← Тараджим

Тараджим · id 21510

قلائد العقيان في محاسن الرؤساء والقضاة والكتاب والأدباء والأعيان

الفتح بن خاقان

Полный текст (300 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أليس جديرا أن يشيع ذكرهم ... بامة قلب في المدامع ذائبِ لنا الله والملك الذي ترتجى به ... من الزمن المذناب رجعة تائبِ هوم الغوث فأعطفه علينا بنظرة ... من الحزم تحثوا في وجوه النوائبِ أليس الذي لم ينجب الدهر مثله ... أغّر صباح الدين صدق المضاربِ وأعفى ووقع الذنب قدمى كلومه ... وأكفى إذا كفّت صدور التائبِ عهدناه يقري الضيف قبل نزوله ... ويلبس وقت السلم درع المحاربِ ويغزو فلا شيء يقوم لعزمه ... ولو أنه يرمي به في الكواكبِ إذا ظنّ لم يعدم يقين مشاهد ... وان همّ لم يخطئ رمّية صائبِ فلا زال جيش النصر يقدم جيشه ... وتلقاه بالبشرى وجوه العواقتِ وله يصف فحما. كامل علوا القرى للقرّ فحما حالكا ... قدح الزناد به فأورى نارا فبدا دبيب السقط في جنباته ... كالبرق في جنح الظلام أنارا ثمّ انبرى لهبا وثار كأنّه ... في الحرق ذو حرق يطالب ثارا وكأنه ليل تفجّر فجره ... نهرا فكان على المقام نهارا وله وقد ودع بعض أخوانه بسيط أستودع الله من ودّعته ويدي ... على فؤادي خوفا من تصدّعه بدر من الودّ حازته مغاربه ... فالنفس قد أشخصت طرفا لمطلعهِ اتبعه بعد توديعي له نظرا ... إنسانه غرقَ في بحر أدمعهِ ما أوجع البين في قلب الكريم غدا ... يفارق القلب في يوبي مودّعه يذيبه البين تعذيبا ويمنعه ... من أن يطير شعاعا أسر أضلعه يسطو به البين مغلوبا فليس سوى ... تململ في فراش من توجّعهِ وله يصف الزمان وأهله: كامل مجزوء دأء الزمان وأهله ... داء يعزّ له العلاجُ أطلعت في ظلمائه ... ودّا كما سطع السراجُ لصحابة أعيا ثقا ... في من قناتهم اعوجاجُ أخلاقهم ماء صفا ... مرأى ومظعمهم أجاجُ كالدرّ ما لم تختبر ... فإذا اختبرت فهم زجاجُ

стр. 212

وكتب إلى الفقيه القاضي أبي سعيد خلوف بن خلف اعزه الله من حضرة بلنسية وقد نهض في صحبة الأمير الأجل عبد الله بن مزدلي عند منهضه غلى سرقسطة أعادها الله ملبيا لمناديها، ومعبيا لمدافعة العدو المخيم بواديها، وأقام الفقيه أبو محمد خلاف العسكر هناك لغرض اعترضه، وعاق منهضه، أستوهب الله الفقيه الأجل قاضي الجماعة سيدي وعمادي شمول نعمه وأياديه، واتصال روائح عز الطاعة وغواديه، واتصال خواتم العمال بمباديه، والتام عواجز السعد يهواديه، ولا زال منهل سحاب العدل، ممتد أطناب الظل، منحضر جوانب الفضل، لا يقرع باب أمل إلا ولجه، ولا يعن لما تكره النفوس منأامر إلا فرجه، بعزة الله كتبته، أدام الله بالطاعة عزك من حضرة بلنسبة حرسها الله يوم كذا عن منبر ودك الذي تخبو لدي ناره، ولا تافل عندي شموسه وأقماره، ونظير عهدك الذي لا يخلع لبسة الكرم، ولا يزداد إلا طيبا على القدم، وعطر حمدك الذي به أحاور وأحاضر، وبمحاسنه أباهي وأفاخر، والله تعالى يمل بمحامدك أسماعا ويطلق السنا، ويبقيك للفضل غيثا كريما وأثرا حسنا، ويديم ما بيننا في ذاته زكي الفروع ثابت الأصول، حصين السكة مرهف النصول، بمنه بعد أن ورد كتابك الكريم روضة الحزن، غب المزن، وحديقة الزهر، تبسمت لوفد المطر، تتجارى إلى محاسنه العين والنفس، ويترقرق من خلاله الأنس، وانتهيت منه إلى ما يقتضي رضى وتسليما، ويسر كما سمي اللديغ سليما، وأما ما ذهبت إليه دام عزك، من تعرف الأنباء، واجتلاء الانحاء، فإن ابن رذمير وقفه الله قد جعل بناء سرقسطة لكلكله عطنا، واتخذ ذلك الحريم وطنا، وذلك انه ندب لهذه السفرة من أهل ملته ما ندب، واحلب من خيلهم ورجلهم ما أجلب، وهو أن بمنازلته سرقسطة ستفتح عليها أبواب حروب، وأنه قد وطئ غيلا غير مغلوب، فلما رأى أن حمامتها ليست بضربة لازب، وأبصر حبلها على الغارب، نبهت المطامع حرصه، ففعل فعل الضعيفة أصابت فرصه، فلازم ملازمة الغريم، وصرف إليها وجوه الهم والهموم، مع أن غراب الرحيل ينعب كل يوم في عرصانة ويفصح، وطوائف الافرتج دمرهم الله كل ليلة تمسي ولا تصبح، لأن نبتهم ونواهم نزوح، من دون أفواجهم مهامه فيح، وأيضاً فإن الأمير الأجل أبا محمد عبد الله بن مزدلي أيده الله قد أضاق بضبط الطرق وقطع المتصرفين ذرعهم، وعجز بنصب حبائل

стр. 213

الخيل لمن شد أو فر وسعهم، فإنه دام أمره أطل عليهم الفجر على الظلام، وأخذ هناك بضبع الإسلام، وأقام مرة كالحية النضناض، وطورت كالسد القضقاض، يسرب إلى محلتهم من يضرم نار الحرب في أكنافها، ويأتي أرضهم ينقضها من أطرافها، ولولاه ما علا هنالك للإسلام اسم، ولا عاد للمدافعة رسم، ولا لاح للمكافحة وسم، ولا عن لتلك العلل المجهزة على تلك الأقطار جسم، ولكنه ركب صعب الأهوال، وصدق الصيال، وهي أعزك الله أقطار أن لم تقم القوة منها ميلا وجنفا، ويستعمل الجد لها نظرا أنفا، وإلا فعقدها بمدرج نثار، وهي في طريق انتكات وعثار، والله يكفي المسلمين فيها، وينعم عليهم بتلافيها، بعزته والسلام الجزيل، عليك يا عمادي ورحمة الله وبركاته. الوزير الحسيب الفقيه المشاور القاضي أبو الحسن بن أضحى أعزه الله نسب ما وراءه منتسب ولا مثله حسب شرف باذخ تعقد بالنجوم ذوائبه، وتحل في مفرق النسر ركائبه، استفتحت الأندلس وقومه أصحاب رايات، وأرباب أماد في السبق وغايات، واستوطنوها فغزوا بحور مواهبها، وبدور غيابها، وجاء أبو الحسن أخرهم، فجدد مفاخرهم، وأحيا الرفاة، وأغنى العفاة، فبماذا أصفه وقد بهر، وبدا فضله كالصبح إذا اشتهر، وبماذا أحليه وعنه تقصر الحلى، وبه يتزين الدهر ويتحلى، ولكني أقول هو بحر زاخر، وفضل سواء أوائله والأواخر، تفخر به الدنيا وتزهى، وهو للعليا سماك وسهى، إذا جاد همى غيثا، وان صال غدا ليثا، ولي القضاء فهيب أنكاره، وانجلى من أفق الدين غيمه وعتكاره، وحييب به الرعايا، ولويت السن البغي والسعايا، وله سجايا برئت من الزهو، وأحكام عوفيت من الغلط والسهو، سقته العلوم زلالها، ومدت عليه ظلالها، وأرقته الجلالة هضابها، وأرشفته الأصالة هضابها، فلا في سماء العلاء بدرا، وصار في فناء السناء صدرا، عدلا في أحكامه، خزلا في نقضه وأبرامه، وله نظم متع الصفات، أحلى من الرشفات، وقد أتت منه ضروبا، لا تجد لها ضريبا، أخبرني ذو الوزارتين أبو جعفر بن أبي ﵀ أنه كتب إليه شافعا لأحد الأعيان فلما وصل إليه بره وأنزله، وأعطاه عظاء استعظمه واستجزله، وخلع عليه خلعا، وأطلعه من الجلال بدرا لم يكن له متطلعا، ثم اعتقد أنه جاء مقصرا، فكتاب إليه معتذرا. طويل

стр. 214

ومستشفع عندي تجير الورى عندي ... وأولاهم بالشكر منّي وبالحمد وصلت فلمّا لم أقم بجزائه ... لففت له راسي حياء من المجد ومن باهر جلاله، وظاهر خلاله، انه أعف الناس بواطن، وأشرفهم في التقى مواطن، ما علمت له صبرة، ولا حلت له إلى مستفزة حبرة، مع عدل لا شيء يعدله، وتحجب عما يتقى ما يرسل عليه حجابه ويسدله، وكان لصاحب البلد الذي كان يتولى به القضاء ابن من أحسن الناس صورة، وكانت محاسن الأقوال والأفعال عليه مقصورة، ما شئت من لسن، وصوت حسن، وعفاف، واختلاط بالبهاء والتفاف، فحملنا إلى إحدى ضياعه بقرب من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر، أحسن من شاذ مهر، تشقا جداول كالصلال، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال، ومعنا جملة من أعيانها فأحضرنا من أنواع الطعام وأرانا من فرط الأكرم والأنعام، ما لا يطاق ولا يحد، ويقصر عن بعضه العد، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته فقابلته بكلام أحقده، وملام اعتقده، فلما كان من الغد لقيت منه اجتنابه، ولم أر منه ما عهدته من النابة، فكتبت إليه مداعبا فراجعني بهذه القطعة. طويل أتتني أبا نصر نتيجة خاطر ... سريع كرجع الطرف في الخطراتِ فأعرب عن وجد كمين طويته ... بأهيف طاو فاتر اللحظاتِ غزال أحم الملقتين عرفته ... بخيف منى للحين أو عرفاتِ رماك فاصمى والقلوب رميّة ... لكلّ كحيل الطرف ذي فتكاتِ وظنّ بانّ القلب منك محصّب ... فلبّاك من عينيه بالجمرات تقرّب بالنساك في كلّ منسك ... وضّحى غداة النحر بالمهجاتِ وكانت له جيّان مثوى فأصبحت ... ضلوعك مثواه بكّل فلاةِ يعزّ علينا أن تيهم فتنطوي ... كئيبا على الأشجان والزفراتِ فلو قبلت للناس في الحبّ فدية ... فديناك بالأموال والبشراتِ ومن غيثار ديانته، وعلامة حفظه للشرع وصيانته، وقصده مقصد المتورعين، وجريه جري المتشرعين، أن أحد أيعان بلده كان متصلا به اتصال الناظر بسواده، محتلا في عينه وفؤاده، ولا يسلمه إلى مكروه، ولا يفرده في حادث يعروه، وكان من الأدب في منزلة تقتضي أسعافه، وتورده من تشفيعه في مورد قد عافه، فكتب

стр. 215

إليه ضارعا في رجل من خواصه اختلط بمرآة طلقها، ثم تعلقها، وخاطبه في ذلك بشعر فلم يسعفه وكتب إليه مراجعا، متقارب. إلا أيّها السّيد المجتبى ... ويا أيهّا الألمعيّ العلم أتتني أبياتك المعجزات ... بما قد حوت من جميع الحكم ولم أر من قبلها بابلا ... وقد نفثت سحرها في الكلم ولكنّه الدين لا يشترى ... بنثر ولا بنظام نظم وكيف أبيح حمى مانعا ... وكيف أحلّل ما قد حرم الست أخاف عقاب الإله ... ونارا مؤججّة تضطرم أأصرفها طالقة بتة ... على أنوك قد طغى وأجترم ولو أن ذاك الغبي الجهول ... تثبّت في أمره ما ندم ولكنه طاش مستعجلا ... فكان أحقّ الورى بالندم وكتب في غرض عن له القول فيه: بسيط يا ساكن القلب رفقاكم تقطعه ... الله في منزل قد ظلّ مثواكا يشيّد الناس للتحصين منزلهم ... وأنت تهدمه بالعنف عيناكا والله والله ما حبّى لفاحشة ... أعاذني الله من هذا وعافاكا وله في مثل ذلك: بسيط روحي لديك فردّيها إلى جسدي ... من لي على فقدها بالصبر والجلدِ بالله زوري كئيبا لا عزاء له ... وشرفيه ومثواه غداة غدِ لو تعلمين بما ألقاه يا أملي ... بايعتني الودّ تصفيه يدا بيدِ عليك منّي سلام الله ما بقيت ... أثار عينك في قلبي وفي كبدي وله يتوجع من الفراق. كامل أزف الفراق وفي الفؤاد كلوم ... ودنا الترحل والحمام يحومُ قل للأحبّة كيف أنعم بعدكم ... وأنا أسافر والفؤاد مقيمُ قالوا الوداع يهيج منك صبابة ... ويثير ما هو في الهوى مكتومُ فلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقومُ ولما انتهز ابن رذمير في سرقسطة أعادها الله ووقمه، فرصة أسهرت العيون وأرقتها، وطرقت النفوس من ذلك بما طرقتها، انتدب الأمير عبد الله بن مزدلي

