← Акыда

Акыда · id 21511

مجانبة أهل الثبور المصلين في المشاهد وعند القبور

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (373 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فصل فِي نقض ِدَلِيْلِهِ الرّابعِ، وَهُوَ زَعْمُهُ صَلاة َ الصَّحَابةِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ في المقبَرَةِ مِنْ غيْرِ نكِيْر أَمّا دَلِيْلهُ الرّابعُ: فقوْلهُ: (صَلاة ُ الصَّحَابةِ فِي المقبَرَةِ مِنْ غيْرِ نكِيْرٍ) انتهَى كلامُه. وَهَذَا إنْ قصَدَ بهِ: صَلاتهُمْ صَلاة َ الجنازَةِ: فتقدَّمَ جَوَابه. وَإنْ كانَ قصْدُهُ الصَّلاة َ المطلقة َ: فعَليْهِ البيَانُ وَالدَّلِيْلُ، وَعَدَمُ الإجْمَال. وَحَدِيْثُ النَّبيِّ ﷺ حُجَّة ٌ عَلى مَنْ خَالف. كمَا أَنَّ المعْلوْمَ مِنْ حَالهِمْ رَضِيَ الله ُعَنْهُمْ، خِلافُ مَا ذكرَ: فقدْ رَأَى عُمَرُ بْنُ الخطابِ أَنسَ بْنَ مالكٍ رَضِيَ الله ُعَنْهُما يُصَلي عِنْدَ قبرٍ فقالَ عُمَرُ منبهًا لهُ وَمُحَذِّرًا إياهُ: «القبْرَ القبْرَ!» وَهَذَا فِي «صَحِيْحِ البخارِيِّ» مُعَلقا (١/ ٤٣٧)، وَوَصَلهُ ابْنُ أَبي شَيْبَة َ في «مُصَنَّفِهِ» (٢/ ٣٧٩) مِنْ طرِيْقيْن ِ: أَحَدِهِمَا: حَدَّثنا حَفصٌ عَنْ حُجَيَّة َ عَنْ أَنس ٍ، وَالآخَرِ: حَدَّثنا وَكِيْعٌ حَدَّثنا سُفيَانُ حَدَّثنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنس ٍ، بنَحْوِه.

стр. 107

وَرَوَاهُ مَوْصُوْلا ً أَيْضًا: عَبْدُ الرَّزّاق ِالصَّنْعَانِيُّ في «مُصَنَّفِهِ» (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥): (عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثابتٍ البُنَانِيِّ عَنْ أَنس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْه). وَمِنْ طرِيقِهِ: أَبو بكرٍ ابْنُ المنذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٦): (حَدَّثنا إسْحَاقُ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاق). وَالبَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبْرَى» (٢/ ٤٣٥): (أَخْبَرَنا محمَّدُ بْنُ مُوْسَى بْن ِ الفضْل ِحَدَّثنا أَبوْ العَبّاس ِ محمَّدُ بْنُ يَعْقوْبَ حَدَّثنا محمَّدُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَة َ حَدَّثنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنس) بنَحْوِه. وَقدْ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ حَدِيْثَ عُمَرَ هَذَا، وَقالَ عَقِبَهُ: (وَهَذَا يَدُلُّ عَلى أَنهُ كانَ مِنَ المسْتقِرِّ عِنْدَ الصَّحَابةِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ: مَا نهَاهُمْ عَنْهُ نبيهُمْ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ القبوْر. وَفِعْلُ أَنس ٍ رَضِيَ الله ُعَنْهُ: لا يدُلُّ عَلى اعْتِقادِهِ جَوَازَهُ، فإنهُ لعَلهُ لمْ يرَهُ، أَوْ لمْ يَعْلمْ أَنهُ قبْرٌ، أَوْ ذهَلَ عَنْهُ، فلمّا نبَّهَهُ عُمَرُ رَضِيَ الله ُ تعَالىَ عَنْهُ تنبه) اه، نقلهُ عَنْهُ ابْنُ القيمِ في «إغاثةِ اللهْفان» (١/ ١٨٦). بَلْ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ﵀ ُ فِي «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٣٧): نوْعَ إجْمَاعٍ لِلصَّحَابةِ فِي تَحْرِيْمِ الصَّلاةِ فِي المقابرِ، فقالَ: (وَأَصْرَحُ مِنَ النَّهْيِّ الصَّرِيْحِ، وَالاسْتِثْنَاءِ القاطِعِ، مَعَ كوْنهِ أَصَحَّ وَأَشْهَرَ،

стр. 108

وَهُوَ عَن ِ السَّلفِ أَظهَرُ وَأَكثرُ، وَأَوْلىَ أَنْ يُعْتَمَدَ عَليْهِ، فإنَّ هَذَا كالإجْمَاعِ مِنَ الصَّحَابة). ثمَّ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ أَثرَ عُمَرِ بْن ِ الخطابِ في تنْبيْههِ وَنهْيهِ أَنسًا عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ قبْرٍ، وَأَثرَ عَلِيِّ بْن ِ أَبي طالِبٍ في النَّهْيِّ عَنْ ذلِك َ وَغيْرِهِمْ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ. ثمَّ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ (٢/ ٤٣٨) بَعْدَ ذِكرِهِ جَمَاعَة ً مِنَ الصَّحَابةِ: (وَكذَلِك َ رُوِيَ عَن ِ ابن ِعُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا، ذكرَ ذلِك َ ابنُ حَامِدٍ، وَعَن ِ ابْن ِ عُمَرَ وَابْن ِ عَبّاس ٍ كرَاهَة َ الصَّلاةِ في المقبَرَة. وَهَذَا أَوْلىَ أَنْ يَكوْنَ صَحِيْحًا، مِمّا ذكرَهُ الخطابيُّ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ «أَنهُ رَخَّصَ في الصَّلاةِ فِي المقابر»، فلعلَّ ذلِك َ- إنْ صَحَّ - أَرَادَ بهِ صَلاة َ الجنازَة). ثمَّ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ (٢/ ٤٣٩): (وَهَذِهِ مَقالاتٌ انتشرَتْ، وَلمْ يُعْرَفْ لها مُخالِفٌ، إلا َّ مَا رُوِيَ عَنْ يَزِيْدِ بْن ِ أَبي مَالِكٍ قالَ: «كانَ وَاثِلة ُ بْنُ الأَسْقعِ يُصَلي بنا صَلاة َ الفرِيْضَةِ فِي المقبَرَةِ، غيْرَ أَنهُ لا يَسْتَتِرُ بقبْر» رَوَاهُ سَعِيْد. وَهَذَا مَحْمُوْلٌ عَلى أَنهُ تنحَّى عَنْهَا بَعْضَ التَّنَحِّي، وَلِذَلِك َ قالَ: «لا يَسْتَتِرُ بقبْرٍ». أَوْ لمْ يَبْلغْهُ نهْيُ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا، فلمّا سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَنْهَى عَن ِ الصَّلاةِ إليْهَا، تنَحَّى عَنْهَا، لأَنهُ هُوَ رَاوِي هَذَا الحدِيْثِ، وَلمْ يَبْلغْهُ النَّهْيُ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا، عَمِلَ بمَا بَلغهُ

стр. 109

دُوْنَ مَا لمْ يَبْلغْه) (١) اه. وَقالَ العَلامَة ُ الشَّرِيْفُ الحسَنُ بْنُ خَالِدٍ الحازِمِيُّ الحسَنيُّ ﵀ ُ (ت١٢٣٤هـ) في «قوْتِ القلوْبِ، في تَوْحِيْدِ عَلامِ الغيوْب» (ص١٣١ - ١٣٢): (وَاعْلمْ أَنَّ المنْعَ مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ القبْرِ: هُوَ مِمّا اسْتقرَّ عِنْدَ الصَّحَابةِ، سَوَاءٌ كانَ مِنْ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالحِيْنَ أَوْ غيْرِهِمْ، وَعَلِمُوْهُ مِنْ نهْيِّ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ القبوْر) اه. وَذكرَ أَبوْ محمَّدٍ ابْنُ قدَامَة َ فِي «المغني» (٢/ ٤٦٨): أَنَّ مِمَّنْ كرِهَ الصَّلاة َفِي المقبَرَةِ: عَلِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَبّاس ٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ. وَهَؤُلاءِ كلهُمْ صَحَابَة ٌ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ، وَزَادَ مِنْ غيْرِهِمْ: عَطاءًا وَالنَّخعِيَّ وَابْنَ المنْذِرِ ﵏.

стр. 110

فصل فِي نقض ِ دَلِيْلِهِ الخامِس، وَهُوَ زَعْمُهُ عَدَمَ وُجُوْدِ دَلِيْل ٍ صَحِيْحٍ صَرِيْحٍ في النَّهْيِّ عَن ِالصَّلاةِ في المقبَرَة أَمّا دَلِيْلهُ الخامِسُ: فقوْلهُ: (عَدَمُ وُجُوْدِ دَلِيْل ٍصَحِيْحٍ صَرِيْحٍ فِي النَّهْيِّ عَن ِالصَّلاةِ فِي المقبَرَة) انتهَى كلامُه. وَجَوَابُ هَذَا تقدَّمَ بحمْدِ اللهِ، وَليْسَ يصِحُّ فِي الأَذهَان ِ شَيْءٌ إذا احْتَاجَ النَّهَارُ إلىَ دَلِيل ِ

стр. 111

فصل في اسْتِدْلال ِ بَعْض ِ عُبّادِ القبوْرِ عَلى جَوَازِ اتخاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ بقوْلِهِ تَعَالىَ ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ وَنقضِهِ وَبيان ِ بُطلانِه قدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُبّادِ القبوْرِ مِنْ مُشْرِكِي زَمَانِنَا وَغيْرِهِمْ، عَلى جَوَازِ اتخاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، بقوْلِهِ تَعَالىَ ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾. بَلْ ذهَبَ بَعْضُ هَؤُلاءِ المرَدَةِ إلىَ القوْل ِ باِستِحْبَابِ اتخاذِهَا عَلى القبوْر. وَالجوَابُ مِنْ وُجُوْهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ أُوْلئِك َ القائِلِيْنَ كانوْا كفارًا، وَليْسُوْا بمُؤْمِنِينَ، قدْ لعنهُمُ النَّبيُّ ﷺ عَلى أَفعَالهِمْ تِلك َ، وَحَذَّرَ أُمتهُ مِنْ سُلوْكِ مَسَالِكِهمُ المرْدِية ِفقالَ ﷺ : «لعَنَ الله ُ اليهُوْدَ وَالنَّصَارَى اتَّخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ» وَفي رِوَايةٍ «وَصَالحِيْهمْ». قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َفي «رَدِّهِ عَلى البكرِيِّ» (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨): (فبيوْتُ الأَوْثان ِ، وَبيوْتُ النيرَان ِ، وَبيوْتُ الكوَاكِبِ، وَبيوْتُ المقابرِ: لمْ يَمْدَحِ الله ُ شيْئًا مِنْهَا، وَلمْ يَذْكرْ ذلِك َ إلا َّ في قِصَّةِ مَنْ لعنهُمُ النَّبيُّ ﷺ ، قالَ تَعَالىَ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾.

