Полный текст (300 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الصنع الجميل ما يلي، لا جرم أن الحر حيث كان حر، وان الدر برغم من جهله وهل كنت إلا حساما انتضاه، قدر أمضاه، وساعد أرتضاه، فإن أغمده فقد قضى ما عليه، وان جوده فذلك إليه، أما انه ما أنثم حده، ولبس جوهو الفرند خده، لا يعدم طبنا يشترطه، ويمينا يخترطه، هذه الصمصامة تقوم على كرها القيامة، طبقت البلاد أخباره، وقامت مقامه في كل أفق آثاره، قاما حامله فنسي منسي، وعدم منهي، كلا لقد فنيت الحقائق وأنهيت تلك العلائق قلم يصحبه غير غرار، ومتن عار، وكلاهما بالغ ما بلغ، ووالغ معه في الدماء أي ولغ، وما الحسن إلا المجرد العريان، وما الصبح إلا الطلق الأصحيان، وما النور إلا ما صادم الظلام، ولا النور إلا ما فارق الكمام، وما ذهب ذاهب، أجزل منه العوض واهب، وممن قضى حق المساهمة في هذه الحال التي التوى عرضها، وتأخر للأعذار القاطعة فرضها، أسف يردد، وارتماض يجدد، وذنوب على الأيام تحصى وتعدد، وحبا اللئام منها تحل وتعقد، فيعلم الله عز وجهه لقد استوفيت فيك هذه الأيام، ونهيت فيه حتى المرن عن الابتسام انتهى، وفي أيام مقامي بالعدوة اتفقت بيني وبين أبي يحي بن محمد بن الحاج سقى الله مصرعه، وأورده منهل العفو ومشرعه، مودة استحكم تواخيها، وشدت أواخيها، وغدونا بها حليفي صفاء وأخلاص، واليفي أخاء واختصاص، والزمان مساعد وصرفه متباعد، والشباب خضل يانع، والدهر مبيع ما هو له اليوم مانع، والدنيا سرو وإيناس، والأرض ظباء وكناس، فوقع بيني وبينه في بعض الأيام تنازع أدى بنا إلى الانفصال، وتعطيل تلك البكر والآصال، ثم نمي إلي عنه قول ضاق به ذرعي، وأجتث منه أصلي وفرعي، فكلما صدني عن الرحلة صممت، ونكثت من عرى التلوي ما كنت أبرمت، وبعد انفصالي علمت أن ذلك القول غدا زورا، ووشي به من غص أن يرانا زائراً ومزورا، فانقشعت تلك المخيلة، وتحركت لوعة مودته الدخيلة، وأكدت تجديد ذلك العهد الرائق، وكف أيدي تلك العوائق، فكتبت إليه: طويل
أكعبه علياء وهضبة سودد ... وروضة مجد بالمفاخر تمطرُ
هنئاً لملك زان نورك أفقه ... وفي صفحتيه من مضائك أسطر
وأنّي لخفاق الجناحين كلّما ... سرى لك ذكر أو نسيم معطّرُ
وقد كان واش هاجنا لتهاجر ... فبتّ وأحشائي جوى تنفطّر
стр. 177
فهل لك في ود ذوى لك ظاهراً ... وباطنه يندى صفاء ويقطر
ولست بعلق بيع بخسا وأنني ... لأرفع أعلاق الزمان واخطرُ
فأمره بمراجعتي فكتب بقطعة منها. طويل
ثنيت أبا نصر عناني وربّما ... ثنت عزمة الشهم المصّمم أسطر
ونالت هوى ما لم تكن لتناله ... سيوف مواض أو قنا متاطّرُ
وما أنا إلا من عرفت وإنمّا ... بطرت ودادي والمودّة تبطرُ
نظرت بعين لو نظرت بغيرها ... أصبت وجفن الرأي وسنان أشطرُ
وقدما بذلت الودّ والحبّ فطرة ... وما الودّ إلاّ ما يخص ويفطرُ
وكتب إلى الوزير المشرف أبي بكر بن رحيم يهنئه بولاية خطة الإشراف بحضرة أشبيلية وذواتها في شوال سنة خمس عشرة وخمس ماية: وافر
إذا ما شرّف الإشراف قوما ... فإن بني رحيم شرفوهُ
ومن يعرف به لهمُ قديماً ... وأن رغمت أنوف عرّفوهُ
كفاة للملوك على سبيل ... ودين نصيحة ما حرّفوه
أبو بكر له ولهم كفيل ... بكلّ كفاية أذ صرّفوهُ
وما الإشراف إلاّ عبد قنّ ... فمتى تولّى استصرفوهُ
هذه أعزك اله بديهة البشرى، وعجالة كعجالة القرى، وبريد إلى أم تلك القرى، فأنا لها بالإقبال ضمين، وعلي إليه ويمين، لتحوطنها أقلامك، وليحمدن فيها مقامك، ولتعرفن بالغرر والحجول أيامك، فحالفك السعد، ولاعدمك الملك الجعد، وأبل وأخلف مثلها جددا بعد، وما حق من بشر با بأعتلاتك، وسرى بأنبائك إلى أوليائك، أن يؤخر مراده، ويضيع عمله واعتقاده، وان الحاج أبا عبد الله بن شعران أملك، الداعي لك، أبقاه الله وجبره أشعرني بهذه المسرة، والديمة الثرة، ولقد هممت على هذا البرد، بخلع البرد، وحل العقد، وفض النقد، فدافعني انقباضا، وأعلمني أن له في علمك أنماه الله أغراضا، تكون على ذلك أثماناً وأعواضاً، وأراني عقداً يشهد بعدمه وصحة ما استحثه في مقدمة، وأنه ليس له سوى غرس قد صار عليه كلا، بل استدار في ساقيه كبلا، والتوى في عنقه غلا، وعاض له غلا لا مغلا، ولك الطول أن تفتح نظرك وفقه الله بالتخفيف على مثله من الضعفاء، ومن لا قدرة له على الأداء، وحمل الأعباء فإن ذلك ذكر في
стр. 178
العاجل، وأجر في الآجل، أن شاء الله تعالى.
ذو الوزارتين الكاتب أبو محمد بن عبد البر ﵀
بحر البيان الزاخر، وفخر الأوائل والأواخر، وواحد الأندلس الذي فاز بها بحظ الظهور، وحاز قصب السبق بين ذلك الجمهور، وامترى اخلاف أسعادها، وسقى صوب عهادها، واستقر في مراتب رؤسائها، استقرار الفلك عند أرسائها، إلا انه حصل في لهوات الأسد، وصار إلى موضع النفاق فكسد، وافي المعتضد بالله في طالع استوبله، ونحس استقبله، فكانت أيامه لديه حسرات، ولم تومض له فيها بروق مسرات، إلى إن لاذ بالفرار، وتخلص من يديه البدر من السرار، وأبوه أبو عمر هو كان سبب نجاته، وخروجه من لهواته، ولولاه لورد مشرع الحمام، وكرع في ماء الحسام، فقليلاً ما هم عباد فاقصر، ولا توهم إلا وكأنه أبصر، ولكن إمامة أبيه الشهيرة دفعت في صدر احتدامه، وشفعت له عند أقدامه، وقد أثبت له ما يتبين أنه سحر، ويتزين به للسناء نحر، فمن ذلك ما قاله في رجل مات مجذوما. رمل
مات من كنّا نراه أبداً ... سالم العقل سقيم الجسدِ
بحر سقم ماج في أعضائه ... فرمى في جلده بالزبدِ
كان نمثل السيف إلاّ أنّه ... حسد الدهر عليه فصدي
وله: كامل مجزوء
لا تكثرنّ تامّلا ... واحبس عليك عنان طرفك
فلربّما أرسلته ... فرماك في ميدان حتفك
وكتب إلى أحد أخوانه، وقد نال الدهر من أخماله وامتهانه، من صحب الدهر أعزك الله وقع في أحكامه، وتصرف بين أقسامه، من صحة وسقم، وغنا وعدم، وبعاد واقتراب، وانتزاح واغتراب، وانفق لي ما قد علمت من الانزعاج والاضطراب، والتغرب والإياب، لا والله ما جرى من حركاتي شيء على مرادي، واعتقادي، وإنما هياتها الأقدار، والأثار، وعند ورودي أعلمت بما أصابتك به صروف الأيام، من الامتهان والإيلام، فيعلم الله لقد ألمت نفسي وساء به أثر الزمان عندي، وقلت هذا عدل ما تهيأ من جلدي وبعدي، فقد جمعتنا حوادث الأيام وصروفها، وأن اختلفت انواعها وصنوفها، على أن الذي أصابك أثقل عبا، واعظم رزاء، والله يعظم أجرك ويجعل هذه الحادثة أخر
стр. 179
حوادثك، واعظم كوارثك، حتى تستديم عزك في سراء سابغة تنعم بالك وخاطرك، وتقر عينك وناظرك، وتلحظ خطوب الدهر وأنت عنها في حماية من الكفاية مكينة، ودرع من الحماية حصينة، أن شاء الله وكتب عن الموفق أبي الجيش مهنئاً للمعتضد بأخذ شلب، كتابي أعزك الله تعالى عن حال قد طال جناحها، وآمال قد أسفر صباحها، ويد قد اشتد زندها، ونفس قد أنتجز بنجح كل مامول وعدها، بما وردني به كتاباك الكريمان أعز بهما من جميل صنع الله لك بحصول قاعدة شلب وذواتها في قبضتك، واستذراء ذلك الأفق بظل طاعتك، وخروج صاحبها عنها من غير عقد عاصم، ولا عهد لازم، قد كذبه ظنه في التماسك، وأخلفه أمله في التهالك، ورغم به أنف من بعد عنه وخدع به من لم يوضع الميسم عليه فأي نعمة يا سيدي، وأعلى عددي ما أجلها وأجزلها، وأي جنة ما أتمها وأكملها، على حين تضاعف حسن موقعها، وبان لطف محلها موضعها، ولاحت عنوناً في صحيفة مساعينا، وبرهانا بحول الله على تأتي راجينا، فالحمد الله ثم الحمد لله على ما من به واحسن فيه، حمدا يؤدي الحق ويقضيه، ويحتوي المزيد ويقضيه، وهو المسؤل عز اسمه أن يتبع ذلك بأشكاله، ويشفعه بأمثاله، ويهنئ ذلك النجح سلما وحربا، وشرقا وغربا، والظهور بعدا وقربا، فظهوري منوط بظهورك، وروري موصول بسرورك واتصال حالي بأحوالك، وحبلي بحبالك، هناك الله وأياي ما خولك، وقرن بالزيادة الأه قبلك، بمنه وكتب في عناية، أتم اله أيها الجليل محتده، الجميل معتقده المشهور فضله وسودده، عليك نعمه ظاهرة وباطنة، واجزل إليك قسمه متوافيه وراهنه، وأتاك من كل حظ أجزله، ومن كل صنع أجمله، ومن كل خير أتمه وأكمله، أن الأيام قد وصلت بيننا إلى التراسل سببا، وجعلت في التواصل أربا، فإذا أمكن سبب قدمته، وإذا تهيأ رسول أغتنمتة، توكيدا للحال معك، وتجديداً للعهد بيني وبينك، فمثل الحظ منك لا يهمل، وشبه الحق الذي لك لا يغفل، ومكاتبة لصديق عوض من لقائه إذا امتنع اللقاء، واستدعاء للأنبائه، إذا انقطعت الأنباء، وفيها انس، تلذ به النفس، وارتياح تنتعش به الأرواح، وارتباط يتصل به الاغتباط، وافتقاد يتبين به الاعتقاد والوداد، ومثل خلتك الكريمة عمرت معاهدها، ومثل عشرتك الجميلة شدت معاقدها، ومثل مكارمتك البرة
стр. 180
حمدت مصادرها وموارها، وإذ قد تسببت لي أسبابها، فلا أقطعها، وغذ قد انفتحت بيننا أبوابها، فلا ادعها، وأنا أستدعيك مثل هذا إذا أسفر لك وطر، وعن لك أمر، فأني متطلع إلى أخبارك أراعيها، وحريص على أوطاك، أقضيها، ومستمطر لكتبك الكريمة اجتليها، وأشاهد نعم الله منها وفيها، فمذ صدر عني فلان لم أتلق لك خبرا، ولم الحظ من تلقائك أثراً، وذلك لا محالة لامتناع البحر وارتجاجه، وتعذر المسلك وارتتاجه، وإذ قد ذل صعبه لراكب، وهان خطبه على هائب فإنا اعتقد أن كتابك بأزاء كتابي، وخطابك سيلقى خطابي، ولما تهيا سفر فلان ضيفنا سلمه الله إلى الأفق الذي أنت عماده، والقطر الذي بيدك زمامه وقياده، وقد تقدمه فيك أمل قد استشعره وشكر لك قد بثه ونشره، أصحبته كتابي هذا مجدداً عهدا، ومهديا عنه حمدا، فإنه ما دخل تارة إلينا، ولا تكرر ثانية علينا، إلا وذكرك الجميل في فمه يديه ويعيده وأثرك الحسن عليه يلهج به ويشيده، يتلو بذلك كله معاقدته المحمودة، ومحافله المشهودة، في شكر الأمير الأجل أخيك أطال الله بقاءه والإشادة بتعظيم أمره، وتفخيم قدره، فإنه لا يغدو عندنا غلا باسمه، ولا يناضل إلا بسهمه، ولا يجاهد إلا عنه، ولا يحتسب إلا فيه، ومن جرى على البعد هذا المجرى، وشكر شكره النعمى، فحقيق بالأنعام، خليق
بالإكرام، وقد استضاف إلى هذه الحقوق التي مثلها رعي، وشبهها قضي انه ضيف لي، وأثر ما عندي، اختصه بأتم العناية، واعتمده بإحمد الرعاية، وأشفع له الشفاعة الحسنة، واستظهر له المعونة التامة والمشاركة البينة، وأنت بفضلك تلقى أمله بالتحقيق، ورجاءه بالتصديق، وتصل فضلك عليه حتى يكون قليبا يروي وسقاء يشفي ووردا ينهل، وسبباً يتصل، أن شاء الله .
