← Акыда

Акыда · id 21511

مجانبة أهل الثبور المصلين في المشاهد وعند القبور

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (373 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فصل وَقدْ بيَّنَ الله ُ سُبْحَانهُ لِعِبَادِهِ أَجْمَعِينَ: أَنَّ أُوْلئِك َ المدْعُوِّينَ جَمِيْعًا، مِنْ مَلائِكةٍ، وَأَنبيَاءٍ، وَصَالحِينَ، لا يَمْلِكوْنَ لأَنفسِهمْ نفعًا وَلا ضَرًّا، وَلا غيًّا وَلا رَشَدًا، وَليْسَ لهمْ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ. بَلْ لايَسْمَعُوْنَ دُعَاءَهُمْ وَلا يَعْلمُوْنَ بهِ، وَلوْ سَمِعُوْا لمَا اسْتَجَابوْا لهمْ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾. قالَ سُبْحَانهُ لِنبيِّهِ وَصَفِيِّهِ وَخَلِيْلِهِ وَخِيرَتِهِ مِنْ خَلقِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. فإذا لمْ يَمْلِكوْا لأَنفسِهمْ شَيْئًا، فكيْفَ يَمْلِكوْنهُ لِغيرِهِمْ؟! قالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وَقالَ سُبْحَانهُ: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾. وَقالَ: ﴿عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾.

стр. 212

وَقالَ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾. وَقالَ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَانظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وَقالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. وَقالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. وَقالَ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً. وَقالَ: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ

стр. 213

وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وَقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. وَقالَ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. قالَ شَيْخُنَا العَلامَة ُصَالِحُ بْنُ فوْزَانَ بن ِ عَبْدِ اللهِ الفوْزَانُ فِي «شَرْحِهِ عَلى كِتَابِ التَّوْحِيْدِ» عِنْدَ هَذِهِ الآيةِ الأَخِيرَةِ (١/ ٢٠٧): (يشْتَرَط ُ فِي المدْعُوِّ ثلاثة ُ شُرُوْطٍ: الأَوَّلُ: أَنْ يَكوْنَ مَالِكا لِمَا يُطلبُ مِنْه. الثانِي: أَنْ يَكوْنَ يَسْمَعُ الدّاعِي. الثالِثُ: أَنْ يَكوْنَ يَقدِرُ عَلى الإجَابة. وَهَذِهِ الأُمُوْرُ لا تتفِقُ إلا َّ فِي اللهِ ، فإنهُ المالِك ُ السَّمِيْعُ القادِرُ عَلى الإجَابة. أَمّا هَذِهِ المعْبُوْدَاتُ: فهيَ: أَوَّلا ً: فقِيرَة ٌ، ليْسَ لها مُلك.

стр. 214

ثانِيا: لا تَسْمَعُ مَنْ دَعَاهَا. وَثالِثا: لوْ سَمِعَتْ فإنها لا تَقدِرُ عَلى الإجَابة. - ففِي قوْلِهِ تَعَالىَ ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾: انتفى الشَّرْط ُ الأَوَّل. - وَفِي قوْلِهِ ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾: انتفى الشَّرْط ُ الثانِي. - وَفِي قوْلِهِ ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾: انتفى الثالِثُ، إذنْ بَطلَ دُعَاؤُهَا. ثمَّ قالَ : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾: إذا جَاءَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَتَبَرَّؤُوْنَ مِنْكمْ. وَكلُّ المعْبُوْدَاتِ مِنْ دُوْن ِ اللهِ تتبَرَّأُ مِمَّنْ عَبَدَهَا يَوْمَ القِيَامَة) اه كلامُ شَيْخِنَا الفوْزَان. قلتُ: وَالقِطمِيرُ: شَقُّ النَّوَاةِ، أَوِ القِشْرَة ُ التي فِيْهَا. وَأَخْرَجَ الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٩٩) مِنْ حَدِيْثِ هُشَيْمٍ أَخْبرَنا حُمَيْدٌ الطوِيْلُ عَنْ أَنس ِ بْن ِمَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ يوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي جَبْهَتِهِ الغرّاءِ ﷺ ، حَتَّى سَالَ دَمُهُ الطاهِرُ عَلى وَجْههِ الكرِيْمِ، فقالَ ﷺ عِنْدَ ذلِك َ: «كيْفَ يُفلِحُ قوْمٌ فعلوْا هَذَا بنبيِّهمْ، وَهُوَ يَدْعُوْهُمْ إلىَ رَبهمْ»؟! فنزَلتْ هَذِهِ الآية ُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.

стр. 215

وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيْحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَين ِ، وَهُوَ مِنْ ثلاثيّاتِ الإمَامِ أَحْمَدَ، وَرَوَاهُ ثلاثيا أَيضًا عَنْ شَيْخَيْهِ ابْن ِ أَبي عَدِيٍّ وَسَهْل ِ بْن ِ يُوْسُفَ كلاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنس ٍ به. وَرَوَاهُ: مُسْلِمٌ فِي «صَحِيْحِهِ» (١٧٩١)، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» (٣٠٠٢). وَعَلقهُ البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» مَجْزُوْمًا بهِ، فِي «كِتَابِ المغازِي»، «بَابُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾». وَرَوَى البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (٢٧٥٣)، (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦) عَنْ أَبي هُرَيْرَة َرَضِيَ الله ُعَنْهُ قالَ: (قامَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنزَلَ الله ُ ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قالَ: «يَا مَعْشَرَ قرَيْش ٍ- أَوْ كلِمَة ً نَحْوَهَا - اشْتَرُوْا أَنفسَكمْ، لا أُغني عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا. يَا بَني عَبْدِ مَنَافٍ! لا أُغني عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا. يَا عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المطلِبِ! لا أُغني عَنْك َ مِنَ اللهِ شَيْئًا. وَيَا صَفِيَّة ُ عَمَّة َ رَسُوْل ِ اللهِ! لا أُغني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا. وَيَا فاطِمَة َ بنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِيْني مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لا أُغني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»). وَقدْ عُلِمَ أَنَّ لِلنَّبيِّ ﷺ شفاعَة ً لأَهْل ِ الكبَائِرِ، وَشَفاعَة ً لِغيرِهِمْ مِنَ المؤْمِنِينَ. وَإنمَا نفى النَّبيُّ ﷺ نفعهُ لِقرَابتِهِ هَؤُلاءِ، وَفِيْهمْ

стр. 216

بنتهُ، وَعَمُّهُ، وَعَمَّتُهُ، وَغيرُهُمْ، لا لِكوْنِهمْ كانوْا مُشْرِكِينَ! بَلْ هُمْ مِنْ كِبَارِ المؤْمِنِينَ الصّالحِينَ، وَلكِنْ لِكوْنِهِ ﷺ لا يَمْلِك ُ شَفاعَة ً لأَحَدٍ حَتَّى يَأْذنَ الله ُ جَلَّ وَعَلا لهُ، وَيَرْضَى سُبْحَانهُ عَن ِالمشْفوْعِ فِيْهِ، وَهُمَا الشَّرْطان ِ اللذَان ِ سَبَقَ تقرِيْرُهُمَا. فإذا كانَ هَذَا حَالُ خَاصَّةِ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ ، وَأَقرَبِ قرَابتِهِ مَعَهُ، لا يُغني عَنْهُمْ شَيْئًا، إلا َّ مِنْ بَعْدَ أَنْ يَأْذنَ الله ُ لهُ وَيَرْضَى: فكيْفَ بحال ِ غيرِهِمْ؟! وَكيْفَ يسْأَلوْنهُ ﷺ مَا لا يَمْلِكهُ، وَمَا نفاهُ هُوَ ﷺ عَنْ نفسِهِ لأَخَصِّ قرَابتِهِ في حَيَاتِه؟! «وَمَنْ بطأَ بهِ عَمَلهُ، لمْ يُسْرِعْ بهِ نسَبه» (١).

стр. 217

فصل بَلْ إنَّ شِرْك َ هَؤُلاءِ أَعْظمُ مِنْ شِرْكِ الجاهِلِيِّيْنَ، فإنَّ شِرْك َ الجاهِلِيِّيْنَ: كانَ في رَخائِهمْ، أَمّا إذا عَظمَتْ بهمُ الخطوْبُ، وَتكالبتْ عَليْهمُ الكرُوْبُ: دَعُوْا الله َ مُخْلِصِيْنَ لهُ الدِّينَ، كمَا قالَ سُبْحَانهُ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. أَمّا مُشْرِكوْ زَمَانِنَا: فشِرْكهُمْ مُطرِدٌ مَعَهُمْ في رَخائِهمْ وَشدَائدِهِمْ، بَلْ إنَّ كثِيْرًا مِنْهُمْ يَدْعُو الله َ وَمَعَهُ غيْرَهُ في الرَّخاءِ، فإذا اشْتدَّ بهِ البلاءُ: أَخْلصَ الدَّعَاءَ لِغيْرِ الله! حَتَّى أَنَّ مِنْهُمْ جَمَاعَة ً رَكِبوْا سَفِيْنة ً في البحْرِ، فتلاطمَتْ بهمُ الأَمْوَاجُ، وَكادُوْا يَغرَقوْنَ: فلجُّوْا جَمِيْعًا باِلدُّعاءِ مُتضَرِّعِيْنَ قائِلِيْنَ: «يَا بْنَ عِيْسَى (١)! يَا بْنَ عِيْسَى! حُلهَا يَا عَمُوْدَ الدِّيْن»! ثمَّ أَخَذُوْا يَتَسابَقوْنَ بنذْرِ النُّذُوْرِ لهُ، وَالتَّعَهُّدِ بتقدِيْمِهَا عِنْدَ قبْرِهِ إنْ هُمْ نجَوْا مِنَ الغرَق ِ وَنَجَّاهُمْ، عِيَاذاً باِلله. فلمّا أَنكرَ عَليْهمْ مُوَحِّدٌ كانَ مَعَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَدْعُوْا الله َ مُخْلِصِيْنَ لهُ الدِّينَ، وَيَتْرُكوْا غيْرَهُ مِنَ المخْلوْقِيْنَ: كادُوْا يَفتِكوْنَ

