقاموا يتعاطون رحيقهم، ويعمرون بالمؤانسة طريقهم، إذا بالجنان وقف عليهم وقل كان بموضعكم بالأمس صاحب الموضع ومعه شعور منشورة، وخدود غير مستورة، قد رفعت البراقع وما منها نظرة إلا وهي سهم واقع، فاستدعي فحما وكتب في إحدى زوايا القبة. خفيف
قادنا ودنا إليك فجئنا ... بنفوس تفديك من كل بوس
فنزلنا منزلاً لبدور ... وحللنا مطالعاً لشموس
وله يهنئ الوزير الشرف أبا الحسن أخاه بمولود وكان أكرم من لغمام، وأوقر من شمام، وأصول من ليث بخفان، وأغزل من ظبي بعسفان، فطوى منه الحمام أوحدا، أحله من الجوانح ملحدا. كامل
خلصت إليك مع الأصيل الأنور ... أمنية مثل الصباح المسفر
غراء إلا أنها من خاطري ... بمكان اسود ناظر من محجري
أرجت شذاً أرجاؤها كأنها ... قد ضمخت بلخالخ من عنبر
أهدت إلي مع النسيم تحية ... فتقت نوافجها بمسك أذفر
فاتت كما زارتك عاطرة اللمى ... بيضاء صيغت جوهرا في جوهر
هيفاء رود ذات خصر صائم ... ومعاطف لدن وردف مفطر
هزت جوانب همتي فكأنما ... عجبا بها أنا تبع في حمير
يا حسن موقع ذلك الأمل لذي ... تزري حلاوته بطعم السكر
نظم السرور كما نظمت لآلئا ... بيد الصبابة في مقلد معصر
ورد الكتاب به فرحت كأنني ... نشوان راح في ثياب تبختر
لما فضضت ختامه فتبلجت ... بيض الأماني من سواد الأسطر
قبلت من فرح به خد الثرى ... شكراً ولاحظ لمن لم يشكر
يا مورد الخبر الشهي وحادي ال ... أمل القصي وهادي النبا السري
زدني من الخبر الذي أوردته ... يا برد ذاك على فؤاد المخبر
صفحاً وعفواً للزمان فإنه ... ضحكت أسرة وجهه المتنمر
طلع البشير بنجم سعد لاح من ... أفق العلى وبشبل ليث مخدر
لله درك أي فرع سيادة ... أعطيته وقضيب دوحة مفخر
طابت أرومته وأينع فرعه ... والفرع يعرف فيه طب العنصر
стр. 115
أنت الجدير بكل فضله نلته ... وحويته ويكل مكرمة حري
تهنا رحيما أنها قد أنجبت ... برحيم المحمود أسنى مذخر
نامت عيون الدهر عن جنباه ... وحمت مناهله متون الضمر
وصفا له ولإخوة يتلونه ... ماء الحيوة لديك غير مكدر
فلأنت بدر السعد وهو هلاله ... ولأنت سيف المجد وهو السمهري
أفدي لبشير بمهجتي وبتالدي ... وبطارقي وعذرت إن لم يعذر
بابي أبوة أخي كبيري والذي ... أسدى إلي مواهبا لم تصغر
ذاك الذي علقت بعلق نفاسة ... منه العلى وكأنه لم يشعر
مصباح من هامت به ظلماؤه ... ومنار هدى السادر المتحير
بدر ولكن أن تطع كامل ... ليث ولكن عند عزمته جري
نذب تدل على علاه خلاله ... كالسيف يدري فضله في الجوهر
سيف تحلى بالعلاء رياسة ... وصفت جواهره لظيب المكسر
لو كانت العلياء شخصاً ماثلاً ... لرايته منها مكان المغفر
وكذا رحيم من نمته فإنه ... حاز السيادة أكبرا عن أكبر
نحن الرحيميون أن ذكر الندى ... نذكر وأن ذكر الخني لم نذكر
أن أخبروك أو اختبرت علاءهم ...
أنساك فضل البر طيب المخبر
قسموا الثناء مع البرية والسنا ... يوما ففازوا بالقداح الأيسر شرف
شرف سقاه الفضل وسمي العلى ... فتضوع أزهار الثناء الأعطر
ساداتنا سادات كل معاشر ... أن حصلوا ولانت سيد معشري
فإذا تلاحظت المكارم من فتى ... مضر أشار إليك أهل المحضر
وإذا جروا يوم المكر سبقتهم ... وأتوا لقسمة مغنم لم تحضر
وإذا دها خطب والظلم ليله ... جليت ظلمته بفضل تدبر
وإذا وهبت فأنت أكرم واهب ... وإذا نطقت فأنت أصدق مخبر
إياك يعني من غدا متناشدا ... بيتا رووه على مرور الأعصر
وإذا تباع كريمة أو تشتري ... فسواك بائعها وأنت المشتري
كم من يد عندي له أعلت يدي ... أن حصلت أو عددت لم تحصر
هو مفخري يوم الجدال ومنصلي ... يوم النزال ورايتي في العسكر
стр. 116
من أين لي شكر يقاوم بعض ما ... فسرته وكثيرة لم أذكر
فلأستعين عليه في شكري له ... بالأوحد القاضي الأجل الأكبر
قاضي القضاة وماجد الأمجاد وال ... حبر المعظم والإمام الأشهر
ملك الملوك ونخبة الأملاك من ... كلب وكل متوج في جير
السامي النسبين أن ذكر العلا ... والمحرز الشرقين يوم المفخر
من ذروة المجد الذي حل السهى ... وجري بسعد عطارد والمشتري
لولاه ما طلعت أهله سودد ... فينا لو طلعت لنا لم تقمر
من لم يرد علياه لم يرد العلى ... من لم يلذ بجريمة لم ينصر
طرزت ديباج القصيد بذكره ... فأتى كما راقتك حلة عبقر
ونشرت بعض خلاله فكأنني ... بالمسك قد أذكيت عود المجمر
هو مفخر الأشعار ذكرت به ... فإذا خلت من ذكره لم تذكر
وغدت كأجسام مضت أرواحها ... فتخالينا منسية لم تقبر
يا باعثاً جدلي إليّ ومنجدي ... أبداً على صرف الزمان ومظهر
يا باعث جذلي إلي ومنجدي ... أبداً على صرف الزمان ومظهري
من بعد ما قضيت حق أبي أمي ... ية ذي المعالي والسناء الأبهر
هنأت نفسي ثم جئت مهنئاً ... أنا حاضر معكم وإن لم أحضر
أنا ذاك شيمتي الوفاء وأنني ... لا بالملول ولست بالمتغير
وإذا تنكرت الأحبة فالرضى ... مني الجزاء ولست بالمتنكر
أني لأصبر عند كل عظيمة ... وإذا ظلمت مجاهرا لم أصبر
ودي هو الود الذي ينأى به ... أولى فجرب ثم بعد تخير
مهما تقسني بالرجال وجدتهم ... مثل الحصا ووجدتني كالجوهر
وإليكها مثل العروس زففتها ... سكرى تجر يولها بتبختر
عذراء إلا نني حملتها ... عذر التأخر ليت لم أتأخر
وركبت أعناق الرجال مسارعا ... وشققت كل ثنوفة لم تعمر
مستهدياً عطف التجاوز والرضى ... مستنشقاً عرف الكثيب الأعفر
فابسط بفضلك عذر وافدة العلى ... وأبسط لها وجه الكريم الموسر
واسمح لها لا تنتقدها أنها ... مع مفرط الإعجال قول مقصر
لولا تجاوزك الكريم لأصبحت ... نهب المزيف عرضة المستقصر
стр. 117
لا زلت تبقى للمحامد جامعا ... مع أحمد في ظل عيش أخضر
والسعد ينشر فوق رأسك راية ... تبقى مع العليا بقاء الأدهر
وكتب إليه الوزير الفقيه أبو بكر الطائي معاتباً له على تركه الزيارة قطعة أولها: طويل
ألا هل أمر الدهر مثل أبي بكر ... بفكر فإني لست ينفك عن فكري
فراجعه عنها: طويل
سلام كما حيتك عاطرة لنشر ... وإلا كما هب النسيم مع الفجر
وود كما سلسلت صافية الطللا ... وعهد كما راقت خدود من الزهر
وذكر كما غنت حمامة أيكة ... وشوق كما حن الحمام إلى الوكر
وحن إلى ذاك الجلال كما أتى ... حبيب بلا وعد ووصل على هجر
تحية من يفديك من كل حادث ... وقيت الردى بالنفس والأهل والوقر
ولله روض من جنابك زارني ... للفت له رأسي حياء أبا بكر
هو السحر بل أخفى من السحر رقة ... وأسرى إلى الأكباد من نطف الخمر
نسيت يدي مهما نسيتك معرضا ... وأخمل ذكري أن أرحتك عن ذكري
ولا ذكرتني السن الحمد ما انثنى ... لساني عن حمد لأقوالك الغر
ولكن عدتني عنك لا متلاهيا ... عود عدت من عادة الزمن النكر
فحسن ولا تعتب بنا الظن والتمس ... وعندي لك العتب لنا أحسن العذر
أمثلي يرى عن ذلك السرو سالياً ... سلوت إذاً عن كل مكرمة بكر
ولو لم نكن بيني وبينك أسرة ... لهمت بذاك الفضل والعلم والشعر
ولكنها قربى تعلق بالحشا ... لدي لها الإخلاص في السر والجهر
وحب مع الأيام يزداد جدة ... تتمكن ما بين الجوانح والصدر
ولم لا وقد أسلفت كل بديعة ... من الفضل قد خطت على صفحة البدر
سقيت الملا ماء المكارم والندى ... وأطلعت في روض العلا أينع الزهر
وقلدت جيد الدهر سلك محاسن ... وصنعت سوار المجد في معصم الدهر
وألبستنيها من تنائك حلة ... مطرزة العطفين بالنظم والنثر
نثرت على القول دار كأنه ... سقيط رذاذ الغيث في الورق النضر
وكم لك عندي من يد المعية ... يقل لها بذل البقية من عمري
стр. 118
ومن مدح ضمتها كل مفخر ... حبيبة الأنفاس مسكية النشر
تسير بها الركبان في كل غارب ... من الأرض سيراً مثل سير القطا الكدر
بإنشادها تحدو لحداة ويهتدي ... بها كل من قد هام في المهمه القفر
وهل أنت إلا دوحة المجد أثمرت ... لنا فاجتنينا يانعا ثمر الفخر
نماك إلى العليا جهابذ سادة ... نمتهم ذوو التيجان في سالف الدهر
ومن يك من قحطان فهو ممجد ... فقحطان ذو التاج المكلل بالدر
وكم لك من جد رفيع متوج ... بتاجين من در وآخر من تبر
فحاتمكم رب المكارم والعلى ... وحيداً كما قد قيل عن بيضة العقر