الوزير الكاتب أبو الفضل بن حسداي
سابق فبرز، وأحرز من البلاغة ما أحرز وجرى في ميدانها إلى أبعد أمد، وبنى أغراضها بالصفاح والعمد، فغبر وجوه سوابقها، وظهر أما وجيهها ولاحقها، إذا كتب انتسب إليه السحر اصح انتساب، ونسق المعجزات نسق حساب، ورأى البدائع بيض الوجوه كريمة الأحساب، وقد كانت المذمة تقعده عن مراتب أكفائه، وتجد في ظموس رسمه وعفائه، وتصرفه تصريف المهيض وتقعده في ذلك الحضيض، حتى ألحقه الله باقرانه، واقاله من متجر خسرانه،
стр. 181
فتطهر من تلك السمة، واستظهر بعقيدته التي قيدت في ديوان الحق مرتسمة، وبدت محاسنه سافرة القناع، كافرة بذلك الدين الذي عدل بها من الإقناع، وقد أثبت له من ذلك مالا يرجى له لحاق، ولا يغشي تمامه محاق، فمنها هذه القطعة التي أطلعها نيرة، وترك الأباب بها متحيرة، في يوم كان عند المقتدر بالله مع علية، قد اتخذوا المجد حلية، والأمل قد سفر لهم عن محياة، وعبق لهم رياه، فصافحه الكل منهم وحياه، وشمس الراح، دائرة على فلك الراح، والملك ينشر فضله، وينثر وأبله وطله، يسدي العلاء، ويهب الغنا والغناء، فصدحت الغواني، وأفصحت المثالث والمثاني، بما استنزل من موقف الوقار، وسرى في النفوس مسرى العقار. بسيط
توريد خدّك للأحداق لذّاتُ ... عليه من عنبر الأصداغ لاماتُ
نيران هجرك للعشاق نار لظى ... لكنّ وصلك أن واصلت جنّات
كأنّما الراح والراحات تحملها ... بدور تمّ وأيدي الشرب هالاتُ
حشاشة ما تركنا الماء يقتلها ... إلا لتحيا بها منّا حشاشاتُ
قد كان في كاسها من قبلها ثقل ... فخف إذ ملئت منها الزجاجات
عهد للبني تقاضته الأمانات ... بانت وما قضيت منها لباناتُ
يدني التوهّم للمشتاق منتزحا ... من الأمور وفي الأوهام راحاتُ
تقضى عدات إذا عاد الكرى وإذا ... هبّ النسيم فقد تهدى تحيَّاتُ
زور يعّلل قلب المستهام به ... دهرا وقد بقيت في النفس حاجاتُ
لعلّ عتب الليالي أن يعود إلى ... عتبي فتبلغ أوطار ولذّاتُ
حتّى نفوز بما جاد الخيال به ... فرّبما صدقت تلك المناماتُ
ولما أعرس المستعين بالله ببنت الوزير الأجل أبي بكر عبد العزيز احتفل أبوه المؤتمن بالله في احتفالاً شهره، وأبدع فيه أبداعاً راق من حضره وبهره، فإنه أحضر فيه لآلات المبتدعة، والأدوات المخترعة، ما بهر الألباب، وقطع دون معرفتها الأسباب، واستدعى إليه جميع أعيان الأندلس من دان وقاص، ومطيع وعاص، فأتوه مسرعين ولبوه متبرعين، وكان مدير تلك الأراغة ومدبرها، ومشي مخاطباتها ومحبرها، الوزير الكاتب أبو الفضل وصدرت عنه في ذلك الوقت كتب ظهر أعجازها، وبهر أقتضابها وإيجازها،
стр. 182
فمن ذلك ما خاطب به صاحب المظالم أبا عبد الرحمن بن طاهر، محلك أعزك الله في طي الجوانح ثابت وأن نزحت الدار، وعيانك في أحناء الضلوع باد وأن شحط المزار، فالنفس فائزه منك بتمثيل الخاطر بأوفر الحظ، والعين نازعة إلى أن تمتع من لقائك بظفر اللحظ، فلا عائدة أسبغ بردا، ولا موهبة أسوغ وردا، من تفضلك بالحقوق إلى مانس يتم بمشاهدتك التام، ويتصل، بمحاضرتك انتظامه، ولك فضل الإجمال، بالأمتاع من ذلك بأعظم الآمال، وأنا أعزك الله على شرف سوددك حاكم، وعلى مشرع سنانك حائم، وحسبي ما تتحققه من نزاعي وتشوقي، وتتقنه من تطلعي وتتوقي، وقد تمكن الارتياح، باستحكام الثقة، واعتراض الانتزاح، بارتقاب الصلة، وأنت وصل الله سعدك بسماحة شيمك، وبارع كرمك تنشئ للموانسة عهداً، وتوري بالمكارمة زنداً، وتقتضي بالمشاركة شكراً حافلاً وحمداً، لازلت مهنئاً بالسعود المقتبلة، مسوغاً اجتلاء غرر الأماني المتهللة، بمنه، وله مراجعاً للوزير أبي محمد بن سفيان بقطعة منها: كامل
قابلت بالعتبى كتابك حافظاً ... للعهد حفظ العينِ بالأجفانِ
وبسطت أوضح من زياد عذرة ... لو لم تكن أقسى من النعمانِ
أسقيك عذبا بارداً وسقيتني ... إذ جاش حميك من حميم أنِ
أعضبت جهلا أن نسبت إلى الصبا ... فأفرح فإنك منه في ريعانِ
وركب المستعين بالله يوماً نهر سرقسطة يريد طراد لذته، وارتياد نزهته، وافتقاد أحد حصونه المنتظمة بلبته، واجتمع له من أصحابه، من أختصه لاستحابه، وفيهم أبو الفضل مشاهداً لأنفراجهم، سالكاً لمناهجهم، والمستعين قد أحضر من آلات أيناسه، وأظهر من أنواع ذلك وأجناسه، ما راق من حضر، وفاق حسنه الروض الأنضر، والزوارق قد حفت به، والتفت بجوانبه، ونغمات الأوتار تحبس السائر عن عدوه، وتخرس الطائر المفصح بشدوه، والسمك تثيرها المكائد، وتغوص إليها المصائد، فتبرزها للعين، قبضان در وسبائك لجين، والراح لا يطمس لها لمع، ولا يجنس منه بصر ولا سمع، والدهر قد غضت صروفه، واقتض من منكره معروفه، قال: بسيط
لله يوم أنيق واضح الغررِ ... مفضض مذهب الأصال والبكرِ
كإنّما الدهر لمّا ساء أعتبنا ... فيه بعتبى وأبدى صفح معتذرِ
стр. 183
نسير في زروق حفّ السفين به ... من جانبيه بمنظوم ومنتثرَِ
مدَّ الشراع به نشرا على ملك ... بدّ الأوائل في أيّامه الآخر
هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمن عن هدي مقتدرِ
تحوي السفينة منه أية عجبا ... بحر تجمّع حتّى صار في نهرِ
تثار من قعره النينان مصعدة ... صيدا كما ظفر الغّواص بالدررِ
وللندامى به عبّ ومرتشف ... كالريق يعذب في ورد وفي صدرِ
والشرب في ودّ مولى خلقه زهر ... يذكو وغرته أبهى من القمرِ
الوزير أبو عامر بن ينق
بهر ذكاء وطبعاً، وعمر المحاسن ربعا، فأقام للأعجاز برهاناً، وتيم الباب وأذهانا، لولا عجب استهواه وأخل، بما حواه، وزهو ضفا على أعطافه، وأخفى نور أنصافه، إلا أن حسنة إحسانه لتلك السيئة ناسخة، وفي نفس الاستحسان راسخة، وقد أثبت له ما يستبدعه، ويفتئك منحاه فيه ومنزعه، فمن ذلك قوله يمدحه: بسيط
حسبي من الدهرانّ الدهر ينتج لي ... بكر الخطوب وأنّي عاثر الأمل
دعني أصادي زماني في تقلبه ... فهل سمعت بظلّ غير منتقلِ
وكلّما راح جهما رحت مبتسما ... والبدر يزداد أشراقاً مع الطفلِ
ولا يروعنك أطراقي لحادثة ... فالليث مكمنه في الغيل للغيلِ
فما تاطرّ عطف الرمحِ من خور ... فيه ولا احمرّ صفح السيف من خجلِ
لا غرو أن عطلت من حليها هممي ... فهل يعيّر جيد الظبي بالعطلِ
ويده هل لا أنال القوس بارئها ... وقلدّ السيف جيد الفارس البطلِ
ومنها في المديح: بسيط
لأغرّ أن تدعه يوماً لنائبة ... جلى ولا يكشف الجلّى سوى جللِ
قد أوسع الأرض عدلا والبلاد ندى ... فالروض طلق الربى والشمس في الحملِ
يرعى المماليك في قرب وفي بعد ... ويأخذ الأمر بين الريث والعجلِ
ذو عزمة لخطوب الدهر جرّدها ... أمضى من الصارم المرور في القلل
وذو أياد على العافين جاد بها ... أشفى من البارد السلسال للغللِ
مصرّف قصب الأقلام نال بها ... مناله بشبا الخطّيّة الذبلِ
من كلّ أهيف ما في متنه خطل ... والسمهريّة قد تعزى إلى الخطلِ
стр. 184
دع عنك ما خلّدت يونان من حكم ... وسار في حكماء الفرس من مثلِ
وانظر إليها تجدها أحرزت سبقا ... في الجهد منها وحاز السبق في مهلِ
وله يتعزل: طويل
وهيفاء يحكيها القضيب تاوّدا ... إذا ما انثنت في الريط أو حبراتها
يضيق الأزار الرحب عن ردفها كما ... تضيق بها الأحشاء عن زفراتها
وما ظبية غذ ما تالف وجرة ... ترود ظلال الغيل أو أثلاتها
بأحسن منها يوم أومت بلحظها ... إلينا ولم تنطق حذار وشاتها
الوزير الكاتب أبو بكر بن قزمان رحمة الله تعالى
مبرز في البيان ومحرز الخصل عند تسابق الأعيان، اشتمل عليه المتوكل اشتمالاً أرقاه إلى مجالس، وكساه ملابس، فاقتطع أسمى الرتب وتبواها، ونال أسنى الحظوظ وما تملاها، فإن دهره كر عليه بخطوبه، وسفر له عن قطوبه، فكدر عيشه بعدما صفا، وقلص برده الذي كان صفا، وتجرع آخر عمره من كوس الذل أبشعها ذوقاً، ولبس من ملابس الهوان أشواهها طوقا، في قصة أساء بها ابن حمدين وما أجمل وجاء بها شوهاء لا تتأمل، وأخلاقه هي التي فلت من غربه، وكانت سبب لطول كربه، فإنها كانت تحتدم في جوانحه احتدام القيظ، تكاد تتميز من الغيظ، وكان ﵀ ظاهر الصواب، متى نبس، طاهر الأثواب، من كل دنس، معجزاً ببيانه، موجزاً في كل أحيانه، وقد أثبت له ما تعلم به حقيقة قدره، وتعزف كيف أساء الزمان إليه بغدره، فمن ذلك قوله: كامل
ركبوا السيول من الخيول وركبوا ... فوق العوالي السمر زرق نطافِ
وتجلّلوا الغدران من ماذيّهم ... مرتجّة إلاّ على الأكتافِ
الوزير الكاتب أبو بكر بن الملح
حلّ كنفي العلم والعليا، وأخذ بطرفي الدين والدنيا، فهصر أفنان الفتوة، واقتصر برهة على أجتلاء غرر الأماني المجلوة، لم يتأنس بها إلا بنشوة، ولم يتنفس فيها إلا عن صبوة، ولا طاف مدتها بركن استتار، ولا عاف مورد استهتار، والدين يلحظه بطرف كلف، وقلب عليه مؤتلف، إلى أن أقصر باطله، وأستبصر مسوفه ومماطله، فعري من ذلك اللبوس، وبرئ من تلك الكؤس، وأصبح ثاني الأكابر، وراقي أعواد المنابر، وقد أثبت له ما يستجاد، ويرتاد له تهائم ونجاد،
стр. 185
فمن ذلك قوله: كامل
والروض يبعث بالنسيم كغنه ... أهداه يضرب لاصطباحك موعدا
سكران من ماء النعيم فكلّما ... غنّاه طائره وأطرب ردّدا
ياوي إلى زهر كانّ عيونه ... رقباء تقعد للأحبّة مرصدا
زهر يبوح به أخضرار نباته ... كالزَّهر أسرجها الظلام وأوقدا
ويبيت في فنن توهمّ ظلّه ... يمسي ويصبح في القرارة مرودا
قد خفّ موقعه عليه وربّما ... مسح النعيم بعطفه فتاوّدا
وله يتعزل: خفيف
حسب القوم أنّني عنك سالِ ... أنت تدري صبابتي ما أبالي
قمري أنت كلّ حين وبدري ... فمتى كنت قبل هذا هلالي
أنت كالشمس لم تغب لي ولكن ... حجبت ليلها حذار الملالِ
وله يتعزل أيضاً: منسرح
ظبي يموج الهوى بناظره ... حتى إذا ما رمى به أنبعثا
مبتدع الخلق لا كفاء له ... يعدّ شكوى صبابتي رفثا
أنكر سقمي وما قصدت له ... وما تعرّضت للهوى عبثا
أقسم في الحبّ أن أموت به ... فما قضى برّه ولا حنثا
تم القسم الثاني من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان
المضمن غرر علية الوزراء، وفقر الكتاب البلغاء
القسم الثالث من قلائد العقيان، ومحاسن الأعيان
في لمع أعيان القضاة ... ولمح أعلام العلياء السراة
الفقيه القاضي أبو الوليد الباجي رحمة الله تعالى
بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي الرائح، وثبيرها الذي لا يزحم، ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم، كان أمام الأندلس الذي تقتبس أنواره، وتنتجع أتجاده وأغواره، رحل إلى المشرق فعكف على الطلب ساهراً، وقطف من العلم أزاهرا، وتفنن في اقتنائه، وثنى إليه عنان اعتنائه، حتى غدا مملو الوطاب، وعاد بلح طلبه إلى الأرطاب، فكر إلى الأندلس بحر لا تخاض لججه، وفجرا لا يطمس منهجه، فتهادته الدول، وتلقته الخيل والخول، وانتقل من محجر إلى ناظر، وتبدل من يانع بناصر، ثم استدعاه المقتدر بالله فسار إليه مرتاحا، وبدا في أفقه ملتاحاً، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه، وبدا وخده في سبل العلم وأيضاعه، وكان المقتدر يباهي بأنحياشه إلى سلطان، وإيثاره لحضرته باستيطانه، ويحتفل
стр. 186
في ما يرتبه له ويجريه، وينزله في مكانه متى كان يوافيه، وكان له نظم يوقفه على ذاته، ولا يصرفه في رفث القول وبذاذاته، فمن ذلك قوله في معنى الزهد: متقارب
إذا كنت اعلم علما يقينا ... بان جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعه
وله يرثي أبنه وماتا مغتربين، وغربا كوكبين، وكانا ناظري الدهر، وساحري النظم والنثر. طويل