стр. 216

رحمه الله دون أن يندب، والمسلمون ينسلون معه غليها من كل حدب، وشمر تشمير البطل المغوار، وعمر عليها النجاد والأغوار، حتى دخلها والعدو صاغر، وأطل عليه منه أسد فاغر، وحصره في أخبيته ووقف له في ثنيته، لم ينله أنتهاب نعم ولا بهم، فاستبشر المسلمون بمضائه، واستظهر الدين بانتضائه، لولا ما عاجله الحمام، وساجله بيد أمضى من الحسام فخط الردى هناك موضعه، واثكل فيه الإسلام وفجعه، وعند أرغامه لابن رذمير، وإيغاله في شعابه بالخراب والتدمير، كتب غليه القاضي أبو الحسن يمدحه ويذكر منابه. بسيط يا أيها الملك مضمون لك الظفر ... أبشر فمن جندك التأييد والقدرُ وأب لنا سالما والسعد مقتبل ... والدين منتظم والكفر منتثر وقد طلعت على البيضاء من كثب ... كما تطلّع في جنح الدجا القمرُ حللت في أرضها في جحفل ... كما يحل بها في الأزمة المطرُ وحولك الصيد من لمتونة وهم ... أبطال يوم الوغى والنجم الزهرُ والعرب ترفل فوق الغرب سابحة ... كالسد ليس لها إلاّ القنا ظفرُ من كلّ أروع وضّاح عمامته ... كالبدر نحو لقاء الجيش يبتدرُ شعاره البرّ والتقوى ومونسه ... في ليلة رمحه والصارم الذكرُ ذوابة المجد من قحطان كلّهم ... أبوهمُ حمير ذو المجد أو مضرُ ومن زناتة أبطال غطارفة ... ذووا تجارب في يوم الوغى صبرُ ولمطة وهمُ أهل الطعان لدى ال ... هيجاء في زمر تقتادها زمرُ كأنّهم في جبين المجد إذا ركبوا ... مصممين إلى أعدائهم غررُ الفقيه الكاتب أبو عبد الله اللوشي رحمه الله تعالى طود علاء، رسا رسوثبير، وزند ذكاء، أورى بالإنشاد والتحبير، الفضل حشو أبراده والنبل تلو إصداره وإيراده، مع نفس عذبت صفاء وشيمة ملئت وفاء واحتفاء، ومذهب صفا صفاء التبر، وخلص من الخيلاء والكبر، وسعي لكل نجح ضامن، ووقار كان ثبيرا فيه كامن، وأدب زرت على الإعجاز جيوبه، وهبت بعزف الإحسان صباه وجنوبه، ونظم ونثر بلغا الغاية، وفي يدهما للسبق لواء وراية، إلا انه هين بخلق حرجت وساءت، وظنون شتى بعدت عن الخير وتناءت،

стр. 217

وأوجبت له من اللوم ما شاءه النقص وشاءت ولولاها امتطى الأفلاك، واستخفض الغفر والسماك، وقد أثبت من نظمه ونثره نبذا تدير عليها الحميا، وتتنسم لها عرفا وريا، فمن ذلك رسالة كتب بها إلى الوزير أبي محمد عبد الحق بن عطية وفقه الله وهي، أطال الله بقاءك يا سيدي الأعلى، وذخرى الأغلى، وواحد أعلاقي الأسمى، ومنحة الله العظمى، مخدوما بأيدي الأقدار، معصوما من عوادي الليل والنهار، مكتنفا من لطائف الله الخفية وعوارف صنائعه الحفية، بما يدفع عن حوزتك نوائب الخطوب، ويصنع لك في طيي المكروه نهاية المحبوب، لله تعالى أقدار لا تتجاوز مداها، وأحكام لا تخطى مرميها ولا تتخطاها، وآثار يحلها المرء ويغشاها، ولهذا من كتبت عليه خطا مشاها، غير انه عزك دام قد يخير الله لعبده في الأمر المكروه، ويلبسه في أثناء المحنة ثوبا من المنحة لا يسروه، فمن الحزامة لمن تحقق بالأيام ومعرفتها، وعلم صروف الليالي بكنه صفتها، أن يضحى عن الخطب شهما يواثبه، ولا يتوقى ظهر ما هو راكبه، غذ لا محالة أن العيش ألوان، وحرب الزمان عوان، وحتم أن يستشعر الصبر والجلد من يناوي الرجال، ويقري في نفسه أن الأيام دول وأن الحرب سجال، ويعتقد أن ما يعرضه في خلال النضال، من وخز الكفاح، ويعترضه بمجال الرجال، من خفز الرماح، غمار تقلع وغبار يقشع، لا سيما إذا كان الذي أصابه جرحا أشواه وسهم غرب حاب عن المقتل غلى سواه ثم أجلت الحرب عن قرنه ترت الجبين، شرقا بدم الوتين، فقد أربت لذة غلبه، وفرحة منقلة، على ما غاله من وصبه، وناله من تجشم نصبه، وأراح بعزة الظفر، وبلوغ الأمل وقضاء الوطر، ولم أزل أدام الله عافيتك أرتاع لفرقك، بتذكرك واشتياقك، وأتعلل منك بالمنى وأعول فيك على التسليم لمنافذ المنى، وأرجع على ترداد لعل وعسى، ومواصلة تجرع الكمد لانتزاحك والأسى، والأشفاق يفور بي وينجد، والتجلد يعين على مضض بعدك وينجد والتجلد يصور لي الأمل، ويثني الرجاء المعتل، إلى أن انتظر أن شاء الله في جانبك الصنع الجميل واثق لك منه عز وجهه باللطف الخفي، والفتح الجلي، وأتيقن لك بعادة الله السنية، وعارفته السالفة الهنية، وكونك قمر سنا، وهضبة سرو وسنا، انك لن تعدم حيث كنت مسرة، ولا تفقد بكل قطر تحلة تكرمة ومبرة، وان قدرك معروف بكل مكان، والنفيس نفيس حيثما

стр. 218

كان، ولكني علم الله كنت أتخيل خلو حضرتنا المزدانة بحلاك، من التجمل بمجدك وعلاك، فاستوحش وأتمثل بقوله نبئت أن النار بعدك أوقدت فأجهش. طويل أقبلت طرفي في الفوارس لا أرى ... حزاقا وعيني كالحجاة من القطر وأيم الله ياسيدي الأعلى تكدر بعدك المحيا، ونغص فراقك الدينا، واقشعرت بعدك العليا، وأصبح طرف لا أراك به أعمى إلى أن وافى من فلان راجلك بشيرا، فاغتديت لعمر الله جذلا وارتددت بصيرا، وقلت عودة من الزمان، وعطفة من درك الآمال والآمان، فالحمد لله الذي وهب هذه المسرة بتمامها، وأطلق النفس من عقلة اغتمامها، والشكر له على ما من به من أيابك، وأنعم به من فيئتك واقترابك، فإنها النعمة المالكة خلدي، المالئة لساني ويدي، التي هي أحلى من الأمان، وأسنى من كرة العمر وعودة الزمان، والرب يهنئك السلامة، ويلحفك أبراد العز في حالتي الظعن والإقامة ويعرفك يمن قفولك وبركة رحلتك وحلولك ويسعدك بمقدمك، ويجعل الأيام من خدمك، بعزته الباهرة، وقدرته القاهرة، والسلام الجزيل العميم عليك ورحمة الله وبركاته، وله من قطعة راجع بها الوزير أبا القاسم بن السقاط ارتجالا. كامل يا لابسا برد العلاء مفوفا ... بأجل مأثرة وأسنى مفخر أني وحقك لو جهدت مودة ... نفسي لأبلغ كنه ما في مضمري لو كنت أسطيع الوفاء بما أرى ... لجلال قدر إلا وحدي الشمري لنضوت جلبات الشباب غفارة ... وخلعتها بدلا له من ممطرِ أو كنت أرسل ما يليق بقدره ... لبعثتها من سندس أو عبقري وبذلت نفسي دونه ووقيته ... بنفيس عمري من صروف الأدهرِ لله أبيات أتتنا خمسة ... مثل الفرند نظمن نظم الجوهري جمعت من السحر الحلال محاسنا ... من كلّ رائق نظم مستندرِ سوّى وشيعتها لسان حائك ... ووشى سداها خاطر كالسمهري فأتت حبيبا لن يفوه بمثلها ... وأتت بما يزري بنبل البحتري فالبس هنيئا برد مجد سابغ ... واسحب ذيولك زاهيا وتبخترِ وله رسالة كتب بها إلى أمير المسلمين يعزيه في الأمير مزدلي رحمة الله، أطال الله

стр. 219

بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، الشائع عدله، السابغ فضله، العظيم سلطانه العلي مكانه، السني قدره وشأنه، في سعد تطرف عنه أعين النوائب، وجد تصرف دونه أوجه المصائب، كل رزء أدام الله تأييده وأن عظم وجل حتى استولى على النفوس منه الوجل، إذ عدا بابه، وتخطى جنابه، فقد أخطأ بحمد اله المقتل، وصد عن سواء الغرض وعدل، وإذا كانت أقدار الله تعالى غالبة لا تصاول، وأحكامه نافذة لا تزاول، فالصبر لواقعها أولى، والتسليم لجوازها أوهب لرضى المولى، والتزام أوامره أشرف وأعلى، وفي كل حال أجل وأولى، وكتبته أدام الله تأييده والنفس بنار زفراتها محترقة، والعين بماء عبرتها شرقة مغرورقة، لما نفذ قدر الله المقدور، وقضاؤه المسطور، من وفاة الأمير الأجل أبي محمد مزدلي قدس اله روحه، وسقى ضريحه، فياله رزء قصم الظهر، ووسم النجوم الزهر، وأذكى الأحزان، وأبكى الأحزان، وأبكى الأجفان وأقصى المهاد بمكانته من الدول المنيفة ومنزلته من الأمرة الرفيعة الشريفة، وعند الله نحتسبه ذخيرة عظمى، ونسأله المغفرة له والرحمن. فإنه كان نور الله وجهه متوفر الهمة على الجهاد، من أهل الجد في ذلك والاجتهاد، وحسبه أنه لم يقض نحبه غلا وهو متجهز في عساكره فأدركه الموت مهاجرا، ومع الله تاجرا، وأرجو أن يكون تعالى قد قرن له فاتحة السعادة، بخاتمة الشهادة، وأمير المسلمين أورى في الرياسة وندا من أن تضعضعه الخطوب وأن أهمت، وتوجعه الحوادث إذا ادلهمت والله يحسن عزاءه على فجعه، ولا يدني حادثا من ربعه بمنه . الفقيه الحافظ القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض رحمه الله تعالى جاء على قدر وسبق إلى نيل المعالي وابتدار، واستيقظ لها والناس نيام، وورد ماؤها وهم حيام، وتلا من المعارف ما أشكل، وأقدم على ما أحجم عنه سواه ونكل فتحلت به العلوم نحور، وتجلت له منها حور، كأنهن الياقوت والمرجان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، قد ألحفته الأصالة رداءها، وسقته أنداءها، وألقت إليه الرياسة أقاليدها، وملكته طريفها وتليدها، فبذ على فتائه الكهول سكونا وحلما، وسبقهم معرفة وعلما، وأزرت محاسنه بالبدر اللياح، وسرت فضائله سري الريا، فتشوفت لعلاه الأقطار، ووكفت تحكي نداه المطار، وهو على اعتنائه بعلوم الرشيعة، واختصاصه بهذه الرتبة الرفيعة،

