Полный текст (373 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فصل في رَدِّ اعْتِرَاضَاتِهِ عَلى حَدِيْثِ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا ّ المقبَرَة َ وَالحمّام»
وَلمّا اسْتُدِلَّ عَلى هَذا المعْتَرِض ِ، بقوْل ِ النَّبيِّ ﷺ : «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّامَ»، وَهُوَ عِنْدَ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٨٣، ٩٦) وَالتِّرْمِذِيِّ فِي «جَامِعِهِ» (٣١٧) وَغيْرِهِمَا مِنْ حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبّانَ وَالحاكِمُ وَابْنُ حَزْمٍ وَغيْرُهُمْ، وَجَوَّدَ إسْنَادَهُ شَيْخنا ابنُ بازٍ ﵏ ُجَمِيْعًا.
قالَ المعْترِضُ رَادًّا لهُ: (إنَّ حَدِيْثَ الاسْتِثْنَاءِ «إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّامَ» لا يَكفِي لِتحْرِيْمِ الصَّلاةِ فِي المقبَرَةِ، وَذلِك َ لِلأَسْبَابِ التّالِيةِ:
أَوّلا ً: تنَازُعُ العُلمَاءِ فِي ثبوْته.
ثانيًا: الخلافُ فِي مَعْنى «المقبَرَةِ»، هَلْ يَعْنِي المكانَ الذِي يُدْفنُ فِيْهِ الميِّتُ، أَوِ المكانَ المعَدَّ لِذَلِك؟ الرّاجِحُ الثّانِي، وَلِبيان ِذلِك َ يحْتاجُ إلىَ كلامٍ طوِيْل ٍ، رَاجِعْ رِسَالة َ «الجوْهَرَة».
ثالِثا: وَهَذَا هُوَ الذِي يُعَوَّلُ عَليْهِ: أَنَّ الحدِيْثَ مَنْسُوْخٌ بحدِيثِ: «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ كلها مَسْجِدًا وَطهُوْرًا»،
وَهذَا مَذْهَبُ أَكثرِ الفقهَاءِ، وَعُلمَاءِ الحدِيْثِ كالبخارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغيْرِهِمَا.
стр. 142
وَيرَجِّحُ هَذَا المذْهبَ: صَلاة ُ الصَّحَابةِ فِي المقابرِ بَعْدَ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ مِنْ غيْرِ اسْتنْكارٍ، مَا خلا اسْتِقبَالَ القبْرِ باِلصَّلاة.
وَمِمّا هُوَ مَعْلوْمٌ لدَى طلبةِ العِلمِ: أَنَّ الدَّلِيْلَ إذا تَطرَّقَ إليْهِ الاحْتِمَالُ: بَطلَ بهِ الاسْتِدلال) انتهَى كلامُ المعْترِض.
وَكلامُهُ هَذَا لا قِيْمَة َ لهُ، فإنَّ تنازُعَ العُلمَاءِ فِي ثبوْتِ حََدِيْثٍ، لا يُسْقِط ُ الاحْتِجَاجَ به. بَلْ هُوَ حُجَّة ٌ عِنْدَ مَنْ قبلهُ وَصَحَّ عِنْدَهُ، يَلزَمُهُ المصِيْرُ إليْهِ، وَالاعْتِمَادُ عَليْهِ، وَإنْ لمْ يفعَلْ كانَ آثِمًا عَاصِيًا.
وَهَذَا مَحَلُّ اتفاق ٍ وَإجْمَاعٍ، فإنهُمْ لمْ يَلتزِمُوْا، أَوْ يَشْتَرِطوْا خلوَّ أَدِلتِهمْ وَحُجَجِهمْ مِنَ التنَازُعِ، سَوَاءٌ في الصِّحَّةِ أَوِ الدَّلالةِ، لِذَا ترَاهُمْ يسْتدِلوْنَ بأَدِلةٍ كثِيْرَةٍ، قدْ تنوْزِعَ فِيْهَا: إمّا فِي صِحَّتِهَا، أَوْ فِي دَلالتِهَا.
أَمّا مَنْ رَدَّ حَدِيْثَ النَّبيِّ ﷺ :
* فإنْ رَدَّهُ بسَبَبٍ يُقبَلُ مِثْلهُ فِي رَدِّ الأَحَادِيْثِ، وَلهُ فِيْهِ سَلفٌ: كانَ بَيْنَ الأَجْرِ وَالأَجْرَيْن ِ، كوُجُوْدِ ناسِخٍ، أَوْ مُخَصِّص ٍ، أَوْ مُقيِّدٍ، أَوْ ضَعْفٍ لا يَصْلحُ مَعَهُ احْتِجَاجٌ باِلحدِيْثِ، وَنحْوِ ذلك.
* وَإنْ رَدَّهُ بسَبَبٍ لا يُقبلُ مِثْلهُ، أَوْ ليْسَ لهُ فِيْهِ سَلفٌ وَلا حُجة ٌ، أَوْ بحجَّةٍ وَسَبَبٍ رُدَّتْ عَليْهِ، وَبينَ لهُ ضَعْفهَا: فهُوَ آثِمٌ عَاص ٍ، كمَنْ رَدَّ شيْئًا مِنْ أَحَادِيْثِ
стр. 143
«الصَّحِيْحَيْن ِ» - أَوْ مَا صَحَّ في غيْرِهِمَا - فِي الاعْتِقادِ، لأَجْل ِ كوْنِهَا آحَادًا، ونحْوِ ذلك.
стр. 144
فصل في بيان ِصِحَّةِ حَدِيْثِ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام»، وَذِكرِ طرُقهِ، وَالكلامِ عَليْه
أَمّا حَدِيْثُ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّامَ»:
فرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُمَارةِ بْن ِأَبي حَسَن ٍ الأَنصَارِيُّ المازِنيُّ المدَنِيُّ (ع)، وَهُوَ إمَامٌ تابعِيٌّ ثقة ٌ، احْتَجَّ بهِ الشَّيْخان ِ في «صَحِيْحَيْهمَا»، غيرَ أَنهُ اخْتُلِفَ عَليْهِ فِيْهِ، فرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُوْلا ً وَمُرْسَلا ً.
أَمّا الرِّوَاية ُ الموْصُوْلة ُ: فرَوَاها عَنْهُ:
ابنهُ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى (ع)، وَسَمِعَهَا مِنْ عَمْرٍو جَمَاعَة ٌ، مِنْهُمْ:
١ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ محمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ (ع)، أَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ:
* الدّارِمِيُّ في «سُننِهِ» (١٣٩٠): أَخْبرَنا سَعِيْدُ بْنُ مَنْصُوْرٍ حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيْز.
* وَالتِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِهِ» (٣١٧): حَدَّثنا ابْنُ أَبي عُمَرَ، وَأَبوْ عَمّارٍ الحسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ المرْوَزِيُّ قالا: حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيْز.
* وَابنُ خُزَيْمَة َ في «صَحِيْحِهِ» (٧٩١): أَخْبَرَنا الحسَيْنُ بْنُ حُرَيثٍ حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيْز.
* وَالحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» (١/ ٢٥١)،
* وَالبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ الكبْرَى» (٢/ ٤٣٥) مِنْ طرِيْق ِالحاكِمِ عَنْه.
٢ وَسُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَة َ (ع)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ:
* الشّافِعِيُّ في «السُّنن ِ المأْثوْرَةِ» (١٨٦) عَنْه.
стр. 145
٣ وَسُفيَانُ الثوْرِيُّ (ع)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيقِهِ:
* أَبوْ يَعْلى الموْصِلِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٥٠٣) (١٣٥٠): حَدَّثنا أَبوْ خَيْثَمَة َ حَدَّثنَا يَزِيْدُ بْنُ هَارُوْنَ أَخْبرَنا سُفيَانُ الثوْرِيُّ عَنْ عَمْرٍو به.
٤ وَعَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ (ع)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيقِهِ:
* الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٩٦): حَدَّثنَا أَبوْ مُعَاوِيَة َ الغِلابيُّ حَدَّثنَا عَبْدُ الوَاحِد.
* وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُنَنِهِ» (٤٩٢): حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثنَا عَبْدُ الوَاحِد.
* وَابْنُ خُزَيْمَة َفي «صَحِيْحِهِ» (٧٩٢): حَدَّثنَا بشرُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثنَا عَبْدُ الوَاحِد.
* وَابْنُ المنْذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٢)، (٥/ ٤١٧).
* وَابْنُ حِبّانَ في «صَحِيْحِهِ» (١٦٩٩)، (٢٣١٦)، (٢٣٢١):
- أَخْبَرَنا محمَّدُ بنُ إسْحَاق ِ بن ِخُزَيْمَةَ حَدَّثنَا بشْرُ بْنُ مُعَاذٍ العقدِيُّ حَدَّثنا عَبْدُ الوَاحِد (ح).
- وَأَخْبرَنا عِمْرَانُ بْنُ مُوْسَى السِّخْتِيَانِيُّ حَدَّثنَا أَبوْ كامِل ٍ الجحْدَرِيُّ حَدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ به.
٥ وَحَمّادُ بْنُ سَلمَة َ (خت م٤)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ:
* الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٨٣): حَدَّثنَا يَزِيْدُ بْنُ هَارُوْنَ أَخْبَرَنا حَمّاد.
стр. 146
* وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِهِ» (٤٩٢): حَدَّثنَا مُوْسَى بْنُ إسْمَاعِيْلَ حَدَّثنَا حَمّاد.
* وَابْنُ مَاجَهْ في «سُنَنِهِ» (٧٤٥): حَدَّثنَا محمَّدُ بْنُ يَحْيى، هُوَ الذُّهْلِيُّ حَدَّثنا يَزِيْدُ بْنُ هَارُوْنَ حَدَّثنا حَمّاد.
* وَالبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ الكبْرَى» (٢/ ٤٣٤).
٦ وَمحمَّدُ بْنُ إسْحَاق ِ بْن ِ يَسَارٍ (خت م٤)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ:
* الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٨٣): حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الملِكِ حَدَّثنَا محمَّدُ بْنُ سَلمَة َ عَنْ محمَّدِ بْن ِ إسْحَاقَ، بلفظِ «كلُّ الأَرْض» الحدِيْث.
وَرَوَاهَا أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْن ِ عُمَارَة َ (ع):
عُمَارَة ُ بْنُ غزِيةِ بْن ِ الحارِثِ الأَنصَارِيُّ المازِنِيُّ المدَنِيُّ (خت م٤)، وَسَمِعَهَا مِنْهُ جَمَاعَة ٌ، مِنْهُمْ:
بشرُ بْنُ المفضَّل ِ بْن ِلاحِق ٍ الرَّقاشِيُّ (ع)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ:
* ابْنُ خُزَيْمَة َفي «صَحِيْحِهِ» (٧٩٢): حَدَّثنا بشْرُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثنا بشْرُ بْنُ المفضَّل.
* وَالحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» (١/ ٢٥١): حَدَّثنَا أَبوْ بكرٍ بنُ إسْحَاقَ أَخْبَرَنا أَبو المثنَّى حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثنَا بشْرُ بْنُ المفضَّل.
* وَالبَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبرَى» (٢/ ٤٣٥) مِنْ طرِيْق ِالحاكِمِ عَنْه.
أَمّا الرِّوَايَة ُ المرْسَلة ُ: فرَوَاهَا عَنْ يَحْيَى بْن ِعُمَارَة َ مُرْسَلة ً:
ابْنُهُ عَمْرٌو (ع) أَيْضًا، وَسَمِعَهَا مِنْ عَمْرٍو جَمَاعَة ٌ، مِنْهُمْ رَاوِيَان ِ ثِقتان ِ، هُمَا:
١ سُفيَانُ الثوْرِيُّ (ع)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ:
* عَبْدُ الرَّزّاق ِ في «مُصَنَّفِهِ» (١٥٨٢) (٢/ ٤٠٥): عَنْهُ بهَا.
стр. 147
* وَالإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٨٣): حَدَّثنَا يَزِيْدُ هُوَ ابْنُ هَارُوْنَ أَخْبَرَنا سُفيَانُ الثوْرِيّ.
* وَابْنُ أَبي شَيْبَة َفي «مُصَنَّفِهِ» (٢/ ٣٧٩): حَدَّثنَا وَكِيْعٌ حَدَّثنَا سُفيَان.
* وَابْنُ مَاجَهْ في «سُنَنِهِ» (٧٤٥): حَدَّثنَا محمَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثنَا يَزِيْدُ بْنُ هَارُوْنَ حَدَّثنَا سُفيَان.
* وَأَبوْ يَعْلى الموْصِلِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٥٠٣) (١٣٥٠): حَدَّثنا أَبوْ خَيْثَمَة َ حَدَّثنا يَزِيْدُ بْنُ هَارُوْنَ أَخْبَرَنا سُفيَانُ الثوْرِيّ.
* وَالبَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبْرَى» (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥).
٢ وَسُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَة َ (ع)، وَأَخْرَجَهَا مِنْ طرِيْقِهِ:
* الشّافِعِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (ص٢٠): أَخْبَرَنا سُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَة َ عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيى به.
* وَالبَيْهَقِيُّ في «مَعْرِفةِ السُّنن ِ وَالآثارِ» (٢/ ٢٥٥) (١٢٨٥) مِنْ طرِيْق ِ الشّافِعِيِّ بهَا.
قالَ الشّافِعِيُّ بَعْدَهُ في «مُسْنَدِهِ» (ص٢٠): (وَجَدْتُ هَذَا الحدِيْثَ في كِتَابي، فِي مَوْضِعَيْن ِ:
أَحَدُهُمَا: مُنْقطِعٌ. وَالآخَرُ: عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ اه.
وَنقلَ البَيْهَقِيُّ هَذَا في «مَعْرِفةِ السُّنن ِ وَالآثارِ» عَن ِ الشّافِعِيِّ، ثمَّ نقلَ عَنْهُ تَصْحِيْحَهُ لِمَعْنى الحدِيْثِ، وَمَا تضَمَّنهُ مِنْ أَحْكام.
стр. 148
فصل في اخْتِلافِ أَقوَال ِ الأَئِمَّةِ في هَذَا الحدِيْث
قدِ اخْتَلفَ الحفاظ ُ في هَذَا الحدِيْثِ، أَيكوْنُ مُضْطرِبا لِرِوَايةِ الثوْرِيِّ لهُ مُرْسَلا ً، وَرِوَايةِ غيْرِهِ لهُ مَوْصُوْلا ً أَمْ لا؟ وَهَل ِ المحْفوْظ ُ مِنْ رِوَايةِ الثوْرِيِّ لهُ: الرِّوَاية ُ الموْصُوْلة ُ أَوِ المرْسَلة؟
فقالَ الدّارِمِيُّ بَعْدَهُ في «سُننِهِ» (١٣٩٠): (الحدِيْثُ أَكثرُهُمْ أَرْسَلوْه) اه.
وَسُئِلَ الحافِظ ُ أَبو الحسَن ِ الدّارَقطنيُّ عَنْهُ فقالَ:
(يَرْوِيْهِ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْن ِ عُمَارَة َ، وَاخْتُلفَ عَنْهُ:
فرَوَاهُ عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَمحمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى عَنْ أَبيْهِ عَنْ أَبي سَعِيْدٍ مُتصِلا ً.
وَكذَا رَوَاهُ أَبوْ نعَيْمٍ: عَن ِ الثوْرِيِّ عَنْ عَمْرٍو.
وَتابعَهُ: سَعِيْدُ بْنُ سَالمٍ القدّاحُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ عَن ِ الثوْرِيِّ، فوَصَلوْه!
وَرَوَاهُ جَمَاعَة ٌ (١): عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى عَنْ أَبيْهِ مُرْسَلا ً، وَالمرْسَلُ هُوَ المحْفوْظ. стр. 149
حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ العَبّاس ِ البَغوِيُّ، وَإسْمَاعِيْلُ الصَّفارُ قالا: حَدَّثنا أَبوْ قلابة َ حَدَّثنَا أَبوْ نعَيْمٍ حَدَّثنَا سُفيَانُ عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى عَنْ أَبيْهِ عَنْ أَبي سَعِيْدٍ قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ الحمّامَ وَالمقبرَة».
حَدَّثنا جَعْفرُ بْنُ أَحْمَدِ بْن ِمحمَّدٍ المؤَذِّنُ ثِقة ٌ قالَ: حَدَّثنا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى حَدَّثنا أَبوْ نعَيْمٍ وَقبيْصة ُ قالا: حَدَّثنَا سُفيَانُ عَنْ عَمْرِو بْن ِيَحْيَى عَنْ أَبيْهِ قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ الحمّامَ وَالمقبَرَة) اه مِنَ «العِلل» لهُ ﵀ (١١/ ٣١٩ - ٣٢١).
قالَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَهُ في «سُننِهِ الكبْرَى» (٢/ ٤٣٥):
(حَدِيْثُ الثوْرِيِّ مُرْسَلٌ، وَقدْ رُوِيَ مَوْصُوْلا ً وَليْسَ بشَيْءٍ.
وَحَدِيْثُ حَمّادِ بْن ِسَلمَة َ مَوْصُوْلٌ، وَقدْ تابعَهُ عَلى وَصْلِهِ: عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيّ) اه.
وَقوْلُ الدّارَقطنِيِّ (وَالمرْسَلُ هُوَ المحْفوْظ ُ): يُرِيْدُ بهِ المرْسَلَ مِنْ حَدِيْثِ سُفيَانَ الثوْرِيِّ، هُوَ المحْفوْظ ُ عَنْهُ، بخلافِ الموْصُوْل ِ مِنْ طرِيْقِهِ فلمْ يُحْفظ ْ عَنْه.
وَلا يُرِيْدُ الدّارَقطنيُّ أَصْلَ الحدِيْثِ، أَنَّ المحْفوْظ َ مِنْهُ المرْسَلُ دُوْنَ الموْصُوْل ِ، لِهَذَا لمّا قالَ الدّارَقطنيُّ (وَالمرْسَلُ هُوَ المحْفوْظ) سَاقَ بسَنَدِهِ حَدِيْثَ سُفيَانَ الثوْريِّ مِنْ طرِيْقيْهِ المرْسَل ِ المحْفوْظ ِ، وَالموْصُوْل ِ غيْرِ المحْفوْظ.
стр. 150
وَكذَلِك َ مُرَادُ البَيْهَقِيِّ مِنْ قوْلِهِ: (وَقدْ رُوِيَ مَوْصُوْلا ً، وَليْسَ بشَيْءٍ): أَي قدْ رُوِيَ حَدِيْثُ الثوْرِيِّ مَوْصُوْلا ً وَليْسَ بشَيْءٍ، لأَنَّ الرّاجِحَ عِنْدَهُ: أَنَّ حَدِيْثَ الثوْرِيِّ مُرْسَل.
أَمّا التِّرْمِذِيُّ فقالَ بَعْدَ رِوَايتِهِ لهُ مِنْ طرِيْق ِ الدَّرَاوَرْدِيِّ مَوْصُوْلا ً في «عِللِهِ الكبيرِ» (١١٣): (تابعَهُ حَمّادُ بْنُ سَلمَة َ. ثمَّ قالَ التِّرْمِذِيُّ: كانَ الدَّرَاوَرْدِيُّ أَحْيَانا يَذْكرُ فِيْهِ «عَنْ أَبي سَعِيْدٍ»، وَرُبمَا لمْ يَذْكرْ فِيْهِ. وَالصَّحِيْحُ: رِوَاية ُ الثوْرِيِّ وَغيْرِهِ عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى عَنْ أَبيْهِ مُرْسَل) اه.
وَقالَ ابْنُ المنذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٢):
(رَوَى هذَا الحدِيْثَ حَمّادُ بْنُ سَلمَة َ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَعَبّادُ بْنُ كثِيْرٍ، كرِوَايةِ عَبْدِ الوَاحِدِ مُتصِلا ً عَنْ أَبي سَعِيْدٍ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ . إذا رَوَى الحدِيْثَ ثقة ٌ، أَوْ ثِقاتٌ مَرْفوْعًا مُتَّصِلا ً، وَأَرْسَلهُ بَعْضُهُمْ، يثْبُتُ الحدِيْثُ برِوَايةِ مَنْ رَوَى مَوْصُوْلا ً عَن ِ النَّبيِّ ﷺ ، وَلمْ يُوَهِّن ِالحدِيْثَ تخلفُ مَنْ تخلفَ عَنْ إيْصَالِه.
وَهَذَا السَّبيْلُ في الزِّيادَاتِ في الأَسَانِيْدِ، وَالزِّيادَاتِ في الأَخْبَارِ، وَكثِيرٍ مِنَ الشّهَادَاتِ، وَمِمّا يَزِيْدُ ذلِك َ تأْكيْدًا وَوُضُوْحا: الثابتُ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ عَن ِالنبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «اِجْعَلوْا فِي بيوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ») اه.