стр. 112

فهَؤُلاءِ الذِيْنَ اتخذُوْا عَلى أَهْل ِ الكهْفِ مَسْجِدًا: كانوْا مِنَ النَّصَارَى الذِينَ لعنهُمُ النَّبيُّ ﷺ ، حَيْثُ قالَ: «لعَنَ الله ُ اليهُوْدَ وَالنَّصَارَى اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ» وَفي رِوَايةٍ «وَالصّالحِين»). وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ذلِك َ: مُخالفتهُ لِمَا توَاترَ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ لعْنِهِ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى، لاتخاذِهِمْ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد. وَقدْ حَكى ابْنُ جَرِيْرٍ في «تَفسِيْرِهِ» عَن ِ المفسِّرِيْنَ في أُوْلئِك َ المتغلبيْنَ قوْليْن ِ: أَحَدَهُمَا: أَنهُمْ مُسْلِمُوْنَ. وَالثانِي: أَنهُمْ مُشْرِكوْن. وَبمَا تقدَّمَ مِنْ بيان ِ لعْن ِ النَّبيِّ ﷺ لِفاعِلِي ذلِك َ، وَتوَاترِ تَحْذِيْرِهِ، وَعَظِيْمِ وَعِيْدِهِ: لا يَصِحُّ حَمْلهُمْ إلا َّ عَلى أَنهُمْ كانوْا مُشْرِكِيْن. الوَجْهُ الثانِي: إنْ سَلمْنَا أَنهُمْ كانوْا مُسْلِمِيْنَ: فكانوْا ضَاليْنَ مُنْحَرِفِيْنَ بفِعْلِهمْ ذلِك َ، قدِ اسْتَحَقوْا لعْنَ النَّبيِّ ﷺ بسَببهِ، وَهُمْ مِنْ جُمْلةِ الجهّال ِ وَالعَامَّة. الوَجْهُ الثالِثُ: أَنَّ الله َ لمْ يَصِفْ أُوْلئِك َ المتغلبيْنَ، بوَصْفٍ يُمْدَحُوْنَ لأَجْلِهِ، وَإنمَا وَصَفهُمْ باِلغلبةِ! وَإطلاقهَا دُوْنَ قرْنِهَا بعَدْل ٍ أَوْ حَقّ: يدُلُّ عَلى التَّسَلطِ وَالهوَى وَالظلمِ، وَلا يدُلُّ عَلى عِلمٍ وَلا هُدَى، وَلا صَلاحٍ وَلا فلاح. قالَ الحافِظ ُ ابْنُ رَجَبٍ (٧٩٥هـ) في شَرْحِهِ عَلى صَحِيْحِ البُخارِي (٢/ ٣٩٧) عَلى حَدِيْثِ «لعَنَ الله ُ اليَهُوْدَ، اتخذُوْا قبوْرَ

стр. 113

أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد»: (وَقدْ دَلَّ القرْآنُ عَلى مِثْل ِ مَا دَلَّ عَليْهِ هَذَا الحدِيْثُ، وَهُوَ قوْلُ اللهِ في قِصَّةِ أَصْحَابِ الكهْفِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾. فجَعَلَ اتخاذَ القبوْرِ عَلى المسَاجِدِ، مِنْ فِعْل ِ أَهْل ِ الغلبةِ عَلى الأُمُوْرِ، وَذلِك َ يشْعِرُ بأَنَّ مُسْتندَهُ: القهْرُ وَالغلبة ُ وَاتباعُ الهوَى، وَأَنهُ ليْسَ مِنْ فِعْل ِ أَهْل ِ العِلمِ وَالفضْل ِ، المتبعِينَ لِمَا أَنزَلَ الله ُ عَلى رُسُلِهِ مِنَ الهدَى) اه. الوَجْهُ الرّابعُ: أَنَّ اسْتِدْلالَ هَؤُلاءِ القبوْرِيِّيْنَ بهَذِهِ الآيةِ عَلى هَذَا الوَجْهِ - مَعَ مُخالفتِهِ لِلأَحَادِيْثِ المتوَاتِرَةِ الناهِيَةِ عَنْ ذلِك َ- مُخالِفٌ لإجْمَاعِ عُلمَاءِ المسْلِمِيْنَ، عَلى تَحْرِيْمِ اتخاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْر. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ (٢٧/ ٤٨٨): (فإنَّ بناءَ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، ليْسَ مِنْ دِيْن ِ المسْلِمِيْن. بَلْ هُوَ مَنْهيٌّ عَنْهُ باِلنُّصُوْص ِالثابتَةِ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ ، وَاتفاق ِ أَئِمَّةِ الدِّين. بَلْ لا يَجُوْزُ اتِّخاذ ُ القبوْرِ مَسَاجِدَ، سَوَاءٌ كانَ ذلِك َ ببناءِ المسْجدِ عَليْهَا، أَوْ بقصْدِ الصَّلاةِ عِنْدَهَا. بَلْ أَئِمَّة ُ الدِّين ِ مُتَّفِقوْنَ عَلى النَّهْيِّ عَنْ ذلك)، وَقدْ قدَّمْنَا الكلامَ عَنْ هَذَا مُفصَّلا ً.

стр. 114

الوَجْهُ الخامِسُ: أَنَّ هَذِهِ الآية َ ليْسَتْ مُخالفة ً- وَلا تَصْلحْ أَنْ تَكوْنَ مُخالِفة ً- لِلأَحَادِيْثِ المتوَاتِرَةِ النّاهِيَةِ عَنْ ذلِك َ، وَإنمَا هِيَ مُوَافِقة ٌ لهَا، مُصَدِّقة ٌ بهَا. فقدْ أَخْبَرَ النَّبيُّ ﷺ باِتخاذِ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى قبوْرَ أَنبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ مَسَاجِدَ، وَقالَ ﷺ : «إنَّ أُوْلئِكَِ إذا مَاتَ فِيْهمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ، بنوْا عَلى قبْرِهِ مَسْجدًا، وَصَوَّرُوْا فِيْهِ تِلك َ التَّصَاوِيْر» رَوَاهُ البخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٤٢٧)، (١٣٤١)، (٣٨٧٣) وَمُسْلِم (٥٢٨). وَالله ُ أَخْبَرَ كذَلِك َ في كِتَابهِ بذَلِك َ، فقالَ سُبْحَانهُ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾. فالآية ُ مُصَدِّقة ٌ لِلأَحَادِيْثِ لا مُخالِفة. تنبيه قدْ أَوْرَدَ الشَّيْخُ الأَلبانِيُّ ﵀ ُ، وَغفرَ لهُ - هَذِهِ الشُّبْهَة َ في كِتَابهِ القيِّمِ «تَحْذِيْرِ السّاجِدِ، مِنَ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِد» (ص٦٥ - ٧٨) وَرَدَّهَا مِنْ وُجُوْهٍ عِدَّةٍ فأَحْسَنَ، عَدَا أَنَّ وَجْهَيْهِ الأَوَّليْن ِ في رَدِّهَا لا يسَلمَان ِ لهُ، بَلْ هُمَا مَرْدُوْدَان. * فإنهُ ذكرَ الوَجْهَ الأَوَّلَ فقالَ: (إنَّ الصَّحِيْحَ المتقرِّرَ في عِلمِ الأُصُوْل ِ: أَنَّ شَرِيْعَة َ مَنْ قبْلنا ليْسَتْ شَرِيْعَة ً لنا، لأَدِلةٍ كثِيْرَة). * ثمَّ ذكرَ الوَجْهَ الثّانِي فقالَ: (هَبْ أَنَّ الصَّوَابَ قوْلُ مَنْ قالَ: «شَرِيْعَة ُ مَنْ قبْلنا شَرِيْعَة ٌ لنا»: فذَلِك َ مَشْرُوْط ٌ عِنْدَهُمْ، بمَا إذا لمْ يرِدْ في شَرْعِنَا مَا يُخالِفه).

стр. 115

وَهَذَان ِ وَجْهَان ِ باطِلان ِ، فإنَّ اتخاذَ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالحِيْنَ مَسَاجِدَ، ليْسَ مِنْ شَرْعِ اللهِ قط، لا في أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ ، وَلا في الأُمَمِ قبْلهَا. وَلوْ كانَ ذلِك َ شَرْعًا مِنْ شَرْعِ اللهِ لِمَنْ كانَ قبْلنا: لمْ يسْتَحِقوْا لعْنَ النَّبيِّ ﷺ بشَيْءٍ فعَلوْهُ قدْ أَتى بهِ شَرْعُهُمُ الذِي بُعِثَتْ بهِ أَنبيَاؤُهُمْ. لكِنَّ لعْنَهُ ﷺ لهمْ، وَتغْلِيْظهُ عَليْهمْ: دَلِيْلٌ عَلى كبيْرِ ظلمِهمْ، وَعَظِيْمِ إثمِهمْ، وَمُخالفتهمْ لأَنبيَائِهمْ، وَعَدَمِ مَجْيْئِهمْ به، صَلوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَليْهمْ.

стр. 116

فصل في اسْتِدْلال ِ بَعْض ِ القبوْرِيِّيْنَ عَلى صِحَّةِ صَلاتِهمْ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ، بحدِيْثِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا مَرْفوْعًا «في مَسْجِدِ الخيْفِ قبْرُ سَبْعِيْنَ نَبيًّا»، وَقدْ صَلى فِيْهِ النَّبيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَأَئِمَّة ُ الإسْلام! وَبيَان ِ بُطلانِهِ وَأَنهُ مُنْكرٌ، وَرَدِّهِ عَليْهمْ قدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ القبوْرِيِّيْنَ عَلى جَوَازِ صَلاتِهمْ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ، بَلْ وَجَوَازِ اتخاذِهَا مَسَاجِدَ، وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ ذلِك َ مُسْتَحَبًّا: بمَا رَوَاهُ أَبوْ هَمّامٍ الدَّلالُ عَنْ إبْرَاهِيْمِ بْن ِ طهْمَانَ عَنْ مَنْصُوْرِ بْن ِ المعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «في مَسْجِدِ الخيْفِ قبْرُ سَبْعِيْنَ نبيًّا». قالوْا: (وَمَسْجِدُ الخيْفِ، هُوَ مَسْجِدُ مِنَى، وَصَلاة ُ النَّبيِّ ﷺ فِيْهِ، وَصَلاة ُ أَصْحَابهِ: ثابتة ٌ مَعْرُوْفة ٌ صَحِيْحَة ٌ لا رَيْبَ فِيْهَا وَلا مِرْية ٌ: فدَلتْ صَلاة ُ النَّبيِّ ﷺ في ذلِك َ المسْجِدِ مَعَ مَا فِيْهِ مِنْ قبوْرِ أَنبيَاءٍ، عَلى جَوَازِ الصَّلاةِ في المسَاجِدِ المبْنِيَّةِ عَلى القبوْرِ، وَفي المقابرِ مِنْ بَابِ أَوْلىَ! وَقدْ تتابعَ أَئِمَّة ُ الإسْلامِ مِنْ صَدْرِ الإسْلامِ حَتَّى اليوْم، عَلى الصَّلاةِ فِيْهِ دُوْنَ إنكار)! وَقدْ رَوَى هَذَا الحدِيْثَ:

