Полный текст (373 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قالَ: «إنَّ عَدُوَّ اللهِ إبْلِيْسَ، جَاءَ بشِهَابٍ مِنْ نارٍ لِيجْعَلهُ فِي وَجْهي، فقلتُ: أَعُوْذُ باِللهِ مِنْك َ ثلاثَ مَرّاتٍ، ثمَّ قلتُ: أَلعنك َ بلعْنَةِ اللهِ التّامَّةِ، فاسْتَأْخَر.
ثمَّ أَرَدْتُ أَنْ آخُذَهُ، وَلوْلا دَعْوَة ُ أَخِيْنَا سُليْمَانَ، لأَصْبَحَ مُوْثقا يَلعَبُ بهِ وُلدَانُ المدِيْنَة».
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ (١/ ١٧١) بَعْدَهُ: (فإذا كانتِ الشَّيَاطِينُ تَأْتِي الأَنبيَاءَ عَليْهمُ الصَّلاة ُ وَالسَّلامُ لِتُؤْذِيهُمْ، وَتفسِدَ عِبَادَتهُمْ، فيَدْفعُهُمُ الله ُ تَعَالىَ بمَا يُؤَيدُ بهِ الأَنبيَاءَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالذِّكرِ وَالعِبَادَةِ وَمِنَ الجِهَادِ باِليدِ، فكيْفَ مَنْ هُوَ دُوْنَ الأَنبيَاء؟!
فالنَّبيُّ ﷺ قمَعَ شَيَاطِينَ الإنس ِ وَالجِنِّ، بمَا أَيدَهُ الله ُ تَعَالىَ مِنْ أَنوَاعِ العُلوْمِ وَالأَعْمَال ِ، وَمِنْ أَعْظمِهَا الصَّلاة ُ وَالجِهَاد.
وَأَكثرُ أَحَادِيْثِ النَّبيِّ ﷺ فِي الصَّلاةِ وَالجِهَادِ، فمَنْ كانَ مُتبعًا لِلأَنبيَاءِ: نصَرَهُ الله ُ سُبْحَانهُ بمَا نصَرَ بهِ الأَنبيَاء.
وَأَمّا مَن ِ ابتدَعَ دِينا لمْ يَشْرَعُوْهُ: فتَرَك َ مَا أَمَرُوْا بهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيْك َ لهُ، وَاتباعِ نبيِّهِ ﷺ فِيْمَا شَرَعَهُ لأُمَّتِهِ، وَابتَدَعَ الغلوَّ فِي الأَنبيَاءِ وَالصّالحِينَ وَالشِّرْك َ بهمْ: فإنَّ هَذَا تتلعَّبُ بهِ الشَّيَاطِينُ، قالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
стр. 282
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾) اه كلامُهُ ﵀.
وَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَ الرّائِي بذَلِك َ رَبهُ تبَارَك َ وَتَعَالىَ لِيبيِّنَ لهُ الحال.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقوْلَ لِذَلِك َ الشَّخْص ِ: «أَأَنتَ فلانٌ؟» وَيُقسِمَ عَليْهِ باِلأَقسَامِ المعظمَةِ، وَيَقرَأَ عَليْهِ قوَارِعَ القرْآن ِ، إلىَ غيرِ ذلِك َ مِنَ الأَسْبَابِ التي تَضُرُّ الشَّيَاطِين.
وَسَبَبُ حُدُوْثِ هَذِهِ الأَحْوَال ِ الشَّيْطانِيَّةِ فِي كلِّ بلدٍ: انتِشَارُ الكفرِ وَالجهْل ِ وَالمعَاصِي وَالبدَع.
وَسببُ اندِثارِهَا وَزَوَالهِا: ظهُوْرُ الإسْلامِ وَالإيمَان، وَانتِشَارُ السُّنَّة.
стр. 283
فصل في بيان ِأَنَّ كثِيْرًا مِنْ أُوْلئِك َ المقبُوْرِيْنَ المسْتغاثِ بهمْ
زَنادِقة ٌ أَوْ ضُلالٌ مُبْتَدِعَة ٌ! بَلْ مِنْهُمْ يَهُوْدُ وَنَصَارَى وَبَاطِنِيَّة ٌ وَرَوَافِضُ، وَأَنَّ كثِيْرًا مِنْ قبوْرِهِمْ مُخْتَلقٌ لا صِحَّة َ له!