وَقالَ الحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» بَعْدَ رِوَايتِهِ لهُ مِنْ طرِيْق ِعَبْدِ الوَاحِدِ بن ِ زِيادٍ مَوْصُوْلا ً (١/ ٢٥١): (تابعهُ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ محمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْن ِ يَحْيَى).
стр. 151
ثمَّ سَاقَ هَذِهِ المتابعة َ بسَنَدِهِ (١/ ٢٥١)، وَمَعَهَا مُتَابعة ُ عُمَارَةِ بْن ِ غزِية َ كذَلِك َ، وَكلاهُمَا مُتَّصِلة.
ثمَّ قالَ الحاكِمُ: (هَذِهِ الأَسَانِيْدُ كلهَا صَحِيْحَة ٌ، عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلمْ يخرِّجَاه) اه.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ، بَعْدَهُ كمَا في «مَجْمُوْعِ الفتاوَى» (٢٧/ ١٥٩): (رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ الكتبِ الأَرْبعَةِ، وَابْنُ حِبّانَ في «صَحِيْحِهِ». وَقالَ الترْمِذِيُّ: «فِيْهِ اضْطِرَابٌ»، لأَنَّ سُفيَانَ الثوْرِيَّ أَرْسَله.
لكِنَّ غيْرَ الترْمِذِيِّ جَزَمَ بصِحَّتِهِ، لأَنَّ غيْرَهُ مِنَ الثقاتِ أَسْنَدُوْهُ، وَقدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا).
وَقالَ ﵀ ُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (٢١/ ٣٢٠) عَلى حَدِيْثِ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبرَة َ وَالحمّام»: (كمَا فِي حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الذِي فِي «سُنَن ِأَبي دَاوُوْدَ» (٤٩٢) وَغيْرِه، وَقدْ صَحَّحَهُ مَنْ صَحَّحَهُ مِنَ الحفاظِِ، وبَينُوْا أَنَّ رِوَاية َ مَنْ أَرْسَلهُ، لا تنَافِي الرِّوَاية َ المسْندَة َ الثّابتة َ، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام») انتهَى كلامُهُ ﵀.
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أَيْضًا في «اقتِضَاءِ الصِّرَاطِ المسْتقِيْم» (٢/ ٦٧٧) بَعْدَهُ: (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبوْ دَاوُوْدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالبزّارُ وَغيْرُهُمْ، بأَسانِيْدَ جَيِّدَةٍ، وَمَنْ تكلمَ فِيْهِ فمَا اسْتوْفى طرُقه) اه.
стр. 152
وَقالَ الحافِظ ُ ابْنُ حَجَرٍ في «التَّلْخِيْص ِ الحبيْرِ» (١/ ٢٧٧) بَعْدَهُ: (قالَ النَّوَوِيُّ في «الخلاصَةِ»: «هُوَ ضَعِيْفٌ»، وَقالَ صَاحِبُ «الإمَامِ»: «حَاصِلُ مَا عللَ بهِ الإرْسَالُ، وَإذا كانَ الوَاصِلُ لهُ ثِقة ً: فهوَ مَقبوْل».
وَأَفحَشَ ابْنُ دِحْيَة َ الكلبيُّ فقالَ في «كِتَابِ التنْوِيْرِ» لهُ: «هَذَا لا يَصِحُّ مِنْ طرِيْق ٍ مِنَ الطرُق ِ»! كذَا قالَ، فلمْ يُصِبْ.
قلتُ: وَلهُ شَوَاهِدُ، مِنْهَا:
* حَدِيْثُ عَبْدِ اللهِ بْن ِعَمْرٍو مَرْفوْعًا: «نهَى عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَة» أَخْرَجَهُ ابنُ حِبّان (٢٣١٩).
* وَمِنْهَا حَدِيْثُ عَلِيٍّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «إنَّ حِبِّي نهَانِي أَنْ أُصَليَ في المقبَرَةِ» أَخْرَجَهُ أَبو دَاوُوْدَ (٤٩٠)) اه.
وَقالَ الحافِظ ُ أَيْضًا في «الفتْحِ» (١/ ٦٩٦) بَعْدَهُ: (رِجَالهُ ثِقاتٌ، لكِن ِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإرْسَالِهِ، وَحَكمَ مَعَ ذلِك َ بصِحَّتِهِ: الحاكِمُ وَابْنُ حِبان) اه.
وَقدْ سَمِعْتُ شَيْخنا العَلاّمَة َ عَبْدَ العَزِيْزِ بْنَ عَبْدِ اللهِ ابْنَ بازٍ ﵀ ُ يَقوْلُ فِي حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ السّابق ِ: (إسْنَادُهُ جَيِّد).
وَالخلاصَة ُ: أَنَّ حَدِيْثَ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ هَذَا، حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ بلا شَك ّ، وَقدْ قدَّمْتُ طرُقهُ وَرِوَاياتِهِ، وَكانَ مِنْهَا أَسَانِيْدُ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْن ِ، لِذَا صَحَّحَهُ الحاكِمُ عَلى شَرْطِهمَا،
стр. 153
وَوَافقهُ الذّهَبيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنَ الأَئِمَّةِ وَالعُلمَاءِ: ابْنُ المنذِرِ، وَابْنُ حِبّانَ، وَابْنُ حَزْمٍ، وَالحاكِمُ، وَابْنُ دَقِيْق ِ العِيْدِ، وَشَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ، وَابْنُ بازٍ، وَغيْرُهُمْ.
فصل أَمّا مَعْنَى «المقبَرَةِ»: فهيَ أَرْضٌ فِيْهَا قبوْرٌ ، سَوَاءٌ أُعِدَّتْ لِذَلِك َ وَهَذَا الغالِبُ أَوْ لمْ تعدَّ، كأَنْ يَحْصُلَ قتْلى كثِيْرٌ فِي مَكان ٍ مَا، لِحرْبٍ أَوْ مَرَض ٍ أَوْ غيْرِهِ، فيدْفنوْنَ فِيْهَا، وإنْ لمْ تكنْ قبْلَ ذلِك َ مُعَدَّة ً لِقبْرِ الموْتى.
وَعَلى جَمِيْعِ الأَحْوَال ِ، هِيَ أَرْضٌ فِيْهَا قبوْرٌ، وَليْسَتْ أَرْضًا مُعَدَّة ً فقط دُوْنَ دَفن ِ أَحَدٍ فِيْهَا!
وَعِلة ُ النَّهْيِّ، وَمَناط ُ التَّحْرِيْمِ: وُجُوْدُ القبوْرِ، لا مُجَرَّدُ التَّسْمِيَة.
وَهَذَا مَحَلُّ اتفاق ٍ بَيْنَ أَهْل ِ العِلمِ مِنَ المحَرِّمِيْنَ وَالمجيْزِيْن.
لكِنْ مِنَ المحَرِّمِيْنَ: مَنْ جَعَلَ سَبَبَ ذلك: مُشَابهَة َ المشْرِكِيْنَ، وَكوْنهُ ذرِيْعَة ً إلىَ الشِّرْكِ، وَفتْحَ بابٍ له.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلَ سَببَ ذلِك َ: نجَاسَة َ ترْبةِ المقبَرَةِ، بصَدِيْدِ الموْتى، وَنَحْوِه.
وَمَعْلوْمٌ: أَنَّ هَذِهِ العِللَ وَالأَسْبَابَ، مُنْتَفِيَة ٌ مَعَ عَدَمِ وُجُوْدِ القبوْر.
стр. 154
كذَلِك َ المجيْزُوْنَ: اعْتبرُوْا بمَا مَنعَ بهِ المحَرِّمُوْنَ، وَأَجَابوْا عَليْهِ، وَإنْ كانتْ إجَاباتهُمْ خَفِيْفة ً، وَاخْتِيَارَاتهُمْ ضَعِيْفة ً، لِمُخالفتِهَا الأَحَادِيْثَ الصَّحِيْحَة َ الصَّرِيْحَة َ المنيْفة.
إلا َّ أَنَّ اعْتِبَارَهُمْ بهَا، عَلى هَذَا الوَجْهِ، يَجْعَلهَا مَحَلَّ اتفاق ٍ عِنْدَ الجمِيْعِ: أَنهَا أَي وُجُوْدَ القبوْرِ علة ً مُرَاعاة ً، وَلا عِلة َ في التَّحْرِيْمِ وَالمنعِ سِوَاهَا.
стр. 155
فصل في رَدِّ زَعْمِ المعْتَرِض ِ أَنَّ حَدِيْثَ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ السّابق ِ مَنْسُوْخ
أَمّا زَعْمُ هَذَا المعْتَرِض ِ: أَنَّ حَدِيْثَ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ السّابق ِ مَنْسُوْخٌ: فباطِلٌ، وَقدْ تقدَّمَ ذِكرُ بَعْض ِالأَحَادِيْثِ فِي النَّهْيِّ عَن ِ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ، وَكانتْ قبْلَ وَفاةِ النَّبيِّ ﷺ بخمْس ِ ليال ٍ فحسْب.
وَحَدِيْثُ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام»: هُوَ حَدِيْثُ «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا»، لهِذَا قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ رِوَايتِهِ لِلحَدِيْثِ الأَوَّل ِ (٣١٧): (وَفِي البابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ بن ِعَمْرٍو، وَأَبي هُرَيْرَة َ، وَجَابرٍ، وَابن ِعَبّاس ٍ، وَحُذَيْفة َ، وَأَنس ٍ، وَأَبي أُمامَة َ، وَأَبي ذرّ قالوْا: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا») اه.
غيرَ أَنَّ الحدِيْثَ الأَوَّلَ مُقيِّدٌ لِلثانِي ومُخصِّصٌ لهُ، لا ناسِخٌ! كمَا قيَّدَتهُ الأَحَادِيْثُ الأُخْرَى فِي تَحْرِيْمِ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ، أَوِ التِي نهتْ عَن ِ الصَّلاةِ فِي القبوْرِ مُطلقا.
стр. 156
فصل في رَدِّ زَعْمِهِ أَنَّ أَكثرَ الفقهَاءِ وَعُلمَاءِ الحدِيْثِ، يجيْزُوْنَ الصَّلاة َ في المقابرِ، وَتكذِيْبه
أَمّا زَعْمُ المعْتَرِض ِ: أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَكثرِ الفقهَاءِ وَعُلمَاءِ الحدِيْثِ، كالبُخارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغيْرِهِمَا: فإنْ كانَ مَقصِدُهُ بمَذْهَبهمُ: القوْلَ بنَسْخِ حَدِيْثِ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبرَة َ وَالحمّامَ»: فكذِبٌ.