стр. 117

- أَبوْ يَعْلى الموْصِلِيُّ (١) قالَ: أَخْبَرَنا الرَّمَادِيُّ أَبوْ بَكرٍ حَدَّثنَا أَبوْ هَمّامٍ الدَّلالُ به. - وَالفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (٤/ ٢٦٦) (٢٥٩٤) قالَ: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثنَا أَبوْ هَمّامٍ الدَّلالُ به. - وَالطبَرَانِيُّ في «مُعْجَمِهِ الكبيْرِ» (١٢/ ٤١٤) (١٣٥٢٥) قالَ: حَدَّثنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثنَا عِيْسَى بْنُ شاذانَ حَدَّثنَا أَبوْ هَمّامٍ الدَّلالُ به. وَالجوَابُ: أَنَّ هَذَا الحدِيْثَ الذِي اسْتَدَلوْا بهِ، عَلى وُجُوْدِ سَبْعِيْنَ قبْرِ نبيٍّ في مَسْجِدِ الخيْفِ: حَدِيْثٌ باطِلٌ مُنْكرٌ، وَإنْ كانَ ظاهِرُ إسْنَادِهِ الصِّحَّة! وَهُوَ حَدِيْثٌ لمْ يُصَحِّحْهُ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ، بَلْ وَلمْ يَسْتَدِلَّ بهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ المعْتبرِيْنَ المتقدِّمِيْنَ عَلى شَيْءٍ مِنْ مَسَائِل ِ الصَّلاةِ في المقابرِ، لاطرَاحِهِ وَظهُوْرِ نكارَتِهِ. وَبيانُ ذلِك َ مِنْ وُجُوْهٍ: أَحَدُهَا: أَنهُ مُخالِفٌ لِلأَحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ بَلْ وَالمتوَاتِرَةِ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ لعْنِهِ لِليهُوْدِ وَالنَّصَارَى، المتخِذِيْنَ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ، بَلْ لعْنهُ المتخِذِيْنَ القبوْرَ مَسَاجِدَ مُطلقا. بَلْ مُخالِفٌ لأَحَادِيْثَ صَحِيْحَةٍ كثِيْرَةٍ أُخْرَى، فِيْهَا تَحْرِيْمُ الصَّلاةِ إلىَ القبوْرِ، وَتَحْرِيْمُ وَطئِهَا وَالمشْيُ عَليْهَا، وَإيْقادُ السُّرُجِ فِيْهَا.

стр. 118

فكيْفَ يتخِذُ النَّبيُّ ﷺ مَسْجِدَ الخيْفِ مَسْجِدًا؟! وَيُصَلي فِيْهِ؟! وَيَدَعُ المسْلِمِيْنَ يُصَلوْنَ فِيْهِ؟! ثمَّ يحْذَرُ عَليْهمْ مِنَ اتخاذِ قبْرِهِ مَسْجِدًا وَعِيْدًا، وَلا يَحْذَرُ عَليْهمُ اتخاذَ قبْرِ سَبْعِيْنَ نبيًّا مَسْجِدًا وَعِيْدًا؟! ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. فلا شَك َّ أَنَّ حَدِيْثَ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا هَذَا: حَدِيْثٌ بَاطِلٌ مُنْكر. الثانِي: أَنهُ مُخالِفٌ لِلإجْمَاعِ، وَقدْ قدَّمْنَاهُ في «فصْل ِ تَحْرِيْرِ مَحَلِّ النزَاعِ» أَوَّلَ الكِتَابِ (ص١٣ - ١٩)، وَذكرْنا هُنَاك َ إجْمَاعَ أَهْل ِ العِلمِ كافة ً، عَلى حُرْمَةِ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ، وَالمسَاجِدِ عَلى القبوْر. الثالِثُ: أَنهُ مُخالِفٌ لإجْمَاعٍ آخَرَ أَيضا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ إجْمَاعُ العُلمَاءِ عَلى جَهَالةِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ، وَعَدَمِ قطعِهمْ بقبْرِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، سِوَى قبْرِ نبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ دُوْنَ غيْرِه. أَمّا بَقِيَّة ُ قبوْرِهِمْ ففِيْهَا خِلافٌ كبيْرٌ، وَالرّاجِحُ المقطوْعُ بهِ: بُطلانُ نِسْبتِهَا إليْهمْ، سِوَى قبْرِ إبْرَاهِيْمَ ﵇، ففِي قبْرِهِ نِزَاعٌ، وَالجمْهُوْرُ عَلى ثبوْته. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵀ ُ- كمَا في «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (٢٧/ ١٤١) -: (وَلِهَذَا كانَ العُلمَاءُ الصّالِحُوْنَ مِنَ المسْلِمِيْنَ لا يُصَلوْنَ في ذلِك َ المكان. هَذَا إذا كانَ القبْرُ صَحِيْحًا فكيْفَ وَعَامَّة ُ القبوْرِ المنْسُوْبةِ إلىَ الأَنبيَاءِ كذِبٌ، مِثْلُ القبْرِ

стр. 119

الذِي يُقالُ: إنهُ «قبْرُ نوْحٍ» فإنهُ كذِبٌ لا رَيْبَ فِيْهِ، وَإنمَا أَظهَرَهُ الجهّالُ مِنْ مُدَّةٍ قرِيْبَةٍ وَكذَلِك َ قبْرُ غيْرِه). الرّابعُ: أَنَّ هَذَا الحدِيْثَ لوْ كانَ صَحِيْحًا: لحَرُمَ وَطئُ قبوْرِهِمْ، وَالجلوْسُ عَليْهَا، وَالصَّلاة ُ فِيْهَا وَإليْهَا، وَلوَجَبَ عَلى النَّبيِّ ﷺ بيَانُ ذلِك َ لأُمَّتِهِ، فلمَّا لمْ يَكنْ ذلِك َ: ظهَرَ بُطلانهُ، وَخُلوُّ المسْجِدِ مِنَ القبوْر. الخامِسُ: أَنهُ مُخالِفٌ لِلرِّوَايَاتِ الصَّحِيْحَةِ في بابهِ، التي فِيْهَا: أَنَّ مَسْجِدَ الخيْفِ صَلى فِيْهِ سَبْعُوْنَ نبيًّا، وَقدْ رَوَاهُ جَمَاعَة ٌ مِنَ الأَئِمَّةِ مَوْقوْفا وَمَرْفوْعًا، لا قبْرُ سَبْعِيْنَ نبيًّا! فصَوَابهُ «صَلى» لا «قبْر». فالرِّوَاية ُ المرْفوْعَة ُ: رَوَاهَا مُحَمَّدُ بْنُ فضَيْل ٍ عَنْ عَطاءِ بْن ِ السّائِبِ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ جُبيْرٍ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «صَلى في مَسْجِدِ الخيْفِ سَبْعُوْنَ نبيًّا، مِنْهُمْ مُوْسَى ﷺ ، كأَني أَنظرُ إليْهِ وَعَليْهِ عَبَاءَتان ِ قِطرَانِيَّتَان ِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلى بَعِيْرٍ مِنْ إبْل ِ شَنُوْءَةٍ، مَخْطوْمٍ بخِطامٍ مِنْ لِيْفٍ لهُ ضَفِيْرَتان». أَخْرَجَهُ: - الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (٤/ ٢٦٦) (٢٥٩٣) قالَ: حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ المنذِرِ الكوْفيُّ، وَعَبْدَة ُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيْمِ قالا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ فضَيْل ٍ به. - وَالطبَرَانِيُّ في مُعْجَمَيْهِ: «الكبيْرِ» (١١/ ٤٥٢ - ٤٥٣) (١٢٢٨٣) وَ «الأَوْسَطِ» (٦/ ١٩٣ - ١٩٤) (٥٤٠٣) قالَ: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدِ بْن ِ أَبي خَيْثمَة َ

стр. 120

حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الطوْسِيُّ حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ فضَيْل ٍ به. ثمَّ قالَ الطبَرَانِيُّ بَعْدَهُ في «الأَوْسَطِ» (٦/ ١٩٤): (لمْ يَرْوِ هَذَا الحدِيْثَ عَنْ عَطاءِ بْن ِ السّائِبِ إلا َّ مُحَمَّدُ بْنُ فضَيْل. تفرَّدَ بهِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الطوْسِيّ). وَهَذَا إسْنَادٌ رِجَالهُ حُفاظ ٌ ثِقاتٌ، احْتَجَّ بهمْ أَصْحَابُ الصَّحِيْح. وَتفرُّدُ مُحَمَّدِ بْن ِ فضَيْل ٍ بهِ عَنْ عَطاءٍ - الذِي ذكرَهُ الطبَرَانِيُّ - لا يَضُرُّهُ، فإنَّ مُحَمَّدًا ثِقة ٌ حُجَّة ٌ، احْتَجَّ بهِ الشَّيْخان. أَمّا زَعْمُ الطبَرَانِيِّ ﵀ ُ: تفرُّدَ عَبْدِ اللهِ بْن ِ هَاشِمٍ الطوْسِيِّ بهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْن ِ فضَيْل ٍ: فغيْرُ مُسَلمٍ وَلا صَحِيْحٍ، بَلْ قدْ شَارَكهُ في رِوَايتِهِ لهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْن ِفضَيْل ٍ: رَاوِيان ِ ثِقتان ِ، هُمَا عَلِيُّ بْنُ المنذِرِ، وَعَبْدَة ُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيْمِ، كمَا تقدَّم. أَمّا الرِّوَاية ُ الموْقوْفة ُ: فجَاءَتْ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ أَيْضًا مِنْ طرِيْقيْن ِ، وَعَنْ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا. فإحْدَى طرِيقيْ ابْن ِ عَبّاس ٍ: رَوَاهَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَة َ عَنْ أَشْعَثِ بْن ِ سَوّارٍ عَنْ عِكرِمَة َ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: «صَلى في مَسْجِدِ الخيْفِ سَبْعُوْنَ نبيًّا، كلهُمْ مُخَطمِيْنَ باِلليْف» قالَ مَرْوَانُ: (يَعْنِي رَوَاحِلهُمْ). أَخْرَجَهُ مِنْ هَذِهِ الطرِيْق ِ:

стр. 121

- الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة َ» (٤/ ٢٦٩) (٢٦٠٣) قالَ: حَدَّثنَا ابْنُ أَبي عُمَرَ حَدَّثنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِية َ به. - وَالأَزْرَقِيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (٢/ ١٧٤) أَيْضًا قالَ: حَدَّثنِي جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبي عُمَرَ العَدَنِيُّ قالا: حَدَّثنَا مَرْوَانُ به. وَهَذَا إسْنَادٌ رِجَالهُ رِجَالُ الصَّحِيْح. وَأَشْعَثُ بْنُ سَوّارٍ: رَوَى لهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» في المتابعَاتِ، وَتكلمَ فِيْهِ جَمَاعَة ٌ مِنَ الأَئِمَّةِ وَضَعَّفوْهُ، وَلعَلَّ الطرِيْقَ الأُخْرَى عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ تَعْضُدُهُ، وَقدْ: رَوَاهَا الحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» (٢/ ٥٩٨): عَنْ أَبي العَبّاس ِ مُحَمَّدِ بْن ِ يَعْقوْبَ عَنْ أَحْمَدِ بْن ِ عَبْدِ الجبّارِ عَنْ يُوْنس ِ بْن ِ بُكيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْن ِ إسْحَاقَ عَن ِ الحسَن ِ بْن ِ مُسْلِمٍ عَنْ مِقسَمٍ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: «لقدْ سَلك َ فجَّ الرَّوْحَاءِ سَبْعُوْنَ نبيًّا حُجّاجًا، عَليْهمْ ثِيَابُ الصُّوْفِ، وَلقدْ صَلى في مَسْجِدِ الخيْفِ سَبْعُوْنَ نبيًّا». وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ الكبْرَى» (٥/ ١٧٧) مِنْ طرِيْق ِ أَبي عَبْدِ اللهِ الحاكِمِ عَنْه. وَهَذَا إسْنَادٌ رِجَالهُ مُحْتَجٌّ بهمْ في الصَّحِيْحِ، غيْرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحَاقَ: مُدَلسٌ وَقدْ عَنْعَن.

