← Акыда

Акыда · id 21511

مجانبة أهل الثبور المصلين في المشاهد وعند القبور

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (373 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فصل في زَعْمِ جَمَاعَةٍ مِنَ القبوْرِيِّينَ: أَنْ لا عَوْدَة َ لِلشِّرْكِ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلا حَاجَة َ لِسَدِّ ذرَائِعِهِ وَوَسَائِلِهِ، وَأَنَّ قوْلَ النَّبيِّ ﷺ «لا يَجْتَمِعُ دِيْنان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ»، وَقوْلهُ ﷺ «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ»: دَلِيْلان ِ عَلى صِحَّةِ أَعْمَالهِمُ الشِّرْكِيَّةِ المنافِيَةِ لِلإيْمَان ِ، وَبيان ِ فسَادِ اسْتِدْلالهِمْ وَنقضِهِ، وإخْبَارِ النَّبيِّ ﷺ بعَوْدَةِ الشِّرْكِ إلىَ جَزِيْرَةِ العَرَبِ بَعْدَ انتِشَارِ الإسْلامِ، وَإكمَال ِ الرِّسَالةِ، لِتَفرِيْطِ النّاس ِ في سَدِّ ذرَائِعِ الشِّرْكِ، وَمَنْعِ أَسْبَابه قدْ زَعَمَ جَمَاعَة ٌمِنْ سَدَنةِ القبوْرِ، وَدُعَاةِ الضَّلالةِ إلىَ دَارِ الثبوْرِ: أَنَّ قوْلَ النَّبيِّ ﷺ «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلكِنْ في التَّحْرِيْش ِ بَيْنَهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٢٨١٢) مِنْ حَدِيْثِ جَابرِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله ُ عَنْه. وَزَعَمُوْا كذَلِك َ: أَنَّ قوْلهُ ﷺ : «لا يَجْتَمِعُ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ دِيْنَان ِ» رَوَاهُ الفاكِهيُّ في «أَخْبَارِ مَكة َ» (٣/ ٤٤) (١٧٦٢) وَالبَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبْرَى» (٦/ ١١٥) مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ المسَيِّبِ عَنْ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه (١).

стр. 177

فزَعَمُوْا أَنهُمَا: إخْبَارَان ِ مِنَ النَّبيِّ ﷺ وَبشارَاتان ِ عَلى خُلوِّ جَزِيْرَةِ العَرَبِ مِنْ دِيْن ٍ ثان ٍ يَكوْنُ فِيْهَا! وَإخْبَارَان ِ كذَلِك َ بسَلامَتِهَا مِنَ الشِّرْكِ وَالكفر! قالوْا: فدَلَّ ذلِك َ عَلى أَنَّ مَا يَفعَلوْنهُ عِنْدَ القبوْرِ وَالأَضْرِحَةِ وَالمشَاهِدِ، مِنْ دُعَاءٍ وَاسْتِغاثةٍ وَذبْحٍ وَغيْرِهِ: ليْسَ بشِرْكٍ وَلا كفرٍ، وَإلا َّ لكانتْ تِلك َ الأَفعَالُ مُخالِفة ً لخبرِ النَّبيِّ ﷺ وَبشارَتِه! وَجَوَابُ هَذِهِ الإيْرَادَاتِ البَارِدَاتِ السّاقِطاتِ، مِنْ وُجُوْهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا تَحْرِيْفٌ لِلكلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَصَرْفٌ لهُ عَنْ حَقيْقتِه. وَمُرَادُ النَّبيِّ ﷺ مِنْ قوْلِهِ «لا يَجْتَمِعُ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ دِيْنَان» - كمَا هُوَ عِنْدَ أَهْل ِ العِلمِ الرَّبانِييْنَ، لا عُبّادِ القبوْرِ مِنَ المشْرِكِيْنَ -: أَمْرٌ بوُجُوْبِ خُلوِّ الجزِيْرَةِ مِنْ دِيْن ٍ ثان ٍ غيْرَ الإسْلامِ، لا خبرٌ وَبشارَة ٌ بخلوِّهَا! وَقدْ دَلَّ عَلى هَذَا المعْنَى أَحَادِيْثُ كثِيْرَة ٌ، مِنْهَا: * حَدِيْثُ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا قالتْ: (كانَ آخِرُ مَا عَهدَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَنْ قالَ: «لا يُتْرَك ُ بجَزِيْرَةِ العَرَبِ دِيْنَان» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِه» (٦/ ٢٧٥). وَهَذَا مَا فهمَهُ الصَّحَابة ُ وَأَئِمَّة ُ الإسْلامِ: فرَوَى ابْنُ زَنْجُوْيه في «الأَمْوَال ِ» (١/ ٢٧٦) (٤١٧) قالَ: (أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ

стр. 178

بْنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا: أَنَّ عُمَرَ أَخْرَجَ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى وَالمجُوْسَ مِنَ المدِيْنةِ، وَضَرَبَ لِمَنْ قدِمَهَا مِنْهُمْ أَجَلا ً، إقامَة َ ثلاثِ ليَال ٍ، قدْرَ مَا يَبيْعُوْنَ سِلعَهُمْ، وَلمْ يَكنْ يَدَعُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُقِيْمُ بَعْدَ ثلاثِ ليَال ٍ، وَكانَ يَقوْلُ: «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَب»). وَرَوَاهُ: - القاسِمُ بْنُ سَلامٍ في «الأَمْوَال» (١/ ١٨٠) (٢٧٢) أَيْضًا: أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ بهِ، - وَابْنُ أبي شَيْبَة َ في «مُصَنَّفِهِ» (١٢/ ٣٤٥) في «كِتَابِ الجهَادِ»، «مَنْ قالَ لا يَجْتَمِعُ اليَهُوْدُ وَالنَّصَارَى مَعَ المسْلِمِيْنَ في مِصْرٍ»: حَدَّثنَا عَبْدَة ُ بنُ سُليْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنَحْوِه. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزّاق ِ في «مُصَنَّفِهِ» (٤/ ١٢٥ - ١٢٦) (٧٢٠٨) (٦/ ٥٦) (٩٩٩٠) في «كِتَابِ أَهْل ِ الكِتَابِ»، «إجْلاءُ اليَهُوْدِ مِنَ المدِيْنَةِ» قالَ: (أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَن ِ الزُّهْرِيِّ عَن ِ ابْن ِ المسَيِّبِ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَفعَ خَيْبَرَ إلىَ اليَهُوْدِ عَلى أَنْ يَعْمَلوْا فِيْهَا، وَلهمْ شَطرُ ثمَرِهَا. فمَضَى عَلى ذلِك َ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، وَأَبوْ بَكرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلافةِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا. ثمَّ أُخْبرَ عُمَرُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ- في وَجَعِهِ الذِي مَاتَ مِنْهُ -: «لا يَجْتَمِعُ بأَرْض ِ العَرَبِ دِيْنَان ِ» أَوْ قالَ «بأَرْض ِ الحِجَازِ دِيْنَان ِ»:

стр. 179

ففحَّصَ عَنْ ذلِك َ حَتَّى وَجَدَ عَليْهِ الثبْت. ثمَّ دَعَاهُمْ فقالَ: «مَنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ فليأْتِ بهِ، وَإلا َّ فإني مُجْلِيْكمْ». قالَ ابْنُ المسَيِّبِ: فأجْلاهُمْ عُمَر). وَرَوَى مَالِك ٌ في «الموَطإ» (١٦٥١): عَن ِ ابْن ِ شِهَابٍ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَب». قالَ ابْنُ شِهَابٍ: ففحَّصَ عَنْ ذلِك َ عُمَرُ بْنُ الخطابِ حَتَّى أَتاهُ الثلجُ وَاليقِيْنُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ»، فأَجْلى يَهُوْدَ خيْبَر. قالَ أَبو الوَلِيْدِ الباجِيُّ (ت٤٩٤هـ) في «المنْتَقى في شَرْحِ الموَطإ» بَعْدَهُ (٧/ ١٩٥): (وَقوْلهُ ﷺ «لا يبْقينَّ دِيْنَان ِ بأَرْض ِ العَرَبِ»: يُرِيْدُ - وَالله ُ أَعْلمُ - لا يبْقى فِيْهَا غيْرُ دِيْن ِ الإسْلامِ، وَأَنْ يُخْرَجَ مِنْهَا كلُّ مَنْ يتدَينُ بغيْرِ دِيْن ِ الإسْلام. قالَ مَالِك ٌ: «يُخْرَجُ مِنْ هَذِهِ البلدَان ِ كلُّ يَهُوْدِيٍّ أَوْ نصْرَانِيٍّ أَوْ ذِمِّيٍّ كانَ عَلى غيْرِ مِلةِ الإسْلام»). ثمَّ قالَ الباجِيُّ (٧/ ١٩٦): (وَقوْلُ ابْن ِ شِهَابٍ «ففحَّصَ عُمَرُ بنُ الخطابِ عَنْ ذلِك»: قالَ مَالِك ٌ: «مَعْنَاهُ: كشَفَ عَنْ هَذَا القوْل ِ، هَلْ يَصِحُّ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ ». قالَ: «حِيْنَ جَاءَهُ الثلجُ» قالَ: «مَعْنَاهُ اليَقِيْنُ الذِي لا شَك َّ فِيْهِ، يُرِيْدُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ ذلِك» فأَجْلى عُمَرُ بْنُ الخطابِ يهُوْدَ خَيْبَر) اه.