رعى الله قبرين استكانا ببلدة ... هما اسكناها في السواد من القلبِ
لئن غيبا عن ناظري وتبوّاى ... فؤادي لقد زاد التباعد في القربِ
يقرّ بعيني أن أزور ثراهما ... والزق مكنون الترائب بالتربِ
وأبكي وأبكي ساكنيها لعلّني ... سأنجد من صحب وأسعد من سحبِ
فما ساعدت ورق الحمام أخا اسى ... ولا روّحت ريح الصبا عن أخي كربِ
ولا استعذبن عيناي بعدهما كرى ... ولا ضئمت نفسي إلى البارد العذبِ
أحنّ ويثني اليأس عن الاسى ... كما اضطرّ محمول على المركب الصعبِ
وله يرثي ابنه محمداً: كامل
أمحمّد أن كنت بعدك صابرا ... صبر السليم لما به لا يسلم
ورزئت قبلك بالنبي محمّد ... ولرزوه أدهى لدّي واعظم
فلقد علمت أنّني بك لاحق ... من بعد ظنّي أنّني متقدّمُ
لله ذكر لا يزال بخاطري ... متصرّف في صبره متحّكم
فإذا نظرت فشخصه متخيّل ... وإذا أصخت فصوته متوهّم
وبكلّ أرض لي من أجلك لوعة ... وبكلّ قبر وقفة وتلوّمُ
فإذا دعوت سواك حاد عن اسمه ... ودعاه باسمك مقول بك مغرمُ
حكم الردى ومناهجٌ قد سنّها ... لأولي النهى والحزن قبل متمّم
الوزير الفقيه أبو مروان بن سراج رحمه الله تعالى
أحد أعيان البيان، وخاتم أعلام الكلام، ومعين الانتخاب والانتداب، على طموس رسم اللغات والآداب، فإنه أودى فطويت المعارف، وتقلص ظلها الوارف، لنه كان لجة بحر، وكان بالأندلس كعمر بن بحر، وزانها بمعرفته كدر
стр. 187
بنحر، وكانت دواوين العلم مقفلة ففتحها، ومبهمة فأوضحها وشرحها، وجاء ابنه بعده فصارت رباعه به أواهل، ولم تعد معالمه بعده مجاهل، إلا أن أبا مروان كان دوح ذلك الفرع، ومدر ذلك الضرع، وصحب شيوخاً درجة أبي الحسين أن يحمل عن طلبتهم، وينزل عن مرتبهم، وكان في ضبطه وتقييده، وحله لتشبك الغرض وتعقيده، في حد لا يأتي عليه تحديد، ولا يعبر لسان حديد، إلا أنه كان يضجر عند السؤال فما يكاد يفيد، ويتفجر غيظاً على الطالب حتى يتبلد ولا يستفيد، وقد أثبت له من بدائع أقواله ما تعيد القول في استحسانه وتبديه، وتلتحف سناه وترتديه، فمن ذلك قوله يمدح المظفر بن جهور ﵀. كامل
أمّا هواك ففي أعزّ مكانِ ... كم صارم من دونه وسنانِ
بين حروب لم تزل تغذوهم ... حتّى الفطام ثديها بلبانِ
في كّل أرض يضربون قبابهم ... لا يمنعون تخيّر الأوطانِ
أو ما ترى أوتادها قصد القنا ... وحبالهنّ ذوائب الفرسانِ
عجباً لأسد في القباب تكلفت ... برعاية الظبيان والغزلانِ
ولقد سريت وما صبحت على السرى ... غير النجوم أرادة الكتمانِ
في ليلة نظرت إليّ نجومها ... أتقحم الغمرات غير جبانِ
قالت فتاتهم وقد نبّهتها ... واليل ملقي كلكل وجرانِ
كيف اجترأت على تجاوز من ترى ... من نائم حولي ومن يقظانش
أو لست أنساناً وما أن تنتهي ... هذي النهاية جراءة الإنسانِ
فأحببتها أنّ ابن جهورٍ الرضى ... منع المخاوف أن تحلّ جنانيِ
ومنها في العتاب والاستمناح. كامل
أتعود دلوي من بحور سماحكم ... صفرا وليست رثة الأشطانِ
ويكون ربعي مستبينا جديد ... حتى أهيم بنجعة البلدانِ
قسني بمن ينأى برفع مكانه ... بنديك العالي وخفض مكانيِ
أمن السويّة أن لحلّوا بالربى ... من أرضه واحلّ بالغيطانِ
أن ترخصوا خطري فكم مغل به ... يستام فيه بأرفع الأثمانِ
الوزير الفقيه أبو عبيد الله البكري رحمه الله تعالى
стр. 188
عالم الأوان، ومصنفه، ومقرط البيان، ومشنفه، بتواليف، كأنها الخرائد، وتصانيف، أبهى من القلائد، حلي بها من الزمان عاطلاً، وأرسل بها غمام الإحسان هاطلا، ووضعها في فنون مختلفة وانواع، وأقطعها ما شاء من إتقان وإبداع، وأما الأدب فهو كان منتهاه، ومحل سهاه، وقطب مداره، وفلك تمامه وإبداره، وكان كل ملك من ملوك الأندلس يتهاداه تهادي المقل للكرى، والآذان للبشرى، على هناة كانت فيه فإنه ﵀ مباكر للراح ولا يصحو من خمارها، ولا يمحو رسم إدمانه من مضمارها، ولا يريد إلا على تعاطيها، ولا يستريد إلى على معاطيها، قد اتخذ ادمانها هجيرة، ونبذ من الأقلاع نبذ عاصم بن الإيمن مجيره، فلما حان انقراض شعبان وانصرافه، كانت فيه مستبثنعة النكر، تمجها الأوهام والخواطر، ويثبتها السماع المتواتر، وقد أثبت له ما يشهد لك بتقدمه، ويريك منتهى قدمه، رايته وأنا غلام ما أقمر هلالي، ولا نبع في الذكاء كوثري ولا زلالي، في مجلس ابن منظور، وهو في هيئة كإنما كسيت بالبهاء والنور، وله سبلة يروق العيون إيماضها، ويفوق السواد بياضها، وقد بلغ سن ابن محلم، وهو يتكلم فيفوق كل متكلم، فجرى ذكر ابن مقلة وخطه، وأفيض في رفعه وحطه، فقال: بسيط
خط ابن مقلة من أرعاه مقلته ... ودّت جوارحه لو أصبحت مقلا
فالدرّ يصفر لاستحسانه حسدا ... والورد يحمرّ من إبداعه خجلا
وله فضل من كتاب راجع به الفقيه الأستاذ أبا الحسن بن دري رحمهما الله، وتالله أني لاتطعم جنى محلورتك فيقف في اللهاة، واجد لتخيل مجالستك ما يجده الغريق للنجاة، واعتقد في مجاورتك، ما يعتقده الجبان في الحيوة. طويل
متى تخطئ الأيام فيّ بان أرى ... بغيضا يناءي أو حبيبا يقرّب
ورأيت رغبتك في الكتاب الذي لم يتحرر ولم يتهذب، وكيف التفرغ لقضاء أرب، والنشاط قد ولي وذهب، فما أجده إلا كما قيل. كامل
نزرا كما استكرهت عائر نفحة ... من فارة المسك التي لم تفتقِ
وإن يعن الله على المراد، فيك والله يستفاد، وبرغبتك أخرجه إلى الوجود من العدم وإليك يصل أدنى ظلم، بحول الله، وله فضل من رقعة يهنئ بها الوزير الأجل، أبا بكر بن زيدون بالوزارة، أسعد الله بوزارة سيدي الدنيا والدين،
стр. 189
وأجرى لها الطير الميامين، ووصل بها التأييد والتمكين، والحمد لله على أمل بلغة، وجذل قد سوغه، وضمان حققه، ورجاء صدقه، وله المنة في ظلام كان اعزه الله صبحه، ومستبهم غدا شرحه، وعطل نحر كان حليه، وضلال دهر هديه.
فقد عمر الله الوزارة باسمه ورد إليها أهلها بعد أقصار
الفقيه الأجل قاضي الجماعة أبو عبد الله بن حمدين ﵀
حامي ذمار الدين، وعاضده وقاطع ضرر المعتدين، وخاضده ملك للعلوم زماماً، وجعل العكوف عليها لزاما، فحيى رسمها، وأعلى اسمها، وخاصمت الملحدين منه السن لد، وتهدلت به على العالمين أغضن ملد، وكف أيدي الظالمين فلم تكن لهم استطالة، وأرهف خواطر المجتهدين فلم تستح لهم بطاله، فأصبح أهل مصره بين دارس علم، ولابس حلم، وآيس ظلم، ناهيك من رجل كثير الرعي لأهل المعارف، مؤو من بره إلى ظل وارف، أعم الورى منة، وأعظم خلق الله منة، أقام واقعد، وأدنى وأبعد، وانحس وأسعد، فتقلصت به الظلال وفاءت وحسنت به الأيام وساءت وأعمل للضر والنفع لسانه ويده، وشغل بالرفع والوضع يومه وغده، وعمر بهما فكره وخلده، حتى هد الجبال الشوامخ، واجتث الأصول الرواسخ، ولما أدار ابن الحاج من خلاف سنة تسع وتسعين ما أدار، واتفق هو ومن واطاه على ما فسخته الأقدار، استشير في الخلع فما استساغه، وريع حيره فلم يكن فمن راعبه، وعرض على الحمام فما هابه، ووالي في نقض ما أبرم جيئانه وذهابه، وسمح في ذلك بنفسه، وقنع من غده بذكر أمسه، فلما انجلت ظلماؤه، وتحلت بنجوم ظفره سماؤه، أغرى بالمطالبين اهتضامه، وحيفه وأعلن لمن أسر أغراءه ولم ينظر بالمكروه نظراءه، فأخمل منهم أعلاما، وأورث نفس الدين منهم ألاما، وألبسهم ما شاء ذما من الناس وملاما، فدجت مطالع شموسهم وخلت مواضع تدريسهم، فأصبحوا ملتحفين بالمهانة، متشوفين إلى الإهانة، يروعهم الرواح والغدو، ويحسبون كل صيحة عليهم هو العدو، ويذعرهم طروق النوم للأجفان، وينكرهم الثابت العرفان، قد فقدوا حبورا، وعات منازلهم قبورا، إلى أن نفس مخنقهم بعد أحوال، وخلا أفقهم من تلك الأهوال، فتنشقوا ريح الحيوة، وأشرقوا من تلك الظلمات، بعد أن أحال البوس نعيمهم، واخذ الحمام زعيمهم، وكان ﵀ متضح طريق الهدى، منفسح الميدان في العلم
стр. 190
والندى مع أدب كالبحر الزاخر، ونشر كالدر الفاخر، وقد أثبت له منه ما تعذب مقاطفه، وتلين معاطفه، فمن ذلك فصل راجع به ابن شماخ، عمر بابك، وأخصب جنابك، وطاوعك زمانك، ونعم بك أوأنك وسقى بلادك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي فما درج لسبيله، من كنت سلالة سليله ووارث معرسه ومقيله، وما حام وضرع، فخر رمى عن وتر قوسك ونزع، فلم يهلك هالك، ترك مثل مالك، فتركت المهاد، وألفت السهاد، وتقليت الأباء والأجداد، فأسرجت في ميدان الحمد براقا، اتخذ الريح خافيه وساقا، فاجتل من شعاب المجد صقعا، أثار به نقعا، ودوم في أفق السماء، تدويم فرخ الماء، حتى كأنه على قمة الراس ابن ماء، محلق لباهر فضلك أن يطول فيقول: خفيف لا بقومي شرفت بل شرفوا بي=وبنفسي فخرت لا بجدودي أو يتنزل فيمتثل: كامل
لسنا وأن كرمت أوائلنا ... يوما على الأحساب نتكلُ
نبني كما كانت اوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
كم متعاط شاو طلقك، سولت له نفسه شق غبارك، واقتفاء مناهج أثارك، فما أدرك وطلح بعيره وبرك، وفي فصل منها، بيننا وسائل أحكمتها الأوائل، ما هي بالأنكاث، والوشائح الرثاث، من دونها عهد، جناه شهد، أرج عرف النسيم، مشرق جبين الأديم، رائق رقعة الجلباب، مقتبل رداء الشباب، كالصباح المنجاب، تروق أساريره، وتلقاك قبل اللقاء تباشيرة. وافر
ورثناهنّ عن أباء صدق ... ونرثها إذا متنا بنينا
الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد اله بن محمد بن
السيد البطليوسي عليه رحمة الله وجزيل غفرانه شيخ المعارف وأمامها، ومن في يديه زمامها، لديه تنشد ضوال الإعراب، وتوجد شوارد اللغة والإعراب، إلى مقطع دمث، ومنزع في النفاسة غير منتكث، وكان له في دولة ابن رزين مجال ممتد، ومكان معتد، ولما رأى الأحوال، واختلالها، والأقوال واعتلالها وتلك الشموس قد هوت، ونجوم الآمال قد خوت، أضرب عن سواه، ونكب عن نجواه، ولتغرب بلوغه ابن رزين وجواه، ونصب
стр. 191
نفسه لأقراء علوم النحو، وقنع بتغييم جوة بعد الصحو، وله تحقق في العلوم الحديثة والقديمة، وتصرف في طرقها القويمة، ما خرج بمعرفتها عن مضمار شرع، ولا نكت عن أصل للسنة ولا فرع، وتوليفه في المشروحات وغيرها صنوف، وهي اليوم في الآذان شنوف، وقد أثبت له ما يريك شفوفه، وتجد على النفس خفوقه، فمن ذلك قوله في طول اليل: طويل
ترى لينا شابت نواصيه كبرة ... كما شبت أم في الجوروض نهارِ
كأنّ الليالي السبع في الأفق علّمت ... ولا فصل فيما بينهما بنهارِ
وأخبرني انه حضر مع المأمون بن ذي النون في مجلس الناعورة بالمنية التي تطمح إليها المنى، ومرآها هو المقترح والمتمنى، والمأمون قد اجتبى وأفاض الحبا، والمجلس، يروق كان الشمس في أفقه، والبدر في مفرقه، والنور عبق، وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق، والدولاب يئن كناقة أثر الحوار، أو كثكلى من حر الأوار والجو قد عنبرته أنواؤه، والروض قد رشته أمطاره وأنداؤه، والأسد قد فغرت أفواهها، ومجت أمواهها، فقال: منسرح
يا منظرا أن نظوت بهجته ... أذكرني حسنه جنّة الخلدِ
تربة مسك وجوّ عنبرة ... وغيم ندّ وطشّ ما وردِ
والماء كاللازورد قد نظمّت ... فيه اللئالي فواغر الأسدِ
كأنّما جائل الحباب به ... يلعب في جانبيه بالنردِ
تخاله أن بدأ قمرا ... تمّا بدا في مطالع السعدِ
كأنّما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمة ومن مجدِ
كأنّما جادها فروضّها ... بوابلٍ من يمينه رغدِ
لا زال في عزّة مضاعفة ... ميمّم الرفد واري الزندِ
وله رقعة يصف فيها هذا التصنيف تأملت فسح الله لسيدي ووليي في أمد بقائه.
