Полный текст (300 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وله في زرزور: كامل
يا ربّ أعجم صامت لقّنته ... طرف الحديث فصار أفصح ناطقِ
جون الإهاب أعير فوه صفرةٍ ... كالليل طرّزه وميض البارقِ
حكم من التدبير أعجزت الورى ... ورأي بها المخلوق لطف الخالقِ
وله يعاتب المعتمد بن عبّاد لما أجرى مرّتبه على يد ابن ماض: وافر
عدمت بصيرتي وسداد رأيي ... ولوعاً بالحديث المستفاضِ
وصرت مؤمّلاً أملاك حمص ... ورود الهيم مسفرة الحياضِ
وردناها فالفينا أموراً ... مصرّفةً على رأي ابن ماضِ
كأنَّ رئيسها الأعلى يتيم ... يدور عليه منه حكم قاضِ
وإنَّ من الغرائب أنّ مثلي ... يحلّ بهم فيرحل غير راضِ
وله عند انفصاله من إشبيلية: طويل
تعزّ عن الدنيا ومعروف أهلها ... إذا عدم المعروف في آل عبّادِ
أقمت بهم ضيفاً ثلثة أشهر ... بغير قرى ثمّ ارتحلت بلا زادِ
وله: بسيط
كم بالمغارب من أشلاء محترم ... وعاثر الجدّ مصبورٌ على الهونِ
أبناء معن وعبّاد ومسلمةٍ ... والحميريين باديس وذي النونِ
راحوا لهم في هضاب العزّابنية ... وأصبحوا بين مقبورٍ ومسجونِ
وله: طويل
كفى حزناً إنّ المشارع جمّة ... وعندي إليها غلّةً وأوامُ
ومن نكد الأيام أن يعدم الغنى ... كريمٌ وإنّ المكثرين لئامُ
وله يتغزل في معذر: متقارب
أبا جعفر مات فيك الجمال ... فأظهر خدّك لبس الحدادِ
وقد كان ينبت زهر الرياض ... فأصبح ينبت شوك القتادِ
ابنِ لي متى كان بدر السمام ... يدرك بالكون أو بالفسادِ
وهل كنت في الملك من عبد شمسٍ ... فأحنى عليك ظهور السوادِ
وله يتغزل: كامل
ومعذّر رقت محاسن وجهه ... فقلوبنا وجدا عليه رقاقُ
لم يكس عارضه السواد وإنّما ... نفضت عليه صباغها الأحداقُ
ابنه ذو الوزارتين أبو محمد أبقاه الله تعالى
стр. 142
له بدائع مائسات الأعطاف، مستعذبات الجنى والقطاف، تتنسمها زهر كمام، وتتوسمها بدر تمام، وترودها روضة ممطورة، وتراها على الأحجاز مجبولة مفطورة، وتخالها كواعب في خيام الأفهام مقصورة، وتثنيها إليك أفناناً بأيدي الأذهان مهصورة، مع تفاوت معلواته، وتهافت أدواته، وكرمه المنسجم الغمائم، وهممه السامية مذ نيطت عليه التمائم، فمن ذلك رقعة خاطبني بها، يا سيدي أبا النصر، المعي العصر مثني الوزارة، وسنّي الإمارة، كيف أساجلك في الأدب، وأنت تملأ الدلو إلى عقد الكرب، وأنا أمتاح من وشل، وأستنجد بفشل، وأستعين بنفس شعب الدهر اجتماعها، وقصر باعها، وأخملها عظيمة كريمة، عندما أظهر سواها لئيمة ذميمة، وهي الأيام، حربها الكرام، ولا أبعد، وأنت الماجد الأصيد، تخلفك في ما تعد، والدول تتقوّل لو حلّى عاطل أجيادنا، وتولى تصريف أنجادنا وجيادنا، لكان إشراقنا يروق، كما طلعت البروق، فهي تعترف، والحظ لا ينصف، وعساها تلين، ولعلّ إسعادها يبين، فنستنجز للحظوة وعدا، ونرد لنداك ماء عدا، إن شاء الله، ووافيت بلنسية صادرا عن سرقسطة فكتب إليّ مستدعياً فسرت إلى مجلس منضّد بالآس، مشيّد بالإيناس، معزّز الجلاّس، معطّر الأنفاس، فبتنا ندير الأنس ونتعاطاه، وقد وسد السرور خدودنا أبردي أرطاه، فلما كان من الغد كتب إليّ. واحدي أبا النصر مثني الوزارة كيف أستسقي لموضع احتلالك، وحسبه صوب نوالك، وأمتري الغمام لمنازلك، وكفاها فيض أناملك، ترسل من نوافلها دررا، وتنظم في لبّات الزمان من محاسنها دررا، قسما لولا وقفة، حنّت عليها من وداعك عطفة، انتهزتها مولعاً بحلال صبّا، وقد يوخد العلق الممنّع غصبا، ما لاح للأنس علم، ولا سكن لنواك ألم، فإنّما ألمعت بساعات قربك إلماعا، ملأت بها عيوناً وأسماعا، ومددت فيها للأدب والبحث باعاً وساعا، لم تمتع بحظّها حتى جعلت تسليمها وداعا، فلئن رحلت فإنّ هذه نفوس تشيّع، وقلوب تذوب فتدمع، وما هي أبا نصر إلا بديهة خاطر، في التعرض لك مخاطر، أرجو لكفّ شباة نقدك، عنها فضل ودّك، ولمأمول أغضائك، باهر علائك، فلا زالت حلاك رائقة، وعلاك شائقة، إن شاء الله.
الوزير الكاتب أبو محمد بن عبدون رحمه الله تعالى
стр. 143
منتمى الأعيان، ومنتهى البيان، المطاول لسحبان، والمعارض لصعصعة بن صوحان، الذي اطلع الكلام زاهرا، ونزع فيه منزعاً باهرا، نخبة العلاء، وبقية أهل الإملاء، الشامخ الرتبة، العالي الهضبة، فاق الأفراد والأفذاذ، ومشى في طرق الإبداع الوخد والأغذاذ، وراقت رقة ما يحويه العراق وبغذاذ، له الأدب الرائق البهيج، والمذهب العاطر الأريج، فاز بمقاد، الانتقاد، وأمسك عن عنان، الافتنان، وقد أثبت له من البدائع الروائع، ما هو أصفى من الوقائع، وأبهى من الشمس في المطالع، حللت يابرة فأنزلني وإليها بقصرها، ومكنني من جنى الأماني وهصرها، فأقمت ليلي، أجرّ على المجرّة ذيلي، وتتطارد في ميدان السرور خيلي، فلمّا كان من الغد باكرني الوزير أبو محمد مسلمّا، ومن تنكّبي عنه متألما، ثم عطف على القائد عاتباً عليه، في كوني لديه، ثم انصرف وقد أخذني من يديه، فحللت عنده في رحب، وهمت عليّ من البرّ أمطار سحب، في مجلس كانّ الدراري فيه مصفوفة، أو كانّ الشمس إليه مزفوفة، فلما، حان انصرافي، وكثر تطلّعي إلى قيامي واستشرافي، ركب معي إلى حديقة نضرة، مجاورة للحضرة، فانحنا عليها أيدي عيسنا، ونلنا منها ما شئنا من تأنيسنا، فلما امتطيت عزمي، وسددت، إلى غرض الرحلة سهمي، أنشدني: طويل
سلام يناجي منه زهر الربى عرفُ ... فلا سمع إلا ودّ لو أنه أنفُ
حنيني إلى تلك السجايا فإنّها ... لآثار أعيان المساعي التي أقفُ
دليلي إذا ما ضلّ في المجد كوكبي ... وإن لم يعقه لا غروب ولا كسفُ
نأى لا نأي عهد التواصل بيننا ... فمجد به رسم التواصل لا يعفُ
واطلعه يستام العقول كأنما ... يلاحظنا من كلّ حرف له طرفُ
تقابلنا منه السطور بواسما ... أثغر تفري عن لمى الخبرام حرفُ
معانٍ وألفاظ كما رقّ زاهر ... من الروض أو دارت معتّقة صرفُ
تحلّ حبا الأحلام هزّاً كأنما ... لسامعها في كل جارحةٍ عطفُ
يودّ بجدع الأنف شانيك أنها ... لناظره كحل وفي أذنه شنفُ
فأنت الذي لولاه ما فاه لي فم ... ولا هجست نفسٌ ولا كتبت كفُّ
نصيري أبا نصر على الدهر لا النوى ... فمنك لنا نصر وأنت لنا كهفُ
стр. 144
رحلت ولا شسعي ولا مركبي معي ... فلا حافر يقضي ودادي ولا خفُّ
ولست على التشييع إن سرت قادرا ... فلا عيشة تصفو ولا ريشة تضفو
عزيزٌ على الدنيا وداعك لي غدا ... فلا أدمع تهمي ولا أضلع تهفو
سأشكو إليك البين حسبي ويا له ... ولو غيره ما ضاق عدلٌ ولا صرفُ
أقلني بلى أشكو إليك لياليا ... مضت وعلى أظفارها من دمي وكفُ
وإنّ حبيا بنت عنه لعاطل ... وإنّ عرينا غاب عنك لملتفُّ
وله: متقارب
سقاها الحيا من مغانٍ فساح ... فكم لي بها من معانٍ فصاحِ
وحلّى أكاليل تلك الربى ... ووشّى معاطف تلك البطاحِ
فما أنس لا أنس عهدي بها ... وجرّي فيها ذيول المراحِ
ونومي على حبرات الرياض ... تجاذب بردي مرّ الرياحِ
بحيث لم أعط النهى طاعةً ... ولم أصغ سمعاً إلى لحي لاحِ
وليل كرجعة طرف المريب ... لم أدر له شفقاً من صباحِ
وله: وافر
أخلاني وفي قرب الصدور ... ظبٌي تمضي على قمم الدهورِ
وقد ضمّت جوانحنا قلوباً ... أبت غير القبور أو القصورِ
إذا الكرماء باتت تحت ضيم ... فما فضل الكبير على الصغيرِ
فقبل أبي الدنيّة قيس عبس ... ولم يصغي إلى قول العشيرِ
وله: متقارب
وما أنس ليلتنا والعنام ... قد مزج الكلّ منّا بكلِ
إلى أن تقوّس ظهر الظلام ... وأشمط عارضه واكتهل
ومس رقيق رداء النسيم ... على عاتق البل بعض البلل
وله: كامل
هل تذكر العهد الذي لم أنسه ... ومودتي مخدومةٌ بصفاءِ
ومبيتنا في نهر حمص والحجا ... قد حلّ عقد حباه بالصهباءِ
ودموع طلّ الليل تخلق أعينا ... ترنو إلينا من عيون الماءِ
وله: طويل
وما أنس بين النهر والقصر وقفة ... نشدت بها ما ضلّ من شارد الحبِّ
رميت بعيني رمية جمحت بها ... فلم أنتهي إلا ومجروحها قلبي
وله: وافر
أقول لصاحبي قم لا بأمر ... تنبه إنّ شأنك غير شأنِ
لعلّ الصبح قد وافى وقامت ... على اليل النوائح بالآذانِ
وله: طويل
مررت على الأيام من كل جانب ... أصعّد فيها تارةً وأصوّبُ
стр. 145
ينيرني الثغران صبح وصارم ... ويكتمني القلبان ليل وغيهبُ
وقد لفظتني الأرض إلا تنوفة ... يحدثني فيها العيان فيكذبُ
وله القسم الأول للمتوكل بن الأفطس: كامل مجزوء
الشعر خطّة خسف ... لكلّ طالبٍ عرفِ
للشيخ عيبة عيب ... وللفتى طرف ظرفِ
وكتب إليّ مراجعاً قد رماني على فوت من بياني بيانك وقد تولّى إحساني وأرجحنّ إحسانك بعينين من النظم والنثر نجلاوتين لو رقرقهما لنوء الثريا لتهلل برقها واستهلّ ودقها وفصلين من در وياقوت بل أصلين من سحر هاروت وماروت إذا لمحت النثر قلت لو نظم هذا لفسد وإذا تصفحت النظم قلت لو نثر هذا لتبدد ولئن أشرعت إليّ من البيان رمحا فيه نصلان ما من طرفيه إلا عاليه ركب فيه سنان قاض ولا من شفرتيه إلا فارية لا يثبت لها جنان ماض وقابلتني من كتائب الكتابة ومقانب الخطابة بطفيلها وبابنه عامر قائد خيلها وبابي براء ملاعب أسنتها وبابن الصماء صاحب أعنتها ودريدها يمن نقيبه وزفرها كثرة قعدة منها وكتيبه فإلى أي لامة تسدد رماحك وعلى أي هامة تجرد صفاحك هل تجد إلا من يمر بين يديك في شخص ضئيل وينظر إليك من طرف كليل وهل تجس إلا ضلوعاً من ساكنيها قفارا أو دموعاً من التاسف على التخلف حرارا ولا تستعد إلا بالتسليم لسبقك والتعظيم لحقك أنصاراً بادني لمحة من نثير منك أو نظيم فيرد من الأوهام والأفهام كل لفحة ولو كانت من نار إبرهيم وتركد من البصائر والخواطر كلّ نفحة ولو كانت من الريح العقيم دع ذا وعد القول في هرم هذا الزمان معليّ همم الأعيان جمال الدين والدنيا الرئيسي الأسنى أبي يحيى وأقسم بمساعيه العظام وأياديه الجسام المحليّة لأعناق الكرام المزرية بأطواق الحمام لقد نشرت عليه ثوب إحسان تقصر عنه صنعة قس وسحبان وأنه لا بصر بكرامة الضيفان من زرقاء اليمامة بعسكر حسان وأما ذلك المصحف المبدل للمعاني والأغراض المقابل لما لا يفهمه بالاعتراض فما الحساب لما طنّ الذباب إذا طنّ لا يناوبه بصفيره العصفور فكيف يجاوبه بزئيره الليث الهصور ولولا تمريث الزمان بذكره وتلويث الأواني بقبائحه ونكره لرأيتك من خطله وزلله ما يضحك الثكلى ويستدرك به الجاحظ
стр. 146
باب النوكى دع عنك رواحل الضليل والأشغال بالأباطيل من الأقاويل الحق الله ثانيه ابن أبي سلمى بخيار أهل ملّته فلقد انتفع السلف والخلف بحكمته ونادى عليه لسان الزمان فاسمع من كانت له أذنان وكأنه ما عني غير ذلك الإنسان وإن كان في غير هذا الأوان. طويل
وذي خطلٍ في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبات له حلماً وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وفي القطر الذي أنت فيه أدام الله بسطة ناصره وحاميه ووصل عزة حاضره وناءيه شرف قديم وسلف كريم وآداب وعلوم وألباب وحلوم وأودية يجتابها الفضل والطول عذاب وأندية ينتابها القول والفعل رحاب وعليك سلام الله ما لاح شهاب ووكف سحاب.
