Полный текст (373 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فقِيْلَ لهُ: يا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ مَا يبْكِيْك َ مِنْ هَذَا؟!
قالَ: «ذكرْتُ قوْلَ اللهِ في كِتَابهِ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ فذَاك َ الذِي أَبكانِي»).
وَحُجَّة ُ هَؤُلاءِ الجاهِلِينَ الضّالينَ فِي كوْن ِ أَئِمَّةِ مُشْرِكِيْهمْ أَوْلِيَاءَ صَالحِينَ، هُوَ تِلك َ المخارِيقُ الشَّيْطانِيَّة!
فليْتَ شِعْرِي أَيُّ دَرَجَاتِ الوَلايةِ بَلغَ عِنْدَهُمُ ابْنُ صَيّادٍ؟! وَأَيُّ الرُّتبِ سَيَحُلهَا عِنْدَهُمُ المسِيْحُ الدَّجّال؟! فمَا سَيَأْتي بهِ لا يَسْتَطِيْعُهُ رُؤُوْسُهُمْ وَلوِ اجْتَمَعَتْ لهُ، وَليْسَ مِنْ فِتنَةٍ أَعْظمُ وَأَخْوَفُ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْهُ، فإنهُ يَأْمُرُ السَّمَاءَ لِلمُؤْمِنِينَ بهِ فتُمْطِرُ! وَالأَرْضَ فتنْبتُ! فتَرُوْحُ عَليْهمْ سَارِحَتُهُمْ أَطوَلَ مَا كانتْ ذرًّا، وَأَسْبَغهُ ضُرُوْعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِر.
وَيَأْمُرُهُمَا لِلكافِرِينَ بهِ أَنْ يُمْسِكا: فيُصْبحُوْنَ مُمْحِلِينَ مُجْدِبينَ، ليْسَ بأَيدِيْهمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالهِمْ! وَيَمُرُّ باِلخرِبةِ فيقوْلُ لها: «أَخْرِجِي كنُوْزَكِ» فتتْبعُهُ كنُوْزُهَا كيَعَاسِبِ النَّحْل! ثمَّ يَدْعُوْ رَجُلا ً مُمْتَلِئًا شَبَابًا فيَضْرِبهُ باِلسَّيْفِ فيَقطعُهُ جِزْلتين ِ، رَمْيَة َ الغَرَض ِ، ثمَّ يَدْعُوْهُ فيُقبلُ وَيَتَهَللُ وَجْهُهُ يَضْحَك!
وَهَذِهِ المخارِيْقُ الشَّيْطانِية ُ ثابتَة ٌ لإمَامِ الدَّجَاجِلةِ، كمَا فِي «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» (٢٩٣٧) وَغيرِهِ، وَأَخبَارُهُ كثِيرَة ٌ، وَحَسْبُك َ مِنْهَا مَا تقدَّم.
стр. 247
وَمَنْ كانَ ضَابط ُ الوَلايةِ عِنْدَهُ تِلك َ المخارِيْقَ الشَّيْطانِيَّة َ: فإمَامُ أَوْلِيَائِهِ، وَشَيْخُ مَشَايخِهِ: هَذَا الدَّجّال.
وَمَا عَظمَتْ فِتْنَتهُ، وَعَمَّتْ بَليَّتُهُ إلا َّ لِعُقوْل ٍ تَرُوْجُ عَليْهَا هَذِهِ التَّلبيْسَاتُ، وَمِنْ ضَعْفِ الإيْمَان ِ وَالعِلمِ وَاليَقِين.
وَإلا َّ فالمبْصِرُ: حَالهُ كحَال ِ ذلِك َ المؤْمِن ِ الذِي خَرَجَ لِلدَّجَال ِ، مُبْصِرًا سِرَّ خَوَارِقِهِ، عارِفا حَقِيْقة َ أَمْرِهِ، مُوْقِنًا بوَعْدِ رَبهِ وَخبَرِ نبيِّهِ ﷺ ، ليْسَ فِي رِيْبَةٍ مِنْ شَيْءٍ قدْ أَتتْ بهِ رُسُلهُ، فيَخْرُجُ لِلدَّجّال ِ حَتَّى إذا بَدَا لهُ الدَّجّالُ قالَ لِلنّاس ِ: «يَا أَيهَا النّاسُ هَذَا الدَّجّالُ الذِي ذكرَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ».
فيَأْمُرُ الدَّجّالُ بهِ عِنْدَ ذلِك َ فيُشَبَّحُ، فيقوْلُ: «خُذُوْهُ وَشُجُّوْهُ»، فيُوْسَعُ ظهْرُهُ وَبَطنهُ ضَرْبًا، فيَقوْلُ لهُ الدَّجّالُ: أَوَمَا تُؤْمِنُ بي؟
فيَقوْلُ: «أَنتَ المسِيْحُ الكذّاب».
فيَأْمُرُ بهِ فيُؤْشَرُ بالمِئْشَارِ مِنْ مَفرِقِهِ حَتَّى يفرُقَ بينَ رِجْليْهِ، ثمَّ يَمْشِي الدَّجّالُ بَينَ القِطعَتَين ِ، ثمَّ يَقوْلُ لهُ: «قمْ» فيَسْتوِي قائِمًا، ثمَّ يَقوْلُ لهُ: «أَتُؤْمِنُ بي؟!»
فيَقوْلُ: «مَا ازْدَدْتُ فِيْك َ إلا َّ بَصِيرَة ً».
ثمَّ يَقوْلُ: «يَا أَيهَا النّاسُ، إنهُ لا يَفعَلُ بَعْدِي بأَحَدٍ مِنَ النّاس».
فيَأْخُذُهُ الدَّجّالُ لِيَذْبحَهُ، فيُجْعَلُ مَا بَينَ رَقبتِهِ إلىَ تِرْقوَتِهِ نحَاسًا فلا يَسْتَطِيْعُ إليْهِ سَبيْلا ً. فيَأْخُذُ بيَدَيهِ وَرِجْليْهِ فيَقذِفُ بهِ،
стр. 248
فيَحْسَبُ النّاسُ أَنمَا قذَفهُ إلىَ النارِ، وَإنمَا أُلقِيَ فِي الجنة.
فقالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «هَذَا أَعْظمُ النّاس ِ شَهَادَة ً عِنْدَ رَبِّ العَالمِينَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (١٨٨٢) وَمُسْلِمٌ (٢٩٣٨) وَاللفظ ُ له.
стр. 249
فصل في تَمَثل ِ الشَّيَاطِين ِ باِلمقبُوْرِينَ المسْتَغَاثِ بهمْ وَالمعْبُوْدِينَ، تَغْرِيرًا بعُبّادِهِمْ وَإضْلالا ً لهمْ! كمَا كانتْ تصْنَعُ بأَسْلافِهمْ مِنَ عُبّادِ الأَصْنَام
ثمَّ غرَّرَتْ بهمُ الشَّيَاطِينُ حَتَّى عَبَدُوْا أُوْلئِك َ المنْسُوْبينَ زُوْرًا إلىَ الصَّلاحِ وَالاسْتِقامَةِ، أَحْيَاءً وَمَيِّتِينَ، فتَمَثلتْ لهمْ بصُوَرِ رِجَال ٍ صَالحِينَ قدْ مَاتوْا أَوْ مَا زَالوْا حَيِّينَ، يُخاطِبُوْنهُمْ فيُكلمُوْهُمْ، وَيَدْعُوْنَهُمْ فيُجِيْبُوْا دَعَوَاتِهمْ وَيُغِيْثُوْا لهفاتِهمْ، وَيُنَجُّوْا هَلكاهُمْ، وَيُخْرِجُوْا غرْقاهُمْ.
حَتَّى عَلقتْهُمْ وَزَادَتْ تَعَلقهُمْ فِيْهمْ، فأَصْبَحُوْا يَدْعُوْنَهَا فِي كلِّ كبيرٍ وَصَغِيرٍ، وَكلِّ عَظِيْمٍ وَحَقِير.
كمَا كانَتْ تَفعَلُ الشَّيَاطِينُ مَعَ عُبّادِ الأَصْنَامِ، وَالملائِكةِ وَغيرِهِمْ مِنَ المشْرِكِينَ قبْلهُمْ.
فكانَتْ تَدْخُلُ فِي الأَصْنَامِ وَتُخَاطِبُهُمْ، وَتَقضِي لهمْ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِهمْ، حَتَّى أَضَلتْهُمْ، وَزَيَّنَتْ لهمْ شِرْكهُمْ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ- كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (١/ ٣٦٠) -: (وَمِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ يَأْتِي إلىَ قبْرِ الشَّيْخِ الذِي يُشْرِك ُ بهِ وَيَسْتَغِيْثُ بهِ، فينزِلُ عَليْهِ مِنَ الهوَاءِ طعامٌ، أَوْ نفقة ٌ، أَوْ سِلاحٌ، أَوْ غيرُ ذلِك َ،
стр. 250
مِمّا يَطلبُهُ، فيَظنُّ ذلِك َ كرَامَة ً لِشَيْخِهِ، وَإنمَا ذلِك َ كلهُ مِنَ الشَّيَاطِين.
وَهَذَا مِنْ أَعْظمِ الأَسْبَابِ التي عُبدَتْ بهَا الأَوْثانُ، وَقدْ قالَ الخلِيْلُ ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ﴾ كمَا قالَ نوْحٌ ﵇.
وَمَعْلوْمٌ: أَنَّ الحجَرَ لا يُضِلُّ كثِيرًا مِنَ النّاس ِ إلا َّ بسَبَبٍ اقتَضَى ضَلالهمْ، وَلمْ يَكنْ أَحَدٌ مِنْ عُبّادِ الأَصْنَامِ يَعْتَقِدُ أَنهَا خَلقتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، بَلْ إنمَا كانوْا يَتَّخِذُوْنَهَا شُفعَاءَ وَوَسَائِط َ لأَسْبَاب:
مِنْهُمْ: مَنْ صَوَّرَهَا عَلى صُوَرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالحِين.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلهَا تَمَاثِيْلَ وَطلاسِمَ لِلكوَاكِبِ وَالشَّمْس ِ وَالقمَر.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلهَا لأَجْل ِ الجنّ.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلهَا لأَجْل ِ الملائِكة.
فالمعْبُوْدُ لهمْ فِي قصْدِهِمْ: إنمَا هُوَ الملائِكة ُ وَالأَنبيَاءُ وَالصّالحِوْنَ أَوِ الشَّمْسُ أَوِ القمَر.
وَهُمْ فِي نفس ِ الأَمْرِ يَعْبُدُوْنَ الشَّيَاطِينَ: فهيَ التي تَقصِدُ مِنَ الإنس ِ أَنْ يَعْبُدُوْهَا، وَتُظهرُ لهمْ مَا يَدْعُوْهُمْ إلىَ ذلِك َ كمَا قالَ تَعَالىَ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
وَإذا كانَ العابدُ مِمَّنْ لا يَسْتَحِلُّ عِبَادَة َ الشَّيَاطِين ِ: أَوْهَمُوْهُ أَنهُ إنمَا يَدْعُوْ الأَنْبيَاءَ وَالصّالحِينَ وَالملائِكة َ وَغيرَهُمْ مِمَّنْ يُحْسِنُ العَابدُ ظنَّهُ به.
стр. 251
وَأَمّا إنْ كانَ مِمَّنْ لا يُحَرِّمُ عِبَادَة َ الجِنِّ: عَرَّفوْهُ أَنهُمُ الجِنّ) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلام.
وَهَذَا حَقٌّ لا رَيْبَ فِيْهِ وَلا مِرْية َ، لهِذَا رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي «زَوَائِدِهِ عَلى مُسْنَدِ أَبيْهِ» (٥/ ١٣٥) قالَ: (حَدَّثنَا هُدْبة ُ بنُ عَبْدِ الوَهّابِ وَمَحْمُوْدُ بْنُ غيْلانَ قالا: حَدَّثنَا الفضْلُ بْنُ مُوْسَى أَخْبرَنا حُسَينُ بْنُ وَاقِدٍ عَن ِ الرَّبيْعِ بْن ِ أَنس ٍ عَنْ أَبي العَالِيَة َ عَنْ أُبيّ بْن ِ كعْبٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً﴾ قالَ أُبيٌّ: «مَعَ كلِّ صَنَمٍ جِنيَة») اه.