стр. 218

بهِ، وَيُلقوْنَ بهِ في اليمّ! فحِيْنَ أَذِنَ الله ُ بنجَاتِهمْ، وَنجَوْا مِمّا كانوْا فِيْهِ، وَتفرَّجَتْ عَنْهُمْ كرُبَاتهُمْ: وَبَّخُوْا ذلِك َ الموَحِّدَ! وَاسْتَدَلوا بنَجَاتِهمْ عَلى صِحَّةِ فِعْلِهمْ! وَاسْتِقامَةِ أَعْمَالهِمْ! وَأَنَّ تِلك َ الأَفعَالَ القبيْحَة َ، كانتْ سَبَبَ نَجَاتِهمْ وَنَجَاتِهِ، نَسْأَلُ الله َ السَّلامَة َ مِنَ الخذْلان (١). وَآخَرُوْنَ لجوْا باِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالاسْتِغاثةِ بعبْدِ القادِرِ الجِيْلانِيِّ، وَآخرُوْنَ باِلبدَوِيِّ، وَغيْرُهُمْ بأَبي العَبّاس ِ المرْسِيّ. وَهَكذَا يَسِيْرُ رَكبهمْ مُتَرَسِّمًا خطى الشَّيْطان ِ، فأَوْرَدَهُمُ النارَ، فبئْسَ الوِرْدُ الموْرُوْد. وَقدْ ذكرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن ِ الصِّدِّيق ِ الغمارِيُّ (ت١٣٨٠هـ) في كِتابهِ الفاسِدِ «إحْيَاءِ المقبوْرِ، مِنْ أَدِلةِ اسْتِحْبَابِ بناءِ المسَاجِدِ وَالقِبَابِ عَلى القبوْر» (ص٢١ - ٢٢): شَيْئًا مِنْ ذلِك َ، وَكفرَ - هُوَ- فاعِلِيْهَا.

стр. 219

وَمَعَ فسَادِ كِتَابهِ ذلِك َ، إلا َّ أَنهُ ذكرَ ذلِك َ، وَحَكمَ بكفرِ فاعِلِيْه. وَهَذَا أَمْرٌ رَأَيناهُ وَسَمِعْنَا بَعْضَهُ، وَقرَأْنا بَعْضَه. بَلْ قدْ سَمِعْتُ شَيْطانا مِنْ شَيَاطِينِهمْ، يقرِّرُ لأُوْلئِك َ المشْرِكِيْنَ صِحَّة َ أَعْمَالهِمْ، وَيزَينُ لهمْ سُوْءَ أَفعالهِمْ، فقالَ: (قدْ جَعَلَ الله ُ لِلأَوْلِيَاءِ كرَامَاتٍ وَمُعْجزَاتٍ، وَخَوَارِقَ لِلعادَاتِ. فهُمْ يجيْبُوْنَ المضْطرَّ وَيَكشِفوْنَ السُّوْءَ! وَيرْفعُوْنَ البأْسَ! وَهُمْ مَيتوْنَ في قبوْرِهِمْ! وَمَا ذاك َ إلا َّ لِعِظمِ جَاهِهمْ عِنْدَ اللهِ، وَرِفعَةِ مَنْزِلتِهمْ لدَيه. فمَنْ رَكِبَ في الفلكِ وَخَشِيَ الغرَقَ فدَعَاهُمْ، وَنادَاهُمْ، وَاسْتغاثَ بهمْ فقالَ «يا عَبْدَ القادِرِ» أَوْ «يا جِيْلانِيّ» أَوْ غيْرَ ذلِك َ: نفعهُ ذلِك َ بلا رَيب)! ثمَّ قالَ مُنْكِرًا مُتعَجِّبًا مِمَّنْ يُنكِرُ ذلِك َ: (وَمَنْ يَسْتَطِيْعُ أَنْ يُنْكِرَ ذلِك َوَيَجْحَدُهُ؟! أَلا يَسْتَطِيْعُ الله ُ أَنْ يَجْعَلَ لِرُوْحِ ذلِك َ الوَلِيِّ قدْرَة ً في إغاثةِ الملهُوْفِيْنَ، وَإجَابةِ المضْطرِّين؟!). هَكذَا قالَ هَذَا المشْرِك ُ الضّالُّ، وَهَكذَا يُزَينُ لهِؤُلاءِ مِلة َ أَبي لهَبٍ وَأَبي جَهْل. وَلمّا لمْ يَجِدْ دَلِيْلا ً عَلى صِحَّةِ مَزَاعِمِهِ تِلك َ: نقلَ المسْأَلة َ مِنْ حُكمِ الاسْتِغاثةِ وَدُعَاءِ أُوْلئِك َ العِبَادِ الضُعَفاءِ المقبوْرِيْنَ مِنْ دُوْن ِ اللهِ، إلىَ بيان ِ قدْرَةِ اللهِ وَاسْتِطاعَتِهِ!

стр. 220

وَكأَنَّ المخالِفَ لهمْ مِنَ الموَحِّدِيْنَ ينازِعُ في اسْتِطاعَةِ اللهِ وَقدْرَتهِ أَنْ يَهَبَ أَحَدًا مِنْ أُوْلئِك َ الأَمْوَاتِ قدْرَة ً عَلى إغاثةِ أَهْل ِ الكرُوْبِ، وَكشْفِ الكرْبِ عَن ِ المكرُوْب! وَلوْ كانَ دَلِيْلُ جَوَازِ دُعَائِهمُ الأَمْوَاتَ وَالاسْتِغاثةِ بهمْ: قدْرَة َ اللهِ عَلى مَنْحِ أُوْلئِك َ الأَمْوَاتِ قدْرَة ً لإغاثةِ الملهُوْفِيْنَ وَالمضْطرِّينَ: لكانَ ذلِك َ أَيضًا دَلِيْلا ً عَلى صِحَّةِ أَفعَال ِ المشْرِكِيْنَ المتقدِّمِيْنَ، مِنْ عُبّادِ اللاتِ وَمَنَاةِ وَالعُزَّى وَغيْرِهَا، لِقدْرَةِ اللهِ ، عَلى مَنْحِ تِلك َ الأَصْنَامِ قدْرَة ً عَلى إغاثةِ المسْتَغِيثِيْنَ بهَا! وَإلا َّ لكانَ مُنْكِرًا لِقدْرَةِ اللهِ وَاسْتِطاعَتِه! أَمّا كوْنُ مُشْرِكِي الجاهِلِيَّةِ الأُوْلىَ أَصَحَّ اعْتِقادًا مِنْ هَذَا المتكلمِ وَكثِيْرٍ مِنْ مُشْرِكِي زَمَانِنَا: فلِكوْن ِ شِرْكِ هَؤُلاءِ المتأَخِّرِيْنَ مُطرِدًا مَعَهُمْ في جَمِيْعِ أَحْوَالِهمْ، رَخاءًا وَشِدَّة. أَمّا أُوْلئِك َ المتقدِّمُوْنَ: فكانوْا مُشْرِكِيْنَ، إلا َّ في شَدَائِدِهِمْ فيُخْلِصُوْنَ الدُّعَاءَ للهِ وَحْدَهُ، كمَا في حَدِيْثِ عِمْرَان ِ بْن ِ حُصَيْن ِ بْن ِ عُبيْدٍ الخزَاعِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لأَبيْهِ - وَكانَ جَاهِلِيًّا مُشْرِكا-: «يَا حُصَيْنُ كمْ تعْبُدُ اليوْمَ إلها؟». فقالَ حُصَيْنٌ: «سَبْعَة ً، سِتَّة ً في الأَرْض ِ، وَوَاحِدًا في السَّمَاء». فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «فأَيهُمْ تعِدُّ لِرَغبتِك َ وَرَهْبتِك؟».

стр. 221

قالَ حُصَيْنٌ: «الذِي في السَّمَاء» ... الحدِيْثَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِهِ» (٣٤٨٣) وَجَمَاعَة ٌ، وفي رِوَايةٍ لابن ِ خزَيْمَة َ في «التَّوْحِيْدِ» (١/ ٢٧٧ - ٢٧٨) (١٧٧): أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لهُ: «فإذا أَصَابك َ الضُّرُّ مَنْ تدْعوْ؟ قالَ حُصَيْنٌ: «الذِي في السَّمَاءِ؟» فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «هَلك َ المالُ مَنْ تدْعُوْ؟» قالَ حُصَيْنٌ: «الذِي في السَّمَاءِ». فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «فيسْتجِيْبُ لك َ وَحْدَهُ، وَتشْرِكهُمْ مَعَه؟!». وَمِصْدَاقُ هَذَا: قوْلُ اللهِ تَعَالىَ عَنْهُمْ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. وَلا أَعَزَّ عَلى اللهِ وَلا أَكرَمَ عَليْهِ مِنْ أَنبيَائِهِ وَرُسُلِهِ صَلوَاتُ اللهِ عَليْهمْ وَسَلامُهُ، وَمَا بَعثهُمْ إلا َّ لِيوَحِّدُوْهُ باِلعِبَادَةِ وَيَأْمُرُوْا النّاسَ بتوْحِيْدِهِ، لا أَنْ يُشَارِكوْهُ فِيْهَا! لهذَا كانوْا أَشَدَّ النّاس ِ تَحْذِيْرًا لأُمَمِهمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالغلوِّ فِيْهمْ، حَذَرًا عليْهمْ مِنْ ذلِك. وَلما غلتِ النَّصَارَى في عِيْسَى وَعَبَدُوْهُ، كمَا عَبَدَ هَؤُلاءِ المشْرِكوْنَ الأَوْلِيَاءَ وَالصَّالحِيْنَ وَغيْرَهُمْ مِنْ جُمْلةِ المقبوْرِيْنَ: قالَ الله ُ لِنبيِّهِ الكرِيْمِ عِيْسَى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ

стр. 222

مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾. فكيْفَ بمَنْ دُوْنهُمْ مِمَّنْ تزْعَمُ وَلايتهُمْ، وَكثِيْرٌ مِنْهُمْ مَلاحِدَة ٌ وَزَنادِقة ٌ! وَمِنْهُمْ عُصَاة ٌ وَفسَقة ٌ، أَوْ شياطِيْنُ مَرَدَة! بَلْ إنَّ بَعْضَ أُوْلئِك َ المقبوْرِيْنَ، يَهُوْدُ، أَوْ نصَارَى، أَوْ بَاطِنِيَّة ٌ، أَوْ غيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الملاحِدَةِ وَالزَّنادِقةِ، وَقدْ ذكرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا شَيْخُ الإسْلامِ في «الاسْتِغاثة» وَغيْرُه، وَسَيَأْتِي ذِكرُ طرَفٍ مِنْهُ بمَشِيْئَةِ الله (ص٣٠٧ - ٣٢٦).