الوزراء بنو القبطرنية من أهل بطليوس
هم للمجد كالأثافي وما منهم غلا موفور القوادم والخوافي إن ظهروا زهروا وإن تجمعوا تضوعوا وإن نطقوا صدقوا ماؤهم صفو وكل واحد منهم لصاحبه كفو أنارت بهم نجوم المعالي وشموسها ودانت لهم أرواحها ونفوسها ولهم النظم الصافي الزجاجة المضمحل العجاجة وقد أثبت منه ما ينفح عطرا ويسفح قطرا فمن ذلك ما كتب به إليّ أبو محمد منهم. طويل
أبا النصر إنّ الجدّ لاشك عاثر ... وإنّ زمانا شاء بينك جائرُ
فلا توجت من بعد بعدك راحة ... براح ولا حنّت عليها المزامر
ولا اكتحلت من بعد نايك مقلة ... بنوم ولا ضمّت عليها المحاجرُ
ولي رغبةٌ جاءتك وهي مدّلة ... تسوق إليك الحمد وهو أزاهرُ
لتعلم أني عن جوابك عاجز ... ومعتذر فيه فقل أنا عاذرُ
وكيف أجاري سابقاً لم تقم له ... هبوب الصبا والعاصفات الخواطرً
إذا قيل من هذا يقولون كاتب ... وإن قيل من هذا يقولون شاعرُ
وإن أخذ التحقيق فيه بحقّه ... وقيل ومن هذا يقولون ساحرُ
تشيّعك الألباب وهي أواسف ... وتتبعك الألحاظ وهي مواطرُ
وله: كامل
يا صاحبيّ تنبها لمدامة ... صفراء تجلى فوق كفّ أحمرِ
واستقبلا برد النسيم وطيبه ... تحت الدجا فوق الكثيب الأعفرِ
стр. 147
واستعملاها سكرة قروية ... قبل الصباح وقبل صوت العصفر
فاليوم بين محدث ومخبر ... وعداً ترى أحدوثة المستخبرِ
وله: رمل مجزوء
يا خليليّ لقلب ... نيل من كل الجهاتِ
ليمَ أن هام بريّا ... بالبنينا والبناتِ
وبان صادته سمر ... بين بيض خافراتِ
بلحاظ ساحرات ... وجفون فاتراتِ
وبجيد الظبية ارتا ... عت فظلت في التفاتِ
وبعيني مغزل تر ... عى غزالا في فلاتِ
تتمشى بين أترا ... ب لها حور لذاتِ
وعليها الوشي والخزّ ... وبرد الحبراتِ
راعها لما التقينا ... ما درت من فتكاتِ
عثرت ذعرا فقلنا ... والعاً للعاثراتِ
ضحكت عجباً وقالت ... لاخصّ الفتياتِ
راجعيه ثمّ قولي ... ائتنا في السمراتِ
وارقب الأعداء واحذر ... للعيون الناظراتِ
فإذا أعلق فيها النّ ... وم إشراك السناتِ
وعلا البدر جلاب ... يب لباس الظلماتِ
فاطرق الحيّ تجدنا ... في ظهور الحجراتِ
فالتقينا بعد ياس ... بدليل النفحاتِ
وتلازمنا اعتناقا ... كالتواء الألفاتِ
وبثثنا بيننا شج ... وا كنفث الراقياتِ
وبردنا لوعة الحب ... ب بماء العبراتِ
وتشاغلنا ولم نع ... لم بأنّ الصبح آتِ
وبدت منه تباشي ... ر مشيب في شواتِ
وله: طويل
ومنكرة شيبي لعرفان مولدي ... ترجع والأجفان ذات غروبِ
فقلت يسوق الشيب من قبل وقته ... زوال نعيم أو فراق حبيبِ
وله: يخاطب الوزير أبا محمد بن عبدون: بسيط
يا خابط الليل فوق الفوق الجون ... مسهد الجفن يحدو البين بالبينِ
يكابد النوم قد مالت عمامته ... أبلغ معطرة عني ابن عبدونِ
مسكيّة ربعت في حومل وشتت ... بالجزع ما بين قيصوم ونسرينِ
وزارت الغور ممطوراً وسار بها ... ساري الجنوب على أكتاف دارينِ
نذكر العهد قد شدت أوائله ... وراثة عن مطاعيم مطاعينِ
ويحمل الودّ قد صانت أواخره ... أصالة من مناجيب ميامينِ
ورغبة تخجل العليا متوّجة ... إليك عن صاحب بالغيب مأمونِ
стр. 148
وله: وافر مجزوء
إذا ما الشوق أرقني ... وبات الهمّ من كثبِ
فضضت الطينة الحمرا ... ء عن صفراء كالذهبِ
وله في زوجه وقد أقلقه الحزن (وتدفقت دموعه مثل المزن) : بسيط مجزوء
يا كوكب أسعدا حزينا ... أسهر ليل القريض عينه
يا ويلتي كان لي حبيب ... فرّق الدهر بيني وبينه
أهون وجدي على نواه ... وجد جميل على بثينة
وله فيها أيضاً: وافر
معاذ الله أن أسلو ببدر ... وإن أصبو إلى كاس وخمرِ
ولا لاراكة نهضت بحقب ... ولا لروادف وهظيم خصرِ
ولا تفاحة طلعت بخدّ ... ولا رمانة نبتت بصدرِ
وإن الهو من الدنيا بشيء ... وأم الفضل يا سفى بقبرِ
وبات مع أخويه في أيام صباه واستطابة جنوب الشباب وصباه بالمنية المسماة بالبديع وهي روض كان المتوكل يكلف بموافاته ويبتهج بحسن صفاته ويقطف رياحينه وزهره ويقف عليه إغفاءه وسهره ويستفزه الطرب متى ذكره وينتهز فرص الأنس فيه روحاته وبكره ويدير حمياه على ضفة نهره ويخلع سره فيه لطاعة جهره ومعه أخواه فطاردوا اللذات حتى انضوها ولبسوا برود السرور وما فضوها حتى صرعتهم العقار وطلحتهم تلك الأوقار فلما هم رداء الفجر أن يندا وجبين الصبح أن بتبدى قام الوزير أبو محمد فقال: خفيف
يا شقيقي وافى الصباح بوجه ... ستر الليل نوره وبهاؤه
فاصطبح واغتنم مسره يوم ... ليس تدري يما يجيء مساؤه
ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال: خفيف
يا خي قم تر النسيم عليلا ... باكر الروض والمدام شمولا
في رياض تعانق لزهر فيها ... مثلما عانق الخليل خليلا
لا تنم واغتنم مسرة يوم ... إنّ تحت التراب نوماً طويلا
ثم استيقظ أخوهما أبو الحسن (وقد ذهب من عقله الوسن) فقال: بسيط
يا صاحبيّ ذرا لومي ومعتبتي ... قم نصطبح خمرة من خير ما ذخروا
وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمر ويبدو في غد خبرُ
стр. 149
وللوزير أبي بكر منهم مراجعاً لي: طويل
إلى الله مني ما لقيت برقعة ... ورتني وأحمت في ضلوعي مكاويا
أتتني أبا نصر وأنسي معرّس ... عزائم عزت في نواك عزائيا
بطرس وحبر رائقين تطلّعا ... من لحسن أسطاراً فعدن أفاعيا
لدغن فؤادي إذ بثثن لي النوى ... فأصبحت لا ألفي لبيني راقيا
فهذي دموعي تستهل صبابة ... ونفسي من وجد تحلّ التراقيا
وله يستدعي: متقارب
دعاك خليلك واليوم طلّ ... وعارض خدّ الثرى قد بقل
لقدرين فاحا وشمامة ... وإبريق راح ونعم المحل
ولو شاء زاد ولكنّه ... يلام الصديق إذا ما احتفل
وله في مثل ذلك: متقارب
هلمّ إلى روضنا يا زهر ... ولح في سماء المنايا قمر
هلمّ إلى الأنس سهم الإخاء ... فقد عطلت قوسه والوتر
إذا لم تكن عندنا حاضرا ... فما لغصون الأماني ثمر
وقعت من القلب وقع المنى ... وحسنت في العين حسن الخور
وله إلى الوزير أبي الحسن بن سراج بقرطبة يذكر لمّة من إخوانه: كامل
يا سيدي وأبي هدى وجلالة ... ورسول ودي إن طلبت رسولا
عرّج بقرطبة إذا بلغتها ... بأبي الحسين وناده تمويلا
فإذا سعدت بنظرة من وجهه ... فاهد السلام لكفّه تقبيلا
واذكر له شوقي وشكري مجملا ... ولو استطعت شرحته تفصيلا
بتحية تهدى إليه كأنما ... جرت على زهر الرياض ذيولا
وأشم منها المصحفيّ على النوى ... نفساً ينسي السوسن المبلولا
وإلى أبي مروان منها نفحة ... تهدي له نور الربا مطلولا
وإذا لقيت الأخطبي فاسقه ... من صفو ودي قرقفا وشمولا
وأبا علي بلّ منها ربعه ... مسكا بماء غمامة محلولا
واذكر لهم زمناً يهب نسيمه ... أصلا كنفث الراقيات عليلا
مولى ومولي نعمة وكرامة ... وأخا إخاء مخلصاً وخليلا
стр. 150
بالحير عابسة هناك غمامة ... لا تضاحك أذخراً وجليلا
يوماً وليلاً كان ذلك كلّه ... سحراً وهذا أبكرة وأصيلا
لا أدركت تلك الأهلة دهرها ... نقصاً ولا تلك النجوم أفولا
الحير الذي ذكره هنا هو حتر الزجالي خارج باب اليهود بقرطبة الذي يقول فيه أبو عامر بن شهيد: متقارب
لقد أطلعوا عند باب اليهو ... د شمسا أبي الحسن إن تكسفا
تراه اليهود على بابها ... أميراً فتحسبه يوسفا
وهذا الحير من أبدع المواضع وأجملها، وأتمها حسناً وأكملها، صحنه مرموصاً في البياض، يخترقه جدول كالحية النضناض، به جابية، كل لجة فيها كابية، وقد قرنست بالذهب واللازورد سماؤه، وتأزرت بهما جوانبه وأرجاءه، والروض قد اعتدلت أسطاره، وابتسمت من كمائمها أزهاره، ومنع الشمس أن ترمق ثراه، وتعطر النسيم بهبوبه عليه ومسراه، شهدت به ليالي وأياما كأنما تصورت من لمحات الأحباب، أو قدت من صفحات أيام الشباب، وكانت لأبي عامر بن شهيد به فرج وراحات أعطاه فيها الدهر ما شاء، ووالى الصحو والانتشاء، وكان هو وصاحب الروض المدفون بازائه اليفي صبوة، وحليفي نشوة، عكفا فيه على جريالهما، وتصرفا بين زهرهما واختيالهما، حتى رداهما الردى، وعداهما الحمام عن ذلك المدى، فتجاورا في الممات، تجاورهما في الحيرة، وتقلصت عنهما وارفات تلك الفيئات، وإلى ذلك العهد أشار وبه عرض، وبشوقه صحح وما مرض، حيث يقول عند موته يخاطب أبا مروان صاحبه وأمر أن يدفن بازائه ويكتب على قبره: بسيط مجزوء
يا صاحبي قم فقد أطلنا ... أنحن طول المدى هجودُ
فقال لي لن نقوم منها ... مادام من فوقنا الصعيدُ
تذكر كم ليلة نعمنا ... في ظلها والزمان عيدُ
وكم سرور همى علينا ... سحابة ثرّة تجودُ
كلّ كأن لم يكن تقضى ... وشومه حاضر عتيدُ
حصله كاتب حفيظ ... وضمّه صادق شهيدُ
يا ويلنا إن تنكبتنا ... رحمةُ من بطشه شديدُ
стр. 151
يا ربّ عفواً فأنت مولى ... قصّر في شكرك العبيدُ
وله يخاطب الوزير أبا محمد بن عبدون ويستدعي منه شوذانقا: طويل
أغادية باتت مع الروض والتقت ... على الغور ريح الفجر مرت بدارينِ
خطت فوق أرض من عرار وحبوة ... وحطت بروض من نهار ونسرينِ
وباتت بوادي الشجر تحت ندي الصبا ... إلى الصبح فيما بين رش وتدخينِ
ومرت بوادي الرند ليلاً فأيقظت ... به نائمات الورد بين الرياحينِ
إذا ملت عن مجرى الجنوب فبلغي ... سلامي مبلول لجناح ابن عبدونِ
وبين يدي شوقي إليه لبانة ... تخفق من قلب للقياه محزونِ
مضى الأنس إلا لوعة تستفزني ... إلى الصيد إلا أنني دون شاهينِ
فمن به ضافي الجناح كأنه ... على دستبان الكفّ بعض السلاطينِ
إذا أخذت كفّاه يوماً فريسة ... فمن عقد سبعين إلى عقد تسعينِ
وله يرثي زوجه: بسيط
يا ربة القبر فوق القبر ذو حرق ... يرثي له القبر من شجوٍ ومن شجنِ
تباينت فيك أحوالي أسىً فمضى ... إلى لقائك صبري طالب الوسنِ
وخالق القلب فيك العين من كمد ... فاسودّ بالغمّ وابيضّت من الحزنِ
وله مراجعاً لأبي الحسن بن الرمّاد عن قطعة كتبها إليه من السجن وذلك أن أهل إشبونة ثاروا بأبي زكريا يحيى بن تين إبرهيم وأضحوه من ظلالها، ورموه بصائبات نبالها، وانتزوا على أمير المسلمين فيها وغزوا واصلها وموافيها، وأوقدوا ناراً صلوا بحرها، وأقاموا حرباً عادوا غرقى ببحرها، وكان أبو الحسن من أصلبهم فيها عودا، وأثقبهم بروقا وأصولهم رعودا، فلما انجلى ليلها، وتقلّص ذيلها، وظفر الأمير ﵀ ببطلهم ومقامهم، وأخذهم بنواصيهم وأقدامهم، وعاقبهم على جرءتهم وإقدامهم، بعثه الأمير إلى بطليوس مصفودا، ووجه إليه من النكايات وفودا، فكتب إلى أبي بكريستريح من بثّه، ويريح نفسه بنفثه، فراجعه. طويل
أتتني على رغمي فما شئت عبرة ... أرشت بها عيناي طلهما وبلُ
ومن زفرة أمسكتها لو بعثتها ... لذاب لها النكلان قيدك والقفلُ
تساوت بنا حال وإن كنت سارحا ... فداري بكم سجن ونعلي بكم كبلُ
عن المجد عاق الحجل رجلك والعلى ... كما حبست دون المدى السابح لشكلُ
стр. 152
ولا عجب إن ضمك السجن إنه ... لعمر العلة غمد وأنت له نصلُ