وَأَرْسَلَ النَّبيُّ ﷺ لمّا فتحَ مَكة َ- خَالِدَ بنَ الوَلِيْدِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ إلىَ العُزَّى، فهَدَمَهَا، وَوَجَدَ عِنْدَهَا شَيْطانة ً كانتْ تُضِلُّ النّاسَ لِيَعْبُدُوْا العُزَّى: فقتلها. وَكانَ ذلِك َ لِخَمْس ِ ليال ٍ بقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَة َ ثمَان.
فرَوَى النَّسَائِيُّ في «سُننِهِ الكبرَى» (١١٥٤٧) (٦/ ٤٧٤): عَنْ عَلِيِّ بن ِ المنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بن ِ فضيْل ٍ عَن ِ الوَلِيْدِ بن ِجُمَيْعٍ عَنْ أَبي الطفيْل ِ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ لمّا فتحَ مَكة َ: بعَثَ خَالِدَ بنَ الوَلِيْدِ إلىَ نخلة َ، وَكانتْ بهَا العُزَّى لِيهْدِمَهَا.
فأَتاهَا خَالِدٌ - وَكانتِ العُزَّى عَلى ثلاثِ سَمُرَاتٍ - فقطعَ السَّمُرَاتِ، وَهَدَمَ البيْتَ الذِي كانَ عَليْهَا.
стр. 252
ثمَّ أَتى النَّبيَّ ﷺ فأَخْبرَه.
فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «ارْجِعْ! فإنك َ لمْ تصْنَعْ شَيْئًا».
فرَجَعَ خَالِدٌ، فلمّا أَبصَرَتْ بهِ السَّدَنة ُ- وَهُمْ حَجَبَتهَا- أَمْعَنُوْا في الجبل ِ وَهُمْ يقوْلوْنَ: يا عُزَّى خَبِّلِيْهِ! يَا عُزَّى عَوِّرِيهِ!
فأَتاهَا خَالِدٌ، فإذا هِيَ امْرَأَة ٌ عُرْيانة ٌ! ناشِرَة ٌ شَعْرَهَا، تحْتفِنُ التُّرَابَ عَلى رَأْسِهَا!
فعَمَّمَهَا خَالِدٌ باِلسَّيْفِ فقتلهَا، ثمَّ رَجَعَ إلىَ النَّبيِّ ﷺ فأَخْبرَهُ الخبرَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «تِلك َ العُزَّى».
وَرَوَاهُ:
- أَبوْ نعَيْمٌ الأَصْبَهَانِيُّ في «دَلائِل ِالنُّبُوَّةِ» (ص٤٦٩) مِنْ طرِيق ِ عَلِيِّ بن ِ المنْذِرِ به.
- وَأَبوْ يعْلى الموْصِلِيُّ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ١٩٦ - ١٩٧) (٩٠٢): حَدَّثنَا أَبوْ كرَيْبٍ حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بنُ فضيْل ٍ به.
- وَالبَيْهَقِيُّ في «دَلائِل ِ النُّبُوَّةِ» (٥/ ٧٧) مِنْ طرِيق ِ أَبي يعْلى الموْصِلِيُّ به.
وَأَخْرَجَ الأَزْرَقِيُّ في «أَخْبَارِ مَكة» (١/ ١٢٦): عَن ِ ابن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا -وَذكرَ اللاتَ وَالعُزَّى- فقالَ: (كانَ العُزَّى ثلاثُ شَجَرَاتٍ سَمُرَاتٍ بنخلة.
وَكانَ أَوَّلَ مَنْ دَعَا إلىَ عِبَادَتِهَا: عَمْرُو بنُ رَبيْعَة َ، وَالحارِثُ بنُ كعْب.
стр. 253
وَكانَ في كلِّ وَاحِدَةٍ شَيْطانا يعْبَد.
فلمّا بعَثَ الله ُ مُحَمَّدًا ﷺ بعثَ بَعْدَ الفتْحِ خَالِدَ بنَ الوَلِيْدِ إلىَ العُزَّى لِيَقطعَهَا فقطعَهَا، ثمَّ جَاءَ خَالِدٌ إلىَ النَّبيِّ ﷺ .
فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «مَا رَأَيتَ فِيْهنّ؟»
قالَ: لا شَيْء.
فقالَ ﷺ : «مَا قطعْتهُنَّ! فارْجِعْ فاقطعْ».
فرَجَعَ فقطعَ، فوَجَدَ تَحْتَ أَصْلِهَا امْرَأَة ً! ناشِرَة ً شَعْرَهَا! قائِمَة ً عَليْهنَّ، كأَنهَا تنُوْحُ عَليْهنّ!
فرَجَعَ فقالَ: إني رَأَيتُ كذَا وَكذَا!
فقالَ ﷺ : «صَدَقتَ».
وَأَخْرَجَ الأَزْرَقِيُّ أَيضًا في «أَخْبَارِ مَكة» (١/ ١٢٧): عَنْ مُحَمَّدِ بن ِ السّائِبِ الكلبيُّ قالَ: (كانتْ بنوْ نصْرٍ وَجُشَمُ وَسَعْدُ بنُ بَكرٍ، وَهُمْ عَجُزُ هَوَازِنَ يعْبُدُوْنَ العُزَّى.
وَكانتِ اللاتُ وَالعُزَّى وَمَنَاة ُ في كلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْطانة ٌ تُكلمُهُمْ وَترَاءَا لِلسَّدَنةِ - وَهُمُ الحجَبَة ُ- وَذلِك َ مِنْ صَنِيْعِ إبلِيْسَ وَأَمْرِه).
وَأَخْرَجَ الأَزْرَقِيُّ كذَلِك َفي «أَخْبَارِ مَكة» (١/ ١٢٧ - ١٢٩): عَنْ سَعِيْدِ بن ِ عَمْرٍو الهذَلِيِّ قالَ: (قدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مَكة َيوْمَ الجمُعَةِ لِعَشْرٍ بقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان).
стр. 254
ثمَّ ذكرَ سَعِيْدٌ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ خَالِدَ بنَ الوَلِيْدِ إلىَ العُزَّى لِيَهْدِمَهَا، فخَرَجَ خَالِدٌ في ثلاثِينَ فارِسا مِنْ أَصْحَابهِ إلىَ العُزَّى، حَتَّى انتهَى إليْهَا فهَدَمَهَا.
ثمَّ رَجَعَ إلىَ النَّبيِّ ﷺ فقالَ لهُ: «أَهَدَمْتَ؟».
قالَ: نعَم، يا رَسُوْلَ الله.
قالَ: «هَلْ رَأَيتَ شَيْئًا؟».
قالَ: لا.
قالَ: «فإنك َ لمْ تهْدِمْهَا! فارْجِعْ إليْهَا فاهْدِمْهَا».
فخَرَجَ خَالِدُ بنُ الوَلِيْدِ - وَهُوَ مُتَغَيِّظ ٌ- فلمّا انتهَى إليْهَا جَرَّدَ سَيْفهُ، فخَرَجَتِ امْرَأَة ٌ سَوْدَاءُ عُرْيانة ٌ! ناشِرَة ٌ شَعْرَهَا!
فجَعَلَ السّادِنُ يَصِيْحُ بهَا - قالَ خَالِدٌ: وَأَخَذَنِي اقشِعْرَارٌ في ظهْرِي- وَيقوْلُ:
أَعُزَّى! شُدِّي شَدَّة ً لا تُكذِّبي ... أَعُزَّى! أَلق ِ القِنَاعَ وَشَمِّرِي
أَعُزَّى! إنْ لمْ تقتلِي المرْءَ خَالِدًا ... فبوْئِي بإثمٍ عَاجِل ٍ أَوْ تنصَّرِي
فأَقبلَ خَالِدٌ باِلسَّيْفِ إليْهَا وَهُوَ يَقوْلُ:
يَا عُزَّى! كفرَانكِ لا سُبْحَانكِ ... إني رَأَيتُ الله َ قدْ أَهَانكِ
قالَ: فضَرَبهَا باِلسَّيْفِ، فجَزَلها باِثنتين ِ، ثمَّ رَجَعَ إلىَ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ فأَخْبرَهُ.
فقالَ ﷺ : «نعم، تِلك َ العُزَّى قدْ أَيسَتْ أَنْ تعْبَدَ ببلادِكمْ أَبدًا.
стр. 255
وَكانَ هَدْمُهَا لِخَمْس ِ ليال ٍ بقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَة َ ثمَان.
وَأَخْرَجَ الأَزْرَقِيُّ كذَلِك َفي «أَخْبَارِ مَكة» (١/ ١٢٢): مِنْ طرِيق ِ الوَاقِدِيِّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّ الأَصْنَامَ لمّا كسِرَتْ، وَمِنْهَا إسَافٌ وَنائِلة ُ-: خَرَجَتْ مِنْ إحْدَاهُمَا امْرَأَة ٌ سَوْدَاءُ شَمْطاءُ! تَخْمِشُ وَجْهَهَا! عُرْيانة ٌ! ناشِرَة ُ الشَّعْرِ، تدْعُوْ باِلوَيل!
فقِيْلَ لِرَسُوْل ِ اللهِ ﷺ في ذلِك َ فقالَ: «تِلك َ نائِلة ُ، قدْ أَيسَتْ أَنْ تعبدَ ببلادِكمْ أَبدًا».
وَمَا يَرَاهُ هَؤُلاءِ المشْرِكوْنَ فِي كلِّ عَصْرٍ مِنْ خَوَارِقَ شَيْطانِيَّةٍ، هِيَ مِنْ أَسْبَابِ شِرْكِهمْ وَضَلالهِمْ قدِيْمًا وَحَدِيْثًا.
وَمَا رَأَوْهُ مِمّا سَبَقَ، أَوْ سَمِعُوْهُ مِمّا تقدَّمَ: هِيَ مَخَارِيْقُ شَيْطانِيَّة ٌ، مِنْ جِنْس ِ مَخَارِيْق ِ السَّحَرَةِ وَالكهّان ِ، أَرَادَتِ الشَّيَاطِينُ إغوَاءَهُمْ بهَا عَنْ دِيْن ِ اللهِ وَتَوْحِيْدِهِ، كمَا كانتْ تُغْوِي قبْلهُمْ عُبّادَ الأَصْنَامِ وَسَائِرَ المشْرِكِينَ، تَتَمَثَّلُ فِي الأَصْنَامِ وَتُخَاطِبُهُمْ، وَتَقضِي حَاجَاتِهمْ، وَتُغِيْثُ بَعْضَ لهفاتِهمْ.
وَلوْلا تِلك َ الأُمُوْرُ لمَا ضَلوْا باِلأَحْجَارِ وَالأَشْجَارِ، وَلمَا خَشِيَ نبيُّ اللهِ وَخَلِيْلهُ إمَامُ الحنفاءِ، وَأَبوْ الأَنبيَاءِ الأَصْفِيَاءِ مِنْهُ فقالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ﴾.
فهَلْ كانَ إضْلالهنَّ لِكثِيرٍ مِنَ النّاس ِ إلا َّ لِمُوْجِبٍ لِلإضْلال ِ، مُخِيْفٍ لإمَامِ الحنفاءِ مِنَ الوُقوْعِ فِيْهِ وَالضَّلال؟!
стр. 256
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ-كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (١٧/ ٤٦٠ - ٤٦١) -: (وَإنمَا المقصُوْدُ: أَنَّ أَصْلَ الشِّرْكِ فِي العَالمِ كانَ مِنْ عِبَادَةِ البَشَرِ الصّالحِينَ، وَعِبَادَةِ تَمَاثِيْلِهمْ وَهُمُ المقصوْدُوْنَ.