كتابه الذي شرع في أنشائه، فرأيت كتاباً سينجد ويغور، ويبلغ حيث لا تبلغ البدور، وتبين به الذرى والمناسم، وتغتدي له غرر في أوجه ومواسم، فقد اسجد الله الكلام لكلامك، وجعل النيرات طوع أقلامك، فأنت تهدي بنجومها، وتردي برجومها، فالنثرة من نثرك، والشعرى من شعرك والبلغاء لك معترفون، وبين يديك متصرفون، وليس يباريك مبار، ولا يجاريك إلى
стр. 192
الغاية شفوفاً، ولا برح مكانك بالآمال محفوفاً، بعزة الله، وله يراجع الأستاذ أبا محمد بن جوشن على شعر كتب به إليه وتضمن غزلاً في أول القصيدة فحذا حذوه: طويل
حلفت بثغر قد حمى ريقه العذبا ... وسل عليه من لواحظه عضبا
وفرحة لقيا أذهبت ترحه النوى ... وعتبي حبيب هاجر أعقبت عتبا
لقد هزّ عطفي بالقريض ابن جوشن ... سرورا كما هزّت صبا غصنا رطبا
كساني ارتياح الراح حتى حسبتني ... حليف بعاد نال من حبّه قربا
وأطربني حتى دعاني الورى فتى ... وقالوا كبير بعد كبرته شبّا
كأنّ المثاني والمثالث هيّجت ... سروري ولم أسمع غناء ولا ضربا
فيا مزمع الترحال قل لابن جوشن ... مقال محبّ لم يشب جدّه لعبا
أمهدي سجاياه إليّ وناظما ... إلى الشهب عقدا راقني نظمه عجبا
وما خلت أهداء الشمائل ممكنا ... لمهد وأنّ الدهر ينتظم الشهبا
فهل نال عبد الله من سرّبابل ... نصيبا فأربى أوحوى الدهى والأربا
لهينك فضل حزت من خصله المدى ... ونظم بديع قد غدوت له ربّا
وهاك سلاما صادرا عن مودّة ... عمرت بها منّى الجوانح والقلبا
وله في الزهد من لزوم ما لا يلزم. طويل
أمرت إلاهي بالمكارم كلّها ... ولم ترضها إلاّ وأنت لها أهلُ
فقلت اصفحوا عمّن ساء إليكمُ ... وعودوا بحلم منكمُ إن بدا جهلُ
فهل لجهول خاف صعب ذنوبه ... لديك أمان منك أو جانب سهلُ
وله في التوحيد والرد من قال بغيره: طويل
إلاهي إنّي شاكر لك حامد ... وإنّي لساع في رضاك وجاهدُ
وإنّك مهما زلّت النعل بالفتى ... على العائد التوّاب العفو عائد
تباعدت مجدا وأدنيت تعطّفا ... وحلما فأنت المدني المتباعدُ
ومالي على شيء سواك معوّل ... إذا دهمتني المعضلات الشدائدُ
أغيرك أدعو لي الاها وخالقا ... وقد أوضح البرهان أنّك واحدُ
وقدما دعا قوم سواك فلم يقم ... على ذاك برهان ولا لاح شاهدّ
стр. 193
وبالفلك الدّوار قد ضلّ معشر ... وللنّيرات السبع داع وساجد
وللعقل عبّاد وللنفس شيعة ... وكلّهم عن منهج الحقّ حائد
وكيف يضلّ القصد ذو العلم والنهى ... ونهج الهدى من كان نحوك قاصدُ
وهل في الذي طاعوا له وتعبّوا ... لأمرك عاص أولحقّك جاحدُ
وهل يوجد المعلول من غير علّة ... إذا صحّ فكر أو أرى الرشد راشدَ
وهل غبت عن شيء فينكر منكر ... وجودك أم لم تبد منك الشواهد
وفي كلّ معبود سواك دلائل ... من الصنع تبدي أنه لك عابدُ
وكلّ وجود عن وجودك كائن ... فواحد أصناف الورى لك واحد
سرت منك فيها وحدة لو منعتها ... لأصبحت الأشياء وهي بوائدُ
وكم لك في خلق الورى من دلائل ... يراها الفتى في نفسه ويشاهدُ
كفى مكذبا للجاحدين نفوسهم ... تخاصمهم أن أنكروا وتعاندُ
وله يجيب شاعراً قرطبيا مدحه. بسيط
قل للذي غاص في بحر من الفكر ... بذهنه فحوى ما شاء من دررِ
لله عذراء زفت منك رائحة ... تختال من حبرها المرقوم في حبرِ
صداقها الصدق من دوّي ومنزلها ... بصيرتي وسواد القلب والبصري
هزّت بدائعها عطفّي من طرب ... لحسنها هزّة المشغوف بالذكرِ
كأّنما خامرتني من بشاشتها ... راح وسكر بلا راح ولا سكرِ
ما كنت احسب أنّ النّيرات غدت ... يصيدها شرك الأوهام والفكرِ
ولا توّهمت أيّام الربيع ترى ... في ناضر غضّة الأنوار والزهرِ
أمّا الجزاء فشي لست مدركه ... ولو بدرت إلى التوجيه بالبدرِ
لكن جزاءي صفاء الودّ أضمره ... إذا القلوب أنطوت منه على كدرِ
جاراك ذهني في مضمارها فكبا ... ذهني وفزت بخصل السبق والظفرِ
وهل بطليوسُ في نظم مناظرة ... يوماً لقرطبةٍ في حكم ذي نظرِ
وله يصف زيرطانة. وافر
وذات عمى لها طرف بصير ... إذا رمدت فأبصر ما تكونُ
لها من غيرها نفس معار ... وناظرها لذي الأبصار طين
وتبطش باليمن إذا أردنا ... وليس لها إذا بطشت يمينُ
стр. 194
وكتب إلى الأستاذ أبي الحسن بن الأخضر ﵀، يا سيدي الأعلى، وعمادي الأسنى، وحسنة الدهر الحسنى، الذي جل قدره، وسار مسير الشمس ذكره، ومن أطال بقاءه لفضل يعلي مناره، وعلم يحيى أثاره، نحن أعزك الله نتدانى أخلاصا، وان نتناءى أشخاصا، وأن فرقنا النسب، فالأشكال أقارب، والآداب مناسب، وليس يضر تناءى الأشباح، إذا تقاربت الأرواح، وما مثلنا في هذا الانتظام، إلا كما قال أبو تمام. طويل
نسيبيَ في رأيي وعلمي ومذهبي ... وإن باعدتنا في الأصول المناسبُ
ولو لم يكن لمأثرك ذاكر، ولمفاخرك ناشر، إلا ذو الوزارتين، أبو فلان أبقاه الله لقام لك مقام سبحان وائل، وأغناك عن قول كل قائل، فإنه يمد في مضمار ذكرك باعا رحيبا، ويقوم بفخرك في كل ناد خطيبا، حتى يثني إليك الأحداق، ويلوي نحوك الأعناق، فكيف وما يقول إلا بالذي علمت سعد، وما تقرر في النفوس من قبل ومن بعد، فذكرك قد أنجد وغار، ولم يسر فلك حيث سار، وأن ليل جهل اطلعت فيه فجر تبصيرك، لجدير بان يصير نهارا، وأن نبع فكر قدحته بتذكيرك، لجدير أن يعود مرخا وعفارا، فهنيئا لك الفضل الذي أنت فيه راسخ القدم، شامخ العلم، منشور اللواء، مشهور الذكاء، مليت الآداب عمرك، ولا عدمت الألباب ذكرك، ورقيت من المراتب أعلاها، ولقيت من المشارب أقصاها، بفضل الله، وكتب مراجعا إلى الوزير أبي محمد بن سفيان ﵀، يا سيدي أعلى وعمادي الأسنى ومشربي الأصفى، أدام الله عزته، وحمى من النوائب حوزته، وافاني لك كتاب سري الموضع، سني الموقع، أطال الله علي إيجازه، وأطمع على أعجازه، وقابلت الرغبة التي ضمنتها فيه، بما تقتضيه جلالة مهدية، ولئن تراخى الكتاب، عن حسن ذلك العتاب، فإن المودة لم يقدح فيها من الملل، قادح، ولم يسنح لها من الخلل، سانح، بل كانت كالبرد تطوى على غره، إلى أوان جلائه ونشره، وقد علم علام الضمائر، والذي يظن غايبا وهو حاضر، أني أعتقدك القدح المعلى، وأضرب بك المثل الأعلى، وأرى أنك تحجيل واضح، في دهمة الزمان، وعلق راجح، في كفة الامتحان، وبقية سنح كريم، ما عهدهم عندنا بذميم. طويل
عليهم سلام الله ما درّ شارق ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
стр. 195
وما أدعى لك جانبا من السيادة، إلا ولك عليه أعدل الشهادة، ولكن قديما سفل ذو الرجحان، وعاد الكمال على أهله بالنقصان، وكبت الأعالي بارتفاع الأسافل، حتى اقتضى ذلك قول القائل: طويل
فوا عجبا كم يدّعى الفضل ناقص ... ووا أسفا كم يظهر النقص فاضلُ
وقال المذمر للناتجين متى ذمرت قبلي الأرجل وقد جاريتك أعزك الله في ميدان من البلاغة أنا فيه كمن كاثر البحر والمطر، وجلب التمر إلى هجر، والذي حداني إليه، أنه مر لي زمن، إلهي خاطري عنك فيه وسن، فقلت قد كان من العقوق، ترك رعاية الحقوق، فلا ستمطرنّ مرن القول فقد كنت عهدتها تنسجم فتغدق، ولا ستسقين جابية الشيخ العراقي فقد كانت تطم فتفهق، أيام كنت اسحب ذيل الشباب، وأسلك مسلك الكتاب ويعجبني سلوك سهل الكلام وحزونه، والتصرف بين أبكاره وعونه، أستن استنان الطرف الجامح، ولا أثني عنان الطوف الطامح، وأروي هامتي، وأقول بما صبت علي غمامتي، على أن تعمم مفرقي بالقتير، وعلتني أبهة الكبير، وودعت زمني الزائل، وعادت سهامي بين رث وناصل، وعريت أفراس الصبا ورواحله، وسدت علي سوى قصد السبيل معادله، فلئن هريق ماء الشباب، واستشن الأديم واقشع السحاب، وتجلت الغيوم فلعل في الأفق ربابة، وفي الحوض صبابة، وعسى أن يكون في أخلاف المقالة در يرضع، وفي حقاق البلاغة در يرصع، ولازفنها عذراء، لا ترتضي إلا الأكفاء، فليس يلين النجد إلا في مارق الهيجاء، ولا يحسن العقد إلا في عنق الحسناء، ولأجعلن الشعر لها شعارا، وفقر النثر لها دثارا، فاهتصرها إليك ولهى عروبا، قد رضيت بك محبا وحبوبا، فتضمخك بمسكها، وتؤمنك من فركها، وتذر ذرور الشمس عليك، وتهز في ندوة الحي عطفك، فإن قضت من حقك فرضا، ورتقت من فتق الأخلال ولو بعضا، فذاك ما تضمنه الخاطر الذي نمنم بردها، ونظم عقدها، وأن اخلف الظن ما أوهم ووعد، وقضى الذهن فيما أحكم وسدد، فللخاطر عذر في أنه منصل أغفل شحذه وجلاؤه، حتى ذهب فرنك وماؤه، ومنهل ضيع ورده، فنضب عده. كامل
والشول ما حلبت تدفق رسلها ... وتجف درتها إذا لم تحلبِ
стр. 196
وله من قصيدة يمدح بها ذا الوزارتين أبا محمد بن الفرج. خفيف
نبّه اليل بالوجيف ولا تو ... لع بدار الهوان بالأغماضِ
وأقر ضيف الهموم كل أمون ... عنتريس وبازل شرواضِ
أنقذتني من الردى وطاتي البي ... د ونقض الهموم بالأنقاضِ
شكلها كالقسّي وهي سهام ... للفلا والرغاء كالأنباضِ
خلتها حين خاضت اليل سبحا ... غمست من دجاه في خضخاضِ
صدعت عرمض الدياجيَ حتّى ... كرعت ماء الصباح المفاض
حين راع الظلام وخط مشيب ... قد سرى في سواده ببياضِ
وقال في الزهد: طويل
تجوهرك الأدنى عنيت بحفظه ... وضيعت من جهلٍ تجوهرك الأقصى
لقد بعت ما يبقى بما هو هالك ... وأثرت لو تدري على فضلك النقصا
وقال في ذلك: طويل
وما دارنا إلاّ موات لو أنّنا ... نفكّر والأخرى هي الحيوانُ
شربنا بها عزّا يهون جلالة ... وشتّان عز للفتى وهوانُ
قال يمدح المستعين باله بن هود ﵀: طويل
همُ سلبوني حسن صبريَ إذ بانوا ... بأقمار أطواق مطالعها بانَ
لئن غادروني باللوى أنّ مهجتي ... مسايرة أضعانهم حيث ما كانوا
سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ... ينازعها مزن من الدمع هتّانُ
أأحبابنا هل ذلك العهد راجع ... وهل لي عنكم آخر الدهر سلوانُ