стр. 220

يعني بإقامة أود الأدب، وينسل غليه أربابه من كل حدي، إلى سكون ووقار كما سار الطود، وجمال مجلس كما حليت الخود، وعفاف وصون، ما علمنا فسادا بعد الكون، وبهاء لو رأته الشمس ما باهت بأضواء وخفر، ولو كان للصبح ما لاح ولا أسفر، وقد أثبت من كلامه البديع الألفاظ والأغراض، ما هو اسحر من العيون النجل والجفون المراض فمن ذلك رقعه حملنيها تحية للرئيس أبي عبد الرحمن بن طاهر ﵀ وهي، عمادي أبا نصر، مثني الوزارة ووحيد العصر، هل لك في منة تفوت الحصر، تخف محملا، وتبلغ أملا، وتشكر قولا وعملا، شكرا تترنم به الحداة ورمى، إذا بلغت الحضرة العلية مستلما، ولقيت الطاهر بن طاهر فخر الوزارة مسلما، وحلت من فنائه الأرحب حرما، ولمست بمصافحته ركن المجد يندى كرما، فقف شوقي بعرفات تلك المعارف، وانسك شكري بمشاعر تلك العوارف، واطف أكباري بكعبة ذاك الجلال سبعا وبوء لوادي في مقر ذلك الكمال ربعا، وأبلغ عني تلك الفضائل سلاما، يلئم بصريح الحب والتئاما، ويحسن عني بظهر الغيب مقاما، ويسير عني بارح الجد أنجادا واتهاما، وله مراجعا عن كتابين كتبتهما إليه معاتباً له. طويل أبا النصران شدّوا رحالك للنوى ... فإنّ جميل الصبر عنك بها شدّوا وأن تتركوا قلبي مقيما وترحلوا ... فماذا ترى في مهجة معكم تغدوا وله فصل من رسالة في جانبي، في علمك، سدد الله علا حكمك ما جمعه فلان من جلائل، تشد عن الحصر، وفضائل يعترف له بها نبهاء العصر، يقول: فيختلس العقول ويعن، فيذهل الألباب ويحن، أن نظم فعبيد، أو لبيد، أو نثر فعبد الحميد، أو ابن العميد، أوصال فأبو نعامة، أو أنال فكعب بن مامة، وا فاخر فشجرة سيادة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وا ذاكر فبحر معارف لا تكدره الدلاء، إلى همة تصفع هامه الثريا، وعزة تمتهن الفضل بن يحيى ولهجة تخرس العجاج، وبهجة تزري بنصر بن حجاج، ولو كنت ابن أبي هالة، لما بلغت المنتهى له، على أني لم أنبه لشأنه ذا جهالة، لكنه الكلام يطرد والبداية حسب ما ترد واللسان ينطق ملْ فيه والجبان يرشح بما فيه، ومن شعره قوله. طويل عسى تعزف العلياء ذنبي إلى الدهرِ ... فأبدي له جهد اعترافي أو عذري وقد حال ما بيني وبين أحبّه ... ألفتهم ألف الخمائل للقطرِ

стр. 221

همُ أودعوا قلبي تباريح لوعة ... فنأيهم أذكى وأنكى من الجمرِ على أنّ لي سلوى بانّ فراقهم ... وأن طال لم يمزج بصدّ ولا هجرِ سأفزع للريح الشمال لعلّني ... أحمّلها نجوى تلجلج في صدريِ تبلّع منها للوزير تحيّة ... معطرّة الأرجاء دائمة البشرِ تظلله من حرّ كلّ هجيرة ... وتونسه في وحشة البلد القفرِ وتنبئه أنّي أكنّ صبابه ... لحسن بدا في غير شعر ولا شعرِ أهزّ بها عطفيّ من غير نشوة ... وأرخي بها ذيلا من التيه والكبرِ وأنّي أشدو في النوادي بذكره ... كما شدت الورقاء في الغصن النضرِ أجل وعساها أن تبلّغ مهجتي ... فأبلي بها عذري وأقضي بها نذري وله في خامات زرع بينها شقائق نعمان هبت عليه ريح. سريع انظر إلى الزرع وخاماته ... احكي وقد ماست أمام الرياح كتابيا تجفل مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح وله فصل من رسالة راجع بها، وصلت لمعظمي قرب الجلال، وزهيت به رتب الكمال، وحامت على مشرع مجده العذب طيور الآمال، وغصت أفنية جنابه الرحب بوفود الإقبال، ولا غرو أعزك الله أن من لاحظ من أثار فضلك الرائقة لحظة، أو حظي من سماع محاسنك الرائعة ولو بلفظة، أن تسير به همته في لقائك واحداً، وتعتسف الطرق إلى ورد جلالك وافداً حتى يشاهد الكمال لم يحوج إلى نقص، وليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في شخص، وله عند ارتحاله عن حاضرة قرطبة. طويل أقول وقد جدّ ارتجالي وغرّدت ... حداتي وزمت للفراق ركائبي وقد غمصت من كثرة الدمع مقلتي ... وصارت هواء من فؤادي ترائبي ولم تبق إلاّ وقفة يستحثّها ... وداعي للأحباب لا للحبائبِ رعى الله جيرانا بقرطبة العلى=وسقى رباها بالعهاد السواكبِ وحيّى زمانا بينهم قد الفته ... طليق المحيّا مستلين الجوانبِ أأخواننا بالله فيها تذكروا ... معاهد جار أو مودّة صاحب غدوت بهم من برّهم واحتفائهم ... كأنّي في أهلي وبين أقاربي وله في المتشابه. متقارب

стр. 222

إذا ما نشرت بساط ابتساط ... فعنه فديتك فاطو المزاحا فإنّ المزاح كما قد حكى ... أولو العلم قبل عن العلم زاحا وله في فصل من رسالة، لا بد لكل حين من بنين يجلون عاطله، ويجلون فضائله، ولكل محال، من رجال، يقومون بأعبائه، ويهيمون في كل واد بأنبائه، ولئن كانت جمرة الدب خامدة، وجذوته هامدة، ولسانه حصير، وأنسانه حسير، فلن يخليه الله من هلال يطلع، فيشرق بسمائه بدار، وزلال ينبع فيغدق بفضائه بحرا، وشبل يشدو فيزار من غابه ليثا، وطل يبدو، فيمطر من ربابه غيثا، ومن شعره. متقارب لك الخير عندي لذاك النزاعِ ... عقل يهيم وقلب يراعُ يعزّ علينا تنأي الديار ... وذاك سلامك لي والوداعُ لكم أمل لي في اللقاء ... وأمنية قد طواها الزماعُ فلم أجن منها سوى حسرة ... فوجد جميع وانس شعاعَ لئن حّمل القلب ما لا يطاق ... فما كلّف الجفن لا يستطاعُ وخرجنا لنزهة فلما أنصرفنا أصاب غفارتي شوك شقها فلما وصلت موضعي أمر أن أبعثها إليه، مع أحد عبيده المتصرفين بين يديه، فلما كان من الغد تأخر صرفها، وحضرت الجمعة فكتبت إليه معاتباًَ في توقفها، قد بقيت أعزك الله كالأسير، ولقيت التوحش بجناح كسير، أن أردت النهوض لم ننهض، وليت من لا بريش لم يهض، وقد غدوت من المقام، في مثل السقام، فلتأمر بردها، لعلي احضر الصلوة وأشهدها، لا زلت سريا تطلق من يد الوحشة بريا، أن شاء الله فراجعني أدام الله ياوليي جلالك، وأبقى حليا في جيد الدهر خلالك الفغارة عند من ينظر فيها، وقد بلغت غير مضيع تلافيها، ويرجى تمامها قبل الصلوة وادراكها، وتصل مع رسولي وكأنما قد شراكها، وان عاق عائق، فليس مع صحة الود مضائق، والعوض رائق لايق، وهو واصل وأنت بقبوله مواصل، والسلام ما در شارق، وومض بارق. الفقيه القاضي أبو الحسن بن زنباع رحمه الله تعالى ملئ حياء، وقنئ استحياء، طود سكون ووقار، وروضة نباهة يانعة الأزهار،

стр. 223

وسمت صفحات المهارق غرره، وانتظمت بلبات المغارب والمشارق درره، أن نطق رأيت البيان منسربا من لسانه، والإحسان منتسبا لإحسانه، حوى العلوم وحازها، وتحقق حقائق العرب ومجازها، وروى قصائدها وأرجازها، وعلم أطالتها وإيجازها، وهو في الطب موفق العلاج، واضح المنهاج، وله نظم تزهى به نحور الكعاب، ويستسهل إلى سماعه سلوك الصعاب، وقد أثبت منه ما يجتليه، فتستحليه، وتمقله، فتنقله فمن ذلك قوله. كامل أبدت لنا الأيّام زهرة طيبها ... وتسربلت بنضيرها وقشيبها واهتزّ عطف الأرض بعد خشوعها ... وبدت بها النعماء بعد شحوبها وتطلعت في عنفوان شبابها ... من بعد ما بلغت عتّي مشيبها وقفت عليها السحب وقفة راحم ... فبكت لها بعيونها وقلوبها فعجبت الأزهار كيف تضاحك ... ببكائها وتبشّرت بقطوبها وتسربلت حللا تجرّ ذيولها ... من لدمها فيها وشقّ جيوبها فلقد أجاد المزن في أنجادها ... وأجاد حرّ الشمس في تربيبها ما انصف الخيريّ يمنع طيبه ... لحضورها ويبجه لمغيبها وهي التي قامت عليه بدفئها ... وتعاهدته بدرّها وحليبها فكأنّه فرض عليه موقّت ... ووجوبه متعلق بوجوبها وعلى سماء الياسمين كواكب ... أبدت ذكاء العجز عن تغييبها زهر توقّد ليلها ونهارها ... وتفوت شاو خسوقها وغروبها فضلت على سير النجوم بأسرها ... وسرّوها في الخلفتين وطيبها فتأرّجت أرجائها بهبوبها ... وتعانقت أزهارها بنكوبها وتصوّبت فيها فروع جداول ... تتصاعد الأبصار في تصويبها تطفو وترسيب في أصول ثمارها ... والحسن بين طفّوها ورسوبها فكأنّما هي موجسات أساود ... تناسب من أنقابها للصوبها فادر كؤس الأنس في حافاتها ... وأجعل سديد القول من مشروبها فحديث اخوان الصفاء لذاذة ... تجنى ويمن من جناية حوبها وأركض إلى اللذات في ميدانها ... وأسبق لسدّ ثغورها ودروبها أعريت خليك صيفها وخريفها ... وشتائها هذا أوان ركوبها

стр. 224

أو ما ترى الأزهار ما من زهرة ... إلاّ وقد ركبت فقار قضيبها والطير قد خفقت على أفنانها ... تلقى فنون الشدو في أسلوبها تشدو وتهتزّ الغصون كأنّما ... حركاتها رقص على تطريبها وله: منسرح كذا تصان السيوف في الخللِ ... ويفخر الحظّ بالقنا الذبّلِ وتكرم الخيل في مرابطها ... بر الفتاه المعروف بالرجلِ ويعطف النبع كالحواجب أو ... أحنى وتمهى السهام كالمقلِ ويوثر الشّرة الكميّ إذا ... خير بين الدروع والحللِ فتح أنارت له البلاد كما ... أشرقت المقربات للنهلِ هدّت له الروم هدّة ملت ... قلوب أبطالهم من الوجلِ فما أطاقوا الولوج في نفق ... وما أطاقوا الصعود في جبلِ القوا بأيديهم ولا سبب ... يفرق بين الفتاة والبطلِ فمجرئ الأسد في مرابضها ... كمجرى الغانيات في الكلِ وربّما لم تقم مناصلها ... مقام تلك اللواحظ النجلِ تغامسوا في الدروع زاخرة ... كي يسلموا من حرارة الأسلِ فما أفادتهم الدروع سوى الن ... نقلة من خّفة إلى ثقلِ كأنّهم والرماح تحفزهم ... جري فصال سلكن في الوحلِ جاءوا بها سبّفا مضاعفة ... قد أخلصت بالحديد والعملِ مثل عيون الدبا فصيّرها ... دم وطعن كأعين الحجلِ هناك سل بالوزير من شهد ال ... حرب وان كنت شاهدا فقل ولا تخف أن حكيت مغربة ... عنه مقام المكذّب الخطلِ فإنّه الوحد الذي ترك الد ... دهر بلا مشبه ولا مثلِ حدّث بما شئت عنه من حسن ... وعظّم المر ثمّ لا تسلِ ففضله يبهر الأهلّة في ... سعودها والشموس في الحملِ وكتب إلي أعزه الله مراجعا. طويل هوى منجد يلقى به اليل متّهمُ ... يصّرح عنه الدمع وهو يجمجمُ يبيت يدري أو يداري ما به ... ويغلبه أمر الهوى فيسلّمُ لأجفانه من كل شيء موّرق ... ومن أين للمشتاق شيء ينوّمُ