ولأخيه أبي الحسن: متقارب
ذكرت سليمي وحرّ الوغا ... كجسمي ساعة فارقتها
وأبصرت بين القنا قدها ... وقد ملن نحوي فعانقتها
وركب إلى سوق الدواب بقرطبة ومعه أبو الحسين ابن سراج فنظر إلى أبي الحكم بن حزم غلاماً كما عقّ ثمائمه، وهو يروق كأنه زهر فارق كمائمه، فسأل أبا الحسن ابن سراج أن يقول فيه فأرثي عليه، فثنى عنان القول إليه، فقال: طويل
رأى صاحبي عمرا فكلّف وصفه ... وحملني من ذاك ما ليس في لطرقِ
فقلت له عمرو كعمرو فقال لي ... صدقت ولكن ذا أشبّ عن الطوقِ
الوزير الكاتب أبو محمد بن الحبير رحمه الله تعالى
شيخ الأوان، القاعد على كيوان، الذي بهر بإبداعه، وظهر على الصبح عند انصداعه، وعطّل العوالي بيراعه، واطلع الكلام رائقاً، وجاء به متناسقاً، وقد أثبت من محاسنه ما تخال الروض عنه مبتسما، وترى الإحسان في زمانه مرتسما، نزلت عنده في إحدى سفراتي، نزولاً أجناني أزاهر مسراتي، وأولاني كل مستحسن سهل، وأراني أيام ابن الجهم مع الحسن بن سهل، وأقطفني كل نضر يانع، وأباح لي كل أملٍ لم تعقه أيدي الموانع، فلما أردت الانصراف أنشدني: طويل
يذكرّني نيل الهمام أبي نصر ... زمان اهتمامي بالقريض وبالنثرِ
وما لي لا أهدي الملام إليهما ... وقد رفعا من قد كل عر غمرِ
فلله ما يسدي ويلحم طبعه ... وينثر من شذر وينظم من درِ
ولله منه همّة عربية ... أبت أن ترى إلا على قمة النسرِ
لقد أحرزت علياه كلّ فصيلةٍ ... مطرّزة الأبراد عاطرة النشرِ
إلى حسب كالماء يصقله الصبا ... وعرض كعرف الروض غبّ حيا يسري
وله أيضاً: وافر
بدار الملك من صرف الزمان ... حوادث تجتليها الناظرانِ
تبدلت الحوافر من خدود ... وغرّ الخيل من غرّ الغواني
مطالع أوجه الغيد الحسان ... غصصن بكلّ يعبوب حصانِ
كأنّ نسور أيديهن فيها ... يطأن غراب عيني أو جناني
وله: بسيط
يا هاجرين أضلّ الله سعيكم ... كم تهجرون محبيكم بلا سببِ
стр. 153
يا مسرين للأخوان غائلة ... ومظهرين وجوه البرّ والرحبِ
ما كان ضركم الإخلاص لو طبعت ... تلك النفوس على علياء أو أدبِ
أشبهتم الدهر لما كان والدكم ... فأنتم شرّ أبناء لشرابِ
ما زدتم قدري أيام وصلكم ... نباهة لا ولا ذكري ولا حسبي
ولا ازدريتم به أيّام هجركم ... فلستم من صعودي لا ولا صببي
وله: متقارب
رأيت الكتابة والجاهلو ... ن قد لبسوا عزّها لامه
فقلت لكلّ فتى كاتب ... بديع الفصاحة علامه
إذا عزّ غيركم بالمداد ... فلا أنبت الله أقلامه
وله أيضاً: كامل
أركابكم شطر العذيب تساق ... يوم النوى أم قلبي المشتاقُ
عميت عليّ عيون رأيي في الهوى ... لله ما صنعت بي الأشواقُ
ولقد أقول لصاحب ودّعته ... وقد استهلّ بدمعي الإشفاقُ
يا فائزاً قبلي برؤية دوحة ... أضفت ظلال فروعها الأطواقُ
من تغلب الحرب التي إن غولبت ... شقيت بحدّ سيوفها الأعناقُ
فهم إذا ما جالسوا أو واكبوا ... أخذوا بحقهم الصدور فراقُ
قاضٍ كان الليث حشو بروده ... وكان ضوء جبينه الإشراقُ
بالله ربك خصّه بتحيةٍ ... من ذي خلوص قلبه توّاقُ
يصبو إلى تلك العلى فكأنه ... صبّ أصابت لبّه الأحداقُ
ثاوٍ بأرض بداوة لكنها ... بالمالكيين الكرام عراقُ
قوم إذا ومضت بروقهم همى ... صوب الحيا وأنارت الآفاقُ
وإذا استقلّ بنانهم بيراعة ... لبست وشيع برودها الأوراقُ
وإذا انتدوا وتكلموا أنسيت ما ... صانته من أعلاقها الأحقاقُ
أنصاركم وحماة مجدكم وما ... أولاكموه من العلى الخلاّقُ
بلقالق ذلق كأنّ حديثها ... درر يفصّل بينها النّساقُ
فهم إذا ألقوا حبال بنانهم ... غلبوا جهابذة الكلام فقاقوا
لمّا جروا وشأوا ونالوا ما اشتهوا ... وثنوا أعنتهم وهم سبّاقُ
نصبت لهم حسداً على ما خولوا ... من سؤدد ونفاسة أوهاقُ
стр. 154
وكتب أيضاً: كامل
ياأيها القمر الذي يجلو دجا ال ... خطب البهيم لنا سناهُ
هل لامرئ ألقت إليك به يد ال ... تأميل أن يلقى مناهُ
مع أنه لا يحاول غالياً، ولا يطاول عالياً، وإنما يطلب ما طفّ، ويخطب ما خفّ، وذلك لاحتشاد الكساد في أسواق صناعته، وائتمار البوار بأعلاق بضاعته، التي هي جواهر، في أعناق جادر، وقلائد، على أطواق خرائد، وخود، مفصّلة العقود، وقدود، موشّاة البرود، وخمائل، مصندلة الغلائل، ومجاب مطولة الأشجار، ومجان معسولة الثمار، من أدب، كالذهب، وكلام، كالمدام، يسكر، مما يسحر، إن من البيان لسحرا، ولكنها أطواق اختطف عمرها، وأعلاق خسف بدرها، فجهلت قيمتها، وجعلت تلو الخرز يتيمتها، ولولا هذه البقية التقية، العادلة الفاضلة الزكية، الشريفة المنيفة التغلبية، أعلى الله قدرها، وأوزعني وجميع الآملين شكرها، ما بقي لصناعة البراعة رسم إلا دثر. كامل
بل بدّلت أعلى منازلها ... سفلى وأصبح سفلها يعلو
لتمحق، فتلحق، من الداثر المعدوم، بسدوم: طويل
وذلك أنّ الدهر يحسد نفسه ... على كلّ فضلٍ أو يؤب به خسرا
ولا لصناعة البلاغة اسم إلا بشر بإدالة أهله، وإذالة فضله، ليخفى، فيلفى، من الغابر المفقود، كثمود، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، فيالدرر الآداب، واستعبار تجارها، من بوارها، ويالغرر نتائج الألباب، واستنار أقمارها، في احتقارها، ويالفصاحة تستطير الأقلام، وزجاجة تحيّر الأفهام. وافر مجزوء
وقد أخنى عليها ال ... لذي أخنى على لبدِ
فلا دار ولا سند، ولا نوّي ولا مظلومة جلد. خفيف
كلُّ شيءٍ مصيره للزوالِ ... غير ربّي وصالح الأعمالِ
على مثله فليبك من كان باكياً، ثم يرجع الحديث إلى ابن إسحاق فإني والله ما قصدت، الذي سردت، من تأبين هذه المعادن لكن الحديث ذو شجون. كامل
ولربما ساق المحدّث بعض ما ... ليس النديّ إليه بالمحتاجِ
ولا أردت، الذي أوردت، من الإعلان، بهذه الأشجان، ولكن تفيض العين عند امتلائها وأما الذي أردته، فهو أمر أوردته، على الجبير ابني وعبده، ثم حددت له أن لا يخرج عنه لا بين يدي مجده، إن حل من عقد لسانه التقريب، واستقل
стр. 155
بعين بيانه لترحيب، ولئن كان ذلك، فلأحليّن ما هنالك، من سلف كريم، وشرف صميم، وهمم نفوس أبيّة، وشمم أنوف تغلبية، بشذور، منشور، هي الغناء المعبدي وعيون، موزون، هي السناء الأبدي. بسيط
إني إذا قلت قولاً مات قائله ... ومن يقال له والقول لم يمتِ
وإن أخذ بأذيال حسن الإصغاء، ولا تقع عوامل تأميلي عدده دام عزه في باب الإلغاء، وجد ذلك الإحسان، جواهر تقرط بها الآذان، ومسكاً يفتق، وعنبرا يحرق، إن شاء الله تعالى، وكتب إليه أيضاً. كامل
قولوا لصخرة إذ تسايل حرمها ... جيئي جينة ترجعي بيقينِ
أقذيت عيني بالزمان وأهله ... حتى نظرت إلى بني حمدينِ
الوارثين المجد عن آبائهم ... والحاملين العلم عن سحنونِ
قومٌ إذا حضروا النديّ تميزوا ... بعلوّ مرتبةٍ ونور جبينِ
متزلفين إلى الإله فشأنهم ... إصلاح دنيا أو إقامة دينِ
بمحمد لله درّ محمد ... من مستهام بالعلى مفتونِ
قاضي القضاة المستضاء بمسفر ... من رأيه مثل الصباح مبينِ
طود من الفضل استقلّ زمامه ... بإغاثة الملهوف والمحزونِ
وأحمد لباني العلى نلت المنى ... وأخذت راية بغيتي بيميني
قاضٍ كأن الحق نورٌ ساطعٌ ... يغشي الورى من وجهه الميمونِ
قمراً كواكب تغلب ابنه وائل ... ذات الغنى والأيدي والتمكينِ
الوارثين كليبهم فهم إذا ... ما نوزعوا في المجد أسد عرينِ
وإذا يليّنهم خضوعٌ منازعٌ ... فلّوا له من غربه باللينِ
أهل الرصانة والفطانة والنهى ... والعلم بالتقليد والتدوينِ
فعليهم مني السلام تحيةً ... كالفاغم المجلوب من دارينِ
أيّد الله الفقيه الأجل، والغيث الواكف المنهل، قاضي الجماعة وسيدها، وعاضدها ومؤيدها، إنه أعلى الله قدرك، وأوزعني وأهل هذا العصر شكرك، لما أذابتني لفحات الأشواق، إلى تلك الآفاق، التي تشرقون بها أقماراً، وتفهقون فيها بحاراً. وافر
وما دهري بحبّ تراب أرض ... ولكن حبّ من سكن الديارا
стр. 156
وإنما هو كما قيل: طويل
أحبّ الحمى من أجل من سكن الحمى ... ومن أجل أهليها تحب المنازلُ
ورابتني غمرات الوجد، بذلك المجد، العالية قلله، الغالية حلله، الرائع تطريزها، الخالص إبريزها، كما رأب العليل تغامز العوّاد عاينتها نفساً صبّة، وقلباً قد حشي محبة، بما رقمته لعلاك من برود، كصفحات الخدود. كامل
جادت عليها كلّ عين ثرّة ... فتركن كل حديقة كالدرهمِ
ونظمته من حلاك كلاما، لو شرب لكان مداما، ولو ضرب به لكان حساما، ثم أنهيته، بعد ما أمهيته. طويل
ليعلم مولاي بأني عبده ... وإنّ فؤادي عنده وهو في صدري
وأنّي لا أنفكّ أخدم مجده ... بكلّ بديعٍ من قريضي ومن نثري
ويأخذ بأذيال، ما وصفته من هذه الحال، أنه: متقارب
رماني الزمان بأحداثه ... فبعضاً أطقت وبعض فدح
ومن أثقلها وأفدحها، وأعلنها وأفضحها، وأغلبها وأعزها، وأسلبها وأبزها، ومن عزّ، بزّ، أنه كان لي نسيب، قريب، وربيب، حبيب. بسيط
ربّيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أمّ الطعام ترى في ريشه زغبا
فلما شبّ، دبّ ليلقط الحبّ، فما خمص، حتى قنص، ولا أخذ في الحركة، حتى وقع في الشركة، ويعدو على المرء ما يأتمر، وذلك أنه أم قرطبة حرسها الله طالباً جذم مال كان قد تصدق به عليه جده ﵀ فإذا به قد ألفى هنالك عاصبه، وهو قد نصب له مجانبه، وفتح أشراكه، وبسط تحت هذا المطمع شباكه، فما نزل، حتى كتف، ولا حصل، حتى نتف، فأصبح مغلوباً مسجوناً، محزوناً مشجوناً. طويل
إذا قام غنّته على الساق حلية ... بها خطوه وسط البيوت قصيرُ
هكذا أعزك الله أورد، بعض من ورد، وبه أخبر، بعض من استخبر، وفي النوى يكذبك الصادق، فإنه قد حدث غيره أنه في وثاق، لكنه غير محلى الساق، وتحت اعتقال شديد، ولكنه بغير حديد. طويل
ومن يسأل الركبان عن كلّ غائب ... فلابدّ أن يلقى بشيراً وناعيا
فلو ترى أمه أمتك سترها الله وهي من اليمّ إشفاقها، وعظيم وجدها وانطباقها، قد ذهبت أو كادت، بل قاربت وزادت، لولا ناظر غريق يطرف، وعين سخية
стр. 157
تذرف، وربّ عيشٍ أخفّ منه الحمام، لاحتدمت، فما رحمت، ولاستعبرت، فما أبصرت، وهذا المظلوم المسجون، المكظوم المحزون، الذي غلب صبرها همه، وملأ صدرها ملمّه، فقتلها، مما أذهلها، فتى يعزف بفلان أقال الله عثرته، وأزال غمرته، فهل لك أن تتدارك هذه المسكينة بحسنة، تعدل عند الله عبادة ألف سنة، لقوله "ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا"، لنبّهت للخير أهله، حيث خاطبت مولاي فهززت فضله، ومن نبّه عمر نام، ومثله أعزه الله ممن بذّ الكرام، وشح في مثلها بالحسام، ثم أمر كاسا بالإلجام. طويل
وإلا فلم قالوا عتيبة فارس ... يشبّ وقود الحرب بالحطب الجزلِ
فعل إن شاء الله تعالى ما هو أهله، وعند ربّه من حسن الثواب عدله، أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، بحوله، وطوله، ومنّه، ويمنه، والسلام.