стр. 122

أَمّا حَدِيْثُ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: فرَوَاهُ مُسَدَّدٌ (١) عَنْ يَحْيَى بْن ِ سَعِيْدٍ القطان ِ عَنْ عَبْدِ الملِكِ بْن ِ أَبي سُليْمَانَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: «صَلى في مَسْجِدِ الخيْفِ سَبْعُوْنَ نبيًّا، وَبَيْنَ حِرَاءَ وَثبيْرٍ سَبْعُوْنَ نبيًّا». وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيْحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِم. وَرِوَايتا ابْن ِ عَبّاس ٍ وَأَبي هُرَيْرَة َ الموْقوْفتان ِ عَليْهمَا: لهمَا حُكمُ الرَّفعِ، لأَنَّ مِثلهُمَا لا يُقالُ باِلرَّأْيِّ، وَيَشْهَدُ لِرَفعِهَا - ضِمْنًا - حَدِيْثُ ابْن ِ عَبّاس ٍ المرْفوْعُ وَقدْ تقدَّم. وَفي هَذَا البابِ أَيْضًا: مُرْسَلٌ لِسَعِيْدِ بْن ِ المسَيِّبِ قالَ: (مَرَّ مُوْسَى ﵇ بفجِّ الرَّوْحَاءِ، وَعَليْهِ عَبَاءََتان ِ قطوَانِيَّتَان ِ، تجَاوِبهُ صِفاحُ الرَّوْحَاءِ، وَهُوَ يقوْلُ: «لبَّيْك َ عَبْدُك َ، وَابْنُ عَبْدَيْك». وَمَرَّ عِيْسَى بْنُ مَرْيَمَ ﵉ يلبِّي، وَهُوَ يقوْلُ: «لبَّيْك َ عَبْدُك َ، وَابْنُ أَمَتِك َ بنْتِ عَبْدَيْك». وَمِنْ قبْلُ أَوْ مِنْ بَعْدُ سَبْعُوْنَ نبيًّا، خَاطِمِي رَوَاحِلهُمْ بحِبَال ِ الليْفِ، حَتَّى صَلوْا في مَسْجِدِ الخيْف).

стр. 123

رَوَاهُ: - الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (٤/ ٢٦٨ - ٢٦٩) (٢٦٠١) قالَ: حَدَّثنَا ابْنُ أَبي عُمَرَ حَدَّثنَا سُفيَانُ - هُوَ ابنُ عُيَيْنَة َ- عَن ِ ابْن ِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ المسَيِّبِ به. وَرَوَاهُ: - الإمَامُ أَحْمَدُ في «الزُّهْدِ» قالَ: حَدَّثنَا سُفيَانُ عَن ِ ابن ِ جُدْعَانَ وَأَسْنَدَهُ، فذَكرَهُ دُوْنَ أَوَّلهِ الذِي فِيْهِ ذِكرُ مُوْسَى ﵇. الوَجْهُ السّادِسُ: أَنَّ هَذَا الحدِيْثَ - أَعْني حَدِيْثَ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا المنتقدَ -: قدْ رَوَاهُ عَنْهُ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ التّابعِيُّ الثقة ُ ﵀. وَقدْ ثبتَ عَنْ مُجَاهِدٍ مَا يخالِفهُ، وَيوَافِقُ الرِّوَاياتِ الصَّحِيْحَة َ المتقدِّمة َ فِيْه. فرَوَى البَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبْرَى» (٢/ ٤٢٠): عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ الحاكِمِ وَأَبي سَعِيْدٍ مُحَمَّدِ بن ِ مُوْسَى ابن ِ أَبي عَمْرٍو الصَّيرَفيِّ كِلاهُمَا عَنْ أَبي العَبّاس ِ الأَصَمِّ عَنْ يَحْيَى بْن ِ أَبي طالِبٍ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ بن ِ عَطاءٍ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ أَبي عَرُوْبة َ: أَنهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقوْلُ: «صَلى في هَذَا المسْجِدِ - مَسْجِدِ الخيْفِ، يَعْني مَسْجِدَ مِنَى- سَبْعوْنَ نبيًّا، لِبَاسُهُمُ الصُّوْفُ، وَنعَالهمُ الخوْص».

стр. 124

وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيْح. وَرَوَى الفاكِهيُّ أَيْضًا في «أَخْبَارِ مَكة» (٤/ ١٨) (٢٣١٣): عَنْ عَلِيِّ بْن ِ المنذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْن ِ فضَيْل ٍ عَنْ يَزِيْدِ بْن ِ أَبي زِيادٍ قالَ: (خَرَجْنَا مَعَ مُجَاهِدٍ نسِيْرُ حَتَّى خَرَجْنَا مِنَ الحرَمِ نَحْوَ عَرَفاتٍ، فقالَ مُجَاهِدٌ: «هَلْ لكمْ في مَسْجِدٍ كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا يَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَليَ فِيْه». قالَ: قلنا: نعَم، فصَليْنَا فِيْه. ثمَّ قالَ: «لقدْ صَلى فِيْهِ سَبْعُوْنَ نبيًّا، كلهُمْ يَؤُمُّ الخيْف». وَرَوَى الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» أَيْضًا (٤/ ٢٦٨) (٢٥٩٩) قالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عِمْرَانَ المخْزُوْمِيُّ حَدَّثنَا سَعِيْدُ بْنُ سَالِمٍ حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ سَاجٍ أَخْبَرَنِي خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن ِعَنْ مُجَاهِدٍ قالَ: (حَجَّ خَمْسَة ٌوَسَبْعُوْنَ نَبيًّا، كلهُمْ قدْ طافَ بهذَا البيْتِ، وَصَلى في مَسْجِدِ مِنَى، فإن ِ اسْتَطعْتَ لا تَفوْتك َ صَلاة ٌ في مَسْجِدِ مِنَى فافعَلْ). وَرَوَاهُ الأَزْرَقِيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (٢/ ١٧٤): حَدَّثنِي جَدِّي عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ سَالِمٍ به. الوَجْهُ السّابعُ: أَنَّ في إسْنَادِهِ إبْرَاهِيْمَ بْنَ طهْمَانَ، وَهُوَ مَرَدُّ وَسَبَبُ مُخالفةِ هَذَا الحدِيْثِ لِلأَحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ وَنكارَتِهِ، كمَا تقدَّم.

стр. 125

وَهُوَ وَإنْ كانَ ثِقة ً احْتَجَّ بهِ أَصْحَابُ الصَّحِيْحِ، إلا َّ أَنهُ قدْ تفرَّدَ بأَشْيَاءَ خَالفَ فِيْهَا، فلمْ يُوَافقْ عَليْهَا وَلمْ يُتَابعْ، حَتَّى قالَ فِيْهِ - لأَجْلِهَا - الحافِظ ُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنُ عَمّارٍ: (إبْرَاهِيْمُ بْنُ طهْمَانَ: ضَعِيْفٌ مُضْطرِبُ الحدِيْث). وَقالَ ابْنُ حِبّانَ فِيْهِ في «الثقاتِ» (٦/ ٢٧): (أَمْرُهُ مُشْتَبهٌ، لهُ مَدْخَلٌ في الثقاتِ، وَمَدْخَلٌ في الضُّعَفاءِ، قدْ رَوَى أَحَادِيْثَ مُسْتَقِيْمَة ً تُشْبهُ أَحَادِيْثَ الأَثباتِ. وَقدْ تفرَّدَ عَن ِ الثقاتِ بأَشْيَاءَ مُعْضِلات) اه. قلتُ: إنْ لمْ يَكنْ هَذَا الحدِيْثُ مِنْ مُعْضِلاتِهِ: فليْسَ لهُ مُعْضِلاتٌ، وَإنْ لمْ يَكنْ هَذَا مِنْ غرَائِبهِ، فمَا غرَائبُه؟! وَلا رَيْبَ أَنَّ مُخالفتهُ وتفرُّدَهُ بتِلك َ اللفظةِ المنكرَةِ «قبْرُ سَبْعِيْنَ نبيًّا» مَكانَ «صَلى سَبْعُوْنَ نبيًّا»: رَأْسُ مُعْضِلاته. قالَ الذَّهَبيُّ في تَرْجَمَتِهِ في «سِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ» (٧/ ٣٨٣): (لهُ مَا يَنْفرِدُ بهِ، وَلا يَنْحَط ُّ حَدِيثهُ عَنْ دَرَجَةِ الحسَن). وَقالَ الحافِظ ُ ابْنُ حَجَرٍ فِيْهِ في «تقرِيْبِ التَّهْذِيْبِ» (١/ ٣٦): (ثِقة ٌ يُغرِب). الوَجْهُ الثامِنُ: أَنَّ سِيَاقَ هَذَا الحدِيْثِ - حَدِيْثِ ابْن ِ عُمَرَ «في مَسْجِدِ الخيْفِ قبْرُ سَبْعِيْنَ نبيًّا»: سِيَاقُ مَدْحٍ وَتفضِيْل. وَهَذَا لا يَسْتقِيْمُ وَلا يَصِحُّ، أَنْ يَكوْنَ مَرَدُّ فضْل ِ مَسْجِدِ الخيْفِ: وُجُوْدَ تِلك َ القبوْرِ السَّبْعِيْن!

стр. 126

بَلْ إنَّ وُجُوْدَهَا فِيْهِ، تَجْعَلُ الصَّلاة َ فِيْهِ مُحَرَّمَة ً مُنْكرَة ً لا تَصِحُّ - لوْ قِيْلَ بصِحَّةِ حَدِيْثِ ابْن ِ عُمَرَ، وَلا يَصِحُّ - لِمَا قدَّمْنَا، وَمُخالفتِهِ الأَحَادِيْثَ الصَّحِيْحَة. وَإنمَا مَرَدُّ الفضْل ِ في ذلِك َ وَسَبَبُهُ: مَا جَاءَ في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى الصَّحِيْحَةِ، وَهُوَ: صَلاة ُ الأَنبيَاءِ فِيْهِ، حَتَّى كانتِ الصَّلاة ُ فِيْهِ سُنَّة َ أَنبيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ صَلوَاتُ اللهِ عَليْهمْ وَسَلامُهُ، وَسَنَّة َ نبيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ . وَقدْ دَلتْ عَلى هَذَا: الأَحَادِيْثُ وَالآثارُ الأُخْرَى التي قدَّمْنَاهَا في الوَجْهَيْن ِ الخامِس ِ وَالسّادِس. الوَجْهُ التّاسِعُ: أَنهُ لا يَسْتقِيْمُ تتابعُ دَفن ِ هَؤُلاءِ الأَنبيَاءِ السَّبْعِيْنَ - مَعَ كثرَتِهمْ - وَاتفاقهُ في مَسْجِدِ الخيْفِ، إلا َّ أَنْ يَكوْنَ أَصْلُ أَرْضِهِ مَقبَرَة ً، يُقبرُ فِيْهَا الصّالحوْنَ وَالمشْرِكوْن. فإنْ كانَ هَذَا: فلا مَزِية َ لها، فكمَا أَنَّ فِيْهَا قبوْرَ أَنبيَاءٍ، ففِيْهَا قبوْرُ مُشْرِكِيْنَ وَكفار! وَهَذَا مُخَالِفٌ أَيْضًا، لِمَا صَحَّ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ نبشِهِ قبوْرَ المشْرِكِيْنَ في مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ في المدِيْنةِ، وَنقل ِ رُفاتِهمْ: فلوْ كانَ ذلِك َ صَحِيْحًا: لوَجَبَ نبْشُ قبوْرِ المشْرِكِيْنَ، وَنقلُ رُفاتِهمْ كمَا فعَلهُ النَّبيُّ ﷺ ، وََأَمَرَ بهِ في مَسْجِدِه.