стр. 225

وليس الهوى ما الراي عنه مزحزح ... ولكنّه ما الراي فيه مفخّم واعذر أهل الحبّ كلّ مدلّة ... يرى أنّ من يهدي له النصح الومُ وأجلد أبناء الزمان مرزا ... يقاسي خطوب الدهر وهو متيّمُ ويصعب حمل الهّم والهمّ مفرد ... فكيف ترى في حمله وهو توأمُ ولولا أبو نصر ولذّات أنسه ... تقضّت حياتي كلّها وهي علقمُ فتى فتح الله المعارف باسمه ... ومن دونها باب من الجهل مبهمُ تأخر في لفظ الزمان وأنّه ... بمعناه في أعيانه متقدّمُ أتوا بالمعاني وهي درّ منظمّ ... وجاء بها من افقها وهي أنجمُ وما يستوي في الحكم راق وغائص ... لقد نال أسنى الرتبة المتسنّمُ إليك أبا نصر بديهة خاطر ... توالى عليه الشغل وهو مقسّمُ أهّبت به القول وهو لما به ... فلبّ ولم يسعده نطق ولا فمُ وكم مصقع لا يرهب القول فعله ... ثنته خطوب ما أنثنت وهو مفحم ولو لم يكن غلا وداعك وحده ... لا شفق منه يذبل ويلملمُ فما يصنع الإنسان وهو بفهمه ... يحسّ باشتات الأمور ويفهمُ وقد كنت تشكيني من الدهر دائبا ... فقد صوت أشكو منك ما أنت تعلمُ عليك سلام تسحب الريح ذيله ... فيعبق منه كلّ ما يتنسّمُ وأن لم يكن إلاّ وداع وفرقة ... فإنّ فؤادي قبلك المتقدّمُ وله أيضاً: طويل أرى بارقا بالأبلق الفرد يومض ... يذهّب جلباب الدجا ويفضّضُ كأنّ سليمى من أعاليه أشرفت ... تمدّ لنا كفّا خضيبا وتقبضُ إذا ما تولىّ ومضه نفص الدجا ... له صبغه المسودّ أو كاد ينفضُ أرقت له والقلب يهفو هفوّه ... على انه منه أحدّ وأومضّ وبتّ أداري الشوق والشوق مقبل ... عليّ وأدعو الصبر والصبر معرضُ واستنجد الدمع الأبيّ على الأسى ... فتنجدني منه جداول فيّضُ واعذل قلبا لا يزال يروعه ... سنا النار يستشرى والبرق ينبضُ تظنّهما ثغر الحبيب وخدّه ... فذا ضاحك منه وذا متعرّضُ غذا بلغت منك الخيالات ما أرى ... فأنت لماذا بالشخوص معرّضُ

стр. 226

إلى أن تفرّت عن سنا الصبح سدفة ... كما أنشق عن صفح من الماء عرمضُ وندّت إلى الغرب النجوم مروعة ... كما نفرت عير من السيل ركّضُ وأدركها من فجاة الصبح بهتة ... فتحسبها فيه عيونا تمرّضُ كأنّ الثريّا والغروب يحثّها ... لجام على رأس الدجا وهو يركضُ وما تمتري في الهقعة العين أنّها ... على عاتق الجوزاء قرط مفضّضُ ومنها في صفة الحرب. طويل سل الحرب منه والسيوف جداول ... دفق والأرماح رقط تنضنض وبالأرض من وقع الجياد تمدد ... ولكنه فيما تروم تقبض وبالأفق للنقع المثار سحائب ... مواخص لكن بالصواعق تمخض وقد سهكت تحت الحديد من الصدأ ... جسوم بما علّت من المسك ترحض ومدت إلى ورد الصدور عيونها ... صدور العوالي والعيون تغمض وأشرفت البيض الرقاق إلى الطلى ... لتكرع فيها والرؤوس تخفضُ فلست ترى لا دماء مراقة ... تخاض إلي أكباد قوم تخضخض وله: [وافر] نزاع ما أرى بك أن نزوع ... لقد شقيت به منك الضلوعُ يروعك أو يركعك كل داع ... أكل مثوب داع سميعُ جهلت وقد علاك الشيب أمرا ... يقوم بعلمه الطفل الرضيعُ ولولا ذاك ما قدرت أني ... أنوء بحمل ما لا أستطيع فحسبك أو فحسبي منك دهر ... يُشت بصرفه الشمل الجميع وشوق تقتضيه نوى شطون ... فتقضي عنه واجبها الدموعُ حملت الحب مؤتمنا عليه ... فكيف يضيع ذلك أو يذيع لقد جشمت نفسك متلفان ... بكل ثنية منها صريعُ وحال الصب تخضبه دموع ... كحال القرن يخصبه نجيع وقد تُحمى الدروع من العوالي ... ولا تُحمى من الحدق الدروع وربّ فتى تُراع الأسد منه=تقنَّص قلبه الرشا المروع وكتب إليه الوزير محمد بن القاسم معزيا في قريب مات له. [وافر] يشاطرك الصبابة والسهادا ... ويمحضك المحبة والودادا

стр. 227

صديق لو كشفت الغيب عنه ... وجدت هواك قد ملا الفؤادا يعزّ عليه رزء بتّ عنه ... شقيق النفس تلهمها سدادا انشقق للعباد ونحن منهم ... من الرب الذي خلق العبادا أراد بنا الفناء على سواء ... ولابد لنا مما أرادا لئن قدمت علقا مستفادا ... لقد أكرمت حظاً مستفادا ومثلك لا يضعضعه مصاب ... ولا يعطي لنائبه قيادا ومازلت الرشيد نهى وحاشى ... لمثلك أن نعلمه الرشادا فراجعه القاضي أبو الحسن بن زنباع. [وافر] لعا لك من جواد قد أجادا ... ونال الغاية القصوى وزادا وبشّر بالتي يسمو إليها ... سواك فلا تبلغه مرادا فإني قد رأيت الدهر مطلقاً ... تنزل عن خلائقه وحادا ومنذ بخست حظك وهو كبر ... أحال على الورى سنة جمادا ولن يرضى الزمان وأنت فيه ... تدافع من محلك أو تعادا ومثلك وهو أنت ولا مزيد ... شفى وكفى الملمات الشدادا ومن وفدته بالنوب الليالي ... فكيف يطيق عدوا واشتدادا ولولا ما كففت به فؤادي ... من الحكم التي تسلي تمادا ومن يطفئ بنزر الماء نارا ... فليس يزيدها إلا اتقادا جزاك الله خيراً من صديق ... أفاد صديقه مما استفادا ورد عليه صبر اصل عنه ... وأقسم لا ينال له قيادا وأنجدة على خطب عراه ... وأدرك فيه ثارا فاستقادا وله أيضاً: [كامل] لهواك في قلبي كريقك في فمي ... غيري يقول الحب مر المطعم فادر علي بمقلتيك كؤسه ... حتى يدب خمارة في أعظمي إن التلذذ في هواك تلذذ ... لو كان أقتل من زعاف الأرقم أحبب بحب لا يثير ملامة ... ملئت بموليه عيون النومِ شغل النواطر والقلوب ولم يدع ... من لم يسمع زمن الأنام بميسمِ ومن العجائب شغل شيء واحد ... في الحال أمكنةً ولم يتقسمِ

стр. 228

وأقام أزمنة وليس بجوهر ... وجرى وليس بمايع مجرى الدمِ يا أيها القمر الذي إنسان ... يرمي أناساً للعيون بأسهمِ لم أبد حبك غيران جوانحي ... فاضت به فيض الإناء المفعمِ لا ذنب لي علم الذي أسررته ... نظرا ولم أرمز ولم أتكلمِ وأمرت بالشكوى إليك وإنما ... ينمى إلى الإنسان ما لم يعلمِ ولربما لم تشكني فأماتني ... ياسي فذرني تحت أمر مبهمِ وتلافني قبل التلاف فإنني ... من حمير وسيأخذونك في دمي الطاعنين بكل أسمر مدعس ... والضار بين بكل أبيض مخدمِ والواردين الصادرين إذا الوغى ... لفحت بجمرتها وجوه الحومِ ولعلهم تسمو بهم هماتهم=إن يدركوا في الظبي ثار الضيغمِ وزارة نفر من إخوانه فقال فيهم مرتجلاً: [بسيط] أهلاً وسهلاً وكم من سادة نجب ... كالدبل السمرا وكالأنجم الشهبِ أجملتُم وتفضلتم بزورتكم ... وليس يُنكر فضل من ذوي حسبِ أضاء منزلنا من نور أوجهكم ... وطاب من عيشنا ما كان لم يطلبِ انتهى القسم الثالث من قلائد العقيان ومحاسن الاعيان والحمد لله حق حمده والصلوة والسلام على سيدنا محمد نبيه وعبده القسم الرابع من قلائد العقيان، ومحاسن الأعيان، في بدائع نبهاء الأدباء وروائع فحول الشعراء الفقيه الأديب أبو إسحق بن خفاجه مالك أعنه المحاسن وناهج طريقها، العارف بترصيعها وتنميقها=الناظم لعقودها، الراقم لبروها، المجيد لإرهافها، العالم بجلائها وزفافها، تصرف في فنون الإبداع كيف شاء، وأبلغ دلوة من الإجادة الرشاء، فشعشع القول ورقمه، ومد في ميدان الإعجاز طلقه، فجاء نظامه أرق من النسيم العليل، وأنفق من الروض البليل، يكاد يمتزج بالروح، وترتاح الله النفس مكالغصن المروح، إن شبب فغمزان الجفون الوطف، أو اشارت البنان التي تكاد تعقد من اللطف، وإن وصف سراه والليل بهيم ما فيه وضوح، وخد الثريا بالندى منضوح، فناهيك من غرض انفرد بمضماره، وتجرة لحمي ذمارة، وإن مدح فلا الأعشى

стр. 229

للمحلق، ولا حسان لأهل جلق، وإن تصرف في فنون الأوصاف، فهو فيها كفارس خصاف، وكان في شبيبته مخلوع الرسن، في ميدان مجونه، كثير الوسن، بين صفا الانتهاك وحجونه، لا يبالي بمن التبس، ولا أي نار اقتبس، إلا أنه قد نسك اليوم نسك ابن أذينة، وغض عن إرسال نظرة في أعقاب الهوى عينه، وقد أثبت له ما يقف عليه اللواء، وتصرف غليه الأهواء، أخبرني إنه لما أقلع عن صبوته، وطلع ثنيه سلوته، والكهولة قد حنكته، وأسلكته من طرق الأرعواء حيث اسلكته، نام فرأى أنه مستيقظ وجعل يفكر فيما مضى من شبابه، وفي من ذهب من أحبابه، ويبكي على أيام لهوه، وأوان غفلته وسهوه، ويتوجع لسالف ذلك الزمان، ويتبع الذكر دمعاً كواهي الجمان، ثم استيقظ وهو يقول، [وافر] ألا ساجل دموعي يا غمامُ ... وطارحني بشجوك يا جامُ فقد وفيتها ستين حولاً ... ونادتني ورائي هل أمامُ وكنت ومن لبانات لبيني ... هناك ومن مواضعي المدامُ يطالعنا الصباح ببطن حزوى ... فينكرنا ويعرفنا الظلامُ وكان لي البشام مراح أنس ... فماذا بعدنا فعل البشامُ فانتزح الشباب إلا لقاء ... يُبل به على برح أوام ويا ظل الشباب وكنت تندي ... على إقياء سرحتك السلام وأخبرني أنه لقي عبد الجليل الشاعر بين لورقة والمرية والعدو يلبط لا يريم يفرع تلك الربى، ولا يزال يروع حتى مهب الصبا، فباتا ليلتهما بلورقة يتعاطيان أحاديث حلوة المساق، ويواليان أناشد بديعة الاتساق، إلى أن طلع لهم الصباح أو كاد، وخوفهم تلك الأنكاد، فقام الناس إلى رحالهم فشدوها، وافتقدوا أسلحتهم فاعدوها، وساروا يطيرون وجلا، وأن رأوا غير شيء ظنوه رجلا، فمال إليه عبد الجليل وفؤاده يطير، وهو كالطايا في اليوم العاصف المطير، فجعل، يؤمنه فلا يسكن فرقه، ويرنسه فيتنفس الصعدا نثيرهر حرقه، فأخذ في أساليب من القريض يسليه بأشغاله بها، وإيغاله في شعبها، فأحيل على تذييل وإجازة، واختبل حتى لم يدر حقيقة النظم ولا مجازة، إلى أن أمراً بمشهدين عليهما راسان باديان، وكأنهما بالتحذير لهما مناديان، فقال أبو إسحق مؤتجلاً،