الوزير الكاتب أبو محمد ابن عبد الغفور رحمه الله تعالى
قد كنت نويت ألا أثبت له ذكرا، ولا أعمل فيه فكرا، وادعه مطرحا، وأقطعه الإهمال مسرحا، لتهوره، وكثرة تقعره، فإنه بادي الهوج، واعر المنهج، له ألفاظ متعقدة، وأغراض غير متوقدة، لا يفك معماها، ولا يعلم مرماها، مع نفس فاسدة الاعتقاد، ثابتة الأحقاد، تتنكد بالأفراح، وتحسد حتى على الماء القراح، وتغصّ بفارس يراعة وتتربض الدوائر بحامل براعة، إلى لسان لا ينطق إلا هجرا، وأجفان لا ترمق من توقد الحقد فيها فجرا، فهي ترعى الظلم مكان الأنوار، وتود أن ترى النجاد كالأغوار، أستغفر الله ألا نظمه فربما ألمّ فيه بالبدائع إلماما، وملك لها زماما، وصرف فيها لسانا صناعا، وأسأل لها بالمحاسن تلاعا، وله سلف نبيه أعقله في حبالة هذا الديوان، وألحقه بأعيان الأوان، وربما نذرت في نثره ألفاظ سهلة الفرض، مستنبلة الغرض، سلسة القياد، وارية الزناد، تقرب مما جمعت، وتمتزج بما روّقت وشعشعت، لئلا أكون ممن قصد إغفالاً واعتقد إخمالاً وتعصب باطلاً، وترك مكان الحلي عاطلاً، فقد علم الله أني انحرف عن التعليل وأغفر الكثير للقليل، وأتغافل في الهنات لذوي الهيئات واخذ الحسنة من أثناء السيأت، وقد أثبت له ما شذ من إبداعه، ولم أبخل بتضمينه في هذا التصنيف وإيداعه، ورفضت كثيراً من كلامه فقليلاً ما يتوضح فجر إحسانه في ظلامه، فمما انتخبت له قوله يمدح لأمير يحيى بن سير
стр. 158
ويذكر فرساً أشهب جاء سابقاً. بسيط مجزوء
يا ملكاً لم يزل قديماً ... بكلّ علياء جدَّ وامقْ
وسابقاً في الندى أتتنا ... جياده في المدى سوابق
لله منها أسيل خدّ ... أهديت شدقه كالجوالق
حديد قلب حديد طرف ... ذو منكب يشبه البواسق
ذو وحشة في الصهيل دلت ... منه على أكرم الخلائق
أشهب كالرجع مستطير ... كأنه الشيب في المفارق
خبّ غداة الرهان حتّى ... أجهد في أثره البوارق
ما انس لا أنس إذ شاها ... مشربات مثل البواشق
وبدّها شربا عتاقا ... لم ترض عن خصرها العواتق
فقمن يمسحن منه رشحا ... مطيبات به المخانق
أفديه من شافع لبيض ... قد كن عن بغيتي عوائق
انصع منه لرأي عيني ... سود عذار الفتى الغرانق
وله في الأمير يحيى: بسيط مجزوء
أن الأمير الأجلّ يحيى ... نجل الأمير الأجلّ سيرِ
بدر تمام بلا محاق ... يجل عن هذه البدورِ
حفّ به كلّ ذي سناء ... أبهى من الكوكب المنيرِ
كالنجم في رجمه عداه ... بكلّ ماضي الشبا طريرِ
وأرعى من النجم للرعايا ... أروع سام عن النظيرِ
لذت به من صروف دهري ... فكان من جورها مجيري
ومدّ نحوي يداً بجود ... أهمي من العارض المطيرِ
القى شعاعاً عليّ ليلا ... فخلتني في سناً منيرٍ
حمى فأرضى الإله ثغرا ... حقاً له لذة الثغورِ
قرّت به أعين الرعايا=فاعلموا أكؤس السرورِ
وأصبح الشرك في ثبات ... يدعون بالويل والثبورِ
يا إيّها الملك أقبلنهم ... على يعابيبك الذكورِ
وأنهد إليهم بكلّ نهد ... يأبى عن الابن والفتورِ
стр. 159
وشنّ غارتها عليهم ... مثل العراجين من ضمورِ
أهلّة لا تزال تسري ... لتحرز الحظّ من ظهورِ
أصدرك الله ذا انتقام ... من العدى شافي الصدورِ
وله فيه حين ارتحل إلى قصر إشبيلية: كامل مجزوء
هذا محلّك يا أمير ... فاعمره متّصل السرور
قصر تضآءلت القصوم ... وله ودانت بالقصور
فاسحب به ذيل العلاءم ... مدى الليالي والدهور
وأنعم باحراز الإمام ني ... في الوقود وفي الظهور
لا تزال به أبداً رئيساً ولا يزال لك من كل ليث ضبارم خيسا تداس فيه بين يديك جماجم الأعداء، حتى تكل أنامل العد والأحصاء ويتردى من قادة ذويك وأخوتك السادة وأقربيك بنجوم رجال كالجبال أنت بدرها المنير ورضوى ماثلا بينها أو ثبير أن دنا من علائك شيطان فتنة رجمته بمشرعات الأسنة، وأن زحم ركن سنائك منكب عظيم حطمته بمقرطات الأعنة، تطيع أقحامها باللحم، وتفهم عن أهله لثم، كأنما اقتعدت من صهواتها بروجاً، واعتقدت إلى حيث المنازل المقدرة لأشباهها عروجا لتتم هناك بدورا وتمثل قدراً مقدوراً، وتحدق بك في الهيجاء أحداق مقلة العين بأنسابها وتجري في اللقاء على سنن أوليتها واستنابها. كامل مجزوء
وبمثل قومك جالت ال ... نحيل اليعابيب الذكور
وحكت سماوتنا السما ... ء بهم نجوما أو بدور
وبمثل رأيك أذنت ... دهم الحوادث بالسفور
ماض إذا أعملته ... أغناك من مضب ذكير
واراك من صور العوا ... قب كلّ محتجب ستير
تفل الصوارم ولا يفل، وتحل العزائم ولا يحل، لو ضرب بالعود لعاد أبيض قاصلاً، أو عالج شعر المولود لأصبح أسوده البهيم ناصلا. كامل مجزوء
فليهننا أنّا خصص ... نا منه بالعلق الخطير
يربو على ملء العيو ... ن إذا ملء الصدور
لو جاور البحر الخص ... مّ ألمّ بالنزر اليسير
стр. 160
أو ديمة وطفأء لم ... تنسب إلى مطر غزير
أن لم يقع شكري لكم ... أذكى من الزهر المطير
لا نلت من زمني سرو ... را ارتجيه ولا حبور
وعليه مّني ما حيي ... ت تحية الروض النضير
وكتب إليه في غزاة غزاها: كامل
سر حيث تحلّه النوّار ... وأراد فيك مرادك المقدارُ
وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامة ... وغمامة لا ديمة مدرارُ
تنفي الهجير بظلها وتنيم بالر ... ش القتام وكيف شئت تدارُ
وقضى الإله بان تعود مظفرا ... وقصت بسيفك نحبها الكفّارُ
هذا ما تمناه الولي لا ما تمناه الجعفي، فإنه قال حيث ارتحلت وديمة، وما تكاد معها عزيمة، وإذا سفحت على ذي سفر، فما أحراها بأن تعوق عن الظفر ونعتها بمدرار، فكان ذلك أبلغ في الأضرار. وافر
فسر ذا راية خفقت بنصر ... وعد في جحفل بهج الجمالِ
إلى حمصِ فأنت بها حليّ ... تغاير فيه ربّات الحجالِ
الوزير الأجل أبو بكر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى
ماضي اليراعة، مشهور البراعة، متحقق بالأدب ينسل إليه من كل حدب وله سلف يقصر عن مداناته الأقدار، وشرف تمكن فيه القطب المدار، مع سالفة يتفق عليها ولا يختلف، ومنزلة يتطلع إليها ويستشرق وهمة طالت كالسماك وطالولته، وتناولت كل ما حاولته وبنو عبد العزيز، بنو سبق وتبريز، ما منهم إلا علم مناظر، ولا فيهم إلا من هو للدهر ناظر، وقد أثبت له ما يبهر النفس ويروقها، ويحسك طلوع الشمس وشروقها، فمن ذلك قوله: خفيف
قد هززناك في المكارم غصنا ... واستملناك في النوائب ركنا
ووجدنا الزمان قد لان عطفا ... وتأتى فعلا وأشرق حسنا
فإذا ما سالته كان سمحا ... وإذا ما هززته كان لدنا
مؤثراً احسن الخلائق لا يع ... رف ضنا ولا يكذّب ظنّا
أنت ماء السماء أخصب وادي ... هـ ورقّت رياضه فانتجعنا
نزعت بي ودادك نفس ... قلّ ما استصبحت سوي الفضل خدنا
стр. 161
وله يودع الوزير أبا محمد بن عبدون: بسيط
في ذمّة المجد والعلياء مرتحل ... فارقت صبري إذ فارقت موضعه
ضاءت به برهةً أرجاء قرطبة ... ثم استقل فسدّ البينُ طلعه
وكتب إلى الوزير أبي محمد قاسم، كيف رأى مولاي في عبد له وهو أنا يرى الوفاء دينا وملة، ولا يعتقد في حفظ الأخاء ملة، قصرته الأقدار عن رايه وأخرته الأيام عن سعيد، فادرع العقوق، ولبئست الحلة، وضيع الحقوق، ولم يضع الخلة، أيرده بعيب ما جناه الدهر، أم يسمح، فشيمته الصبر، بان يعفو ويصفح لو كان الغضب يفيض على صدره ويطفح، فله أعزه الله العقل الأرجح، والخلق الأسجح، والأنابة التي يزل الذنب عن صفاتها، ولا يتعلق العيب بصفاتها، وأن كتابة العزيز وردني مشيراً إلى جملة تفصيلها في يد العواقب، والزمان المتعاقب، ولقد اتفقت في أمره مشافهات انجلت عن تخيير في الأقطار، وانتجاع الخصب في مواقع القطار، حاشا ما استثنى من الجمع، وأفرد بالحظر والمنع، وفلان أيده الله كما يدريه يردد محاسنه ويرويها، وينشر فضائله ويطويها، إلا أن الأمور انقلبت عليه في هذه البلاد فلا تعرف له حالة، إلا وقد داخلتها استحالة، وربما عاد ذلك إلى نقصان في الوفاء، وأن كان باطنه على غاية الاستيفاء ولله تعالى نظر، وعنده خير منتظر، ويشهد الله أني أفرده بالجلال، واتخذ نفسي من أشياعه واتباعه في كل الأحوال. متقارب
فلا تلزمّني ذنوب الزمان ... إليّ أساء وأياي ضارا
فسمح الله مدته، وجازى مودته، وأعلى رتبته، وأحسن في كل حال وترحال صبحته، ولا رب سواه، وكتب إليه مسلياً عن نكبته، الوزير الفقيه أدام الله عزه، وكفاه ما عزه، أعلم بأحكام الزمان من أن يرفع إليها طرفا، وينكر لها صرفا، ويطلب في مشارعها مشربا زلالا أو صرفا، فشهدها مشوب وروضها مكمن لكل صل أرقم، وما فجئته أعزه الله الحوادث بنكبة، ولا حطته النائبات عن رتبة، ولا كانت الأيام قبل رفعته بوزارة ولا كتبه، فهو المر يرفعه دينه ولبه، وينفعه لسانه وقلبه، ويشفع له علمه وحسبه، وتسمو به همته وأدبه، ويعنو بين يديه شانيه وحاسك، ويثبت في أرض الكرم حين يريد أن يجتثه حاصك، ويفديه بالفضل من لا يوده، وينصره الله بإخلاصه حين لا ينصره سواعه ولا ودة. طويل
стр. 162
وأنّ أمير المسلمين وعتبه ... لكا لدهر لا عار بما فعل الدهر
وما هو أدام اله عزه إلا نصل أعمد ليجرد، وسهم سد طريقه ليسدد، وجواد ارتبط ليخلى عنانه، وقطر تأني سحابه وسيسيله عنانه، وأن المهارق لتلبس بعده ثياب حداد، وأن السنة الأقلام لتخاصم عنه بالسنة حداد، وسينجلي هذا القتام عن سابق لا يدرك مهله، ويعتمده الملك الهمام بإكرام لا يكدر منهله، ويونس ربع الملك الذي أوحش ويهله، ويرقيه أيده الله إلى أعلى المنازل ويهله، وينشد فيه، وفي طالبيه. كامل
وسعى إليّ عزّة نسوة ... جعل الإله خدودهنّ نعالا
وأنا أعلم انه أعزة الله سيبرم بهذا الكلام، ويوليني جانب الملام، ويعد قولي مع السفاهات والأحلام، فقد ذهب في رفض الدنيا مذهبا، وجلا التوفيق عن عينه غيهبا، وتركنا عبيد الشهوات نمسك بخطامها، ونرتع في حطامها، وأسأل الله عملا صالحاً، وقباً مصالحاً، ويقينا نافعاً، وأخلاصا شافعاً، بمنه إن شاء الله.