стр. 127

الوَجْهُ العَاشِرُ: أَنهُ يَلزَمُ مِنْ دَفن ِ هَؤُلاءِ الأَنبيَاءِ السَّبْعِيْنَ في مَسْجِدِ الخيْفِ: أَنهُمْ بقوْا في مَكة َ بَعْدَ حَجهمْ مُدَّة ً، حَتَّى وَافتْهُمْ مَنَاياهُمْ! وَالعَادَة ُ تُحِيْلُ ذلِك َ، وَأَنْ تكوْنَ مَنَايَاهُمْ وَافتْهُمْ جَمِيْعًا بمَكة َ قبْلَ إمْكانِهمْ مِنَ القفوْل ِ إلىَ أَهْلِهمْ. وَيَلزَمُ مِنْ هَذَا أَمْرَان ِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكوْنَ بَقِيَ في مَكة َ أَنبيَاءٌ قبْلَ نبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ غيْرَ إبْرَاهِيْمَ وَابنِهِ ﵉. وَهَذَا أَمْرٌ غيْرُ صَحِيْحٍ وَلا مَعْرُوْفٍ، وَقدْ رَوَى البخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٧) مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا في قِصَّةِ سُؤَال ِ هِرَقلَ لِرَهْطِ قرَيْش ٍ، وَفِيْهمْ أَبوْ سُفيَانَ، وَهُوَ حَدِيْثٌ طوِيْلٌ كانَ فِيْهِ قوْلُ هِرَقلَ لأَبي سُفيَانَ: «وَسَأَلتُك َ: هَلْ قالَ هَذَا القوْلَ - أَي النُّبُوَّة َ- أَحَدٌ قط قبْله؟ فأَجَبْتَ أَنْ لا، فقلتُ: لوْ كانَ أَحَدٌ مِنْكمْ قالَ هَذَا القوْلَ قبْلهُ، قلتُ: رَجُلٌ يأْتمُّ بقوْل ٍ قِيْلَ قبْله». الأَمْرُ الثانِي: أَنهُمْ - صَلوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَليْهمْ- بقوْا في مَكة َ عِنْدَ قوْمٍ لمْ يُؤْمَرُوْا بإبلاغِهمْ شَيْئًا! وَترَكوْا أَقوَامَهُمْ وَقدْ كلفوْا بإبْلاغِهمْ رِسَالاتِ رَبِّهمْ!

стр. 128

وَقدْ كانتِ الأَنبيَاءُ تبْعَثُ في أَقوَامِهَا خَاصَّة ً دُوْنَ غيْرِهِمْ، عَدَا نبيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ ، فبعِثَ لِلنّاس ِ عَامَّة ً، كمَا عِنْدَ أَحْمَدَ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٣٠٤) وَالبخارِيِّ في «صَحِيْحِهِ» (٣٣٥)، وَمُسْلِمٍ (٥٢١) كلهُمْ مِنْ حَدِيْثِ جَابرِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أُعْطِيْتُ خَمْسًا لمْ يُعْطهُنَّ أَحَدٌ قبْلِي: نصِرْتُ باِلرُّعْبِ مَسِيْرَة َ شَهْرٍ، وَجُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا، فأَيمَا رَجُل ٍ مِنْ أُمَّتي أَدْرَكتْهُ الصَّلاة ُ فليصَلِّ، وَأُحِلتْ لِيَ الغنائِمُ، وَلمْ تحِلَّ لأَحَدٍ قبْلِي، وَأُعْطِيْتُ الشَّفاعَة َ، وَكانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلىَ قوْمِهِ خَاصَّة ً، وَبُعِثْتُ إلىَ النّاس ِ عَامَّة». الوَجْهُ الحادِي عَشَرَ: أَنَّ صُوَرَ هَذِهِ القبوْرِ- لوْ سَلمْنَا بوُجُوْدِهَا وَلا نسَلمُ - غيرُ ظاهِرَةٍ وَلا بَارِزَةٍ، وَالشِّرْك ُ إنما يَحْصُلُ إذا ظهَرَتْ صُوَرُهَا. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تيْميَّة َرَحِمَه ُ الله ُ- كمَا في «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (١٧/ ٤٦٣) -: (كذَلِك َ قالَ العُلمَاءُ: «يَحْرُمُ بناءُ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، وَيَجِبُ هَدْمُ كلِّ مَسْجِدٍ بُنيَ عَلى قبْر». وَإنْ كانَ الميِّتُ قدْ قبرَ في مَسْجِدٍ وَقدْ طالَ مُكثهُ: سُوِّيَ القبْرُ حَتَّى لا تَظهَرَ صُوْرَتهُ، فإنَّ الشِّرْك َ إنما يَحْصُلُ إذا ظهَرَتْ صُوْرَته) اه.

стр. 129

هَذِهِ أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا، كلُّ وَجْهٍ مِنْهَا حُجَّة ٌ يُبْطِلُ ذلِك َ الحدِيْثَ وَيسْقِطهُ، فكيْفَ بهَا مُجْتَمِعَة؟! وَلمْ أَسُقهَا كلهَا لأَجْل ِ قوَّةِ ذلِك َ الحدِيْثِ، أَوْ ظهُوْرِ صِحَّتِهِ! وَقدْ عَلِمْتَ إعْرَاضَ أَصْحَابِ الصِّحَاحِ عَنْهُ، وَعَدَمَ تَصْحِيْحِهمْ لهُ، مَعَ تَسَاهُل ِ بَعْضِهمْ. وَإنمَا سُقتهَا مُتتابعَة ً، زِيَادَة ً في إرْغامِ المعارِض ِ، وَإظهَارًا لِضَعْفِ حُجتِهِ، وَسُقوْطِ أَدِلتِهِ، وَبُعْدِ مَنَالهِ عَنْ يَدَيه.

стр. 130

فصل في بيان ِحَال ِ مَا جَاءَ في دَفن ِ آدَمَ ﵇ في مَسْجِدِ الخيْفِ وَبُطلانِه قدْ وَجَدْتُ لأُوْلئِك َ المبْطِلِيْنَ أَثرًا آخَرَ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا، رُبَّمَا اسْتَدَلوْا بهِ: أَنَّ قبْرَ آدَمَ ﵇ في مَسْجِدِ الخيْف. وَهَذَا قدْ رَوَاهُ الدّارَقطنيُّ ﵀ ُ في «سُننِهِ» (٢/ ٧٠ - ٧١) - مَجْمَعِ الغرَائِبِ، كمَا أَرَادَهُ - فقالَ: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلدٍ حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن ِ سُليْمَانَ العَلافُ حَدَّثنَا صَبَاحُ بْنُ مَرْوَانَ حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمَن ِ بْنُ مَالِكِ بْن ِ مِغْوَل ٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِ مُسْلِمِ بْن ِ هُرْمُزَ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ جُبَيْرٍ وَعُرْوَة َ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: «صَلى جِبْرِيْلُ ﵇ عَلى آدَمَ ﵇: كبَّرَ عَليْهِ أَرْبعًا، وَصَلى جِبْرِيْلُ باِلملائِكةِ يَوْمَئِذٍ، وَدُفِنَ في مَسْجِدِ الخيْفِ، وَأُخِذَ مِنْ قِبَل ِ القِبْلةِ، وَلحِدَ لهُ، وَسُنِّمَ قبْرُه». وَهَذَا الحدِيْثُ بَاطِلٌ، وَمِمَّنْ أَعَلهُ: رَاوِيْهِ الدّارَقطنيُّ، فإنهُ قالَ ﵀ ُ بَعْدَ رِوَايتِهِ لهُ: (عَبْدُ الرَّحْمَن ِ بْنُ مَالِكِ بْن ِ مِغْوَل ٍ: مَتْرُوْك ٌ، وَرَوَاهُ أَبوْ إسْمَاعِيْلَ المؤَدِّبُ عَن ِ ابْن ِ هُرْمُزَ عَنْ أَبي حَزْرَة َ عَنْ عُرْوَة َ، قوْلهُ بَعْضَ هَذَا الكلام). وَلهُ عِلة ٌ أُخْرَى غيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَن ِ هَذَا: وَهِيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْن ِ هُرْمُزَ، ضَعِيْفٌ، ضَعَّفهُ أَئِمَّة ُ الحدِيْثِ، كالإمَامِ أَحْمَدَ وَيَحْيَى بْن ِ مَعِيْن ٍ، وَأَبي دَاوُوْدَ وَالنَّسَائِيِّ وَأَبي عَمْرٍو الفلاس ِ، وَأَبي حَاتِمٍ الرّازِيِّ وَغيْرِهِمْ.

стр. 131

وَقدْ جَاءَ حَدِيْثُ ابْن ِ عَبّاس ٍ هَذَا مِنْ طرِيْق ِ أُخْرَى: فرَوَاهُ الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (٤/ ٢٦٨) (٢٦٠٠) قالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَنْصُوْرٍ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ سَالِمٍ عَن ِ ابْن ِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: (قبْرُ آدَمَ ﵇ بمَكة َ، أَوْ في مَسْجِدِ الخيْفِ، وَقبْرُ حَوّاءَ بجُدَّة). وَهَذَا وَإنْ لمْ يَكنْ حُجَّة ً وَلوْ صَحَّ، لالترَدُّدِ وَالشَّك ِّ في مَوْضِعِ القبْرِ بَيْنَ مَسْجِدِ الخيْفِ وَبَيْنَ مَكة َ: إلا َّ أَنهُ كذَلِك َ ضَعِيْفٌ، وَفي سَنَدِهِ عِلتان ِ: إحْدَاهُمَا: عَنْعَنَة ُ ابْن ِجُرَيْجٍ، وَهُوَ ثِقة ٌ غيْرَ أَنهُ مُدَلسٌ مُكثِرٌ مِنْهُ، وَقدْ عَنْعَن. وَالثّانِيَة ُ: سَعِيْدُ بْنُ سَالِمٍ، لهُ أَوْهَام. وَهَذِهِ العِللُ مِنْ حَيْثُ الإسْنَادُ، وَإلا َّ فإنَّ مَتْنَهُ مُنْكرٌ، يُظهرُ نكارَتهُ الوَجْهُ الأَوَّلُ، وَالثّانِي، وَالثالِثُ، وَالرّابعُ المتقدِّمة ُ في الفصْل ِ السّابق (ص١٣٤ - ١٣٦). يُضَافُ لها وَجْهَان ِ آخَرَان ِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ في لفظِهِ في مَتنِهِ الثّانِي ترَدُّدًا وَعَدَمَ جَزْمٍ بَيْنَ مَكة َ وَمَسْجِدِ الخيْفِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلى اضْطِرَابٍ وَعَدَمِ ضَبْطٍ، فيسْقط ُ الاحْتِجَاجُ به. الثانِي: أَنَّ هَذَا أَمْرٌ غيْرُ مَشْهُوْرٍ عِنْدَ أَهْل ِ العِلمِ، فإنهُمْ- مَعَ تَسَاهُل ِ بَعْضِهمْ - لمْ يَذْكرُوْا أَنَّ آدَمَ ﵇ دُفِنَ في مَسْجِدِ