قدِ اسْتَغلَّ كثِيْرٌ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنيا، ضَلالَ كثِيْرٍ مِنَ النّاس ِ، وَلجوْءَهمْ إلىَ القبوْرِ اسْتِغاثة ً، وَدُعَاءًا وَذبْحًا: فأَقامُوْا مَشَاهِدَ، وَبنوْا قببًا لِصَالحِينَ مَزْعُوْمِينَ مُخْتَلقِينَ، لِيأْكلوْا أَمْوَالَ النّاس ِ باِلباطِل.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ في «رَدِّه عَلى البَكرِيّ» (٢/ ٥٨٦): (فالسَّدَنة ُ الذِيْنَ عِنْدَ القبوْرِ وَنَحْوِهِمْ: غرَضُهُمْ يَأْكلوْنَ أَمْوَالَ النّاس ِ بهمْ. وَأَتبَاعُهُمْ غرَضُهُمْ: تَعْظِيْمُ أَنفسِهمْ عِنْدَ النّاس ِ، وَأَخْذُ أَمْوَالهِمْ لهمْ).
ثمَّ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ: أَنَّ كثِيْرًا مِنَ النّاس ِ، كانوا يَذْهَبُوْنَ يَدْعُوْنَ عِنْدَ قبوْرِ العُبيْدِيِّينَ، يَظنُّوْنَ أَنهُمْ أَوْلِيَاءُ صَالحوْنَ، مَعَ أَنهُمْ مُنَافِقوْنَ زَنادِقة ٌ ظاهِرُوْ الكفرِ، وَأَمْثَالُ هَذَا كثِيْر.
ثمَّ قالَ ﵀ ُ (٢/ ٥٩٠ - ٥٩١): (وَالمقصُوْدُ: أَنَّ كثِيْرًا مِنَ النّاس ِ، يُعَظمُ قبْرَ مَنْ يَكوْنُ في البَاطِن ِ كافِرًا أَوْ مُنَافِقا! وَيَكوْنُ هَذَا عِنْدَهُ وَالرَّسُوْلُ ﷺ مِنْ جِنْس ٍ وَاحِد.
стр. 284
لاعْتِقادِهِ: أَنَّ الميِّتَ يَقضِي حَاجتهُ إذا كانَ رَجُلا ً صَالحا! وَكِلا هَذَيْن ِ عِنْدَهُ مِنْ جِنْس ِ مَنْ يَسْتَغِيْثُ به.
وَكمْ مِنْ مَشْهَدٍ يُعَظمُهُ النّاسُ، وَهُوَ كذِب.
بَلْ يُقالُ: «إنهُ قبْرُ كافِرٍ»! كالمشْهَدِ الذِي بسَفحِ جَبَل ِ لبنَانَ، الذِي يُقالُ: «إنهُ قبْرُ نوْحٍ»! فإنَّ أَهْلَ المعْرِفةِ يَقوْلوْنَ: «إنهُ قبْرُ بَعْض ِ العَمَالِقة».
وَكذَلِك َ مَشْهَدُ الحسَيْن ِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، الذِي باِلقاهِرَةِ، وَقبْرُ أُبيٍّ الذِي في دِمَشْقَ: اتفقَ العُلمَاءُ عَلى أَنهُ كذِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قالَ: «هُمَا قبْرَان ِ لِنَصْرَانِيَّين.
وَكثِيْرٌ مِنَ المشَاهِدِ مُتنَازَعٌ فِيْهَا، وَعِنْدَهَا شَيَاطِينُ تُضِلُّ بسَببهَا مَنْ تُضِلّ).
ثمَّ قالَ (٢/ ٥٩٣): (فالذِي يَجْرِي عِنْدَ المشَاهِدِ مِنْ جِنْس ِ مَا يَجْرِي عِنْدَ الأَصْنَامِ. وَكثيْرٌ مِنَ المشاهِدِ كذِبٌ، وَكثِيْرٌ مِنْهَا مَشْكوْك ٌ فِيْه.