وميسرة حاز البسيطة بالقنا ... وباليمنيات المهندة البتر
وثار على ملك الأميين قائماً ... بملك بني العباس ناهيك من فخر
بأرائه البيض ارتقى درج العلى ... وحل ذرى العليا براياته الخضر
وفي يمن أضحى الفخار فإنها ... حمت أحمد المختار بالبيض والسمر
ولم لم يكن للحميريين غير ما ... أتتنا به الآثار عن ملتقى بدر
ويوم حنين إذ دعاهم محمد ... نبي الهدى فاستوصلت شافة الكفر
فلا عزة ما لم تكن حميرية ... ولا همة إلا لمعتلي القدر
وإن كانت الدنيا أرتك تجهما ... فمن عادة الدنيا مطالبة الحر
وإن قعدت بعض القعود فقد درت ... بنك حقاً واحد الدهر والعصر
وقد علمت قوم بأنك تاجها ... ولو أنها حلت ذرى الأنجم الزهر
فتعسا الأيام تحط ذوي العلى ... وتعلي حطيط النفس والقدر والفخر
فدونكها كالروض سامرة الحيا ... وحياة غب المحل منسجم القطر
مقنعة خوف انتقادك خجلة ... كما أقبلت عذراء في حلل خضر
على أنني أدري بأني مقصر ... ولكنني أرسلتها بيدي عذر
فكنت كمن يهدي إلى الماء نغبة ... ويقصد أرض الهاشميين بالتمر
ولابد من وصل الزيارة قائماً ... بحق العلى مني على دم البر
وغني له في بعض أيام الأنس، شعر له لوطة بالنفس وهو: طويل
خليلي سيرا واربا بالمناهل ... وردا تحية الخليط المزائل
فإن سأل الأحباب عني تشوقا=فقولا تركناه رهين البلابل فكان بها من استحسنها ورغب إليه في أن يذلها فقال: طويل
стр. 119
وأن يتناسوني لعذر فذكا ... بأمري ولا تدري بذاك عواذلي
لعل الصبا تأتي فتحيي بنفحة ... فؤادي من تلقاء من هو قاتلي
فيا ليت أعناق الرياح تقلني ... وتنزلني ما بين تلك المنازل
وفي بعض الليالي ني له هذه الشعر: وافر مجزور
بدا فكأنه قمر ... على أزراره طلعا
يفت المسك عن نيق ال ... جبين بنانه ولعا
وقد خلعت عليه الر ... راح من أثوابها خلعا
وحضر بها من استحسن الشعر ولعمل فرغب إليه في تذليلها فقال: وافر مجزوء
فأهدى من محاسنه ... إلى أبصارنا بدعا
فلما فت أكبدنا ... وحاز قلوبنا رجعا
ففاضت أعين أسفا ... وفاضت أنفس جزعا
وكانت بينه وبين ذي الوزارتين أبي الحسن جعفر بن الحاج صداقة سافرة الصفاء عاطرة الأرجاء، فخاطبه بشعر يروق سمعه، ويتعلق بالنفس موضعه، وهو: طويل
سلام كما نمت بروض أزاهر ... وذكر كما نامت عيون سواهر
تحية من شطت به عنك داره ... وأنت له قلب وسمع وناظر
فيا سيد السادات غير مدافع ... ويا واحد الدنيا ولا من يفاخر
لك الشرف الأسمى الذي لاح وجهه ... كما لاح وجه الصبح والصبح سافر
لئن شهرت في المعلوات أوائل ... لقد شرفت بالمأثرات أواخر
سجايا استوت منهن فكيف بواطن ... أقامت عليهن الدليل ظواهر
أبا حسن شكري لبرك حافل ... وذكري وإن لم أقض حقك عاطر
حرمت ندى تلك الظلال فأحرقت ... فؤادي سموم للنوى وهواجر
وأني على فقد الصديق لجازع ... على أن قلبي للحوادث صابر
حنانيك أغبيت العلاء فجئته ... أذكره عهدي فهل أنت ذاكر
فإن كنت قد أخللت فالفضل باهر ... وإن كنت قد قصرت فالمجد عاذر
أما أنه لولا خلائقك الرضى ... لما كان لي عذر ولا قام ناصر
فمد يد الصفح الجميل فأنني ... على كل ما تولي وأوليت شاكر
стр. 120
وجرت بينه وبين الأجل الفقيه القاضي أبي أمية إبراهيم بن عصام مدة قضائه بمرسية ومعاتبات وأشعار ومراسلات أدخلت منها ما أسفرت له أوجه الاستحسان، وقامت على طبعه شواهد الإحسان، فمنها قوله من قطعة أولها: بسيط
هي السيادة حلت منزل القمر ... وأنت منها سواد القلب والبصر
وهي الجلالة لا تدري لها صفة ... لكنها عبرة جاءت من البعير
أما المعالي فقد حطت رواحلها ... لديك ولخبر يغنيني عن الخبر
ومنها: بسيط
طرزت ثوب المعالي بعدما درست ... رسومه فأتانا معم الطرز
رقت فراقت سناء للعلى شيم ... كأنها قطعت من رقة السحر
وضاع عرف ثناء ذاع ريقه ... كما نشقت نسيم العنبر الذفر
لولاك ما انساب ماء المكرمات ندى ... وعندي ولا سفرت لي أوجه البشر
كم من يدلك في أجيادنا كتبت ... والله يعلمها في صفحة القمر
لا تنثني أبداً نثني عليك بها ... كأنما هي آيات من السور
يفديك كل من الأسوأ سوى نفر ... علمت بغيهم لا كان من نفر
يخفون ضد الذي يبدون من ملق ... فلا تثقفهم وكن منهم على حذر
إن الحجارة تلقى وهي خامدة ... حتى إذا قدحت حيتك بالشرر
وله أيضاً من قطعة الذهب أولها، ولم يثبت إلا تغزلها: خفيف
خص يا غيث مربع الأحباب ... وتعاهد بالعهد عهد التصابي
ولتسلم على معرس سلمى ... ولتصل بالرباب دار الرباب
هي روضات كل أنس وطيب ... ومغان سكانها أصل ما بي
فكساها العلاء ثوب بهاء ... وسقاها الجمال ماء الشباب
ثم طارت ألبابنا فبقينا ... بين أهل الهوى بلا الباب
وأصيبت بها القلوب فصارت ... لشقاءي مألف الأوصاب
أمرضتني مرضى صحاح ولكن ... ن عذابي بين الثنايا العذاب
أقسم الشوق أن يقسم قلبي ... بين قوم لم يسألوا عن مصابي
فرقة أثرت صدودي وأخرى ... أخذت حد سيرها في الذهاب
أي وجد أشكو وقد صار متى ما ... لم أمت حسرة على الأحباب
стр. 121
بعت حظي من الوفاء متى ما ... لم أمت حسرة على الأحباب
ولئن همت بالجمال فإني ... أبداً عفت موضع الارتياب
ودعتني عن المقابح نفس ... خلقت من محاسن الآداب
وكتب إليه أبو العباس أحمد بن حمدوس القرباوي شاكراً زيارته له، وناشراً لفضل صداقته معه: خفيف
يا سريا تحتال منه الوزارة ... في الحلي تارة وف الحلي تاره
بك تزدان خطة حملت من ... ك على شخصها بهاء وشاره
ظهرت فيك للجلال خلال ... وعلى الندب للسناء إماره
يا أبا بكر الوحيد بعصر ... لم يزل جاعلاً عليك مداره
زرت بالفضل والفضائل تقضي ... أن نوالي إلى ذراك الزياره
دمت بالفضل والفضائل تقضي ... إن نوالي إلى ذراك الزياره
دمت يا نخبة الكرام عزيزاً ... ما تلا الليل في الزمان نهاره
فراجعه: خفيف
يا زكيا غدا يشيد فخاره ... مرشداً للعلى يشد إزاره
وحساما براجحة المجد عضبا ... شحذت راحة الذكاء شفاوة
سامر الفضل منك روض وفاء ... هصرت في يد العلى أزهاره
وهمت ديمة الصفاء فروت ... مربع الود بيننا وثماره
يا سنا مقلة الزمان أبا العب ... باس يا حلي جيده يا فخاره
فإذا قيل من فتى الفضل يوماً ... وأشاروا فأنت معنى الإشارة
زارني من سماء فكرك روض ... مثل ما واصل الحبيب الزيارة
مهرق جاء في ثياب عروس ... أصبح المجد تاجه وسواره
أي شكر أم أي بر يكافي ... حق حر سناءه قد أناره
ومن العي أن أراجع لا بالشع ... ر فتى لا اشق فيه غباره
غير أني وثقت أعضاء ندب ... عبر الدهر عنه أي عبارة
وله: كامل
خطت بنان الشوق بين جوانحي ... مرءاك فالتهبت من الوجد
وتحدثت نفسي بزورتك التي ... قطعت بلا شك من الخلد
فتعللك بالوهم وانتعشت ... سراً حشاشتها على البعد
وله: كامل
يا بغيتي قلبي لديك رهينة ... فلتحفظيه فربما قد ضاعا
стр. 122
أوقدته وتركته متضرما ... بأوار حبك يستطير شعاعا
لا تسلميه فإنه نزعت به ... تلك الخلال إلى هواك نزاعا
حاشا لمثلك أن يضيع ضراعتي ... ولمثل حبي أن يكون مضاعا
أني لأقنع من وصالك بالمنى ... ومن الحديث بأن يكون سماعا
وله في الأمير الأجل أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين في شعبان سنة خمس عشرة وخمس مائة: وافر
سقى الله الحمى صوب الولي ... وحيا بالأراكة كل حي
وإن ذكر العقيق فباكرته ... سحائب معقبات بالروي
تروض مسقط العلمين سكبا ... وتلبسه جنى الزهر الجني
ولا بليت لمرسية برود ... مطرزة بأشتات الحلي
ذكرت معاهداً أقوت وكانت ... أواهل بالقريب وبالقصي
أقول وإن غدوت حليف شجو ... أعلل لوعة القلب الشجي
لأصرف عفة كفي ولحظي ... عن اللحظ العليل النرجسي
وأخزن منطقي عن كل هجو ... وأهجر كل ملسان بذي
ولما أن رأيت الدهر يدني ... دنيا ثم يسطو بالسني
وجدت به على الأيام غيظاً ... كما وجد اليتيم على الوصي
طلبت فما سقطت على خبير ... يخبر عن ودود أو صفي
كما أني بحثا على كريم ... فما ألفيت ذا خلق على شخص سري
هو الملك المعظم من ملوك ... ينير بها سنا الأفق السني
له همم تعالي كل حين ... يفوت بها ذرى النجم العلي
وحسن خلائق رقت فجاءت ... كما هب النسيم مع العشي