стр. 223

فصل ثمَّ إنَّ هَؤُلاءِ مَعَ فسَادِ دِينِهمْ وَعقوْلهِمْ: مُتنَاقِضُوْنَ كثِيْرًا ، وَمِنْ ذلِك َ: أَنهُمْ لا يَطلبوْنَ مِنْ حَيٍّ دُعاءًا، مَعَ مَشْرُوْعِيَّتِهِ، وَاسْتِقامَتِهِ شَرْعًا، وَإتيان ِ السُّنَّةِ بجوَازِهِ، وَاسْتِحْبَابهِ لِمَنْ ظهَرَ صَلاحُهُ، كمَا في حَدِيْثِ أُوَيْس ٍ القرَنِيِّ في «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» (٢٥٤٢) وَغيْرِه. وَلكِنهُمْ لا يَطلبوْنَ مِنْهُ الدَّعَاءَ لهمْ، حَتَّى إذا مَاتَ، وَانقطعَ عَمَلهُ، وَأَصْبَحَ هُوَ في حَاجَةٍ لإخْوَانِهِ أَنْ يَدْعُوا الله َ لهُ: لجُّوْا في دُعَائِهِ هُوَ! وَالاسْتِغاثةِ بهِ! وَالذَّبْحِ لهُ! وَالتقرُّبِ إليْهِ (١)! وَقدْ رَأَيتُ كثِيْرًا مِنْ هَؤُلاءِ، مِمَّنْ يَنْتَسِبُ عِنْدَ رَهْطِهِ إلىَ العِلمِ وَالفِقهِ - وَهُوَ بَرَاءٌ مِنْهُمَا -: يَشُدُّ رِحَالهُ مُسَافِرًا إلىَ أَضْرِحَةِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ يُزْعَمُ صَلاحُهُمْ: فيَدْعُوْهُمْ وَيَسْتَغِيْثُ بهمْ، وَيَزْعُمُ أَنهُمْ أَغوَاثٌ وَأَقطابٌ! وَأَنَّ لهمْ تَصَرُّفا في الكوْن ِ مَعْلوْم! وَاطلاعٌ عَلى الغيْبِ

стр. 224

لا يَخْفى عَلى ذوِي الفهوْم! وَأَنهُ ضَعِيْفٌ عِنْدَهُمْ! مُحْتَاجٌ لِمَا في أَيْدِيْهمْ! مفرِّط ٌ إنْ لمْ يَعْفوْا عَنْهُ، وَمُقصِّرٌ فِيْمَا يرَادُ مِنْه. وَسَمِعْتُ أَحَدَهُمْ - وَقدْ بَلغَ سُؤْلهُ، وَأَناخَ رَاحِلتَهُ، بَعْدَ سَفرٍ طوِيْل ٍ- عِنْدَ قبوْرِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ يُنْسَبُوْنَ إلىَ الصَّلاحِ، وَكثِيْرٌ مِنْهُمْ عَاطِلٌ مِنْ ذلِك. فدَعَاهُمْ بَاكِيًا خَاشِعًا، وَاسْتَشْفعَ بهمْ بذِلةٍ خَاضِعًا. وَكانَ مِمّا قالهُ في دَعْوَاتِهِ الشِّرْكِيَّةِ تِلك َ: (نحْنُ جِئْنَا مُسْتَمِدِّيْنَ طالِبيْنَ رَاجيْنَ أَنْ يَقبَلوْنا عَلى ضَعْفِنَا، وَأَنْ لا يرُدُّوْنا، وَأَنْ تتحَققَ قوَاعِدُ لا إلهَ إلا ّ الله ُ عِنْدَنا، كمَا تَحَققتْ عِنْدَهُمْ. جِئْنَا إليْهِ وَإليْهمْ، وَوَقفنا عَلى أَعْتَابهمْ، وَاطرَحْنَا عَلى أَبوَابهمْ، وَأَرْجُوْ مِنْهُمْ أَنْ لا يَرُدُّوْنا، وَأَرْجُوْ مِنْهُمْ أَنْ يَقبَلوْنا، وَأَرْجُوْ مِنْهُمْ أَنْ يُكرِمُوْنا). وَالآنَ أَقبلنَا عَليْهمْ وَحَاشَاهُمْ أَنْ يَرُدُّوْنا، وَحَاشَاهُمْ أَنْ لا يُشَفعُوْنا، وَحَاشَاهُمْ أَنْ لا يَشْفعُوْا فِيْنَا، وَحَاشَاهُمْ أَنْ لا يَرْحَمُوْا مَنْ غفلَ، وَأَنْ يُدْرِكوا مَن ِ اسْتَمْهَل).

стр. 225

فصل وَقدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ أَبوْ العَبّاس ِأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحلِيْمِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ- كمَا في «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (٢٧/ ٦٤ - ٧٠) - عَمَّنْ يَزُوْرُ القبوْرَ، وَيَسْتنْجِدُ لِمَرَض ٍ أَلمَّ بهِ أَوْ بمَنْ يُحِبُّهُ باِلمقبوْرِ، وَيَزْعُمُ أَنهُ إنمَا يُرِيْدُ أَنْ يَكوْنَ المقبوْرُ وَاسِطة ً بَيْنَهُ وَبَينَ الله. وَفِيْمَنْ يَنْذُرُ لِلزَّوَايا وَالمشَايخِ، وَفِيْمَنْ يَسْتَغِيْثُ بشَيْخِهِ، وَفِيْمَنْ يَجِيءُ إلىَ قبْرِ شَيْخِهِ وَيُمَرِّغُ وَجْهَهُ عَليْهِ، وَيَمْسَحُهُ بيَدَيهِ، ثمَّ يَمْسَحُ بهمَا وَجْهَهُ، وَنَحْوِ ذلك. فأَجَابَ شَيْخُ الإسْلامِ ﵀ ُ بقوْلِهِ: (الحمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِيْنَ، الدِّينُ الذِي بَعَثَ الله ُ بهِ رُسُلهُ، وَأَنزَلَ بهِ كتبهُ: هُوَ عِبَادَة ُ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيْك َ لهُ، وَاسْتِعَانتهُ وَالتَّوَكلُ عَليْهِ، وَدُعَاؤُهُ لِجَلبِ المنافِعِ، وَدَفعِ المضَارِّ، كمَا قالَ تعَالىَ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. وَقالَ تعَالىَ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾. وَقالَ تعَالىَ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

стр. 226

وَقالَ تعَالىَ: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾. قالتْ طائِفة ٌمِنَ السَّلفِ: «كانَ أَقوَامٌ يَدْعُوْنَ المسِيْحَ، وَعُزَيْرًا، وَالملائِكة َ، فقالَ الله ُ تعَالىَ: هَؤُلاءِ الذِيْنَ تَدْعُوْنهُمْ عِبَادِي، كمَا أَنتمْ عِبَادِي، وَيَرْجُوْنَ رَحْمَتي، كمَا تَرْجُوْنَ رَحْمَتي، وَيَخافوْنَ عَذَابي كمَا تَخافوْنَ عَذَابي، وَيتقرَّبوْنَ إليَّ كمَا تتقرَّبوْنَ إليَّ. فإذا كانَ هَذَا حَالُ مَنْ يَدْعُوْ الأَنبيَاءَ وَالملائِكة َ، فكيْفَ بمَنْ دُوْنهُمْ؟! وَقالَ تعَالىَ: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾. وَقالَ تعَالىَ: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. فبينَ سُبْحَانهُ: أَنَّ مَنْ دُعِيَ مِنْ دُوْن ِ اللهِ مِنْ جَمِيْعِ المخْلوْقاتِ مِنَ الملائِكةِ وَالبشرِ وَغيْرِهِمْ: أَنهُمْ لا يَمْلِكوْنَ مِثقالَ ذرَّةٍ في مُلكِهِ، وَأَنهُ ليْسَ لهُ شَرِيْك ٌ في مُلكِهِ، بَلْ هُوَ سُبْحَانهُ لهُ الملك ُ وَلهُ الحمْدُ، وَهُوَ عَلى كلِّ شَيْءٍ قدِيْر.

стр. 227

وَأَنهُ ليْسَ لهُ عَوْنٌ يعَاوِنهُ كمَا يَكوْنُ لِلمَلِكِ أَعْوَانٌ وَظهَرَاء. وَأَنَّ الشُّفعَاءَ عِنْدَهُ لا يَشْفعُوْنَ إلا َّ لِمَن ِ ارْتضَى، فنفى بذَلِك َ وُجُوْهَ الشِّرْك. وَذلِك َ أَنَّ مَنْ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِهِ: * إمّا أَنْ يَكوْنَ مَالِكا، * وَإمّا أَنْ لا يَكوْنَ مَالِكا. وَإذا لمْ يَكنْ مَالِكا: * فإمّا أَنْ يَكوْنَ شَرِيْكا، * وَإمّا أَنْ لا يَكوْنَ شَرِيْكا. وَإذا لمْ يَكنْ شَرِيْكا: * فإمّا أَنْ يَكوْنَ مُعَاوِنا، * وَإمّا أَنْ يَكوْنَ سَائِلا ً طالِبًا. فالأَقسَامُ الأُوَلُ الثلاثة ُ، وَهِيَ: الملك ُ، وَالشِّرْكة ُ، وَالمعاوَنة ُ: مُنتفِيَة. وَأَمّا الرّابعُ: فلا يَكوْنُ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إذنِهِ، كمَا قالَ تعَالىَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. وَكمَا قالَ تعَالىَ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾.