وَإنْ كانَ مَقصِدُهُ بمذْهَبهمُ: القوْلَ بجوَازِ الصَّلاةِ المطلقةِ فِي المقابرِ عامة ً: فكذِبٌ مِثلهُ، وَالصَّوَابُ خلافه.
قالَ الحافِظ ُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الفتْحِ» فِي شَرْحِ حَدِيْثِ ابْن ِ عُمَرَ مَرْفوْعًا: «اِجْعَلوْا فِي بُيوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ، وَلا تتخِذُوْهَا قبوْرًا» [خ (٤٣٢)]: (وَقدْ نقلَ ابنُ المنذِرِ عَنْ أَكثرِ أَهْل ِالعِلمِ: أَنهُمُ اسْتَدَلوْا بهَذَا الحدِيْثِ عَلى أَنَّ المقبَرَة َ، ليْسَتْ بمَوْضِعٍ لِلصَّلاةِ، وَكذَا قالَ البَغوِيُّ فِي «شَرْحِ السُّنَّةِ» وَالخطابيّ) اه كلامُه.
وَليْسَ مَا زَعَمَهُ المعترِضُ مَذْهبًا للبُخارِيِّ وَلا النَّسَائِيِّ رَحِمَهُمَا الله ُ. بلْ قدْ صَرَّحَ البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» بتَحْرِيْمِهِ لا القوْل ِ بهِ، وَبوَّبَ عَلى ذلِك َ بابيْن ِ:
стр. 157
أَوَّلهمَا: فِي «كِتابِ الصَّلاةِ»: «بابُ كرَاهِيَةِ الصَّلاةِ فِي المقابر».
وَالآخرُ: فِي «كِتَابِ الجنائِزِ»: «بابُ مَا يُكرَهُ مِنَ اتخاذِ المسَاجدِ عَلى القبوْر».
وَمُرَادُهُ ﵀ ُ باِلكرَاهِيَةِ هُنَا: التَّحْرِيْمُ، وَيدُلُّ عَليْهِ قوْلهُ: «بَابُ مَا يُكرَهُ مِنَ اتخاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْر».
وَاتخاذُ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ مُحَرَّمٌ باِلإجْمَاعِ كمَا تقدَّمَ - وَهُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ المعْتَرِض ِكذَلِك َ- فلا يَصِحُّ أَنْ تُحْمَلَ الكرَاهَة ُ هُنَا عَلى شَيْءٍ غيْرِه.
وَسَيَأْتِي في الفصْل ِ القادِمِ بيانُ مُرَادِ الأَئِمَّةِ بلفظِ «الكرَاهَةِ»، وَأَنهُمْ يعْنُوْنَ بهَا التَّحْرِيْمَ تارَة ً، وَالتَّنْزِيهَ أُخْرَى.
стр. 158
فصل في بيان ِ مُرَادِ أَهْل ِ العِلمِ المتقدِّمِيْنَ بلفظِ «الكرَاهَةِ»، وَأَنهُمْ أَرَادُوْا إطلاقهُ اللغوِيَّ الشَّرْعِيَّ، لا الاصْطِلاحِيَّ الأُصُوْلِيَّ، وَبيان ِ غلطِ مَنْ زَعَمَ أَنهُمْ أَرَادُوْا المعْنَى الاصْطِلاحِيِّ عِنْدَ المتأَخِّرِيْن
وَالكرَاهَة ُ الاصْطِلاحِيَّة ُعِنْدَ الأُصُوْلِيِّيْنَ: لمْ يَسْتقِرَّ مَعْنَاهَا في تِلك َ الفتْرَةِ، وَإنمَا اسْتقرَّتْ بَعْدَ ذلك.
أَمّا عِنْدَ المحَدِّثِيْنَ في ذلِك َ العَصْرِ: فكانوْا يُطلِقوْنهَا بمَعْنَاهَا اللغوِيِّ العَامِّ، الذِي يَدْخُلُ تَحْتَهُ كلُّ مَا كرِهَهُ الشّارِعُ فنهَى عَنْهُ، مِنْ كفرٍ، وَشِرْكٍ، وَكبائِرَ، وَصَغائِرَ، وَمَا دُوْنَ ذلك.
لهِذَا تجِدُ الأَئِمَّة َ يُطلِقوْنَ الكرَاهَة َ عَلى كبَائِرَ وَمَعَاص ٍ، مُسْتقِرٌّ تَحْرِيْمُهَا عِنْدَهُمْ، كقوْل ِ الإمَامِ مَالِكٍ في «الموَطإِ»: «بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ إصَابةِ الأُخْتَيْن ِ بمِلكِ اليَمِيْن ِ، وَالمرْأَةِ وَابْنتِهَا».
ثمَّ قالَ مَالِك ٌ بَعْدَهُ في «الموَطإِ» في الأَمَةِ تَكوْنُ عِنْدَ الرَّجُل ِ، فيُصِيْبُهَا، ثمَّ يُرِيْدُ أَنْ يُصِيْبَ أُخْتَهَا: (إنهَا لا تَحِلُّ لهُ، حَتَّى يُحَرِّمَ عَليْهِ فرْجَ أُخْتِهَا بنِكاحٍ، أَوْ عِتَاقةٍ، أَوْ كِتَابةٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذلِك َ، يُزَوِّجُهَا عَبْدَهُ أَوْ غيرَ عَبْدِه).
وَقالَ مَالِك ٌ أَيْضًا: (لا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بمِلكِ اليَمِين ِ، فمَنْ وَطِئَ مِنْهُمَا الأُمَّ وُالابنة َ: فقدْ حَرُمَتْ عَليْهِ بذَلِك َ الأُخْرَى
стр. 159
أَبدًا) نقلهُ عَنْهُ العَلامَة ُ أَبوْ الوَلِيْدِ الباجِيُّ (ت٤٩٤هـ) في شَرْحِهِ عَلى «الموَطإِ»، ثمَّ قالَ أَبوْ الوَلِيْدِ بَعْدَهُ (٣/ ٣٢٥): (وَوَجْهُ ذلِك َ: أَنهُ قدْ يَمْلِك ُ عَلى هَذَا الوَجْهِ، مَنْ لا يَجُوْزُ لهُ وَطؤُهَا، كالخالةِ وَالعَمَّة. فلِذَلِك َ جَازَ لهُ: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا في مِلكِ اليَمِين ِ، وَإنْ لمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا باِلوَطْءِ، فالجمْعُ بَيْنَهُمَا في ذلِك َ مُحَرَّمٌ، كالجمْعِ بَيْنَهُمَا بعقدِ النِّكاح) اه كلامُه.
وَقوْل ِ البُخارِيِّ في «صَحِيْحِهِ» في «كِتَابِ الحدُوْدِ»:
«بَابُ كرَاهِيَةِ الشفاعَةِ في الحدِّ إذا رُفِعَ إلىَ السُّلطان».
وَقوْل ِ أَبي دَاوُوْدَ في «سُننِهِ»:
«بَابٌ في كرَاهِيَةِ الرّشْوَةِ».
وَقوْل ِ التِّرْمِذِيِّ في «جَامِعِهِ»:
«بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ إتيَان ِ الحائِض»،
وَ «بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ بيعِ الغرَر»،
وَ «بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ النَّجَش ِ في البيوْع»،
و «بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ الغِشِّ في البيوْع»،
وَ «بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ الحلِفِ بغيْرِ الله»،
وَ «بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ الحلِفِ بغيْرِ مِلةِ الإسْلام»،
وَ «بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ خَاتمِ الذَّهَب» أَي لِلرِّجَال ِ،
وَ «بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ الشُّرْبِ في آنيةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّة».
стр. 160
وَقوْل ِالنَّسَائِيِّ في «سُننِهِ»:
«كرَاهِيَة ُ الاسْتِمْطارِ باِلكوْكب»،
وَ «كرَاهِيَة ُ تزْوِيْجِ الزُّناة».
وَقوْل ِابْن ِ مَاجَهْ في «سُننِهِ»:
«بَابُ كرَاهِيَةِ لِبْس ِ الحرِيْر»، أي لِلرِّجَال.
وَلا يُرِيْدُوْنَ باِلكرَاهَةِ في ذلِك َ كلهِ إلا َّ التَّحْرِيْمَ كمَا ترَى.
وَقالَ ابنُ المنذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٥): (وَالذِي عَليْهِ الأَكثرُ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ: كرَاهِيَة ُ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ، لحدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَكذَلِك َ نقوْل) اه.
وَمُرَادُ ابْن ِ المنذِرِ ﵀ ُ باِلكرَاهَةِ هُنَا: كرَاهَة َ التَّحْرِيْمِ، لِذَا قالَ قبْلَ ذلِك َ (٢/ ١٨٣) عَلى حَدِيْثِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا «اِجْعَلوْا في بُيُوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ، وَلا تتَّخِذُوْهَا قبوْرًا» قالَ: (ففِي قوْلِهِ: «وَلا تَتَّخِذُوْهَا قبوْرًا»: دَلِيْلٌ عَلى أَنَّ المقبَرَة َ ليْسَتْ بمَوْضِعِ صَلاةٍ، لأَنَّ في قوْلِهِ «اِجْعَلوْا في بُيُوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ»: حَثا عَلى الصَّلوَاتِ في البيوْت.
وَقوْلِهِ «وَلا تجْعَلوْهَا قبوْرًا»: يدُلُّ عَلى أَنَّ الصَّلاة َ غيْرُ جَائِزَةٍ في المقبَرَة).
وَقالَ ابْنُ المنْذِرِ في مَوْضِعٍ آخَرَ (٥/ ٤١٧ - ٤١٨): (وَفي حَدِيْثِ ابْن ِ عُمَرَ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «اِجْعَلوْا في بُيوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ،
стр. 161
وَلا تتخِذُوْهَا قبوْرًا»: أَبيَنُ البيان ِ عَلى أَنَّ الصَّلاة َ في المقبرَةِ غيْرُ جَائِزَة) اه.
قالَ العَلامَة ُ أَبوْ عَبْدِ اللهِ ابْنُ قيِّمِ الجوْزِيةِ في «إعْلامِ الموَقعِيْنَ» (١/ ٣٩ - ٤٠): (وَقدْ غلِط َ كثِيْرٌ مِنَ المتأَخِّرِيْنَ، مِنْ أَتباعِ الأَئِمَّةِ عَلى أَئِمَّتِهمْ بسَبَبِ ذلِك َ، حَيْثُ توَرَّعَ (١)
الأَئِمَّة ُ عَنْ إطلاق ِ لفظِ «التَّحْرِيْم» ِ، وَأَطلقوْا لفظ َ «الكرَاهَة».