ولي مقلة عبرى وبين جوانحي ... فؤاد إلى لقياكم الدهرَ حنّانُ
تنكرّت الدنيا لنا بعد بعدكم ... وخفّت بنا من معضل الخطب الوانُ
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها ... فلا ماؤها صدّا ولا النبت سعدانُ
إلى ملك حاباه بالمجد يوسفً ... وشاد له البيت الرفيع سليمنُ
إلى مستعين بالإله مؤيد ... له النصر حزب والمقادير أعوانُ
ومنها يمدحه رحمهما الله. طويل
بوجه ابن هود كلّما أعرض الورى ... صحيفة أقبال لها البشر عنوانُ
فتى المجد في برديه بدر وضيغم ... وبحر وقدس ذو الهضاب ونهلانُ
стр. 197
من النفر الشمّ الذين اكفّهم ... غيوث ولكنّ الخواطر نيرانُ
ليوث شرى ما زال منهم لدى الوغى ... هزبر فيمناه من السمر ثعبانُ
وهل فوق ما قد شاد مقتدر لهم ... ومؤتمن بالله لقياده إيمانُ
وله يعزي ذا الوزارتين أبا عيسى بن لبون في أخيه. كامل
للمرء في أيّامه عبرُ ... والصفو يحدث بعده كدرُ
خرس الزمان لمن تأمّله ... نطق وخبر صروفه خبرُ
نادى فاسمع لو وعت أذن ... وارى العواقب لو رأى بصرُ
كم قال هبّوا طالما هجعت ... منكم عيون حقّها السهرُ
أباذن من هو مبصري صمم ... أم قلب من هو سامعي حجرُ
لولا عماكم عن هدى نذري ... ومواعظي ما جاءت النذرُ
ومنها: كامل
هذي مصارع معشر هلكوا ... وعظتكم بالعتب فاعتبروا
قالت أرى ليل الشباب بدت ... للشيب فيه أنجم زهرُ
فأجبتها لا تكثري عجبا ... من شيبة لم يجنها كبرُ
ومنها: كامل
لكن طويت من الهموم لظى ... أضحى لها في عارضي شررُ
حسنت شمائلكم وأوجهكم ... فتطابقا مراى ومختبرُ
والحسن في صور النفوس وإن ... راقتك من أجسامها الصورُ
لا ضعضعت أيدي الخطوب لكم ... ركنا ولا راعتكم الغيرُ
وله يصف فرسا: طويل
وأدهم من آل الوجيه ولاحق ... له اليل لون والصباح حجول
تجرّ لماء الحسن فوق أديمه ... فلولا التهاب الحضر ظلّ يسيلُ
كانّ هلال الفطر لاح بوجهه ... فأعيننا شوقا إليه تميلُ
كأنّ الرياح العاصفات تقلّه ... إذا ابتل منه محزم وليلُ
إذا عابد الرحمن في متنه علا ... بدا الزهو في العفين منه يجول
فمن رام تشبيها له قال موجزا ... وان كان وصف الحسن منه يطولُ
هو الفلك الدوّار في صهواته ... لبدر الدياجي مطلع وأفولُ
وله يخاطب مكة أعوزها الله تعالى. طويل
أمكّة تفديك النفوس الكرايمُ ... ولا برحت تنهلّ فيك الغمائمُ
стр. 198
وكفّت أكّف السوء عنك وبلّغت ... مناها قلوب كي تراك حوائمُ
فإنّك بيت الله والحرم الذي ... بعزته ذلّ الملوك الأعاظمُ
وقد رفعت منك القواعد بالتقى ... وشادتك أيد برّة ومعاصمُ
وساويت في الفضل المقام كلاهما ... ينال به الزلفى وتمحى المئاثمُ
ومن أين تعدوك الفضائل كلّها ... وفيك مقامات الهدى والمعالمُ
ومبعث من ساد الورى وحوى العلى ... بمولده عبد الإله وهاشمُ
نبي حوى فضل النبيين واغتدى ... لهم أولاً في فضله وهو خاتمُ
وفيك يمين الله يلثمها الورى ... كما يلثم اليمنى من الملك لاثمُ
دعا دعوة فوق الصفا فأجابه ... قطوف من الفجّ العميق وراسمُ
فأسعجب بدعوى لم تلج مسعمي فتى ... ولم يعها إلاّ ذكيّ وعالمُ
ألهفي لأقدار عدت عنك همّتي ... فلم تنتهض منّي إليك العزايمُ
فياليت شعري هل أرى فيك داعيا ... إذا جارت لله فيك الغمائمُ
وهل تمحون عنّي خطايا اقترفتها ... خطا فيك لي أو يعملات رواسمُ
وهل لي من سقيا حجيجك شربة ... ومن زمزم يروي بها النفسَ حائمُ
وهل ليَ في أجر الملبّين مقسم ... إذا بذلت للناس فيك المقاسمُ
وكم زار مغناك المعظمّ مجرم ... فحطّت به عنه الخطايا العظائمُ
ومن أين لا يضحي مرجيك أمنا ... وقد أمنت فيك المهى والحمائمُ
لئن فاتني عنك الذي أنا رائم ... فإنّ هوى نفسي عليك لرائمُ
وأن يحمني حامي المقادير مقدما ... عليك فأنيّ بالفؤاد لقادمُ
عليك سلام الله ما طاف طائف ... بكعبتك العليا وما قام قائمُ
إذا نسم تهد عنّي تحيّة ... إليك فمهديها الرياح النواسمُ
أعوذ بمن أسناك من شرّ خلقه ... ونفسي فما منها سوى الله عاصمُ
وأهدي صلاتي والسلام لأحمد ... لعلّي به من كبّة النار سالم
الوزير الأستاذ أبو الحسين بن سراج رحمه الله تعالى
كبير دار الخلافة، الشهير الشفوف والأنافة، الذي جاءت به الدنيا، كما شاءت العليا، وقار، كان به تثبت الأرض، ومقدار، له النافلة في الجلالة والفرض،
стр. 199
همي به للعارف انسجام، وأفصح منها استعجام، فوسم علمه إغفالا، وأوضح فهمه أشكالا، وغدت به العلوم قد فض ختامها، وانتقض قتامها، وسهل صعبها، وسلك شعبها، ثم مضى فسد الدهر مطلعه، وضم عليه القبر أضلعه، فأضحت المعالي قد أقفر ربعها، وتفرق جمعها، وعادت المعارف قد طفى سراجها، واستبهم انفراجها، وأعيا على الناس علاجها، فأمست الدنيا كأن لم تنر بضيائه، وغدت المعالي ضاحية من أفيائه، وكانت له شذور بيان، كأنها نثير له ما تتضوع به الأفاق، وتخلع عليه سوادها الأحداق، فمن ذلك خاطبني بها منها، كتبت وروض العهد قد أفصحت أناشيده، وديوان الودّ قد صحت أسانيده، ودوح الإخاء يتفاوح زهرا، ويتناوح مجتني ومهتصرا، والله يصوب مزنته، بشآبيب الوفاء، ويمنح نغبته، أعلى درجات العذوبة والصفاء، برحمته وأما تلك المراجعة فكأنها لما عاقت عقت، وقد نالها من عتابي في ذلك ما استحقت، وله يصف كتاباً. وافر
كتاب يزدري بالسحر حسنا ... وسمت به زمانك وهو غفل
معان تعبق الآفاق منها ... يشيب لها حسود وهو طفل
وله في ثوب رآه على غير أهله وكان عهده على من كان يوده. بسيط
يا لابس الثوب لا عرّيت من سقم ... ولا تخطّاك صرف الدهر والخطرُ
ويحي عليه ولهفي من تبدّله=كم قد تطّلع من أطواقه القمر
وكم ترنّح في أثنائه غصن ... منعّم النبت يدمي خدّه النظرُ
وكم ثنيت يدي عنه وقد نعمت ... وظلّ منها فتيت المسك ينتثرُ
فاليوم أوحش عمّا كنت أعهده ... كذاك صفو الليالي بعده الكدرُ
وله متغزلا. كامل
لمّا تبوأ من فؤادي منزلا ... وغدا يسلّط مقلتيه عليهِ
ناديته مسترحما من زفرة ... أفضت بأسرار الضمير إليهِ
رفقا بمنزلك الذي تحتلّه ... يامن يخرّرب بيته بيديهِ
وله: طويل
لئن لم تفز عيناي منك بنظرة ... ولم أقض من لقياك ما كنت أملُ
فعالم ما تخفي السراير عالم ... بأنّك في عيني وقلبي ممثلُ
وأنّك فيمن أنتحيه بخلّة ... وأمحضه وديّ لصدر وأوّل
стр. 200
وأنشدني له الفقيه أبو الفضل بن موسى بن عياض. بسيط
بما بعينيك من غنج ومن دعج ... ومن صوارم تنضوها على المهجِ
لا ترتضي الخلف في وعد تركت به ... قتيل حبّك قد أوفى على الفرجِ
أو لا فثنيه للمشتاق يله به ... وفيت أو لم تفي قولي بلا حرجِ
وكتب إلى الراضي شافعا. بسيط
بثّ الصنايع لا تحفل بموقعها ... فيمن نأ أو دنا ما كنت مقتدرا
كالغيث ليس يبالي حيث ما انسكبت ... منه الغمائم تربا كان أو حجرا
ذو الوزارتين الفقيه قاضي قضاة الشرق أو أمية إبراهيم بن عصام ﵀
هضبة علاء، لا تفرعها الأوهام، وجملة ذكاء، لا تشرحها الأفهام، هزم الكتائب بمضائه، ونظم الرياسة في سلك قضائه، إذا عقد حباه أطرق الدهر توقيرا، وخلته من تهيبه عفيرا يملأ بهوه بهاء، ولا تغب مداه حزا وأمها، يبرم أمره نهارا وليلا، ويشن من آرائه كل آونه خيلا، لم يستنر إلا بشمسه، ولم يستشر في رأيه غير نفسه، المهابة تخدم لحظته، والإصابة تقدم لفظته، كان الحميا تثني بشاشته وتحفيه، وكان الخلق قد جمعوا فيه، وله نثر تحلت الأيام بسناه، ونظم استحلت الأفهام جناه، وقد أثبت منهما سطورا، غدا حسنها في صفحة البدر، مسطورا، فمن ذلك فضل من رقعة كتب بها إلى الرئيس الأجل أبي عبد الله بن الحاج ﵀ في جانبي، ووصل فلان فشكر ما أليته، ونشر مما قصدته في جانبه وأتيته، ما آمال الأهواء وأطال الثناء والدعاء، وحبب عندك الآمال، وجنب إليك الآمال، وهو ممن قد علمت أيدك الله ارتفاع شان، وإبداع بيان، وقد نهض بعزمة لا يرى أن يخدم غيرك، وهمة لا ترتضي أن تلتزم إلا أمرك، ومثلك رحب مقدمه، وأسبل عليه ديمه، وعزف قدره، وشرح بخلقه صدره، أن شاء الله، وكتب إليه الوزير أبو الحسن بن الحاج. كامل
ما زلت في علاك بمقولي ... دابا واورد في رضاك وأصدرُ
واليوم اعذر من يطيل ملامة ... وأقول زد شكوى فأنت مقصّرُ
فراجعه أبو أمية. كامل
الفخر يابي والسيادة تحجر ... أن يستبيح حمى الوفاء مزوّرُ
وعليك أن ترضى بسمع ملامة ... عني السناء وعهده لا يختر
стр. 201
ولدّي أن نفث الصديق لراحة ... صبر الوفيّ وشيمة لا تغدرُ
وكتب إليه الغرباقي: بسيط مجزوء
أما ترى اليومَ يا ملاذي ... يحكيك في البشر والطلاقة
والبحر يرتحّ مثل قلب ... راقب من الفه فراقه
والجوّ صافي الأديم زهر ... مدّ على أرضه رواقه
فامنن بمشي إليه أنّي ... ما لي على الصبر عنه طاقة
فأجابه أبو أمية: بسيط مجزوء
عندي لما تشتهي بدار ... يشهد أنّي على علاقة
فأخبر بما شئت صدق عهدي ... تجد دليلا على الصداقة
وارفق فلي مفراق قلب ... قطعّ أن زرته استباقه
يطلع برّ الصديق بدرا ... أمّنه عمره محاقه
وأسكن إلي رأي ذي احتفاء ... يعجز من رامه لحاقه
وأبلغ سرّي الخلال أنّي ... جيت بما قد رأى وفاقه
وكتب إلى أبي العباس المذكور: طويل
كتب وعندي للنزاع عزيمة ... تسهّل تجشيم اللقاء على بعدِ
ومعهد انس ما عهدت تحفّيا ... فهل مقرض شكري ومستقرض حمدي
وان عاق عن عهد لبرّك عائق ... تلظّفت في العذر الجميل إلى ودّي
وكتب إليه كاتبه أبو الحسن باقي وهو بالعدوة بهذه الأبيات. وافر
قصيّ الدار في أسر الغرام ... اليم القلب من وقع الملامِ
يضاهي دمعه دمع الغوادي ... ويحكي شجوه شجو الحمامِ
وتذكره البدور سنا وجوه ... زهاها الحسن عن حمل اللئامِ
ترق له الرياح فتقتضيه ... إذا هبّت تحية مستهامِ
لضنوّا بالمنام غداة ظنوا ... بانّ الطيف يطرق في المنامِ