стр. 228

وَقالَ تعَالىَ: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾. وَقالَ تعَالىَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾. وَقالَ تعَالىَ: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. وَقالَ تعَالىَ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. فإذَا جَعَلَ مَن ِ اتخذَ الملائِكة َ وَالنبيينَ أَرْبابا كافِرًا، فكيْفَ مَن ِ اتخذَ مَنْ دُوْنهُمْ مِنَ المشَايخِ وَغيْرِهِمْ أَرْبابا. وَتفصِيْلُ القوْل ِ: أَنَّ مَطلوْبَ العَبْدِ إنْ كانَ مِنَ الأُمُوْرِ التي لا يَقدِرُ عَليْهَا إلا َّ الله ُ تعَالىَ: مِثلَ أَنْ يَطلبَ شِفاءَ مَرِيْضِهِ مِنَ الآدَمِيِّيْنَ وَالبهَائِم. أَوْ وَفاءَ دَينِهِ مِنْ غيْرِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ عَافِيَة َ أَهْلِهِ، وَمَا بهِ مِنْ بَلاءِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَانتِصَارَهُ عَلى عَدُوِّهِ، وَهِدَاية َ قلبهِ، وَغفرَانَ ذنبهِ، أَوْ دُخُوْلهُ الجنة َ، أَوْ نجَاتهُ مِنَ النّارِ، أَوْ أَنْ يَتَعَلمَ العِلمَ وَالقرْآنَ، أَوْ أَنْ يُصْلِحَ قلبهُ، وَيُحْسِنَ خُلقهُ، وَيُزَكي نفسَهُ، وَأَمْثالَ ذلك.

стр. 229

فهَذِهِ الأُمُوْرُ كلهَا لا يَجُوْزُ أَنْ تطلبَ إلا َّ مِنَ اللهِ تعَالىَ، وَلا يَجُوْزُ أَنْ يَقوْلَ لِمَلكٍ، وَلا نبيٍّ، وَلا شَيْخٍ - سَوَاءٌ كانَ حَيًّا أَوْ مَيتا-: «اغفِرْ ذنبي»، وَلا «انصُرْنِي عَلى عَدُوِّي»، وَلا «اشْفِ مَرِيْضِي»، وَلا «عَافِنِي» أَوْ «عَافِ أَهْلِي أَوْ دَابَتي»، وَمَا أَشبهَ ذلك. وَمَنْ سَأَلَ ذلِك َ مَخْلوْقا كائِنًا مَنْ كانَ: فهوَ مُشْرِك ٌ برَبهِ، مِنْ جِنْس ِ المشْرِكِيْنَ الذِيْنَ يَعْبُدُوْنَ الملائِكة َ وَالأَنبيَاءَ وَالتَّمَاثِيْلَ، التي يُصَوِّرُوْنهَا عَلى صُوَرِهِمْ. وَمِنْ جِنْس ِ دُعَاءِ النَّصَارَى لِلمَسِيْحِ وَأُمِّهِ، قالَ الله ُ تعَالىَ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. وَقالَ تَعَالىَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وَأَمّا مَا يَقدِرُ عَليْهِ العَبْدُ: فيَجُوْزُ أَنْ يُطلبَ مِنْهُ في بَعْض ِ الأَحْوَال ِ دُوْنَ بَعْض. فإنَّ «مَسْأَلة َ المخلوْق» ِ قدْ تَكوْنُ جَائِزَة ً، وَقدْ تَكوْنُ مَنْهيًّا عَنْهَا، قالَ الله ُ تَعَالىَ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. وَأَوْصَى النَّبيُّ ﷺ ابنَ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا: «إذا سَأَلتَ فاسْأَل ِ الله َ، وَإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باِلله» (١).

стр. 230

وَأَوْصَى النَّبيُّ ﷺ طائِفة ًمِنْ أَصْحَابهِ: أَنْ لا يَسْأَلوْا النّاسَ شَيْئًا. فكانَ سَوْط ُ أَحَدِهِمْ يَسْقط ُ مِنْ كفهِ، فلا يَقوْلُ لأَحَدٍ ناوِلني إياه (١). وَثبتَ في «الصَّحِيْحَيْن»: أَنهُ ﷺ قالَ: «يَدْخُلُ الجنة َ مِنْ أُمَّتي سَبْعُوْنَ أَلفا بغيْرِ حِسَابٍ، وَهُمُ الذِيْنَ لا يَسْتَرْقوْنَ وَلا يَكتوُوْنَ، وَلا يَتطيَّرُوْنَ، وَعَلى رَبِّهمْ يتوَكلوْن» [خ (٥٧٠٥)، (٥٧٥٢)، (٦٤٧٢) م (٢١٦)، (٢١٨)، (٢٢٠)].

стр. 231

وَالاسْتِرْقاءُ: طلبُ الرُّقيةِ، وَهُوَ مِنْ أَنوَاعِ الدُّعَاءِ، وَمَعَ هَذَا فقدْ ثبتَ عَنْهُ ﷺ أَنهُ قالَ: «مَا مِنْ رَجُل ٍ يَدْعُوْ لهُ أَخُوْهُ بظهْرِ الغيْبِ دَعْوَة ً، إلا َّ وَكلَ الله ُ بهَا مَلكا، كلمَا دَعَا لأَخِيْهِ دَعْوَة ً قالَ الملك ُ: وَلك َمِثْلُ ذلِك» (١). وَمِنَ المشْرُوْعِ في الدُّعَاءِ: دُعَاءُ غائِبٍ لِغائِب. وَلهِذَا أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ باِلصَّلاةِ عَليْهِ، وَطلبنَا الوَسِيْلة َ له. وَأَخْبَرَ بمَا لنا في ذلِك َ مِنَ الأَجْرِ إذا دَعَوْنا بذَلك َ، فقالَ في الحدِيْثِ: «إذا سَمِعْتُمُ المؤَذنَ فقوْلوْا مِثلَ مَا يَقوْلُ، ثمَّ صَلوْا عَليَّ،

стр. 232

فإنَّ مَنْ صَلى عَليَّ مَرَّة ً، صَلى الله ُ عَليْهِ عَشْرًا. ثمَّ سَلوْا الله َ لِي الوَسِيْلة َ، فإنهَا دَرَجَة ٌ في الجنةِ لا يَنْبَغِي أَنْ تَكوْنَ إلا َّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُوْ أَنْ أَكوْنَ أَنا ذلِك َ العَبْد. فمَنْ سَأَلَ الله َ لِيَ الوَسِيْلة َ: حَلتْ لهُ شَفاعَتي يوْمَ القِيَامَة» (١). وَيُشْرَعُ لِلمُسْلِمِ: أَنْ يَطلبَ الدُّعَاءَ مِمَّنْ هُوَ فوْقهُ، وَمِمَّنْ هُوَ دُوْنه. فقدْ رُوِيَ طلبُ الدُّعَاءِ مِنَ الأَعْلى وَالأَدْنى، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ وَدَّعَ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ إلىَ العُمْرَةِ وَقالَ: «لا تنْسَنا مِنْ دُعَائِك َ يَا أَخِي» (٢). لكِنهُ ﷺ لمّا أَمَرَنا باِلصَّلاةِ عَليْهِ وَطلبِ الوَسِيْلةِ لهُ: ذكرَ أَنَّ مَنْ صَلى عَليْهِ مَرَّة ً، صَلى الله ُ بهَا عَليْهِ عَشْرًا. وَأَنَّ مَنْ سَأَلَ لهُ الوَسِيْلة َ: حَلتْ لهُ شفاعَتُهُ يَوْمَ القِيَامَة. فكانَ طلبهُ مِنّا لِمَنْفعَتِنَا في ذلِك َ، وَفرْقٌ بَيْنَ مَنْ طلبَ مِنْ غيْرِهِ شَيْئًا لِمَنْفعَةِ المطلوْبِ مِنْهُ، وَمَنْ يَسْأَلُ غيْرَهُ لحاجَتِهِ إليْهِ فقط. وَثبتَ في «الصَّحِيْحِ» [م (٢٥٤٢)]: أَنهُ ﷺ ذكرَ أُوَيْسًا القرَنِيَّ وَقالَ لِعُمَرَ: «إن ِ اسْتَطعْتَ أَنْ يَسْتَغفِرَ لك َ فافعَلْ». وَفي «الصَّحِيْحَيْن» ِ: أَنهُ كانَ بَيْنَ أَبي بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا شَيْءٌ، فقالَ أَبوْ بَكرٍ لِعُمَرَ: «اسْتغفِرْ لِي»، لكِنْ في الحدِيْثِ:

стр. 233

أَنَّ أَبا بَكرٍ ذكرَ أَنهُ حَنِقَ عَلى عُمَرَ (١). وَثبَتَ أَنَّ أَقوَاما كانوْا يَسْتَرْقوْنَ، وَكانَ النَّبيُّ ﷺ يرْقِيْهمْ (٢). وَثبتَ في «الصَّحِيْحَيْن» ِ: (أَنَّ النّاسَ لمّا أَجْدَبوْا سَأَلوْا النَّبيَّ ﷺ أَنْ يَسْتَسْقِي لهمْ فدَعَا الله َ لهمْ فسُقوْا) (٣). وَفي «الصَّحِيْحَيْن» ِ أَيضًا: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخطابِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ اسْتَسْقى باِلعَبّاس ِ، فدَعَا فقالَ: «اللهُمَّ إنا كنا إذا أَجْدَبنا نتوَسَّلُ إليْك َ بنبينا فتسْقينا، وَإنا نتوَسَّلُ إليْك َبعَمِّ نبيِّنَا فأَسْقِنَا» فيُسْقوْن) [خ (١٠١٠)].

стр. 234

وَفي «السُّنَن» ِ: (أَنَّ أَعْرَابيًّا قالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : جَهدَتِ الأَنفسُ، وَجَاعَ العِيَالُ، وَهَلك َ المالُ، فادْعُ الله َ لنا، فإنا نسْتَشْفِعُ باِللهِ عَليْك َ، وَبك َ عَلى الله» [د (٤٧٢٦)]. فسَبَّحَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ ذلِك َ في وُجُوْهِ أَصْحَابهِ وَقالَ: «وَيْحَك ْ! إنَّ الله َ لا يُسْتَشْفعُ بهِ عَلى أَحَدٍ مِنْ خَلقِهِ، شَأْنُ اللهِ أَعْظمُ مِنْ ذلك»). فأَقرَّهُ عَلى قوْلِهِ «إنا نسْتَشْفِعُ بك َعَلى اللهِ»، وَأَنكرَ عَليْهِ «نسْتشْفِعُ باِللهِ عَليْك». لأنَّ الشّافِعَ يَسْأَلُ المشفوْعَ إليْهِ، وَالعَبْدُ يَسْأَلُ رَبهُ وَيَسْتَشْفِعُ إليْهِ، وَالرَّبُّ تعَالىَ لا يَسْأَلُ العَبْدَ وَلا يَسْتشْفِعُ به) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلام.