стр. 132

الخيْفِ، وَإنْ لمْ يَشْتَرِطوْا الصِّحَة َ فِيْمَا يَرْوُوْنهُ وَيُوْرِدُوْنهُ، فقدْ ذكرَ ابْنُ جَرِيْرٍ في «تارِيْخِهِ» (١/ ١٦١) وَتبعَهُ ابْنُ كثِيْرٍ في «البدَايةِ وَالنِّهَايةِ» (١/ ١٠٨) أَقوَالا ً عِدَّة ً في مَوْضِعِ دَفن ِ آدَمَ، لمْ يَكنْ هَذَا مِنْهَا. قالَ الحافِظ ُ ابْنُ كثِيْرٍ في «البدَايةِ وَالنِّهَايَةِ» (١/ ١٠٨): (وَاخْتَلفوْا في مَوْضِعِ دَفنِهِ: فالمشْهُوْرُ: أَنهُ دُفِنَ عِنْدَ الجبَل ِالذِي أُهبط َ مِنْهُ في الهِنْد. وَقِيْلَ: بجبَل ِأبي قبَيْس ٍ بمَكة. وَيُقالُ: إنَّ نُوْحًا ﵇ لمّا كانَ زَمَنُ الطوْفان ِ، حَمَلهُ هُوَ وَحَوَّاءَ في تَابوْتٍ، فدَفنَهُمَا ببَيْتِ المقدِس. حَكى ذلِك َ ابْنُ جَرِيْر. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ بَعْضِهمْ أَنهُ قالَ: «رَأْسُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ إبْرَاهِيْمَ، وَرِجْلاهُ عِنْدَ صَخْرَةِ بَيْتِ المقدِس») اه. قلتُ: رِوَاية ُ ابْن ِعَسَاكِرَ هَذِهِ عَنْ بَعْضِهمْ: مُخَالِفة ٌ لِمَا ثبَتَ في «الصَّحِيْحَيْن» مِنْ حَدِيْثِ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «خَلقَ الله ُ آدَمَ وَطوْلهُ سِتُّوْنَ ذِرَاعًا» [خ (٣٣٢٦)، (٦٢٢٧) م (٢٨٤١)]. وَمَعَ اطرَاحِهَا: حَكاهَا ابْنُ كثِيْرٍ، وَلمْ يَذْكرْ هُوَ، وَلا ابْنُ جَرِيْرٍ: أَنَّ آدَمَ ﵇ مَدْفوْنٌ بمَسْجِدِ الخيْف. وَفي البابِ ثلاثة ُ مَرَاسِيْلَ أُخْرَى سَاقِطة ٌ: أَحَدُهَا: رَوَاهُ أَبوْ الشَّيْخِ الأَصْبَهَانِيُّ في «العَظمَةِ» (٥/ ١٥٩٢) (١٠٥٦) قالَ: حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن ِ سَابوْرٍ الدَّقاقُ حَدَّثنَا أَبوْ نعَيْمٍ الحلبيُّ

стр. 133

حَدَّثنَا سُليْمٌ الخشّابُ المكيُّ عَنْ رَجَاءِ بْن ِ أَبي عَطاءٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قالَ: (قبْرُ آدَمَ ﵇ بمِنَى في مَسْجِدِ الخيْفِ، وَقبْرُ حَوّاءَ بجُدَّة). وَهَذَا مَعَ إرْسَالِهِ، ضَعِيْفٌ فإنَّ فِيْهِ ثلاثَ عِلل ٍ غيْرَ إرْسَالِهِ: سُليْمُ بْنُ مُسْلِمٍ الخشّابُ: قالَ فِيْهِ الإمَامُ أَحْمَدُ: «لا يُسَاوِي حَدِيْثهُ شَيْئًا» وَقالَ ابْنُ مَعِيْن ٍ: «جَهْمِيٌّ خَبيْثٌ» وَقالَ النَّسَائِيُّ: «مَتْرُوْك ُ الحدِيْث» كمَا في «مِيْزَان ِالاعْتِدَال» لِلذَّهَبيّ (٢/ ٢٣٢). وَرَجَاءُ بْنُ أَبي عَطاءٍ المِصْرِيُّ: قالَ فِيْهِ الحاكِمُ: «مِصْرِيٌّ صَاحِبُ مَوْضُوْعَات» وَقالَ أَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ: «يَرْوِي الموْضُوْعَات»، نَقلهَا عَنْهُمُ الذَّهَبيُّ في «مِيْزَان ِالاعْتِدَال» (٢/ ٤٦). وَأَبوْ نعَيْمٍ عُبَيْدُ بْنُ هِشَامٍ الحلبيُّ: ثِقة ٌ، رَوَى لهُ أَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِهِ» إلا َّ أَنهُ تغيَّرَ آخِرَ أَمْرِهِ، قالَ أَبوْ دَاوُوْدَ فِيْهِ: (ثِقة ٌ، إلا َّ أَنهُ تغيَّرَ في آخِرِ أَمْرِهِ، لقنَ أَحَادِيْثَ ليْسَ لها أَصْل). وَالمرْسَلان ِ الثانِي وَالثالِثُ كحَال ِ سَابقتِهَا: رَوَاهُمَا الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (٤/ ٢٧١) (٢٦٠٨) قالَ: حَدَّثنَا ابْنُ أَبي مَسَرَّة َ وَابْنُ أَبي سَلمَة َ- يَزِيْدُ أَحَدُهُمَا عَلى صَاحِبهِ- قالا: حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ عَبْدِ اللهِ بن أبي قزعة قالَ: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوْسَى قالَ: حَدَّثني زَيدُ بْنُ أَسْلم. قالَ ابْنُ أَبي سَلمَة َ في حَدِيْثِهِ: عَنْ أَبي: (إنَّ آدَمَ ﵇ لحِدَ لهُ في مَسْجِدِ الخيْفِ، ودُفِنَ في وِترٍ مِنَ الثيَاب).

стр. 134

فصل فِي رَدِّ اعْتِرَاضَاتِهِ عَلى بَعْض ِ أَدِلةِ المحَرِّمِين وَقدْ رَدَّ هَذَا المعْتَرِضُ بَعْضَ أَدِلةِ مُحَرِّمِي الصَّلاةِ مُطلقا في المقابرِ، وَعِنْدَ القبوْرِ السّابقةِ، دُوْنَ بَيِّنةٍ وَلا بُرْهَان. وَقيدَ عُمُوْمَهَا بغيْرِ قيْدٍ، وَخَصَّصَ إطلاقهَا بغيْرِ مُخصِّص ٍ، فجَعَلَ تِلك الأَحَادِيْثَ كلهَا، في تَحْرِيْمِ اتخاذِ قبورِ الأَنبيَاءِ مَسَاجدَ، وَقصْدِ الصَّلاةِ عِنْدَ أَصْحَابِ القبوْرِ المعَظمَةِ فقالَ: (وَنحْنُ نقوْلُ بهَذَا، يَحْرُمُ قصْدُ قبرٍ مُعَظمٍ بصَلاةٍ، وَلكِنْ هَذِهِ ليْسَتْ كتِلك َالتِي نحْنُ بصَدَدِ مُنَاقشَتِهَا! أَيْنَ تَجِدُ تَحْرِيْمَ الصَّلاةِ فِي المقبرَةِ مُطلقا، ورَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَيِّنُ وَجْهَ النَّهْيِّ بأَمْرَين ِ: (١) أَنْ يَكوْنَ القبْرُ مُعَظمًا، (٢) وَأَنْ يَبْنِيَ عَليْهِ مَسْجدًا) انتهَى كلامُه. وَكلامُهُ هَذَا مَرْدُوْدٌ، فإنَّ نهْيَ النَّبيِّ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ: نهْيٌ عَامٌّ مُطلقٌ، لمْ يُقيِّدْهُ قيْدٌ، أَوْ يُخصَّ بمُخصِّص ٍ، وَمِنْ ذلِك َ: * قوْلهُ ﷺ : «لا تصَلوْا إلىَ القبوْرِ، وَلاَ تجْلِسُوْا عَليْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيْحِهِ» (٩٧٢) مِنْ حَدِيْثِ أَبي مَرْثدٍ الغنوِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْه.

стр. 135

* وَقوْلهُ ﷺ : «اِجْعَلوْا مِنْ صَلاتِكمْ فِي بُيوْتِكمْ، وَلا تتَّخِذُوْهَا قبوْرًا» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٤٣٢)، (١١٨٧) ومُسْلِمٌ (٧٧٧)، مِنْ حَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا. * وَقوْلهُ ﷺ : «إنَّ مِنْ شِرَارِ الناس ِ، مَنْ تدْرِكهُمُ السّاعَة ُ وَهُمْ أَحْياءٌ، وَمَنْ يتخِذُ القبوْرَ مَسَاجِدَ» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «المسْنَدِ» (١/ ٤٠٥، ٤٣٥، ٤٥٤)، وَأَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ فِي «صَحِيْحِهِ» (٢٣٢٥) مِنْ حَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بن ِ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ الله ُ عَنْه. * وَقوْلهُ ﷺ : «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ (٣/ ٨٣، ٩٦) وَأَبوْ دَاوُوْدَ (٤٩٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣١٧) وَابْنُ مَاجَهْ (٧٤٥) وَابنُ حِبّانَ فِي «صَحِيْحِهِ» (١٦٩٩)، (٢٣١٦)، (٢٣٢١) مِنْ حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْه. * وَقوْلُ ابْن ِعَباس ٍقالَ: «لعَنَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ زُوّارَاتِ القبوْرِ، وَالمتَّخِذِينَ عَليْهَا المسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «المسْندِ» (١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤) وَأَبوْ دَاوُوْدَ (٣٢٣٦) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٢٠) وَالنَّسَائِيُّ (٢٠٤٣) وَابْنُ مَاجَهْ (١٥٧٥) وَابْنُ حِبّانَ فِي «صَحِيْحِه» (٣١٧٩)، (٣١٨٠). * وَقوْلُ عَبْدِ اللهِ بْن ِعَمْرٍو رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: «نهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ فِي المقبرَة» رَوَاهُ أَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ فِي «صَحِيْحِه» (٢٣١٩). * وَقوْلُ أَنس ِ بْن ِ مَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى أَنْ يُصَلى بَيْنَ القبوْر» رَوَاهُ ابنُ حِبّانَ في «صَحِيْحِه» (١٦٩٨)، (٢٣١٥)،