стр. 180

وَهَذَا المعْنَى - أَي وُجُوْبَ إخْرَاجِ المشْرِكِيْنَ وَأَهْل ِ الكِتَابِ مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَعَدَمَ إبقاءِ دِيْن ٍ في الجزِيْرَةِ يُتَعبَّدُ بهِ غيْرَ الإسْلامِ - قدْ جَاءَ في غيْرِ حَدِيْثٍ، مِنْ ذلِك َ: * قوْلهُ ﷺ : «أَخْرِجُوْا المشْرِكِيْنَ مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٢٢٢) وَالبُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٣٠٥٣)، (٣١٦٨)، (٤٤٣١) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (١٦٣٧) وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِهِ» (٣٠٢٩) مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا في حَدِيْثٍ فِيْهِ طوْل. * وَقوْلهُ ﷺ : «لأُخْرِجَنَّ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لا أَدَعَ إلاّ مُسْلِمًا» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٢٩) (٣/ ٣٤٥) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (١٧٦٧) وَالتِّرْمِذِيُّ (١٦٠٧) وَأَبوْ دَاوُوْدَ (٣٠٣٠) مِنْ حَدِيْثِ جَابرِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عُمَرِ بْن ِ الخطابِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا. وَفي رِوَايةٍ لأَحْمَدَ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٣٢) وَالتِّرْمِذِيِّ (١٦٠٦): «لئِنْ عِشْتُ لأُخْرِجَنَّ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى ... » الحدِيْث. الوَجْهُ الثانِي: أَنَّ تأْوِيْلَ القبوْرِيِّيْنَ ذلِك َ، مُخالِفٌ لِمَا ثبتَ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ عَوْدَةِ الشِّرْكِ إلىَ جَزِيْرَةِ العَرَبِ في أَمَاكِنَ مِنْهَا، وَحُدُوْثِهِ في أَحْيَاءٍ مِنْهُمْ، وَمِنْ ذلِك َ: * قوْلهُ ﷺ : «لا تقوْمُ السّاعَة ُ حَتَّى تلحَقَ قبائِلُ مِنْ أُمَّتِي باِلمشْرِكِيْنَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوْا الأَوْثانَ، وَإنهُ سَيَكوْنُ في أُمَّتِي ثلاثوْنَ كذّابوْنَ، كلهُمْ يَزْعُمُ أَنهُ نبيٌّ، وَأَنا خَاتمُ النَّبيِّيْنَ لا نبيَّ بَعْدِي».

стр. 181

وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، رَوَاهُ: - أَبوْ دَاوُوْدَ الطيالِسِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (ص١٣٣) (٩٩١): حَدَّثنَا حَمّادُ بْنُ زَيدٍ عَنْ أَيوْبَ عَنْ أَبي قلابة َ عَنْ أَبي أَسْمَاءٍ الرَّحَبيِّ عَنْ ثوْبانَ رَضِيَ الله ُ عَنْه. - وَالتِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِهِ» (٢٢١٩): حَدَّثنا قتيْبَة ُحَدَّثنَا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ بهِ، وَقالَ: (هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْح). - وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِه» (٤٢٥٢)، - وَابْنُ أَبي عَاصِمٍ في «الآحَادِ وَالمثانِي» (١/ ٣٣٢) (٤٥٦) وَ «الدِّياتِ» (ص٤٨)، - وَأَبوْ بَكرٍ البَرْقانِيُّ في «صَحِيْحِهِ»، - وَالحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِه» (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩). وَهَذَا كمَا تقدَّمَ صَحِيْحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، بَلْ قدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَصْلهُ في «صَحِيْحِهِ» (٢٨٨٩): حدَّثنا قتيْبَة ُ بْنُ سَعِيْدٍ عَنْ حَمّادِ بْن ِ زَيْدٍ بهِ، دُوْنَ مَوْضِعِ الشّاهِدِ مِنْهُ، وَهُوَ حَدِيْثٌ طوِيْلٌ، قطعَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ وَرَوَوْهُ في الأَبْوَاب. * وَمِنْ ذلِك َ أَيْضًا: قوْلهُ ﷺ : «لا تقوْمُ السّاعَة ُ حَتَّى تضْطرِبَ أَلياتُ نِسَاءِ دَوْس ٍ عَلى ذِي الخلصَة». وَذو الخلصَةِ: طاغِيَة ُ دَوْس ٍ التِي كانوْا يَعْبُدُوْنَ في الجاهِليَّة. رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٢٧١) وَالبُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٧١١٦) وَمُسْلِمٌ (٢٩٠٦) مِنْ حَدِيْثِ أبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه.

стр. 182

الوَجْهُ الثالِثُ: ارْتِدَادُ كثِيْرٍ مِنْ قبائِل ِ الجزِيْرَةِ بَعْدَ وَفاةِ النَّبيِّ ﷺ ، وَقِتَالُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيق ِ مَعَ الصَّحَابةِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ جَمِيْعًا لهمْ: دَلِيْلٌ عَلى بُطلان ِ تَأْوِيْل ِ القبوْرِيِّيْنَ وَفسَادِه. الوَجْهُ الرّابعُ: ادَّعَاءُ مُسَيْلِمَة َ الكذّابِ النُّبوَّة َ، وَإيْمَانُ أَهْل ِ اليَمَامَةِ بهِ، حَتَّى قاتلهُمُ الصَّحَابة ُ عَلى ذلِك َ زَمَنَ أبي بَكرٍ الصِّدِّيق ِ: دَلِيْلٌ آخَرُ عَلى بُطلان ِ قوْل ِ القبوْرِيِّين. الوَجْهُ الخامِسُ: خُرُوْجُ الزَّنادِقةِ في خِلافةِ الخلِيْفةِ الرّاشِدِ عَلِيِّ بْن ِ أبي طالِبٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، المدَّعِيْنَ أُلوْهِيَّتَهُ، وَقتْلهُ لهمْ بحَرْقِهمْ باِلنّارِ، حَتَّى اتصَلَ عَذَابُهُمْ مِنْ نارِ الدُّنيا إلىَ نارِ الآخِرَةِ: دَلِيْلٌ آخَرُ عَلى بُطلان ِ قوْل ِ القبوْرِيين. الوَجْهُ السّادِسُ: وُجُوْدُ اليَهُوْدِ في بَعْض ِ جَزِيْرَةِ العَرَبِ مِنْ زَمَن ِ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى اليَوْم في اليَمَن ِ وَغيْرِهَا، وَوُجُوْدُ النَّصَارَى وَالمجُوْس ِ وَالقرَامِطةِ وَالبَاطِنِيَّةِ وَالرَّوَافِض ِ وَغيْرِهِمْ مِنَ الزَّنادِقةِ وَالكافِرِيْنَ في الجزِيْرَةِ قدِيْمًا وَحَدِيْثًا: دَلِيْلٌ عَلى بُطلان ِ تَأْوِيْلِهمْ. بَلْ يَلزَمُ أُوْلئِك َ القبوْرِيينَ، المحْتَجِّيْنَ بتلك َ الأَحَادِيْثِ عَلى ذلِك َ الوَجْهِ الفاسِدِ: أَنْ يُصَحِّحُوْا دِيْنَ أُوْلئِك َ الكفارِ، مِنَ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى وَغيْرِهِمْ! وَهَذا أَمْرٌ لا يَقوْلوْنَ بهِ، وَلا يَسْتَطِيْعُوْنَ قوْلهُ، وَمَنْ قالهُ: كفرَ إجْمَاعًا. فلا سَبيْلَ لهمْ إلا َّ إبْطالُ تأْوِيْلِهمْ، وَترْك ُ تَحْرِيْفِهمْ.