الوزير الكاتب أبو جعفر بن أحمد رحمه الله تعالى
كاتب مجيد، وفاضل مجيد، انخفض عن الارتفاع، ونفض يده من الانتفاع، فلم يلح في سماء، ولم يرد مورد ماء، وكانت له نفس عليه، تزهو بها الجوانح والضلوع، وسجية سنية، يعبق منها الفضل ويضوع، وما زال يغص بالأيام وحالها، ويتنغص بباطلها ومحالها، حتى أضله الحمام وغشاه، وأجنه التراب في حشاه، وقد أثبت من كلامه ما تنشرح له النفوس، ويلذ بسماعه الجلوس، دخلت حمة بجانة ليلاً وجفونها بالظلام مكتحلة، ومتونها من الأنس ممحلة، فتشوفت مستوحشاً، ووقفت منككشا، لا أجد أين أريح، ولا أرى مع من استريح، فبعد ونية، لقيني من أنزلني بها في منية، نائية عن الديار، خالية من العمار، فما حططت حتى وافاني رسوله يتحمل رغبته في الانتقال إليه، والنزول عليه، فاعتذرت له، وشكرت تطوله وتفضله، فما كان غير بعيد حتى وافاني مسلياً لي ومونساً، وأعاد لي المكان مكنسا، وبتنا بلية لم أجد للدهر غيرها، ولم أحمد إلا طيرها، ولما كان الغلس تركني مزمعاً، وانفصل عني مودعا، فلما حل بموضعه كتب إلي، استكمل الله تعالى لثمني الوزارة سعادة، واستوصله من سموها عادة، وأسأله المسرة بدنوها معادة، كيف لا أراقب مراقي النجوم، وأطالب مأقي العين
стр. 163
بالسجوم، وقد أذنر بالفراق منذر، وحذر من لحاق البين محذر، ويا ليت ليلنا غير محجوب وشمسنا لا تطلع بعد وجوب، فلا نروع بانصداع ولا نفجع بوداع، حسبنا الله كذا بنيت هذه الدار، وابني سبحانه أن تصل شمس أنسنا الأقدار ولعلها تجود بعد لأي، وتعود إلى احسن رأي، فتنطر رحيلا، وتعمر ربعا محيلا، وكنت كثيراً ما أخاطبه على البعد، وأواصله بتجديد العهد، فوافى بلنسية فلم يمكن لقاؤه، ولم يتمكن بقاؤه، فارتحل وكتب إلي، يا سيدي المخول كريم الصفاء، المفضل في زمرة ذوي الخاء، الموهل للمحافظة على الوفاء، ومن لا عدمت من أمره أنصافاً، ومن بره أسعافا، ودنا كالسراب بعده أنس، وقربه يأس، وعهدنا كالشباب حظه مبخوس، وفقده تتوجع منه النفوس، فنحن نتجمع بالسؤال، ونتمتع بالخيال، ونلتقي على الناي تمثلاً، ولا نبتغي في الحي تأملا، وما كذا الفت الحميم، ولا على هذا خلفت الرأي الكريم، ولا ادري لعل الأقطار خواص تغير، وللأحرار أخلاق تسير، فيجب أن أعد لكل خلق خلقا، واسلك في معاشرة الناس طرقا، مقال لو كان حقا، وألفي من قائله صدقا، وأنا وهو بالاحتمال قمين، وبحسن التأويل ضمين، ولكنها زفرة شوق لعج، وضجرة توق هأيج، تثور ثم تسكن، وتتأمل عينها فتحسن، وحبذا فعل الصديق كيف تقلب، ومذهبة حيث ذهب، وأكرم بقدره ما انجب، وبذكره ما أطيب وأعذب، لازلت أمتع ببقائه، ولا أمنع من لقائه، بمنه، وكتب إلى الرئيس أبي عبد الرحمن بن طاهر وقد وصل بلنسية ليلاً، لا اشتكي من اليل طولا، ولا أذم جنحه موصولا، وقد زادت بي حال صباحه، وكافحني أشد كفاحه، ووصلت البارحة على حين هجع السمير، وامتنع إلى حذرة المجد المسير، وفي يومنا للرجاء امتداد، وللوفاء ميعاد، ولدي شوق يطير بي إليه مطارا، ولا يوجد ما دونه استقرار، فسكنت من استطارته قليلاً، وبردت من برحائه غليلا، وعبرت في مبادرة الحق ومواصلة البرسبيلا، والله عز وجهه يعيد إلى أفقنا حسن ضيائه، ويعين في المتعين على قضائه، لا شريك له والسلام الأتم يتردد على الولي الوفي ورحمة الله تعالى وبكاته، وكتب إلى القاضي أبي الحسن بن واجب، أينقضي يوم الصب وقد عذبنا ليلة أرقا، وفرق القلب فرقا، ويقبل جنحه وقد حجب عنا فلقا، واجرى العيون علقا، فسال منها ماء دفقا، وتعسا للمطي وان جد بنا الماما، حين أوردنا ظلاما،
стр. 164
ووافى بنا الحي نياما، وكنت احببت مصابحة مجده فعاجلني مباكرة الغمام، وفاجأني غيثه مبادرة بالانسجام، فلم يمكني أن ابلغ من ذلك أملا، ولا أن أرد به منهلا، ولا عتب إلا على الزمان فيما أذنب، ولو شاء لرضى وأعتب، واتخذته تحية مشتاق، ورائد تلاق، وبدي أن ينجلي الغمام منجابا، ويكتسي غدنا من الصحو جلبابا، فأنال فيه من هذا الحظ وفورا، وأمل به جذلا وحبورا، أن شاء الله تعالى، وكتب وقد أهدى إليه مشموم ورد، زارنا الورد بأنفاسك، وسقانا مدامة الأنس من كاسك، وأعاد لنا معاهد الأنس جديدة، وزق إلينا من فتيات البر خريدة، فأحمر حتى خلته شفقا، وأبيض حتى أبصرته من النور فلقا، وارج حتى كان المسك من ذكائه، وتضاعف حتى قلت من حيائه، فليتصور شكري في مرءاه،
وليتخيله في نفحته ورياه، أن شاء الله تعالى.
ذو الوزارتين القائد أبو الحسن بن اليسع رحمة الله تعالى
عامر أندية النشوة، وطلاع ثنايا الصبوة، كلف بالحميا كلف حارثة بن بدر، وهام بفتى سماط وفتاة خدر، فجعل للمجون موسما، واثبتها في جبين أوانه ميسما، وكان قبل أن ترقيه الرياسه أعوادها، وتحله فؤادها، لا يجد عمادا، ولا يرد إلا ثمادا، فلما أصح عاقد كتائب، وقائد جنائب، وصاحب الوية، ومنفذ بديهة في الأمور وروية، جرى إلى لذاته ملء العنان، وعدا بها مجنون الجنان، وترك الملك مهملا، ومشى في طرق الاستهتار خببا ورملا، فائتمر به الملأ من أهل مرسية أي ائتمار، وراوا قتله أو كد حجة واعتمار، فنصبوا له الحرب، وعصبوا به الطعن والضرب، حتى أعطى الدنية، ونزل لهم عن تلك الثنية، فقنعوا بارتفاع وباله، وامتنعوا من حربه وقتاله، وخلعوه عن تدمير وسقوه الرنق بعد النمير، وله شعر رقيق المعاني، أنيق المغاني، يشهد له بالشطارة، ويعيد كهولته إلى الغرارة، وقد أثبت منه فنوناً يكحل بها الاستحسان حفونا، فمن ذلك قوله يخاطب أبا بكر بن اللبانة وكانا على طريقين فلم يلقيا. طويل
تشرق عامالي وسعدي يغرّبُ ... وتطلع أوجالي وأنسي يغرب
سريت أبا بكر إليك وإنمّا ... أنا الكوكب الساري تخطاه كوكبُ
فبالله إلا ما منحت تحية ... تكريها السبع الدراري وتذهبُ
وبعد قعندي كلّ علق تصونه ... قلائق لا تبلى ولا تنقلبُ
стр. 165
كتبت على حالين بعد وعجمة ... فياليت شعري كيف يدنو فيعرب
ولما مات أبن ليون صاحب لورقة ووصل أمرها إليه، وحصل تدبيرها في يديه، طلب ملكا يعطيه صفقتها، ويمطيه صهوتها، إذا لم يصح له توليها، والعدو بلبطيط يراوحها باغارته ويغاديها، فوصل إلى المعتمد رحمة الله مقليا إليه تلك المقاليد، ومجنيا له أفنانها الأماليد، فتلقى بالبر وفادته وصلته، وأنزل عليه أعيانه وجلته، أخبرني الوزير أبو الحسين أبن سراج والوزير أبو بكر ابن القبطرنة أن المعتمد أمرهما بالمشي إليه، والنزول عليه، تنويها لمقدمه، وتنبيها على حظوته لديه وتقدمه فسارا إلى بابه، فوجداه مقفرا من حجاجه، فاستغربا خلوه من خول، وظن كل واحد منهما وتاول، ثم أجمعا على قرع الباب، ورفع ذاك الارتياب، فخرج وهو دهش، وأشار إليهما بالتحية، ويده ترتعش، وأنزلهما خجلا، ومشى بين أيديهما عجلا، وأشار إلى شخص فتوارى بالحجاب، وبارى الريح سرعة في الاحتجاب، قفعدا ومقلة الخشف ترمق من خلل السجف، فانصرفا عنه، وعزما أن يكتبا إليه بما فهما منه، فكتبا إليه: وافر مجزوء
سمعنا خشفة الخشفِ ... وشمنا طرفة الطرفِ
وصدّقنا ولم نقطع ... وكذّبنا ولم ننفِ
وأغضينا لجلالك ... عن أكرومة الظرفِ
ولم تنصف وقد جئنا ... ما ننهض من ضعفِ
وكان الحكم أن تحمل ... أو تردف في الردفِ
فراجعهما في الحين بقطعة منها: وافر مجزوء
أياسفنا على حال ... سلبت بها من الظرفِ
ويالهفي على جهلي ... بضيف كان من صنفي
وأخبرني الوزير أبو الحسن بن سراج أنه ركب معه في عشية الشك من شعبان ومعه لمة من أعيان قرطبة وقد غلبوه على المسير معهم، والزموة مجتمعهم، فخرج وهو مكره، ولا يتطلع إلى ذلك ولا يشره، ونفسه متعلقة بنشوة أطمعها بها، وسلوة اطلع لها كوكبها، فكان يروم التفلت، ويكثر التلفت، وكلهم قد حف به، ووقف دون مذهبه، حتى أخذ معهم في أمر جواده وعتقه، وبالغ في وصف مباراته وسبقه، ثم قام على متنه يريهم انه يجريه، ويعرض عليهم
стр. 166
تباريه، فطار بجناح، وصار إلى بغيته دون جناح، فانتظروه ليسفر عنه العجاج، وتطلعه تلك الفجاج، فلم يروا إلا منهجه، ولا اقتضوا عوضاً منه إلا رهجه، فعلم أبو الحسين ما حثه، وأشاعه فيهم وبثه، فما أنصرفوا إلا وهلال رمضام لائح، وهو على راحة رائح، فكتب إليه أبو الحسين ابن سراج: كامل
عمري أبا حسن لقد جئت التي ... عطفت عليك ملامة الأخوانِ
لمّا رأيت اليوم ولّي عمره ... واليل مقتبل الشبيبة دانٍ
والشمس تنفض زعفرانا في الربا ... وتفت مسكها على الغيضانِ
أطلعتها شمساً وأنت عطارد ... وخففتها بكواكب الندمانِ
وأتيت بدعا في الأنام مخّلدا ... فيها قرنت ولات حين قرانِ
ولهوت عن خلَّي صفاء لم يكن ... يليها عنك أقتيال زمانِ
غنيا بذكرك عن رحيق سلسل ... وحدائقٍ خضر وعزف قيانِ
ورضيت في دفع الملامة أن ترى ... متعلقا بالعذر من حسّانِ
فكتب إليه مراجعاً قطعة منها: كامل
وأنا أسأت فأين عفوك مجملاً ... هبني عصيت الله في شعبان
لو زرتني والآن تحمد زورة ... كنت الاهلال أتى بلا رمضانِ
وكتب في حينه ذلك إلى أبي بكر بن القبطرنة: طويل
فديتك لا عرف لديّ ولا نكرُ ... ولا حّجة لي قد أبى ذلك السكرُ
إذا قلت جىَّ ماذا يقول ممجّد ... وليس له في أن يجيب بلا عذر
وأخبرني الوزير أبو بكر بن القبطرنة انه كان قاعاداً ببابه ببطليوس في غدوة الجمعة وقد اجتمعت العساكر، وروعت تلك الكنائس والدساكر، ولا أحد إلا راغب في الشهادة، مؤمل موته هناك واستشهاده، إذا برجل قد وضع بيده رقعة لا عنوان لها، فلما تأملها وجد فيها. طويل
عطشت أبا بكر وكفاك ديمة ... وذبت اشتياقاً والمزار قريبُ
فخفف ولو بعض الذي أنا واجد ... فليس بحق أن يضاعغريبُ
ووفر لنا من خطا نرى بها ... نشاوى وبعد الغزو سوف نتوبُ
فقال له ابن اليسع صاحب هذه الرقعة، أوقد حلّ في هذه البقعة، فقال له نعم فاستغرب ما قصد إليه، وذهب ووجه إليه، من التضييف ما وجب وقرن به خمرا وكتب معه. طويل
стр. 167
أبا حسن مثلي يمثلك عالم ... ومثلك بعد الغزو ليس يتوبّ
فخذها على محض الصفاء كأنها ... سنا ما لها بعد الحساب توبُ
الوزير المشرف أبو محمد بن ملك
ورد نهر المجرة علاء، وقلد فخره الزمان ولاء، مع همم أنافت على الكواكب، وكرم صاب كالغمام الساكب، ووقار، ولا تحيل الحركة سكونه، ومقدار، يتمنى مخيران يكونه، وشيم كصفو الراح، أو الماء القراح، لو كانت في الروض ما ذوى، أو ظهرت للخلق ما رقد أحد بعد ما شوى، ولم يزل بما اعتقل من الأصالة والنهى، ينقل من سماك إلى سهى، حتى أقطعه أمير المسلمين خلد الله ملكه ما له بالأندلس من حصه، وأقعده على تلك المنصة، وبواة المراتب اللائقة به المختصة، وله أدب زاخر اللجة، باهر الحجة، لائح البهجة، واضح المحجة، يروق لمجتليه، وبرق زهره لمتنيه، وقد اثبت من فأئق كرمه، ورأثق نثره ونظامه، ما تديره الأوهام راحا وتتعطاه، وتوسد النباهة خدها أبردي أرطاه، فمن ذلك قوله في مجلس أطرابه سماعه، وبسطه أحتشاد الأنس فيه واجتماعه. خفيف