стр. 136

(٢٣١٨)، (٢٣٢٢)، (٢٣٢٣). * وَأَمْرُ النَّبيِّ ﷺ بنبْش ِ مَقبَرَةِ المشْرِكِيْنَ، وَإخْرَاجِ رُفاتِهمْ، لما أَرَادَ اتخاذهَا مَسْجِدًا، وَلمْ يُصَلِّ فِيْهَا إلا َّ بَعْدَ ذلِك َ، رَوَاهُ الشَّيْخَان ِ مِنْ حَدِيْثِ أَنس ِ بْن ِ مَالِك رَضِيَ الله ُ عَنْه. وَهَذَا مَا فهمَهُ الصَّحَابة ُ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ، فإنَّ نهْيَهُمْ وَتَحْرِيْمَهُمْ لِلصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ عَامٌّ غيْرُ مُخَصَّص ٍ وَلا مُقيَّد. وَعُمَرُ لما رَأَى أَنسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلي عِنْدَ قبْرٍ لمْ يَشْعُرْ بهِ: نبَّهَهُ وَنهَاهُ، وَليْسَ ذاك القبْرُ بقبْرِ نبيٍّ، وَقدْ تقدَّمَ ذِكرُ هَذَا الأَثرِ وَمَنْ رَوَاه (١٢١ - ١٢٢). وَإنْ كانَ لعْنُهُ ﷺ لِليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى، لاتخاذِهِمْ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ في جُمْلةٍ مِنَ الأَحَادِيْثِ: إلا َّ أَنَّ ذلِك َ لا يَصِحُّ وَلا يَصْلحُ أَنْ يَكوْنَ مُخَصِّصًا لِلقبوْرِ المنْهيِّ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَهَا، فلا يَصِحُّ أَنْ نقوْلَ: تَحْرُمُ الصَّلاة ُ عِنْدَ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالحِيْنَ وَقبوْرِ المعظمِيْنَ دُوْنَ غيْرِهِمْ. لِعُمُوْمِ الأَدِلةِ السّابقةِ، وَلِتَحقق ِ عِلةِ النَّهْيِّ في الصَّلاةِ عِنْدَ القبوْرِ أَيا كانَ ذلِك َ المقبوْر. وَقدْ قدَّمْنَا عِلة َ نهْيِّ الشّارِعِ وَحَققناهَا في فصْل ٍ تقدَّمَ (ص٢٧ - ٤٣)، وَأَنَّ العِلة َ في ذلِك َ رَاجِعَة ٌ إلىَ أَمْرَيْن ِ، هُمَا: * مَخافة ُ أَنْ يَكوْنَ ذلِك َ ذرِيْعَة ً لِلشِّرْكِ باِللهِ بعِبَادَةِ صَاحِبِ القبْرِ، أَوْ صَرْفِ شَيْءٍ مِنْ خَصَائِص ِ اللهِ جَلَّ وَعَلا لهُ، كمَا حَدَثَ فيْمَنْ سَبقنا مِنَ الأُمَمِ، كقوْمِ نوْحٍ وَغيْرِهِمْ.

стр. 137

* وَلِمَا في ذلِك َ مِنَ التَّشَبُّهِ باِليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى، وَقدْ نهيْنَا عَنْ مُشَابَهَتِهمْ في دَقِيْق ِ الأُمُوْرِ فكيْفَ بعَظِيْمِهَا؟! وَمِنْ أَهْل ِ العِلمِ: مَنْ أَضَافَ عِلة ً ثالِثة ً، وَهِيَ: نجاسَة ُ القبوْرِ أَوْ مَظِنَّة ُ ذلك. وَهَذِهِ العِلة ُ وَإنْ كانتْ تُضَمُّ لِمَا سَبَقَ مِنَ العِلل ِ، إلا َّ أَنهَا ليْسَتْ العِلة َ الكبْرَى في الحكمِ كمَا قدْ بينا ذلك في فصْل ٍ تقدَّمَ (ص٢٧ - ٤٣)، وَأَنهَا رُبَّمَا جَامَعَتِ العِللَ الكبْرَى وَرُبَّمَا تخلفتْ عَنْهَا. إلا َّ أَنهُ عَلى قوْل ِ هَؤُلاءِ: تكوْنُ حُرْمَة ُ الصَّلاةِ في عَامَّةِ القبوْرِ أَشَدَّ وَأَكبَرَ مِنْ حُرْمَتِهَا عِنْدَ قبوْرِ الأَنبيَاءِ، لِمَظِنَّةِ نجَاسَةِ ترْبةِ عَامَّةِ المقابرِ، وَطهَارَةِ ترْبةِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ قطعًا. ثمَّ إنَّ الضّابط َ الذِي وَضَعَهُ - مَعَ بُطلانِهِ - غيْرُ مُنْضَبطٍ: فمَالضّابط ُ في القبوْرِ المعَظمَةِ؟ فكمْ مِنْ قبْرٍ مُعَظمٍ عِنْدَ قوْمٍ، مُهَان ٍ مَلعُوْن ٍ عِنْدَ غيْرِهِمْ، وَهَذَا قبْرُ ابْن ِ عَرَبيٍّ الصُّوْفيِّ بدِمَشْقَ، كانَ مَزْبَلة ً يُلقى فِيْهَا النتَنُ، بَلْ ذكرَ الشَّعْرَانِيُّ في «طبَقاتِهِ» (١/ ١٦٣): أَنهُ كانَ يبالُ عَلى قبرِه! وَبَقِيَ عَلى ذلِك َ حَتَّى دَخَلَ السُّلطانُ العُثْمَانِيُّ سَلِيْمُ الأَوَّلُ (ت٩٢٦هـ) دِمَشْقَ في القرْن ِ العَاشِرِ، فبنى عَليْهِ مَشْهَدًا! وَعَمَرَ قبتهُ! وَعَظمَهُ! وَعَمِلَ عَليْهِ أَوْقافا! وَجَعَلَ لِلفقرَاءِ المتعَلقِينَ

стр. 138

باِبْن ِ عَرَبيٍّ مَطبَخًا! وَجَعَلَ لِلأَوْقافِ ناظِرًا يَجْمَعُ غلتهَا! وَهَذَا لمْ يُعْهَدْ لِغيرِهِ مِنْ مُلوْكِ الجرَاكِسَةِ، وَلا مِمَّنْ كانَ قبْلهُمْ، كمَا ذكرَ هذَا كلهُ: مُؤَرِّخُ العُثْمَانِيِّينَ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبي السُّرُوْرِ البكرِيُّ في كِتَابهِ «المِنَحِ الرَّحْمَانِيَّةِ، في الدَّوْلةِ العُثْمَانِيَّة» (ص٨٣ - ٨٤) وَغيرُه. وَإنْ كانَ الضّابط ُ أَنْ يَكوْنَ قبْرَ نبيٍّ: فلمْ يثبُتْ قبْرُ نبيٍّ عَلى وَجْهِ القطعِ، إلا َّ قبْرُ نبيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَمّا غيْرُهُ مِنَ الأَنبيَاءِ: فلا، وَإنمَا النّاسُ يُصَلوْنَ عِنْدَ قبوْرٍ يَزْعُمُوْنَ كذِبًا أَنهَا لأَنبيَاءٍ وَليْسَتْ كذَلِك. فهَلْ يُنْهَوْنَ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَهَا، أَوْ لا؟ فإنْ نهُوْا: نهوْا عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ قبْرٍ ليْسَ بقبْرِ نبيٍّ في الحقِيْقة. وَإنْ ترِكوْا: ترِكوْا يُصَلوْنَ عِنْدَ قبْرٍ يَعْتَقِدُوْنَ فِيْهِ ذلك. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵀ ُ- كمَا في «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (٢٧/ ١٤١) -: (وَلِهَذَا كانَ العُلمَاءُ الصّالِحُوْنَ مِنَ المسْلِمِيْنَ لا يُصَلوْنَ في ذلِك َ المكان. هَذَا إذا كانَ القبْرُ صَحِيْحًا، فكيْفَ وَعَامَّة ُ القبوْرِ المنْسُوْبَةِ إلىَ الأَنبيَاءِ كذِبٌ، مِثْلُ القبْرِ الذِي يُقالُ: «إنهُ قبْرُ نوْحٍ» فإنهُ كذِبٌ لا رَيْبَ فِيْهِ، وَإنمَا أَظهَرَهُ الجهّالُ مِنْ مُدَّةٍ قرِيْبَةٍ وَكذَلِك َ قبْرُ غيْرِه). وَقالَ ﵀ ُ (٢٧/ ٤٤٤): (وَأَمّا قبوْرُ الأَنبيَاءِ: فالذِي اتفقَ عَليْهِ العُلمَاءُ هُوَ «قبْرُ النَّبيِّ ﷺ » فإنَّ قبْرَهُ مَنْقوْلٌ باِلتوَاترِ، وَكذَلِك َ في صَاحِبَيْهِ.

стр. 139

وَأَمّا «قبْرُ الخلِيْل ِ»: فأَكثرُ النّاس ِ عَلى أَنَّ هَذَا المكانَ المعْرُوْفَ، هُوَ قبْرُهُ. وَأَنكرَ ذلِك َ طائِفة ٌ، وَحُكِيَ الإنكارُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَنهُ قالَ: «ليْسَ في الدُّنيا قبْرُ نبيٍّ يُعْرَفُ إلا َّ قبْرُ نبيِّنَا ﷺ ». لكِنْ جُمْهُوْرُ النّاس ِ عَلى أَنَّ هَذَا قبْرُهُ، وَدَلائِلُ ذلِك َ كثِيْرَة ٌ، وَكذَلِك َ هُوَ عِنْدَ أَهْل ِ الكِتَاب) اه كلامُه. وَالمعْتَرِضُ ليْسَ لهُ سَلفٌ في تَخْصِيْصِهِ وَتقييْدِهِ، وَإنمَا مُرَادُهُ: إبْطالُ الآثارِ، وَرَدُّ الأَدِلةِ في تَحْرِيْمِ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَهَا، دُوْنَ مُرَاعَاةٍ لِصَوَابِ اعْتِرَاضِهِ، لِهَوَىً في نفسِهِ وَمَرَض. أَمّا شَرْطاهُ اللذَان ِ شَرَطهُمَا: فمَرْدُوْدَان ِ، وَقدْ تقدَّمَ الجوَابُ عَن ِالأَوَّل ِ، وَهُوَ كوْنُ القبْرِ مُعَظمًا. وَأَمّا الشَّرْط ُالثانِي: وَهُوَ (أَنْ يُبْنى عَليهِ مَسْجِدٌ): فجَوَابهُ: أَنَّ هَذَا شَرْط ٌفاسِدٌ، وَمَنْ قصَدَ الصَّلاة َ عِنْدَ قبرِ نبيٍّ أَوْ صَالِحٍ، وَلوْ لمْ يبن ِ بناءًا عَليْهِ: دَخَلَ بلا شَك ّ فِي حَدِيْثِ النَّبيِّ ﷺ ، وَكانَ ذلِك َ المصَلي مُتَّخِذًا ذلِك َ القبْرَ مَسْجِدًا، فإنَّ لفظ َ «المسَاجِدِ» يَدْخُلُ فِيْهِ أَمْرَان ِ: دُوْرُ العِبَادَةِ المقامَةِ، وَالأَرْضُ التِي يُصَلى عَليْهَا، أَوْ كانتْ صَالِحَة ً لِلصَّلاة.