مصون العرض مبذول العطايا ... ندي الترب مبرور الندي
جواد جوده إن سال سيل ... ويأتي عرفه مثل الآتي
يمد إلى العفاة يمين يمن ... تلين قسوة الدهر الأبي
حلى ملكه بحلى نهاه ... كما أزدان المقلد بالحلي
تدار عليه أكواس المعالي ... فتأخذ من هزير أريحي
стр. 123
يطارد بالضحا خيل الأعادي ... ويأوي كل وفد بالعشي
لإبرهيم عند الله سر ... يدق عُلى على النظر الخفي
يرى غيب الأمور إذا ادلهمت ... بعين الرأي والفكر البدي
ويوضح كل مشكلة فيرمي ... بها فيصيب شاكلة الرمي
درت صنهاجة ولها علاها ... بأن علاه مفتخر الندي
وتعلم أنه السيف المحلى ... لدفع الخطب أو قرع الكمي
وكم من سيد فيهم ولكن ... أتى الوادي فطم على القرى
أيا ليث الحروب ومن تردى ... رداء الفضل والخلق الرضي
لقد أصبحت روح العدل حقا ... واسود مقلة الملك الحفي
سواك يريح من وخد المطي ... ويقصر عن مدى الأمل القصي
وأنت تصادم العلياء لما ... غدت مرقى لكل فتى علي
تصادر كل معضلة نود ... متى هجمت بصدر السمهري
وتكشف كل غماء بهدي ... حكى هدى النبي الهاشمي
أبا اسحق يا أمير ملك ... يقصر عنه ملك التبعي
ليوسف مفخر يروى ويتلى ... كما يتلى الحديث عن النبي
ركبت مناهج التقوى ففاقت ... أمورك كل أمر معتلي
وسرت بسيرة العمرين عدلا ... ولم تقعد مضاء من علي
أيا ملكت الملوك لدى قول ... فوطئ لي على كنف وطي
وحسن فضل أخلاق كرام ... إذا حيت فعن مسكت ذكي
لك الفضل الذي أوليتنيه ... فأشكره ولي حق الولي
وأمري مظلم بالشرق حتى ... تبلجه لدى المولى العلي
وهذا وقت خدمة كل أمر ... فسبب بي إلى السبب الحظي
ومهما دار قول نمقته ... رجال لا تصاف إلى سري
فلا تسمع لمشاء بنم ... ودع أقوال هماز غوي
دعي الصفاء وليس يعطي ... بقدر الحب والود الخفي
وليت قلوبنا شقت فتدري ... بها فضل الخون من الوفي
ويهني المجد غزو نلت فيه ... جسيم الأجر بالسعي الزكي
стр. 124
كلامي قادة ودي فاهدي ... إليك قصيدة مثل الهدي
فخذها كالعروس تفوت طبعاً ... ويا ويل الشجي من الخلي
وله: فيه من قصيدة وجّه بها إليه في عيد الفطر سنة خمس عشرة وخمس مائة بسيط
لدى سراك لعدو الجرد تصميم ... وفي عداك لبيض الهند تحطيم
وللمكارم لا زالت مخيمة ... بساحة الدولة العلياء تخييم
ثوى بربعك ملء الأرض منتظماً ... من المآثر منثور ومنظوم
آيات عدلك تتلى وهي معتبر ... سر لكم في ضمير الدهر مكتوم
لله فيك حديث سوف يوضحه ... وللمعالي على علياك تحويم
تدبير ملكك بالتأييد مفتتح ... ما لم يكن هذا ملك فمذموم
قسطت عدلك بين الناس فاعتدلوا ... وللمالك تقسيط وتقسيم
لله فضلك ما يلقاك مكتئب ... ألا انثنى وهو مسرور ومعصوم
قضى الإله وجود منك يغمرنا ... بان مالك بين الخلق مقسوم
لما سريت إلى حمص وقد ظمئت ... أسرى إليها سحاب منك مركوم
وافيت الريح تستقي الغمام بها ... مهما تهب فللأنواء تغييم
كأنما المحل والأنواء تكنفه ... جيشان ذا هازم يلفى ومهزوم
لما اكتسى الدهر واشيا من أزاهره ... ومبرم المحل منبث ومفصوم
عاد الزمان ربيعاً عندما طلعت ... مني لها في سماء الفضل تعظيم
رق النسيم وقت كل غادية ... فالأفق طلق برد الأرض مرقوم
ومنها، بسيط
قيدتني بأياد منك طائلة ... شتى فمنهن مجهول ومعلوم
كم منة لك عندي لا ينوء بها ... شكري على أنه بالمسك مختوم
من لي بذاك ولو وافتك تنجدني ... السبعة الشهب والسبع الأقاليم
ومنها: بسيط
يحف بي منك إعلاء وتكرمة ... بر بمنطقة الجوزاء محزوم
من حق من هجر الأوطان من سعة ... وقادة نحوكم حب وتتييم
أن يعتلي ويرى في النجم منزلة ... يحفه منك تكريم وتنعيم
ومنها: بسيط
بيني وبين النوى دخل فإن صدعت ... شملي فعندي تفويض وتسليم
وإن تكن نثرت سلكي نوى قذف ... فإن سلك رجائي فيك منظوم
стр. 125
سقياً لعهد خليط لست أذكره ... ألا حننت كما قد حنت الهيم
مهما تنسمت من تلقائه نفسا ... شوقاً تحدر من عيني تسنيم
فالنفس من بعد جمر له صفة ... ميم وواو وجيم بعدها جيم
عسى الليالي بسعد الملك تنظماً ... إن أنصف الدهر والإنصاف معدوم
الوزير الكاتب أبو محمد بن القاسم ﵀
رجل زهت به السياسة والتدبير، وجبل دونه يلملم وثبير، ووقار، لا يستفز ولو دارت عليه العقار، إذا كتب باهت البدر رقعته، وقرطست أفئدة المعاني نزعته، وضعته الدولة في مفرقها، وأطلعته في مشرقها، فاظهر جمالها، وعطر صباها وشمالها، فسهل لراجيها حزنها، وصاب بأحسن السير مزنها، واتضح بشرها، ونفح بعرف الأماني نشرها، وجادت يده بالحيا، وعادت به أيام الفضلبن يحيى، إلا أن الأيام أتقته، فما أبقته، وخشيه مكرها، فغشيه نكرها، فتخلت عنه الدولة تخلي العقد عن عنق الحسناء، وأعرضت عنه إعراض النسيم عن الروضة الغناء، وإنها لعالمة بسنائه، وهايمة بغنائه، ولكن الزمان لا يريد شفوفاً، ولا يرى أن يكون بالفضائل محفوفاً ويقيم مقام درياق سفوفاً، وهو اليوم قد انقبض عن أنواع الناس وأجناسهم، واستوحش من إيناسهم، وأنس بنتائج أفكاره، وهم بعيون العلم وأبكاره، وكلف بفنونه، وتصرف من سهوله إلى حزونه، ونبذ الدنيا نبذ النواة، وانتبذ من ملابسة الغواة، وصرف وجهه تجاه لبر والتقوى، وترك ربع الحظوة عافياً قد أقوى، وعلم أن الله به حفي، وأنه له صفي، وحين أعلقه بأسبابه، وصرفه عن باب الملك إلى بابه، وقد أثبت من نثره المنتخب، ونظمه المستحلى المستعذب، ما تعاطيه مدامة، ولا يدانيه قدامة، فمن ذلك ما راجعني به عن رقعة كتبها إليه مودعاً ووصفت فيها النجوم، عذيري من ساحر بيان، وناثر جمان، ومظاهر إبداع وإحسان، ما كفاه أن اعتام الجواهر اعتياماً، وجلاها في أبهج مطالعها نثراً ونظاماً، حتى حشر الكواكب والأفلاك، وجندها تحوى كتائب من هنا وهناك، وقدماً حمل لواء النباهة، وأعجز أدواء البداهة، فكيف بمن بكل حتى عن الروية، ورقض الخطابة رفضاً غير ذي مثنوية، وليس الغمر كالنزر، ورويدك أبا النصر، فما سميت فتحاً لتفتح علينا أبواب المعجزات، ولا مليت سروا لترتقي علينا إلى الأنجم الزهرات،
стр. 126
فتأتي بها قبيلا، وتريد منا أن نسومها كما سمت قوداً وتذليلا، وأنى لنا أن نساجل احتكاماً، وأن نباسل إقداماً، من أقدم حتى على القمرين، وتحكم حتى في انتقال الفرقدين، وقص قوادم النسرين، ثم ورد المجرة وقد تسللت غدرانها، وتفتح في جاماتها أقحوانها، وهناك اعتقد التخييم، وأحمد المراد الكريم، حتى إذا رفع قبابه، ومد كما أحب أطنابه، سئم الدهناء، وصمم المضاء، فاقتحم على العذراء رواقها، وفصم عن الجوزاء تطاقها، وتغلغل في تلك الأرجاء، واستباح من شاء أن يستبيحه من نجوم السماء، ثم أقنعه أن بهر بادلاله، حتى ذعرها بجياد أقواله، وغمرها بأطراد سلساله، فله ثم خيل وسيل، لأجلها شمر عن سوق التوءمين ذيل، وتعلق برجل السفينة سهيل، هناك سلم المسالم، وأسلم المعارض والمقاوم، فما الأسد وإن لبس البزة يلباً، واتخذ الهلال مخلباً، وإنما انتهض تحت صبا أعنته وقبض على شبا أسنته، وما لشجاع وإن هال مقتحماً، وفغر على الدواهي فما وقد أطرق مما رءاه، وما وجد مساغاً ناباه، وما الرامي وقد أقعص عن مرامه، ووجئت لبته بسهامه، أو لسماك وقد قطر دفينا، وغودر بذابله طعيناً، وما الفوارس وقد جللت سربتها عجاجة، ومسخت حلبتها زجاجة، ولذلك قطب زحل، واضطرب المريخ في نار وجد واشتعل، ووجل المشتري فامتقع لونه وضياؤه، وشعشع بالصفرة بياضه ولؤلؤه، وناهت الزهرة بين دل الجمال، وذل الاستبسال، فلذلك ما تتقدم تارة وتتأخر، وتغيب آونة ثم تظهر، وأما عطارد فلاذ بكناسه، ورد بضاعته في أكياسه، وتحجب الشمس بالغمام، واعتصم، بمغربه قمر التمام، هذه حال النجوم معك، فكيف بمن يتعاطى أن يشرع في قول مشرعك، أو يطلع في ثنية فضل مطلعك، وقد أدني وشك اقتضائ واقتضابك، وبعد من إغضابك فاعتمدت على إغضائك، فخذ السانح من عفوي، وتجاوز عن مقتي وصفوي، ثم متعني بفكري فقد رجع فليلاً، ودع لي ذهني عسى أن يتودع قليلاً، وأني وقد أصله من بينك الشغل الشاغل، وودعه من قربك الظل الزائل، ولا أنس بعدك ألا في تخيل معاهدك، وتذكر مصادرك النبيلة ومواردك، فسر في أمن السلامة محافظاً، وتوجه من ضمن الكرامة مشاهداً بالأوهام ملاحظاً، رعاك الله في حلك ومرتحلك، وقدمت على السني من متمناك والمرضي من أملك، بمن الله وفضله، واقرأ عليك