وَسَببُ ذلِك َ: أَنَّ مَعْرِفة َ المشَاهِدِ ليْسَتْ مِنَ الدِّيْن ِ الذِي تَكفلَ الله ُ بحِفظِهِ لِلأُمَّةِ، لِعَدَمِ حَاجَتِهمْ إلىَ مَعْرِفةِ ذلك) اه كلامُه.
وَمَا ذكرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ حَقٌّ، وَالقبوْرُ المختلقة ُ كثِيْرَة ٌ جِدًّا.
وَدَوَافِعُ أَصْحَابهَا وَمُنْشِئِيْهَا مُتبَاينة ٌ، بَينَ إرَادَةِ إضْلال ِ النّاس ِ عَنْ صِرَاطِ اللهِ المسْتقِيْمِ، وَبَينَ حُبٍّ وَطمَعٍ في الدُّنيَا، وَنهْبٍ لِمَا في أَيدِي النّاس.
стр. 285
وَقدْ ذكرَ ابْنُ الجوْزِيِّ في تَارِيْخِهِ «المنتظم» (١٨/ ٨ - ٩) في حَوَادِثِ سَنةِ (٥٣٥هـ): أَنَّ رَجُلا ً دَخَلَ بَغْدَادَ، وَأَظهَرَ الزُّهْدَ وَالتَّنَسُّك َ، فقصَدَهُ النّاسُ مِنْ كلِّ جَانِب.
ثمَّ إنَّ رَجُلا ً- مِنْ سَوَادِ بَغْدَادَ - مَاتَ لهُ صَبيٌّ فدَفنهُ، فعلِمَ بهِ هَذَا المتزَهِّدُ: فمَضَى إلىَ قبْرِ ذلِك َ الصَّبيِّ، فنبشَهُ، وَأَخْرَجَ الصَّبيَّ، ثمَّ دَفنهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ لحاجَةٍ في نفسِه!
ثمَّ قالَ لِلنَّاس ِ في بَعْض ِ الأَيامِ: «اعْلمُوْا أَني قدْ رَأَيتُ عُمَرَ بْنَ الخطابِ في المنامِ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ، فسَلمْتُ عَليْهمَا وَسَلمُوْا عَليَّ، وَقالا لِيَ: إنَّ في هَذَا الموْضِعِ صَبيًّا مِنْ أَوْلادِ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ عَلِيّ بن ِ أَبي طالِبٍ، وَخطا لِيَ المكان)، ثمَّ أَشَارَ المتزَهِّدُ إلىَ ذلِك َ الموْضِع.
فحَفرُوْا في ذلِك َ المكان ِ، فرَأَوْا الصَّبيَّ - وَهُوَ أَمْرَدُ - فازْدَحَمُوْا عَليْهِ، وَانْصَرَفوْا إليْهِ، فمَنْ وَصَلَ إلىَ قِطعَةٍ مِنْ أَكفانِهِ فكأَنهُ حَازَ الدُّنيَا!
حَتَّى خَرَجَ أَرْبابُ الدَّوْلةِ وَأَهْلُ بَغْدَادَ! وَانقلبَتِ البلدُ! وَوَضَعُوْا عِنْدَ قبْرِهِ دَسَاتِيْجَ مَاءِ الوَرْدِ وَالبخوْر!
وَأَخَذَ جُهّالُ النّاس ِ التُّرَابَ لِلتَّبَرُّكِ! وَازْدَحَمَ النّاسُ عَلى القبْرِ، حَتَّى لمْ يَصِلَ إليْهِ أَحَدٌ مِنْ كثْرَةِ الزِّحَام!
وَجَعَلَ النّاسُ يُقبِّلوْنَ يَدَ ذلِك َ المتزَهِّدِ - وَهُوَ يُظهرُ التَّمنعَ وَالبُكاءَ وَالخشُوْع! - وَالنّاسُ تَارَة ً يَزْدَحِمُوْنَ عَليْهِ، وَتَارَة ً يَزْدَحِمُوْنَ عَلى الميِّت!