ولولا طاعة ملكت قيادي ... لأبلج في الذوابة من عصامِ
لما أثرت بعدا عن حبيب ... يجرّع بعده غصص الحمامِ
فأجابه أبو أمية: وافر
ذخرنا البرّ من لطف النظام ... ومال برأينا سحر الكلامِ
стр. 202
وعندي للمطيع مطاع أمر ... يجرّد للقاء ظبي اعتزامِ
الوزير الفقيه صاحب الأحكام أبو محمد عبد الله بن سماك رحمه الله تعالى
هو وأخوه أبو عمر فرقدان متوقدان، وسراجان وهاجان، وفرعا مجد، ونبعا نجد، ولا وهد، ما منهما غلا أغر وضاحا، يوضح المشكلات ايضاحا، ولهما سلف تقصر عن مداناته الأقدار، وشرف تمكن منه القطب المدار، وتولى الفقيه أبو محمد الأحكام فأقالها، ووضع في يد التقوى عقالها، وحماها بأسنة من العدل وشفار، وأرادها وجه الديانة كالصبح عند الأسفار، همام إذا لقي، غمام إذا استسقي فإن احتفى جاد، وان اصطفى كان كالصارم والنجاد، مهلاب، مع تواضعه، وهاب، يضع العرف احتفى مواضعه، لا يستزل في حقيقة، ولا يستنزل عنها بملك النعمان ابن الشقيقة، وله علم كاللجة إذا اضطربت أمواجها، والكتيبة إذا تحركت أفواجها، وأدب كالروض غب المطر، ومذهب كالنسيم هب على الروض وخطر، وقد أثبت من نثره المبتدع، ونظمه الذي يوضع في النفوس ويودع، ما تستحليه، وتقلده الأوان وتحليه، فمن ذلك قوله يصف الروض، كامل
الروض مخضرّ الربى متجمّل ... للناظرين بأجمل الألوان
فكأنمّا بسطت هناك شوارها ... خود زهت بقلائد العقيانِ
وكأنمّا فتقت هناك نوافج ... من مسكة عجنت بصرف البانِ
والطير تسجع في الغصون كأنمّا ... نقر القيان حنّت على العيدانِ
والماء مطّرد يسيل عبابه ... كسلاسل من فضّة وجمانِ
بهجات حسن أكملت فكأنّها ... حسن اليقين وبهجة الإيمانِ
ولما حللت غرناطة جاورته فكان لي كجار أبي ذؤاد، سقاني حتى أروى كل ضما وجواد، وأحلني من مبرته بين ناظر وفؤاد، ووالى من أتحافه، وضروب ألطافه، ما حسبتني به مفطوما يعلل عن الفطام، ورأيت الأماني مجنوبة إلي في خطام، وكنت كثيراً ما أجالسه فاقطف من موانسته أعبق نور، وأخالني بمجالسته جليس قعقاع بن شور، ولا أزال بين جني للبدائع وقطاف، وأعاطي أحاديث مستعذبات النطاف، وعندما ينشرح صدر انبساطه ويشرح بنشر الاسترسال ومد بساطه، استنشده لنفسه فينشدني كل سحر حلال، ويعلني منه بسلسال زلال، فيعلق سريعا بحبالة ذكري، وكم كنت احمل قول سواه ضغثا على أبالة
стр. 203
فكري، وعندما كنت أعزم عليه في جمع ماله من بديع، وإهداء لمع من ذلك الصديع، فيسدل دون ذلك حجابا، ولا يولي به ايجابا، فلم أزل ألح عليه إلحاحا، وأقتدح من إيجابه زندا واريا يعود لي في ذلك شحاحا، حتى كتب إلي، الكتابة اعز الله الشريف الماجد ميدان لا يضمر إلا أفراس الرهان، ولا تسابق فيه الأجياد الفرسان، ولا يعزف فيه بالعتق إلا من حاز قصب السبق، فكيف بالهملاج المقتاد، مع الفرس الجواد، وأني للسكيت إذا ركض، مع السابق إذا نهض، كلا وان أبا نصر ناظم سلك البلاغة، وقائد زمام البراعة سحبان في زمانه، وقس في أوانه، وابن المقفع في مكانه، والجاحظ في بيانه إذا أوجز أعجز وإذا شاء أطال وأطلق من البلاغة العقال: وأني من ذلك سحرا حلالا، وسقاه عذبا زلا، لا أصل للكتابة أصولا، وفصل أبوابها تفصيلا، وحصل أغراضها تحصيلا، فلسان الشاهد منه يقول: وافر
تنسمت الكتابة عن نسيمِ ... نسيم المسك في خلق الكريمِ
أبا نصر وسمت لها وسوما ... تخال وشومها وضح النجومِ
وقد كانت عفت فأذرت منها ... سراجا لاح في اليل البهيمِ
فتحت من الكتبة كل باب ... فصارت في طريق مستقيمِ
فكتاب الزمان ولست منهم ... إذا راموا مرامك في همومِ
فما قسّ بأبرع منك لفظا ... ولا سبحان مثلك في العلومِ
لا غرو أعزك الله من تقصير، فالكل في ميدانك قصي، ولكنها صبابة من نهرك، وثمد من بحرك، أخرجها صميم ودك، وأبرزها صريح عقدك، ومذلك طوى عليها كشحا، وأعرض عن صفحاتها صفحا، وقبلها من باب الصفا، وحنا عليها من جانب الإخاء، واتلله تعالى يبقيك ويبارك للأخوان فيك، بقدرته وعزته.
الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر بن عطية ﵀
شيخ العلم وحامل لوائه، وحافظ حديث النبي صلى اله عليه وسلم وكوكب سمائه، شرح الله لتحفظه صدره، وطاول به عمره، مع كونه في كل علم وافر النصيب، مباشرا بالمعلى وبالرقيب، رحل إلى المشرق لأداء الفرض، لابس برد من العمر الغض، فروى وقيد، ولقي العلماء وأسند وأبقى تلك المأثر وخلد، نشأ في بنية كريمة، وأرومة من الشرف غير مرومة، لم يزل فيها على وجه الزمان أعلم علم،
стр. 204
وأرباب مجد ضخم، قد قيدت مآثرهم الكتب وأطلعتهم التواريخ كالشهب، وما برح الفقيه أبو بكر يتسنم كواهل المعارف وغواربها، ويقيد شوارد المعاني وغرائبها، لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصوله وفروعه، وعمر برهة من شبيبته ربوعه، وبرز فيه تبريز الجواد المستولي على الأمد، وجلى عن نفسه به كما جلى الصقال عن المنصل لفرد، وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلا، ويقوم على قوة العارضة دليلا فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزمان، وينبه على التحفظ من الإنسان. رمل
كن بذيب صائد مستأنسا ... وإذا أبصرت إنسانا ففر
إنّما الإنسان بحر نما له ... ساحل فأحذره إياك الغرر
وأجعل الناس كشخص واحد ... ثمّ كن من ذلك الشخص خذر
وله في الزهد رمل
أيّها المطرود من باب الرضى ... كم يراك الله تلهو معرضا
كم إلى كم أنت في جهل الصبا ... قد مضى عمر الصّبا وانقرضا
قم إذا الليل دجت ظلمته ... واستلذّ الجفن أن يغتمضا
فضع الخدّ عن الأرض ونح ... واقرع السنّ على ما قد مضا
وله في هذا المعنى. بسيط مجزوء
قلبيَ يا قلبي المعنّى ... كم أنا أدعى فلا أجيب
كم أتمادى على ضلال ... لا أرعوى لا ولا أنيبُ
ويلاه من سوء ما دهاني ... يتوب غيري ولا أتوبُ
وا أسفي كيف برء دأي ... دأي كما شاءه الطبيبُ
لو كنت أدنو لكنت أشكو ... ما أنا من بابه قريبُ
أبعدني منه سوء فعلي ... وهكذا يبعد المريبُ
ما ليَ قدر وأيّ قدر ... لمن أحلّت به الذنوبُ
وله في المعنى أيضاً: كامل
لا أجعلن رمضان شهر فكاهة ... تلهيك فيه من القبيح فنونه
وأعلم بأنّك لا تنال قبوله ... حتّى تكون تصومه وتصونه
وله في مثل ذلك. طويل
стр. 205
إذا لك يكن في السمع منّى تصاون ... وفي بصري غضّ وفي مقوليُ صمت
فحظيّ إذا من صوميَ الجوع والضما ... وان قلت أني صمت يومي فما صمتُ
وله في المعنى الأول: طويل
جفون إنسانا كنت ألف وصلهم ... وما في الجفا عند الضرورة من باسِ
بلوت فلم أحمد وأصبحت آيسا ... ولا شيء أشفى للنفوس من اليأسِ
فلا تعذلوني في انقباضي فإنّني ... رأيت جميع الشرّ في خلطا الناسِ
وله يعاتب بعض أخوانه: وافر
وكنت أظنّ أن جبال رضوى ... تزول وأنّ ودك لا يزولُ
ولكنَّ الأمور لها اضطراب ... وأحوال ابن أدم تستحيلُ
فإن يك بيننا وصل جميل ... وإلاّ فليكن هجر طويلُ
وأما شعره الذي أقتدحه من مرخ الشباب وعفاره، وكلامه الذي وشحه بمأرب الغزل وأوطاره، فإنه نسي إلى ما تناسه، وترك حين كساه العلم والورع من ملابسه ما كساه، فمما وقع إلي من ذلك قوله: كامل
كيف السلوّ وكلّ حبيب هاجر ... قاسي الفؤاد يسومني تعذيبا
لمّا درى أنّ الخيال مواصلي ... جعل السهاد على الجفون رقيبا
وله: بسيط مجزوء
يا من عهودي لديه ترعى ... أنا على عهدك الوثيقِ
أن شئت أن تسمعي غرامي ... من مخبر عالم صدوقِ
فاستخبري قلبك المعنّى ... يخبركِ عن قلبيَ المشوقِ
انبه الوزير الفقيه الحافظ القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية وفقه الله
نبعة دوح العلاء، ومحرز ملابس الثناء، فذ الجلالة، وواحد العصر والإصالة، وقار كما رسى الهضب، وأدب كما أطرد السلسل العذب، وشيم تتضاءل لها قطع الرياض، ويبادر به الظن إلى شريف الأغراض، سابق الأمجاد فاستولى على الأمد بعلائه، ولم ينض ثوب شبابه، أدمن التعب في السودد جاهدا، حتى تناول الكواكب قاعدا، وما أثكل على أوائله، ولا سكن إلى راحات بكره وأصائله، أثاره في كل معرفة علم في رأسه نار، وطوالعه في أفاقها صبح أو نهار، وقد اثبت من نظمه المستبده ونثره المستبرع، ما ينفح عبيرا، ويتضح منبرا، ويسيح نميرا،
стр. 206
فمن ذلك قوله من قصيدة. بسيط
وليلة جبت فيها الجزع مرتديا ... بالسيف أسحب أذيالا من الظلمِ
والنجم حيران في بحر الدجا غرق ... والبرق فوق رداء الليل كالعلمِ
كأنّما الليل زنجّي بكاهله ... جرح فيثعب أحياناً له بدمِ
وله يتخلق بأخلاق الشيب، ويندب الشباب وهو منه في ريعان قشيب، ويتوجع لحمامته عوض بها من غرابه، وصفت مسراته من شوائبه، وهو يركض للهو بطرف جامح وينظر للمنى بطرف طامح. بسيط
سقيا لعهد شباب ظلت امرح في ... ريعانه وليالي العيش أسحارُ
أيّام روض الصبا لم تذو أغصنه ... ورونق العمر عضّ والهوى جارُ
والنفس تركض في تضمير شرَّتها ... طرفا له في رهان اللهو أحضارُ
عهدا كريما لبسنا منه أردية ... كانت عيونا ومحّت فهي أثارُ
مضى وأبقى بقلبي منه نار أسى ... كوني سلاما وبردا فيه يا نارُ
أبعد أن نبهّت نفسي وأصبح في ... ليل الشباب لصبح الشيب أسفارُ
وقارعتني الليالي فانثنت كسرا ... عن ضيغم ما له ناب وأظفارُ
لا سلاح خلال أخلصت فلها ... في منهل المجد أيراد وأصدارُ
أصبوا إلى خفض عيش دوحه خضل ... أو ينثني بي عن العلياء أقصارُ
إذا فعطّلت كفّي من شبا قلم ... أثاره في رياض العلم أزهارُ
همّي من العيش ودّ طاب مورده ... ولم يشب صفوه للنقص إكدارُ
ومن سناكم أبا إسحق طالعني ... منه هلال له في النفس إبدارُ
الظّ بالقلب يسري منه في أفق ... هالاته فيه إجلال وإكبارُ
نور ألمّ من بعدكم حلك ... كالراح حفّ بها في دنهّا القارُ