стр. 127
سلاماً يلتزمك في مقامك وسفرك، ويصحبك سرى أمامك وتأويباًِ على أثرك، ورحمة الله وبركته، ولما اشتهرت المخاطبة والجواب، وبهر الإبداع منهما
والإغراب، وتهاداها كل ذكي وتعاطاها، وتوسد خد نباهته ابردي ارطاها، كتب إليه الأجل الفقيه الحافظ أبو الفضل ابن عياض في ذلك، قد وقفت أعزكما الله على بدائعكما الغريبة، ومنازعكما البعيدة القريبة، ورأيت ترقيكما من الزهر إلى الزهر، وتنقلكما إلى الدراري بعد الدر، فاحتما حمى النجوم، وقذفتماها من ثواقب أفهامكما بالرجوم، وتركتماها بعد الطلاقة ذلت جوم، فحللتما بسيطها غارة شعواء، لها ما عوت أكلب العواء، هناك افترست الفوارس، ولم تغن عن السماك الداعس، وغودرت النثرة نثاراً، وأغشي لؤلؤها نقعاً مثارا، كان لكما قبلها ثارا، وأشعرت العشريان ذعراً، قطعت له إحداهما أواصر الأخرى، فأخذ بالحزم منها العبور، وبدرت خيلكما وسيلكما بالعبور، وحذرت اللحاق عن أن تعوق، عن منحنى العيوق، فخلفت أختها تندب عهد لوفاء، وتجهد جهدها في الاختفاء، وكأن الثريا حين ثرتم بقطينها، اتقتكم بيمينها، فجذذتم بنانها، وبذلتم للخصيب أمانها، فعندها استسهل سهيل الفرار، فأبعد بيمنه القرار، وولى الدبران أثره دبرا، وذكر البعاد فوقف متحيراً، وعادت العوائد بشامها، والقت الجوزاء للأماني بنطاقها ونظامها، فمهلاً أعزكما الله سكنا الدهماء، فقد ذعرتما حتى نجوم السماء، فغادرتماها بين برق وفرق، وغرق أو حرق، فتزحزحا في مجدكما قليلاً، واجعلا بعدكما للناس إلى البيان سبيلا، فقد أخذتما بآفاق المعالي والبدائع، لكما قمراها والنجوم الطوالع، فكتب إليه مرجعاً عنها، بمثل نباهتك سارت الأخبار، وفيك وفي بداهتك اعتبار، لقد نلت فيها كل طائل، وقلت فلم تترك مقالاً لقائل، وعززت بثالث هو الجميع، وبرزت فأين من شارك الصاحب والبديع، جلاء بيان، في خفاء معان، هذا أثب للسهى جلالاً، وأشاد فيه لذوي النهى أمثالاً، وذاك رفع للأقمار لواء، والقى على شمس النهار بهجة وضياء، أقسم بسبقك، ومقدم حقك، لئن أفحمت بما نطقت، لقد أفهمت عن أي صبوح رفقت، ومهما أبهمت تفسيراً، فدونك منه شيئاً يسيراً، لما اعتمدنا نحن ذلك المظهر، فما أبعدنا هناك الأثر، بل اقتصدنا على الأصعاد، وقدنا في تلك النيرات كل سلس القياد، حتى إذا اشماز طلقها، فعز أبلقها، وصبحنا
стр. 128
مواردها، فافتتحنا ماردها، وثنينا عنان الكريمة، وارتضينا إياباً ببعض الغنيمة، هببت أنت هبوب زيد الفوارس، وقربت تقريب الأسد المداعس، تومض في وجوم، وتمتعض للنجوم، فاستخرجها من أيدينا، وأزعحتها عن نواحينا، ثم صيرت إليك شملها، وكنت أحق بها وأهلها، ومن هناك، وصلت سراك، فصبحت الفيالق، وفتحت المغالق، وتسنمت تلك الحصون، أقسمت لتخرجنهم من أذلة وهم صاغرون، فاذعن لشروطك الشرطان، وازدحمت بالبطين حلقتا البطان، وثار بالثريا ثبور، وعصفت بالدبران دبور، وهكذا استعرضت المنازل، واستهظم جميعها الخطب النازل، ثم تيامنت نحو الجنوب، فواها للمعاصم والجنوب، بسيط
لم يبق غير طريد غير منفلت ... وموثق في حبال القد مسلوب
استخرجت السفينة من لججها، وجالت الناقة بهودجها، وغودرت العقرب بخفق فؤادها، وذعرت النعائم فخاب أصدارها وإيرادها، ولما مسحت تلك الآفاق، فاثخنت فيها وشددت الوثاق، وعطفت الشمال، واتبعت أسباب الشمال، فلا مطلع إلا القى إليك باليمين، واستدارت حوله الفكة فسميت قصعة المساكين، وانتهيت إلى قطب فكان عليه المدار، وتبواتة ففيه من جلالتك افتخار، ثم أزحت صعادك، وأرحت ممسك الأعنة جيادك ونعمت بدار منك محلال، ثم ما نمت عن ذي إكبار لك وإجلال، تتيمة بسحر الكلام، وتجشمه لأن يستقل استقلالك بالإعلام، وإذ لا يتعاطى مضمارك، ولا يشق غبارك، فدونك ما قبلي من بضاعة مزجاة، وإليك مني معطي طاعة وطالب نجوة، إن شاء الله ، وكتب إلى الوزير الكاتب أبي بكر بن عبد العزيز مجاوباً عن كتاب خاطبه به مسلياً عن نكبته، متقارب
ولو لو أقل شباة الخطوب ... بحد كحد ظبى الصارم
ولم ألق من جندها ما لقيت، بصبر لأبطالها هازم
ولم اعتبر حادثات الزمان ... بخبر خبير بها عالم
لكان خطابك لي ذكرة ... تنبه من سن النائم
ورداء يرد صعاب الأمور ... على عقب الصاغر الراغم
فكيف وقد قرعت النائبات اصغارا، ولقيت هبوبها إعصاراً، ولم استعن في شيء
стр. 129
منها بمخلوق، ولا فوضت في جميعها إلا لأعدل فاتح وأحفظ موثوق، أسأله أن يجعلها كفارة للسيئات، وطهارة من دون الخطيئات، بمنه وكرمه، وأن خطاب السيد وصل، غب ما تجافى ومطل، فكان لحبيب المقبل، حقه أن يستمال ويستننزل، ولا عيب عليه فيما فعل، وقد علمت أنه أبطاً برهة متصلة، فما أخطا حفاظاً بظهر الغيب وصلة، وإنما نهنه عن مقتضى نظره، لينبه بفحوى تأخره، على أن العوائد أحمد من الباديات، والفوائد في النتائج لا في المقدمات، كما ختم الطعام بالحلواء، بل كما نسخ الكلام بالضياء، وبعث محمد آخر الأنبياء، وأن اختفاءه لمقدور حق قدره، ووفاءه لجدير بالمبالغة في شكره، ولقد بلغت مكارمته مداها، وسلت مساهمته عما اقتضاها، وقد آن أن ندع في ذكرى نهب صيح في حجراته، واستبيح من جهاته، وخطب وقد صرف الله عدآءه، وكشف بفضله غماءه، ولكن حديثاً ما حديث سحر جلوته مقالا، وسموت به إلى المهج حالا فحالا، يخترق الحجب إلى صميمها، ويرفق الآداب في تقاسيمها، ويخيل بالمعجزات عيانها، ويستميل إلى غرائب المبدعات أذهانها، ابابل في ضمير أقلامك، وما أنزل على الملكين في وزن كلامك، أم هو البيان لا غطاء دونه، وما أحقه أن يكونه، فما تسحر إلا بحلال، ولا تذر ثنية للعقول إلا أطلعتها بأهدى مقال: وإن قسيمك المجل لقدرك، وحميمك المتناهي في برك، تصفح ثناءك مجداً وطولاً، واستوضح أخاك عقداً وقولاً وأعطاك صفقة يمينه على المودة والإكبار، وولاك صفوة يقينه صادقة الإعلان والأسرار، فلن تزال بتوفيق الله ومجده، حيث تنشده وتعهده، على إبر ما تعتقده، إن شاء الله، ولما نفذ في أمره ما نفذ، وانفصل عن أمير المسلمين وانتبذ، خيرة في بلاد المغرب فاختار سلا، واعتقد أنه يانس فيها ويسلا، بمجاورة بني القاسم الذين غدوا بدور سمائها، وصدور سمائها، فلما حلها انقبض عليه أبو لعباس انقباضا تعي عليه أقبح نعي، ونسب فيه إلى قلة الوفاء والرعي، وكان بينهما أيام وزارته مودة محمودة التواخي، مشدودة الأواخي، واشتملت إذ ذاك على أبي العباس مساع أدجت مطلعه، وحنت على الوجد أضلعه، فجذب فيها أبو محمد بضبعه، والقاه بين بصر العضد وسمعه، فلما وردت مشيت إليه ونقمت عليه صدوده، وإيحاشة لمن كان ودوده، وعرفته بحرماته، وأوقفته على مواته، فاعتذر، بما يخاف من أمير المسلمين ويحذر، وكتب إليه، بسيط
стр. 130
وا حسرتا لصديق ما له عوض ... وإن قلت من هو لا يلقاك معترض
القاه بالنفس لا بالجسم منة حذر ... لعلة ما رأيت الحر ينقبض
فكتب إليه أبو محمد مراجعاً بسيط
شد الجياد إذا أجريت منقبض ... ما للوجيه على الميدان معترض
أني تضاهيه فرسان الكلام من ... غبارة في هواديهن ما نفضوا
جرت على مستو من طبعه كلم ... هي المشارب لكن ما لها فرض
كان منشدها نشوان من طرب ... أو بلبل من سقيط الطل ينتفض
تحية من بني العباس زار بها ... طيف من العذر في أثنائها يمض
لا بالجلي فتستوفى حقيقته ... ويستبان بعين ما بها غمض
لكن أغض عليه جفن ذي مقة ... كما يسد مسد الجوهر العرض
يا من يعز علينا أن نعاتبه ... الأعتاب محب ليس يمتعض
ناشدتك الله والإنصاف مكرمة ... أما الوفاء بحسن الود مفترض
هب المزار لمعنى الريب مرتفع ... ما للوداد بظهر الغيب منخفض
أما لكل نبيه في العلى حيل ... تقضى الحقوق بها والمرء منقبض
كن كيف شئت فمن دابي محافظة ... على الذمام وعهد ليس ينتقض
وهمة لم تضق ذرعاً بحادثة ... إن الكريم على العلات بنتهض
والحر حر وصنع الله منتظر ... والذكر يبقى وعمر المرء ينقرض