стр. 230

[طويل] ويا رب رأس لا تزاور بينه ... وبين أخير والمزار قريبُ أناف به صلد الصفا فهو منبر ... وقام على أعلاه وهو خطيبُ فقال عبد الجليل مسرعاً: [طويل] يقول حذار الاغترار فطالما ... أناخ قتيل بي ومر سليبُ وينشد كلانا غربيان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسبُ فإن لم يزره صاحب أو خليله ... فقد زاره نسر هناك وذيبُ فما تم قوله حتى لاح قتام، كأنه أغنام، فانقشع عن سربة خيل، كقطع إليل، فما انجلت إلا عبد الجليل قتيل وابن خفاجة سليب وهذا من أغرب تقول، واصدق تقول، وبلغمني ذكرته في هذا الكتاب بقبيح، وأتيت في وصف أيام فتوته بتندير وتمليح، فكتب إلي يعاتبني، [كامل] خذها يرن بها الجواد سهيلا ... وتسيل ماء في الحسام صقيلا بسامة تسبي الحليم وسامة ... لولا المشيب لسمتها تقبيلا حملتها شوقاً إليك تحية ... حملتها عتباً إليك ثقيلا من كل بيت لو تدفق طبعه ... ماء لغص به الفضاء مسيلا أيه وما بين الجوانح قلة ... لو كنت أنفع بالعتاب عليلا ما للصديق وقيت تأكل لحمه ... حيا وتجعل عرضه منديلا أقبلته صدر الحسام وطالما ... أضفيته درعاً عليه طويلا ماذا ثناك عن الثناء ونشره ... بردا على الرسم الجميل جميلا أرجاكما عثر النسيم بروضة ... رطباً كما نضح الغمام مقيلا أعد التفاتك واذكرنها خلة ... لا تستقل به علاك مميلا واصح إلى سجع القريض فربما ... ندب القريض من الوفاء هديلا وعج المطي على الوداد وحيه ... طللا على حكم الزمان محيلا وأبعث بطيفك واعتقدها زورة ... وصل السلام على النوى تعليلا ولئن سألت بك الغمامة وأبلا ... يسم الجديب لما سالت بخيلا وإذا دعبت ولا دعابة غيبة ... فاغضض هناك من العنان قليلا واصحب وكرك من هجير لافح ... ذكرا كما سرت القبول بليلا فلقد حللت مع الشباب بمنزل ... يرتد طرف النجم عند كليلا

стр. 231

وبدهت لا نزر المحاسن مجبلا ... ومضيت لا قصم الغرار فليلا متدفقاً اعيا العقول طريقة ... فكأنما ركب المجر سبيلا يستوقف العليا جلالا كلما ... سجد اليراع بكفه تقبيلا لا تستنير بك السيادة غرة ... حتى يسيل بك الندى تحجيلا وسواي ينشد في سواك ندامة ... يا ليتني لم اتخذك خليلا وله في وصف ورد نثر عليه نوار نارنج: [كامل مجزوء] وندي أنس هزني ... هز الشباب من الشباب واليل وضاح الجين ... قصير أذيال الثيابِ فقنصت منه حمامة ... بيضاء تنسخ من غرابِ والنور مبتسم وخد ... د الورد محطوط النقابِ يندي بأخلاق الصحا ... بِهناك لا بندى السحابِ وكلاهما نثركما ... نثروا الوافي في الخطابِ فكان كاس سلافة ... ضحكت إليهم عن حبابِ وله في صفته أيضاً: [مجتث] وصدر ناد نظمنا ... له القوافي عقدا في منزل قد سحبنا ... بظله العزّ بردا تذكر به الشهب جمرا ... ويعبق اليل ندا وقد تارج نور ... غصّ يخالط وردا كما تبسّم ثغر ... عذب يقبل خدا وكتب إليّ معاتباً على مخاطبة لم ر لها جواباً، ولا قرع لا نبأي بها بابا، فكتبت إليه معتذراً بطول اغترابي، وتوالي اضطرابي، وإني ما استقررت يوماً، ولا نقعت في منهل الثواء ظمأ ولا جوعا، فكتب إلي،، يا سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، حلي بك وطنك، ولا خلا منك عطنك، كتبت والود على أولاه، والعهد بحلاه، ترف زهرة ذكراه، ويمج الري ثراه، منطوياً على لدغة حرقه، بل لوعة فرقة، أبيت بها بليل لا يندى جناحه، ولا يتنفس صباحه، فها أنا كلما تناوحت الرياح أصيلا، وتنفست نفساً عليلا، أصانع البرحاء تنشقا، وأتنفس الصعدا تشوقا، فهل تجد على الشمال نفحة، كما أجد على الجنوب لفحة، أم هل تحس لذلك الوهج الما، كما

стр. 232

أجد الأرج مما، وأما وحقك قسما، يشتمل على الإيمان لزما، إن في أدنى هذه اللواعج، ما يقتضي أنصاء هذه النواعر، ويحمل على حزق، جيب الخرق، وجر ذيل، برد اليل، حتى أهبط أرض ذلك الفضل، فاغتبط وارد، مشرع ذلك النبل، فانبرد، وعسى الله بلطفه أن ينظم هذا البدد، ويعيد ذلك الود، فيبرد الأحشاء، كيف شاء، بمنه وأن طتابك الكريم وفإني تحية، هزتني أريحية، هز المدامة تتمنى، والحمامة تتغنى، فلولا أن يقال صبا للزمت سطوره، ولثمت مسطوره، وما أنطقتني صبوة استفزتني، فهزتني، ولكن فضله راح في كاس العلا تناولتها، فكلما شربت، طربت، فلولا وقوع غمرات الشيب، لابتذرت ش الجيب، ثم صحت واطرباه، وناديت وأحر قلباه، وبعد فإني وقفت من جملته على ما وقع موقع القطر، وحسبك ثلجا، وطلع طلوع هلال الفطر، وكفاك مبتهجا، وما أعرب عنه من تفسير حالك، وتفصيل حلك وترحالك، ولا غروان تجذبك الرواحل، وتتهاداك المراحل، فما للنجم أخيك من دار، ولا في غير الشرف من مدار، فقع أني شئت وأرتع وطِر، حيث أحببت أو طر، فما انتصتك يد المغارب، إلا ماضي المضارب، ولا تعاطتك أقطار البلاد، لا طيب الميلاد، فما صار أن نعق ببينك غراب، وخفق برحلك سراب، إذ لم يقص من فضلك اغتراب، ولا أخل بنصلك ضراب، لازلت مخيماً بمنزلة مجد تجمع من اتساع، في ارتفاع، وأمتاع، في امتناع، بين امرة بغدان، ومنعة عمدان، بحول الله تعالى وبركاته والسلام، وله في وصف شجرة نارنج: [متقارب] لا أفصح الطير حتى خطب ... وخف له الغصن حتى اضطرب فمل طربا بين ظل هفا ... وطيب وماء هناك انعب وجل في الحديقة أخت المنى ... ودن بالمدامة أم الطرب وحاملة من بنات القنا ... أماليد تحمل خضر العذب تنوب مورقة عن عذار ... وتضحك زاهرة عن شنبِ وتندى بها في مهب الصبا ... زبرجدة أثمرت بالذهب فطوراً تفاوح أنفاسها ... وطوراً تغازلها من كثب فتبسم في حالة عن رضى ... وتنظر آونة عن غضبِ وله يتغزل: [مجتث] وا هيفٍ قام يسقي ... والسكر يعطف قدة

стр. 233

وقد ترنح غصنا ... واحمرت الكاس وردة والهب السكر جداً ... أورى به الوجد زندة فكاد يشرب نفسي ... وكدت أشرب خدة وله في مثله: [بسيط مجزوء] يا نزهة النفس يا مناها ... يا قرة العن يا كراها أما ترى لي رضاك أهلا ... وهذه حالتي تراها فاستدرك الفضل يا أباه ... في رمق النفس يا أخاها قسوت قلبا ولنت عطفا ... وعفت من تمرة نواها قال يندب معاهد الشباب، ويتفجع لوفاة الإخوان والأحباب، بعقب سيل عاد لديار آثارا، وقضى عليها وهيا انتثارا، [طويل] ألا عرّس الإخوان في ساحة البلا ... وما رفعوا غير القبور قبابا فدمع كما سح الغمام ولوعة ... كما ضرمت ريح الشمال شهابا إذا استوقفتني في الديار عشية ... تلذذت فيها جية وذهابا أكر بطرفي في معاهد فتية ... ثكلتهم بيض الوجوه شباب فطال وقوفي بين وجد وزفرة ... أنادي رسوما لا تجيز جوابا وأمحو جميل الصبر طوراً بعبرة ... أخط بها في صفحتي كتابا وقد درست أجسامهم وديارهم ... فلم أر إلا أعظماً ويبابا وحسبي شجوان أن أرى الدار بلقعا ... خلاء وأشلاء الصديق ترابا ولقد أحلني أحد الديار المندوبة وهي كعهدها في جودة مبناها، وعودة سناها، في ليلة انتحلت ظلامها أثمدا، ومحونا بها من نفوسنا كمدا، ولم يزل ذلك الأنس يبسطه، والسرور ينشطه، حتى نشر لي ما طواه، وبث مكتوم لوعته وجواه، وأعلمني بلياليه فيها مع أترابه، وما قضى بها من أطرابه، وكان هذا المنزل اشهى إليه من سواه، وأخص بهواه، لأنه كان كلفا بربه، مسرفاً في حبه، وفيه يقول وقد مات باغمات، [طويل] أرقت أكف الدمع طورا وأسفح ... وأنضح خدي تارة ثم أمسح ودونك طماح من الماء مائح ... يعب ومغبر من البيد أفيح وإني إذا ما الليل جاء بفحمة ... لاوري زناد ألهم فيها فاقدح

стр. 234

واتبع طيب الذكر أنه موجع ... فينفح هذا حيث هاتيك تلفحُ وألقى بياض الصبح يسود وحشة ... فاحسبني أمسي على حين أصبحُ ويوحشني ناع من الليل ناعب ... فازجر منه بارحا ليس يبرحُ واستقبل الدنيا بذكر محمد ... فييقبح في عيني ما كان يملحُ وأشفق من موت الصبا ثم أنني ... لآمل أن الله يعفو ويصفح غلام كما استحسنت جانب هضة ... ولأن على طش من الماء أبطح أقول وقد وافى كتاب نعيه ... يجمجم في ألفاظه فيصرّح أرام باغمات يسدد سهمه ... فيرمي وقلب بالجزيرة يجرح فيالغريب فاجأته منية ... أتته على عهد الشباب تجلح كان لهيبا بين جنبي واقداً ... به وركابا بين جفني تمتح جلست أسوم الدهر فيه ملامة ... وكنت كما قد قمت أثني وأمدح غريقا ببحر الدمع واللهم والدجا ... لو كان بحراً واحداً كنت أسبح ففي ناظري لليل مربط أدهم ... وفي وجنتي للصبح أشهب يجمح إذا كان قصد الأنس بالألف وحشة ... فما أشتهي أني اسر فافرح فيا عارضاً يستقبل الليل والبلا ... ويسري فيطوى الأطولين ويمسح تحمل إلى قبر الغريب مزادة ... من الدمع تندى حيث سرت وتنضح وطيب سلام يعبر البحر دونه ... فيندى وأزهار البطاح فتنفح وعرج على قبر الحميم بنظرة ... تراه بها عني هناك وتلمح وله في وردة طرأت في غير أوانها: [كامل] وغريبة هشت إلي غريرة ... فوددت لو نسخ الضياء ظلاما طرأت علي مع المشيب تشوقني ... شيخاً كما كانت تشوق غلاما مقبولة أقبلتها عن لوعة ... نظراً يكون إذا اعتبرت كلاما عذرت وقد أجللتها عن نشوة ... كبرا وأوسعت الزمان ملاما عبقت وقد حنّ الربيع على النوى ... كرما فأهداها إليّ سلاما وكانت بضفة الجزيرة أيكتر يانعة وكان هو ومن يهواه يقعدان لديها، ويوسدان خدودهما أبرديها، فمر بها ومحبوبه قد طواه الردى، ولواه عن ذلك المنتدى، فتذكر ذلك العهد وجماله، وأنكر صبره لفقده واحتماله، فقال: [طويل]

стр. 235

أما وشباب قد ترامت به النوى ... فأرسلت في أعقابه نظرة عبرى لقد ركبت ظهر السوى بي نومه ... فأصبحت في أرض وقد بت في أخرى فها أنا لا نفس تخف بها المنى ... فتلهى ولا سمع تطور به بشرى أقلب جفنا لا يجف فكلما ... تأوهت عن شكوى تأملت بي سكرا وإني إذا ما شاقني بحمامة ... رنين وهزتني لبارقة ذكرا لأجمع بين الماء والنار لوعة ... فمن مقلة ريا ومن كبد حرا وقد خف خطب الشيب في جانب الردى ... فصارت به الصغرى التي كانت الكبرى وللشعر عندي كلما ندب الصبا ... فأبكى محل الحق الشعر بالشعري فليت حديثاً للحداثة لو جرى ... فسلى وطيفا للشبيبة لو أسرى وله يستطيل الليل: [مجتث] يا ليل وجد بنجد ... أما لطيفك مسرى وما لدمعي طليقا ... وأنجم الجو أسرى وقد طمى بحر ليل ... لم يعقب المد جزرا لا يعبر الطرف فيه ... غير المجرة جسرا وله في الشقيق: [كامل] يا حبذا والبرق يزحف بكرة ... جيشا رحيق دونه وحريق حتى إذا ولى واسلم غنوة ... ما شئت من سهل وذروة نيقُ