فنفى المتأَخِّرُوْنَ «التَّحْرِيْمَ»، عَمّا أَطلقَ عَليْهِ الأَئِمَّة ُ «الكرَاهَة».
ثمَّ سَهُلَ عَليْهمْ لفظ ُ «الكرَاهَةِ»، وَخفتْ مُؤْنتهُ عَليْهمْ: فحملهُ بَعْضُهُمْ عَلى التَّنْزِيه. стр. 162
وَتجَاوَزَ بهِ آخَرُوْنَ إلىَ كرَاهَةِ تَرْكِ الأَوْلىَ، وَهَذَا كثِيْرٌ جِدًّا في تصَرُّفاتِهمْ: فحَصَلَ بسَببهِ غلط ٌ عَظِيْمٌ عَلى الشرِيعَةِ وَعَلى الأَئِمَّة).
ثمَّ شَرَعَ ابنُ القيِّمِ في بيان ِ طرَفٍ مِنْ أَمْثِلةِ ذلِك َ في المذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ المشْهُوْرَةِ، بدَأَ بمَذْهَبِ الإمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ فقالَ (١/ ٤٠ - ٤٣):
(١ - وَقدْ قالَ الإمَامُ أَحْمَدُ في الجمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْن ِ بمِلكِ اليَمِيْن ِ: «أَكرَهُهُ، وَلا أَقوْلُ هُوَ حَرَام».
وَمَذْهَبُهُ تَحْرِيْمُهُ، وَإنمَا تَوَرَّعَ عَنْ إطلاق ِ لفظِ «التَّحْرِيْمِ»، لأَجْل ِ قوْل ِ عُثْمَانَ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
٢ - وَقالَ أَبوْ القاسِمِ الخِرَقِيُّ، فِيْمَا نقلهُ عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ: «وَيُكرَهُ أَنْ يَتَوَضّأَ في آنيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّة».
وَمَذْهَبُهُ: أَنهُ لا يَجُوْز.
٣ - وَقالَ في رِوَايةِ أَبي دَاوُوْدَ: «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَدْخُلَ الحمّامَ إلا َّ بمِئْزَرٍ له».
وَهَذَا اسْتِحْبَابُ وُجُوْب.
٤ - وَقالَ في رِوَايةِ إسْحَاق ِ ابْن ِمَنْصُوْرٍ: «إذا كانَ أَكثرُ مَال ِ الرَّجُل ِ حَرَامًا، فلا يُعْجِبُني أَنْ يُؤْكلَ مَاله».
وَهَذَا عَلى سَبيْل ِ التَّحْرِيْم.
стр. 163
٥ - وَقالَ في رِوَايةِ ابنِهِ عَبْدِ اللهِ: «لا يُعْجِبُني أَكلُ مَا ذبحَ لِلزُّهَرَةِ وَلا الكوَاكِبِ وَلا الكنِيْسَةِ، وَكلِّ شَيْءٍ ذبحَ لِغيْرِ اللهِ، قالَ الله ُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
فتأَمَّلْ! كيْفَ قالَ «لا يُعْجِبُني» فِيْمَا نصَّ الله ُ سُبْحَانهُ عَلى تَحْرِيْمِهِ، وَاحْتَجَّ هُوَ أَيضًا بتَحْرِيْمِ اللهِ لهُ في كِتَابه.
٦ - وَقالَ في رِوَايةِ الأَثرَمِ: «أَكرَهُ لحوْمَ الجلاّلةِ وَأَلبَانهَا».
وَقدْ صَرَّحَ باِلتَّحْرِيْمِ في رِوَايةِ حَنْبَل ٍ وَغيْرِه.
٧ - وَقالَ في رِوَايةِ ابنِهِ عَبْدِ اللهِ: «أَكرَهُ أَكلَ لحْمِ الحيَّةِ وَالعَقرَبِ، لأَنَّ الحية َ لها نابٌ، وَالعَقرَبُ لها حُمَة».
وَلا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُهُ في تَحْرِيْمِه.
٨ - وَقالَ في رِوَايةِ حَرْبٍ: (إذا صَادَ الكلبُ مِنْ غيْرِ أَنْ يُرْسَلَ، فلا يُعْجِبُني، لأَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا أَرْسَلتَ كلبَك َ وَسَمَّيْت» (١).
فقدْ أَطلقَ لفظة َ «لا يُعْجِبُني» عَلى مَا هُوَ حَرَامٌ عِنْدَه.
٩ - وَقالَ في رِوَايةِ جَعْفرِ بْن ِ مُحَمَّدٍ النَّسَائِيِّ: «لا يُعْجِبُني المكحَلة ُ وَالمِرْوَد»، يَعْني مِنَ الفِضَّة.
وَقدْ صَرَّحَ باِلتَّحْرِيْمِ في عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَهُوَ مَذْهَبُهُ بلا خِلاف. стр. 164
١٠ - وَقالَ جَعْفرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيضًا: (سَمِعْتُ أَبا عَبْدِ اللهِ سُئِلَ عَنْ رَجُل ٍ قالَ لامْرَأَتِهِ: «كلُّ امْرَأَةٍ أَتزَوَّجُهَا، أَوْ جَارِيةٍ أَشْتَرِيْهَا لِلوَطْءِ وَأَنتِ حَيَّة ٌ: فالجارِية ُ حُرَّة ٌ، وَالمرْأَة ُ طالِقٌ».
قالَ: «إنْ تزَوَّجَ لمْ آمُرْهُ أَنْ يُفارِقهَا، وَالعِتْقُ أَخْشَى أَنْ يَلزَمَهُ، لأَنهُ مُخالِفٌ لِلطلاق».
قِيْلَ لهُ: يَهَبُ لهُ رَجُلٌ جَارِيَة؟
قالَ: «هَذَا طرِيْقُ الحِيْلةِ»، وَكرِهَه).
مَعَ أَنَّ مَذْهَبَهُ تَحْرِيْمُ الحِيَل ِ، وَأَنهَا لا تخلصُ مِنَ الأَيْمَان.
١١ - وَنصَّ عَلى كرَاهَةِ البطةِ مِنْ جُلوْدِ الحمُرِ، وَقالَ: «تكوْنُ ذكِيَّة ً».
وَلا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُهُ في التَّحْرِيْم.
١٢ - وَسُئِلَ عَنْ شَعْرِ الخِنْزِيرِ فقالَ: «لا يُعْجِبُني».
وَهَذَا عَلى التَّحْرِيْم.
١٣ - وَقالَ: «يُكرَهُ القدُّ مِنْ جُلوْدِ الحمِيْرِ ذكِيًّا، وَغيْرَ ذكِيٍّ، لأَنهُ لا يَكوْنُ ذكِيًّا، وَأَكرَهُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ وَلِلمُسْتَعْمِل».
١٤ - وَسُئِلَ عَنْ رَجُل ٍ حَلفَ لا يَنْتَفِعُ بكذَا: فباعَهُ وَاشْتَرَى بهِ غيْرَهُ: فكرِهَ ذلِك».
وَهَذَا عِنْدَهُ لا يَجُوْز.
١٥ - وَسُئِلَ عَنْ أَلبان ِ الأُتن ِ: فكرِهَه.
وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَه.
стр. 165
١٦ - وَسُئِلَ عَن ِ الخمْرِ يتَّخذُ خلا ًّ: فقالَ: «لا يُعْجِبُني».
وَهَذَا عَلى التَّحْرِيْمِ عِنْدَه.
١٧ - وَسُئِلَ عَنْ بيْعِ الماءِ: فكرِهَه.
وَهَذَا في أَجْوِبتِهِ أَكثرُ مِنْ أَنْ يُسْتقصَى، وَكذَلِك َ غيْرُهُ مِنَ الأَئِمَّة.
[عند الحنفية]
١٨ - وَقدْ نصَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحسَن ِ: أَنَّ كلَّ مَكرُوْهٍ فهُوَ حَرَامٌ، إلا َّ أَنهُ لما لمْ يَجِدْ فِيْهِ نصًّا قاطِعًا لمْ يُطلِقْ عَليْهِ لفظ َ «الحرَام».
١٩ - وَرَوَى مُحَمَّدٌ أَيضًا عَنْ أَبي حَنِيْفة َ وَأَبي يُوْسُفَ إلىَ أَنهُ إلىَ الحرَامِ أَقرَب.
٢٠ - وَقدْ قالَ في «الجامِعِ الكبيْرِ»: «يُكرَهُ الشُّرْبُ في آنيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ لِلرِّجَال ِ وَالنِّسَاءِ»، وَمُرَادُهُ التَّحْرِيْم.
٢١ - وَكذَلِك َ قالَ أَبوْ يُوْسُفَ وَمُحَمَّدٌ: «يُكرَهُ النَّوْمُ عَلى فرُش ِ الحرِيرِ، وَالتَّوَسُّدُ عَلى وَسَائِدِهِ»، وَمُرَادُهُمَا التَّحْرِيْم.
٢٢ - وَقالَ أَبوْ حَنِيْفة َ وَصَاحِبَاهُ: «يُكرَهُ أَنْ يَلبسَ الذُّكوْرُ مِنَ الصِّبيَان ِ الذَّهَبَ وَالحرِيرَ، وَقدْ صَرَّحَ الأَصْحَابُ أَنهُ حَرَامٌ، وَقالوْا: إنَّ التَّحْرِيْمَ لمّا ثبتَ في حَقِّ الذُّكوْرِ، وَتحْرِيْمُ اللبس ِ يُحَرِّمُ الإلباسَ، كالخمْرِ لمّا حُرِّمَ شُرْبُهَا: حَرُمَ سَقيهَا.
стр. 166
٢٣ - وَكذَلِك َ قالوْا: «يُكرَهُ مَنْدِيْلُ الحرِيْرِ الذِي يُتَمَخط ُ فِيْهِ وَيتمَسَّحُ مِنَ الوُضُوْءِ»، وَمُرَادُهُمُ التَّحْرِيْم.
٢٤ - وَقالوْا: «يُكرَهُ بيْعُ العَذِرَةِ»، وَمُرَادُهُمُ التَّحْرِيْم.
٢٥ - وَقالوْا: «يُكرَهُ الاحْتِكارُ في أَقوَاتِ الآدَمِيِّيْنَ وَالبهَائِمِ إذا أَضَرَّ بهمْ، وَضَيَّقَ عَليْهمْ»، وَمُرَادُهُمُ التَّحْرِيْم.
٢٦ - وَقالوْا: «يُكرَهُ بيْعُ السِّلاحِ في أَيامِ الفِتنةِ»، وَمُرَادُهُمُ التَّحْرِيْم.