لا تلمني بان طربت لشدو ... يبعث الأنس فالكريم طروبُ
ليس شق الجيوب حقاً ... إنما الحقّ أن تشقّ القلوبُ
ولما كثر اختلال الشرق وفساده، وظهر استفحال العدو فيه واستياده، صرف أمير المسلمين إليه وجه اهتمامه، وجد في صرف الشوائب عن جمامه، وجعل رايه فيه سميرة، وانعل نظره له جده وتشميره، ووجه أموالاً لرم خلله، وحسم علله، وأقامة ميله، وانتعاش رجله وخيله، ثم خاف أن ينتهيها العمال، وتتعذر تلك الآمال، فقلده طوقها، وحمله أوقها، ووجهه لبناء الأقطار، ونبهه لقضاء تلك الأوطار، فاستقل بها أحسن استقلال، ونظم مصالحها، نظم اللئال، فاجتزت عليه بطرطوشة فالفتيه مباشرا للأمور بنفسه، هاجرا لها مواصلة أنسه، فأقمت معه أياماً، أوردت منهل بدائعه جوانح كانت عليه حياما، وانشدني كل مستحسن، واسمعني كل مستطاب استطابة العين للوسن، فمن ذلك قوله: بسيط
سالت بميّ صروف الدهر والنوبُ ... وبان حظك منها وانقضى السببُ
فماء حزنك في الخدّين منسجم ... ونار وجدك في الاحتشاء تلتهبُ
تعجّب الناس من حاليك واعتبروا ... وكلّ أمرك فيه عبرة عجبُ
стр. 168
ضدّان في موضع كيف التقاؤها ... النار مضرمة والماء منسكبُ
وخرجت باشبيلية مشيعا لأحد زعماء المرابطين فالقيه معه، مسايراً له في جملة من شيعه، فلما انصرفنا مال بنا إلى معرس أمير المسلمين أدام الله تأييده الذي ينزله عند حلوله أشبيلية وهو موضع مستبعد، كان الحسن فيه مودع، ما شئت من نهر ينساب انسياب الأراقم وروض كما وشت البرود راقم، وزهر يحسد المسك رياه، ويتمنى الصبح أن يسم بين محياه، فتطف غلام وسيم من غليانه نورة ومد يده إلي وهي في كفه، فعزم عليّ أن أقول بيتا في وصفه، فقلت: طويل
وبدر بدا والطرف مطلع حسنه ... وفي كفّه من رائق النور كوكب
فقال أبو محمد: طويل
يروح لتعذيب النفوس ويغتدى ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب
ويجسد من الغصن أيّ مهفهف ... يجيء علي مثل الكثيب ويذهبُ
وكتبت إليه يوماً مودعا، فجاوبني جواباً مستبدعا، وأخبرني رسولي أنه لما قرأ الكتاب وضعه وسوى، وكتب وما فكر ولا روى، ياسيدي الأعلى جرت الأقدار بجمع أفتراقط، وكان الله جارك في انطلاقك، فيغرك من روع بالظعن، وأوقد للوداع جاحم الشجن، فانك من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر لا تستقر على وطن، كأنك والله يختار لك ما تأتيه وتدعه، موكل بفضاء الأرض تذرعه، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعتدك من العواري السريعة الاسترجاع، فلا يأسف على قلة الثرى، وينشد، وفارقت حتى ما أبالي من النوى.
الوزير الكاتب أبو القاسم بن السقاط
مستعذب المقاطع، كأنما صور من نور ساطع، أبهى من محيا الظبي المخجل، وأحلى من الأمن عند الخائق الوجل، يهب عطرا نشره، ولا يغب حينا بشره، تجتليه بساما، وتنتضيه حساما، أن وأخاك أبرم عقد أخائه، وأعفاك من زهوة وانتخائه، ماء صفائه وارف يكاد يقطر، وسماء أحتقائه وأكفه أبدا تمطر، وله أدب لو نشر لكان بردا محبرا، أو تنسم لهب مسكا وعنبرا، وأما الخطابة ففي يده صار عناتها، وعليه وقف عناتها وقد أثبت من نظمه ونثره، ما ينظمه الزمان عقدا في نحره، فمن ذلك قوله يصف أيام أيناسه، وما كيف له الشباب من أنواع الوصل وأجناسه. متقارب
стр. 169
سقى الله أيامنا بالعذيب ... وأزماننا الغرّ صوب السحابِ
إذ الحبّ يابثن ريحانه ... تجاذبها خطرات العتابِ
وإذ أنتِ نوّارة تجتنى ... بكفّ الهنا من رياض التصابي
لياليَ والعيش سهل الجنى ... نضير الجوانب طلق الجنابِ
رميتكِ طيرا بدوح الصبا ... وصدّتك ظبيا بوادي الشبابِ
وله يصف يوماً أطربته فيه الأماني، وهزته المثالث والمثاني، وجرى الدهر به طوعا في أزمته، وانقاد إليه الأنس برمته، وسقته الراح صفوها، وأقطعته الأيام طربها ولهوها. طويل
ويوم ظللنا والمنى تحت ظلّه ... تدور علينا بالسعادة أفرك
بروض سقته الجاشرية مزنة ... لها صارم من لامع البرق بتاك
توسّدنا الصهباء أضغات أسه ... كانا على خضر الأرائك أملاكُ
وقد نظمتنا للرضى راحة الهوى ... فنحن اللثالي والمودّات أسلاك
تطاعننا فيه ثدي نواهد ... نهدن لحربي والسنّور أفناكُ
وتجلى لنا فيه وجوه نواعم ... يخلن بدورا والغدائر أحلاكُ
وكتب يشفع بذمام شباب صوخ نوره، وبرح به غدر الزمان وجوره، ياسيدي الأعلى، وظهيرى في الجلى، ونصيري المنيف في دوحة النبل فرعه، الحنيف في ملة الفضل شرعه، ومن أبقاه الله لرحم أدب مجفوة من الدروس والأخلاق، كالقلم المذهب، والخضاب الموشي لراحة الحسب، يستفيد به بهجة التكحل في العين، ورونق التشيب في مصوغ التبر واللجين، وقد رتبه النهى أشرف ترتيب، وبوبته العلى أبدع تبويب، فما أحقه بصدر النادي، وأسبقه إلى المرتبة بشرف المنادي، رعاية لأوامر الآداب، والمحافظة على الخلة الواشحة في أعصر الشباب، وتذكرا لربوع الصبا وأطلاله، وعهود اللذات المنثالة في بكره وآصاله، وما أسحبت الليالي في ميادينه من لبوس، نعيم وبوس، وأجنت الأيام في بساتينه من زهرات، أتراح ومسرات، حذوا للخلق الأكمل، وأخذا بقول الأول: بسيط
أنَّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يالفهم في المنزل الخشنِ
стр. 170
وموصله وصل الله سراءك، واثل علاءك، أبو فلان، ذاكر مشاهدك الغر الحسان، وناشر ما تعتمد في صلته من مقاصد الحسن والإحسان، أبقاه الله ما نظمني معه سمط ناد، ولا أحتواني وأياه مضمار شكر وأحماد، إلا وأثبت من ماثرك خليطي الدر والمرجان، وجاء بطليعة السوابق في إحصاء مفاخرك رخي اللبب مرخي العنان، ولقد فأوضني من أحاديت ايتلافكما في العصور الدارسة العافية، وانتظامكما في زهرات الأنس في ظلال العافية، واتساقكما في حبرات العيش الرقاق الضافية، وارتشافكما لسلافة النعيم المزة الصافية، بافانين الغيطان والنجود، وزخارف الروض المجود، ومعاطف الطرر بين خيلان الخدود، ما لو لقيت بشاشته الصخر لمنح بهجة الإيراق، ولو القيت عذوبته في البحر لأصبح حلو المذاق، لو رقى به البدر لوقي آفة المحاق، ولو مر ببيداء لعادت كسواد العراق، وأزمع أن يسير بنواعج، في طرقه ومناهجه، ويطير بجناح الارتياح في الدر، إلى متفاذف ذلك الجو، ليكحل بالتماحك جفونه، ويجلو باوضاحك دجونه، ويجدد بلقائك عهداً أنهج البين رسمه، ويشاهد بمشاهدة علائك سروراً محت يد البين وسمه، ويحط من أفناء بشرك بالأهل العامر، ويسقط من أنواء برك على الحافل الغامر، فخاطبت معرضاً عن التحريض، ومجتز يا بنبذ العرض ولمح التعريض، وتابعا له بإسرارك تلك الخطرات ذكر العهود القديمة، وارتياحك للقاء مثله من أعلاق العشرة الكريمة، وأنت ولي ما تتلقاه به من تأنيس ينشر ميت رجائه، ويعمر مقفرا أرجائه، لازلت عاطفاً على الأخلاء بكرم الود، قاطعاً زهر الثناء من كمام الحمد، بحول الله.
وله: طويل
ويوم لنا بالخفيف راق أصيله ... كما راق تبر للعيون مذابُ
نعماً به والنهر ينساب ماؤه ... كما أنساب ذعرا حين ريع حبابُ
وللموج تحت الريح منه تكسّر ... تولدّ فوق المتن منه حبابُ
وقد نجمت قصب لدان بشطه ... حكتها قدود للحسان رطابُ
وأينع مخصرّ خلالها ... كما أقبلت نعمى وراق شبابُ
وكتب عن أحد الأمراء إلى قوم عليه شفعوا لجناة، طاعتكم أبقاكم الله نابتة الرسوم، واضحة الوسوم، وضنانتكم بالسلطان عصمه الله ضنانة الجبان بالحيوة، وأعدادكم للمكافحة عن الدولة وطدها الله أعداد المهلب لبيات، فما لكم
стр. 171
والشفاعة، لرعاع ندوا عن عصمة الجماعة، ونفروا، وخاسوا بذمام الطاعة، وختروا، ثم ودوا لو تفكرون كما كفروا، فأرضوهم عن جماعتكم، وذودوهم عن حياض شفاعتكم، ذياد الأجرب، عن المشرب فنحن لا نقبل على توسل مستخف بالنفاق مستسر، ولا نقبل الحذعة من متماد على الغواية مصر، أن شاء الله، وله فصل من رسالة في أهداء فرس، وقد بعثت إليك أيدك الله بجواد يسبق الحلبة وهو يوسف ويتمهل، متى ترمق العين فيه تسهل، يزحم منكب الجوزاء بك منكبه، وتنزل عنه حين تركبه، أن بدا قلت ظبية ذات غرارة، تعطو إلى غرارة، أو عدا قلت انقضاض شهاب، أو اعتراض بارق ذي التهاب، فاضممه إلى أرى جيادك، واتخذه ليومي رهانك وطرادك، أن شاء الله وأصبحت يوماً منبسط النفس، معترض الأنس، فمر بي فارس يحمل كتبا إليه، وينفض للسرعة مردويه، فحملته بيتين يضعهما في يديه وهما: طويل
عسى روضة تهدي إليّ أنيقة ... تدبّج أسطارا على ظهر مهرقِ
أحلّي بها نحري علاء وسوددا ... وأجعلها تاجا بهياً بمفرقي
فكتب إلي مراجعاً: طويل
أتتني على شخص العلاء تحّية ... كراد الضحى في رونق وتأنقِ
أنمّ من الريحان ينضح بالندى ... وأطرب من سجع الحمام المطوّقِ
سطيران في مغزاهما أمن خائف ... وسلوة مشغوف وأنس مشوّقِ
نصوت أبا نصر بها همم العلى ... وأطلقت من آمالها كلّ موثقِ
وحملنا الوزير القاضي أبو الحسن بن أضحى إلى إحدى ضياعه بخارج غرناطة ومعنا الوزير أبو محمد بن مالك، وجماعة من أعيان تلك المسالك، فحللنا بضيعة لم ينحت المحل أثلها، ولم ترمق العيون مثلها، وجلنا بها في أكناف، جنات الفاف، فما شئت من دوحة لفاء، وغصن يميس كعطفي هيفاء، وماء يناسب في جداوله، وزهر يضمخ بالمسك راحة متناوله، ولما قضينا من تلك الحدائق أربا، واقتضضنا منها أتراباً عربا، ملنا إلى موضع المقيل، وزلنا عن منارة تزري بمنارة جذيمة مع ملك وعقيل، وضد وصولنا بدا غلي من أحد الأصحاب تقصير في المبرة، عرض لي منه تكدير لتلك العين الثرة، فأظهرت التثاقيل أكثر ذلك اليوم، ثم عدلت عنهم إلى الأضطجاع والنوم، فما استيقظت إلا والسماء قد نسخ صحوها،
стр. 172
وغيم جوها، والغمام منهمل، والثرى من سقياه ثمل، فبسطني يتحفيه، وابهجني ببر لم يزل يتممه ويوفيه، وأنشدني: بسيط
يوم تجهّم فيه الأفق وانتشرت ... مدامع الغيث في خدّ الثرى هملا
رأى وجومك فارتدّت طلاقته ... مضاهيا لك في الأخلاق ممتثلا
وكتب يستدعي إلى مجلس انس، يومنا أعزك الله يوم قد نقبت شمسه بقناع الغمام، وذهبت كاسه بشعاع المدام، ونحن من قطار الوسمي، في رداء هدي، ومن نضير النوار على نظائر النظار، ومن بواسم الزهر، في لطائم العطر، ومن غر الندمان بين زهر البستان، ومن حركات الأوتار، خلال نغمات الأطيار، ومن سقات الكؤس، ومعاطي المدام، بين مشرقات الشموس، وعواطي الأرام، فرأيك في مصافحة الأقمار، ومنافجة الأنوار، واجتلاء غرر الظباء الجوازي، وانتقاد درر الغناء الحجازي، موفقا أن شاء الله تعالى.