стр. 236

أخذ الربيع عليه كل ثنية ... فبكل مرقية لواء شقيقُ وله مما يتعلق بصفة نار: [كامل] ومعين ماء البشر أبرق هشة ... فكرعت من صفحاته في مشربِ متهلل يندي حياء وجهه ... فتراه بين مفضض ومذهب أنضى الحسام حسادة ففرنده ... دمع ترقرق فوقه لم يسكب خيمت منه بين طود شامخ ... نال السماء وبين روض معشب تهفو به نار القرى فكأنها ... مهما عشا ضيف إليها معشبِ حمراء نازعت الظلام رداءه ... وهنا وزاحمت السماء بمنكب ضربت سماء من دخان فوقها ... لم تذر فيها شعلة من كوكب وتنفست عن كل لفحة جمرةٍ ... باتت لها ريح الشمال بمرقبِ مشبوبة وكأنما هي زفرة ... من محنق أو نظرة من مغضبِ قد ألهبت فتذهبت فكأنها ... لسكون شر شرارها لم تلهبِ تذكر وراء رمادها فكأنها ... شقراء تمرح في عجاج أكهبِ والليل قد ولى يقلص برده ... كبرا ويسحب ذيله في المغربِ وكأنما نجم الثريا سحرة ... وكف تمسح من معاطف أشهبِ ووصلت شاطبة في فطر سنة عشر وخمس ماية والأمير أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين أيده الله معيد بها، ومجدد ذاهب رتبها، وكان عيدا، كان عهد أهلها بمثله بعيدا، بل لم يعهد بالقطر شبيهه، ولم يحضر مثله خاملة ولا نبيهه، وكان ابن خفاجة هذا حاضراً لاستنجاز وعده، بالتوقيع على صك يحذى نعاله من عنده، فلما كان يوم العيد واحتفل جمعه واحتشد، قام أبو إسحق وأنشد، [طويل] سجعت وقد غنى الحمام فرجعا ... وما كنت لولا أن تغنى لاسجعا وأندب عهدا بالمشقر سالفا ... وظل غمام للصبا قد تقشعا ولم أدرِ ما أبكي أرسم شبيبة ... عفا أم مصيفا من سليمى ومربعا وأوجع توديع الأحبة فرقة ... شباب على رغم الأحبة ودعا وكان أشهى ذلك الليل مرقدا ... وأندى محيا ذلك الصبح ومطلعا وأقصر ذلك العهد يوما وليلة ... وأطيب ذاك العيش ظلاً ومكرعا

стр. 237

زمان نقضي غير ذكر معاهد ... يسوم حصاة القلب أن يتصدعا تحولت عنه لا اختيار وربما ... وجعت على طول التلذذ أخدعا ومن لي ببرد الريح من أبرق الحمى ... وريا الخزاما من أجارع لعلعا وقد فات ذاك العهد لا تذكرا ... لو أني على ظهر المطي توجعا وكنت جليد القلب والشمل جامع ... فما انقص حتى حان فارض أدمعا وبلّت نجادي عبرة مستهله ... أكفكف عنا بالبنان تصنعا وأني وعيني بالظلام كحيلة ... لآبي لجنبي أن يلائم مضجعا وابأي بنفسي أن أرى الصبح أبيضا ... بعين ترى ربع الشبيبة بلقعا كأني لم أذهب مع اللهو ليلة ... ولم أتعاط البابلي المشعشعا ولم أتخايل بين ظل لسرحة ... وسجع لغريد وماء بأجرعا ولم أرمِ عاما لي بازرق صايب ... وأبيض بسام وأسمر اصلعا وأبلق خوار العنان مطهم ... طويل الشوى والشأو أقود أتلعا جرى وجرى البرق اليماني عشية ... فابطأ عنه البرق عجزا وأسرعا كان سحابا اسحما تحت لبده ... تضاحك عن برق سرى فتصدعا وحسب الأعادي منه أن يزجروا به ... مغيراً عرابا صبح الحي أبقعا كان على عطيفة من خلع السرى ... قميص ظلام بالصباح مرقعا ركضت به بحراً تدفق مائجا ... وأقبلت أم الرال نكباء زعزعا يولل من أذن فأذن تشوفا ... إلى صرخة من هاتف وتطلعا كان له من عامل الرمح هاديا ... منيعا ومن ذلق الأسنة مسمعا ولما انتحى ذكر الأمير استخفه ... فخفض من لحن الصهيل ورفعا حنينا إلى الملك الأعز مرددا ... وشجوا على المسرى القصي مرجعا فعن حب أبراهيم أعرب صاهلا ... وفي نصر ابراهيم كر تشيعا أمام يباهي الحمد وشيا مذهبا ... به وبراس المجد تاجا مرصعا عشيت به أندى من المرن راحة ... وأطيب أفياء وأمرع مربعا طمى الجود في يمناه بحراً وربما ... تدفق في أرجائه فتدفعا وأغدا نداه الغيث فانهل واكفا ... وحسبك من سقياء أن أسجما معا فربّ حديث عن علاه سمعته ... وما طاير البشرى بأحسن مسمعا

стр. 238

فيا شائمي برق توضح موهنا ... وقعقع أرعاد بنجد فاطمعا إذا كف من قطريكما عارض الندى ... وأنكما برق البشاشة فاربعا فإن أبا إسحق أخصب تلعه ... وأشهى مدى ظل وأعذب مربعا وحسبكما أن قد تأسى به الحيا ... فعاود من رحماه ما كان أقلعا وعز الهدى منه بأوحد أمجد ... طويل نجاد السيف أبلح أدرعا أحل به العود اليبيس سماحة ... وأخدم مطرود الظبي لا تورعا إذا دب أخفى من حبال مكيدة ... يصوب أبرى من شهاب وأسرعا وما السيف في كف الكمي مجردا ... بأسطى وراء النقع منه وأسطعا دعا باسمه داعي الحفيظة والندى ... فلبّى على شرح السباب وأقطعا وهب كما هب الحسام استقامة ... وعبّ كما عب الخضم تبرعا وجر به ذيل الخميس بن غابة ... تردى عغلاما بالعُلى وتلفّع وداس العدى ركضا وأجرى الوغى دما ... بأطوع من يمناه فعلا وأطبعا ولما تدرى منهما النصل منطقا ... سديدا فريدا أو حميدا مقطعا فبيد في ذات المكارم وأنثنى ... وروة في جنب الإله ورفعا وخفض من صوت الأبي وصيته ... وزلزل من ذكر العصي وضعضعا وألقت اليله بالمقادة قادة ... تطامن من أعراقها ما ترفعا وذلل من أخلاقه كل ريض ... وأصحب خوار الشكيمة طيعا فمن مبلغ الأيام عني أنني ... تبؤأت منه حيث شئت تمتعا وطرت ثناء واطلعت ثنية ... فأسرفت إيضاعاً وأشرفت موضعا وهل بقيت للنفس إلا لطاعة ... إلى القلم الأعلى بخط موقعا فما القمر الساري بأجمل غرة ... ولا الوابل الغادي بأكرم مصنعا وهُنئت عيدا قد تلقاك قادماً ... ولم يك لولا أن طلعت ليطلعا وحسبك جد قد أظلك خادماً ... فما هو إلا أن تقول فيسمعا وجياك من فرع لا شرف دوحة ... نسيم كأنفاس العذارى تضوعا يلاعب من خوط الأراكة معطفا ... ويمسح من مسرى الغمامة أدمعا وله في الأخذ بحظ من الجد والهزل، والزهد والغزل، [منسرح] قل للقبيح القعال يا حسنا ... ملأت جفني ظلمة وسنا

стр. 239

قاسمني طرفك الصنا أفلا ... قاسم عيني ذلك الوسنا أني وأن كنت هضبة جلدا ... اعتز للحسن لوعة غصنا قسوت باسا ولنت مكرمة ... لم التزم حالة ولا سننا لست أحب الجمود في رجل ... تحسبه من جموده وثنا لم يكحل السهد جفنه كلفا ... ولا طوى جسمه الغرام ضنا ممن عصى داعي الهوى فقسا ... وكان صلدا من الصفا خشنا فلي فؤاد أرق من ظبة ... يابي الدنايا ويعشق الحسنا طوراً منيب وتارة غزل ... يبكي الخطايا ويندب الدمنا إذا اعترت خشية شكا فبكى ... أو أنتحت راحة دنا فجنا كأنني غصن بأنه خضل ... تثنية ريح الصبا هنا وهنا الأديب أبو محمد عبد الجليل بن وهبون المرسي رحمه الله تعالى أحد الفحول، البريء من المطروق والمنحول، تفتحت كمآثم رويته عن زهر المعاني، وأبدت قصايده غرض المداري لها المعاني، فما يبين في معناه انحلال معاقد، ولا تلين قناته لغمز ناقد، مع أدب منساب، تفرّع من دوحتي روية واكتساب وكان بينه وبن ابن عمار ذمام تذكره لما أسهل، وأعاد معلماً ذلك المجهل، فأعلقه بدولته، وألحقه بجملته، ونفّقه بعد الكساد، وطوّقه من استخلاصه ما أغاظ به الحساد، وكان يعتقد تقدمه، ويعقد بنواصي الشعراء قدمه، إلا أنه مع تمييزه له بالأخطاء، وتجويره إياه عند الاقتضاء، لم يوصله عندالمعتمد إلى حظ، ولم ينله إلاكرة لحظ، فمن بديعه الحسن ومطبوعه المستحسن، أنه ركب بأشبيلية زورقاً في النهر الذي لا تدانيه السرات، ولا يضاهيه الفرات، في ليلة تنقبت بظلمتها، ولم يبد وضح في دهمتها، وبين أيديهم شمعتان قد انعكس شعاعهما في اللجة، وزاد في تلك البهجة، فقال مرتجلاً في الحين، [منسرح] كأنما الشمعتان إذ سمتا ... جيد غلام محسن الغيدِ وفي حشا النهر من شعاعهما ... طريق نار الهوى إلى كبدي وكان معه غلام البكري معاطياً للراح، وجاريا في ميدان ذلك المراح، فلما جاء عبد الجليل بما جاء، وحلى للإبداع الجوانب والأرجاء، حسده على ذلك الارتجال،

стр. 240

وقال بين البطي والاستعجال، [كامل] أعجب بمنظر ليلة ليلاء ... تُجنى بها اللذات فوق الماء في زورق يزهى بغرة أغيد ... يختال مثل البانة الغيناء قرنت يداه الشمعتين بوجهه ... كالبدر بين النسر والجوزاء والتاج تحت الماء ضوء منهما ... كالبرق يخفق في غمام سماء وساير الوزير الأستاذ أبا بكر بن القبطرنة وهو غلام يحار مجتليه، ويغار غصن البان من نثنيه، وقد وضع يمناه في شماله، وتضوع عرف أماله، والناس ينظرون هلال شوال، فقال: [خفيف] يا هلال أستتر بوجهك عنا ... إن مولاك قابض بشمالي هبك تحكي سناة خدا بخد ... قم فجئني لقده بمثالِ وله من قصيدة هو فريد: [بسيط] بيني وبين الليالي همة جلل ... لو نالها البدر لاستحذى له زُحلُ سرابُ كل بيات عندها شنب ... وهول كل ظلام عندها كحلُ من أين أبخس لا في ساعدي قصرُ ... عن المعالي ولا في مقولي خطلُ ذنبي إلى الدهر فلتكره سجيته ... ذنب الحسام إذا ما أحجم البطلُ ومن هذه لقصيدة وهو بديع في بابه: [بسيط] جيش فوارسه بيض كأنصله ... وخيله كالقنا عسالة ذبلُ أشباه ما اعتقلوه من ذوابلهم ... فالحرب جاهلة من منهم الأسلُ يمشي على الأرض منهم كل ذي مرح ... كأنما التيه في أعطافه كسلُ ودخل المرية وقد أحرج المعتمد على الله وأضجره حتى أبعده وهجره فلما كان يوم العيد وحضر المعتصم شعراؤه، واجتمع كتابه ووزراؤه، بعث في عبد الجليل فتأخر، وزرى بالحال وسخر، وقال أبعد المعتمد أحضر منتدى واستمطر جودا أو ندى، وهل تروق الأعياد إلا في فنائه، أو تحسن الأمداح لا في سنائه، ثم قال: [طويل] دنا العيد لو تدنو لنا كعبة المنى ... وركن المعالي من ذوابة يعربِ فوا أسفا للشعر ترمى جماره ... ويا بعد ما بيني وبين المخصّبِ وكان كلفا بالغلمان، مكسفا بين الخوف والأمان، فإن الانفراد بهم كان