وَمِنَ الشِّرْكِ: مَا كانَ أَصْلهُ عِبَادَة َ الكوَاكِبِ، إمّا الشَّمْسُ، وَإمّا القمَرُ، وَإمّا غيرُهُمَا، وَصُوِّرَتِ الأَصْنَامُ طلاسِمَ لِتِلك َ الكوَاكِب.
وَشِرْك ُ قوْمِ إبْرَاهِيْمَ - وَالله ُ أَعْلمُ - كانَ مِنْ هَذَا، أَوْ كانَ بَعْضُهُ مِنْ هَذَا.
وَمِنَ الشِّرْكِ: مَا كانَ أَصْلهُ عِبَادَة َ الملائِكةِ أَوِ الجِنِّ، وَوُضِعَتِ الأَصْنَامُ لأَجْلِهمْ، وَإلا َّ فنفسُ الأَصْنَامِ الجمَادِيةِ لمْ تُعْبَدْ لِذَاتِهَا، بَلْ لأَسْبَابٍ اقتضَتْ ذلِك َ، وَشِرْك ُ العَرَبِ كانَ أَعْظمُهُ الأَوَّلَ، وَكانَ فِيْهِ مِنَ الجمِيْع) اه.
стр. 257
فصل وَلِتمَامِ عِلمِ الصَّحَابةِ - رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ جَمِيْعًا - وَتمامِ إيْمَانِهمْ وَمَعْرِفتِهمْ، وَتَمَامِ عِلمِ أَتْبَاعِهمْ عَلى الإيْمَان ِ وَالإسْلامِ وَالإحْسَان ِ وَتابعِيْهمْ: لمْ يَطمَعْ فِيْهمُ الشَّيْطانُ أَنْ يَقوْلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لأَصْحَابهِ: «إذا كانتْ لكمْ حَاجَة ٌ فتَعَالوْا إلىَ قبْرِي، وَاسْتَغِيْثوْا بي، لا فِي مَحْيَاهُ وَلا فِي مَمَاتِهِ، كمَا جَرَى مِثْلُ هَذَا لِكثِيرٍ مِنَ المتأَخِّرِينَ مِمَّنْ ضَعُفَ عِلمُهُمْ وَإيمَانهُمْ، وَضَعُفتْ بَصِيرَتُهُمْ، وَجَهلوْا حَقِيْقة َ مَا بعِثتْ بهِ الرُّسُلُ صَلوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَليْهمْ، مِنْ إفرَادِ اللهِ باِلتَّوْحِيْدِ، وَمُوَالاةِ أَهْلِهِ، وَعَدَاءِ مُخَالِفِيْهِ، وَأَنَّ مَجَامِعَ الكرَامَةِ فِي تَمَامِ الاسْتِقامَة.
وَلا طمِعَ الشَّيْطانُ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَهُمْ وَيَقوْلَ: «أَنا مِنْ رِجَال ِ الغيْبِ، أَوْ مِنَ الأَوْتادِ الأَرْبعةِ، أَوِ السَّبْعَةِ، أَوِ الأَرْبعِينَ»، أَوْ يَقوْلَ لهُ: «أَنتَ مِنْهُمْ»، إذْ كانَ هَذَا عِنْدَهُمْ مِنَ الباطِل ِ الذِي لا حَقِيْقة َ له.
وَلا طمِعَ الشَّيْطانُ أَنْ يَأْتِي أَحَدَهُمْ فيَقوْلُ: «أَنا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ »، أَوْ يُخَاطِبُهُ عِنْدَ القبرِ، كمَا وَقعَ لِكثِيرٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ عِنْدَ قبرِهِ ﷺ ، وَقبرِ غيْرِهِ، وَعِنْدَ غيرِ القبوْر.
وَكمَا يَقعُ كثِيرٌ مِنْ ذلِك َ لِلمُشْرِكِينَ وَأَهْل ِ الكِتَابِ، يَرَوْنَ بَعْدَ الموْتِ مَنْ يُعَظمُوْنهُ مِِنْ شُيُوْخِهمْ.
стр. 258
فأَهْلُ الهِنْدِ: يَرَوْنَ مَنْ يُعَظمُوْنهُ مِنْ شُيُوْخِهمُ الكفارِ وَغيْرِهِمْ.
وَالنَّصَارَى: يَرَوْنَ مَنْ يُعَظمُوْنهُ مِنَ الأَنْبيَاءِ وَالحوَارِيِّينَ وَغيرِهِمْ.
وَالضُّلاّلُ مِنْ أَهْل ِ القِبْلةِ: يَرَوْنَ مَنْ يُعَظمُوْنهُ: إمّا النَّبيَّ ﷺ ، وَإمّا غيرَهُ مِنَ الأَنْبيَاءِ يَقظة ً! وَيُخاطِبُهُمْ وَيُخاطِبُوْنهُ! وَقدْ يَسْتَفتُوْنهُ! وَيَسْأَلوْنهُ عَنْ أَحَادِيْثَ فيُجِيْبُهُمْ!
وَمِنْهُمْ: مَنْ يُخَيَّلُ إليْهِ أَنَّ الحجْرَة َ قدِ انشقتْ وَخَرَجَ مِنْهَا النَّبيُّ ﷺ ، وَعَانقهُ - هُوَ- وَصَاحِبَاه.
وَمِنْهُمْ: مَنْ يُخَيَّلُ إليْهِ أَنهُ رَفعَ صَوْتهُ باِلسَّلامِ حَتَّى وَصَلَ مَسِيرَة َ أَيامٍ، وَإلىَ مَكان ٍ بَعِيْد.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ بَعْدَ ذلِك َ- كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (٢٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣) -: (وَهَذَا وَأَمْثالهُ أَعْرِفُ مِمَّنْ وَقعَ لهُ هَذَا وَأَشبَاهُهُ عَدَدًا كثِيرًا.
وَقدْ حَدَّثنِي بمَا وَقعَ لهُ فِي ذلِك َ وَبمَا أَخْبرَ بهِ غيرُهُ مِنَ الصّادِقِينَ مَنْ يَطوْلُ هَذَا الموْضِعُ بذِكرِهِمْ.
وَهَذَا مَوْجُوْدٌ عِنْدَ خَلق ٍ كثِيرٍ، كمَا هُوَ مَوْجُوْدٌ عِنْدَ النَّصَارَى وَالمشْرِكِينَ، لكِنْ كثِيرٌ مِنَ النّاس ِ يُكذِّبُ بهَذَا، وَكثِيرٌ مِنْهُمْ إذا صَدَّقَ بهِ يَظنُّ أَنهُ مِنَ الآياتِ الإلهِيَّةِ، وَأَنَّ الذِي رَأَى ذلِك َ رَآه ُ لِصَلاحِهِ وَدِينِه!
стр. 259
وَلمْ يَعْلمْ أَنهُ مِنَ الشَّيْطان ِ، وَأَنهُ بحسَبِ قِلةِ عِلمِ الرَّجُل ِ يُضِلهُ الشَّيْطان.
وَمَنْ كانَ أَقلَّ عِلمًا: قالَ لهُ مَا يَعْلمُ أَنهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيْعَةِ خِلافا ظاهِرًا.
ومَنْ عِنْدَهُ عِلمٌ مِنْهَا: لا يَقوْلُ لهُ مَا يَعْلمُ أَنهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيْعَةِ، وَلا مُفِيْدًا فائِدَة ً فِي دِينِهِ، بَلْ يضِلهُ عَنْ بَعْض ِ مَا كانَ يَعْرِفه.
فإنَّ هَذَا فِعْلُ الشَّيَاطِين ِ، وَهُوَ وَإنْ ظنَّ أَنهُ قدِ اسْتَفادَ شَيْئًا، فالذِي خَسِرَهُ مِنْ دِينِهِ أَكثر.
وَلهِذَا لمْ يَقلْ قط ّ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابةِ: إنَّ الخضِرَ أَتاهُ، وَلا مُوْسَى، وَلا عِيْسَى، وَلا أَنهُ سَمِعَ رَدَّ النَّبيَّ ﷺ عَليْه.
وَابْنُ عُمَرَ كانَ يُسَلمُ إذا قدِمَ مِنْ سَفرٍ، وَلمْ يَقلْ قط ّ: إنهُ يَسْمَعُ الرَّدّ.
وَكذَلِك َ التّابعُوْنَ وَتابعُوْهُمْ، وَإنمَا حَدَثَ هَذَا مِنْ بَعْض ِ المتَأَخِّرِيْنَ).
ثمَّ قالَ ﵀ ُ بَعْدَ ذلِك َ: (فمَا ظهَرَ فِيْمَنْ بَعْدَهُمْ مِمّا يُظنُّ أَنهَا فضِيْلةٌ لِلمُتَأَخِّرِيْنَ، وَلمْ تَكنْ فِيْهمْ: فإنهَا مِنَ الشَّيْطان ِ، وَهِيَ نَقِيْصَة ٌ لا فضِيْلة ٌ، سَوَاءٌ كانَتْ مِنْ جِنْس ِ العُلوْمِ، أَوْ مِنْ جِنْس ِ العِبَادَاتِ، أَوْ مِنْ جِنْس ِ الخوَارِق ِ وَالآياتِ، أَوْ مِنْ جِنْس ِ السِّيَاسَةِ وَالملك.
стр. 260
بَلْ خيرُ النّاس ِ بَعْدَهُمْ أَتبعُهُمْ لهمْ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «مَنْ كانَ مِنْكمْ مُسْتنًّا: فليَسْتَنَّ بمَنْ قدْ مَاتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤْمَنُ عَليْهِ الفِتْنَة.
أُوْلئِك َ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَبرُّ هَذِهِ الأُمَّةِ قلوْبًا، وَأَعْمَقهَا عِلمًا، وَأَقلهَا تَكلفا.
قوْمٌ اخْتَارَهُمُ الله ُ لِصُحْبَةِ نبيِّهِ ﷺ ، وَإقامَةِ دِينِهِ، فاعْرِفوْا لهمْ حَقهُمْ، وَتَمَسَّكوْا بهَدْيهمْ، فإنهُمْ كانوْا عَلى الهدْي المسْتقِيْم». وَبَسْط ُ هَذَا لهُ مَوْضِعٌ آخَر) اه.
стр. 261
فصل في ذِكرِ طرَفٍ مِنَ المخارِيق ِ الشَّيْطانِيَّة
وَهَذِهِ المخارِيقُ الشَّيْطانِيَّة ُ لِلمُشْرِكِينَ وَالضّالينَ الجاهِلِينَ: يَعْرِفُ حَقِيْقتَهَا الموَحِّدُوْنَ فِي كلِّ عَصْرٍ وَكلِّ مِصْرٍ، فلا تُغْوِيْهمُ الشَّيَاطِينُ عَمّا هُمْ عَليْهِ مِنَ الهدَى وَالحقِّ المبين ِ، وَلا تَزِيدُهُمْ هَذِهِ الخزَعْبلاتُ إلا َّ بَصِيرَة ً وَإيْمَانا، وَتَصْدِيْقا بإخْبَارِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ وَإيقانا، وَقِيَامًا بمَا أَمَرَ الله ُ وَرَسُوْلهُ ﷺ تِجَاهَهَا، فقلوْبهُمْ مَعَ هَذِهِ الفِتن ِ سَالِمَة ٌ خَالِيَة ٌ، كمَا أَخْبرَ بذَلك َ نبيُّهُمْ ﷺ فقالَ: «تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلى القلوْبِ كالحصِيرِ عُوْدًا عُوْدًا، فأَيُّ قلبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيْهِ نُكتَة ٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكتَة ٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلى قلبَيْن ِ عَلى أَبْيَضَ مِثْل ِ الصَّفا فلا تَضُرُّهُ فِتْنَة ٌمَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كالكوْزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ مَعْرُوْفا وَلا يُنْكِرُ مُنْكرًا، إلا َّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاه» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٥/ ٤٠٥، ٣٨٦) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (١٤٤) مِنْ حَدِيْثِ حُذَيْفةِ بْن ِ اليمَان ِ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
وَقدْ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ فِي جُمْلةٍ مِنْ كتبهِ طرَفا كبيرًا مِنْ تِلك َ المخارِيْق ِ الشَّيْطانِيَّةِ، وَذكرَ أَنهُ لوْ ذكرَ كلَّ مَا يَعْرِفهُ مِنْ ذلِك َ لاحْتَاجَ إلىَ مُجَلدٍ كبيرٍ فِي ذلِك َ!