стр. 183

الوَجْهُ السّابعُ: إخْبَارُ النَّبيِّ ﷺ بخرُوْجِ الدَّجّال ِ، وَأَنهُ يَدَّعِي الإلهِيَّة َ، وَأَنهُ يَطأُ الأَرْضَ كلهَا، حَتَّى لا يَسْلمَ مِنْ فِتنتِهِ أَحَدٌ إلا َّ مَا شاءَ الله ُ، إلا َّ أَهْلُ المدِينتيْن ِ المقدَّسَتيْن ِ مَكة َ وَالمدِيْنَةِ، فإنهُ يُمْنَعُ مِنْ دُخُوْلهِمَا، وَتَحُوْلُ الملائِكة ُ دُوْنهُ، فيقِفُ عَلى مَشَارِفِهمَا، فتَرْجُفُ المدِينة ُ بأَهْلِهَا، فيخْرُجُ خَبَثهَا إليْهِ، فيؤْمِنُوْنَ بهِ رَبا، وَيَكفرُوْنَ باِللهِ، عِيَاذاً باِلله. وَهَذَا يُخالِفُ تَأْوِيْلَ القبوْرِيينَ، وَيُظهرُ فسَادَ قوْلهِم. وَقدْ جَاءَتْ بذَلِك َ الأَحَادِيْثُ المتوَاتِرَة ُ في شَأْنِهِ، وَمِنْ ذلِك َ: مَا رَوَاهُ البخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٨٨١) وَمُسْلِمٌ (٢٩٤٣) مِنْ حَدِيْثِ أَنس ِ بْن ِ مَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «ليْسَ مِنْ بلدٍ إلا َّ سَيطؤُهُ الدَّجّالُ، إلا َّ مَكة َ وَالمدِينة َ ليْسَ لهُ مِنْ نِقابهَا نقبٌ إلا َّ عَليْهِ الملائِكة ُ صَافينَ يَحْرُسُوْنهَا ثمَّ ترْجُفُ المدِيْنَة ُ بأَهْلِهَا ثلاثَ رَجْفاتٍ، فيُخْرِجُ الله ُ كلَّ كافِرٍ وَمُنَافِق». الوَجْهُ الثامِنُ: أَنهُ مُخالِفٌ لإجْمَاعِ أَهْل ِ العِلمِ مِنَ الصَّحَابةِ وَالتابعِيْنَ فمَنْ بَعْدَهُمْ، مِمَّنْ كفرُوْا مَن ِ ارْتكبَ ناقِضًا مِنْ نوَاقِض ِ الإسْلامِ، أَوِ ارْتدَّ عَنْهُ، مِنْ أَهْل ِ الجزِيْرَةِ كانَ، أَمْ مِنْ غيْرِهَا، دُوْنَ مُرَاعَاةِ ضَابطِ القبوْرِيِّيْنَ الفاسِد. الوَجْهُ التّاسِعُ: مُخالفتهُ أَيْضًا وَمُنَاقضَتهُ، لِفِعْل ِ كثِيْرٍ مِنْ هَؤُلاءِ القبوْرِيِّيْنَ، في تَكفِيْرِهِمْ جَمَاعَاتٍ مِنْ أَهْل ِ الجزِيْرَةِ، وَقِتَالهِمْ

стр. 184

لهمْ، مَعَ كوْنِهمْ دَاخِلِيْنَ في بشَارَةِ النَّبيِّ ﷺ التي زَعَمُوْهَا بخلوِّ الجزِيْرَةِ مِنَ المشْرِكِين. وَمِنْ ذلِك َ: تَكفِيْرُهُمْ لِلشَّيْخِ الإمَامِ مُحَمَّدِ بْن ِ عَبْدِ الوَهّابِ وَمَنْ ناصَرَهُ وَآزَرَهُ ﵏ ُ، مُحْتَجِّيْنَ بأَنهُمْ خَوَارِجُ! أَوْ نوَاصِبُ! أَوْ مُبْغِضِيْنَ لِلنَّبيِّ ﷺ ! أَوْ مُنْتَقِصِيْنَ لهُ، وَهَلمَّ جَرًّا لأَكاذِيْبهْم. وَمِنَ المعْلوْمِ: أَنَّ الشَّيْخَ مُحَمَّدًا ﵀ ُ وَمَنْ كانَ مَعَهُ، كانوْا في قلبِ الجزِيْرَةِ، وَلم يَكنْ نصِيْبُهُمْ مِنْ تِلك َ البشَارَةِ المزْعُوْمَةِ، كنَصِيْبِ أُوْلئِك َ! فمَا بَالُ البشارَةِ تَجَنبتهُمْ، وَلمْ يَنَالوْا مِنْهَا شَيْئًا غيْرَ التَّكفِيْرِ وَالتَّضْلِيْل ِ، وَخَالفتْهُمْ لِيَدْخُلَ فِيْهَا أَرْبابُ الشِّرْكِ وَالتَّعْطِيْل؟! وَمَا كانَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ ضَالا ًّ أَوْ دَاعِيَة ً إلىَ ضَلال ٍ، وَلمْ يَدْعُ النّاسَ لِشَيْءٍ قط، لمْ يَدْعُهُمْ إليْهِ أَنبيَاءُ اللهِ وَرُسُلهُ وَأَئِمَّة ُ الإسْلام. وَإنمَا دَعَاهُمْ بمَا عَرَفتْهُ الأُمَّة ُ في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نبيِّهِ ﷺ ، وَأَجْمَعَ عَليْهِ الصَّحَابة ُ وَالتّابعُوْنَ بَعْدَهُمْ وَأَئِمَّة ُ الإسْلام. وَخُلاصَة ُ دَعْوَتِهِ: أَنَّ العِبَادَة َ للهِ وَحْدَهُ، وَأَنْ لا يُصْرَفَ شَيْءٌ مِنْ حَقِّ اللهِ لِغيْرِ اللهِ، وَلا يُتَعَبَّدَ الله ُ بشَيْءٍ إلا َّ بمَا شَرَع. وَمَدَارُ دَعْوَتِهِ ﵀ ُ، وَدَعْوَةِ مُنَاصِرِيْهِ: عَلى ذلِك َ، حَتَّى ظهَرَ لِلنّاس ِ صَفاؤُهَا، وَصَلاحُهَا، وَظهَرَ لهمْ عَوَارُ وَكذِبُ أَعْدَائِهَا وَزُوْرُهُمْ وُبهْتَانهُمْ ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ *

стр. 185

الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾. الوَجْهُ العَاشِرُ: إخْبَارُ النَّبيِّ ﷺ بضَعْفِ الإسْلامِ آخِرَ الزَّمَان ِ، وَقِلتِهِ وَانْحِسَارِهِ، حَتَّى لا يُقالَ في الأَرْض ِ «الله َ الله َ»، وَأَنَّ الإيْمَانَ يَأْرِزُ إلىَ المدِيْنَةِ كمَا تأْرِزُ الحية ُ إلىَ جُحْرِهَا. حَتَّى يَبْلغَ الحالُ باِلمسْلِمِيْنَ لِضَعْفِهمْ: أَنْ ينقضَ الأَسْوَدُ ذو السُّوَيْقتيْن ِ الكعْبَة َ حَجَرًا حَجَرًا، لا يَجِدُ مَنْ يَمْنعُهُ وَلا مَنْ يَدْفعُه. وَفي هَذَا أَحَادِيْثُ في الصِّحَاحِ وَالمسَانِيْدِ، مِنْهَا: * مَا رَوَاهُ أَنسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تقوْمُ السّاعَة ُ حَتَّى لا يُقالَ في الأَرْض ِ: الله َ الله» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (١٤٨). * وَرَوَى البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٨٧٦) وَمُسْلِمٌ (١٤٧) عَنْ أبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الإيْمَانَ ليَأْرِزُ إلىَ المدِيْنَةِ، كمَا تأْرِزُ الحية ُ إلىَ جُحْرِهَا». * وَعَنْ أبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «يُخْرِبُ الكعْبَة

стр. 186

َ ذو السُّوَيْقتَيْن ِ مِنَ الحبشة» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٥٩١)، (١٥٩٦) وَمُسْلِم (٢٩٠٩). * وَفي رِوَايةٍ لأَحْمَدَ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٢٢٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِ عَمْرٍو رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يقوْلُ: «يُخْرِبُ الكعْبَة َ ذو السُّوَيْقتيْن ِ مِنَ الحبشةِ، وَيسْلبهَا حِليتهَا، وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، وَلكأَني أَنظرُ إليْهِ أُصَيْلِعُ أُفيْدِعُ يَضْرِبُ عَليْهَا بمِسْحاتهِ وَمِعْوَلِه». الوَجْهُ الحادِي عَشَرَ: أَنهُ مُخالِفٌ لإجْمَاعِ أَهْل ِ العِلمِ، عَلى جَوَازِ طرُوْءِ الكفرِ وَالشِّرْكِ عَلى كلِّ مُكلفٍ إلا َّ الأَنبيَاءَ، فهُمْ مَخْصُوْصُوْنَ بعِصْمَةِ اللهِ لهمْ مِنْ ذلِك َ كله. وَلمْ يَسْتثن ِ أَهْلُ العِلمِ أَهْلَ الجزِيْرَةِ مِنْ هَذِهِ الأَحْكامِ، بَلْ هُمْ دَاخِلوْنَ فِيْهَا بلا رَيْبٍ، وَمَا قدَّمْنَاهُ في الوَجْهِ الثالِثِ وَالرّابعِ وَالخامِس ِ، مِنَ ارْتدَادِ أَحْيَاءٍ مِنَ العَرَبِ زَمَنَ أَبي بَكرٍ الصِّدِّيق ِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَارْتِدَادِ جَمَاعَةٍ آخَرِيْنَ مِنْ أَهْل ِ الجزِيْرَةِ، بإيْمَانِهمْ بمُسَيْلِمَة َ الكذّابِ، وَارْتِدَادِ آخَرِيْنَ بتأْلِيْههمْ عَليًّا رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَهُمْ جَمِيْعًا مِنْ أَهْل ِ الجزِيْرَةِ: يدُلُّ عَلى ذلِك َ أَيْضًا. هَذِهِ أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا، كلُّ وَجْهٍ مِنْهَا يُسْقِط ُ تَأْوِيْلَ أُوْلئِك َ المبْطِلِيْنَ بحمْدِ الله. فصل أَمّا اسْتِدْلالُ هَؤُلاءِ المبْطِلِيْنَ، عَلى صِحَّةِ أَعْمَالهِمُ الشِّرْكِيَّةِ ، بقوْلِهِ ﷺ : «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلكِنْ في التَّحْرِيْش ِ بَيْنَهُمْ»: فاسْتِدْلالٌ بَاطِلٌ في غيْرِ مَحَلهِ وَلا مَكانِه، وَجَوَابهُ مِنْ وُجُوْهٍ أَيضًا:

стр. 187

الوَجْهُ الأَوَّلُ: أَنَّ يَأْسَ المخْلوْق ِ- أَيا كانَ، وَلوْ كانَ صَالِحًا فضْلا ً عَنْ غيرِهِ -: لا يدُلُّ عَلى انتِفاءِ مَا يئِسَ مِنْهُ، بَلْ رُبمَا كانَ مَا يئِسَ مِنْهُ أَقرَبَ إليْهِ مِنْ شِرَاكِ نعْلِهِ، قالَ سُبْحَانهُ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. فيَأْسُ الرُّسُل ِ لمْ يَكنْ صَحِيْحًا في حَقِيْقةِ الأَمْرِ مِنَ الميْؤُوْس ِ مِنْهُ، بَلْ كانَ قرْبُ الميْؤُوْس ِ مِنْهُ شَدِيْدًا، لكِنْ لِخفاءِ ذلِك َ عَنْهُمْ ظنُّوْا مَا ظنُّوْا. وَهَذَا مِنْ قصُوْرِ البشرِ، وَعَدَمِ عِلمِهمْ باِلغيْبِ إلا َّ مَا أَظهَرَهُمُ الله ُ عَليْهِ: رَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٤/ ١١ - ١٢) وَأَبوْ دَاوُوْدَ الطيالِسِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (ص١٤٧) (١٠٩٢) وَابْنُ مَاجَهْ في «سُننِهِ» (١٨١) كلهُمْ مِنْ طرِيْق ِ حَمّادِ بْن ِسَلمَة َ عَنْ يَعْلى بْن ِ عَطاءٍ عَنْ وَكِيْعِ بْن ِ عُدُس ٍ عَنْ عَمِّهِ أبي رَزِيْن ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «ضَحِك َ رَبنا مِنْ قنوْطِ عِبَادِهِ، وَقرْبِ غِيَرِه». وَالقنوْط ُ: اليأْسُ. والغِيَرُ: سُقيا اللهِ لِعِبَادِهِ باِلأَمْطار. فلمّا كانَ العِبَادُ لا يرَوْنَ فرَجًا قرِيْبًا، وَيئسُوْا مِنْ فرَجهمْ وَقنِطوْا، وَكانَ فرَجُهُمْ في الحقِيْقةِ قرِيبا: كانَ ذلِك َ مُوْجِبًا لِضَحِكِ الرَّحْمَن ِ جَلَّ وَعَلا.

стр. 188

لهِذَا جَاءَ في رِوَايةٍ لأَحْمَدَ في «مُسْنَدِهِ» (٤/ ١٣) وَابْن ِخُزَيْمَة َ في «التَّوْحِيْدِ» (٢/ ٤٦٠ - ٤٧٠) (٢٧١) والحاكِمِ في «مُسْتَدْرَكِهِ» (٤/ ٥٦١) زَادُوْا: «يُشْرِفُ عَليْكمْ أَزِلِيْنَ مُشْفِقِيْنَ، فظلَّ يَضْحَك ُ، وَقدْ عَلِمَ أَنَّ فرَجَكمْ قرِيْبٌ». فيَأْسُ المخلوْق ِ لا ينفِي تَحَققَ الميْؤُوْس ِ مِنْهُ وَحُصُوْله. بَلْ رُبمَا كانَ ذلِك َ الميْؤُوْسُ مِنْهُ قرِيبا، كمَا في «آيةِ يُوْسُفَ» وَ «حَدِيْثِ أَبي رَزِيْن ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ»، وَقدْ تقدَّما. فيَأْسُ الشَّيْطان ِ لا يدُلُّ عَلى انتِفاءِ مَا يَئِسَ مِنْهُ، لأَنَّ ذلِك َ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوْبِ الغيْبِ، وَقدْ خَفِيَ عَنْهُ كمَا تقدَّم. وَإنمَا يدُلُّ عَلى انتِشَارِ الخيرِ في ذلِك َ الزَّمَان ِ، حَتَّى ظنَّ الشَّيْطانُ - لِكثْرَةِ مَا يرَاهُ مِنَ الخيرِ وَانتِشَارِ الحقِّ وَالهدَى، وَظهُوْرِ أَهْلِهِ-: أَنْ لا يُضِلَّ أَحَدًا مِنَ المؤْمِنِينَ في جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَلا يُعْبَدُ فِيْهَا شَيءٌ غيرَ اللهِ . الوَجْهُ الثّانِي: تقدَّمَ ذِكرُهُ في الوَجْهِ الثّانِي عَلى الحدِيْثِ السّابق ِ «لا يَجْتَمِعُ دِيْنَان ِ في جَزِيْرَةِ العَرَب». وَالوَجْهُ الثالِثُ: تقدَّمَ ذِكرُهُ في الوَجْهِ الثالِث (ص٢٠٥). وَالوَجْهُ الرّابعُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ الرّابع (ص٢٠٥). وَالوَجْهُ الخامِسُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ الخامِس (ص٢٠٥). وَالوَجْهُ السّادِسُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ السّابع (ص٢٠٦).

стр. 189

وَالوَجْهُ السّابعُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ الثامِن (ص٢٠٦). وَالوَجْهُ الثامِنُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ التّاسِع (ص٢٠٦ - ٢٠٨). وَالوَجْهُ التّاسِعُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ العَاشِر (ص٢٠٨ - ٢٠٩). وَالوَجْهُ العَاشِرُ: تقدَّمَ في الوَجْهِ الحادِي عَشر (ص٢٠٩). هَذِهِ عَشَرَة ُ وُجُوْهٍ في إبْطال ِ اسْتِدْلال ِ القبوْرِيينَ بحدِيْثِ «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أَيسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلوْنَ في جَزِيْرَةِ العَرَب». وَتقدَّمَ قبْلهَا أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا في إبْطال ِ اسْتِدْلالهِمْ بحدِيْثِ «لا يَجْتَمِعُ دِينان ِ في جَزِيرَةِ العَرَب». وَالحاصِلُ: أَنهُ لا يَصِحُّ لهمْ دَلِيْلٌ في هَذِهِ المسْأَلةِ، وَكلُّ مَا اسْتَدَلوْا بهِ لا حُجَّة َ لهمْ فِيْهِ إجْمَاعًا، كمَا تقدَّم. وَشُذُوْذهُمْ في الاسْتِدْلال ِ بهَذَيْن ِ الدَّليْليْن ِ عَلى تِلك َ المسْأَلةِ، كشذُوْذِهِمْ في اسْتِدْلالهِمْ في مَسَائِل ِ تَوْحِيْدِ العِبَادَة: فإمّا دَلِيْلٌ صَحِيْحٌ: حَرَّفوْهُ لِيَسْتَقِيْمَ بهِ لهمُ اسْتِدْلالهمْ. أَوْ دَلِيْلٌ ضَعِيْفٌ أَوْ مَوْضُوْعٌ، لا يَصِحُّ أَوْ لا أَصْلَ له. وَالقوْمُ ليْسَ لهمْ زِمَامٌ مِنْ نقل ٍ، وَلا خِطامٌ مِنْ عقل.

стр. 190

فصل في بيان ِ أَنَّ دُعَاءَ الأَمْوَاتِ وَالاسْتِغاثة َ بهمْ، وَالذَّبْحَ والنذْرَ لهمْ: شِرْك ٌ أَكبَرُ مُخْرِجٌ مِنَ الملةِ، مِنْ جِنْس ِ شِرْكِ الجاهِلِيِّيْنَ، بَلْ هُوَ أَعْظمُ مِنْه قدْ بيَّنّا في فصُوْل ٍ كثِيْرَةٍ تقدَّمَتْ، حُكمَ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ، وَأَنهَا صَلاة ٌ باطِلة ٌ مُحَرَّمة ٌ غيْرُ صَحِيْحَةٍ، وَفاعِلهَا ليْسَ لهُ مِنْهَا إلا َّ الإثمُ العَظِيْمُ وَالوِزْرُ الكبيْرُ، وَلا تسْقط ُ عَنْهُ الصَّلاة ُ بفِعْلِهَا في ذلِك َ المكان ِ المحَرَّمِ، ولا تبْرَأُ ذِمَّتُه. غيْرَ أَنَّ مَا يَفعَلهُ كثِيْرٌ مِنَ المصَلينَ عِنْدَ القبوْرِ وَالمقابرِ: أَعْظمُ بكثِيْرٍ مِنْ مُجَرَّدِ حُرْمَةِ تِلك َ الصَّلاةِ وَبُطلانِهَا. فقدْ تَعَلقَ كثِيرٌ مِنْ هَؤُلاءِ بأَصْحَابِ القبوْرِ، وَزَعَمُوْا لهمْ كرَامَاتٍ وَأُعْطِيَاتٍ وَهِبَاتٍ وَمَنْزِلة ً عِنْدَ اللهِ، لِذَا فقدِ اتَّخذُوْا دُعَاءَهُمْ وَسِيْلة ً إليْهِ، وَالاسْتِغاثة َ بهمْ طرِيْقا إلىَ الاسْتِغاثةِ بهِ، كمَا فعَلَ سَابقوْهُمْ مِنَ المشْرِكِينَ، باِلملائِكةِ وَالنَّبيِّينَ وَجَمَاعَاتٍ مِنَ الصّالحِينَ، صَوَّرُوْا صُوَرَهُمْ، وَجَعَلوْهَا أَصْنَامًا وَتَمَاثِيْلَ، وَدَعَوْهَا وَاسْتَغَاثوْا بهَا. وَكمَا فعَلتِ النَّصَارَى بعِيْسَى بْن ِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ الصِّدِّيْقةِ ﵉، قالَ سُبْحَانهُ -ذاكِرًا حُجَّة َ هَؤُلاءِ المشْرِكِينَ المتَقدِّمِينَ -:

стр. 191

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. وَقالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وَحُجَّة ُ هَؤُلاءِ المشْرِكِينَ: هِيَ حُجَّة ُ مُشْرِكِي زَمَانِنَا فِي مَعْبُوْدِيْهمْ، مِنَ الأَوْلِيَاءِ وَالصّالحِينَ وَغيرِهِمْ مِنْ ضَالينَ وَمُسْلِمِين. غيرَ أَنَّ مُتَقدِّمِيْهمْ مَثلوْا صُوَرَ الصّالحِينَ بأَحْجَارٍ وَطِين ٍ وَتَمْرٍ وَغيرِهِ، وَجَعَلوْهَا أَصْنَامًا تُذَكرُهُمْ إياهُمْ. وَمُشْرِكو زَمَانِنَا: جَعَلوْا القبوْرَ وَالأَضْرِحَة َ وَالقِبَابَ مَكانَ الأَصْنَامِ، وَأَقامُوْا عَليْهَا مَعَابدَهُمُ الشِّرْكِيَّة َ، وَسَمَّوْهَا مَشَاهِدَ، وَليْسَتْ بمسَاجِدَ، وَإنْ شَابَهَتْ بناءَهَا، وَ ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾. وَقدْ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ: أَنَّ هَؤُلاءِ المشْرِكِينَ المتَأَخِّرِيْنَ، يُعَظمُوْنَ مَشَاهِدَهُمْ أَكثرَ مِنْ مَسَاجِدِهِمْ! وَتقدِّمُ جَمَاعَاتٌ كثِيرة ٌ مِنْهُمْ حَجَّهَا، عَلى حَجِّ بَيْتِ رَبِّهَا!

стр. 192

وَقدْ بَذَلوْا فِي عِمَارَتِهَا الأَمْوَالَ، وَزَيَّنُوْهَا باِلذَّهَبِ وَالحرِيْرِ وَأَمَدُّوْهَا بأَيدِي الرِّجَال. أَمّا مَسَاجِدُهُمْ: فهيَ خَالِيَة ٌ مِنَ المصَلينَ، مُعَطلة ٌ مِنْ ذلِك َ كله. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ في «رَدِّهِ عَلى البَكرِيِّ» (٢/ ٦٧٣ - ٦٧٤): (وَكثِيرٌ مِنْ هَؤُلاءِ يُخْرِبُوْنَ المسَاجِدَ، وَيَعْمُرُوْنَ المشَاهِدَ! فتجِدُ المسْجِدَ الذِي بُنِيَ لِلصَّلوَاتِ الخمْس ِ: مُعَطلا ً مُخْرَبًا ليْسَ لهُ كسْوَة ٌ إلا َّ مِنَ النّاس ِ، وَكأَنهُ خَانٌ مِنَ الخانات! وَالمشْهَدَ الذِي بُنِيَ عَلى الميِّتِ: عَليْهِ السُّتُوْرُ، وَزِيْنَة ُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالرُّخَامُ؛ وَالنُّذُوْرُ تَغْدُوْ وَتَرُوْحُ إليْه! فهَلْ هَذَا إلا َّ مِنَ اسْتِخْفافِهمْ باِللهِ تَعَالىَ وَآياتِهِ وَرَسُوْلِهِ، وَتَعْظِيْمِهمْ لِلشِّرْك؟! فإنهُمْ اعْتقدُوْا أَنَّ دُعَاءَ الميِّتِ -الذِي بُنِيَ لهُ المشْهَدُ- وَالاسْتِغاثة َبهِ: أَنفعُ لهمْ مِنْ دُعَاءِ اللهِ تَعَالىَ، وَالاسْتِغاثةِ بهِ فِي البيْتِ الذِي بُنِيَ للهِ ! ففضَّلوْا البيْتَ الذِي بُنِيَ لِدُعَاءِ المخْلوْق ِ، عَلى البيْتِ الذِي بُنِيَ لِدُعَاءِ الخالِق! وَإذا كانَ لهِذَا وَقفٌ وَلهِذَا وَقفٌ: كانَ وَقفُ الشِّرْكِ أَعْظمَ عِنْدَهُمْ! مُضَاهَاة ً لِمُشْرِكِي العَرَبِ الذِيْنَ ذكرَ الله ُ تَعَالىَ حَالهُمْ فِي

стр. 193

قوْلِهِ تَعَالىَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. كمَا يَجْعَلوْنَ للهِ زَرْعًا وَمَاشِيَة ً، وَلآلِهَتِهمْ زَرْعًا وَمَاشِيَة ً، فإذا أُصِيْبَ نَصِيْبُ آلِهَتِهمْ: أَخَذُوْا مِنْ نَصِيْبِ اللهِ تَعَالىَ، فوَضَعُوْهُ فِيْهِ، وَقالوْا: «الله ُ غنِيٌّ، وَآلِهَتنا فقرَاءُ»! فيُفضِّلوْنَ مَا يُجْعَلُ لِغيرِ اللهِ تَعَالىَ عَلى مَا يُجْعَلُ للهِ تَعَالىَ! وَهَكذَا الوُقوْفُ وَالنُّذُوْرُ التي تُبْذَلُ عِنْدَهُمْ لِلمَشاهِدِ أَعْظمُ عِنْدَهُمْ مِمّا تُبْذَلُ لِلمَسَاجِدِ وَلِعِمَارَةِ المسَاجِدِ وَلِلجهادِ فِي سَبيْل ِ اللهِ تَعَالىَ) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ ﵀. وَأَعْرِفُ بَعْضَ وَزَارَاتِ الشُّؤُوْن ِ الإسْلامِيَّةِ فِي بَعْض ِ بلادِ المسْلِمِينَ، مِمَّن ِ ابتلوْا بهَذِهِ الأَوْثان ِ وَعبّادِهَا: مَنْ تَجْمَعُ الأَمْوَالَ مِنْ بَيْتِ المال ِ، وَمِنَ المتصَدِّقِينَ لِبناءِ المسَاجِدِ، ثمَّ تنفِقهَا عَلى بناءِ المشَاهِدِ المعَابدِ الوَثنِيَّةِ! وَالقِبَابِ وَتَشْييْدِ الأَضْرِحَةِ! وَتزْيينِهَا! وَإقامَةِ القيِّمِينَ عَليْهَا! أَمّا المسَاجِدُ الخالِيَة ُ مِنَ القبوْرِ: فليْسَ لها نَصِيْبٌ مِنْ ذلِك َ! فتجِدُهَا مُهْمَلة ً دُوْنَ عِنَايةٍ وَلا رِعايةٍ! فإذا طلبَ عُمّارُهَا شَيْئًا مِنْ تِلك َ الوَزَارَاتِ لِعِمَارَتِهَا أَوْ كِسْوَتِهَا: اعْتَذَرُوْا لهمْ بقِلةِ ذاتِ اليدِ!

стр. 194

وَضَعْفِ الموَارِدِ! فسُبْحَانَ مَنْ نزَّهَ مَسَاجِدَهُ مِنْ أُوْلئِك َ المشْرِكِينَ، وَأَبْعَدَهُمْ عَنْهَا وَعَنْ عِمَارَتِهَا إلىَ مَشَاهِدِهِمْ وَمَعَابدِهِمْ، كمَا قالَ سُبْحَانهُ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾. وَقدْ قالَ جَمَاعَة ٌ مِنْهُمْ - مِنَ المنتسِبينَ إلىَ يُوْنس ِ بْن ِ يُوْسُفَ القنييِّ (ت٦١٩هـ) أَحَدِ الضُّلال ِ- قالوْا: تعالوْا نخرِبُ الجامِعْ ... وَنجْعَلُ فِيْهِ خمّارَهْ وَنكسِرُ خشبة َ المنبرْ ... وَنجْعَلُ مِنْهُ طِنبارَهْ وَنخرِقُ وَرْقة َ المصْحَفْ ... وَنجْعَلُ مِنْهُ زُمّارَهْ وَننتِفُ لِحْية َ القاضِي ... وَنجْعلُ مِنْهَا أَوْتارَهْ وَشَيْخهُمْ هَذَا يُوْنسُ بْنُ يُوْسُفَ القنييّ (ت٦١٩هـ)، كانَ ضَالا ًّ، لهُ أَبياتٌ خَبيْثة ٌ كأَبياتهمْ، وَصَوْتٌ مُنْكرٌ كأَصْوَاتِهمْ. وَكانتْ لهُ مَخَارِيْقُ شَيْطانِيَّة ٌ، وَأَحْوَالٌ إبْلِيْسِيَّة ٌ، جَعَلهُ لأَجْلِهَا بَعْضُ مَنْ لمْ يَعْرِفْ أَوْلِيَاءَ الرَّحْمَن ِ وَلِيًّا للهِ! كيُوْسُفِ بْن ِ إسْمَاعِيْلَ النَّبْهَانِيِّ (ت١٣٥٠هـ)، فإنهُ عَدَّهُ وَلِيًّا مِنَ الأَوْلِيَاءِ الصّالحِينَ! ذوَي الكرَامَاتِ! في كِتَابهِ - مَجْمَعِ الأَحْوَال ِ الشَّيْطانِيَّةِ، وَالخزَعْبلاتِ البُهْتَانِيَّةِ - «الجامِعِ لِكرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ» (٢/ ٢٩٦).