ذو الوزارتين الكاتب أبو عبد الله بن أبي الخصال أعزه الله
حامل لواء النباهة، الباهر بالروية والبداهة، مع صون ووقار، وشيم كصفو العقار، ومقول أصفى من ذي الفقار، وله أدب بحره يزخر، ومذهب يباهي به ويفخر، وهو وأن كان خامل المنشأ نازله، لم ينزله المجد منازله، ولا فرع للعلاء هضابا، ولا ارتشف للسناء رضابا، فقد تميز بنفسه، وتحيز من جنسه، وظهر بذاته، وفخر بادواته، والذي الحقه بالمجد، وأوقفه بالمكان النجد، ذكاء طبع عليه طبعه، ونجم في تربة النباهة غربه ونبعه، وتعلق بأبي يحي بن محمد بن الحاج وهو خامل الذكر، عاطل الفكر، فملك قياد ما موله، وهب من مرقد خموله، وقدح استعماله أياه زناد ذكائه، وأبدى شعاع ذكائه، ولم يزل عاثراً معه ومستقلاً، ومثريا حينا وحينا مقلا، إلى أن تورطوا في تلك الفتنة التي الفحو حائلها، وما لمحوا مخائلها، وطمعوا أن يغتالوا من أمير المسلمين ملكا معصوما، وأبرموا من كيدهم ما غدا بيد القدر مفصوما، وفي أثناء بغيهم، وخلال حربهم الوبيل وسعيهم، كانت ترد عليهم من قبله أيده الله كتب تحل ما ربطوه، وتروعهم مما تابطوه، فلم يكن لهم بد من أدنائه، لحسن منابه في المراجعة عنهم وغنائه، فورد عليهم ليلة كتاب راعهم، وأنساهم جلادهم وقراعهم، وهم بمجلس أنس فصحوا من حمياه، ومحوا منه عبق الأنس ورياه فاستدعاه في ذلك الحين للمراجعة
стр. 173
عن فصوله، والمعارضة لفروعه وأصوله، فأبان عن الغرض، وخلص جوهره من كل عرض، وأبدع في أحكامه، وبرع في قضاياه وأحكامه، فحمل أبا نجي بن محمد استحسان ما كتبه، أن خططه للحين ولقبه، والمدام لرايه البائل مالكة، وبعقله في طرق الخبال سالكة، فلم يعمل فيها فكرا، ولم يأمل أعرافا أتى أم نكرا، فجرت عليه لقبا، وأعلته من الاشتهار مرقبا، وصار مرتسما في العلية، متسما بتلى الحلية، وما زالت الدول تستدنيه نائياً، وتنئيه دانيا، ولا تجعله مجنيا عليه ولا جانيا، فما بيده رفع شومه، ولا محو وشومه، وقد أثبت له ما نجتليه فتستحليه، وتلمحد، فمن ذلك قوله في مغن زار، بعد ما أغب وشط منه المزار. كامل
وافى وقد عظمت علي ذنوبه ... في غيبة قبحت بها أثاره
فحما إساءته بها إحسانه ... واستغفرت لذنوبه أوتاره
وكتب إليه عندما وصل أمير المسلمين، وناصر الدين إلى أشبيلية صادرا عن غزوة طلبيرة سنة ثلث وخمس مائة ووصل في جملته، ونزل بحملته، واتفق لي شغل توالى واتصل، إلى أن رحل أمير المسلمين أيده الله وانفصل، فاسلت عنه فأعلمت أنه سار معه، وما فارق مجتمعه، فكتب إليه نمستدعياً من كلامه ما أثبته في الديوان، وأنبته فيه زهر بستان، فوافاه رسولي من البلد على مرحلة، في ليلة من ضياء البدر محملة، فكتب إلي مراجعاً، الحذر أعزك الله يوتى من الثقة، والحبيب يوذي من المقة، وقد كنت أرضى من ودك وهو الصحيح بلمحة، واقنع من ثنائك وهو المسك بنفحة، فما زلت تعرضني للامتحان، وتطالبني بالبرهان، وتأخذني بالبيان، وأنا بنفسي أعلم، وعلى مقداري أحوط وأحزم، والمعيدي يسمع به لا أن يرى، وأن وردت أخباره تترى، فشخصه مقتحم مزدرى، ولا سيما من لا يجلي ناطقاً، ولا يبرز سابقاً فتركه والظنون ترجمة، والقال والقيل يقسمه، والأوهام تحله وتحرمه، وتحفيه وتخترقه، أولى به من كشف القناع، والتخلف عن منزلة الأمتاع، وفي الوقت من فرسان، هذا الشان، وأذمار هذا المضمار، وقطان هذه المناهل، وهداة تلك المجاهل، من تحسد فقره الكواكب، ويترجل إليه منها الراكب، فأما الأزاهر فملقاة في رباها، ولو حلت عن المسك حباها، وصيغت من الشمس حلاها، فهي من الوجد تنظر بك لعين شكرا، لا نكرا،
стр. 174
وإذا كانت أنفاس هؤلاء الفراد مثبوتة، وبدائعهم منثوثة، وخواطرهم على محاسن الكلام مبعوثة، فما غادرت متردما، ولا استبقت لمتاخر متقدما، فعندما يقف الاختيار، وبها يقع المختار، وأنا أنزه ديوانه النزيه، وتوجيهه الوجيه، عن سقط من المتاع، وبها يقع المختار، وأنا أنزه ديوانه النزيه، وتوجيهه الوجيه، عن سقط من المتاع، قليل المتاع، ثقيل روح السرد، مهلك صر البرد، إلا أن يعود به جماله، ويحرس نقصه كماله، وهبه اعزه الله قد استسهل استلحاقه، وطامن له أخلاقه، اتراني أعطي الكاشحين في أثباته يدا، وأترك عقلي لهم سدا، وما أخالك ترضاها لي مع الود خطة خسف، ومهواة حتف، لا يستقل غبينها، ولا يبل ظعينها، وله فصل منها، فلم نحل بطائل وصرنا تحت قول القائل: كامل
ترك الزيارة وهي ممكنة ... واتاك من مصرِ على جملِ
الزيارة هاهنا أعزك الله مثل، لا لفظ محتمل لأني أوجبها، ولا استوجبها، وأفرضها، ولا أفترضها، والتأويل على كل حال لا يتعدى الجميل مذهبا، ولا يتخذ ليل الشك مركبا، وأنت المفتتح للصلة، المولي للمنة المشتملة، وأن رسولك وافاني بكتابك الخطير والشمس واجبة سقوط منازع، وحياة الذي يقضي حشاشة نازع، والبيت قد غص ببانيه، وضاق لفظه عن معانيه، فاختلست أحرفي هذه أختلاس مسارق، والتماح بارق، والخاطر مخاطر، والشغل مساهم مشاطر، يصدر فكري إليه، ويخلع فقري عليه، إلا صبابة، ولا ترد صبابة، ورسيسا، لا يشفي نسيسا، فدونك واهي الدعائم، واهي العزائم، يتبرا تابعه من متبعه، ويفر سامعه من مسمعه، ولولا أن الجواب فرض يجرح معطله، ويخرج عن ملة التصابي مبطله، لاعتذرت، واقتصرت ولكني أوثر حقك وأن أبقى علي دركا، وبوأنى دركا، وقد حملت فلانا ما سمح به الوقت، وان اشتبه علي القصد والسمت، وحاضرت بما يسرت إلى ذكره، على شريطة كتمانه وستره، أنقيادا إلى أمرك، وتصديا غلى عقوقك ببرك، وله أيضاً، أيدك الله ليست الأذناب كالأعراف، ولا الأنذال كالأشراف، ولا كل أشراف بإشراف، فثم من يصم ما ولي، ويعمى عن الصبح وقد جلي أن ذكر نسي، وأن عذل فكأنما أغري، وكثيراً ما يمتد شططه، فتحذف نقطه، ويهجر نمطه، وان سمامحناه في الضبط، وامتنعناه بالنقط، نبذ الوفاء، فحذفنا الفاء، وجفا الكريم، فالغينا الميم، وله بعدما بقي، ما ألقى، وان أشرف فعلى الخطير العظيم، وان أطلع ففي سواء الجحيم، ورب طويل النجاد،
стр. 175
غريق في الاتهام والانجاد، ولايته أمان، وعمله جنان وخلقه رضوان، تود النجوم أن ينظمها في كتاب، اوينسقها نسق حساب، قد أرتقى بخطته باذخ السناء، وأخذ بضبعها رافعاً إلى السماء، فهناك وأنت ذاك، طاب الجنى ودنت المنى، وأيقن الشرف أنه في حرم وحمى، أقسم بالميتسم البارد، والحبيب الوارد، قسما تبقى على الشيب جدته، ويعز على المشيب حدته، ذكرى من ذلك العهد مدت بسببه ومنت إلى القلب بنسبه، ليحتون على الكرام، وليجترون على الأتام، وليأخذن قوق أيديها، وليكفن من تعديها، ما لهم تقحت أثلاثهم، وتسمهم بغير سماتهم، وتصفهم بصفاتهم وتعلهم بعرتهم، فأين أنت من الدب، وسنام قد أستوصل بالجب، وكيف ارتياحك بغير خمران دارت، ولمكرمة كالشمس أشرقت وأنارت، لا جرم إنك منها على ذكر، وبمدرجة حمد وشكر، وما هو إلا الشريف الوحد، ومن لا ينكر فضله ولا يجحد، أبو بكر أعزه الله وناهيك ثناء، وحسبك علاء وسناء، فتى دهي في ضيعته هناك بدواه، ورمي بخطوب غير ريوث ولا سواه، ورأيك أصاب الله برايك، وجبر الأولياء بسعيك، في تحصين مراعاته، وترفيهه ومحاشاته، ولولا عذر منع، لكان على أفقك النير قد طلع، ولكنه استناب قلانا وحسبه أن يودي كتابا، ويقتضي جوابا، ويتصرف على حكمك جيئة وذهابا، أن شاء الله، وله يعتذر من استبطاء المكاتبة. طويل
ألم تعلموا والقلب رهن لديكمُ ... يخبركم عني بمضمره بعدي
ولو قلبتني الحادثات مكانكم ... لا نهبتها وفري وأوطأتها خدّي
ولما نكب الوزير أبو محمد بن القاسم النكبة التي أنبات يتعذر الأوطار، لذوي الأخطار، وأعلنت بكساد الفضائل بكساد الفضائل والمعالي، واستيثار الوضيع على الماجد الغالي، لأنه كان طود كمال، وبحر إجمال، وناظم خلال، وعالم جلال، وحين ثل الدهر عرشه، وأحل سواه فرشه، خاطبه كل زعيم مسليا عن نكبته، وانتقاله من رتبته، فكتب إليه هو في جملة من كتب، وان كان نازلاً عن تلك الرتب، برقعه مستبدعة وهي، مثلك ثبت الله فؤادك، وخفف من كاهل المكارم ما أدهى بك وعادك، يلقى دهره مكترث، وينازله بصبر غير منتكث، ويبسم عند قطوبه ويفل شباة خطوبه، فما هي إلا غمرة تنجلي، وخطرة يليها من
стр. 176
الصنع الجميل ما يلي، لا جرم أن الحر حيث كان حر، وان الدر برغم من جهله وهل كنت إلا حساما انتضاه، قدر أمضاه، وساعد أرتضاه، فإن أغمده فقد قضى ما عليه، وان جوده فذلك إليه، أما انه ما أنثم حده، ولبس جوهو الفرند خده، لا يعدم طبنا يشترطه، ويمينا يخترطه، هذه الصمصامة تقوم على كرها القيامة، طبقت البلاد أخباره، وقامت مقامه في كل أفق آثاره، قاما حامله فنسي منسي، وعدم منهي، كلا لقد فنيت الحقائق وأنهيت تلك العلائق قلم يصحبه غير غرار، ومتن عار، وكلاهما بالغ ما بلغ، ووالغ معه في الدماء أي ولغ، وما الحسن إلا المجرد العريان، وما الصبح إلا الطلق الأصحيان، وما النور إلا ما صادم الظلام، ولا النور إلا ما فارق الكمام، وما ذهب ذاهب، أجزل منه العوض واهب، وممن قضى حق المساهمة في هذه الحال التي التوى عرضها، وتأخر للأعذار القاطعة فرضها، أسف يردد، وارتماض يجدد، وذنوب على الأيام تحصى وتعدد، وحبا اللئام منها تحل وتعقد، فيعلم الله عز وجهه لقد استوفيت فيك هذه الأيام، ونهيت فيه حتى المرن عن الابتسام انتهى، وفي أيام مقامي بالعدوة اتفقت بيني وبين أبي يحي بن محمد بن الحاج سقى الله مصرعه، وأورده منهل العفو ومشرعه، مودة استحكم تواخيها، وشدت أواخيها، وغدونا بها حليفي صفاء وأخلاص، واليفي أخاء واختصاص، والزمان مساعد وصرفه متباعد، والشباب خضل يانع، والدهر مبيع ما هو له اليوم مانع، والدنيا سرو وإيناس، والأرض ظباء وكناس، فوقع بيني وبينه في بعض الأيام تنازع أدى بنا إلى الانفصال، وتعطيل تلك البكر والآصال، ثم نمي إلي عنه قول ضاق به ذرعي، وأجتث منه أصلي وفرعي، فكلما صدني عن الرحلة صممت، ونكثت من عرى التلوي ما كنت أبرمت، وبعد انفصالي علمت أن ذلك القول غدا زورا، ووشي به من غص أن يرانا زائراً ومزورا، فانقشعت تلك المخيلة، وتحركت لوعة مودته الدخيلة، وأكدت تجديد ذلك العهد الرائق، وكف أيدي تلك العوائق، فكتبت إليه: طويل