стр. 241

عليه محجورا، وكان من أجلهم ممقوتا مهجورا، فإنه اشتهر في حبهم أشد اشتهار، واستظهر على كلفه بهم بالشظف والاقتتار، فعلق بأشبيلية علاقة لم تدع له مجالاً، ولم يبق له روية ولا ارتجالا، فبينا هو يستدني منه عطفة المساعد ويجتني زهرات المنى بساحات المواعد، سنحت له رحلة ما أمهلته، ولا راعة منها إلا كل روعة أذهلته، فقال: وما عطل من حلي الإبداع ذلك المقال: [كامل] إن سرت عنك ففي يديك قيادي ... وإن بنت عنك فما يبين فؤادي صيّرت فكري في بعادك مونسي ... وجعلت لحظي من بعادك زادي وعلي إن أدري دموعي إن أنا ... أبصرت شبهك في سبيل بعادي كم في طريقي من قضيب يانع ... أبكي عليه ومن صباح بادِ تلقاك في طي النسيم تحيتي ... ويصوب في ديم الغمام ودادي وله في غلام وسيم كان يشار به، فنام وتقلد سمطاً من در العرق شاربه، [بسيط] وشادن قد كساه الروض حلته ... يستوقف العين بين الغصن والكثبِ مموه الحسن لم يعدم مقبله ... في خده رونقا من ذلك الشنبِ تدعو إلى حبه لمياء كللها ... زبرجد النبت يجلو لؤلؤ الجمبِ وعلق بأشبيلية أحد فتيانها وأنجد عيانها، وكان أجمل من جال في خلد، واستظال على جلد، وهام به هيام الأخوص بدعد، والرعي بهند بني سعد، وكان الفتى ينافر وصله، ويطرد في مباعدته أصله، إلى أن أطل شعر عرضه، وذل لمعارضه، فعاد إلى مساعدته، واستعاد بدنوه من مباعدته، فقال: [بسيط] يا نوم عاود جفونا طالما سهرت ... فإن باعث وجدي رق لي ورثا عانقته وهلال الأفق مطلع ... فعاد من حسدي حيران مكترثا وكان للحسن سر فيه مكتتم ... وشى به ناظري من طول ما بحثا لام يدل على بلبال مبصره ... مازال يبعث وجدي كلما انبعثا من آل مدحج في شخص كلفت به ... لم ينقض العهد من ودي ولا نكثا وله يتغزل: [كامل] أهوى سكيران اللواحظ ما رنا ... إلا وأسكر كل قلب صاحِ أمل من الآمال أحور أهيف ... خلعت عليه لطافة الأرواحِ متجند جعل الفؤاد وطيه ... ولحاظه بدلاً من الأرماحِ

стр. 242

عليته سفك الدماء بمهجتي ... وتركته يجني بغير جناحِ وله يصف بازيا: [منسرح] وصارم في يديك منصلت ... لو كان للسيف في الوغى روحُ يجتاب مما لبست ضافية ... لها على معطفيه توشيحُ متقد اللحظ من شهامته ... فالجو من ناظريه مجروحُ والريح تهفو كأنما طلبت ... سليلها في يمينك الريحُ وله يصف حرشفة: [طويل] وحرشفة إن كنت ذا قدرة على ... نفوذ إلى ذاك الجنى الحلو فانفذِ كأني قد توجهت منها ببيضة ... وقد وضعت للصون في جلد قنفذِ وله وقد اجتاز على فرن ويده مرتبطة بيد أحد فتيان أهل أشبيلية يسمى ربيعاً فقال له صف لنا هذا الفرن فقال: [خفيف] رب فرن رايته يتلظى ... وربيع مخالطي وعقيدي قالشبه فقلت صدر حسود ... خالطته مكارم المحسود وله يتغزل: [طويل] سقى فسقى الله الزمان من أجله ... بكاسين من لميائه وعقارة وحيا فحيا الله زهراً أتى به ... بناسين من ريحانة وعذاره الأديب أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة رحمه الله تعالى المديد الباع، الفريد الانطباع، الذي ملك للمحاسن مقادا، وغدا له البديع منقادا، أي مقال: ينبئ عن معناه وفصله، وأي أرقال: ينتهي إلى مداه وخصله، وقد يشذ فما يشرك، ويبد فما يدرك، رقى إلى ما أحبه، وقطع سنام كل معارض وجبه، وتقلد النظام حساماً لا تنبو مضاربه، وولد غرضاً لا يدانيه أحد ولا يقاربه، فبدا سابقاً، وغدا لفظه لمعناه مطابقا، وقد أثبت له ما تبصر له لمعا وشروقا، وتهصر غصنه ناعما وريقا، كان المعتمد على الله يميزه بالتقريب، ويستغرب ما يأتي به من النادر والغريب، ويوليه أنعاما وإحسانا، ويريد الزمان كله إذارا ونيسانا، فلما نبت صعاده، وأعوزه من دهره إسعاده، ورُحل به إلى المغرب، وحل فيه محل النازح المغترب، وغدرته الأيام غدر أهل خراسان لقتيبة، وفي له أبو بكر بالرحلة إليه وفاء الظعينة لعتيبة، وتراسلا هناك

стр. 243

بإشعار شفى بها المعتمد نفسه، واستوفى سلوه وأنسه، وشكر له ما ناله من مسلانه، وحمد عقد موالاته، وصار له بذلك حق مشهور، وفخر لا تبليه الدهور، وقد أوردنا من ذلك في أخبار المعتمد أعدل شاهد، ووصفنا تلك المحاضر والمشاهد، ومن بديع قوله يتغزل: [وافر] تولي السرب خيفة من يليه ... وأفلت من حبائل قانصيه على شرف الخميلة كان حتى ... توجس نبأة من خاتليه فمرّ على مهب الريح يعدو ... بأسرع من مدامع عاشقيه تعلّق آخر البطحاء هضبا ... تأمل منه خيبة عامليه وصادف عنك مرمى مريعا ... فأصبح يشرئب ويرتعيه توجه حيث لم تقفى خطاه ... بمنسوب إلى عال الوجيه بمياع الأديم يكاد يغشي ... بنقبته لواحظ مبصريه ودخل ميورقة في عهد ناصرها، وسلامة مقاصرها، وهي باهرة الجمال، عاطرة الصبا والشمال، تقيد الناظر ببهجتها، وتتيه بندى ملكها على لجتها، فتلقاه ناصر الدولة بمعهود إجماله، وصدق له ظنون عامله، فقال يمدحه: [كامل] حنيت جوانحه على جمر الغضا ... لما رأى برقا أضاء بذي الاضا واشتم في ريح الصبا أرج الصبا ... فقضى حقوق الشوق فيه بان قضى والتف في عبراته فحسبتها ... من فوق عطفيه رداء فضفضا قالوا الخيال حياته لو زاره ... قلت الحقيقة فلتم لو غمضا بهوى العقيق وساكنيه وإن يكن ... خبر العقيق وساكنيه قد انقضى ويود عودته إلى ما اعتاده ... ولقلما عاد الشباب وقد مضى ألف السرى فكان نجماً ثاقبا ... صدع الدجا منه وبرقا مومضا طلب الغنى من ليله ونهاره ... فله على القمرين مال يُقتضى مهما بدت شمس يكون مذهب ... وإذا بدا بدر يكون مفضضا هذا أفاد وفاد غير مقصر ... جهد المقل بأن يموت مفوضا ولرب ربه خانه نبهتها ... والجو لؤلؤ طله قد رضوضا وقد انطفت نار القرى وبقي على ... مسك الدجا مذرور كافور الغضا واليل قد سدى والحم ثوبه ... والفجر يرسل فيه خيطا أبيضا

стр. 244

ومتى ركبت لها أعالي أيكة ... نشرت جناحا للرياح معرضا والبحر يسكن خيفة من ناصر ... أرضى الرياسة بعد موت المرتضى ملك سمت علياه حتى دوحت ... وزكا ثرى نُعماه حتى روضا ماء الغمائم جرعة مما سقى ... فكان صلا نحو صل نضنضا وكان المرتضى ﵀ الذي أورث ناصر الدولة الملك، ونظم بلبته ذلك السلك، فلك يكفريك، ولم ينثن عن مجازاة ما قلك، ولم يزل يتعهد سافتة، ويعتقدها، ويبر من كان يوالي دولته ويعتقدها، إلى أن ماتت أخته فاحتفل في جنازتها احتفالاً شكر فيه فعله، ومشى إلى لحدها وما ركب إلا نعله، وندب الشعراء إلى رثايها وتابينها، وإيضاح فضائلها وتبيينها، فقام أبو بكر على قبرها وقال: [طويل] أبنت الهدى جددت منعا على منعا ... مضى المرتضى أصلاً واتبعه فرعا جرى الموت جري الريح في منبتيكما ... فأذواك ريحانا وكسرة نبعا على نسق جاء المصاب وإنما ... تقدم وتراً واتبعته شفعا وقال يمدحه بقصيدة أولها: [كامل] هلا ثناك علي قلب مشفقُ ... فترى فراشا في فراش يحرقُ أنت المنية والمنى فيك استوى ... ظل الغمامة والهجير المحرقُ لك قد ذابلة الوشيح ولونها ... لكن سنانك أكحل لا أزرقُ ويقال أنك أيكة حتى إذا ... غنيت قيل هو الحمام الأورقُ يا من رشقت إلى السلو فردني ... سبقت جفونك كل سهم يرشقُ لو في يدي سحر وعندي أخذة ... لجعلت قلبك بعض وحين يعشقُ جسدي من الأعداء فيك لأنه ... لا يستبين لطرف طيف يرمقُ لم يدر طيفك موضعي من مضجعي ... فعذرته في أنه لا يطرقُ جفت لديك منابعي، ومنابتي ... فالدمع ينشع والصبابة تورقُ وكان أعلام الأمير مبشر ... نشرت على قلبي فاصبح يخفقُ الخيزرانة تلتظي في كفه ... والتاج فوق جبينه يتألق وكان صوب حيا وصعقة بارق ... ما ضم منه نديه والمازق

стр. 245

متباعد الطرفين جود غافل ... عما يحل به وعزم مطرق باس كما جمد الحديد ورآءه ... كرم يسيل كما يسيل الزئبق لا يعجب الأملاك كثرة مالهم ... النبع أصلب والأراكة أورق ضدان فيه لمعتد ولمعتفٍ ... والسيف يجمع والعطآء يفرق وبنو الحروب على الحرابي التي ... تردي كما تردي الجياد السبق خاضت غدير الماء سابحة به ... فكأنما هي سراب أنيق ملأ الكمأة ظهورها وبطونها ... فاتت كما ياتي السحاب المغدق وله: وافر رأت بك أوجه العليا مناها ... وعاد على لواحظها كراها وجاءت فيك السنة المعالي ... بأيات تشرق من تلاها ساك يسير في أرض فأما ... خطاك فبالمجرة لا سواها كان الشهب إذ تجري لسعد ... تخط لك الطريق على ذراها وله أيضاً: طويل بكت عند توديعي فما علم الركب ... أذاك سقيط الدرام لؤلؤ رطب وتابعها سرب لمخطئ ... نجوم الدياجي لا يقال لها سرب لئن وقفت شمس النهار ليوشع ... فقد وقفت شمس الهدى لي والشهب عقيلة بيت المجد لم ترها الدجى ... ولا لمحتها الشمس وهي لها ترب ظبي الهند مما ذب عنها وإنما ... تلطف لي فيها بخدعته الحب سرت وبروج النيرات قبابها ... وقدامها من كل خاطفة قب وما دخلت إلا المجرة واديا ... فليس لها إلا بأعطانها شرب وبحر سوى بحر الهوى قد ركبته ... لأمر كلا البحرين مركبه صعب غريب على جنبي غراب نهوضه ... بقادمتي ورقآء مطلبها شعب كأني قذى في مقلة وهو ناظر ... بها والمجاذيف التي حولها هدب ولما رأت عيني جناب ميورق ... أمنت وحسب المرء بغيته حسب نزلت بكافور وتبر وجوهر ... يقال لها الحصبآء والرمل والترب وقلت المكان الرحب فيه فقيل لي ... ذرى ناصر المعليآء أجمعه رحب وسعي به ناصر الدولة وبغي، ونبذ حق نباهته والغي، فلم يرع انقطاعه، ولا جوزي إحسانه ولا إبداعه، وهجر هجر الجرب، وأقام مقام الحائر المضطرب،