стр. 262
وَأَكتفِي بذِكرِ شَيْءٍ مِمّا ذكرَهُ ﵀ ُ:
* مِنْ ذلِك َ: قوْلهُ ﵀ ُ: (وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلاءِ عَدَدًا، وَمِنْهُمْ: مَنْ كانَ يُحْمَلُ فِي الهوَاءِ إلىَ مَكان ٍ بَعِيْدٍ وَيَعُوْد!
* وَمِنْهُمْ: مَنْ كانَ يُؤْتى بمَال ٍ مَسْرُوْق ٍ، تَسْرُقهُ الشَّيَاطِينُ، وَتَأْتِيْهِ به!
* وَمِنْهُمْ: مَنْ كانَتْ تدُلهُ عَلى السَّرِقاتِ بجُعْل ٍ يَحْصُلُ لهُ مِنَ النّاس ِ، أَوْ بعَطاءٍ يُعْطوْنهُ إذا دَلهمْ عَلى سَرِقاتِهمْ، وَنَحْو ذلك) (١).
* وَقالَ: (وَمِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ يَسْتَغِيْثُ بمَخلوْق ٍ، إمّا حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، سَوَاءٌ كانَ ذلِك َ المخلوْقُ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ مُشْرِكا: فيَتَصَوَّرُ الشَّيْطانُ بصُوْرَةِ ذلِك َ المسْتَغاثِ بهِ، وَيَقضِي بَعْضَ حَاجَةِ ذلِك َ المسْتَغِيْثِ، فيَظنُّ أَنهُ ذلِك َ الشَّخْصُ، أَوْ هُوَ مَلك ٌ عَلى صُوْرَتِه.
وَإنمَا هُوَ شَيْطانٌ أَضَلهُ لمّا أَشْرَك َ باِللهِ، كمَا كانَتِ الشَّيَاطِينُ تَدْخُلُ في الأَصْنَامِ، وَتُكلمُ المشْرِكِين.
* وَمِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ يَتَصَوَّرُ لهُ الشَّيْطانُ وَيَقوْلُ لهُ: «أَنا الخضِرُ»! وَرُبَّمَا أَخْبرَهُ ببَعْض ِ الأُمُوْرِ! وَأَعَانهُ عَلى بَعْض ِ مَطالِبهِ! كمَا جَرَى ذلِك َ لِغَيرِ وَاحِدٍ مِنَ المسْلِمِينَ وَاليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى. стр. 263
* وَكثِيرٌ مِنَ الكفارِ بأَرْض ِ المشْرِق ِ وَالمغْرِبِ، يَمُوْتُ لهمُ الميِّتُ، فيَأْتِي الشَّيْطانُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى صُوْرَتِهِ - وَهُمْ يَعْتَقِدُوْنَ أَنهُ ذلِك َ الميِّتُ - وَيَقضِي الدُّيوْنَ، وَيَرُدُّ الوَدَائِعَ، وَيَفعَلُ أَشْيَاءَ تَتَعَلقُ باِلميِّتِ، وَيَدْخُلُ إلىَ زَوْجَتِهِ، وَيَذْهَب. وَرُبمَا يَكوْنوْنَ قدْ أَحْرَقوْا مَيَّتَهُمْ باِلنّارِ! كمَا يَصْنَعُ كفارُ الهِنْدِ، فيَظنُّوْنَ أَنهُ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِه!
* وَمِنْ هَؤُلاءِ: شَيْخٌ كانَ بمصْرَ أَوْصَى خَادِمَهُ فقالَ: «إذا أَنا مِتُّ فلا تَدَعْ أَحَدًا يُغَسِّلني، فأَنا أَجِيءُ وَأُغسِّلُ نَفسِي!».
فلمّا مَاتَ: رَأَى خَادِمُهُ شَخْصًا فِي صُوْرَتِهِ! فاعْتَقدَ أَنهُ هُوَ دَخَلَ وَغسَّلَ نَفسَهُ! فلمّا قضَى ذلِك َ الدّاخِلُ غسْلهُ - أَيْ غسْلَ الميِّتِ - غاب!
وَكانَ ذلِك َ شَيْطانا، وَكانَ قدْ أَضَلَّ الميِّتَ، وَقالَ: «إنك َ بَعْدَ الموْتِ تَجِيءُ فتَغْسِلُ نفسَك َ!»، فلمّا مَاتَ جَاءَ أَيْضًا فِي صُوْرَتِهِ لِيُغوِيَ الأَحْيَاءَ، كمَا أَغوَى الميِّتَ قبْلَ ذلك.
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يرَى عَرْشا فِي الهوَاءِ وَفوْقهُ نوْرٌ، وَيَسْمَعُ مَنْ يُخَاطِبُهُ وَيَقوْلُ: «أَنا رَبك َ!»، فإنْ كانَ مِنْ أَهْل ِ المعْرِفةِ: عَلِمَ أَنهُ شَيْطانٌ فزَجَرَهُ، وَاسْتَعَاذَ باِللهِ مِنْهُ فيَزُوْلُ ذلك) (١). стр. 264
* قالَ: (وَقدْ جَرَتْ هَذِهِ القِصَّة ُ لِغيرِ وَاحِدٍ مِنَ النّاس ِ، فمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَهُ الله ُ، وَعَرَفَ أَنهُ الشَّيْطانُ، كالشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ فِي حِكايتِهِ المشْهُوْرَةِ حَيْثُ قالَ: «كنْتُ مَرَّة ً فِي العِبَادَةِ، فرَأَيتُ عَرْشا عَظِيْمًا، وَعَليْهِ نوْرٌ، فقالَ لِي: يَا عَبْدَ القادِرِ! أَنا رَبك َ! وَقدْ حَللتُ لك َ مَا حَرَّمْتُ عَلى غيرِك!
قالَ: فقلتُ لهُ: أَنتَ الله ُ الذِي لا إلهَ إلا َّ هُوَ؟! اِخْسَأْ يا عَدُوَّ الله.
قالَ: فتَمَزَّقَ ذلِك َ النوْرُ، وَصَارَ ظلمَة.
وَقالَ: يَا عَبْدَ القادِرِ نجَوْتَ مِنِّي بفِقهك َ فِي دِينِك َ، وَعِلمِك َ وَبمُنازَلاتِك َ فِي أَحْوَالِك َ، لقدْ فتنْتُ بهَذِهِ القِصَّةِ سَبْعِينَ رَجُلا ً».
فقِيْلَ لهُ: كيْفَ عَلِمْتَ أَنهُ الشَّيْطان؟
قالَ: «بقوْلِهِ لِي: حَللتُ لك َ مَا حَرَّمْتُ عَلى غيرِك َ! وَقدْ عَلِمْتُ أَنَّ شَرِيْعَة َ مُحَمَّدٍ ﷺ لا تُنْسَخُ، وَلا تبدَّل. وَلأَنهُ قالَ: أَنا رَبُّك َ، وَلمْ يَقدِرْ أَنْ يَقوْلَ: أَنا الله ُ الذِي لا إلهَ إلا َّ أَنا».
* وَمِنْ هَؤُلاءِ: مَن ِ اعْتَقدَ أَنَّ المرْئِيَّ هُوَ الله ُ! وَصَارَ هُوَ وَأَصْحَابهُ يَعْتَقِدُوْنَ أَنهُمْ يَرَوْنَ الله َ تَعَالىَ فِي اليَقظةِ! وَمُسْتَنَدُهُمْ مَا شَاهَدُوْه!
وَهُمْ صَادِقوْنَ فِيْمَا يُخْبرُوْنَ بهِ، وَلكِنْ لمْ يَعْلمُوْا أَنَّ ذلِك َ هُوَ الشَّيْطان.
стр. 265
* وَهَذَا قدْ وَقعَ كثِيرًا لِطوَائِفَ مِنْ جُهّال ِ العُبّادِ، يَظنُّ أَحَدُهُمْ أَنهُ يَرَى الله َ تَعَالىَ بعَيْنِهِ فِي الدُّنيا! لأَنَّ كثِيرًا مِنْهُمْ رَأَى مَا ظنَّ أَنهُ الله ُ، وَإنمَا هُوَ شَيْطان) (١).
* قالَ: (وَمِنْهُمْ: مَنْ يَرَى أَشْخاصًا فِي اليَقظةِ يَدَّعِي أَحَدُهُمْ أَنهُ نبيٌّ! أَوْ صِدِّيقٌ! أَوْ شَيْخٌ مِنَ الصّالحِينَ! وَقدْ جَرَى هَذَا لِغيرِ وَاحِد.
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يَرَى فِي مَنَامِهِ أَنَّ بَعْضَ الأَكابرِ: إمّا الصِّدِّيقُ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، أَوْ غيرُهُ، قدْ قصَّ شَعْرَهُ، أَوْ حَلقهُ، أَوْ أَلبسَهُ طاقِيَّتَهُ، أَوْ ثوْبهُ: فيُصْبحُ وَعَلى رَأْسِهِ طاقِيَّة ٌ، وَشَعْرُهُ مَحْلوْقٌ أَوْ مُقصَّرٌ! وَإنمَا الجِنُّ قدْ حَلقوْا شعْرَهُ أَوْ قصَّرُوْه) (٢).
* ثمَّ قالَ: (فإني أَعْرِفُ مَنْ تُخَاطِبُهُ النَّبَاتاتُ بمَا فِيْهَا مِنَ المنَافِعِ! وَإنمَا يُخَاطِبُهُ الشَّيْطانُ الذِي دَخَلَ فِيْهَا.
* وَأَعْرِفُ مَنْ يُخَاطِبُهُمُ الحجَرُ وَالشَّجَرُ! وَتَقوْلُ: «هَنِيْئًا لك َ يَا وَلِيَّ اللهِ» فيَقرَأُ آية َ الكرْسِيِّ فيَذْهَبُ ذلك.
* وَأَعْرَفُ مَنْ يَقصِدُ صَيْدَ الطيرِ، فتُخاطِبُهُ العَصَافِيرُ وَغيْرُهَا وَتَقوْلُ: «خُذْنِي حَتَّى يَأْكلنِي الفقرَاء»! وَيَكوْنُ الشَّيْطانُ قدْ دَخَلَ فِيْهَا، كمَا يَدْخُلُ فِي الإنس ِ وَيُخاطِبُهُ بذَلك. стр. 266
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يَكوْنُ فِي البَيْتِ وَهُوَ مُغلقٌ، فيَرَى نفسَهُ خَارِجَهُ وَهُوَ لمْ يُفتَحْ! وَباِلعَكس! وَكذَلِك َ فِي أَبوَابِ المدِينةِ! وَتَكوْنُ الجِنُّ قدْ أَدْخلتهُ وَأَخْرَجَتْهُ بسُرْعة.
* أَوْ تَمُرُّ بهِ أَنوَارٌ! أَوْ تُحْضِرُ عِنْدَهُ مَنْ يَطلبُهُ! وَيَكوْنُ ذلِك َ مِنَ الشَّيَاطِين ِ، يَتَصَوَّرُوْنَ بصُوْرَةِ صَاحِبه. فإذا قرَأَ آية َ الكرْسِيِّ مَرَّة ً بَعْدَ مَرَّةٍ: ذهَبَ ذلِك َ كله.