أكعبه علياء وهضبة سودد ... وروضة مجد بالمفاخر تمطرُ
هنئاً لملك زان نورك أفقه ... وفي صفحتيه من مضائك أسطر
وأنّي لخفاق الجناحين كلّما ... سرى لك ذكر أو نسيم معطّرُ
وقد كان واش هاجنا لتهاجر ... فبتّ وأحشائي جوى تنفطّر
стр. 177
فهل لك في ود ذوى لك ظاهراً ... وباطنه يندى صفاء ويقطر
ولست بعلق بيع بخسا وأنني ... لأرفع أعلاق الزمان واخطرُ
فأمره بمراجعتي فكتب بقطعة منها. طويل
ثنيت أبا نصر عناني وربّما ... ثنت عزمة الشهم المصّمم أسطر
ونالت هوى ما لم تكن لتناله ... سيوف مواض أو قنا متاطّرُ
وما أنا إلا من عرفت وإنمّا ... بطرت ودادي والمودّة تبطرُ
نظرت بعين لو نظرت بغيرها ... أصبت وجفن الرأي وسنان أشطرُ
وقدما بذلت الودّ والحبّ فطرة ... وما الودّ إلاّ ما يخص ويفطرُ
وكتب إلى الوزير المشرف أبي بكر بن رحيم يهنئه بولاية خطة الإشراف بحضرة أشبيلية وذواتها في شوال سنة خمس عشرة وخمس ماية: وافر
إذا ما شرّف الإشراف قوما ... فإن بني رحيم شرفوهُ
ومن يعرف به لهمُ قديماً ... وأن رغمت أنوف عرّفوهُ
كفاة للملوك على سبيل ... ودين نصيحة ما حرّفوه
أبو بكر له ولهم كفيل ... بكلّ كفاية أذ صرّفوهُ
وما الإشراف إلاّ عبد قنّ ... فمتى تولّى استصرفوهُ
هذه أعزك اله بديهة البشرى، وعجالة كعجالة القرى، وبريد إلى أم تلك القرى، فأنا لها بالإقبال ضمين، وعلي إليه ويمين، لتحوطنها أقلامك، وليحمدن فيها مقامك، ولتعرفن بالغرر والحجول أيامك، فحالفك السعد، ولاعدمك الملك الجعد، وأبل وأخلف مثلها جددا بعد، وما حق من بشر با بأعتلاتك، وسرى بأنبائك إلى أوليائك، أن يؤخر مراده، ويضيع عمله واعتقاده، وان الحاج أبا عبد الله بن شعران أملك، الداعي لك، أبقاه الله وجبره أشعرني بهذه المسرة، والديمة الثرة، ولقد هممت على هذا البرد، بخلع البرد، وحل العقد، وفض النقد، فدافعني انقباضا، وأعلمني أن له في علمك أنماه الله أغراضا، تكون على ذلك أثماناً وأعواضاً، وأراني عقداً يشهد بعدمه وصحة ما استحثه في مقدمة، وأنه ليس له سوى غرس قد صار عليه كلا، بل استدار في ساقيه كبلا، والتوى في عنقه غلا، وعاض له غلا لا مغلا، ولك الطول أن تفتح نظرك وفقه الله بالتخفيف على مثله من الضعفاء، ومن لا قدرة له على الأداء، وحمل الأعباء فإن ذلك ذكر في
стр. 178
العاجل، وأجر في الآجل، أن شاء الله تعالى.
ذو الوزارتين الكاتب أبو محمد بن عبد البر ﵀
بحر البيان الزاخر، وفخر الأوائل والأواخر، وواحد الأندلس الذي فاز بها بحظ الظهور، وحاز قصب السبق بين ذلك الجمهور، وامترى اخلاف أسعادها، وسقى صوب عهادها، واستقر في مراتب رؤسائها، استقرار الفلك عند أرسائها، إلا انه حصل في لهوات الأسد، وصار إلى موضع النفاق فكسد، وافي المعتضد بالله في طالع استوبله، ونحس استقبله، فكانت أيامه لديه حسرات، ولم تومض له فيها بروق مسرات، إلى إن لاذ بالفرار، وتخلص من يديه البدر من السرار، وأبوه أبو عمر هو كان سبب نجاته، وخروجه من لهواته، ولولاه لورد مشرع الحمام، وكرع في ماء الحسام، فقليلاً ما هم عباد فاقصر، ولا توهم إلا وكأنه أبصر، ولكن إمامة أبيه الشهيرة دفعت في صدر احتدامه، وشفعت له عند أقدامه، وقد أثبت له ما يتبين أنه سحر، ويتزين به للسناء نحر، فمن ذلك ما قاله في رجل مات مجذوما. رمل
مات من كنّا نراه أبداً ... سالم العقل سقيم الجسدِ
بحر سقم ماج في أعضائه ... فرمى في جلده بالزبدِ
كان نمثل السيف إلاّ أنّه ... حسد الدهر عليه فصدي
وله: كامل مجزوء
لا تكثرنّ تامّلا ... واحبس عليك عنان طرفك
فلربّما أرسلته ... فرماك في ميدان حتفك
وكتب إلى أحد أخوانه، وقد نال الدهر من أخماله وامتهانه، من صحب الدهر أعزك الله وقع في أحكامه، وتصرف بين أقسامه، من صحة وسقم، وغنا وعدم، وبعاد واقتراب، وانتزاح واغتراب، وانفق لي ما قد علمت من الانزعاج والاضطراب، والتغرب والإياب، لا والله ما جرى من حركاتي شيء على مرادي، واعتقادي، وإنما هياتها الأقدار، والأثار، وعند ورودي أعلمت بما أصابتك به صروف الأيام، من الامتهان والإيلام، فيعلم الله لقد ألمت نفسي وساء به أثر الزمان عندي، وقلت هذا عدل ما تهيأ من جلدي وبعدي، فقد جمعتنا حوادث الأيام وصروفها، وأن اختلفت انواعها وصنوفها، على أن الذي أصابك أثقل عبا، واعظم رزاء، والله يعظم أجرك ويجعل هذه الحادثة أخر
стр. 179
حوادثك، واعظم كوارثك، حتى تستديم عزك في سراء سابغة تنعم بالك وخاطرك، وتقر عينك وناظرك، وتلحظ خطوب الدهر وأنت عنها في حماية من الكفاية مكينة، ودرع من الحماية حصينة، أن شاء الله وكتب عن الموفق أبي الجيش مهنئاً للمعتضد بأخذ شلب، كتابي أعزك الله تعالى عن حال قد طال جناحها، وآمال قد أسفر صباحها، ويد قد اشتد زندها، ونفس قد أنتجز بنجح كل مامول وعدها، بما وردني به كتاباك الكريمان أعز بهما من جميل صنع الله لك بحصول قاعدة شلب وذواتها في قبضتك، واستذراء ذلك الأفق بظل طاعتك، وخروج صاحبها عنها من غير عقد عاصم، ولا عهد لازم، قد كذبه ظنه في التماسك، وأخلفه أمله في التهالك، ورغم به أنف من بعد عنه وخدع به من لم يوضع الميسم عليه فأي نعمة يا سيدي، وأعلى عددي ما أجلها وأجزلها، وأي جنة ما أتمها وأكملها، على حين تضاعف حسن موقعها، وبان لطف محلها موضعها، ولاحت عنوناً في صحيفة مساعينا، وبرهانا بحول الله على تأتي راجينا، فالحمد الله ثم الحمد لله على ما من به واحسن فيه، حمدا يؤدي الحق ويقضيه، ويحتوي المزيد ويقضيه، وهو المسؤل عز اسمه أن يتبع ذلك بأشكاله، ويشفعه بأمثاله، ويهنئ ذلك النجح سلما وحربا، وشرقا وغربا، والظهور بعدا وقربا، فظهوري منوط بظهورك، وروري موصول بسرورك واتصال حالي بأحوالك، وحبلي بحبالك، هناك الله وأياي ما خولك، وقرن بالزيادة الأه قبلك، بمنه وكتب في عناية، أتم اله أيها الجليل محتده، الجميل معتقده المشهور فضله وسودده، عليك نعمه ظاهرة وباطنة، واجزل إليك قسمه متوافيه وراهنه، وأتاك من كل حظ أجزله، ومن كل صنع أجمله، ومن كل خير أتمه وأكمله، أن الأيام قد وصلت بيننا إلى التراسل سببا، وجعلت في التواصل أربا، فإذا أمكن سبب قدمته، وإذا تهيأ رسول أغتنمتة، توكيدا للحال معك، وتجديداً للعهد بيني وبينك، فمثل الحظ منك لا يهمل، وشبه الحق الذي لك لا يغفل، ومكاتبة لصديق عوض من لقائه إذا امتنع اللقاء، واستدعاء للأنبائه، إذا انقطعت الأنباء، وفيها انس، تلذ به النفس، وارتياح تنتعش به الأرواح، وارتباط يتصل به الاغتباط، وافتقاد يتبين به الاعتقاد والوداد، ومثل خلتك الكريمة عمرت معاهدها، ومثل عشرتك الجميلة شدت معاقدها، ومثل مكارمتك البرة
стр. 180
حمدت مصادرها وموارها، وإذ قد تسببت لي أسبابها، فلا أقطعها، وغذ قد انفتحت بيننا أبوابها، فلا ادعها، وأنا أستدعيك مثل هذا إذا أسفر لك وطر، وعن لك أمر، فأني متطلع إلى أخبارك أراعيها، وحريص على أوطاك، أقضيها، ومستمطر لكتبك الكريمة اجتليها، وأشاهد نعم الله منها وفيها، فمذ صدر عني فلان لم أتلق لك خبرا، ولم الحظ من تلقائك أثراً، وذلك لا محالة لامتناع البحر وارتجاجه، وتعذر المسلك وارتتاجه، وإذ قد ذل صعبه لراكب، وهان خطبه على هائب فإنا اعتقد أن كتابك بأزاء كتابي، وخطابك سيلقى خطابي، ولما تهيا سفر فلان ضيفنا سلمه الله إلى الأفق الذي أنت عماده، والقطر الذي بيدك زمامه وقياده، وقد تقدمه فيك أمل قد استشعره وشكر لك قد بثه ونشره، أصحبته كتابي هذا مجدداً عهدا، ومهديا عنه حمدا، فإنه ما دخل تارة إلينا، ولا تكرر ثانية علينا، إلا وذكرك الجميل في فمه يديه ويعيده وأثرك الحسن عليه يلهج به ويشيده، يتلو بذلك كله معاقدته المحمودة، ومحافله المشهودة، في شكر الأمير الأجل أخيك أطال الله بقاءه والإشادة بتعظيم أمره، وتفخيم قدره، فإنه لا يغدو عندنا غلا باسمه، ولا يناضل إلا بسهمه، ولا يجاهد إلا عنه، ولا يحتسب إلا فيه، ومن جرى على البعد هذا المجرى، وشكر شكره النعمى، فحقيق بالأنعام، خليق
بالإكرام، وقد استضاف إلى هذه الحقوق التي مثلها رعي، وشبهها قضي انه ضيف لي، وأثر ما عندي، اختصه بأتم العناية، واعتمده بإحمد الرعاية، وأشفع له الشفاعة الحسنة، واستظهر له المعونة التامة والمشاركة البينة، وأنت بفضلك تلقى أمله بالتحقيق، ورجاءه بالتصديق، وتصل فضلك عليه حتى يكون قليبا يروي وسقاء يشفي ووردا ينهل، وسبباً يتصل، أن شاء الله .
الوزير الكاتب أبو الفضل بن حسداي
سابق فبرز، وأحرز من البلاغة ما أحرز وجرى في ميدانها إلى أبعد أمد، وبنى أغراضها بالصفاح والعمد، فغبر وجوه سوابقها، وظهر أما وجيهها ولاحقها، إذا كتب انتسب إليه السحر اصح انتساب، ونسق المعجزات نسق حساب، ورأى البدائع بيض الوجوه كريمة الأحساب، وقد كانت المذمة تقعده عن مراتب أكفائه، وتجد في ظموس رسمه وعفائه، وتصرفه تصريف المهيض وتقعده في ذلك الحضيض، حتى ألحقه الله باقرانه، واقاله من متجر خسرانه،
следующие страницы →