٢٧ - وَقالَ أَبوْ حَنِيْفة َ: «يُكرَهُ بيْعُ أَرْض ِ مَكة»، وَمُرَادُهُمُ التَّحْرِيْمُ عِنْدَهُمْ.
٢٨ - قالوْا: «وَيكرَهُ اللعِبُ باِلشِّطرَنجِ»، وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَهُمْ.
٢٩ - قالوْا: «وَيُكرَهُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ في عُنُق ِ عَبْدِهِ أَوْ غيْرِهِ طوْقَ الحدِيدِ الذِي يَمْنَعُهُ مِنَ التَّحَرُّكِ»، وَهُوَ الغلُّ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَهَذَا كثِيْرٌ في كلامِهمْ جِدًّا.
[عند المالكية]
٣٠ - وَأَمّا أَصْحَابُ مَالِكٍ: فالمكرُوْهُ عِنْدَهُمْ مَرْتبة ٌ بيْنَ الحرَامِ وَالمباحِ، وَلا يُطلِقوْنَ عَليْهِ اسْمَ «الجوَازِ»، وَيقوْلوْنَ: «إنَّ أَكلَ كلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّبَاعِ مَكرُوْهٌ غيْرُ مُبَاح.
٣١ - وَقدْ قالَ مَالِك ٌ في كثيْرٍ مِنْ أَجْوِبتهِ: «أَكرَهُ كذَا»، وَهُوَ حَرَام.
٣٢ - فمِنْهَا: أَنَّ مَالِكا نصَّ عَلى كرَاهَةِ الشِّطرَنجِ، وَهَذَا
стр. 167
عِنْدَ أَكثرِ أَصْحَابهِ عَلى التَّحْرِيْمِ، وَحَمَلهُ بَعْضُهُمْ عَلى الكرَاهَةِ التي هِيَ دُوْنَ التَّحْرِيْم.
[عند الشافعية]
٣٣ - وَقالَ الشّافِعِيُّ في اللعِبِ باِلشِّطرَنجِ: إنهُ لهوٌ شِبْهُ البَاطِل ِ، أَكرَهُهُ وَلا يتبيَّنُ لِي تَحْرِيْمُه.
فقدْ نصَّ عَلى كرَاهتِهِ، وَتوَقفَ في تَحْرِيْمِهِ، فلا يَجُوْزُ أَنْ يُنْسَبَ إليْهِ، وَإلىَ مَذْهَبهِ أَنَّ اللعِبَ بهَا جَائِزٌ، وَأَنهُ مُبَاحٌ، فإنهُ لمْ يَقلْ هَذَا، وَلا مَا يدُلُّ عَليْه.
وَالحقُّ أَنْ يُقالَ: «إنهُ كرِهَهَا، وَتوَقفَ في تَحْرِيْمِهَا».
فأَينَ هَذَا مِنْ أَنْ يقالَ: «إنَّ مَذْهَبَهُ جَوَازُ اللعِبِ بهَا، وَإباحَته؟!
٣٤ - وَمِنْ هَذَا أَيضًا: أَنهُ نصَّ عَلى كرَاهَةِ تزَوِّجِ الرَّجُل ِ بنتهُ مِنْ مَاءِ الزِّنا، وَلمْ يقلْ قط: «إنهُ مُبَاحٌ، وَلا جَائِز».
وَالذِي يَلِيْقُ بجلالتِهِ، وَإمامَتِهِ، وَمَنْصِبهِ الذِي أَحَلهُ الله ُ بهِ مِنَ الدِّين ِ: أَنَّ هَذِهِ الكرَاهَة َ مِنْهُ عَلى وَجْهِ التَّحْرِيْم.
وَأَطلقَ لفظ َ «الكرَاهَةِ»: لأَنَّ الحرَامَ يَكرَهُهُ الله ُ وَرُسُوْلهُ ﷺ ، وَقدْ قالَ تعَالىَ، عَقِيْبَ ذِكرِ مَا حَرَّمَهُ مِنَ المحَرَّمَاتِ، مِنْ عِنْدِ قوْلِهِ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾.
إلىَ قوْلِهِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾.
إلىَ قوْلِهِ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾
стр. 168
إلىَ قوْلِهِ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾.
إلىَ قوْلِهِ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾.
إلىَ قوْلِهِ ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾.
إلىَ قوْلِهِ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلىَ آخِرِ الآيات.
ثمَّ قالَ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾.
وَفي «الصَّحِيْحِ»: «إنَّ الله َ كرِهَ لكمْ قِيْلَ وَقالَ، وَكثرَة َ السُّؤَال ِ، وَإضَاعة َ المال» (١).
فالسَّلفُ كانوْا يَسْتعْمِلوْنَ «الكرَاهَةَ» في مَعْنَاهَا الذِي اسْتُعْمِلتْ فِيْهِ في كلامِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ .
أَمّا المتأَخِّرُوْنَ: فقدِ اصْطلحُوْا عَلى تَخْصِيْص ِ «الكرَاهَةِ» بمَا ليْسَ بمُحَرَّمٍ، وَترْكهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِه.
ثمَّ حَمَلَ مَنْ حَمَلَ مِنْهُمْ كلامَ الأَئِمَّةِ عَلى الاصْطِلاحِ الحادِثِ: فغلِط َ في ذلِك.
وَأَقبحُ غلطا مِنْهُ: مَنْ حَمَلَ لفظ َ «الكرَاهَةِ»، أَوْ لفظ َ «لا يَنْبغِي»، في كلامِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ : عَلى المعْنَى الاصْطِلاحِي الحادِث.
وَقدِ اطرَدَ في كلامِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ : اسْتِعْمَالُ «لا يَنْبغِي» في المحْظوْرِ شَرْعًا أَوْ قدَرًا: في المسْتحِيْل ِ الممْتنِعِ، كقوْل ِ اللهِ تعَالىَ стр. 169
﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾.
وَقوْلِهِ ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.
وَقوْلِهِ ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾.
وَقوْلِهِ عَلى لِسَان ِ نبيِّهِ ﷺ : «كذَّبني ابنُ آدَمَ وَمَا يَنْبغِي لهُ، وَشَتَمَني ابنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي له» (١).
وَقوْلِهِ ﷺ : «إنَّ الله َ لا ينامُ، وَلا ينْبغِي لهُ أَنْ ينامَ» (٢).
وَقوْلِهِ ﷺ في لِبَاس ِ الحرِيرِ: «لا يَنْبَغِي هَذَا لِلمُتقِيْنَ» (٣) وَأَمْثالُ ذلك) اه كلامُهُ ﵀.
كمَا أَطلقوْهَا عَلى أُمُوْرٍ أُخْرَى كثِيْرَةٍ، لا يُرِيْدُوْنَ بهَا التَّحْرِيْمَ، بَلْ مَا دُوْنَ ذلِك َ مِنَ التَّنْزِيْهِ، مُوَافِقِيْنَ فِيْهَا للأُصُوْلِيِّيْنَ مِنْ غيْرِ قصْدِ مُوَافقة.
وَالحاصِلُ: أَنَّ الكرَاهَة َ عِنْدَهُمْ: مَا كرِهَهُ الشّارِعُ فنهَى عَنْهُ، أَكانتِ الكرَاهَة ُ تَحْرِيْمِيَّة ً أَمْ تنْزِيْهيَّة. وَيُعْرَفُ مَقصُوْدُ الشّارِعِ باِلكرَاهَةِ أَهِيَ لِلتَّحْرِيْمِ أَمْ لِلتَّنْزِيْهِ، باِلنظرِ في النُّصُوْص. стр. 170
فإذا اسْتقرَّ هَذَا عِنْدَك َ: فاعْلمْ - جَازِمًا قاطِعًا - أَنَّ إطلاقَ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الكرَاهَة َعَلى الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ أَوْ إليْهَا، لا يُرِيْدُوْنَ بهَا سِوَى التَّحْرِيْم.
وَقدْ تكاثرَتِ الأَدِلة ُ وَتوَاترَتْ عَلى تَحْرِيْمِ ذلِك َ وَالنَّهْيِّ عَنْهُ، وَمِنْ ذلِك َ: قوْلُ البُخارِيِّ ﵀ ُ في البابيْن ِ السّابقيْن ِ، وَقوْلُ التِّرْمِذِيِّ في «جَامِعِهِ»: «بَابُ مَا جَاءَ في كرَاهِيَةِ المشْيِّ عَلى القبوْرِ، وَالجلوْس ِ عَليْهَا، وَالصَّلاةِ إليْهَا».
أَمّا تَرْجِيْحُ المعْتَرِض ِ هَذَا القوْلَ، بصَلاةِ الصَّحَابةِ: فقدْ تقدَّمَ جَوَابهُ، وَبيانُ بُطلانهِ، وَالحمْدُ لله.
стр. 171
فصل في رَدِّ زَعْمِهِ أَنَّ الدَّلِيْلَ إذا تَطرَّقَ إليْهِ الاحْتِمَالُ، بَطلَ بهِ الاسْتِدْلالُ ، وَبيانُ أَنَّ هَذِهِ قاعِدَة ٌ، إطلاقهَا يؤُوْلُ بصَاحِبهَا إلىَ زَندَقةٍ، وَبيان ِ مَعْنَاهَا عِنْدَ أَهْل ِالعِلم
وَأَمّا قوْلُ المعْتَرِض ِ: (وَمِمّا هُوَ مَعْلوْمٌ لدَى طلبةِ العِلمِ: أَنَّ الدَّلِيْلَ إذا تَطرَّقَ إليْهِ الاحْتِمَالُ، بطلَ الاسْتِدْلالُ به) اه.
فإطلاقهُ بَاطِلٌ، وَإطلاقهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُوْل ِأَهْل ِ البدَعِ وَالضَّلال ِ، مِمَّنْ أَرَادُوْا إهْجَانَ السُّنَّةِ، وَإبْطالَ الأَدِلةِ، وَإفسَادَ الدِّين ِ، وَإغوَاءَ المهْتَدِيْن.
فإنهُ لا يَخْلوْ دَلِيْلٌ لا فِي الكِتابِ وَلا فِي السُّنَّةِ، إلا َّ وقدْ أُوْرِدَ عَليْهِ احْتِمَالٌ، إمّا مِنْ مُهْتَدٍ أَوْ مِنْ مُبْطِل ٍ، سَوَاءٌ كانَ ذلِك َ الاحْتِمَالُ صَحِيْحًا أَمْ فاسِدًا.