الوزير أبو عامر بن أرقم رحمه الله تعالى
فريد الوقت وابن فريده، وعميد الكلام وابن وعميده، كان الوزير الكاتب أبو الأصبغ أبوه قد أربى على أهل أوانه، واستقر بكتابة زمانه فنبت أبو عامر في تربة العلم ونشأ في حجره، وشدا بين السحر البيان ونحوه، ثم لم يزل على كد الطلب وتعبه، اصبر من عود عضت جنباه بخلبه، حتى ارتوى من صافي الأدب ونميره، واحتجن من مصوحه ونضيره، فجمع حفظه بين الغريب الحوشي، والمولد الرياضي، وله شعر ونثر يفصحان بسعة باعه، ورحب ذراعه، ويشهدان أنه يغرف من عجاج، ويدع محاربه يعمه في عجاج، فمن ذلك قوله يمدح الأمير عبد الله بن مزدلي، بسيط
سريت والليل من مسراك في وهل ... مبرا العزم من أين ومن كسل
وسرت في جحفل يهدي فوارسه ... سناك تحت الدجا والعارض والهطل
стр. 131
والبدر محتجب لم تدر أنجمه ... أغاب عن سرر أم غاب عن خجل
هوت أعاديك من سار يورقه ... ركض الجواد وحمل اللامة الفضل
إذا الملوك نيام في مضاجعهم ... مستحسنون بهاء الحلي والحلل
لله صومك برا يوم فطرهم ... وما توخيت من وجه ومن عمل
نحرت فيه الكماة الصيد محتسباً ... وحسب غيرك نحر الشاء والإبل
إذا صرير المداري هزهم طربا ... الهاك عنه صرير البيض والأسل
وإن ثنتهم عن الإقدام عاذلة ... مضيت قدماً ولم تأذن إلى العذل
كم ضم ذا العيد من لاه به غزل ... وأنت تنشد أهل اللهو والغزل
في الخيل والخافقات البيض لي شغل ... ليس الصبابة والصهباء في شغلي
ظللت يومك لم تنفه به ظمئا ... وظل رمحك في عل وفي نهل
كلما رامت الروم الفرار أتت ... من كل أوب وضمتها يد الأجل
فصار نقبلهم نهباً ومدبرهم ... وعاد غانمهم من جملة النفل
فكم فككت عن الأغلال عن عنق ... وكم سددت بهذا الفتح من خلل
أنت الأمير الذي للمجد همته ... وللمسالك يحميها وللدول
وللمواهب أو للحظ أنمله ... ما لم تحن إلى الخطية الذبل
لمزدلي لواء كان يرفعه ... مناسب كالضحا والشمس في الحمل
الجابرين صدوع المعتفي لهم ... والكاسرين الظبى في هامة البطل
والعادلين عن الدنيا ونضرتها ... والسالكين على الأهدى من السبل
خير التبابع والأداء من يمن ... الغالبين على الآفاق الملل
يسود في آخر الإعصار آخرهم ... وساد أولهم في الأعصر الأول
يا أيها الملك المرهوب صولته ... والمرتجي غوثة في الحادث الجلل
من كابد العدم لم يكمل له أمل ... والعدم من أقطع الأشياء بالأمل
لولاه لم تبت الأشعار مرسلة ... عني وحقك لا نقضيه بالرسل
فافصح لعبدك يا مولاي مغتفراً ... ما كان من خطا أو منطق خطل
بقيت للدين والدنيا تحوطهما ... إذا حلا الغمض في الأجفان للمقل
وكتب إلى الوزير الكاتب أبي جعفر بن مسعدة، سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، وذخري للجلى، أطال الله بقاءك محسود الجناب، محمود المقام والمناب، من كرم دام
стр. 132
عزك خيمه، وشرف حديثه وقديمه، أمط قبل أن يستبرق، وأثمر قبل أن يستورق، وأقبل دون أن يستقبل، واحتل قبل أن يستحل، سجية نفس تواقة إلى الحسنى، نزاعة إلى الأعلى، من النحار والأسنى، وكانت لك أعزك الله في جانبي مجالس ومشاهد، ومصادر وموارد، وصلت بها جناحي، مددت أوضاحي، ونبهت من ذكري البيت فأثقلت ظهري، وأوجبت علي الشكر دهري، وما تأخرت عن حضرتك لامحا لعزتك، وقاضياً حق مبرتك، ألا عن حال، لا تعين على الترحال، فعذرا عذرا، وغفرا غفرا، وعندي ود كماء المزن، وثناء كروض الحزن، جزاك الله يا سيدي جزاء الواصل وقد قطع الإلمام المواصر، وقد خولت الأيام الناصر، ولست أجدد الرغبة إليك، في شيء من أمري جار على الكريمتين يديك، قبل الهزفريت، وقبل النزول بساحتك قريت، وإن مننت بالمراجعة شفعت المكارمة بالمكارمة، واتبعت المساهمة بالمساهمة، وتطولت إن شاء الله، والسلام العاطر الناضر عليك ورحمة الله، وكتب إلى أحد إخوانه شافعاً لرجل يعرف بالزريزير، يا سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، وشهابي الأجلى، ومن أبقاه الله والأمكنة بمساعيه فسيحة، والألسنة بمعاليه فصيحة، موصله وصل الله جذلك حيوان، يصفر كل أوان، ويسفر بين الإخوان، رقيق الحاشية، أنيق الشاشية، يعتمد على كدواء، ويستمع بجدواء، ينظر من عين، كأنها عين، ويلقط بمنقار، كأنه من قار، أطبق على لسانه تخاله أغريضة، في ثوب أحريضة، يسلي المحزون، بالمقطع والموزون، ينفس عن المكظوم، بالمنثور والمنظوم، مسكي الطيلسان، تولد بين الطائر والإنسان، كما سمعت بسمع الفلاة، وعمر ابن السعلاة، قطع من منابت الربيع، إلى منازل الصقيع، ومن مطالع الزيتون، إلى مواقع السحاب الهتون، فصادف من الجليد، ما يذهب قوى الجليد، ومن البرد، ما لا يدفعه ريش ولا برد، والحدائق قد أغمضت أحداقها، وانحسرت أوراقها، والبطاح قد قيدت الفور، بحبائل الكافور، وأرقعت الصرد، فمني البائس بما لم يعهده، كما وسم بالزرزور ولم يشهده، ولما فال رأيه وأخفق أو كاد سعيه التفت إلى عطفة أشمط، وإلى أديمه أرقط، فناح، ثم سوى الجناح، وقد نكر مزاجه، ونسي ألحانه وأهزاجه، ولا شك أنه واقع بفنائك، وراشف من إنائك، أمل حسن غنائك واعتنائك، وأنت بارق ذلك العارض، ورائد ذلك الأنف البارض،
стр. 133
تهيئ له حبا، يجزيك عنه ثناء جميلا رحباً، وقد تحفظ يا سيدي رسائل تسام بها أهل الآداب، سوء العذاب، ودعى البطي منهم إلى الأهذاب، بسيط
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وإذا ألقى كتابي إليك، يفسر هذه الجملة عليك، لازلت منافساً في العلوم، أسيا للأحوال والكلوم، إن شاء الله وهو المستعان والسلام عليك ورحمة الله، ومن كلامه من مقامة إنشأها في الأمير تميم بن يوسف أيده الله ووصلها بالقرطبية أولها، قال فلان ابن فلان ولما اجتليت ما نصه، واستوفيت ما قصه، قلت أحق منزل بترك فعجت الرواحل، لا طوي المراحل، أمل كعبه الآمال، وقبلة الآمال، فينا أنا أسير، وقد لظي الهجير، ولا قعيد ولا ناطح، إلا الأكام والأباطح ولا سانح ولا بارح، إلا آلال والبارح، إذ رفع لي شخص، يقربه ذميل ونص، وإذا فتى عليه بزة، تشهد له بالعزة، يركب وجناء كأنها سبيكة لجين، قد أخلصتها يد القين، ويجنب دهماً تسبحاً، وكأنها ليل يباري صبحا، فلما دنا وقف، فظرف، ووضع من لثامه، وأوجز في سلامه، فرددت كما يرد العجل، وتوقعت فوته فقلت من الرجل، فقال: كامل
إني امرئ لا يعتري خلقي ... دنس ويفنده ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة ... والفرع ينبت حوله الغصن
فصحاء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مصانع لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن
قلت في كل عود نار، واستمجد المرخ والعفار، لله أنت فما أصون جارك، وأكرم نجارك، لم تدب الضراء، ولم تمش الحمراء، فالتفت نحوي قائلاً النبع يقرع بعضه بعضاً ثم أداه الاهتبال، إلى السؤال، فقال أين أمك، وما همك، قلت غرناطة، فقال حيث اللمة المشفقة المحتاطة، والسدى، والندى، والأمجاد، والأنجاد، والإصراخ والأنجاد، والغور والنجاد، أكرمت فارتبط قلت وما علمك بها قال هي المطلع، وإليها بحول الله المرجع، قلت دنا مرادك، وتمثلت قتلت أرض جاهلها، وقتل أرض عالمها، ففهم النزعة فقال سل عما بدا لك على الخبير سقطت، طويل
فأقبلت في الساعين أسأل عنهم ... سؤالك بالشيء الذي أنت جاهله
стр. 134
قلت فسطاطها فقال قصور، تقر لها إرم بالقصور، وسور، أعين الحوادث عنه صور، كأنه الثغر المبتسم، والسلك المنتظم، ومن شعره فيها، متقارب
فتى الخيل يقتادها ذبلا ... خفافاً تباري القنا الذابلا
ترى كل أجرد سامي السليل تحسبه غصناً مائلا
وجرداء أن أوجست صارخاً ... تذكرك الظبية الخادلا
إذا شنهن بأرض العدى ... يصير عاليها سافلا
ولم أدر بدر تمام سواه ... يسمونه الأسد الباسلا
أقام العجاج سماء عليه ... وأقسم أن لا يرى أفلا
ولم تصرف الهول هماته ... ومن يصرف القدر النازلا
الوزير الكاتب أبو محمد بن سفيان رحمه الله تعالى