стр. 195

إلا َّ أَنهُ ذكرَ شيْئًا قلِيْلا ًمِنْ كرَامَاتِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابةِ وَالتابعِينَ قدْ ثبتتْ وَصَحَّتْ، غيرَ أَنَّ سَوَادَهُ الأَغلبَ أَسْوَدُ! وَأَكثرَ مَا سَاقهُ لا يُحْمَدُ لهُ وَلا يُوْجَد! فصل وَقدْ حَرَّمَ الله ُ تَعَالىَ الإشْرَاك َبهِ، وَجَعَلهُ ذنبًا عَظِيْمًا يُحْبط ُ الأَعْمَالَ، وَيَؤُوْلُ بصَاحِبهِ إلىَ النارِ خالِدًا فِيْهَا وَبئْسَ المآلُ، قالَ سُبْحَانهُ: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾. وَقالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾. وَقالَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾. وَقالَ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾. وَقالَ سُبْحَانهُ - بَعْدَ أَنْ ذكرَ جُمْلة ً مِنْ أَنبيَائِهِ الكِرَامِ، إبْرَاهِيْمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقوْبَ وَدَاوُوْدَ وَسُليْمَانَ وَأَيوْبَ وَيُوْسُفَ وَمُوْسَى وَهَارُوْنَ وَزَكرِيّا وَيَحْيَى وَعِيْسَى وَيوْنسَ وَلوْطا قالَ -: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ثمَّ قالَ: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 196

وَقالَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. وَمَنْ دَعَى غيْرَ اللهِ أَوِ اسْتغاثَ بهِ فِيْمَا لا يَقدِرُ عَليْهِ إلا َّ هُوَ سُبْحَانهُ، أَوْ ذبحَ أَوْ نذَرَ لهُ: كانَ مُشْرِكا كافِرًا، لا يَقبَلُ الله ُ مِنْهُ صَرْفا وَلا عَدْلا ً. سَوَاءٌ كانَ ذلِك َ المدْعُوُّ المسْتغاثُ بهِ، أَوِ المذْبوْحُ المنْذُوْرُ لِوَجْههِ: نبيًّا كرِيْمًا، أَوْ مَلكا مُقرَّبًا، أَوْ وَلِيًا صَالحا أَوْ غيرَ ذلِك. وَإذا كانَ هَذَا حَالَ مَنْ دَعَى هَؤُلاءِ الكِرَامَ، فكيْفَ بحال ِ مَنْ دَعَى غيرَهُمْ مِنَ الزَّنادِقةِ وَالملحِدِينَ وَغيرِهِمْ مِنَ سَائِرِ اللئام؟! ثمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الصّالحِينَ المعْبُوْدِيْنَ، مَلائِكة ً وَنبيِّينَ وَأَوْلِيَاءَ صَالحِينَ: يتبَرَّؤُوْنَ يوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أُوْلئِك َ المشْرِكِينَ وَشِرْكِهمْ، وَيَعُوْذُوْنَ باِللهِ رَبِّهمْ مِنْ أَفعَالهِمْ تِلك َ وَشَرِّهِمْ. قالَ سُبْحَانهُ - مُبيِّنًا حَالَ الملائِكةِ مَعَ دَاعِيْهمْ وَعَابدِيْهمْ يَوْمَ القِيَامَةِ-: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. وَقوْلهُ تَعَالىَ ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾: لأَنهَا هِيَ التي وَسْوَسَتْ إليْهمْ بذَلِك َ، وَزَينتهُ لهمْ، فكانتْ تتلبَّسُ باِلأَصْنَامِ وَتدَاخِلهَا وَتخاطِبُهُمْ أَحْيَانا، وَتَقضِي لهمْ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِهمْ، حَتَّى أَضَلتْهُمْ بذَلِك َ، وَزَيَّنَتْ لهمْ سُلوْك َ تِلك َ المهَالِكِ، وَسَنُبَيِّنُ - بمَشِيْئَةِ اللهِ - فِي فصُوْل ٍ قادِمةٍ (ص٢٥٩ - ٣٠٦) بَعْضَ تِلك َ المكائِدِ، وَشَيْئًا مِنْ تِلك

стр. 197

َالمرَاصِدِ وَالمصَائِد. وَقالَ سُبْحَانهُ مُبيِّنًا حَالَ عِيْسَى بْن ِ مَرْيَمَ الصِّدِّيْقةِ ﵉ مَعَ مَنْ دَعَاهُمَا وَعَبَدَهُمَا يَوْمَ القِيَامَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾. وَقالَ تَعَالىَ مُبيِّنًا حَالَ جَمِيْعِ مَنْ عُبدَ مِنْ دُوْنِهِ سُبْحَانهُ وَدُعِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ عَابدِيْهِ وَدَاعِيْهِ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. وَقالَ : ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. وَفِي قوْلِهِ سُبْحَانهُ: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وَقوْلِهِ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾: دَلِيْلٌ عَلى أَنَّ تِلك َ الأَصْنَامَ، كانتْ تمَاثِيْلَ لِرِجَال ٍ صَالحِينَ مَعْبُوْدِيْنَ، أَنبيَاءٍ وَمَلائِكةٍ، وَعُلمَاءٍ بغيرِ أَمْرِهِمْ وَلا عِلمِهمْ وَلا رِضَاهُمْ. وَلمْ تكنْ أَحْجَارًا مُجَرَّدَة ً، يَعْبُدُوْنهَا دُوْنَ تَأْوِيْل ٍوَلا تَعْلِيْل ٍ، بَلْ كانتْ لهمْ حُجَّتُهُمْ هَذِهِ الفاسِدَة ُ، لهِذَا تبَرَّأَ هَؤُلاءِ الصّالحِوْنَ مِنْ

стр. 198

عَابدِيْهمْ، كمَا فِي آيةِ سَبَإ وَالمائِدَةِ حِينَ تبرَّأَ عِيْسَى بْنُ مَرْيَمَ وَالملائِكة ُمِنْ عَابدِيْهمْ. فصل وَكمَا تفرَّدَ الله ُ بأَسْمَائِهِ وَصِفاتِهِ الكمَالِيَّةِ، فلا شَبيْهَ لهُ سُبْحَانهُ، وَلا مَثِيْلَ وَلا نِدَّ، لهُ الأَسْمَاءُ الحسْنَى وَالصِّفاتُ العُلى. وَكمَا تفرَّدَ جَلَّ وَعَلا بأَفعَال ِ الرُّبوْبيَّةِ، فلا خَالِقَ إلا َّ هُوَ، وَلا رَازِقَ وَلا مُحْييَ وَلا مُمِيْتَ غيْرُهُ، لهُ الخلقُ كلهُ، وَهُوَ الرَّبُّ سُبْحَانهُ وَحْدَه. فكمَا تفرَّدَ سُبْحَانهُ بذَلِك َ كلهِ: تفرَّدَ جَلَّ وَعَلا باِلأُلوْهِيَّةِ وَالعِبَادَةِ مِنْ دُعَاءٍ، وَاسْتِغاثةٍ، وَذبْحٍ، وَنذْرٍ، وَحَجٍّ، وَصِيَامٍ، وَصَلاةٍ، وَزَكاةٍ وَجِهَادٍ، وَغيْرِ ذلِك َ مِنْ سَائِرِ أَفعَال ِ العِبَادِ لِرَبِّ العِبَاد. فلا يُسْجَدُ لأَحَدٍ سِوَاهُ، وَلا يُصَلى إلا َّ لهُ، وَلا يُدْعَى إلا َّ هُوَ، وَلا يُسْتَغاثُ إلا َّ بهِ، وَلا يُنْذَرُ أَوْ يُذْبحُ لِغيْرِهِ، لا شَرِيْك َ لهُ فِي ذلِك َ مِنْ خَلقِهِ، وَلا نِدَّ لهُ مِنْ برِيتِه. بَعَثَ أَنبيَاءَهُ إلىَ عِبَادِهِ لِيَعْبُدُوْهُ وَحْدَهُ وَيُوَحِّدُوْهُ، لا أَنْ يُشَارِكوْهُ فِي عِبَادَتِهِ وَيُمَاثِلوْهُ، قالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ

стр. 199

اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. فصل وَلمْ يَكن ِ المشْرِكوْنَ مُشْرِكِينَ فِي تَوْحِيْدِ الرُّبوْبيَّةِ، وَإنمَا كانَ شِرْكهُمْ وَكفرُهُمْ فِي تَوْحِيْدِ العِبَادَة. أَمّا تَوْحِيْدُ الرُّبوْبيَّةِ: فقدْ كانَ مُسْتقِرًّا عِنْدَهُمْ مُسَلمًا بَيْنَهُمْ، لا يُنَازِعُوْنَ فِيْهِ، لِذَا أَلزَمَهُمُ الله ُ وَحَجَّهُمْ بإيمَانِهمْ وَإقرَارِهِمْ باِلأَوَّل ِ (وَهُوَ الرُّبوْبيَّة ُ) عَلى تَوْحِيْدِهِ فِي الثانِي (وَهُوَ الأُلوْهِيَّة ُ)، فقالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وَقالَ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. وَقالَ: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. وَقالَ: ﴿رَبُّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ

стр. 200

يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾. وَقالَ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾. فمَا دَعَى المشْرِكوْنَ الأَوَائِلُ الأَصْنَامَ وَاسْتَغاثوْا بهَا، إلا َّ توَسُّطا وَتَشَفعًا بأَصْحَابهَا، وَمَنْ صُوِّرَتْ عَلى صُوَرِهِمْ، مِنَ الملائِكةِ وَالأَنبيَاءِ وَالصّالحِينَ، قالَ سُبْحَانهُ: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ

стр. 201

الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾. فبيَّنَ سُبْحَانهُ: أَنَّ أُوْلئِك َ المدْعُوِّينَ هُمْ مِنْ عِبَادِهِ الصّالحِينَ المحْتَاجِينَ إليْهِ، لا يَمْلِكوْنَ لأَنفسِهمْ نفعًا وَلا ضَرًّا. وَإنمَا يبْتَغوْنَ إلىَ رَبِّهمُ الوَسِيْلة َباِلأَعْمَال ِ الصّالحِةِ، عَسَى أَنْ ينالوْا بهَا رَحْمَتَهُ، وَأَنْ يَنْجُوْا بهَا مِنْ عَذَابهِ، فكيْفَ يُدْعَوْنَ مِنْ دُوْنِهِ! وَكأَنهُمْ يَمْلِكوْنَ مِنَ الأَمْرِ شَيْئًا؟! وَقدْ قالَ سُبْحَانهُ لِنبيِّهِ وَخَلِيْلِهِ وَصَفوَتِهِ مِنْ خَلقِهِ، وَأَفضَل ِ عِبَادِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فكيْفَ بمَنْ دُوْنه؟! وَقالَ سُبْحَانهُ لِنبيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ لمّا أَلحَّ وَاجْتَهَدَ فِي هِدَايةِ عَمِّهِ أَبي طالِبٍ، وَعَظمَ عَليْهِ مَوْتهُ دُوْنَ تَوْحِيْدٍ وَلا شَهَادَةٍ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. فهَذَا حَالُ سَيِّدِ وَلدِ آدَمَ ﷺ وَأَكرَمِ نبيٍّ عِنْدَ اللهِ، وَأَحَبِّهمْ إليْهِ، وَأَعْظمِهمْ مَنْزِلة ً عِنْدَهُ، وَأَقرَبهمْ مَكانا مِنْهُ، فكيْفَ بمَنْ دُوْنهُ ﷺ ؟! وَهَذَا حَالهُ ﷺ مَعَ مَنْ رَغِبَ هُوَ فِي هِدَايتِهِ، وَأَلحَّ فِي طلبهَا لهُ فِي حَيَاتِهِ، فكيْفَ بمَنْ يَتَوَسَّلُ إليْهِ وَيَدْعُوْهُ هُوَ ﷺ بَعْدَ مَوْتِه؟!

стр. 202

وَلمّا طلبَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ رَبيْعَةِ بْن ِمَالِكٍ الأَسْلمِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنْ يَسْأَلهُ حَاجَتَهُ، وَكانَ قدْ خَدَمَهُ بضْعَ سِنِينَ، قالَ لهُ رَبيْعة ُ: أَسْأَلك َ مُرَافقتَك َ فِي الجنَّة. فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «أَوَ غيرَ ذلِك؟». فقالَ رَبيْعة ُ: هُوَ ذاك. فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «فأَعِنِّي عَلى نفسِك َ بكثرَةِ السُّجُوْدِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (٤٨٩). وَالله ُ لمْ يَقبَلْ مِنَ المشْرِكِينَ تقرُّبهُمْ إليْهِ، وَاسْتِشْفاعَهُمْ باِلملائِكةِ وَالأَنبيَاءِ وَالصّالحِينَ عَليْهِ، بَلْ جَعَلَ أَفعَالهُمْ تِلك َ شِرْكا وَكفرًا بهِ، وَعِبَادَة ً لِغيرِهِ وَسِوَاهُ، لا قرْبة ً وَلا وَسِيْلة ً، وَلا شُفعَاءَ إليْهِ، وَابتِغاءَ رِضَاهُ، فلعَنهُمْ وَأَحْبَط َ أَعْمَالهُمْ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِنَ المقبُوْحِينَ وَفِي النّارِ مُخلدُوْنَ. قالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وَقالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾.

стр. 203

فصل وَبيَّنَ الله ُ عَدَمَ اسْتِحْقاق ِ غيرِهِ باِلدُّعاءِ وَسَائِرِ العِبَادَاتِ، لِضَعْفِهمْ وَكوْنِهمْ مَخْلوْقِينَ مِثلهُمْ، فقالَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وَقالَ: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وَقالَ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وَقالَ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾.

стр. 204

وَقالَ: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾. وَقالَ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وَقالَ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾. وَقالَ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَانظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾.

стр. 205

وَقالَ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١٩٢) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وَقالَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. وَقالَ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾. وَقالَ: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وَقالَ: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وَقالَ: ﴿رَبُّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً

стр. 206

أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾. وَقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. فصل وَبيَّنَ سُبْحَانهُ أَنهُ لا شَفاعَة َ لأَحَدٍ مِنْ خلقِهِ عِنْدَهُ إلا َّ بشَرْطين ِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْذنَ الله ُ لِلشّافِعِ فِي الشَّفاعَة. وَالثانِي: أَنْ يَرْضَى عَن ِ المشْفوْعِ فِيْهِ، كمَا فِي قوْلِهِ سُبْحَانهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. فالشَّرْط ُ الأَوَّلُ فِي قوْلِهِ سُبْحَانهُ ﴿إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وَمِثْلهُ: قوْلهُ تَعَالىَ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. وَالشَّرْط ُ الثانِي فِي قوْلِهِ سُبْحَانهُ: ﴿وَيَرْضَى﴾، وَمِثلهُ: قوْلهُ تَعَالىَ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. أَمّا المشْرِكوْنَ المسْتغِيْثوْنَ وَالدّاعُوْنَ غيرَ اللهِ: فلا نصِيْبَ لهمْ فِي شَفاعَةِ أَحَدٍ، وَلا يشفعُ فِيْهمْ أَحَدٌ وَلا يؤْذنُ لهُ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ

стр. 207

إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾. وَالظالِمُوْنَ هُنَا: المشْرِكوْنَ، كمَا فِي قوْلِهِ سُبْحَانهُ: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فمَنْ أَرَادَ أَنْ يشفعَ الله ُ فِيْهِ أَنبيَاءَهُ وَعِبَادَهُ الصّالحِينَ: فليَسْلك ْ طرِيْقَ الموَحِّدِيْنَ، فإنَّ الشَّفاعَة َ للهِ جَمِيْعًا، لا تَكوْنُ إلا َّ بإذنهِ لِلشّافِعِ، وَرِضَاهُ عَن ِ المشْفوْعِ، كمَا قالَ تَعَالىَ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وَمَنْ سَأَلها مِنَ الأَمْوَاتِ أَنبيَاءً وَصَالحِينَ، أَوْ مَلائِكة ً مُقرَّبينَ: كانَ حَالهُ كمَنْ قالَ الله ُ فِيْهمْ مِنَ المشْرِكِينَ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فصل وَلا شَك َّ أَنَّ دُعَاءَ الأَمْوَاتِ وَالاسْتِغاثة َ بهمْ: عِبَادَة ٌ لهمْ، وَهُوَ شِرْك ٌ أَكبَرُ مُخْرِجٌ مِنَ المِلةِ، مِنْ جِنْس ِ شِرْكِ الجاهِلِيِّينَ، وَإن ِ اخْتَلفَ المعْبُوْدُ وَمَكانُ العِبَادَةِ، وَزَمَانهُ، وَأَصْحَابه. قالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾.

стр. 208

قالَ شَيْخنا العَلامَة ُ المحَققُ صَالِحُ بْنُ فوْزَان ِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ الفوْزَانُ فِي «شَرْحِهِ لِكِتَابِ التَّوْحِيْدِ» (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: (وَفِي الآيةِ السّابقةِ فائِدَة ٌ عَظِيْمَة ٌ، وَهِيَ: أَنَّ الله َ سَمَّى الدُّعَاءَ عِبَادَة ً، فقالَ: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ لأَنهُ فِي أَوَّل ِ الآيةِ قالَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو﴾. وَإذا كانَ الدُّعَاءُ عِبَادَة ً، فصَرْفهُ لِغيرِ اللهِ شِرْك ٌ، كمَا فِي الآيةِ الأُخْرَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يَعْنِي: عَنْ دُعَائِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. فسَمَّى الدُّعَاءَ عِبَادَة ً، وَإذا كانَ الدُّعَاءُ عِبَادَة ً: فصَرْفهُ لِغيْرِ اللهِ شِرْك) اه كلامُ شَيْخِنَا الفوْزَان. وَالدُّعَاءُ عِبَادَة ٌ بلا شَك َّ، كمَا تقدَّمَ فِي الآيَتَين ِ السّابقتين ِ اللتين ِ ذكرَهُمَا الشَّيْخُ صَالِح. وَكمَا فِي: قوْلِهِ تَعَالىَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾. وَقوْلِهِ سُبْحَانهُ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾. وَقوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.