* وَأَعْرِفُ مَنْ يُخَاطِبُهُ مُخَاطِبٌ وَيَقوْلُ لهُ: «أَنا مِنْ أَمْرِ اللهِ»، وَيَعِدُهُ بأَنهُ المهْدِيُّ الذِي بشرَ بهِ النَّبيُّ ﷺ ، وَيُظهرُ لهُ الخوَارِق!
مِثْلَ أَنْ يَخْطرَ بقلبهِ تَصَرُّفٌ فِي الطيْرِ وَالجرَادِ فِي الهوَاءِ، فإذا خَطرَ بقلبهِ ذهَابُ الطيرِ أَوِ الجرَادِ يَمِيْنًا أَوْ شَمَالا ً: ذهَبَ حَيْثُ أَرَادَ! وَإذا خَطرَ بقلبهِ قِيَامُ بَعْض ِ الموَاشِي أَوْ نوْمُهُ أَوْ ذهَابهُ: حَصَلَ لهُ مَا أَرَادَ مِنْ غيرِ حَرَكةٍ مِنْهُ فِي الظاهِر!
وَتَحْمِلهُ إلىَ مَكة َ وَتأْتِي بهِ، وَتأْتيْهِ بأَشْخَاص ٍ فِي صُوْرَةٍ جَمِيْلةٍ، وَتَقوْلُ لهُ: «هَذِهِ الملائِكة ُ الكرُوْبيُّوْنَ، أَرَادُوْا زِيارَتك َ»! فيَقوْلُ فِي نفسِهِ: «كيْفَ تَصَوَّرُوْا بصُوْرَةِ المرْدَان؟!» فيَرْفعُ رَأْسَهُ فيَجِدُهُمْ بلِحَى!
وَيَقوْلُ لهُ: «عَلامَة ُ أَنك َ أَنتَ المهْدِيُّ: أَنك َ تنبتُ فِي جَسَدِك َ شَامَة ٌ» فتنبتُ وَيرَاهَا! وَغيرُ ذلك. وَكلهُ مِنْ مَكرِ الشَّيْطان.
стр. 267
وَهَذَا بابٌ وَاسِعٌ، لوْ ذكرْتُ مَا أَعْرِفهُ مِنْهُ لاحْتَاجَ إلىَ مُجَلدٍ كبير) (١).
* قالَ: (وَلقدْ أَخبرَ بَعْضُ الشُّيُوْخِ الذِينَ كانَ قدْ جَرَى لهمْ مِثْلُ هَذَا بصُوْرَةِ مُكاشَفةٍ وَمُخَاطبَةٍ فقالَ: «يُرُوْنني الجِنُّ شَيْئًا برّاقا مِثْلَ الماءِ وَالزُّجَاج»، وَيُمَثلوْنَ لهُ فِيْهِ مَا يطلبُ مِنْهُ الإخْبَارُ به!
قالَ: «فأُخبرُ النّاسَ بهِ! وَيُوْصِلوْنَ إليَّ كلامَ مَن ِ اسْتَغَاثَ بي مِنْ أَصْحَابي، فأُجيْبُهُ، فيُوْصِلوْنَ جَوَابي إليْه!
وَكانَ كثِيرٌ مِنَ الشُّيُوْخِ الذِيْنَ حَصَلَ لهمْ كثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الخوَارِق ِ: إذا كذَّبَ بهَا مَنْ لمْ يَعْرِفهَا، وَقالَ: «إنكمْ تَفعَلوْنَ هَذَا بطرِيق ِ الحِيْلةِ، كمَا يُدْخَلُ النّارُ بحجَرِ الطلق ِ، وَقشُوْرِ النّارَنجِ، وَدِهْن ِ الضَّفادِعِ وَغيرِ ذلِك َ مِنَ الحِيَل ِ الطبيْعِيَّة». فيَعْجَبُ هَؤُلاءِ المشَايخُ، وَيَقوْلوْنَ: «نَحْنُ وَاللهِ لا نعْرِفُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الحِيَل».
فلمّا ذكرَ لهمُ الخبيرُ: «إنكمْ لصَادِقوْنَ في ذلِك َ، وَلكِنْ هَذِهِ الأَحْوَالُ شَيْطانِيَّة»: أَقرُّوْا بذَلِك َ، وَتابَ مِنْهُمْ مَنْ تابَ الله ُ عَليْهِ، لمّا تبَيَّنَ لهمُ الحقُّ، وَتبَيَّنَ لهمْ مِنْ وُجُوْهٍ أَنهَا مِنَ الشيْطان.
وَرَأَوْا أَنهَا مِنَ الشَّيَاطِين ِ: لمّا رَأَوْا أَنها تَحْصُلُ بمِثْل ِالبدَعِ المذْمُوْمَةِ فِي الشَّرْعِ، وَعِنْدَ المعَاصِي لله. فلا تَحْصُلُ عِنْدَ مَا يُحِبُّهُ الله ُ стр. 268
وَرَسُوْلهُ ﷺ مِنَ العِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فعَلِمُوْا أَنهَا حِيْنَئِذٍ مِنْ مَخَارِق ِ الشَّيْطان ِ لأَوْلِيَائِهِ، لا مِنْ كرَامَاتِ الرَّحْمَن ِ لأَوْلِيَائِه) (١).
* وَقالَ: (وَمِثْلُ هَذَا وَاقِعٌ كثِيرًا فِي زَمَانِنَا وَغيرِه.
* وَأَعْرِفُ مِنْ ذلِك َ مَا يَطوْلُ وَصْفهُ، فِي قوْمٍ اسْتَغَاثوْا بي أَوْ بغيرِي، وَذكرُوْا أَنهُ أَتى شَخْصٌ عَلى صُوْرَتِي أَوْ صُوْرَةِ غيرِي! وَقضَى حَوَائِجَهُمْ! فظنُّوْا أَنَّ ذلِك َ مِنْ برَكةِ الاسْتِغَاثةِ بي أَوْ بغيرِي! وَإنمَا هُوَ شَيْطانٌ أَضَلهُمْ وَأَغوَاهُمْ.
وَهَذَا هُوَ أَصْلُ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَاتخاذِ الشُّرَكاءِ مَعَ اللهِ تَعَالىَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّل ِ مِنَ القرُوْن ِ الماضِيَةِ، كمَا ثبَتَ ذلِك َ، فهَذَا أَشْرَك َ باِللهِ نعُوْذُ باِللهِ مِنْ ذلك) (٢).
* وَقالَ: (وَكثِيرٌ مِنْ هَؤُلاءِ يَطِيرُ فِي الهوَاءِ، وَتَكوْنُ الشَّيَاطِينُ قدْ حَمَلتْهُ، وَتَذْهَبُ بهِ إلىَ مَكة َ وَغيرِهَا. وَيَكوْنُ مَعَ ذلِك َ زِندِيقا يَجْحَدُ الصَّلاة َ وَغيرَهَا مِمّا فرَضَ الله ُ وَرَسُوْلهُ ﷺ ، وَيَسْتَحِلُّ المحَارِمَ التي حَرَّمَهَا الله ُ وَرَسُوْلهُ ﷺ .
وَإنمَا يَقتَرِنُ بهِ أُوْلئِك َ الشَّيَاطِينُ لِمَا فِيْهِ مِنَ الكفرِ وَالفسُوْق ِ وَالعِصْيَان ِ، حَتَّى إذا آمَنَ باِللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ ، وَتابَ وَالتزَمَ стр. 269
طاعَة َ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ : فارَقتْهُ تِلك َ الشَّيَاطِينُ، وَذهَبَتْ تِلك َ الأَحْوَالُ الشَّيْطانِيَّة ُ مِنَ الإخْبَارَاتِ وَالتّأْثِيرَات.
وَأَنا أَعْرِفُ مِنْ هَؤُلاءِ عَدَدًا كثِيرًا، باِلشّامِ وَمِصْرَ وَالحِجَازِ وَاليَمَن.
وَأَمّا الجزِيرَة ُ (١)
وَالعِرَاقُ وَخُرَاسَانُ وَالرُّوْمُ: ففِيْهَا مِنْ هَذَا الجِنْس ِ أَكثرُ مِمّا باِلشّامِ وَغيرِهَا. وَبلادُ الكفارِ مِنَ المشْرِكِينَ وَأَهْل ِ الكِتَابِ أَعْظم) (٢). стр. 270
* وَقالَ ﵀ ُ أَيْضًا: (وَأَصْحَابُ الحلاّجِ لمّا قتِلَ كانَ يَأْتِيْهمْ مَنْ يَقوْلُ: «أَنا الحلاّجُ»! فيَرَوْنهُ فِي صُوْرَتِهِ عِيَانا!
* وَكذَلِك َ شَيْخٌ بمصْرَ يُقالُ لهُ: «الدُّسُوْقِيُّ» (١) بَعْدَ أَنْ مَاتَ: كانَ يَأْتِي أَصْحَابهُ مِنْ جهَتِهِ رَسَائِلُ وَكتبٌ مَكتُوْبة ٌ! وَأَرَانِي صَادِقٌ مِنْ أَصْحَابهِ الكِتَابَ الذِي أَرْسَلهُ، فرَأَيتهُ بخط ِّ الجِنِّ! وَقدْ رَأَيتُ خَط َّ الجِنِّ غيرَ مَرَّةٍ، وَفِيْهِ كلامٌ مِنْ كلامِ الجِنّ (٢).
وَذاك َ المعْتَقِدُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّيْخَ حَيٌّ! وَكانَ يَقوْلُ: «انتقلَ ثمَّ مَات»!
* وَكذَلِك َ شَيْخٌ آخَرُ كانَ باِلمشْرِق ِ، وَكانَ لهُ خَوَارِقُ مِنَ الجِنِّ، وَقِيْلَ: كانَ بَعْدَ هَذَا يَأْتِي خَوَاصَّ أَصْحَابهِ فِي صُوْرَتِهِ، فيَعْتَقِدُوْنَ أَنهُ هُو!
* وَهَكذَا الذِيْنَ كانوْا يَعْتَقِدُوْنَ بَقاءَ عَلِيٍّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، أَوْ بَقاءَ مُحَمَّدِ بْن ِ الحنفِيَّةِ: قدْ كانَ يَأْتِي إلىَ بَعْض ِ أَصْحَابهمْ جِنِّيٌّ فِي صُوْرَتِه!
* وَكذَا مُنْتَظرُ الرّافِضَةِ: قدْ يرَاهُ أَحَدُهُمْ أَحْيَانا، وَيَكوْنُ المرْئِيُّ جِنِّيًّا. стр. 271
فهَذَا بابٌ وَاسِعٌ وَاقِعٌ كثِيرًا، وَكلمَا كانَ القوْمُ أَجْهَلَ: كانَ عِنْدَهُمْ أَكثرَ، ففِي المشْرِكِينَ أَكثرُ مِمّا فِي النَّصَارَى، وَهُوَ فِي النَّصَارَى، كمَا هُوَ فِي الدّاخِلِينَ فِي الإسْلام) (١).
* وَقالَ ﵀ ُ: (حَتَّى أَني أَعْرِفُ مِنْ هَؤُلاءِ جَمَاعَاتٍ يَأْتوْنَ إلىَ الشَّيْخِ نفسِهِ الذِي اسْتَغاثوْا بهِ، وَقدْ رَأَوْهُ أَتاهُمْ فِي الهوَاءِ، فيَذْكرُوْنَ ذلِك َ لهُ، هَؤُلاءِ يَأْتوْنَ إلىَ هَذَا الشَّيْخِ، وَهَؤُلاءِ يَأْتوْنَ إلىَ هَذَا الشَّيْخِ، فتَارَة ً يَكوْنُ الشَّيْخُ نفسُهُ لمْ يَكنْ يَعْلمُ بتِلك َ القضِيَّة!
فإنْ كانَ يُحِبُّ الرّئاسَة َ: سَكتَ! وَأَوْهَمَ أَنهُ نفسَهُ أَتاهُمْ وَأَغاثهُمْ!