وَلوْ سُلمَ إطلاقُ هَذِهِ القاعِدَةِ: لمَا صَحَّ لنا وَلا لِغيْرِنا أَنْ يَسْتَدِلَّ بأَيِّ دَلِيْل ٍ، أَوْ يَحْتَجَّ بأَيِّ حُجَّةٍ، لِتطرُّق ِ احْتِمَال ٍ مِنَ الاحْتِمَالاتِ عَليْهَا! إمّا فِي أَصْلِهَا، أَوْ فِي تأْوِيْلِهَا وَمَعْنَاهَا، وَحِيْنَذَاك َ يَبْطلُ الدِّينُ، وَتسْقط ُ الشعَائِرُ، وَيحْصُلُ لِلزَّنادِقةِ مَا أَملوْهُ وَرَجَوْه.
وَمُرَادُ مَنْ ذكرَ هَذِهِ القاعِدَة َ مِنَ العُلمَاءِ، وَمَعْنَاهَا الصَّحِيْحُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الاحْتِمَالاتِ الوَارِدَة َ عَلى الأَدِلةِ ثلاثة ُ أَنوَاعٍ:
стр. 172
اِحْتِمَالٌ وَهْمِيٌّ مَرْجُوْحٌ،
وَاحْتِمَالٌ رَاجِحٌ،
وَاحْتِمَالٌ مُسَاوٍ.
فالاحْتِمَالُ الأَوَّلُ: لا اعْتِبَارَ بهِ، وَلا تأْثِيْرَ له.
وَالاحْتِمَالُ الثانِي: يَجِبُ المصِيْرُ إليْهِ، وَالتَّعْوِيْلُ عَليْه.
وَأَمّا الاحْتِمَالُ الثالِثُ: فهُوَ الذِي يُسْقِط ُ الاسْتِدْلالَ بذَلِك َ الدَّلِيْل ِ عَلى ذلِك َ الاحْتِمَال ِ المسَاوِي لا غيرِهِ، لاسْتِوَاءِ طرَفيْهِ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ أَطلقَ هَذِهِ القاعِدَة َ مِنَ الأَئِمَّةِ لا سِوَاه.
وَقدْ بيَّنَ أَبوْ العَبّاس ِ القرَافيُّ (ت٦٨٤هـ) في «الفرُوْق» (٢/ ٨٧): الفرْقَ بَيْنَ هَذِهِ القاعِدَةِ السّابقةِ «حِكاية ُ الحال ِ إذا تطرَّقَ إليْهَا الاحْتِمَالُ، سَقط َ بهَا الاسْتِدْلال»، وَبيْنَ قاعِدَةِ «حِكاية ُ الحال ِ، إذا ترِك َ فِيْهَا الاسْتِفصَالُ، تقوْمُ مَقامَ العُمُوْمِ في المقال ِ، وَيَحْسُنُ بهَا الاسْتِدْلال»، بقوْلِهِ: (وَتَحْرِيْرُ الفرْق ِ بَيْنَهُمَا، ينبنِي عَلى قوَاعِدَ:
القاعِدَة ُ الأُوْلىَ: أَنَّ الاحْتِمَالَ المرْجُوْحَ، لا يَقدَحُ في دَلالةِ اللفظِ، وَإلا َّ لسَقطتْ دَلالة ُ العُمُوْمَاتِ كلهَا، لِتطرُّق ِ احْتِمَال ِ التَّخْصِيْص ِ إليْهَا.
بَلْ تَسْقط ُ دَلالة ُ جَمِيْعِ الأَدِلةِ السَّمْعِيَّةِ، لِتَطرُّق ِ المجَازِ وَالاشْتِرَاكِ إلىَ جَمِيْعِ الأَلفاظ.
стр. 173
لكِنَّ ذلِك َ باطِلٌ، فتعَينَ حِيْنَئِذٍ: أَنَّ الاحْتِمَالَ الذِي يُوْجِبُ الإجْمَالَ، إنّمَا هُوَ الاحْتِمَالُ المسَاوِي، أَوِ المقارِبُ، أَمّا المرْجُوْحُ: فلا.
القاعِدَة ُ الثانِيَة ُ: أَنَّ كلامَ صَاحِبِ الشَّرْعِ، إذا كانَ مُحْتَمِلا ً احْتِمَاليْن ِ عَلى السَّوَاءِ: صَارَ مُجْمَلا ً، وَليْسَ حَمْلهُ عَلى أَحَدِهِمَا أَوْلىَ مِنَ الآخَر).
ثمَّ قالَ القرَافِيُّ (٢/ ٨٨): (فحَيْثُ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ الله ُعَنْهُ: «إنَّ حِكاية َ الحال ِ، إذا تَطرَّقَ إليْهَا الاحْتِمَالُ، سَقط َ بهَا الاسْتِدْلال»: مُرَادُهُ إذا اسْتَوَتِ الاحْتِمَالاتُ في كلامِ صَاحِبِ الشَّرْع) اه.
وَقدْ تَعَقبَ أَبو القاسِمِ ابْنُ الشّاطِ (ت٧٢٣هـ) أَبا العَبّاس ِ القرَافِيَّ في قوْلِهِ السّابق ِ «فتعيَّنَ حِيْنَئِذٍ أَنَّ الاحْتِمَالَ الذِي يُوْجِبُ الإجْمَالَ، إنّمَا هُوَ الاحْتِمَالُ المسَاوِي، أَوِ المقارِبُ، أَمّا المرْجُوْحُ: فلا» فقال: (إيْجَابُ الاحْتِمَال ِ المسَاوِي الإجْمَالَ: مُسَلم.
وَأَمّا إيْجَابُ المقارِبِ: فلا، فإنهُ:
إنْ كانَ مُتَحَققَ المقارَبةِ: فهوَ مُتَحَققُ عَدَمِ المسَاوَاة.
وَإنْ كانَ مُتَحَققَ عَدَمِ المسَاوَاةِ: فهُوَ مُتَحَققُ المرْجُوْحِيَّةِ: فلا إجْمَال) اه.
قلتُ: الذِي يَظهَرُ لِي: أَنَّ مُرَادَ القرَافِيِّ مِنْ قوْلِهِ «الاحْتِمَالُ المقارِبُ»: مَا كانَ مُقارِبا لِلمُسَاوِي مُقارَبة ً شدِيدَة ً، بحيْثُ يَكوْنُ رُجْحَانهُ عَلى غيْرِهِ دَقِيْقا خفِيْفا، لا يُصَارُ إليْهِ، وَلا يُرَجَّحُ بهِ عَليْهِ، لِخِفةِ مُرَجِّحِهِ عَلى غيْرِهِ، فيبْقى مُقارِبا
стр. 174
شبيْهًا باِلمسَاوِي، وَالله ُ أَعْلم.
وَقدْ سَأَلتُ شَيْخَنَا العَلامَة َ، عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَن ِ ابنَ غدَيان حَفِظهُ الله ُ، وَبارَك َ فِيْهِ وَفي عِلمِهِ: عَنْ صِحَّةِ إطلاق ِ تِلك َ القاعِدَةِ السّابقةِ فقالَ: (لا يَصِحُّ إطلاقهَا، وَإنّمَا هِيَ صَحِيْحَة ٌ في صُوْرَةٍ وَاحِدَةٍ: إذا كانَ الاحْتِمَالُ مُسَاوِيا.
أَمّا إذا لمْ يَكنْ مُسَاوِيا: فكانَ رَاجِحًا: وَجَبَ المصِيْرُ إليْهِ. أَوْ مَرْجُوْحًا وَهْمِيا: وَجَبَ اطرَاحُهُ وَترْكهُ، وَلا تأْثِيْرَ له.
وَإطلاقهَا كإطلاق ِ النّاس ِ لِقاعِدَةِ «دَرْءُ المفاسِدِ، مُقدَّمٌ عَلى جَلبِ المصَالِحِ»، مَعَ أَنَّ هَذِهِ القاعِدَة َ، لا تصِحُّ إلا َّ فِي صُوْرَةٍ وَاحِدَةٍ فقط، وَهِيَ إذا تسَاوَتِ المفسَدَة ُ وَالمصْلحَة.
ثمَّ ذكرَ الشَّيْخُ حَفِظهُ الله ُ: أَنَّ أَحْسَنَ مَنْ رَآهُ تَكلمَ عَلى تِلك َ القاعِدَةِ الأُوْلىَ السّابقةِ: القرَافِيُّ في «الفرُوْق» وَأَوْفاهَا شَرْحًا، وَقدْ قدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ كلامِهِ فِيْهَا ﵀.
إذا تقرَّرَ هَذَا، فاعْلمْ أَنَّ هَذَا المعْتَرِضَ المبطِلَ، لا تعلقَ لهُ صَحِيْحٌ بهذِهِ القاعِدَة.
وَأَنَّ إطلاقهُ البَاطِلَ لها - كمَا أَنهُ يُسْقِط ُ الاحْتِجَاجَ ببَعْض ِ أَدِلتِنَا، كمَا يُرِيْدُ وَيزْعُمُ - يُسْقِط ُ الاحْتِجَاجَ بأَدِلتِهِ كافة ً، لِتطرُّق ِ الاحْتِمَال ِ عَليْهَا أَيْضًا!
стр. 175
وَالاحْتِمَالُ الوَارِدُ عَلى حَدِيْثِ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام» -إنْ قِيْلَ بوُجُوْدِهِ أَصْلا ً-: هُوَ احْتِمَالٌ وَهْمِيٌّ مَرْجُوْحٌ لا عِبْرَة َ بهِ، وَقدْ تكاثرَتِ الأَدِلة ُ المخْتَلفة ُ عَلى بيان ِ صِحَّةِ ذلِك َ الحدِيْثِ كمَا تقدَّم.