стр. 235

فصل في اغتِرَارِ الأَتبَاعِ بمَا زَينهُ لهمُ الشَّيْطانُ فِي مَتْبُوْعِيْهمْ مِنْ مَخَارِيْقَ شَيْطانِيَّةٍ ، وَمَكائِدَ إبْلِيْسِيَّةٍ، لِيَظنَّ الأَغمَارُ أَنَّ أُوْلئِك َ المعْبُوْدِيْنَ أَوْلِيَاءُ صَالحِوْنَ، وَأَنهُمْ لِدَعَوَاتِهمُ الشِّرْكِيَّةِ يُجِيْبُوْنَ وَيَنْفعُوْنَ وَكانَ مِمّا أَضَلَّ كثِيرًا مِنَ النّاس ِ، مِمَّنْ لا تَحْقِيْقَ عِنْدَهُمْ وَلا بَصِيرَة َ، حَتَّى ظنُّوْا أُوْلئِك َ المبْطِلِينَ أَوْلِيَاءَ للهِ صَالحِينَ: مَا أَظهَرَتهُ الشَّيَاطِينُ لهمْ مِنْ خَوَارِقَ شَيْطانِيَّةٍ، وَأَحْوَال ٍ إبْلِيْسِيَّةٍ، فطارَتْ بهمْ فِي الهوَاءِ، وَحَمَلتْ أَرْجُلهُمْ حَتَّى مَشَوْا عَلى الماءِ، وَأَوْحَتْ إليْهمْ بشَيْءٍ مِمّا اسْتَرَقتْهُ مِنَ السَّمْعِ مِنَ السَّمَاءِ، فضَلَّ بذَلِك َ كثِيرٌ مِنَ الدَّهْمَاءِ وَالغوْغاء. وَلمْ يَكنْ عِنْدَ هَؤُلاءِ مِنَ البَصِيرَةِ وَالعِلمِ وَالمعْرِفةِ، مَا يُمَيِّزُوْنَ بهِ بَينَ أَوْلِياءِ الشَّيْطان ِ وَأَوْلِياءِ الرَّحْمَن ِ، وَلكِنْ سَمِعُوْا أَنَّ لأَوْلِياءِ اللهِ كرَامَاتٍ، وَخَوَارِقَ لِلعَادَاتِ، فلمّا رَأَوْا أَحْوَالَ أُوْلئِك َ الشَّيْطانِيَّةِ، ظنُّوْا هَذَا كهَذَا! فاسْتَحْوَذتْ عَليْهمُ اسْتِحْوَاذا. وَقدِ اتفقَ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَن ِ عَلى: أَنَّ الرَّجُلَ لوْ طارَ فِي الهوَاءِ، وَمََشَى عَلى الماءِ: لمْ يُعْتَبَرْ بذَلِك َ حَتَّى يُرَى صَلاحُهُ وَاسْتِقامَتُهُ، وَوُقوْفهُ عِنْدَ حُدُوْدِ اللهِ، وَاجْتِنَابهُ مَنَاهِيْهِ، وَإتيَانهُ مَرَاضِيْه.

стр. 236

قالَ يُوْنسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلى الصَّدَفِيُّ: (قلتُ لِلشّافِعِيِّ، كانَ الليْثُ بْنُ سَعْدٍ يَقوْلُ: «إذا رَأَيتمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلى الماءِ: فلا تَغْترُّوْا بهِ حَتَّى تَعْرِضُوْا أَمْرَهُ عَلى الكِتَابِ وَالسُّنَّة». فقالَ الشّافِعِيُّ: «قصَّرَ الليْثُ ﵀ ُ! بَلْ إذا رَأَيتمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلى الماءِ، وَيَطِيرُ فِي الهوَاءِ: فلا تَغْترُّوْا بهِ حَتَّى تَعْرِضُوْا أَمْرَهُ عَلى الكِتَابِ وَالسُّنَّة»). وَقالَ أَبوْ يَزِيْدَ البسْطامِيُّ: (لوْ نظرْتُمْ إلىَ رَجُل ٍ أُعْطِيَ مِنَ الكرَامَاتِ، حَتَّى يرْفعَ فِي الهوَاءِ: فلا تَغْتَرُّوْا بهِ، حَتَّى تَنْظرُوْا كيْفَ تجدُوْنهُ عِنْدَ الأَمْرِ وَالنَّهْيِّ، وَحِفظِ الحدُوْدِ وَآدَابِ الشَّرِيْعَة) رَوَاهُ أَبوْ نعَيْمٍ في «الحِليَةِ» (١٠/ ٤٠). وَقالَ أَبوْ يَزِيْدَ أَيضًا: «الذِي يَمْشِي عَلى الماءِ ليْسَ بعَجَبٍ! للهِ خَلقٌ كثِيرٌ يَمْشُوْنَ عَلى الماءِ ليْسَ لهمْ عِنْدَ اللهِ قِيْمَة» رَوَاهُ أَبوْ نعَيْمٍ فِي «الحِليَة» (١٠/ ٣٩). قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ فِي «الفرْقان ِ، بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَن ِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطان» (ص١٦٨ - ١٦٩): (وَتَجِدُ كثِيرًا مِنْ هَؤُلاءِ، عُمْدَتُهُمْ فِي اعْتِقادِ كوْنِهِ وَلِيًّا للهِ: أَنهُ قدْ صَدَرَ عَنْهُ مُكاشَفة ٌ فِي بَعْض ِ الأُمُوْرِ أَوْ بَعْض ِ التصَرُّفاتِ الخارِقةِ لِلعَادَةِ، مِثْلَ أَنْ يُشِيْرَ إلىَ شَخْص ٍ فيَمُوْتُ، أَوْ يَطِيْرَ في الهوَاءِ إلىَ مَكة َأَوْ غيرِهَا، أَوْ يَمْشِيَ عَلى الماءِ أَحْيَانا، أَوْ يَمْلأَ إبرِيقا مِنَ الهوَاءِ، أَوْ يُنْفِقَ

стр. 237

بَعْضَ الأَوْقاتِ مِنَ الغيْبِ، أَوْ أَنْ يَخْتَفِيَ أَحْيَانا عَنْ أَعْيُن ِ النّاس ِ، أَوْ أَنْ بَعْضَ النّاس ِ اسْتَغاثَ بهِ وَهُوَ غائِبٌ أَوْ مَيِّتٌ فرَآهُ قدْ جَاءَهُ فقضَى حَاجَتَهُ، أَوْ يُخْبرَ النّاسَ بمَا سُرِقَ لهمْ، أَوْ بحَال ِ غائِبٍ لهمْ أَوْ مَرِيْض ٍ أَوْ نَحْوِ ذلِك َ مِنَ الأُمُوْر. وَليْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُوْرِ مَا يَدُلُّ عَلى أَنَّ صَاحِبَهَا وَلِيٌّ للهِ، بَلْ قدِ اتفقَ أَوْلِيَاءُ اللهِ عَلى: أَنَّ الرَّجُلَ لوْ طارَ فِي الهوَاءِ، أَوْ مَشَى عَلى الماءِ، لمْ يُغترَّ بهِ حَتَّى يُنْظرَ مُتَابعَتهُ لِرَسُوْل ِ اللهِ ﷺ وَمُوَافقتهُ لأَمْرِهِ وَنهْيِّه. وَكرَامَاتُ أَوْلِيَاءِ اللهِ تَعَالىَ أَعْظمُ مِنْ هَذِهِ الأُمُوْرِ، وَهَذِهِ الأُمُوْرُ الخارِقة ُ لِلعادَةِ، وَإنْ كانَ قدْ يَكوْنُ صَاحِبُهَا وَلِيًّا للهِ، فقدْ يَكوْنُ عَدُوًّا لله. فإنَّ هَذِهِ الخوَارِقَ تَكوْنُ لِكثِيرٍ مِنَ الكفارِ وَالمشْرِكِينَ وَأَهْل ِ الكِتَابِ وَالمنافِقِينَ، وَتَكوْنُ لأَهْل ِ البدَعِ، وَتَكوْنُ مِنَ الشَّيَاطِين. فلا يَجُوْزُ أَنَّ يُظنَّ أَنَّ كلَّ مَنْ كانَ لهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأُمُوْرِ: أَنهُ وَلِيٌّ للهِ، بَلْ يُعْتَبرُ أَوْلِيَاءُ اللهِ بصِفاتِهمْ وَأَفعَالهِمْ وَأَحْوَالهِمْ التي دَلَّ عَليْهَا الكِتَابُ وَالسُّنَّة ُ، وَيُعْرَفوْنَ بنوْرِ الإيْمَان ِ وَالقرْآن ِ، وَبحقائِق ِ الإيْمَان ِ البَاطِنَةِ، وَشَرَائِعِ الإسْلامِ الظاهِرَة). ثمَّ قالَ (ص٢٢٤ - ٢٢٦): (وَمِنْ هَذِهِ الأَرْوَاحِ الشَّيْطانِيَّةِ: الرُّوْحُ الذِي يزْعُمُ صَاحِبُ «الفتوْحَاتِ» أَنهُ أَلقى إليْهِ ذلِك َ