لئن تمطىّ بجور ليل فرقتنا ... لقد أنارت به للكتب أقمارُ
وأن عدنا بعاد عن تزاورنا ... فأنّني ببنات الفكر زوارُ
وله إلى الأمير عبد الله بن مزدلي وقد خرج في إحدى غزواته فوثق بظفره، وكريم صدره، واقر القطعة عند كاتبه الوزير أبي جعفر بن مسعدة ليرفعها إليه منصرفة فوفى بما كلفه وتقدم إلى رفعها عقب الغزاة وابتدر، وجاء بها على قدر، والقطعة المذكورة هي: كامل
стр. 207
ضاءت بنور ايابك الأيّامُ=واعتزّ تحت لوائك الإسلامُ
أمّا الجميع ففي أعمّ مسرّة ... لمّا أنجلى بظهورك الأظلامُ
بادرت أجرك في الصيام مجاهدا ... ما ضاع عندك للثغور ذمامُ
وصمدت معتزما وسعدك منهض ... نحو العدى ودليلك الأقدام
كم صدمة لك فيهم مشهورة ... غصّ العراق بذكرها والشامُ
في مارق فيه الأسنة والظبى ... برق ونقع العاديات غمامُ
والضرب قد صبغ النصول كأنّما ... يجري على ماء الحديد ضرامُ
والطعن يبعث النجيم كأنّما ... ينشق عن زهر الشقيق كمامُ
فاهنا مزّية ظافر متايّد ... جفّت برفعة شانه الأقلام
وإليك ودّي واختصاصي سابق ... يجلوه من دّر الكلام نظامُ
أنّي وأن خلّفت عنك فلم تزل ... منّي إليك تحّية وسلامُ
وحل بسلا الفقيه أبو العباس فخر بني القاسم، وزين الأعياد والمواسم، الذي تهمي من يديه للندى سحب تكف، وتطوف بكعبته الآمال وتعتكف، غائب عنها فلم ينخ فيها عيسه، ولم ير تخييمه بها وتعريسه، ورحل من ساعته، وقال شعرا أخذ الناس في أشاعته وأذاعته، وهو: بسيط
يا صاحبّي أنزلا قصر الحمى فسلا ... أنّي سلا المجد عن أن تحتويه سلا
كأنّما الربع لما غاب أحمده ... منازل ضلّ عنها البدر منتقلا
جاد الزمان بلقيا منك سرّبها ... طوراً وساء بذاك العهد إذ بخلا
فاسمع مناجاة نفس من أخي ثقة ... مضى تحمّله منك النوى غللا
وعد إليها أبا العبّاس تحك بها ... مراتب الشمس لما حلّت الجملا
لازلت في عقدها وسطى ولا عدمت ... منكم حساما يباهي خوله خللا
ومررنا في إحدى نزهنا بمكان مقفر، وعن المحاسن مسفر، وفيه برك نرجس كأنه عيون مراض، يسيل وسطه ماء رضراض، بحيث لا حس إلا للهام، ولا أنس إلا ما يتعرض للأوهام فقال: رمل
نرجس باكرت منه روضة ... لذّ قطع الدهر فيها وعذبُ
حثّت الريح بها خمر حيا ... رقص النبت لها ثم شرب
فغدا يسفر عن وجنته ... نوره الغص ويهتز طرب
стр. 208
خلت لمع الشمس في مشرقه ... لهيا يحمله منه لهب
وبياض الظلّ في صفرته ... نقط الفضّة في خطّ الذهب
وكتب أعزه الله، يا سيدي الأعظم، وعمادي الأكرم ومعقلي الأعصم، ومن أطال الله بقاءه وائل علياءه وسناءه، ولا زال عميم المجد، كريم العهد، مراعيا حرمة ذي الخلوص والود، طارحا قذى المبطلين عن مشارب الصفا، مطيرا لحاء الغدر عن عود الوفاء، بعزة الله كتبته أدام الله عزك بعد أن وافاني كتابك الأكرم صحبة الفقيه الجليل أبي فلان اعزه الله فأول ما أقول في شكره الذي أفعم الأفق طيبا، واسمع الصم خطيبا، ورد فما زال يعيد ذكرك الأعطر، ويبدي وينثر أثناء الأحاديث حمدك الألزم وينشر، قضاء لحق المجد الذي لك سبقه وخلصه، وثناء بالذي أنت أهله، وذكر من تلك المكارم التي تحثو في وجه السحاب المجلب، والمنزل الذي كأنما كان على آل المهلب، ما أهب الألسنة بالدعاء، وغمر النفوس باريجة السراء، ثم تلاه لي دام عزك بم شاهده من مذهبك الأجمل، وصفائك الأول، واعتقادك في جهتي أن الوشاة أثنوا بالذي عابوا، وخابت سهامهم فما أصابوا، وهذه الأمور وصل الله توفيقك كما خبرت، وعلى ما جربت قديما وحديثا وسبرت، الغواة لا يتركون أديما صحيحا ولا يدرون في المعالي رأيا رجيحا، بل يتسنمون إلى ذوائب الشرف بالأذى، ويطرقون المشارب الزرق الجمام بالقذى، فإن ألفوا مهزا، وصادفوا لشفرة محزا، سدوا وصرخوا، بالفظاظة وهيمنوا، وأي حيلة أدام الله كرامتك في من يخلق ما يقول، وأني بالخلاص والسلامة شيء ما إليه سبيل، وما زلت مذ صبحت الأمجاد، وثافنت الحساد، أجعل هذه الأمور دبر الأذن، وأقنع لها بايلاء التجارب والفتن، علما بأن سري سيينه أطراد الإعلان، وأن قولي الغوي ستفضحه شواهد الامتحان، وبأواخر الأمور يقضى للأوائل، والله عز وجهه عند لسان كل قائل، ولو تتبعت كل وشاية بالتكذيب، وجبت كل نعيب وضغيب، لما اتسع لغير ذلك العمر، ولا استراح من وساوسه الفكر، وأنت وصل الله عزمك الملم بحفظ العهد، وجبر الأجر والقصد وعياذا أن يخفي للصوب بين عهدك الوفي، وظنك الألمعي، وتثبتك الشرعي، والله تعالى يعمر بالسدود ريعك، ويوسع لحمل المعالي وأعبائها ذرعك، ويجعل من كفايته ووقايته جنتك من الزمن ودرعك والسلام عليك ورحمة الله، وكتب إلى الأمير عبد الله
стр. 209
بن مزدلي معزيا بمصابه في أخيه الأمير محمد المستشهد على نبره، أدام الله تأييد الأمير الأجل محروسة بحسام القدر جوانبه، مكتنفة بجنن السعد مذاهبه، جارية مسرى الأنجم مراتبه، وأطال بقاءه جابر صدوع الرياسة عند انفصامها، وخلف سلف النفاسة ووسطى نظامها، ولا زال توزن به الأوائل فيرجح، ويعارض بعزته بهيم النوائب فيصبح، كتبته أعلى الله يدك عن فواد دام، ودمع هام، ولب حاير، وقلب في جناحي طاير، ونفس يجري بذوبها النفس ولا تقيق إلا ريثما تنتكس بهذا الطارق المطرق، والنبا المغص المشرق، والضارب بين مفرق الإسلام وجبينه، والمغيل ف يغيل الملك وعرينه، مصاب الأمير الأجل أبي عبد الله أخيك سقى الله ثراه، وضوا بأنوار الشهادة أفقه وذاراه، وبرد له بنوافح الرحمة مضجعا، وأزجى غليه الغوادي مربعا فمربعا، هلال ملك بادره السرار عنج أبداره ودوح مجد هصرته المنون أوان أثماره، حين مالت به الرياسة كما اهتز الغصن تحت المارح، وافتر نابه عن شباة القارح، فأنا لله أنا إليه راجعون تسليما فيه للقضاء المصم، وتاسفا منه على فرد يفدى بالخميس العرمرم، لله دره حين التقت عليه الفوارس، وحمى الوطيس واشتد التداعس، وعظم المطلوب فقل المساعد، وهب من سيفه مولى نصله لا يجارد، قراى المنية، ولا الدنية، وجرع الحمام، ولا النجاء براس طمرة ولجام، وشمر عن أكرم ساعد وبنان، وقضى حق المهند والسنان، ولبس قلبه فوق درعه، ولم يضق بالجلاد رحيب ذرعه. طويل
وأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخصمك الحشرُ
ومضى وقد وقع على الله أجره، ورفع في عليين ذكره، وخلد في ديوان الشهادة فخره، والله يحسن فيه عزاء الأمير الجل ويشد بالتأييد عضده، ويريش بالسعادة جناحه ويمكن يده، ويكثر من محدتده الأكرام عدده، ولا غرو أدام الله تأييدك أن عض الزمان في غارب، فالشر لا يحسب ضربة لازب، وأناخ كلكله مرة، فالعيش طورا شماس وطور غره، ومثلك دام أمرك من حلب الدهر أشطرا، وعرف للأيام بطونا واظهرا، وخبر امتزاج النعم بالنوائب، وغني بفهمه عن التجارب، يرغم بجميل الصبر أنف الحادث، ويفل بلامة الجلد حد الكارث، ويعلم أن الزمن وان سرحينا فهمه ناصب، والدنيا إذا أخضر منها جانب جف جانب، قانت أعلى الله يدك أثقف قناة، وأصلد على البري عودا،
стр. 210
واثقب مع الوري زنودا، من أن يضعضع الؤريب لهضبة عزمك ركنا، أو يعمر الخطب الساحة حلمك مغنى، أو يقذف الدهر عليك بصرف، أو يبدع إلا بسجية وعزف، فالحيوة وان أرخى طولها فتياه باليد، والمرء وان جمح أمله هامة اليوم أو الغد وإنما ضربت أدام اله تأييدك هذه المثال، وان كدت أن لم يقبل وقال: وسددت هذه العبر، وأن جلبت التمر إلى هجر، حرصا على تسلية نفسك العزيزة عن طائف الهم، وتعزيتها عن حرة الملم، فأقصرها أيدك الله على العزاء وقفها، وأوردها مشرعة التاسي رفها، إلا ذيعتب لجازع الزمن، ولا يرد الفائت الحزن، والله يلم بسعدك الشعث ويراب الشعب، ويضفي من رياستك الذوائب ويعلي الكعب، ويذيق الذين يضاهونك هونك، ويجعل الذين يحسدونك دونك، بعزته وصنع الله الأمير الأجل اجمل الصنع، ولما تلغب العدو على ميورقة كبته الله وجبرها، وتحققت الكافة خبرها، خاظب الفقيه أحد زعماء الدولة وادرج طي خطابه هذه المدرجة والشعر الموصول بها وأني أقر الله عينك لا تردد وقد قصر عن تململي السليم، واتجلد وفي نفسي المقعد المقيم، بهذا الصادم الهادم، والنبا القاصم، الذي أطفأ نور الحيوة وأخباه، وأوجب أن ينادي كل مومن وأحر قلباه، أمر ميورقة رأب الله بصرفها صدع الجزيرة، وجبر بجبرها من جناح الإسلام كسيره، وثقف بغوث دائها اضطراب مناده، وأعاد بتلافيها ما غيض من نصرة ومن أجلاده، فيالله لما كان فيها من إعلان توحيدها عاد همسا، ويوم إيمان آض أمسا، جي وبارقة كفر طلعت شمسا، وصباح شرع أظلم بداجي الشرك وأمسى ونجوم أصبح حرمها منتهبا، وفرقتها يد الغلبة أيدي سبا، وبخفرات أدال السياء صباحا، ولأوجه عفر منهم القتل سواعد وجباها، ومزقهم السيف كل ممزق، فله أرحام هناك تشفق، ﵏ ماتوا كرما، ولقاهم نظرة وسرورا وسلاما وختم لنا بعدهم بأحمد الخواتم، وأسندنا من أمره إلى عاصم. طويل
ونحو أمير المسلمين تطامحت ... نواظر آمال وأيدي رغائبِ
من الناس تستدعى حفيظة عدله ... لصدمة جور في ميورق ناصبِ
مقيم فان لم يرغم السعد انفه ... ألم فوافى جانبا بعد جانبِ
لقتل وسبي واصطلام شريعة ... لقد عظمت في القوم سوء المصائبِ
стр. 211
أليس جديرا أن يشيع ذكرهم ... بامة قلب في المدامع ذائبِ
لنا الله والملك الذي ترتجى به ... من الزمن المذناب رجعة تائبِ
هوم الغوث فأعطفه علينا بنظرة ... من الحزم تحثوا في وجوه النوائبِ
أليس الذي لم ينجب الدهر مثله ... أغّر صباح الدين صدق المضاربِ
وأعفى ووقع الذنب قدمى كلومه ... وأكفى إذا كفّت صدور التائبِ
عهدناه يقري الضيف قبل نزوله ... ويلبس وقت السلم درع المحاربِ
ويغزو فلا شيء يقوم لعزمه ... ولو أنه يرمي به في الكواكبِ
إذا ظنّ لم يعدم يقين مشاهد ... وان همّ لم يخطئ رمّية صائبِ