стр. 246

وكانت عادة ناصر الدولة في غير طار ولا ضيف، النفي أو السيف، فلم يفتح مع أبي بكر في أحدهما باب، ولاأغبه جزع ولا ارتياب فكتب إليه يسترحه، متقارب عسى رافة في سراح كريم، أبل ببرد نداه الغليلا وعلي أراح من الطالبين ... فاسكن للأمن ظلال ظليلا ومن بله الغيث في بطن واد ... بات لا يأمنن السيولا لقد أوقدوا لي نيرانهم ... فصيرني الله فيها الخليلا أفر بنفسي وإن أصجت ... ميورق مصر وجدواك نيلا وقال يمدحه كامل عرج بمنفرجات واديهم عسى ... تلقاهم نزلوا الكثيب الأوعسا اطلبهم حيث الرياض تفتحت ... والريح فاحت والصباح تنفسا مثل وجوههم بدورا طلعا ... وتخيل الخيلان شهبا كسنا وإذا أردت تنعماً بقدودهم ... فاهصر بنعمان الغصون الميسا بأبي غزال منهم لم يتخذ ... إلا القنا من بعد قلبي مكنسا لبس الحديد على لجين أديمه ... فعجبت من صبح توشح حندسا وأنى يجر ذوآئبا وذوابلا ... فرأيت روضاً بالصلال تحرسا لا ترهب السيف الصقيل بكفه ... وارهب بعارضه العذار الأملسا رام العدا قتلي عليه ففتهم ... والنجم ليس بممكن أن يلمسا وفككت بغيهم وفزت وهكذا ... فك الصحيفة قبلي المتلمسا كابد إلى العز الهجير ولا تكن ... في الذل ما بين الضلال معرسا وإذا وصلت إلى الأمير مبشراً ... فاجعل بساطك في ثراه السندسا نزع وجنس في مناك فإنه ... ملك تنوع في العلى وتجنسا وكان بينه وبين وزيرة أبي القاسم ذمام ايتلاف، ومعاطاة سلاف، وروحات، والتها بكر، وراحات، راح السرور عليها وابتكر، ووداد أشبه عصر الشباب، عهد أقفر من التعاهد حتى عاد كالفقر اليباب، فلما وصل ميورقة تجدد دارسه، وعادت أجاماً مكانسه، فكان أبو بكر يظن أن تلك الموات تنفقه وإن كسد، وتخلصه وإن حصل في لهوات الأسد، ولم يعلم أن لا جديد لمن لم تخلفه الأيام ولم تبله، ولم يسمع وحديث الناس أخبر تقله، فلما تغير له ناصر الدولة وتنكر، ورأى

стр. 247

من قعود أبي القاسم عنه ما أنكر، هب من غفلته، واحتال في نقلته، فلاذ بالفرار، وعاذ بيني حماد بحكم الاضطرار، وجعل يستنزله ويستعطفه، ويداريه من هناك ويستلطفه، ليمن بإعادته، بكل مقال يحل سخأيم الأحقاد، ولا تلين قناته لغمز الانتقاد، فمن بديع ذلك قوله، متقارب نسيمك حتى مَ لا ينبري ... وطيفك حتى مَ لا يعتري أعيذك من عرض أن يكون ... وأنت الذي كنت من جوهر أتذكر أيامنا بالحمى ... وأيامنا بذوي الأعصر ألا رافة من وفي صفي ... ألا عطفة من سني سري رمى زحل من أظفاره ... وحل يدا عني المشتري عطارد هل لك من عودة ... فارجع منك إلى عنصري سيطلبني الملك مهما أراد ... لباس نسيج من المفخر ولو أن كل حصاة تزين ... لما جعل الفضل للجوهر فلم يراجعه بحرف، ولم يعطه بنفس منه ولا عرف، فكتب إليه: طويل اذكر من لم ينس عهدا ولا ينسى ... وابسط في أكناف ساحته النفسا وانشئها خلقا جديداً واغتدي ... بظل علاه اعتدي معه الانسا والبس ريعان الشباب وطالما ... لبست الخطوب الحمر ما دونه ورسا وإني وإياه لمزن وروضة ... يباكرني سقيا وازكو له غرسا صفى بيننا من خالص الوة جوهر ... غلبنا فيه بنور جوهرها الشمسا وما أنا إلا من علاه مكون ... غدوت له نوعاً وأصبح لي جنسا مكارمه مرعى إلى جنب معقل ... أرود إذا أضحى وءاوي إذا أمسى وأرود خمسا كل يوم يمآئه ... وكم لي دهر قد مضى لم أرد خمسا أبا القاسم أشرب قهوة العز وانتقل ... ثنآءي ومن فضل الكؤوس اسقني كاسا وخذ بيدي من ثغرة قصرت يدي ... وكنت أخا باس فلم تبق لي باسا رميت لها فضفاضتي ومهندي ... وخطيتي والنبل والقوس والترسا ثغور المعالي قابلتك ضواحكا ... فصل لثمها امصص مراشفها اللعسا وأجيادها مالت عليك نواعما ... كما مالت الأغصان فانعم بها لمسا ولا ذكر في لأفواه حاشاك إنما ... صفاتك آيات ولعنا بها درسا

стр. 248

اليك بها درا تلقب احرفا ... وقطعة ديباج يسمونها طرسا وفضلك في الأغضآء عما بعثته ... فليس يجيد الشعر من عدم الحسا ولما نوى الانفصال، خاف الانتهاب والاستيصال، فأراد أن يكتم ذلك الفرار، ويطوي إعلانه في الأسرار، وخشي أن يفطن بخروجه، ويطلع علي من خلال فروجه، فعزم على موادعة بعض الإخوان، ومطالعة ما في ذلك الخوان، فكتب إليهم: وافر أقول تحية وهي الوداع ... خداع لي وما يعني الخداع اعلل بالمنى قلبا شعاعاً ... ولن يتعلل القلب الشعاع واترك جيرة حاروا واشدوا ... أضاعوني وأي فتى أضاعوا إذا لم يرع لي أدب وباس ... فلا طال الحسام ولا اليراع لقد باعتني الأيام بخسا ... وعهدي بالذخائر لا تباع أجفتني فلم تنبت ربيع ... وحطتني فلم يثبت يفاع ومكنت العدى مني فعاثت ... بلحمي ضعف ما عاث السباع ولما لم يره إعلانه وتصريحه، ولم تلق إعصارا ريحه، وأعلن بوداعه، وفتن بإحسانه وإبداعه، فقال يخاطت ناصر الدولة مودعاً ومعاتباً، متقارب سلام على المجد يندى بليلا ... كنشر الربى بكرة وأصيلا سلام وكنت أقول الوداع ... ولكن أدرج قلبي قليلا أخاف عليه انصداع الصفاة ... وألا يكون زجاجا عليلا جرحت لديك وكنت البري ... كما يجرح اللحظ خدا أسيلا ولو لم أكن ماضي الشفرتين ... لما فلني لدهر غضباً صقيلا أنت ذلة منك محبوبة ... فلم أرض بالعز منها بديلا تلفيت فيها سواد الخطوب ... فاشبه عندي طرفا كحيلا وله متغزلاً قي صاحب خيلان، متقارب رضى المتوكل فارقته ... فلم يرضني بعده العالم

стр. 249

وكانت بطليوس لي جنة ... فجيئت بما جاءه آدم وله يتغول في صبي نساخ: كامل أبصرت أحمد ناسخاً فرأيت ما ... أغمى واعيا أن يحد ويوصفا فكأنما منح السماء صحيفة ... والليل حبرا والكواكب أحرفا وله: سريع أبصرته قصر في المشيه ... لما بدت في خده اللحية قد كتب الشعر على خده ... أو كالذي مر على قرية وله: متقارب غناه يلذ ولا أكوس ... تسكن من أنفس طايشة وأعجب كيف شدا طائر ... بروض منابته عاطشة الأديب الحكيم أبو الفضل بن شرف أعزه الله تعالى الناظم الناثر، الكثير المعالي والمآثر، الذي لا يدرك باعه، ولا يترك اقتفاؤه واتباعه، أن نثر رأيت بحراً يزخر، وأن نظم قلد الأجياد درا تباهى به وتفخر، وأن تكلم في علوم الأوائل بهرج الأذهان والألباب، وولج منها في كل باب، وقد كان أول من نجم بالأندلس وظهر، وتسمى بحوك القريض واشتهر، تسدد إليه السهام، وتتقده الخواطر والأوهام، فلا يصاب له غرض، ولا يوجد في جوهر إحسانه عرض، وهو اليوم بدر هذه الآفاق، وموقف الاختلاف والاتفاق، مع جري في ميدان الطب إلى منتهاه، وتصرف بين سماكه وسهاه، وتصانيف في الحكم ألف منها ما ألف، وتقدم فيها ما تخلف، فمنها كتابه المسمى بسر البر ورجزة الملقب بنجح النصح وسواها، من تصانيف اشتمل عليها الأوان وحواها، فمن حكمه قوله العالم مع العلم كالناظر للبحر يستعظم ما يرى ما غاب عنه أكثر، ومنها الفاضل في الزمن السوء كالمصباح، في البراح، قد كان يضيء لو تركته الرياح، ومنها لتكن بالحال المتزايدة، اغبط منك بالحال المتناهية، فالقمر آخر أبداره، أول أبداره، ومنها لتكن بقليلك، اغبط منك بكثير غيرك، فإن الحي برجليه وهما ثنتان، أقوى من الميت على إقدام الحملة وهي ثمان، ومنها المتلبس بمال السلطان كالسفينة في البحران أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه، ومنها التعليم فلاحة الأذهان وليست كل أرض منبتة، ومنها الحازم من شك فروى وأيقن فبادر، ومنها قول الحق من كرم العنصر كالمرءاة، كلما كرم حديدها أرت حقائق الصفات، ومنها رب سامح بالعطاء على باخل بالقبول، ومنها ليس المحروم

стр. 250

من سال فلم يعط وإنما المحروم من أعطي فلم يأخذ، ومنها يا ابن آدم تذم أهل زمانك وأنت منهم كأنك وحدك البري، وجميعهم الجري، كلا بل جنيت وجني عليك، فذكرت مل لديهم ونسيت ما لديك، ومنها اعلم أن الفاضل الزكي لا يرتفع أمره، أو يظهر قدره، كالسراج لا تظهر أنواره، أو يرفع مناره، والناقص الدني لا يبلغ لنفعه، إلا بوضعه، كهوجل السفينة لا ينتفع بضبطه، إلا بعد الغاية من حطه، ول قصل من رسالة،، توسل الهمم، أعزك الله توسل الذمم، ورب راق، بوسيلة، ذي اشتياق واستباق، إلى فضليه، رصد، فقصد، واحتشد، فتحرى الرشد، ولما طلع بك المجد، من معالمه، وأينع لك الحمد، من كمائمه، فلاح محياك قمراً زاهراً، وفاحت سجاياك سحراً عاطراً، وأنار بأفقك منار الأنوار، ودار على قطبك مدار الفخار، وخف لديك بالقلوب وارتياحها، وصار إليك بالنفوس جناحها، فجوامع الجوانح لديك حضور، ونواظر الخواطر إليك صور، وقد تخيلتك نظرات الغيوب، وتيمتك خطرات القلوب، فحنت إليك حنين اليفن إلى صباه، واهتزت اهتزاز الغصن إلى صباه، ولا غرو أن أرمت أليك القلوب بأرواحها، وتلقتك العيون بالتماحها، فقد يرقب الصباح، ويلمح القمر اللياح، وليس على عاشق الفضل جناح، وكتب إلى وزير، أطال الله بقاء الوزير الأمجد، الأجل الأوحد، وأعلى مرتقاه في رفعة العز، ومنعة الحرز، الوزير الأمجد دام الله عزه كالمطر الجود يملأ الحياض، وينبت الرياض، بل كالقمر يقذف بالنور، ويذهب بالديجور، وقد أتحفني في سناه، وسقاني من سقياه، بما أنار فأضوى، وجاد فأروى، فلله إيادي الوزير ما أنزلها بكل فناء، واسمعها لكل نداء، حين رعى قصدي وهو مجفي، ووعى صوتي وهو خفي، فالآن أدام الله رفعة الوزير أضرب بحسام، اعتناؤه جرده، حتى أظهر في سمائه، واشتهر بأرفع أسمائه،، ومن بديع قوله في قصيدة أولها، بسيط قامت تجر ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخطو والميثاق والنظر تخطو فتولي الحصى من حليها نبذا ... وتخلط العنبر الوردي بالعفر غيرى الخلي بما تبديه من قلق ... في الوشح أوغصص تخفيه في الأزر
следующие страницы →