стр. 140

أَمّا الأَوَّلُ: فمَعْرُوْفٌ مَشْهُوْر. وَأَمّا الثّانِي: فمِنْهُ: قوْلُ النَّبيِّ ﷺ : «وَجُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا) وَهُوَ فِي «الصَّحِيْحَيْن ِ» [خ (٣٣٥)، (٤٣٨) م (٥٢١)]. وَالمقصُوْدُ أَنهَا كلهَا صَالِحَة ٌ للعِبَادَةِ، وَليْسَتْ كلهَا قدْ أَصْبَحَتْ دَارًا مَبْنِيَّة ً للعِبَادَة! قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ (٢٧/ ١٦٠): (وَاتخاذهَا مَسَاجِدَ يتناوَلُ شَيْئَيْن ِ: أَنْ يَبْنِيَ عَليْهَا مَسْجدًا، أَوْ يُصَليَ عِنْدَهَا مِنْ غيْرِ بناءٍ، وَهُوَ الذِي خافهُ هُوَ ﷺ ، وَخَافتهُ الصَّحَابة ُإذا دَفنُوْهُ بارِزًا، خَافوْا أَنْ يُصَلى عِنْدَهُ فيتخذَ قبْرُهُ مَسْجِدًا) انتهَى. قالَ الإمَامُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ ﵀ ُ فِي «كِتَابِ التَّوْحِيْد»: (وَالصَّلاة ُعِنْدَهَا أَي عِنْدَ القبوْرِ مِنْ ذلِك َ، وَإنْ لمْ يبْنَ مَسْجِدٌ، وَهُوَ مَعْنَى قوْلهِا أَي عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا «خَشِيَ أَنْ يتخذَ مَسْجِدًا». فإنَّ الصَّحَابة َلمْ يَكوْنوْا لِيبنوْا حَوْلَ قبرِهِ مَسْجِدًا. وَكلُّ مَوْضِعٍ قصِدَ الصَّلاة ُفِيْهِ: فقدِ اتخِذَ مَسْجِدًا، بلْ كلُّ مَوْضِعٍ يصَلى فِيْهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كمَا قالَ ﷺ : «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا» [خ (٣٣٥)، (٤٣٨) م (٥٢١)]) انتهَى.

стр. 141

فصل في رَدِّ اعْتِرَاضَاتِهِ عَلى حَدِيْثِ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا ّ المقبَرَة َ وَالحمّام» وَلمّا اسْتُدِلَّ عَلى هَذا المعْتَرِض ِ، بقوْل ِ النَّبيِّ ﷺ : «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّامَ»، وَهُوَ عِنْدَ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٨٣، ٩٦) وَالتِّرْمِذِيِّ فِي «جَامِعِهِ» (٣١٧) وَغيْرِهِمَا مِنْ حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبّانَ وَالحاكِمُ وَابْنُ حَزْمٍ وَغيْرُهُمْ، وَجَوَّدَ إسْنَادَهُ شَيْخنا ابنُ بازٍ ﵏ ُجَمِيْعًا. قالَ المعْترِضُ رَادًّا لهُ: (إنَّ حَدِيْثَ الاسْتِثْنَاءِ «إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّامَ» لا يَكفِي لِتحْرِيْمِ الصَّلاةِ فِي المقبَرَةِ، وَذلِك َ لِلأَسْبَابِ التّالِيةِ: أَوّلا ً: تنَازُعُ العُلمَاءِ فِي ثبوْته. ثانيًا: الخلافُ فِي مَعْنى «المقبَرَةِ»، هَلْ يَعْنِي المكانَ الذِي يُدْفنُ فِيْهِ الميِّتُ، أَوِ المكانَ المعَدَّ لِذَلِك؟ الرّاجِحُ الثّانِي، وَلِبيان ِذلِك َ يحْتاجُ إلىَ كلامٍ طوِيْل ٍ، رَاجِعْ رِسَالة َ «الجوْهَرَة». ثالِثا: وَهَذَا هُوَ الذِي يُعَوَّلُ عَليْهِ: أَنَّ الحدِيْثَ مَنْسُوْخٌ بحدِيثِ: «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ كلها مَسْجِدًا وَطهُوْرًا»، وَهذَا مَذْهَبُ أَكثرِ الفقهَاءِ، وَعُلمَاءِ الحدِيْثِ كالبخارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغيْرِهِمَا.

стр. 142

وَيرَجِّحُ هَذَا المذْهبَ: صَلاة ُ الصَّحَابةِ فِي المقابرِ بَعْدَ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ مِنْ غيْرِ اسْتنْكارٍ، مَا خلا اسْتِقبَالَ القبْرِ باِلصَّلاة. وَمِمّا هُوَ مَعْلوْمٌ لدَى طلبةِ العِلمِ: أَنَّ الدَّلِيْلَ إذا تَطرَّقَ إليْهِ الاحْتِمَالُ: بَطلَ بهِ الاسْتِدلال) انتهَى كلامُ المعْترِض. وَكلامُهُ هَذَا لا قِيْمَة َ لهُ، فإنَّ تنازُعَ العُلمَاءِ فِي ثبوْتِ حََدِيْثٍ، لا يُسْقِط ُ الاحْتِجَاجَ به. بَلْ هُوَ حُجَّة ٌ عِنْدَ مَنْ قبلهُ وَصَحَّ عِنْدَهُ، يَلزَمُهُ المصِيْرُ إليْهِ، وَالاعْتِمَادُ عَليْهِ، وَإنْ لمْ يفعَلْ كانَ آثِمًا عَاصِيًا. وَهَذَا مَحَلُّ اتفاق ٍ وَإجْمَاعٍ، فإنهُمْ لمْ يَلتزِمُوْا، أَوْ يَشْتَرِطوْا خلوَّ أَدِلتِهمْ وَحُجَجِهمْ مِنَ التنَازُعِ، سَوَاءٌ في الصِّحَّةِ أَوِ الدَّلالةِ، لِذَا ترَاهُمْ يسْتدِلوْنَ بأَدِلةٍ كثِيْرَةٍ، قدْ تنوْزِعَ فِيْهَا: إمّا فِي صِحَّتِهَا، أَوْ فِي دَلالتِهَا. أَمّا مَنْ رَدَّ حَدِيْثَ النَّبيِّ ﷺ : * فإنْ رَدَّهُ بسَبَبٍ يُقبَلُ مِثْلهُ فِي رَدِّ الأَحَادِيْثِ، وَلهُ فِيْهِ سَلفٌ: كانَ بَيْنَ الأَجْرِ وَالأَجْرَيْن ِ، كوُجُوْدِ ناسِخٍ، أَوْ مُخَصِّص ٍ، أَوْ مُقيِّدٍ، أَوْ ضَعْفٍ لا يَصْلحُ مَعَهُ احْتِجَاجٌ باِلحدِيْثِ، وَنحْوِ ذلك. * وَإنْ رَدَّهُ بسَبَبٍ لا يُقبلُ مِثْلهُ، أَوْ ليْسَ لهُ فِيْهِ سَلفٌ وَلا حُجة ٌ، أَوْ بحجَّةٍ وَسَبَبٍ رُدَّتْ عَليْهِ، وَبينَ لهُ ضَعْفهَا: فهُوَ آثِمٌ عَاص ٍ، كمَنْ رَدَّ شيْئًا مِنْ أَحَادِيْثِ

стр. 143

«الصَّحِيْحَيْن ِ» - أَوْ مَا صَحَّ في غيْرِهِمَا - فِي الاعْتِقادِ، لأَجْل ِ كوْنِهَا آحَادًا، ونحْوِ ذلك.

стр. 144

فصل في بيان ِصِحَّةِ حَدِيْثِ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام»، وَذِكرِ طرُقهِ، وَالكلامِ عَليْه أَمّا حَدِيْثُ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّامَ»: فرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُمَارةِ بْن ِأَبي حَسَن ٍ الأَنصَارِيُّ المازِنيُّ المدَنِيُّ (ع)، وَهُوَ إمَامٌ تابعِيٌّ ثقة ٌ، احْتَجَّ بهِ الشَّيْخان ِ في «صَحِيْحَيْهمَا»، غيرَ أَنهُ اخْتُلِفَ عَليْهِ فِيْهِ، فرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُوْلا ً وَمُرْسَلا ً. أَمّا الرِّوَاية ُ الموْصُوْلة ُ: فرَوَاها عَنْهُ: ابنهُ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى (ع)، وَسَمِعَهَا مِنْ عَمْرٍو جَمَاعَة ٌ، مِنْهُمْ: ١ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ محمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ (ع)، أَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ: * الدّارِمِيُّ في «سُننِهِ» (١٣٩٠): أَخْبرَنا سَعِيْدُ بْنُ مَنْصُوْرٍ حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيْز. * وَالتِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِهِ» (٣١٧): حَدَّثنا ابْنُ أَبي عُمَرَ، وَأَبوْ عَمّارٍ الحسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ المرْوَزِيُّ قالا: حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيْز. * وَابنُ خُزَيْمَة َ في «صَحِيْحِهِ» (٧٩١): أَخْبَرَنا الحسَيْنُ بْنُ حُرَيثٍ حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيْز. * وَالحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» (١/ ٢٥١)، * وَالبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ الكبْرَى» (٢/ ٤٣٥) مِنْ طرِيْق ِالحاكِمِ عَنْه. ٢ وَسُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَة َ (ع)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ: * الشّافِعِيُّ في «السُّنن ِ المأْثوْرَةِ» (١٨٦) عَنْه.

стр. 145

٣ وَسُفيَانُ الثوْرِيُّ (ع)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيقِهِ: * أَبوْ يَعْلى الموْصِلِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٥٠٣) (١٣٥٠): حَدَّثنا أَبوْ خَيْثَمَة َ حَدَّثنَا يَزِيْدُ بْنُ هَارُوْنَ أَخْبرَنا سُفيَانُ الثوْرِيُّ عَنْ عَمْرٍو به. ٤ وَعَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ (ع)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيقِهِ: * الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٩٦): حَدَّثنَا أَبوْ مُعَاوِيَة َ الغِلابيُّ حَدَّثنَا عَبْدُ الوَاحِد. * وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُنَنِهِ» (٤٩٢): حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثنَا عَبْدُ الوَاحِد. * وَابْنُ خُزَيْمَة َفي «صَحِيْحِهِ» (٧٩٢): حَدَّثنَا بشرُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثنَا عَبْدُ الوَاحِد. * وَابْنُ المنْذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٢)، (٥/ ٤١٧). * وَابْنُ حِبّانَ في «صَحِيْحِهِ» (١٦٩٩)، (٢٣١٦)، (٢٣٢١): - أَخْبَرَنا محمَّدُ بنُ إسْحَاق ِ بن ِخُزَيْمَةَ حَدَّثنَا بشْرُ بْنُ مُعَاذٍ العقدِيُّ حَدَّثنا عَبْدُ الوَاحِد (ح). - وَأَخْبرَنا عِمْرَانُ بْنُ مُوْسَى السِّخْتِيَانِيُّ حَدَّثنَا أَبوْ كامِل ٍ الجحْدَرِيُّ حَدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ به. ٥ وَحَمّادُ بْنُ سَلمَة َ (خت م٤)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ: * الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٨٣): حَدَّثنَا يَزِيْدُ بْنُ هَارُوْنَ أَخْبَرَنا حَمّاد.
следующие страницы →