стр. 238

الكِتَابَ! وَلهِذَا يَذْكرُ أَنوَاعًا مِنَ الخلوَاتِ بطعَامٍ مُعَيَّن ٍ، وَحَال ٍ مُعَيَّن. وَهَذِهِ مِمّا تَفتَحُ لأَصْحَابهَا الاتِّصَالَ باِلجِنِّ وَالشَّيَاطِين ِ، فيَظنُّوْنَ ذلِك َ مِنْ كرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ، وَإنمَا هُوَ مِنَ الأَحْوَال ِ الشَّيْطانِيَّة). وَقالَ أَيْضًا فِي «الفرْقان» ِ (ص٣٦٥ - ٣٦٧): (وَكثِيرٌ مِنْ هَؤُلاءِ قدْ لا يَعْرِفُ أَنَّ ذلِك َمِنَ الجِنِّ، بَلْ قدْ سَمِعَ أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لهمْ كرَامَاتٌ وَخَوَارِقُ لِلعَادَاتِ، وَليْسَ عِنْدَهُ مِنْ حَقائِق ِ الإيْمَان ِ، وَمَعْرِفةِ القرْآن ِ مَا يُفرِّقُ بهِ بَينَ الكرَامَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ، وَبَينَ التَّلبيْسَاتِ الشَّيْطانِيةِ، فيَمْكرُوْنَ بهِ بحسَبِ اعْتِقادِه. فإنْ كانَ مُشْرِكا يَعْبُدُ الكوَاكِبَ وَالأَوْثانَ: أَوْهَمُوْهُ أَنهُ يَنْتَفِعُ بتِلك َ العِبَادَةِ، وَيَكوْنُ قصْدُهُ الاسْتِشْفاعَ وَالتَّوَسُّلَ مِمَّنْ صَوَّرَ ذلِك َ الصَّنَمَ عَلى صُوْرَتِهِ مِنْ مَلكٍ، أَوْ نبيٍّ، أَوْ شَيْخٍ صَالِح. فيَظنُّ أَنهُ صَالِحٌ! وَتَكوْنُ عِبَادَتهُ فِي الحقِيْقةِ لِلشَّيْطان ِ، قالَ الله ُ تَعَالىَ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. وَلهِذَا كانَ الذِيْنَ يَسْجِدُوْنَ لِلشَّمْس ِ وَالقمْرِ وَالكوَاكِبِ: يَقصِدُوْنَ السُّجُوْدَ لها، فيُقارِنهَا الشَّيْطانُ عِنْدَ سُجُوْدِهِمْ لِيَكوْنَ سُجُوْدُهُمْ له. وَلهِذَا يتمَثلُ الشَّيْطانُ بصُوْرَةِ مَنْ يَسْتَغِيْثُ بهِ المشْرِكوْنَ:

стр. 239

* فإنْ كانَ نصْرَانِيًّا، وَاسْتَغَاثَ بجِرْجِسَ أَوْ غيرِهِ: جَاءَ الشَّيْطانُ فِي صُوْرَةِ جِرْجِسَ، أَوْ مَنْ يَسْتَغِيْثُ به. * وَإنْ كانَ مُنْتَسِبًا إلىَ الإسْلامِ، وَاسْتَغَاثَ بشَيْخٍ يُحْسِنُ الظنَّ بهِ مِنْ شُيُوْخِ المسْلِمِينَ: جَاءَ فِي صُوْرَةِ ذلِك َ الشَّيْخ. * وَإنْ كانَ مِنْ مُشْرِكِي الهِنْدِ: جَاءَ فِي صُوْرَةِ مَنْ يُعَظمُهُ ذلِك َ المشْرِك). وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ فِي «رَدِّهِ عَلى البَكرِيِّ» (٢/ ٤٨٠) -: (وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ طائِفة ً مِنَ النّاس ِ اسْتَغَاثوْا بحيٍّ أَوْ مَيِّتٍ: فرَأَوْهُ قدْ أَتى فِي الهوَاءِ، وَقضَى بَعْضَ تِلك َ الحوَائِجِ، وَأَخبرَ ببَعْض ِ مَا سُئِلَ عَنْه! وَهَذَا كثِيرٌ وَاقِعٌ فِي المشْرِكِينَ الذِيْنَ يَدْعُوْنَ الملائِكة َ وَالأَنبيَاءَ وَالصّالحِينَ وَالكوَاكِبَ وَالأَوْثانَ، فإنَّ الشَّيَاطِينَ كثِيرًا مَا تَتَمَثلُ لهمْ فيَرَوْنهَا قدْ تُخَاطِبُ أَحَدَهُمْ وَلا يرَاهَا. وَلوْ ذكرْتُ مَا أَعْلمُ مِنَ الوَقائِعِ الموْجُوْدَةِ فِي زَمَانِنَا مِنْ هَذَا: لطالَ هَذَا المقام. وَكلمَا كانَ القوْمُ أَعْظمَ جَهْلا ً وَضَلالا ً: كانتْ هَذِهِ الأَحْوَالُ الشَّيْطانِيَّة ُ عِنْدَهُمْ أَكثر. وَقدْ يَأْتِي الشَّيْطانُ أَحَدَهُمْ بمَال ٍ، أَوْ طعَامٍ، أَوْ لِبَاس ٍ، أَوْ غيرِ ذلِك َ، وَهُوَ لا يَرَى أَحَدًا أَتاهُ بهِ، فيَحْسَبُ ذلِك َ كرَامَة ً، وَإنمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطان.

стр. 240

وَسَببُهُ: شِرْكهُ باِللهِ تَعَالىَ، وَخُرُوْجُهُ عَنْ طاعَةِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ ، إلىَ طاعَةِ الشَّيَاطِين ِ فأَضَلتْهُمُ الشَّيَاطِينُ بذَلِك َ، كمَا كانتْ تُضِلُّ عُبّادَ الأَصْنَام. وَمِثْلُ هَذِهِ الأَحْوَال ِ، لا تَكوْنُ مِنْ كرَامَاتِ أَوْلِيَاءِ اللهِ تَعَالىَ المتقِين). وَقالَ ﵀ ُفِي مَوْضِعٍ آخَرَ (١٣/ ٩١): (فصَارَ كثِيرٌ مِنَ النّاس ِ لا يَعْلمُوْنَ مَا لِلسَّحَرَةِ وَالكهّان ِ، وَمَا يَفعَلهُ الشَّيَاطِينُ مِنَ العَجَائِبِ، وَظنوْا أَنهَا لا تَكوْنُ إلا َّ لِرَجُل ٍ صَالِحٍ، فصَارَ مَنْ ظهَرَتْ هَذِهِ لهُ، يَظنُّ أَنها كرَامَة ٌ، فيَقوَى قلبهُ بأَنَّ طرِيقتهُ هِيَ طرِيقة ُ الأَوْلِيَاء. وَكذَلِك َ غيْرُهُمْ: يَظنُّ فِيْهِ ذلِك َ ثمَّ يَقوْلوْنَ: «الوَلِيُّ إذا تَوَلىَّ لا يُعْتَرَضُ عَليْه»! فمِنْهُمْ: مَنْ يَرَاهُ مُخالِفا لِمَا عُلِمَ باِلاضْطِرَارِ مِنْ دِيْنِ الرَّسُوْل ِ ﷺ ، مِثْلَ تَرْكِ الصَّلاةِ المفرُوْضَةِ، وَأَكل ِ الخبَائِثِ كالخمْرِ وَالحشِيْشَةِ وَالميْتةِ وَغيرِ ذلِك َ، وَفِعْل ِ الفوَاحِش ِ، وَالفحْش ِ، وَالتَّفحُّش ِ فِي المنْطِق ِ، وَظلمِ النّاس ِ، وَقتْل ِ النَّفس ِ بغيْرِ حَقٍّ، وَالشِّرْكِ باِلله. وَهُوَ مَعَ ذلِك َ: يُظنُّ فِيْهِ أَنهُ وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ! قدْ وَهَبَهُ هَذِهِ الكرَامَاتِ بلا عَمَل ٍ! فضْلا ً مِنَ اللهِ تَعَالىَ!

стр. 241

وَلا يَعْلمُوْنَ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَعْمَال ِ الشَّيَاطِين ِ، وَأَنَّ هَذِهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيَاطِين ِ، تُضِلُّ بهَا النّاسَ وَتُغْوِيْهمْ. وَدَخَلتِ الشَّيَاطِينُ فِي أَنوَاعٍ مِنْ ذلِك َ، فتارَة ً يَأْتوْنَ الشَّخْصَ فِي النَّوْمِ يَقوْلُ أَحَدُهُمْ: «أَنا أَبوْ بَكرٍ الصِّدِّيقُ! وَأَنا أُتوِّبك َ لِي وَأَصِيرُ شَيْخَك َ! وَأَنتَ تتوِّبُ النّاسَ لِي!» وَيُلبسُه. فيُصْبحُ وَعَلى رَأْسِهِ مَا أَلبَسَهُ! فلا يَشُك ُّ أَنَّ الصِّدِّيقَ هُوَ الذِي جَاءَهُ، وَلا يَعْلمُ أَنهُ الشَّيْطان. وَقدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لِعِدَّةٍ مِنَ المشَايخِ باِلعِرَاق ِ وَالجزِيرَةِ وَالشّام. وَتَارَة ً يَقصُّ شَعْرَهُ فِي النَّوْمِ، فيُصْبحُ فيَجِدُ شَعْرَهُ مَقصُوْصًا! وَتَارَة ً يَقوْلُ: «أَنا الشَّيْخُ فلانٌ»، فلا يَشُكُّ أَنَّ الشَّيْخَ نفسَهُ جَاءَهُ وَقصَّ شَعْرَه. وَكثِيرًا مَا يَسْتَغِيْثُ الرَّجُلُ بشَيْخِهِ الحيِّ أَوِ الميِّتِ: فيَأْتوْنهُ فِي صُوْرَةِ ذلِك َ الشَّيْخِ، وَقدْ يُخَلصُوْنهُ مِمّا يَكرَهُ، فلا يَشُك ُّ أَنَّ الشَّيْخَ نفسَهُ جَاءَهُ، أَوْ أَنَّ مَلكا تَصَوَّرَ بصُوْرَتِهِ وَجَاءَه. وَلا يَعْلمُ أَنَّ ذلِك َ الذِي تَمَثلَ إنمَا هُوَ الشَّيْطانُ لمّا أَشْرَك َ باِللهِ: أَضَلتهُ الشَّيَاطِينُ. وَالملائِكة ُ لا تُجِيْبُ مُشْرِكا) اه كلامُهُ ﵀. وَقالَ القرْطبيُّ ﵀ ُ فِي «تفسِيرِهِ» عِنْدَ قوْل ِ اللهِ تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾: (قالَ عُلمَاؤُنا رَحْمَة ُ اللهِ عَليْهمْ: «وَمَنْ أَظهَرَ الله ُ تَعَالىَ عَلى يَدَيْهِ مِمَّنْ ليْسَ بنَبيٍّ كرَامَاتٍ، وَخَوَارِقَ لِلعَادَاتِ: فليْسَ ذلِك َ دَالا ًّ عَلى وَلايتِه».