من بلغت همته السماء، وجلت أسرته الظلماء، له الرتب المكينة، وعليه الوقار والسكينة، أخدم يراعه العوالي، واستخدم الأحرار والموالي، وأقام بدولة آل ذي النون وأقعد، وتبوأ سماكها واقتعد، فسما به قدرها، وهمى بسيبه قطرها، وحسنت سيرها، وأمنت غيرها، وحمدت أيامها، ووردت حمام الأماني خيامها، وله أدب غض المقاطف، رطب المعاطف، إن نثر فالنجوم في أفلاكها، أو نظم فالجواهر في أسلاكها، قد أخذ بمجامع القلوب كلمه، وأغذ في طرق الإبداع قلمه، وقد أثبت له ما تستهديه زهرا، وترتديه برداً محبرا، فمن ذلك قوله يخاطب أبا عيسى ابن لبون، وافر
أبا عيسى أتذكر حين كنا ... على هام الكوكب نازلينا
ندوس بخيلنا زهر الثريا ... ونوردها المجرة إن ظمئنا
وننزل جبهة الأسد اعتسافاً ... إذا ما البدر سر بها كمينا
ونطرق هودج العذراء وهنا ... فندخله عليها آمنينا
إذا غنت لنا الجوزا مددنا ... لحل نطاقها منا يمينا
وإن عرضت لنا كف الثريا ... سلبناها الخلاخل والبدينا
إذا ما غار من ددنا سهيل ... على الشعرى فخلت به جنونا
تجاوزنا العبور إلى العميصا ... ولم نرهب شجاعهم المبينا
وله مراجعا إلى الحاجب ذي الرياستين أبي مروان بن رزين ﵀، بسيط
стр. 135
يا ابن الملوك أتتني عنك معجزة ... تنأى وإن قربت في أعين رأيها
يشق سامعها في جيبه طرباً ... ويسمع الصخرة الصماء راويها
لو أن هاروتهم لاحت لناظره ... لقال ما السحر إلا بعض ما فيها
سماءه هي لا بل روضة رشفت ... ماء الغمامة فاخضرت حواشيها
ومن بديعه الحسن، ومطبوعه المستحسن، هذه القطعة يخاطب بها القادر بالله يحيى ابن ذي النون ﵀، كامل
خطبت بسبقي في الزمان يراعة ... سجدت إلى كفي وصلى المنصل
أولست من وطئ السما تأودا ... وسما فقد سفل السماك الأعزل
أغشي العوالي والمعالي باسها ... وأقول في الخطب البهيم فافصل
ومتى أعد ليلاً نهارا صحيفة ... وضحت كواكبه عليه تهلل
وإذا جلت جياد فكري في مدى ... سبقت فكبر حاسدون وهللوا
رمدت عيون الحاسدين أما ترى ... قمر العلى والمجد ليلة يكمل
ما الذنب عندهم ودونك فاخبرن ... ألا هوى بالمكرمات موكل
همم إلى صرف العلى مصروفة ... وحجى أقام وقد تزحزح يذبل
وبلاغة بلغت بآفاق الدنا ... وغدت تحية من يقيم ويرحل
ولئن يضع فضلي ويذهب نقصهم ... صعدا فارجح كفة من يسفل
فلا غشين الحادثات بصارم ... خدم غرارة حريق مشعل
وبصيرة تذر العقول لوائحا ... فكأنها في كشفهن سجنجل
ومشرب كالنار أن يذهب به ... كحضروان يسكن فماء سلسل
نهد إذا استنهضه لملمة ... أعطاك عفواً عدوة من تسأل
قيد الأوابد والنواظر إن بدا ... قلت الجواد أم الحبيب المقبل
ومفاضة زغف كان قميصها ... ماء الغدير جرت عليه الشمال
ترد العوالي منها شرعة حتفها ... وتغب فيه مناصل متفلل
وعزائم بيض الوجوه كأنها ... سرج توقد أو زمان مقبل
شيم عمرن ربوع مجد بن القاسم ... فأضاء معتكر وأخصب ممحل
وكتب إلى الوزير أبي محمد بن القاسم، كتبت وما عندي من الود أصفى من الراح، وأضوأ من سقط الزند عند الاقتداح، وليس فيما أدعيه من ذلك لبس،
стр. 136
كيف وهو ما تجزي به نفسا نفس، فإن شككت فيه فسل ما تنطوي لي جوائحك عليه، أو اتهمته فارجع إلى ما أرجع عند اشتباه الأمر إليه، تجده عذبا قراحاً، سائل الغرة تياجاً، ولك لا يكون ذلك وبيننا ذمة تجل أن تحصى بالحساب، بيض الوجوه كريمة الأحساب، لو كانت نسيماً لكانت بليلاً، أو كانت زماناً لم تكن إلا سحراً أو أصيلا، فراجعه أبو محمد برقعة فيها، كتبت عن ود لا أقول كصفو الراح فإن فيها جناحاً، ولا كسقط الزند فربما كان شحاحاً، ولكن أقول أصفى من ماء الغمام، وأضوأ من قمر متوافي التمام، فراجعه عنها،، كتبت دام عزك عن ود كماء الورد نفحة، وعهد كصفائه صفحة، ولا أقول أصفى من صوب الغمام، فقد يكون معه الشرق، ولا أضوأ من قمر التمام، فقد يدركه النقص ويمحق، وليس ما وقع فيه الاعتراض مختصاً بصفو الراح، ولا بسقط الزند عند الاقتداح، فإن أمور العالم هذه سبيلها، وجياد الكلام كيف شاء مجيلها، وإنما نقول ما قيل، ونتبع ما أجاد التحصيل، وحسن التأويل، فنستعير ما استعاروا، ونسير من التلميح في القول إلى ما ساروا، وبين أنا لم نرد من الراح الجناح، ولا من الزند الشحاح، ولا من ماء الورد ما فيه من مادة الزكام، ولا زيادة في بعض الأسقام، وله متغزلاً، وهو مما تبوأ فيه الإحسان منزلا، بسيط
يا ضرة الشمس قلبي منك في وهج ... لو كان بالنار لم تسكن ذرى حجر
أبيت أسهر لا أغفى فإن سبحت ... أغفاءة فكمثل اللمح بالبصر
إذا رأيت الدحى تعلو غواربها ... والنجم في قيدة حيران لم يسر
أقول ما بال بازي الصبح ليس له ... وقع وما الغراب الليل لم يطر
فإن سمحت بوصل أو بخلت به ... شكوت ليلي من طول ومن قصر
لا أفقد النجم أرعاه وأرقبه ... في الوصل منك وفي الهجران من قمر
وله فصل من رقعة، عمادي الأعلى أعزه الله شهاب إذا ظلم أفق، ووفاء إذا ضاع عند كريم حق، لا جرم أنه لسرو منار، ولمسيل الصفو قرار، به أنار ما أظلم، واستكمل من نقص من بهاء أدب واستتم، هذا ولم يبلغ أشدة، ولا استوفى في اكتهال حده، فكيف إذا أثمر زهره، وأبدر قمره، وتجاوز في الانتهاء رتبة، وحاز إلى طبع الكريم دربة، قسما ليحرزن المعالي، وإن أبى ذلك آب، ونبا فيه عن فهم الحقيقة ناب، ومجله أنا إن لم أراجعه
стр. 137
عما نبه به أسعدي، وأثقب بتواخي الفضل منه أزندي، فلان القلم جمح في ميدان ما شرع، والكلم تعلق بأفنان من اخترع، فكان كالزهرة قطفت من رياضه، والنبغة ارتشفت من حياضه، ومحال أن أدعي معه صناعته، وأهدي إليه بضاعته، وله متغزلا، كامل
نفسي فداك وعدتني بزيارة ... فظللت أرقبها إلى الأمساء
حتى رأيت قسيم وجهك طالعاً ... لم تنتقصه غضاضة استحياء
فعلمت أنك قد حجبت وأنه ... لو راء وجهك ما سرى بسماء
وله إلى أبي أمية إبراهيم بن عصام يعرض بأحد الملوك ﵏، منسرح
أمرر بقاضي القضاة أن له ... حقاً على كل مسلم يجب
وقل له أن ما سمعت به ... عن سر من راء كله كذب
قد غرني مثلما غررت به ... فجئته يستحثني الطرب
حتى إذا ما انتهيت صرت إلى ... سراب قفر من دونه حجب
وسلة للسماح ناسخة ... لها نبي الألهة الذهب
وله إلى أبي أمية وقد كتب إليه عين زمانه فرقعت نقطة على العين فتوهمها واعتقدها، وعددها وانتقدها كامل
لا تلزمني ما جنته يراعة ... طمست بريقتها عيون ثناءي
حقدت علي لزامها فتحولت ... أفعى تمج سمامها بسخاء
غدر الزمان وأهله عرف ولم ... أسمع بغدر يراعة وأناء
ذو الوزارتين أبو الحسن بن الحاج ﵀
شيخ الجلالة وفتاها، ومبدأ الفضائل ومنتهاها، مع كرم كانسجام الأمطار، وشيم كالنسيم المعطار، أقام زمنا على المدامة معتكفاً، ولثغور البطالة مرتشفاً، لا يغدو إلى ثملاً، ولا يروح إلا بنشوة مشتملا، وجود أبدا هاطل، وجيدة إلا من المعالي عاطل، ثم فاء عن تلك الساحة، واختار تعب النسك عن تلك الراحة، فراح حليف خشوع، وأصبح بين سجود وركوع، وله شعر له في النفس شروق، وكان الحسن منه مسروق، وقد أثبت منه أنواعاً، يضم عليها الاستحسان جوانح وأضلاعا، ويجلها من تجويده منازل ورباعا، أخبرني الوزير أبا عامر بن يشتغير أنه حضر معه في مجلس ابن لبون في يوم صرف عنه الزمان صرفه، وغمض فيه الحدثان
стр. 138
طرفه، وزفت إليه الأماني أبكارها، وأطلعت عليه شموسها وأقمارها، وهزت فيه المدام أعطاف ندامه، وصار السعد من خدامه، وذو الوزارتين أبو الحسن قد نسك وعف، وأمسك عن الشهوات وكف، ولم تبق فيه للطرب إلا بقية لا تقبل إنسا، ولا تستحسن من أجناس اللهو جنسا (فحيّاه) فتى وسيم بكاس منهتكا عليه ومتواقعا، وطامعا أن يخرق من توبته ما غدا له راقعا، وأطمعه بفتور لحظ حسب أنه يفتنه، وتثور فيه فتنه، فأعرض عنه إعراض زاد، فير كلفٍ بالمحاسن ولا واجد، وقال: كامل
ومهفهف مزج الفتور بشدّة ... وأقام بين تبذّلٍ وتمنعِ
يثنيه من فعل المدامة والصبا ... سكران سكر طبيعةٍ وتطبّعِ
أوما إليّ بكاسه فرددتها ... ودنا فشفّعها بلحظة مطمعِ
والله لولا أن يقال هوى الهوى ... منه بفضل عزيمةٍ وتورّعِ
لذهبت من تلك السبيل بمذهبي ... فيما مضى ونزعت فيه منزعي
وله في أبي أميّة: كامل
لي صاحبٌ عميت عليّ شوفه ... حركاته مجهولةٌ وسكونهُ