стр. 176
فصل في زَعْمِ جَمَاعَةٍ مِنَ القبوْرِيِّينَ: أَنْ لا عَوْدَة َ لِلشِّرْكِ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلا حَاجَة َ لِسَدِّ ذرَائِعِهِ وَوَسَائِلِهِ، وَأَنَّ قوْلَ النَّبيِّ ﷺ «لا يَجْتَمِعُ دِيْنان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ»، وَقوْلهُ ﷺ «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ»: دَلِيْلان ِ عَلى صِحَّةِ أَعْمَالهِمُ الشِّرْكِيَّةِ المنافِيَةِ لِلإيْمَان ِ، وَبيان ِ فسَادِ اسْتِدْلالهِمْ وَنقضِهِ، وإخْبَارِ النَّبيِّ ﷺ بعَوْدَةِ الشِّرْكِ إلىَ جَزِيْرَةِ العَرَبِ بَعْدَ انتِشَارِ الإسْلامِ، وَإكمَال ِ الرِّسَالةِ، لِتَفرِيْطِ النّاس ِ في سَدِّ ذرَائِعِ الشِّرْكِ، وَمَنْعِ أَسْبَابه
قدْ زَعَمَ جَمَاعَة ٌمِنْ سَدَنةِ القبوْرِ، وَدُعَاةِ الضَّلالةِ إلىَ دَارِ الثبوْرِ: أَنَّ قوْلَ النَّبيِّ ﷺ «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلكِنْ في التَّحْرِيْش ِ بَيْنَهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٢٨١٢) مِنْ حَدِيْثِ جَابرِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
وَزَعَمُوْا كذَلِك َ: أَنَّ قوْلهُ ﷺ : «لا يَجْتَمِعُ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ دِيْنَان ِ» رَوَاهُ الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة َ» (٣/ ٤٤) (١٧٦٢) وَالبَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبْرَى» (٦/ ١١٥) مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ المسَيِّبِ عَنْ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه (١). стр. 177
فزَعَمُوْا أَنهُمَا: إخْبَارَان ِ مِنَ النَّبيِّ ﷺ وَبشارَاتان ِ عَلى خُلوِّ جَزِيْرَةِ العَرَبِ مِنْ دِيْن ٍ ثان ٍ يَكوْنُ فِيْهَا! وَإخْبَارَان ِ كذَلِك َ بسَلامَتِهَا مِنَ الشِّرْكِ وَالكفر!
قالوْا: فدَلَّ ذلِك َ عَلى أَنَّ مَا يَفعَلوْنهُ عِنْدَ القبوْرِ وَالأَضْرِحَةِ وَالمشَاهِدِ، مِنْ دُعَاءٍ وَاسْتِغاثةٍ وَذبْحٍ وَغيْرِهِ: ليْسَ بشِرْكٍ وَلا كفرٍ، وَإلا َّ لكانتْ تِلك َ الأَفعَالُ مُخالِفة ً لخبرِ النَّبيِّ ﷺ وَبشارَتِه!
وَجَوَابُ هَذِهِ الإيْرَادَاتِ البَارِدَاتِ السّاقِطاتِ، مِنْ وُجُوْهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا تَحْرِيْفٌ لِلكلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَصَرْفٌ لهُ عَنْ حَقيْقتِه.
وَمُرَادُ النَّبيِّ ﷺ مِنْ قوْلِهِ «لا يَجْتَمِعُ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ دِيْنَان» - كمَا هُوَ عِنْدَ أَهْل ِ العِلمِ الرَّبانِييْنَ، لا عُبّادِ القبوْرِ مِنَ المشْرِكِيْنَ -: أَمْرٌ بوُجُوْبِ خُلوِّ الجزِيْرَةِ مِنْ دِيْن ٍ ثان ٍ غيْرَ الإسْلامِ، لا خبرٌ وَبشارَة ٌ بخلوِّهَا!
وَقدْ دَلَّ عَلى هَذَا المعْنَى أَحَادِيْثُ كثِيْرَة ٌ، مِنْهَا:
* حَدِيْثُ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا قالتْ: (كانَ آخِرُ مَا عَهدَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَنْ قالَ: «لا يُتْرَك ُ بجَزِيْرَةِ العَرَبِ دِيْنَان» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِه» (٦/ ٢٧٥).
وَهَذَا مَا فهمَهُ الصَّحَابة ُ وَأَئِمَّة ُ الإسْلامِ: فرَوَى ابْنُ زَنْجُوْيه في «الأَمْوَال ِ» (١/ ٢٧٦) (٤١٧) قالَ: (أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ
стр. 178
بْنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا: أَنَّ عُمَرَ أَخْرَجَ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى وَالمجُوْسَ مِنَ المدِيْنةِ، وَضَرَبَ لِمَنْ قدِمَهَا مِنْهُمْ أَجَلا ً، إقامَة َ ثلاثِ ليَال ٍ، قدْرَ مَا يَبيْعُوْنَ سِلعَهُمْ، وَلمْ يَكنْ يَدَعُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُقِيْمُ بَعْدَ ثلاثِ ليَال ٍ، وَكانَ يَقوْلُ: «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَب»).
وَرَوَاهُ:
- القاسِمُ بْنُ سَلامٍ في «الأَمْوَال» (١/ ١٨٠) (٢٧٢) أَيْضًا: أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ بهِ،
- وَابْنُ أبي شَيْبَة َ في «مُصَنَّفِهِ» (١٢/ ٣٤٥) في «كِتَابِ الجهَادِ»، «مَنْ قالَ لا يَجْتَمِعُ اليَهُوْدُ وَالنَّصَارَى مَعَ المسْلِمِيْنَ في مِصْرٍ»: حَدَّثنَا عَبْدَة ُ بنُ سُليْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنَحْوِه.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزّاق ِ في «مُصَنَّفِهِ» (٤/ ١٢٥ - ١٢٦) (٧٢٠٨) (٦/ ٥٦) (٩٩٩٠) في «كِتَابِ أَهْل ِ الكِتَابِ»، «إجْلاءُ اليَهُوْدِ مِنَ المدِيْنَةِ» قالَ: (أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَن ِ الزُّهْرِيِّ عَن ِ ابْن ِ المسَيِّبِ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَفعَ خَيْبَرَ إلىَ اليَهُوْدِ عَلى أَنْ يَعْمَلوْا فِيْهَا، وَلهمْ شَطرُ ثمَرِهَا.
فمَضَى عَلى ذلِك َ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، وَأَبوْ بَكرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلافةِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
ثمَّ أُخْبرَ عُمَرُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ- في وَجَعِهِ الذِي مَاتَ مِنْهُ -: «لا يَجْتَمِعُ بأَرْض ِ العَرَبِ دِيْنَان ِ» أَوْ قالَ «بأَرْض ِ الحِجَازِ دِيْنَان ِ»:
стр. 179
ففحَّصَ عَنْ ذلِك َ حَتَّى وَجَدَ عَليْهِ الثبْت. ثمَّ دَعَاهُمْ فقالَ: «مَنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ فليأْتِ بهِ، وَإلا َّ فإني مُجْلِيْكمْ». قالَ ابْنُ المسَيِّبِ: فأجْلاهُمْ عُمَر).
وَرَوَى مَالِك ٌ في «الموَطإ» (١٦٥١): عَن ِ ابْن ِ شِهَابٍ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَب».
قالَ ابْنُ شِهَابٍ: ففحَّصَ عَنْ ذلِك َ عُمَرُ بْنُ الخطابِ حَتَّى أَتاهُ الثلجُ وَاليقِيْنُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ»، فأَجْلى يَهُوْدَ خيْبَر.
قالَ أَبو الوَلِيْدِ الباجِيُّ (ت٤٩٤هـ) في «المنْتَقى في شَرْحِ الموَطإ» بَعْدَهُ (٧/ ١٩٥): (وَقوْلهُ ﷺ «لا يبْقينَّ دِيْنَان ِ بأَرْض ِ العَرَبِ»: يُرِيْدُ - وَالله ُ أَعْلمُ - لا يبْقى فِيْهَا غيْرُ دِيْن ِ الإسْلامِ، وَأَنْ يُخْرَجَ مِنْهَا كلُّ مَنْ يتدَينُ بغيْرِ دِيْن ِ الإسْلام.
قالَ مَالِك ٌ: «يُخْرَجُ مِنْ هَذِهِ البلدَان ِ كلُّ يَهُوْدِيٍّ أَوْ نصْرَانِيٍّ أَوْ ذِمِّيٍّ كانَ عَلى غيْرِ مِلةِ الإسْلام»).
ثمَّ قالَ الباجِيُّ (٧/ ١٩٦): (وَقوْلُ ابْن ِ شِهَابٍ «ففحَّصَ عُمَرُ بنُ الخطابِ عَنْ ذلِك»: قالَ مَالِك ٌ: «مَعْنَاهُ: كشَفَ عَنْ هَذَا القوْل ِ، هَلْ يَصِحُّ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ ».
قالَ: «حِيْنَ جَاءَهُ الثلجُ» قالَ: «مَعْنَاهُ اليَقِيْنُ الذِي لا شَك َّ فِيْهِ، يُرِيْدُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ ذلِك» فأَجْلى عُمَرُ بْنُ الخطابِ يهُوْدَ خَيْبَر) اه.
стр. 180
وَهَذَا المعْنَى - أَي وُجُوْبَ إخْرَاجِ المشْرِكِيْنَ وَأَهْل ِ الكِتَابِ مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَعَدَمَ إبقاءِ دِيْن ٍ في الجزِيْرَةِ يُتَعبَّدُ بهِ غيْرَ الإسْلامِ - قدْ جَاءَ في غيْرِ حَدِيْثٍ، مِنْ ذلِك َ:
* قوْلهُ ﷺ : «أَخْرِجُوْا المشْرِكِيْنَ مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٢٢٢) وَالبُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٣٠٥٣)، (٣١٦٨)، (٤٤٣١) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (١٦٣٧) وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِهِ» (٣٠٢٩) مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا في حَدِيْثٍ فِيْهِ طوْل.
* وَقوْلهُ ﷺ : «لأُخْرِجَنَّ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لا أَدَعَ إلاّ مُسْلِمًا» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٢٩) (٣/ ٣٤٥) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (١٧٦٧) وَالتِّرْمِذِيُّ (١٦٠٧) وَأَبوْ دَاوُوْدَ (٣٠٣٠) مِنْ حَدِيْثِ جَابرِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عُمَرِ بْن ِ الخطابِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
وَفي رِوَايةٍ لأَحْمَدَ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٣٢) وَالتِّرْمِذِيِّ (١٦٠٦): «لئِنْ عِشْتُ لأُخْرِجَنَّ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى ... » الحدِيْث.
الوَجْهُ الثانِي: أَنَّ تأْوِيْلَ القبوْرِيِّيْنَ ذلِك َ، مُخالِفٌ لِمَا ثبتَ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ عَوْدَةِ الشِّرْكِ إلىَ جَزِيْرَةِ العَرَبِ في أَمَاكِنَ مِنْهَا، وَحُدُوْثِهِ في أَحْيَاءٍ مِنْهُمْ، وَمِنْ ذلِك َ:
* قوْلهُ ﷺ : «لا تقوْمُ السّاعَة ُ حَتَّى تلحَقَ قبائِلُ مِنْ أُمَّتِي باِلمشْرِكِيْنَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوْا الأَوْثانَ، وَإنهُ سَيَكوْنُ في أُمَّتِي ثلاثوْنَ كذّابوْنَ، كلهُمْ يَزْعُمُ أَنهُ نبيٌّ، وَأَنا خَاتمُ النَّبيِّيْنَ لا نبيَّ بَعْدِي».
следующие страницы →