стр. 242

خِلافا لِبَعْض ِ الصُّوْفِيَّةِ وَالرّافِضَةِ، حَيْثُ قالوْا: «إنَّ ذلِك َ يَدُلُّ عَلى أَنهُ وَلِيٌّ , إذْ لوْ لمْ يَكنْ وَلِيًّا مَا أَظهَرَ الله ُ عَلى يَدَيْهِ مَا أَظهَر!». وَدَلِيْلنا: أَنَّ العِلمَ بأَنَّ الوَاحِدَ مِنّا وَلِيٌّ للهِ تَعَالىَ، لا يَصِحُّ إلا َّ بَعْدَ العِلمِ بأَنهُ يَمُوْتُ مُؤْمِنًا. وَإذا لمْ يُعْلمْ أَنهُ يَمُوْتُ مُؤْمِنًا: لمْ يُمْكِنّا أَنَّ نقطعْ عَلى أَنهُ وَلِيٌّ للهِ تَعَالىَ , لأَنَّ الوَلِيَّ للهِ تَعَالىَ مِنْ عِلمِ اللهِ تَعَالىَ أَنهُ لا يُوَافِي إلا َّ باِلإيْمَان. وَلمّا اتفقنا عَلى أَننا لا يُمْكِننا أَنْ نقطعَ عَلى أَنَّ ذلِك َ الرَّجُلَ يوَافِي باِلإيْمَان ِ, وَلا الرَّجُلُ نفسُهُ يَقطعُ عَلى أَنهُ يُوَافِي باِلإيْمَان ِ: عُلِمَ أَنَّ ذلِك َ ليْسَ يدُلُّ عَلى وَلايتِهِ لله. قالوْا: «وَلا نمْنَعُ أَنْ يُطلِعَ الله ُ بَعْضَ أَوْلِيَائِهِ عَلى حُسْن ِ عَاقِبتِهِ، وَخاتِمَةِ عَمَلِهِ، وَغيرَهُ مَعَهُ» قالهُ الشَّيْخُ أَبوْ الحسَن ِ الأَشْعَرِيُّ وَغيرُه) اه. وَنقلَ الحافِظ ُ ابْنُ كثِيرٍ كلامَ القرْطبيِّ السّابق ِ فِي «تفسِيرِهِ» عِنْدَ الآيةِ نفسِهَا، ثمَّ قالَ عَقِبَهُ: (وَقدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلى أَنَّ الخارِقَ قدْ يَكوْنُ عَلى يدِ غيرِ الوَلِيِّ، بَلْ قدْ يَكوْنُ عَلى يدِ الفاجِرِ وَالكافِرِ أَيضًا، بمَا ثبَتَ عَن ِ ابن ِ صَيّادٍ أَنهُ قالَ: «هُوَ الدُّخُّ» حِينَ خَبَّأَ لهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١).

стр. 243

وَبمَا كانَ يَصْدُرُ عَنْهُ: أَنهُ كانَ يَمْلأُ الطرِيقَ إذا غضِبَ حَتَّى ضَرَبهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا (١)! وَبمَا ثبتَتْ بهِ الأَحَادِيْثُ عَن ِ الدَّجّال ِ، بمَا يَكوْنُ عَلى يدَيهِ مِنَ الخوَارِق ِ الكثِيرَةِ، مِنْ أَنهُ يَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فتُمْطِرُ! وَالأَرْضَ أَنْ تُنْبتَ فتُنْبتُ! وَتتْبَعُهُ كنوْزُ الأَرْض ِ مِثلَ اليعَاسِيْب (٢)! وَأَنْ يَقتُلَ ذلِك َ الشّابَّ ثمَّ يُحْييْه (٣)! إلىَ غيرِ ذلِك َ مِنَ الأُمُوْرِ المهُوْلة. وَقدْ قالَ يُوْنسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلى الصَّدَفِيُّ: (قلتُ لِلشّافِعِيِّ، كانَ الليْثُ بْنُ سَعْدٍ يَقوْلُ: «إذا رَأَيتمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلى الماءِ، فلا تَغْترُّوْا بهِ حَتَّى تَعْرِضُوْا أَمْرَهُ عَلى الكِتَابِ وَالسُّنَّة». فقالَ الشّافِعِيُّ: «قصَّرَ الليْثُ ﵀ ُ! بَلْ إذا رَأَيتمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلى الماءِ، وَيَطِيرُ فِي الهوَاءِ، فلا تَغْترُّوْا بهِ حَتَّى تَعْرِضُوْا أَمْرَهُ عَلى الكِتَابِ وَالسُّنَّة») اه كلامُ ابنُ كثِيرٍ ﵀. وَقالَ أَبوْ عَبْدِ اللهِ الذَّهَبيُّ في «سِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ» (٢٢/ ١٧٩): (فلا يغترُّ المسْلِمُ بكشْفٍ وَلا بحَال ٍ، وَلا بإخْبَارٍ عَنْ مُغيبٍ، فابنُ صَائِدٍ وَإخْوَانهُ مِنَ الكهَنَةِ، لهمْ خَوَارِق!

стр. 244

وَالرُّهْبَانُ فِيْهمْ مَنْ قدْ تمَزَّقَ جُوْعًا وَخَلوَة ً وَمُرَاقبة ً عَلى غيرِ أَسَاس ٍ وَلا تَوْحِيْدٍ: فصَفتْ كدُوْرَاتُ أَنفسِهمْ، وَكاشَفوْا وَفشرُوْا، وَلا قدْوَة َ إلا َّ في أَهْل ِ الصَّفوَةِ، وَأَرْبابِ الوَلايةِ المنوْطةِ باِلعِلمِ وَالسُّنن ِ، فنسْأَلُ الله َ إيْمَانَ المتقِينَ، وَتأَلهَ المخْلِصِين) اه. قلتُ: قدْ صَدَقَ ﵀ ُ، فلا يُغْتَرُّ بعَمَل ِ عَامِل ٍ، وَلا اجْتِهَادِ مُجْتَهدٍ، وَلا تنسُّكِ مُتنسِّكٍ زَاهِدٍ، حَتَّى يَكوْنَ عَمَلهُ خالِصًا للهِ ، مُوَافِقا لِشَرْعِهِ، غيرَ مُخالِفٍ له. لهِذَا كانتِ الأَعْمَالُ مُعَلقة ً في قبُوْل ِ اللهِ تَعَالىَ لها بشَرْطين ِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ تَكوْنَ خَالِصَة ً للهِ ، مُبْتَغًى بهَا وَجْهُهُ سُبْحَانه. وَالآخَرِ: أَنْ تَكوْنَ مُوَافِقة ً لِسُنَّةِ نبيِّهِ ﷺ . فدَلِيْلُ الأَوَّل ِ: قوْلهُ تَعَالىَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. وَقوْلهُ سُبْحَانهُ في الحدِيْثِ القدْسِيِّ: «أَنا أَغنى الشُّرَكاءِ عَن ِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلا ً أَشْرَك َ فِيْهِ مَعِيَ غيْرِي: ترَكتهُ وَشِرْكه» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٢٩٨٥) مِنْ حَدِيْثِ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه. وَدَلِيْلُ الثانِي: قوْلهُ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذَا مَا ليْسَ مِنْهُ: فهُوَ رَدّ» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٦/ ٢٤٠و٢٧٠) وَالبُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٢٦٩٧) وَمُسْلِمٌ (١٧١٨) مِنْ حَدِيْثِ أُمِّ المؤْمِنِينَ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا.

стр. 245

وَفي رِوَايةٍ عِنْدَ الإمَامِ أَحْمَدَ في «مُسْنَدِهِ» (٦/ ١٤٦و١٨٠و٢٥٦) وَمُسْلِمٍ (١٧١٨): (مَنْ عَمِلَ عَمَلا ً ليْسَ عَليْهِ أَمْرُنا: فهُوَ رَدّ)، وَقدْ عَلقهَا البُخارِيُّ أَيضًا في «صَحِيْحِهِ» مَجْزُوْمًا بهَا. وَالأَدِلة ُ عَلى هَذَين ِ الشَّرْطين ِ كثِيرَة. وَمَتَى تخلفَ هَذَان ِ الأَمْرَان ِأَوْ أَحَدُهُمَا: كانَ ذلِك َ العَمَلُ بَاطِلا ً فاسِدًا، ليْسَ لِصَاحِبهِ مِنْهُ إلا َّ المشقة ُ في الدُّنيا، وَالعَذَابُ في الآخِرَة. لهِذَا لمْ تنفعِ الرُّهْبَانَ - المتنسِّكِينَ المتعَبِّدِينَ، الخالِينَ في الفلوَاتِ لِلعِبَادَةِ وَالصَّلوَاتِ- أَعْمَالهمْ، وَهُمْ لمْ يُؤْمِنُوْا بمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيتابعُوْهُ في شَرْعِهِ، وَإنْ كانتْ أَعْمَالهمْ خَالِصَة ً للهِ ، لا يُرِيْدُوْنَ بهَا جَاهًا عِنْدَ أَحَدٍ وَلا رِياءًا. بَلْ أَصْبَحَتْ أَعْمَالهمْ عَليْهمْ حَسْرَة ً وَمَشَقة ً، قالَ سُبْحَانهُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. وَأَخْرَجَ الحافِظ ُ أَبوْ بَكرٍ البَرْقانِيُّ في «صَحِيْحِهِ» مِنْ طرِيق ِ أَبي عِمْرَانَ الجوْنِيِّ قالَ: (مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخطابِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ بدِيرِ رَاهِبٍ فنادَاهُ: «يا رَاهِب»! فأَشْرَفَ، فجَعَلَ عُمَرُ ينْظرُ إليْهِ وَيبْكِي!