стр. 209

فجَعَلَ الله ُ فِي هَذِهِ الآياتِ كلهَا الدُّعَاءَ عِبَادَة ً، وَمَنْ صَرَفهُ لِغيرِهِ نبيٍّ، أَوْ مَلكٍ، أَوْ صَالِحٍ، أَوْ غيرِ ذلِك َ: مُشْرِكا كافِرًا. وَأَخْرَجَ الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» (٤/ ٢٧٦، ٢٧١، ٢٦٧) مِنْ حَدِيْثِ النُّعْمَان ِ بْن ِ بَشِيرٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقوْلُ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَة ُ، ثمَّ قرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾). وَرَوَاهُ: البُخارِيُّ فِي «الأَدَبِ المفرَدِ» (٧١٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» (٣٢٤٧) وَقالَ: (هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ)، وَأَبوْ دَاوُوْدَ فِي «سُننِهِ» (١٤٧٩)، وَالنَّسَائِيُّ فِي «سُننِهِ الكبرَى» (٦/ ٤٥٠)، وَابْنُ مَاجَهْ فِي «سُننِهِ» (٣٨٢٨)، وَابْنُ حِبّانَ فِي «صَحِيْحِهِ» (٨٩٠)، وَالحاكِمُ فِي «مُسْتَدْرَكِه» (١/ ٤٩٠ - ٤٩١). وَإسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، رِجَالهُ رِجَالُ الشَّيْخَين ِ، غيرَ يُسَيْعِ بْن ِ مَعْدَانَ الحضْرَمِيِّ الكوْفِيِّ، وَهُوَ ثِقة ٌ، وَثقهُ النَّسَائِيُّ وَجَمَاعَة. وَصَحَّحَ هَذَا الحدِيْثَ جَمَاعَة ٌ، مِنْهُمْ: التِّرْمِذِيُّ وَتقدَّمَ، وَابْنُ حِبّانَ، وَالحاكِمُ، وَالذَّهَبيُّ، وَالنَّوَوِيُّ فِي «الأَذكارِ». وَجَوَّدَ إسْنَادَهُ الحافِظ ُ ابنُ حَجَرٍ فِي «فتْحِ البَارِي»، وَصَحَّحَهُ

стр. 210

شَيْخُنَا العَلامَة ُ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابنُ بازٍ ﵏ ُ، وَجَمَاعَة. وَلِلتِّرْمِذِيِّ (٣٣٧١) مِنْ حَدِيْثِ أَنس ِ بْن ِ مَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَة». قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَهُ: (هَذَا حَدِيْثٌ غرِيْبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، لا نعْرِفهُ إلا َّ مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ لهيْعة).

стр. 211

فصل وَقدْ بيَّنَ الله ُ سُبْحَانهُ لِعِبَادِهِ أَجْمَعِينَ: أَنَّ أُوْلئِك َ المدْعُوِّينَ جَمِيْعًا، مِنْ مَلائِكةٍ، وَأَنبيَاءٍ، وَصَالحِينَ، لا يَمْلِكوْنَ لأَنفسِهمْ نفعًا وَلا ضَرًّا، وَلا غيًّا وَلا رَشَدًا، وَليْسَ لهمْ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ. بَلْ لايَسْمَعُوْنَ دُعَاءَهُمْ وَلا يَعْلمُوْنَ بهِ، وَلوْ سَمِعُوْا لمَا اسْتَجَابوْا لهمْ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾. قالَ سُبْحَانهُ لِنبيِّهِ وَصَفِيِّهِ وَخَلِيْلِهِ وَخِيرَتِهِ مِنْ خَلقِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. فإذا لمْ يَمْلِكوْا لأَنفسِهمْ شَيْئًا، فكيْفَ يَمْلِكوْنهُ لِغيرِهِمْ؟! قالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وَقالَ سُبْحَانهُ: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾. وَقالَ: ﴿عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾.

стр. 212

وَقالَ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾. وَقالَ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَانظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. وَقالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. وَقالَ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً. وَقالَ: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ

стр. 213

وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وَقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. وَقالَ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. قالَ شَيْخُنَا العَلامَة ُصَالِحُ بْنُ فوْزَانَ بن ِ عَبْدِ اللهِ الفوْزَانُ فِي «شَرْحِهِ عَلى كِتَابِ التَّوْحِيْدِ» عِنْدَ هَذِهِ الآيةِ الأَخِيرَةِ (١/ ٢٠٧): (يشْتَرَط ُ فِي المدْعُوِّ ثلاثة ُ شُرُوْطٍ: الأَوَّلُ: أَنْ يَكوْنَ مَالِكا لِمَا يُطلبُ مِنْه. الثانِي: أَنْ يَكوْنَ يَسْمَعُ الدّاعِي. الثالِثُ: أَنْ يَكوْنَ يَقدِرُ عَلى الإجَابة. وَهَذِهِ الأُمُوْرُ لا تتفِقُ إلا َّ فِي اللهِ ، فإنهُ المالِك ُ السَّمِيْعُ القادِرُ عَلى الإجَابة. أَمّا هَذِهِ المعْبُوْدَاتُ: فهيَ: أَوَّلا ً: فقِيرَة ٌ، ليْسَ لها مُلك.

стр. 214

ثانِيا: لا تَسْمَعُ مَنْ دَعَاهَا. وَثالِثا: لوْ سَمِعَتْ فإنها لا تَقدِرُ عَلى الإجَابة. - ففِي قوْلِهِ تَعَالىَ ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾: انتفى الشَّرْط ُ الأَوَّل. - وَفِي قوْلِهِ ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾: انتفى الشَّرْط ُ الثانِي. - وَفِي قوْلِهِ ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾: انتفى الثالِثُ، إذنْ بَطلَ دُعَاؤُهَا. ثمَّ قالَ : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾: إذا جَاءَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَتَبَرَّؤُوْنَ مِنْكمْ. وَكلُّ المعْبُوْدَاتِ مِنْ دُوْن ِ اللهِ تتبَرَّأُ مِمَّنْ عَبَدَهَا يَوْمَ القِيَامَة) اه كلامُ شَيْخِنَا الفوْزَان. قلتُ: وَالقِطمِيرُ: شَقُّ النَّوَاةِ، أَوِ القِشْرَة ُ التي فِيْهَا. وَأَخْرَجَ الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٩٩) مِنْ حَدِيْثِ هُشَيْمٍ أَخْبرَنا حُمَيْدٌ الطوِيْلُ عَنْ أَنس ِ بْن ِمَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ يوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ الغرّاءِ ﷺ ، حَتَّى سَالَ دَمُهُ الطاهِرُ عَلى وَجْههِ الكرِيْمِ، فقالَ ﷺ عِنْدَ ذلِك َ: «كيْفَ يُفلِحُ قوْمٌ فعلوْا هَذَا بنبيِّهمْ، وَهُوَ يَدْعُوْهُمْ إلىَ رَبهمْ»؟! فنزَلتْ هَذِهِ الآية ُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.

стр. 215

وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيْحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَين ِ، وَهُوَ مِنْ ثلاثيّاتِ الإمَامِ أَحْمَدَ، وَرَوَاهُ ثلاثيا أَيضًا عَنْ شَيْخَيْهِ ابْن ِ أَبي عَدِيٍّ وَسَهْل ِ بْن ِ يُوْسُفَ كلاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنس ٍ به. وَرَوَاهُ: مُسْلِمٌ فِي «صَحِيْحِهِ» (١٧٩١)، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» (٣٠٠٢). وَعَلقهُ البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» مَجْزُوْمًا بهِ، فِي «كِتَابِ المغازِي»، «بَابُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾». وَرَوَى البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (٢٧٥٣)، (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦) عَنْ أَبي هُرَيْرَة َرَضِيَ الله ُعَنْهُ قالَ: (قامَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنزَلَ الله ُ ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قالَ: «يَا مَعْشَرَ قرَيْش ٍ- أَوْ كلِمَة ً نَحْوَهَا - اشْتَرُوْا أَنفسَكمْ، لا أُغني عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا. يَا بَني عَبْدِ مَنَافٍ! لا أُغني عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا. يَا عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المطلِبِ! لا أُغني عَنْك َ مِنَ اللهِ شَيْئًا. وَيَا صَفِيَّة ُ عَمَّة َ رَسُوْل ِ اللهِ! لا أُغني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا. وَيَا فاطِمَة َ بنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِيْني مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لا أُغني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»). وَقدْ عُلِمَ أَنَّ لِلنَّبيِّ ﷺ شفاعَة ً لأَهْل ِ الكبَائِرِ، وَشَفاعَة ً لِغيرِهِمْ مِنَ المؤْمِنِينَ. وَإنمَا نفى النَّبيُّ ﷺ نفعهُ لِقرَابتِهِ هَؤُلاءِ، وَفِيْهمْ
следующие страницы →