وَإنْ كانَ فيْهِ صِدْقٌ مَعَ جَهْل ٍ وَضَلال ٍ: قالَ: هَذَا مَلك ٌ صَوَّرَهُ الله ُ عَلى صُوْرَتِي!
وَجَعَلَ هَذَا مِنْ كرَامَاتِ الصّالحِينَ، وَجَعَلهُ عُمْدَة ً لِمَنْ يَسْتَغِيْثُ باِلصّالحِينَ وَيَتَّخِذُهُمْ أَرْبابا، وَأَنهُمْ إذا اسْتَغاثوْا بهمْ بَعَثَ الله ُ مَلائِكة ً عَلى صُوَرِهِمْ تُغِيْثُ المسْتغِيْثَ بهمْ.
* وَلهِذَا أَعْرِفُ غيرَ وَاحِدٍ مِنَ الشُّيُوْخِ الأَكابرِ، الذِيْنَ فِيْهمْ صِدْقٌ وَزُهْدٌ وَعِبَادَة ٌ، لمَّا ظنوْا هَذَا مِنْ كرَامَاتِ الصّالحِينَ: صَارَ أَحَدُهُمْ يُوْصِي مُرِيْدِيْهِ يَقوْلُ: «إذا كانتْ لأَحَدِكمْ حَاجَة ٌ: فليسْتَغِثْ стр. 272
بي، وَليَسْتَنْجِدْنِي، وَليَسْتَوْصِني»! وَيَقوْلُ: «أَنا أَفعَلُ بَعْدَ مَوْتِي مَا كنْتُ أَفعَلُ فِي حَيَاتِي»!
وَهُوَ لا يَعْرِفُ أَنَّ تِلك َ شَيَاطِينُ تَصَوَّرَتْ عَلى صُوْرَتِهِ لِتضِلهُ، وَتُضِلَّ أَتباعَهُ، فتُحَسِّنُ لهمُ الإشْرَاك َ باِللهِ، وَدُعَاءَ غيرِ اللهِ، وَالاسْتِغاثة َ بغيرِ اللهِ، وَأَنهَا قدْ تُلقِي فِي قلبهِ: أَنا نفعَلُ بَعْدَ مَوْتِك َ بأَصْحَابك َ، مَا كنا نفعَلُ بهمْ فِي حَيَاتِك!
فيَظنُّ هَذَا مِنْ خِطابٍ إلهِيٍّ أُلقِيَ فِي قلبهِ: فيأْمُرُ أَصْحَابهُ بذَلِك.
* وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ كانَ لهُ شَيَاطِينُ تَخْدِمُهُ فِي حَيَاتِهِ بأَنوَاعِ الخدَمِ، مِثْلُ خِطابِ أَصْحَابهِ المسْتغِيْثِينَ بهِ، وَإعانتِهمْ وَغيرِ ذلك.
فلمّا مَاتَ: صَارُوْا يَأْتوْنَ أَحَدَهُمْ فِي صُوْرَةِ الشَّيْخِ! وَيُشْعِرُوْنهُ أَنهُ لمْ يَمُتْ! وَيُرْسِلوْنَ إلىَ أَصْحَابهِ رَسَائِلَ بخِطاب!
* وَقدْ كانَ يَجْتَمِعُ بي بَعْضُ أَتبَاعِ هَذَا الشَّيْخِ، وَكانَ فِيْهِ زُهْدٌ وَعِبَادَة ٌ، وَكانَ يُحِبُّني وَيُحِبُّ هَذَا الشَّيْخَ، وَيَظنُّ أَنَّ هَذَا مِنَ الكرَامَاتِ! وَأَنَّ الشَّيْخَ لمْ يَمُتْ! وَذكرَ لِي الكلامَ الذِي أَرْسَلهُ إليْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ! فقرَأَهُ فإذا هُوَ كلامُ الشَّيَاطِينِ بعَيْنِه!
* وَقدْ ذكرَ لِي غيرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعْرِفهُمْ: أَنهُمُ اسْتَغاثوْا بي: فرَأَوْنِي فِي الهوَاءِ! وَقدْ أَتَيْتُهُمْ وَخَلصْتُهُمْ مِنْ تِلك َ الشَّدَائِدِ!
стр. 273
مِثْلَ مَنْ أَحَاط َ بهِ النَّصَارَى الأَرْمَنُ لِيَأْخُذُوْه. وَآخَرُ قدْ أَحَاط َ بهِ العَدُوُّ وَمَعَهُ كتبٌ مُلطفاتٌ مِنْ مُنَاصِحِينَ، لوِ اطلعوْا عَلى مَا مَعَهُ لقتلوْهُ، وَنَحْو ذلك!
فذَكرْتُ لهمْ: أَني مَا دَرَيْتُ بمَا جَرَى أَصْلا ً! وَحَلفتُ لهمْ عَلى ذلِك َ حَتَّى لا يَظنُّوْا أَني كتَمْتُ ذلِك َ كمَا تُكتَمُ الكرَامَات.
وَأَنا قدْ عَلِمْتُ أَنَّ الذِي فعَلوْهُ ليْسَ بمَشْرُوْعٍ، بَلْ هُوَ شِرْك ٌ وَبدْعة.
ثمَّ تَبَيَّنَ لِي فِيْمَا بَعْدُ، وَبَيَّنْتُ لهمْ: أَنَّ هَذِهِ شَيَاطِينُ تَتَصَوَّرُ عَلى صُوْرَةِ المسْتَغاثِ به) (١).
* وَقالَ: (وَأَعْرِفُ عَدَدًا كثِيرًا وَقعَ لهمْ فِي عِدَّةِ أَشْخاص ٍ، يَقوْلُ لِي كلٌّ مِنَ الأَشْخاص ِ: «إني لمْ أَعْرِفْ أَنَّ هَذَا اسْتَغاثَ بي!» وَالمسْتغِيْثُ قدْ رَأَى ذلِك َ الذِي هُوَ عَلى صُوْرَةِ هَذَا! وَمَا اعْتقدَ أَنهُ إلا َّ هَذَا!
* وَذكرَ لِي غيرُ وَاحِدٍ: أَنهُمُ اسْتَغاثوْا بي - كلٌّ يَذْكرُ قِصَّة ً غيرَ قِصَّةِ صَاحِبهِ - فأَخْبَرْتُ كلا ًّ مِنْهُمْ: أَني لمْ أُجِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلا عَلِمْتُ باِسْتِغاثتِه!
فقِيْلَ: هَذَا يَكوْنُ مَلكا؟ стр. 274
فقلتُ: الملك ُ لا يُغِيْثُ المشْرِك َ، إنمَا هُوَ شَيْطانٌ أَرَادَ أَنْ يُضِله) (١).
* وَقالَ: (وَنَحْنُ نَعْرِفُ كثِيرًا مِنْ هَؤُلاءِ، فِي زَمَانِنَا وَغيرِ زَمَانِنَا: مِثْلَ شَخْص ٍ هُوَ الآنَ بدِمْشَقَ، كانَ الشَّيْطانُ يَحْمِلهُ مِنْ جَبَل ِ الصّالحِيَّةِ إلىَ قرْيةٍ حَوْلَ دِمَشْقَ! فيَجِيءُ مِنَ الهوَاءِ إلىَ طاقةِ البَيْتِ الذِي فِيْهِ النّاسُ! فيَدْخُلُ وَهُمْ يرَوْنه!
* وَيَجِيءُ باِلليْل ِ إلىَ بَابِ الصَّغِيرِ، فيَعْبُرُ مِنْهُ هُوَ وَرِفقتُهُ وَهُوَ مِنْ أَفجَرِ النّاس.
* وَآخَرُ كانَ ب «الشُّوَيْكِ» فِي قرْيةٍ يُقالُ لها «الشّاهِدَة»، يَطِيرُ فِي الهوَاءِ إلىَ رَأْس ِ الجبل ِ! وَالنّاسُ يرَوْنهُ، وَكانَ شَيْطانٌ يَحْمِلهُ، وَكانَ يَقطعُ الطرِيْق) (٢).
* قالَ: (وَشَيْخٌ آخَرُ أَخبرَ عَنْ نفسِهِ: أَنهُ كانَ يَزْنِي باِلنِّسَاءِ، وَيَتَلوَّط ُ باِلصِّبيَان ِ الذِيْنَ يُقالُ لهمْ «الحوّارَات». وَكانَ يَقوْلُ: «يَأْتِيْني كلبٌ أَسْوَدُ، بَينَ عَيْنَيْهِ نُكتتَان ِ بَيْضَاوَان ِ، فيَقوْلُ لِي: فلانٌ! إنَّ فلانا نذَرَ لك َ نذْرًا، وَغدًا يَأْتِيْك َ بهِ، وَأَنا قضَيْتُ حَاجتهُ لأَجْلِك».
فيُصْبحُ ذلِك َ الشَّخْصُ يَأْتِيْهِ بذَلِك َ النذْرِ! وَيُكاشِفهُ هَذَا الشَّيْخُ الكافِر. стр. 275
قالَ: «وَكنْتُ إذا طلِبَ مِنِّي تَغْييرُ مِثْل ِ اللاذَن ِ أَقوْلُ حَتَّى أَغيْبَ عَنْ عَقلِي، وَإذْ باِللاذَن ِ فِي يَدِي، أَوْ فِي فمِي، وَأَنا لا أَدْرِي مَنْ وَضَعَه»!
قالَ: «وَكنْتُ أَمْشِي وَبَينَ يدَيَّ عَمُوْدٌ أَسْوَدُ عَليْهِ نوْر»!
فلمّا تابَ هَذَا الشَّيْخُ، وَصَارَ يُصَلي، وَيَصُوْمُ، وَيَجْتنِبُ المحارِمَ: ذهَبَ الكلبُ الأَسْوَدُ! وَذهَبَ التَّغْييرُ! فلا يُؤْتى بلاذَن ٍ، وَلا غيرِه.
* وَشَيْخٌ آخَرُ كانَ لهُ شَيَاطِينُ يُرْسِلهُمْ يَصْرَعُوْنَ بَعْضَ النّاس ِ، فيَأْتِي أَهْلُ ذلِك َ المصْرُوْعِ إلىَ الشَّيْخِ يَطلبوْنَ مِنْهُ إبرَاءَهُ، فيُرْسِلُ إلىَ أَتباعِهِ: فيفارِقوْنَ ذلِك َ المصْرُوْعَ، وَيُعْطوْنَ ذلِك َ الشَّيْخَ دَرَاهِمَ كثِيرَة!
وَكانَ أَحْيَانا تأْتيْهِ الجِنُّ بدَرَاهِمَ وَطعَامٍ تَسْرِقهُ مِنَ النّاس.
حَتَّى أَنَّ بَعْضَ النّاس ِ كانَ لهُ تينٌ فِي كوّارَةٍ، فيَطلبُ الشَّيْخُ مِنْ شَيَاطِيْنِهِ تِيْنًا، فيُحْضِرُوْنهُ لهُ، فيَطلبُ أَصْحَابُ الكوّارَةِ التِّينَ، فوَجَدُوْهُ قدْ ذهَبَ!
* وَآخَرُ كانَ مُشْتَغِلا ً باِلعِلمِ وَالقِرَاءَةِ: فجَاءَتهُ الشَّيَاطِينُ أَغرَتهُ وَقالوْا لهُ: «نَحْنُ نُسْقِط ُ عَنْك َ الصَّلاة َ، وَنُحْضِرُ لك َ مَا ترِيد»!
فكانوْا يَأْتوْنهُ باِلحلوَى وَالفاكِهَةِ، حَتَّى حَضَرَ عِنْدَ بَعْض ِ الشُّيُوْخِ العَارِفِينَ باِلسُّنَّةِ: فاسْتتَابَهُ، وَأَعْطى أَهْلَ الحلاوَةِ ثمَنَ حَلاوَتِهمُ التي أَكلهَا ذلِك َ المفتوْنُ باِلشَّيْطان.