فلا زال جيش النصر يقدم جيشه ... وتلقاه بالبشرى وجوه العواقتِ
وله يصف فحما. كامل
علوا القرى للقرّ فحما حالكا ... قدح الزناد به فأورى نارا
فبدا دبيب السقط في جنباته ... كالبرق في جنح الظلام أنارا
ثمّ انبرى لهبا وثار كأنّه ... في الحرق ذو حرق يطالب ثارا
وكأنه ليل تفجّر فجره ... نهرا فكان على المقام نهارا
وله وقد ودع بعض أخوانه بسيط
أستودع الله من ودّعته ويدي ... على فؤادي خوفا من تصدّعه
بدر من الودّ حازته مغاربه ... فالنفس قد أشخصت طرفا لمطلعهِ
اتبعه بعد توديعي له نظرا ... إنسانه غرقَ في بحر أدمعهِ
ما أوجع البين في قلب الكريم غدا ... يفارق القلب في يوبي مودّعه
يذيبه البين تعذيبا ويمنعه ... من أن يطير شعاعا أسر أضلعه
يسطو به البين مغلوبا فليس سوى ... تململ في فراش من توجّعهِ
وله يصف الزمان وأهله: كامل مجزوء
دأء الزمان وأهله ... داء يعزّ له العلاجُ
أطلعت في ظلمائه ... ودّا كما سطع السراجُ
لصحابة أعيا ثقا ... في من قناتهم اعوجاجُ
أخلاقهم ماء صفا ... مرأى ومظعمهم أجاجُ
كالدرّ ما لم تختبر ... فإذا اختبرت فهم زجاجُ
стр. 212
وكتب إلى الفقيه القاضي أبي سعيد خلوف بن خلف اعزه الله من حضرة بلنسية وقد نهض في صحبة الأمير الأجل عبد الله بن مزدلي عند منهضه غلى سرقسطة أعادها الله ملبيا لمناديها، ومعبيا لمدافعة العدو المخيم بواديها، وأقام الفقيه أبو محمد خلاف العسكر هناك لغرض اعترضه، وعاق منهضه، أستوهب الله الفقيه الأجل قاضي الجماعة سيدي وعمادي شمول نعمه وأياديه، واتصال روائح عز الطاعة وغواديه، واتصال خواتم العمال بمباديه، والتام عواجز السعد يهواديه، ولا زال منهل سحاب العدل، ممتد أطناب الظل، منحضر جوانب الفضل، لا يقرع باب أمل إلا ولجه، ولا يعن لما تكره النفوس منأامر إلا فرجه، بعزة الله كتبته، أدام الله بالطاعة عزك من حضرة بلنسبة حرسها الله يوم كذا عن منبر ودك الذي تخبو لدي ناره، ولا تافل عندي شموسه وأقماره، ونظير عهدك الذي لا يخلع لبسة الكرم، ولا يزداد إلا طيبا على القدم، وعطر حمدك الذي به أحاور وأحاضر، وبمحاسنه أباهي وأفاخر، والله تعالى يمل بمحامدك أسماعا ويطلق السنا، ويبقيك للفضل غيثا كريما وأثرا حسنا، ويديم ما بيننا في ذاته زكي الفروع ثابت الأصول، حصين السكة مرهف النصول، بمنه بعد أن ورد كتابك الكريم روضة الحزن، غب المزن، وحديقة الزهر، تبسمت لوفد المطر، تتجارى إلى محاسنه العين والنفس، ويترقرق من خلاله الأنس، وانتهيت منه إلى ما يقتضي رضى وتسليما، ويسر كما سمي اللديغ سليما، وأما ما ذهبت إليه دام عزك، من تعرف الأنباء، واجتلاء الانحاء، فإن ابن رذمير وقفه الله قد جعل بناء سرقسطة لكلكله عطنا، واتخذ ذلك الحريم وطنا، وذلك انه ندب لهذه السفرة من أهل ملته ما ندب، واحلب من خيلهم ورجلهم ما أجلب، وهو أن بمنازلته سرقسطة ستفتح عليها أبواب حروب، وأنه قد وطئ غيلا غير مغلوب، فلما رأى أن حمامتها ليست بضربة لازب، وأبصر حبلها على الغارب، نبهت المطامع حرصه، ففعل فعل الضعيفة أصابت فرصه، فلازم ملازمة الغريم، وصرف إليها وجوه الهم والهموم، مع أن غراب الرحيل ينعب كل يوم في عرصانة ويفصح، وطوائف الافرتج دمرهم الله كل ليلة تمسي ولا تصبح، لأن نبتهم ونواهم نزوح، من دون أفواجهم مهامه فيح، وأيضاً فإن الأمير الأجل أبا محمد عبد الله بن مزدلي أيده الله قد أضاق بضبط الطرق وقطع المتصرفين ذرعهم، وعجز بنصب حبائل
стр. 213
الخيل لمن شد أو فر وسعهم، فإنه دام أمره أطل عليهم الفجر على الظلام، وأخذ هناك بضبع الإسلام، وأقام مرة كالحية النضناض، وطورت كالسد القضقاض، يسرب إلى محلتهم من يضرم نار الحرب في أكنافها، ويأتي أرضهم ينقضها من أطرافها، ولولاه ما علا هنالك للإسلام اسم، ولا عاد للمدافعة رسم، ولا لاح للمكافحة وسم، ولا عن لتلك العلل المجهزة على تلك الأقطار جسم، ولكنه ركب صعب الأهوال، وصدق الصيال، وهي أعزك الله أقطار أن لم تقم القوة منها ميلا وجنفا، ويستعمل الجد لها نظرا أنفا، وإلا فعقدها بمدرج نثار، وهي في طريق انتكات وعثار، والله يكفي المسلمين فيها، وينعم عليهم بتلافيها، بعزته والسلام الجزيل، عليك يا عمادي ورحمة الله وبركاته.
الوزير الحسيب الفقيه المشاور القاضي أبو الحسن بن أضحى أعزه الله
نسب ما وراءه منتسب ولا مثله حسب شرف باذخ تعقد بالنجوم ذوائبه، وتحل في مفرق النسر ركائبه، استفتحت الأندلس وقومه أصحاب رايات، وأرباب أماد في السبق وغايات، واستوطنوها فغزوا بحور مواهبها، وبدور غيابها، وجاء أبو الحسن أخرهم، فجدد مفاخرهم، وأحيا الرفاة، وأغنى العفاة، فبماذا أصفه وقد بهر، وبدا فضله كالصبح إذا اشتهر، وبماذا أحليه وعنه تقصر الحلى، وبه يتزين الدهر ويتحلى، ولكني أقول هو بحر زاخر، وفضل سواء أوائله والأواخر، تفخر به الدنيا وتزهى، وهو للعليا سماك وسهى، إذا جاد همى غيثا، وان صال غدا ليثا، ولي القضاء فهيب أنكاره، وانجلى من أفق الدين غيمه وعتكاره، وحييب به الرعايا، ولويت السن البغي والسعايا، وله سجايا برئت من الزهو، وأحكام عوفيت من الغلط والسهو، سقته العلوم زلالها، ومدت عليه ظلالها، وأرقته الجلالة هضابها، وأرشفته الأصالة هضابها، فلا في سماء العلاء بدرا، وصار في فناء السناء صدرا، عدلا في أحكامه، خزلا في نقضه وأبرامه، وله نظم متع الصفات، أحلى من الرشفات، وقد أتت منه ضروبا، لا تجد لها ضريبا، أخبرني ذو الوزارتين أبو جعفر بن أبي ﵀ أنه كتب إليه شافعا لأحد الأعيان فلما وصل إليه بره وأنزله، وأعطاه عظاء استعظمه واستجزله، وخلع عليه خلعا، وأطلعه من الجلال بدرا لم يكن له متطلعا، ثم اعتقد أنه جاء مقصرا، فكتاب إليه معتذرا. طويل
стр. 214
ومستشفع عندي تجير الورى عندي ... وأولاهم بالشكر منّي وبالحمد
وصلت فلمّا لم أقم بجزائه ... لففت له راسي حياء من المجد
ومن باهر جلاله، وظاهر خلاله، انه أعف الناس بواطن، وأشرفهم في التقى مواطن، ما علمت له صبرة، ولا حلت له إلى مستفزة حبرة، مع عدل لا شيء يعدله، وتحجب عما يتقى ما يرسل عليه حجابه ويسدله، وكان لصاحب البلد الذي كان يتولى به القضاء ابن من أحسن الناس صورة، وكانت محاسن الأقوال والأفعال عليه مقصورة، ما شئت من لسن، وصوت حسن، وعفاف، واختلاط بالبهاء والتفاف، فحملنا إلى إحدى ضياعه بقرب من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر، أحسن من شاذ مهر، تشقا جداول كالصلال، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال، ومعنا جملة من أعيانها فأحضرنا من أنواع الطعام وأرانا من فرط الأكرم والأنعام، ما لا يطاق ولا يحد، ويقصر عن بعضه العد، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته فقابلته بكلام أحقده، وملام اعتقده، فلما كان من الغد لقيت منه اجتنابه، ولم أر منه ما عهدته من النابة، فكتبت إليه مداعبا فراجعني بهذه القطعة. طويل
أتتني أبا نصر نتيجة خاطر ... سريع كرجع الطرف في الخطراتِ
فأعرب عن وجد كمين طويته ... بأهيف طاو فاتر اللحظاتِ
غزال أحم الملقتين عرفته ... بخيف منى للحين أو عرفاتِ
رماك فاصمى والقلوب رميّة ... لكلّ كحيل الطرف ذي فتكاتِ
وظنّ بانّ القلب منك محصّب ... فلبّاك من عينيه بالجمرات
تقرّب بالنساك في كلّ منسك ... وضّحى غداة النحر بالمهجاتِ
وكانت له جيّان مثوى فأصبحت ... ضلوعك مثواه بكّل فلاةِ
يعزّ علينا أن تيهم فتنطوي ... كئيبا على الأشجان والزفراتِ
فلو قبلت للناس في الحبّ فدية ... فديناك بالأموال والبشراتِ
ومن غيثار ديانته، وعلامة حفظه للشرع وصيانته، وقصده مقصد المتورعين، وجريه جري المتشرعين، أن أحد أيعان بلده كان متصلا به اتصال الناظر بسواده، محتلا في عينه وفؤاده، ولا يسلمه إلى مكروه، ولا يفرده في حادث يعروه، وكان من الأدب في منزلة تقتضي أسعافه، وتورده من تشفيعه في مورد قد عافه، فكتب
стр. 215
إليه ضارعا في رجل من خواصه اختلط بمرآة طلقها، ثم تعلقها، وخاطبه في ذلك بشعر فلم يسعفه وكتب إليه مراجعا، متقارب.
إلا أيّها السّيد المجتبى ... ويا أيهّا الألمعيّ العلم
أتتني أبياتك المعجزات ... بما قد حوت من جميع الحكم
ولم أر من قبلها بابلا ... وقد نفثت سحرها في الكلم
ولكنّه الدين لا يشترى ... بنثر ولا بنظام نظم
وكيف أبيح حمى مانعا ... وكيف أحلّل ما قد حرم
الست أخاف عقاب الإله ... ونارا مؤججّة تضطرم
أأصرفها طالقة بتة ... على أنوك قد طغى وأجترم
ولو أن ذاك الغبي الجهول ... تثبّت في أمره ما ندم
ولكنه طاش مستعجلا ... فكان أحقّ الورى بالندم
وكتب في غرض عن له القول فيه: بسيط
يا ساكن القلب رفقاكم تقطعه ... الله في منزل قد ظلّ مثواكا
يشيّد الناس للتحصين منزلهم ... وأنت تهدمه بالعنف عيناكا
والله والله ما حبّى لفاحشة ... أعاذني الله من هذا وعافاكا
وله في مثل ذلك: بسيط
روحي لديك فردّيها إلى جسدي ... من لي على فقدها بالصبر والجلدِ
بالله زوري كئيبا لا عزاء له ... وشرفيه ومثواه غداة غدِ
لو تعلمين بما ألقاه يا أملي ... بايعتني الودّ تصفيه يدا بيدِ
عليك منّي سلام الله ما بقيت ... أثار عينك في قلبي وفي كبدي
وله يتوجع من الفراق. كامل
أزف الفراق وفي الفؤاد كلوم ... ودنا الترحل والحمام يحومُ
قل للأحبّة كيف أنعم بعدكم ... وأنا أسافر والفؤاد مقيمُ
قالوا الوداع يهيج منك صبابة ... ويثير ما هو في الهوى مكتومُ
فلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقومُ
ولما انتهز ابن رذمير في سرقسطة أعادها الله ووقمه، فرصة أسهرت العيون وأرقتها، وطرقت النفوس من ذلك بما طرقتها، انتدب الأمير عبد الله بن مزدلي
следующие страницы →