يرتاب بالأمر الجليّ توهّما ... وإذا تيقّن نازعته ظنونهُ
مازلت أحفظه على شرفي به ... كالشيب تكرهه وأنت تصونهُ
وله في ذلك إليه: منسرح
أسهر عيني ونام في جذل ... مدرك حظّ سعى إلى أجلِ
دنياه مقصورةٌ عليه فما ... يطويها طائرٌ لذي أملِ
قد لفقت بالمحال فاجتمعت ... من خدعٍ جمّة ومن حيلِ
كم محنةٍ قد بليت منه بها ... وهو يرى أنّها يد قبلي
وله في ذلك: وافر
أخٌ لي كنت آمنه غرورا ... يسر بما أساء به سرورا
هو السّم الذّعاف لشاربيه ... وإن أبدى لك الأرى المشورا
ويوسعني أذى فأزيد حلما ... كما جذّ الذبال فزاد نورا
وله في الغزل: خفيف
من عذيري من فاترٍ ذي جفون ... صلن في صولة القدير الضعيفِ
стр. 139
علق مجد علقته وقديما ... همت بالحسن في النصاب الشريفِ
يطلع الشمس في المساء ويهدي ... زاهر الورد في زمان الخريفِ
يا مديرا من سحر عينيه جمرا ... أنا مما أدرت جدّ نزيفِ
علّل المستهام منك بوعد ... وإليك الخيار في التسويفِ
وله في مثل ذلك: سريع
آه لما ضمّت عليه الجيوب ... من زفراتٍ وقلوب تذوب
جاء بي الحبّ إلى مصرعي ... في طرق سالكها لا يؤب
واستلبت عقلي خمصانة ... نابت مناب الشمس عند الوجوب
يسحرني منها إذا كلّمت ... وجه مليحٍ ولسان خلوب
تقول إذا أشكو إليها الهوى ... سبحان من ألّف بين القلوب
وله في مثل ذلك: طويل
أزورك مشتاقاً وأرجع مغرما ... وأفتح باباً للصبابة مبهما
امنعي السقم الذي عاد حمله ... عزيزٌ علينا أن نصحّ وتسقما
منعت محبّاً منك أيسر لحظة ... تبلّ غليل الشوق أو تنقع الظما
وما ردّ ذاك السجف حين رميته ... عن القلب سيفا من هواك مصمّما
هوى لم تعن عين عليه بنظرة ... ولم يك لأسمعه وتوّهما
وملتقطات من حديث كأنما ... نثرن به سلك الجمان المنظّما
دعون إليك القلب بعد نزوعه ... فأسرع لمّا لم يجد متلوّما
وله إلى القاضي أبي أميّة: طويل
تقلّص ظلّ منك وازورّ جانب ... واحرز حظّي من رضاك الأجانبُ
وأصبح طرفاً من صفائك مشرعي ... وأي صفاء لم تشبه الأشائبُ
رويداً فلي قلب على الخطب جامد ... ولكن على عتب الأحبة ذائبُ
وحسبك إقراري بما أنا منكر ... وإنّي ممّا لست أعلم تائبُ
أعد نظرا في سالف العهد أنّه ... لأوكد مما تقتضيه المناسبُ
ولا تعقب العتبى بعتب فإنّما ... محاسنها في أن تتم العواقبُ
وأغلب ظنّي أنّ عندك غير ما ... ترجمه تلك الظنون الكواذب
لك الخير هل رأي من الصفح ثابت ... لديك وهل عهد من السمح عايب
стр. 140
يحثّ ركابي أنّني لك هائمُ ... ويثني عناني أنني لك هائبُ
وإن سؤتني بالسخط في غير معظم ... فها أنا منك اليوم نحوك هاربُ
وله إلى ذي الوزارتين أبي بكر بن رحيم في محرّم سنة سبع عشرة وخمس مائة منسرح
يا دوحةً ما يريمها ثمر ... وروضة كلّ نبتها زهرُ
يا مزنةً لا تغبّ نافعة ... والمزن في طول صوبه ضررُ
يا منهلاً قد صفا فلا كدر ... يصدّ عن ورده ولا حظرُ
يا عصرة الحرجين لا عصر ... يوجد في حادث ولا أسرُ
برّك ذاك الفيّ اثقلتي ... وحمل ما لا أطيقه خطرُ
فلتعفني من نداك تتبعه ... حسبك ما لقيت يا عمرُ
قد ذهبت جملة الوفاء فما ... في الناس خبرٌ لها ولا خبرُ
وصرت في معشر حقودهم ... تبدو إذا كلموك أو نظروا
بني رحيم ركبتم سننا ... في المجد لا يقتفى له أثرُ
كلّ أفانين برّكم عجب ... وكلّ أيام دهركم غررُ
وله: كامل مجزوء
عجباً لمن طلب المحا ... مد وهو يمنع ما لديه
ولباسط آماله ... في المجد لم يبسط يديه
لِمَ لا أحب الضيف أو ... أرتاح من طرب إليه
والضيف يأكل رزقه ... عندي ويحمدني عليه
وله: رمل
كلّ من تهوى صديق محض ... لك ما لا تتقي أو ترتجي
فإذا حاولت نصراً أو جدا ... لم تقف إلا بباب مرتجِ
وله يتغزل: طويل
وبيضاء ينبو اللحظ عند التفاتها ... وهل تستطيع العين تنظر في الشمسِ
وهبت لها نفساً عليّ كريمة ... وقد علمت أنّ الضنانة بالنفسِ
أعالج منه السخط في حالة الرضا ... ولا أعدم الإيحاش في ساعة الأنسِ
وله مع تفاح أهداه: وافر
بعثت بها ولا ألوك حمداً ... هديّةً ذي اصطناعٍ واعتلاقِ
خدود أحبّةٍ وافين صبّا ... وعدن على ارتماضٍ واحتراقِ
فحمّر بعضها خجل التلاقي ... وصفّر بعضها وجل الفراقِ
стр. 141
وله في زرزور: كامل
يا ربّ أعجم صامت لقّنته ... طرف الحديث فصار أفصح ناطقِ
جون الإهاب أعير فوه صفرةٍ ... كالليل طرّزه وميض البارقِ
حكم من التدبير أعجزت الورى ... ورأي بها المخلوق لطف الخالقِ
وله يعاتب المعتمد بن عبّاد لما أجرى مرّتبه على يد ابن ماض: وافر
عدمت بصيرتي وسداد رأيي ... ولوعاً بالحديث المستفاضِ
وصرت مؤمّلاً أملاك حمص ... ورود الهيم مسفرة الحياضِ
وردناها فالفينا أموراً ... مصرّفةً على رأي ابن ماضِ
كأنَّ رئيسها الأعلى يتيم ... يدور عليه منه حكم قاضِ
وإنَّ من الغرائب أنّ مثلي ... يحلّ بهم فيرحل غير راضِ
وله عند انفصاله من إشبيلية: طويل
تعزّ عن الدنيا ومعروف أهلها ... إذا عدم المعروف في آل عبّادِ
أقمت بهم ضيفاً ثلثة أشهر ... بغير قرى ثمّ ارتحلت بلا زادِ
وله: بسيط
كم بالمغارب من أشلاء محترم ... وعاثر الجدّ مصبورٌ على الهونِ
أبناء معن وعبّاد ومسلمةٍ ... والحميريين باديس وذي النونِ
راحوا لهم في هضاب العزّابنية ... وأصبحوا بين مقبورٍ ومسجونِ
وله: طويل
كفى حزناً إنّ المشارع جمّة ... وعندي إليها غلّةً وأوامُ
ومن نكد الأيام أن يعدم الغنى ... كريمٌ وإنّ المكثرين لئامُ
وله يتغزل في معذر: متقارب
أبا جعفر مات فيك الجمال ... فأظهر خدّك لبس الحدادِ
وقد كان ينبت زهر الرياض ... فأصبح ينبت شوك القتادِ
ابنِ لي متى كان بدر السمام ... يدرك بالكون أو بالفسادِ
وهل كنت في الملك من عبد شمسٍ ... فأحنى عليك ظهور السوادِ
وله يتغزل: كامل
ومعذّر رقت محاسن وجهه ... فقلوبنا وجدا عليه رقاقُ
لم يكس عارضه السواد وإنّما ... نفضت عليه صباغها الأحداقُ
ابنه ذو الوزارتين أبو محمد أبقاه الله تعالى
стр. 142
له بدائع مائسات الأعطاف، مستعذبات الجنى والقطاف، تتنسمها زهر كمام، وتتوسمها بدر تمام، وترودها روضة ممطورة، وتراها على الأحجاز مجبولة مفطورة، وتخالها كواعب في خيام الأفهام مقصورة، وتثنيها إليك أفناناً بأيدي الأذهان مهصورة، مع تفاوت معلواته، وتهافت أدواته، وكرمه المنسجم الغمائم، وهممه السامية مذ نيطت عليه التمائم، فمن ذلك رقعة خاطبني بها، يا سيدي أبا النصر، المعي العصر مثني الوزارة، وسنّي الإمارة، كيف أساجلك في الأدب، وأنت تملأ الدلو إلى عقد الكرب، وأنا أمتاح من وشل، وأستنجد بفشل، وأستعين بنفس شعب الدهر اجتماعها، وقصر باعها، وأخملها عظيمة كريمة، عندما أظهر سواها لئيمة ذميمة، وهي الأيام، حربها الكرام، ولا أبعد، وأنت الماجد الأصيد، تخلفك في ما تعد، والدول تتقوّل لو حلّى عاطل أجيادنا، وتولى تصريف أنجادنا وجيادنا، لكان إشراقنا يروق، كما طلعت البروق، فهي تعترف، والحظ لا ينصف، وعساها تلين، ولعلّ إسعادها يبين، فنستنجز للحظوة وعدا، ونرد لنداك ماء عدا، إن شاء الله، ووافيت بلنسية صادرا عن سرقسطة فكتب إليّ مستدعياً فسرت إلى مجلس منضّد بالآس، مشيّد بالإيناس، معزّز الجلاّس، معطّر الأنفاس، فبتنا ندير الأنس ونتعاطاه، وقد وسد السرور خدودنا أبردي أرطاه، فلما كان من الغد كتب إليّ. واحدي أبا النصر مثني الوزارة كيف أستسقي لموضع احتلالك، وحسبه صوب نوالك، وأمتري الغمام لمنازلك، وكفاها فيض أناملك، ترسل من نوافلها دررا، وتنظم في لبّات الزمان من محاسنها دررا، قسما لولا وقفة، حنّت عليها من وداعك عطفة، انتهزتها مولعاً بحلال صبّا، وقد يوخد العلق الممنّع غصبا، ما لاح للأنس علم، ولا سكن لنواك ألم، فإنّما ألمعت بساعات قربك إلماعا، ملأت بها عيوناً وأسماعا، ومددت فيها للأدب والبحث باعاً وساعا، لم تمتع بحظّها حتى جعلت تسليمها وداعا، فلئن رحلت فإنّ هذه نفوس تشيّع، وقلوب تذوب فتدمع، وما هي أبا نصر إلا بديهة خاطر، في التعرض لك مخاطر، أرجو لكفّ شباة نقدك، عنها فضل ودّك، ولمأمول أغضائك، باهر علائك، فلا زالت حلاك رائقة، وعلاك شائقة، إن شاء الله.