стр. 246

فقِيْلَ لهُ: يا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ مَا يبْكِيْك َ مِنْ هَذَا؟! قالَ: «ذكرْتُ قوْلَ اللهِ في كِتَابهِ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ فذَاك َ الذِي أَبكانِي»). وَحُجَّة ُ هَؤُلاءِ الجاهِلِينَ الضّالينَ فِي كوْن ِ أَئِمَّةِ مُشْرِكِيْهمْ أَوْلِيَاءَ صَالحِينَ، هُوَ تِلك َ المخارِيقُ الشَّيْطانِيَّة! فليْتَ شِعْرِي أَيُّ دَرَجَاتِ الوَلايةِ بَلغَ عِنْدَهُمُ ابْنُ صَيّادٍ؟! وَأَيُّ الرُّتبِ سَيَحُلهَا عِنْدَهُمُ المسِيْحُ الدَّجّال؟! فمَا سَيَأْتي بهِ لا يَسْتَطِيْعُهُ رُؤُوْسُهُمْ وَلوِ اجْتَمَعَتْ لهُ، وَليْسَ مِنْ فِتنَةٍ أَعْظمُ وَأَخْوَفُ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْهُ، فإنهُ يَأْمُرُ السَّمَاءَ لِلمُؤْمِنِينَ بهِ فتُمْطِرُ! وَالأَرْضَ فتنْبتُ! فتَرُوْحُ عَليْهمْ سَارِحَتُهُمْ أَطوَلَ مَا كانتْ ذرًّا، وَأَسْبَغهُ ضُرُوْعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِر. وَيَأْمُرُهُمَا لِلكافِرِينَ بهِ أَنْ يُمْسِكا: فيُصْبحُوْنَ مُمْحِلِينَ مُجْدِبينَ، ليْسَ بأَيدِيْهمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالهِمْ! وَيَمُرُّ باِلخرِبةِ فيقوْلُ لها: «أَخْرِجِي كنُوْزَكِ» فتتْبعُهُ كنُوْزُهَا كيَعَاسِبِ النَّحْل! ثمَّ يَدْعُوْ رَجُلا ً مُمْتَلِئًا شَبَابًا فيَضْرِبهُ باِلسَّيْفِ فيَقطعُهُ جِزْلتين ِ، رَمْيَة َ الغَرَض ِ، ثمَّ يَدْعُوْهُ فيُقبلُ وَيَتَهَللُ وَجْهُهُ يَضْحَك! وَهَذِهِ المخارِيْقُ الشَّيْطانِية ُ ثابتَة ٌ لإمَامِ الدَّجَاجِلةِ، كمَا فِي «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» (٢٩٣٧) وَغيرِهِ، وَأَخبَارُهُ كثِيرَة ٌ، وَحَسْبُك َ مِنْهَا مَا تقدَّم.

стр. 247

وَمَنْ كانَ ضَابط ُ الوَلايةِ عِنْدَهُ تِلك َ المخارِيْقَ الشَّيْطانِيَّة َ: فإمَامُ أَوْلِيَائِهِ، وَشَيْخُ مَشَايخِهِ: هَذَا الدَّجّال. وَمَا عَظمَتْ فِتْنَتهُ، وَعَمَّتْ بَليَّتُهُ إلا َّ لِعُقوْل ٍ تَرُوْجُ عَليْهَا هَذِهِ التَّلبيْسَاتُ، وَمِنْ ضَعْفِ الإيْمَان ِ وَالعِلمِ وَاليَقِين. وَإلا َّ فالمبْصِرُ: حَالهُ كحَال ِ ذلِك َ المؤْمِن ِ الذِي خَرَجَ لِلدَّجَال ِ، مُبْصِرًا سِرَّ خَوَارِقِهِ، عارِفا حَقِيْقة َ أَمْرِهِ، مُوْقِنًا بوَعْدِ رَبهِ وَخبَرِ نبيِّهِ ﷺ ، ليْسَ فِي رِيْبَةٍ مِنْ شَيْءٍ قدْ أَتتْ بهِ رُسُلهُ، فيَخْرُجُ لِلدَّجّال ِ حَتَّى إذا بَدَا لهُ الدَّجّالُ قالَ لِلنّاس ِ: «يَا أَيهَا النّاسُ هَذَا الدَّجّالُ الذِي ذكرَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ». فيَأْمُرُ الدَّجّالُ بهِ عِنْدَ ذلِك َ فيُشَبَّحُ، فيقوْلُ: «خُذُوْهُ وَشُجُّوْهُ»، فيُوْسَعُ ظهْرُهُ وَبَطنهُ ضَرْبًا، فيَقوْلُ لهُ الدَّجّالُ: أَوَمَا تُؤْمِنُ بي؟ فيَقوْلُ: «أَنتَ المسِيْحُ الكذّاب». فيَأْمُرُ بهِ فيُؤْشَرُ بالمِئْشَارِ مِنْ مَفرِقِهِ حَتَّى يفرُقَ بينَ رِجْليْهِ، ثمَّ يَمْشِي الدَّجّالُ بَينَ القِطعَتَين ِ، ثمَّ يَقوْلُ لهُ: «قمْ» فيَسْتوِي قائِمًا، ثمَّ يَقوْلُ لهُ: «أَتُؤْمِنُ بي؟!» فيَقوْلُ: «مَا ازْدَدْتُ فِيْك َ إلا َّ بَصِيرَة ً». ثمَّ يَقوْلُ: «يَا أَيهَا النّاسُ، إنهُ لا يَفعَلُ بَعْدِي بأَحَدٍ مِنَ النّاس». فيَأْخُذُهُ الدَّجّالُ لِيَذْبحَهُ، فيُجْعَلُ مَا بَينَ رَقبتِهِ إلىَ تِرْقوَتِهِ نحَاسًا فلا يَسْتَطِيْعُ إليْهِ سَبيْلا ً. فيَأْخُذُ بيَدَيهِ وَرِجْليْهِ فيَقذِفُ بهِ،

стр. 248

فيَحْسَبُ النّاسُ أَنمَا قذَفهُ إلىَ النارِ، وَإنمَا أُلقِيَ فِي الجنة. فقالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «هَذَا أَعْظمُ النّاس ِ شَهَادَة ً عِنْدَ رَبِّ العَالمِينَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (١٨٨٢) وَمُسْلِمٌ (٢٩٣٨) وَاللفظ ُ له.

стр. 249

فصل في تَمَثل ِ الشَّيَاطِين ِ باِلمقبُوْرِينَ المسْتَغَاثِ بهمْ وَالمعْبُوْدِينَ، تَغْرِيرًا بعُبّادِهِمْ وَإضْلالا ً لهمْ! كمَا كانتْ تصْنَعُ بأَسْلافِهمْ مِنَ عُبّادِ الأَصْنَام ثمَّ غرَّرَتْ بهمُ الشَّيَاطِينُ حَتَّى عَبَدُوْا أُوْلئِك َ المنْسُوْبينَ زُوْرًا إلىَ الصَّلاحِ وَالاسْتِقامَةِ، أَحْيَاءً وَمَيِّتِينَ، فتَمَثلتْ لهمْ بصُوَرِ رِجَال ٍ صَالحِينَ قدْ مَاتوْا أَوْ مَا زَالوْا حَيِّينَ، يُخاطِبُوْنهُمْ فيُكلمُوْهُمْ، وَيَدْعُوْنَهُمْ فيُجِيْبُوْا دَعَوَاتِهمْ وَيُغِيْثُوْا لهفاتِهمْ، وَيُنَجُّوْا هَلكاهُمْ، وَيُخْرِجُوْا غرْقاهُمْ. حَتَّى عَلقتْهُمْ وَزَادَتْ تَعَلقهُمْ فِيْهمْ، فأَصْبَحُوْا يَدْعُوْنَهَا فِي كلِّ كبيرٍ وَصَغِيرٍ، وَكلِّ عَظِيْمٍ وَحَقِير. كمَا كانَتْ تَفعَلُ الشَّيَاطِينُ مَعَ عُبّادِ الأَصْنَامِ، وَالملائِكةِ وَغيرِهِمْ مِنَ المشْرِكِينَ قبْلهُمْ. فكانَتْ تَدْخُلُ فِي الأَصْنَامِ وَتُخَاطِبُهُمْ، وَتَقضِي لهمْ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِهمْ، حَتَّى أَضَلتْهُمْ، وَزَيَّنَتْ لهمْ شِرْكهُمْ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ- كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (١/ ٣٦٠) -: (وَمِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ يَأْتِي إلىَ قبْرِ الشَّيْخِ الذِي يُشْرِك ُ بهِ وَيَسْتَغِيْثُ بهِ، فينزِلُ عَليْهِ مِنَ الهوَاءِ طعامٌ، أَوْ نفقة ٌ، أَوْ سِلاحٌ، أَوْ غيرُ ذلِك َ،

стр. 250

مِمّا يَطلبُهُ، فيَظنُّ ذلِك َ كرَامَة ً لِشَيْخِهِ، وَإنمَا ذلِك َ كلهُ مِنَ الشَّيَاطِين. وَهَذَا مِنْ أَعْظمِ الأَسْبَابِ التي عُبدَتْ بهَا الأَوْثانُ، وَقدْ قالَ الخلِيْلُ ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ﴾ كمَا قالَ نوْحٌ ﵇. وَمَعْلوْمٌ: أَنَّ الحجَرَ لا يُضِلُّ كثِيرًا مِنَ النّاس ِ إلا َّ بسَبَبٍ اقتَضَى ضَلالهمْ، وَلمْ يَكنْ أَحَدٌ مِنْ عُبّادِ الأَصْنَامِ يَعْتَقِدُ أَنهَا خَلقتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، بَلْ إنمَا كانوْا يَتَّخِذُوْنَهَا شُفعَاءَ وَوَسَائِط َ لأَسْبَاب: مِنْهُمْ: مَنْ صَوَّرَهَا عَلى صُوَرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالحِين. وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلهَا تَمَاثِيْلَ وَطلاسِمَ لِلكوَاكِبِ وَالشَّمْس ِ وَالقمَر. وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلهَا لأَجْل ِ الجنّ. وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلهَا لأَجْل ِ الملائِكة. فالمعْبُوْدُ لهمْ فِي قصْدِهِمْ: إنمَا هُوَ الملائِكة ُ وَالأَنبيَاءُ وَالصّالحِوْنَ أَوِ الشَّمْسُ أَوِ القمَر. وَهُمْ فِي نفس ِ الأَمْرِ يَعْبُدُوْنَ الشَّيَاطِينَ: فهيَ التي تَقصِدُ مِنَ الإنس ِ أَنْ يَعْبُدُوْهَا، وَتُظهرُ لهمْ مَا يَدْعُوْهُمْ إلىَ ذلِك َ كمَا قالَ تَعَالىَ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. وَإذا كانَ العابدُ مِمَّنْ لا يَسْتَحِلُّ عِبَادَة َ الشَّيَاطِين ِ: أَوْهَمُوْهُ أَنهُ إنمَا يَدْعُوْ الأَنْبيَاءَ وَالصّالحِينَ وَالملائِكة َ وَغيرَهُمْ مِمَّنْ يُحْسِنُ العَابدُ ظنَّهُ به.
следующие страницы →