стр. 276
فكلُّ مَنْ خَرَجَ عَن ِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكانَ لهُ حَالٌ: مِنْ مُكاشَفةٍ، أَوْ تَأْثِيرٍ، فإنهُ صَاحِبُ حَال ٍ نفسَانِيٍّ، أَوْ شَيْطانِيّ.
وَإنْ لمْ يَكنْ لهُ حَالٌ، بَلْ هُوَ يَتَشَبَّهُ بأَصْحَابِ الأَحْوَال ِ: فهُوَ صَاحِبُ حَال ٍ بُهْتَانِيّ.
وَعَامَّة ُ أَصْحَابِ الأَحْوَال ِ الشَّيْطانِيَّةِ: يَجْمَعُوْنَ بَينَ الحال ِ الشَّيْطانِيِّ، وَالحال ِ البُهْتَانِيِّ، كمَا قالَ تَعَالىَ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾) (١).
* وَقالَ: (وَلهِذَا مَن ِ اعْتَمَدَ عَلى مُكاشَفتِهِ التي هِيَ مِنْ أَخْبَارِ الجِنِّ: كانَ كذِبهُ أَكثرَ مِنْ صِدْقِه.
* كشَيْخٍ كانَ يُقالُ لهُ: «الشيّاحُ» - توَّبْنَاهُ وَجَدَّدْنا إسْلامَهُ - كانَ لهُ قرِيْنٌ مِنَ الجِنِّ يُقالُ لهُ: «عَنْتَرُ»، يُخْبرُه ُبأَشْيَاءَ، فيَصْدُقُ تارَة ً، وَيَكذِبُ تارَة.
فلمّا ذكرْتُ لهُ: أَنك َ تَعْبُدُ شَيْطانا مِنْ دُوْن ِ اللهِ: اعْتَرَفَ بأَنهُ يَقوْلُ لهُ: «يَا عَنْتَرُ لا سُبْحَانك َ! إنك َ إلهٌ قذِر» وَتابَ مِنْ ذلِك َ فِي قِصَّةٍ مَشْهُوْرَة.
* وَقدْ قتَلَ سَيْفُ الشَّرْعِ مَنْ قتَلَ مِنْ هَؤُلاءِ: مِثْلَ الشَّخْص ِ الذِي قتلناهُ سَنَة َ خَمْسَ عَشْرَة َ (٧١٥هـ)، وَكانَ لهُ قرِينٌ يأْتِيْهِ стр. 277
وَيُكاشِفهُ، فيَصْدُقُ تارَة ً، وَيَكذِبُ تارَة.
وَقدِ انقادَ لهُ طائِفة ٌ مِنَ المنْسُوْبينَ إلىَ أَهْل ِ العِلمِ وَالرّئاسَةِ: فيُكاشِفهُمْ حَتَّى كشفهُ الله ُ لهمْ.
وَذلِك َ أَنَّ القرِيْنَ كانَ تارَة ً يَقوْلُ لهُ: «أَنا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ »، وَيَذْكرُ أَشْيَاءَ تنَافِي حَالَ الرَّسُوْل ِ ﷺ ، فشُهدَ عَليْهِ أَنهُ قالَ: «إنَّ الرَّسُوْلَ ﷺ يَأْتِيْني، وَيَقوْلُ لِي: كذَا وَكذَا»! مِنَ الأُمُوْرِ التي يَكفرُ مَنْ أَضَافهَا إلىَ الرَّسُوْل ِ ﷺ .
فذَكرْتُ لِوُلاةِ الأُمُوْرِ: أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْس ِ الكهّان ِ، وَأَنَّ الذِي يرَاهُ شَيْطانا، وَلهِذَا لا يَأْتِيْهِ فِي الصُّوْرَةِ المعْرُوْفةِ لِلنَّبيِّ ﷺ ! بَلْ يَأْتِيْهِ فِي صُوْرَةٍ مُنْكرَةٍ! وَيَذْكرُ عَنْهُ أَنهُ يَخْضَعُ لهُ! وَيُبيْحُ لهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ المسْكِرَ! وَأُمُوْرًا أُخْرَى.
وَكانَ كثِيرٌ مِنَ النّاس ِ يَظنُّوْنَ أَنهُ كاذِبٌ فِيْمَا يخْبرُ بهِ مِنَ الرُّؤْيةِ، وَلمْ يَكنْ كاذِبًا فِي أَنهُ رَأَى تِلك َ الصُّوْرَة َ، لكِنْ كانَ كافِرًا فِي اعْتِقادِهِ أَنَّ ذلِك َ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، وَمِثْلُ هَذَا كثِير.
وَلهِذَا يَحْصُلُ لهمْ تَنَزُّلاتٌ شَيْطانِيَّة ٌ، بحسَبِ مَا فعَلوْهُ مِنْ مُرَادِ الشَّيْطان. فكلمَا بَعُدُوْا عَن ِ اللهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ وَطرِيْق ِ المؤْمِنِينَ: قرُبوْا مِنَ الشَّيْطان ِ، فيَطِيرُوْنَ فِي الهوَاءِ! وَالشَّيْطانُ طارَ بهمْ.
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يَصْرَعُ الحاضِرِيْنَ، وَشَيَاطِيْنُهُ صَرَعَتْهُمْ.
стр. 278
* وَمِنْهُمْ: مَنْ يُحْضِرُ طعَامًا وَإدَامًا، وَمَلأَ الإبْرِيْقَ مَاءً مِنَ الهوَاءِ! وَالشَّيَاطِينُ فعَلتْ ذلك.
فيَحْسَبُ الجاهِلوْنَ أَنَّ هَذِهِ كرَامَاتُ أَوْلِيَاءِ اللهِ المتقِينَ! وَإنمَا هِيَ مِنْ جِنْس ِ أَحْوَال ِ السَّحَرَةِ وَالكهَنةِ وَأَمْثالهِمْ.
وَمَنْ لمْ يُمَيِّزْ بَينَ الأَحْوَال ِ الرَّحْمَانِيَّةِ وَالنَّفسَانِيَّةِ: اشْتبَهَ عَليْهِ الحقُّ باِلباطِل.
وَمَنْ لمْ يُنَوِّرِ الله ُ قلبهُ بحقائِق ِ الإيْمَان ِ، وَاتباعِ القرْآن ِ: لمْ يَعْرِفْ طرِيْقَ المحِقِّ مِنَ المبْطِل ِ، وَالتبَسَ عَليْهِ الأَمْرُ وَالحالُ، كمَا التبَسَ عَلى النّاس ِ حَالُ مُسَيْلِمَة َ صَاحِبِ اليَمَامَةِ، وَغيرِهِ مِنَ الكذّابينَ فِي زَعْمِهمْ أَنهُمْ أَنبيَاء! وَإنمَا هُمْ كذّابوْنَ، وَقدْ قالَ ﷺ : «لا تَقوْمُ السّاعَة ُ حَتَّى يَكوْنَ فِيْكمْ ثلاثوْنَ دَجّالوْنَ كذّابوْنَ، كلهُمْ يَزْعُمُ أَنهُ رَسُوْلُ الله» (١)) (٢) اه. стр. 279
فصل وَذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ-كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (١/ ١٦٨ - ١٧١) - أُمُوْرًا عِدَّة ً مِمّا تُزِيْلُ تِلك َ الأَحْوَالَ وَتَكشِفُ حَقِيْقتَهَا، وَتظهرُ زَيفهَا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقرَأَ آية َ الكرْسِيِّ بصِدْق ٍ، فإذا قرَأَهَا تَغيَّبَ ذلِك َ الشَّخْصُ، أَوْ سَاخَ فِي الأَرْض ِ، أَوِ احْتَجَب.
وَلوْ كانَ رَجُلا ً صَالِحًا أَوْ ملكا أَوْ جِنيا مُؤْمِنًا: لمْ تَضُرَّهُ آية ُ الكرْسِيِّ، وَإنمَا تَضُرُّ الشَّيَاطِينَ، كمَا ثبَتَ فِي «الصَّحِيْحِ» [خ (٣٢٧٥)، (٥٠١٠)] مِنْ حَدِيْثِ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ لمّا قالَ لهُ الجِنِّيُّ: «اقرَأْ آية َ الكرْسِيِّ إذا أَوَيتَ إلىَ فِرَاشِك َ، فإنهُ لا يزَالُ عَليْك َ مِنَ اللهِ حَافِظ ٌ، وَلا يَقرَبك َ شَيْطانٌ حَتَّى تُصْبحَ».
فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : «صَدَقك َ وَهُوَ كذُوْب».
وَمِنْهَا: أَنْ يَسْتَعِيْذَ باِللهِ مِنَ الشَّيَاطِين.
وَمِنْهَا: أَنْ يَسْتَعِيْذَ باِلعُوَذِ الشَّرْعِيَّةِ، فإنَّ الشَّيَاطِينَ كانتْ تَعْرِضُ لِلأَنبيَاءِ فِي حَيَاتِهمْ، وَترِيدُ أَنْ تُؤْذِيَهُمْ، وَتفسِدُ عِبَادَتهُمْ، كمَا جَاءَتِ الجِنُّ إلىَ النَّبيِّ ﷺ بشُعْلةٍ مِنَ النّارِ ترِيدُ أَنْ تُحْرِقهُ، فأَتاهُ جِبرِيْلُ باِلعَوْذةِ المعْرُوْفةِ التي تَضَمَّنَهَا الحدِيْثُ المرْوِيُّ عَنْ أَبي التَّيّاحِ أَنهُ قالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ الرَّحْمَن ِ بْنَ خنْبَش ٍ- وَكانَ شَيْخا كبيرًا قدْ أَدْرَك َ النَّبيَّ ﷺ : كيْفَ صَنَعَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ حِينَ كادَتهُ الشَّيَاطِين؟
стр. 280
قالَ: تَحَدَّرَتْ عَليْهِ مِنَ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيةِ، وَفِيْهمْ شَيْطانٌ مَعَهُ شُعْلة ٌ مِنْ نارٍ يُرِيْدُ أَنْ يُحْرِقَ بهَا رَسُوْلَ اللهِ ﷺ .
قالَ: فرُعِبَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، فأَتاهُ جِبرِيْلُ ﵇ فقالَ: «يَا مُحَمَّدُ قلْ!»
قالَ: «مَا أَقوْلُ؟»
قالَ: «قلْ أَعُوْذُ بكلِمَاتِ اللهِ التّامّاتِ، التي لا يجَاوِزُهُنَّ برٌّ وَلا فاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلقَ وَذرَأَ وَبرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيْهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْض ِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ فِيْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَن ِ الليْل ِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كلِّ طارِق ٍ يَطرُقُ إلا َّ طارِقا يَطرُقُ بخيْرٍ يَا رَحْمَن».
قالَ: «فطفِئَتْ نارُهُمْ، وَهَزَمَهُمُ الله ُ » رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِه» (٣/ ٤١٩).
وَفِي «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» (٥٤٢): عَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنهُ قالَ: قامَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلي، فسَمِعْنَاهُ يَقوْلُ: «أَعُوْذُ باِللهِ مِنْك».
ثمَّ قالَ: «أَلعَنك َ بلعْنَةِ اللهِ» ثلاثا، وَبسَط َ يدَهُ كأَنهُ يتنَاوَلُ شَيْئًا.
فلمّا فرَغَ مِنْ صَلاتِهِ قلنا: يَا رَسُوْلَ اللهِ! سَمِعْنَاك َ تَقوْلُ شَيْئًا فِي الصَّلاةِ، لمْ نسْمعْك َ تقوْلهُ قبْلَ ذلِك َ، وَرَأَيناك َ بسَطتَ يدَك؟
стр. 281
قالَ: «إنَّ عَدُوَّ اللهِ إبْلِيْسَ، جَاءَ بشِهَابٍ مِنْ نارٍ لِيجْعَلهُ فِي وَجْهي، فقلتُ: أَعُوْذُ باِللهِ مِنْك َ ثلاثَ مَرّاتٍ، ثمَّ قلتُ: أَلعنك َ بلعْنَةِ اللهِ التّامَّةِ، فاسْتَأْخَر.