الوزير الكاتب أبو محمد بن عبدون رحمه الله تعالى
стр. 143
منتمى الأعيان، ومنتهى البيان، المطاول لسحبان، والمعارض لصعصعة بن صوحان، الذي اطلع الكلام زاهرا، ونزع فيه منزعاً باهرا، نخبة العلاء، وبقية أهل الإملاء، الشامخ الرتبة، العالي الهضبة، فاق الأفراد والأفذاذ، ومشى في طرق الإبداع الوخد والأغذاذ، وراقت رقة ما يحويه العراق وبغذاذ، له الأدب الرائق البهيج، والمذهب العاطر الأريج، فاز بمقاد، الانتقاد، وأمسك عن عنان، الافتنان، وقد أثبت له من البدائع الروائع، ما هو أصفى من الوقائع، وأبهى من الشمس في المطالع، حللت يابرة فأنزلني وإليها بقصرها، ومكنني من جنى الأماني وهصرها، فأقمت ليلي، أجرّ على المجرّة ذيلي، وتتطارد في ميدان السرور خيلي، فلمّا كان من الغد باكرني الوزير أبو محمد مسلمّا، ومن تنكّبي عنه متألما، ثم عطف على القائد عاتباً عليه، في كوني لديه، ثم انصرف وقد أخذني من يديه، فحللت عنده في رحب، وهمت عليّ من البرّ أمطار سحب، في مجلس كانّ الدراري فيه مصفوفة، أو كانّ الشمس إليه مزفوفة، فلما، حان انصرافي، وكثر تطلّعي إلى قيامي واستشرافي، ركب معي إلى حديقة نضرة، مجاورة للحضرة، فانحنا عليها أيدي عيسنا، ونلنا منها ما شئنا من تأنيسنا، فلما امتطيت عزمي، وسددت، إلى غرض الرحلة سهمي، أنشدني: طويل
سلام يناجي منه زهر الربى عرفُ ... فلا سمع إلا ودّ لو أنه أنفُ
حنيني إلى تلك السجايا فإنّها ... لآثار أعيان المساعي التي أقفُ
دليلي إذا ما ضلّ في المجد كوكبي ... وإن لم يعقه لا غروب ولا كسفُ
نأى لا نأي عهد التواصل بيننا ... فمجد به رسم التواصل لا يعفُ
واطلعه يستام العقول كأنما ... يلاحظنا من كلّ حرف له طرفُ
تقابلنا منه السطور بواسما ... أثغر تفري عن لمى الخبرام حرفُ
معانٍ وألفاظ كما رقّ زاهر ... من الروض أو دارت معتّقة صرفُ
تحلّ حبا الأحلام هزّاً كأنما ... لسامعها في كل جارحةٍ عطفُ
يودّ بجدع الأنف شانيك أنها ... لناظره كحل وفي أذنه شنفُ
فأنت الذي لولاه ما فاه لي فم ... ولا هجست نفسٌ ولا كتبت كفُّ
نصيري أبا نصر على الدهر لا النوى ... فمنك لنا نصر وأنت لنا كهفُ
стр. 144
رحلت ولا شسعي ولا مركبي معي ... فلا حافر يقضي ودادي ولا خفُّ
ولست على التشييع إن سرت قادرا ... فلا عيشة تصفو ولا ريشة تضفو
عزيزٌ على الدنيا وداعك لي غدا ... فلا أدمع تهمي ولا أضلع تهفو
سأشكو إليك البين حسبي ويا له ... ولو غيره ما ضاق عدلٌ ولا صرفُ
أقلني بلى أشكو إليك لياليا ... مضت وعلى أظفارها من دمي وكفُ
وإنّ حبيا بنت عنه لعاطل ... وإنّ عرينا غاب عنك لملتفُّ
وله: متقارب
سقاها الحيا من مغانٍ فساح ... فكم لي بها من معانٍ فصاحِ
وحلّى أكاليل تلك الربى ... ووشّى معاطف تلك البطاحِ
فما أنس لا أنس عهدي بها ... وجرّي فيها ذيول المراحِ
ونومي على حبرات الرياض ... تجاذب بردي مرّ الرياحِ
بحيث لم أعط النهى طاعةً ... ولم أصغ سمعاً إلى لحي لاحِ
وليل كرجعة طرف المريب ... لم أدر له شفقاً من صباحِ
وله: وافر
أخلاني وفي قرب الصدور ... ظبٌي تمضي على قمم الدهورِ
وقد ضمّت جوانحنا قلوباً ... أبت غير القبور أو القصورِ
إذا الكرماء باتت تحت ضيم ... فما فضل الكبير على الصغيرِ
فقبل أبي الدنيّة قيس عبس ... ولم يصغي إلى قول العشيرِ
وله: متقارب
وما أنس ليلتنا والعنام ... قد مزج الكلّ منّا بكلِ
إلى أن تقوّس ظهر الظلام ... وأشمط عارضه واكتهل
ومس رقيق رداء النسيم ... على عاتق البل بعض البلل
وله: كامل
هل تذكر العهد الذي لم أنسه ... ومودتي مخدومةٌ بصفاءِ
ومبيتنا في نهر حمص والحجا ... قد حلّ عقد حباه بالصهباءِ
ودموع طلّ الليل تخلق أعينا ... ترنو إلينا من عيون الماءِ
وله: طويل
وما أنس بين النهر والقصر وقفة ... نشدت بها ما ضلّ من شارد الحبِّ
رميت بعيني رمية جمحت بها ... فلم أنتهي إلا ومجروحها قلبي
وله: وافر
أقول لصاحبي قم لا بأمر ... تنبه إنّ شأنك غير شأنِ
لعلّ الصبح قد وافى وقامت ... على اليل النوائح بالآذانِ
وله: طويل
مررت على الأيام من كل جانب ... أصعّد فيها تارةً وأصوّبُ
стр. 145
ينيرني الثغران صبح وصارم ... ويكتمني القلبان ليل وغيهبُ
وقد لفظتني الأرض إلا تنوفة ... يحدثني فيها العيان فيكذبُ
وله القسم الأول للمتوكل بن الأفطس: كامل مجزوء
الشعر خطّة خسف ... لكلّ طالبٍ عرفِ
للشيخ عيبة عيب ... وللفتى طرف ظرفِ
وكتب إليّ مراجعاً قد رماني على فوت من بياني بيانك وقد تولّى إحساني وأرجحنّ إحسانك بعينين من النظم والنثر نجلاوتين لو رقرقهما لنوء الثريا لتهلل برقها واستهلّ ودقها وفصلين من در وياقوت بل أصلين من سحر هاروت وماروت إذا لمحت النثر قلت لو نظم هذا لفسد وإذا تصفحت النظم قلت لو نثر هذا لتبدد ولئن أشرعت إليّ من البيان رمحا فيه نصلان ما من طرفيه إلا عاليه ركب فيه سنان قاض ولا من شفرتيه إلا فارية لا يثبت لها جنان ماض وقابلتني من كتائب الكتابة ومقانب الخطابة بطفيلها وبابنه عامر قائد خيلها وبابي براء ملاعب أسنتها وبابن الصماء صاحب أعنتها ودريدها يمن نقيبه وزفرها كثرة قعدة منها وكتيبه فإلى أي لامة تسدد رماحك وعلى أي هامة تجرد صفاحك هل تجد إلا من يمر بين يديك في شخص ضئيل وينظر إليك من طرف كليل وهل تجس إلا ضلوعاً من ساكنيها قفارا أو دموعاً من التاسف على التخلف حرارا ولا تستعد إلا بالتسليم لسبقك والتعظيم لحقك أنصاراً بادني لمحة من نثير منك أو نظيم فيرد من الأوهام والأفهام كل لفحة ولو كانت من نار إبرهيم وتركد من البصائر والخواطر كلّ نفحة ولو كانت من الريح العقيم دع ذا وعد القول في هرم هذا الزمان معليّ همم الأعيان جمال الدين والدنيا الرئيسي الأسنى أبي يحيى وأقسم بمساعيه العظام وأياديه الجسام المحليّة لأعناق الكرام المزرية بأطواق الحمام لقد نشرت عليه ثوب إحسان تقصر عنه صنعة قس وسحبان وأنه لا بصر بكرامة الضيفان من زرقاء اليمامة بعسكر حسان وأما ذلك المصحف المبدل للمعاني والأغراض المقابل لما لا يفهمه بالاعتراض فما الحساب لما طنّ الذباب إذا طنّ لا يناوبه بصفيره العصفور فكيف يجاوبه بزئيره الليث الهصور ولولا تمريث الزمان بذكره وتلويث الأواني بقبائحه ونكره لرأيتك من خطله وزلله ما يضحك الثكلى ويستدرك به الجاحظ
следующие страницы →