ثمَّ أَرَدْتُ أَنْ آخُذَهُ، وَلوْلا دَعْوَة ُ أَخِيْنَا سُليْمَانَ، لأَصْبَحَ مُوْثقا يَلعَبُ بهِ وُلدَانُ المدِيْنَة».
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ (١/ ١٧١) بَعْدَهُ: (فإذا كانتِ الشَّيَاطِينُ تَأْتِي الأَنبيَاءَ عَليْهمُ الصَّلاة ُ وَالسَّلامُ لِتُؤْذِيهُمْ، وَتفسِدَ عِبَادَتهُمْ، فيَدْفعُهُمُ الله ُ تَعَالىَ بمَا يُؤَيدُ بهِ الأَنبيَاءَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالذِّكرِ وَالعِبَادَةِ وَمِنَ الجِهَادِ باِليدِ، فكيْفَ مَنْ هُوَ دُوْنَ الأَنبيَاء؟!
فالنَّبيُّ ﷺ قمَعَ شَيَاطِينَ الإنس ِ وَالجِنِّ، بمَا أَيدَهُ الله ُ تَعَالىَ مِنْ أَنوَاعِ العُلوْمِ وَالأَعْمَال ِ، وَمِنْ أَعْظمِهَا الصَّلاة ُ وَالجِهَاد.
وَأَكثرُ أَحَادِيْثِ النَّبيِّ ﷺ فِي الصَّلاةِ وَالجِهَادِ، فمَنْ كانَ مُتبعًا لِلأَنبيَاءِ: نصَرَهُ الله ُ سُبْحَانهُ بمَا نصَرَ بهِ الأَنبيَاء.
وَأَمّا مَن ِ ابتدَعَ دِينا لمْ يَشْرَعُوْهُ: فتَرَك َ مَا أَمَرُوْا بهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيْك َ لهُ، وَاتباعِ نبيِّهِ ﷺ فِيْمَا شَرَعَهُ لأُمَّتِهِ، وَابتَدَعَ الغلوَّ فِي الأَنبيَاءِ وَالصّالحِينَ وَالشِّرْك َ بهمْ: فإنَّ هَذَا تتلعَّبُ بهِ الشَّيَاطِينُ، قالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
стр. 282
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾) اه كلامُهُ ﵀.
وَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَ الرّائِي بذَلِك َ رَبهُ تبَارَك َ وَتَعَالىَ لِيبيِّنَ لهُ الحال.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقوْلَ لِذَلِك َ الشَّخْص ِ: «أَأَنتَ فلانٌ؟» وَيُقسِمَ عَليْهِ باِلأَقسَامِ المعظمَةِ، وَيَقرَأَ عَليْهِ قوَارِعَ القرْآن ِ، إلىَ غيرِ ذلِك َ مِنَ الأَسْبَابِ التي تَضُرُّ الشَّيَاطِين.
وَسَبَبُ حُدُوْثِ هَذِهِ الأَحْوَال ِ الشَّيْطانِيَّةِ فِي كلِّ بلدٍ: انتِشَارُ الكفرِ وَالجهْل ِ وَالمعَاصِي وَالبدَع.
وَسببُ اندِثارِهَا وَزَوَالهِا: ظهُوْرُ الإسْلامِ وَالإيمَان، وَانتِشَارُ السُّنَّة.
стр. 283
فصل في بيان ِأَنَّ كثِيْرًا مِنْ أُوْلئِك َ المقبُوْرِيْنَ المسْتغاثِ بهمْ
زَنادِقة ٌ أَوْ ضُلالٌ مُبْتَدِعَة ٌ! بَلْ مِنْهُمْ يَهُوْدُ وَنَصَارَى وَبَاطِنِيَّة ٌ وَرَوَافِضُ، وَأَنَّ كثِيْرًا مِنْ قبوْرِهِمْ مُخْتَلقٌ لا صِحَّة َ له!
قدِ اسْتَغلَّ كثِيْرٌ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنيا، ضَلالَ كثِيْرٍ مِنَ النّاس ِ، وَلجوْءَهمْ إلىَ القبوْرِ اسْتِغاثة ً، وَدُعَاءًا وَذبْحًا: فأَقامُوْا مَشَاهِدَ، وَبنوْا قببًا لِصَالحِينَ مَزْعُوْمِينَ مُخْتَلقِينَ، لِيأْكلوْا أَمْوَالَ النّاس ِ باِلباطِل.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ في «رَدِّه عَلى البَكرِيّ» (٢/ ٥٨٦): (فالسَّدَنة ُ الذِيْنَ عِنْدَ القبوْرِ وَنَحْوِهِمْ: غرَضُهُمْ يَأْكلوْنَ أَمْوَالَ النّاس ِ بهمْ. وَأَتبَاعُهُمْ غرَضُهُمْ: تَعْظِيْمُ أَنفسِهمْ عِنْدَ النّاس ِ، وَأَخْذُ أَمْوَالهِمْ لهمْ).
ثمَّ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ: أَنَّ كثِيْرًا مِنَ النّاس ِ، كانوا يَذْهَبُوْنَ يَدْعُوْنَ عِنْدَ قبوْرِ العُبيْدِيِّينَ، يَظنُّوْنَ أَنهُمْ أَوْلِيَاءُ صَالحوْنَ، مَعَ أَنهُمْ مُنَافِقوْنَ زَنادِقة ٌ ظاهِرُوْ الكفرِ، وَأَمْثَالُ هَذَا كثِيْر.
ثمَّ قالَ ﵀ ُ (٢/ ٥٩٠ - ٥٩١): (وَالمقصُوْدُ: أَنَّ كثِيْرًا مِنَ النّاس ِ، يُعَظمُ قبْرَ مَنْ يَكوْنُ في البَاطِن ِ كافِرًا أَوْ مُنَافِقا! وَيَكوْنُ هَذَا عِنْدَهُ وَالرَّسُوْلُ ﷺ مِنْ جِنْس ٍ وَاحِد.
стр. 284
لاعْتِقادِهِ: أَنَّ الميِّتَ يَقضِي حَاجتهُ إذا كانَ رَجُلا ً صَالحا! وَكِلا هَذَيْن ِ عِنْدَهُ مِنْ جِنْس ِ مَنْ يَسْتَغِيْثُ به.
وَكمْ مِنْ مَشْهَدٍ يُعَظمُهُ النّاسُ، وَهُوَ كذِب.
بَلْ يُقالُ: «إنهُ قبْرُ كافِرٍ»! كالمشْهَدِ الذِي بسَفحِ جَبَل ِ لبنَانَ، الذِي يُقالُ: «إنهُ قبْرُ نوْحٍ»! فإنَّ أَهْلَ المعْرِفةِ يَقوْلوْنَ: «إنهُ قبْرُ بَعْض ِ العَمَالِقة».
وَكذَلِك َ مَشْهَدُ الحسَيْن ِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، الذِي باِلقاهِرَةِ، وَقبْرُ أُبيٍّ الذِي في دِمَشْقَ: اتفقَ العُلمَاءُ عَلى أَنهُ كذِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قالَ: «هُمَا قبْرَان ِ لِنَصْرَانِيَّين.
وَكثِيْرٌ مِنَ المشَاهِدِ مُتنَازَعٌ فِيْهَا، وَعِنْدَهَا شَيَاطِينُ تُضِلُّ بسَببهَا مَنْ تُضِلّ).
ثمَّ قالَ (٢/ ٥٩٣): (فالذِي يَجْرِي عِنْدَ المشَاهِدِ مِنْ جِنْس ِ مَا يَجْرِي عِنْدَ الأَصْنَامِ. وَكثيْرٌ مِنَ المشاهِدِ كذِبٌ، وَكثِيْرٌ مِنْهَا مَشْكوْك ٌ فِيْه.
وَسَببُ ذلِك َ: أَنَّ مَعْرِفة َ المشَاهِدِ ليْسَتْ مِنَ الدِّيْن ِ الذِي تَكفلَ الله ُ بحِفظِهِ لِلأُمَّةِ، لِعَدَمِ حَاجَتِهمْ إلىَ مَعْرِفةِ ذلك) اه كلامُه.
وَمَا ذكرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ حَقٌّ، وَالقبوْرُ المختلقة ُ كثِيْرَة ٌ جِدًّا.
وَدَوَافِعُ أَصْحَابهَا وَمُنْشِئِيْهَا مُتبَاينة ٌ، بَينَ إرَادَةِ إضْلال ِ النّاس ِ عَنْ صِرَاطِ اللهِ المسْتقِيْمِ، وَبَينَ حُبٍّ وَطمَعٍ في الدُّنيَا، وَنهْبٍ لِمَا في أَيدِي النّاس.
стр. 285
وَقدْ ذكرَ ابْنُ الجوْزِيِّ في تَارِيْخِهِ «المنتظم» (١٨/ ٨ - ٩) في حَوَادِثِ سَنةِ (٥٣٥هـ): أَنَّ رَجُلا ً دَخَلَ بَغْدَادَ، وَأَظهَرَ الزُّهْدَ وَالتَّنَسُّك َ، فقصَدَهُ النّاسُ مِنْ كلِّ جَانِب.
ثمَّ إنَّ رَجُلا ً- مِنْ سَوَادِ بَغْدَادَ - مَاتَ لهُ صَبيٌّ فدَفنهُ، فعلِمَ بهِ هَذَا المتزَهِّدُ: فمَضَى إلىَ قبْرِ ذلِك َ الصَّبيِّ، فنبشَهُ، وَأَخْرَجَ الصَّبيَّ، ثمَّ دَفنهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ لحاجَةٍ في نفسِه!
ثمَّ قالَ لِلنَّاس ِ في بَعْض ِ الأَيامِ: «اعْلمُوْا أَني قدْ رَأَيتُ عُمَرَ بْنَ الخطابِ في المنامِ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ، فسَلمْتُ عَليْهمَا وَسَلمُوْا عَليَّ، وَقالا لِيَ: إنَّ في هَذَا الموْضِعِ صَبيًّا مِنْ أَوْلادِ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ عَلِيّ بن ِ أَبي طالِبٍ، وَخطا لِيَ المكان)، ثمَّ أَشَارَ المتزَهِّدُ إلىَ ذلِك َ الموْضِع.
فحَفرُوْا في ذلِك َ المكان ِ، فرَأَوْا الصَّبيَّ - وَهُوَ أَمْرَدُ - فازْدَحَمُوْا عَليْهِ، وَانْصَرَفوْا إليْهِ، فمَنْ وَصَلَ إلىَ قِطعَةٍ مِنْ أَكفانِهِ فكأَنهُ حَازَ الدُّنيَا!
حَتَّى خَرَجَ أَرْبابُ الدَّوْلةِ وَأَهْلُ بَغْدَادَ! وَانقلبَتِ البلدُ! وَوَضَعُوْا عِنْدَ قبْرِهِ دَسَاتِيْجَ مَاءِ الوَرْدِ وَالبخوْر!
وَأَخَذَ جُهّالُ النّاس ِ التُّرَابَ لِلتَّبَرُّكِ! وَازْدَحَمَ النّاسُ عَلى القبْرِ، حَتَّى لمْ يَصِلَ إليْهِ أَحَدٌ مِنْ كثْرَةِ الزِّحَام!
وَجَعَلَ النّاسُ يُقبِّلوْنَ يَدَ ذلِك َ المتزَهِّدِ - وَهُوَ يُظهرُ التَّمنعَ وَالبُكاءَ وَالخشُوْع! - وَالنّاسُ تَارَة ً يَزْدَحِمُوْنَ عَليْهِ، وَتَارَة ً يَزْدَحِمُوْنَ عَلى الميِّت!
следующие страницы →