стр. 286
وَبَقِيَ النّاسُ عَلى هَذَا أَياما، وَالميِّتُ مَكشُوْفٌ يُبْصِرُهُ النّاسُ، حَتَّى ظهَرَ نتنُ رَائِحَتِه.
وَجَاءَ جَمَاعَة ٌ مِنْ أَذكِيَاءِ بَغْدَادَ، فتفقدُوْا كفنهُ فوَجَدُوْهُ خَامًا! وَوَجَدُوْا تَحْتَهُ حَصِيرًا جَدِيْدًا! فقالوْا: «هَذَا لا يُمْكِنُ أَنْ يَكوْنَ عَلى هَذِهِ الصِّفةِ، مُنْذُ أَرْبَعِ مِئَةِ سَنة!
فمَا زَالوْا يُنقبوْنَ عَنْ ذلِك َ حَتَّى جَاءَ وَالِدُ الصَّبيِّ فأَبصَرَ ابنهُ، فقالَ لِلنّاس ِ: «هَذَا وَاللهِ وَلدِي، وَكنْتُ دَفنْتُهُ عِنْدَ السّبْتيّ».
فمَضَى مَعَهُ قوْمٌ إلىَ المكان ِ، فرَأَوْا القبْرَ قدْ نبشَ، وَليْسَ فِيْهِ مَيِّت!
فلمّا سَمِعَ المتزَهِّدُ ذلِك َ: هَرَبَ، فطلبُوْهُ وَظفِرُوْا بهِ، فقرَّرُوْهُ فأَقرَّ أَنهُ فعَلَ ذلِك َ حِيْلة! فأُخِذَ وَأُرْكِبَ حِمَارًا، وَشُهِّرَ به.
وَهَذَا حَالُ قبوْرٍ كثيْرَةٍ، ليْسَ فِيْهَا أَحَدٌ، أَوْ فِيْهَا ضَالٌّ، أَوْ كافِرٌ، أَوْ غيْرُ ذلِك َ، فإنْ كشِفَ حَالُ قبْرٍ مِنْهَا: فقدْ بَقِيَتِ الأُخْرَى.
وَهَذَا حَالُ كثِيْرٍ مِنْ قبوْرِ الأَوْلِيَاءِ المزْعُوْمِينَ في مِصْرَ وَغيْرِهَا، أَعْرَضْتُ عَنْ ذِكرِ حَال ِ كثِيرٍ مِنْهَا، لِعَدَمِ تَعَلق ِ حُكمٍ بهَا أَصْلا ً، سَوَاءٌ ثبتَ أَنَّ مَنْ فِيْهَا وَلِيٌّ صَالِحٌ، أَوْ فاسِقٌ طالِح.
وَمَنْ صَرَفَ لِمَيِّتٍ شَيْئًا مِنَ العِبَادَةِ، سَوَاءٌ كانَ الميِّتُ نبيًّا، أَوْ وَلِيًّا أَوْ دُوْنَ ذلِك َ: كانَ مُشْرِكا كافِرًا، كمَا تقدَّمَ تقرِيرُهُ، فكيْفَ إذا كانَ القبرُ قبْرَ يهُوْدِيٍّ أَوْ نصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوْسِيّ؟!
стр. 287
فصل في بيان ِ حَال ِ أَحْمَدَ البدَوِيِّ صَاحِبِ القبرِ المشْهُوْرِ ب «طنْطا»
(٥٩٦هـ-٦٧٥هـ)
وَمِنْ قبوْرِ المبْطِلِينَ، التي شُغِفَ بهَا الضّالوْنَ المنْحَرِفوْنَ: قبْرُ أَحْمَدِ بْن ِ عَلِيّ بْن ِ إبْرَاهِيْمَ البدَوِيّ.
فإنهُ نشأَ فاسِدًا ذا أَحْوَال ٍ شَيْطانِيَّةٍ، وَمَخارِيْقَ إبْلِيْسِيَّة.
وَكانَ قبْلَ ذلِك َ قدْ حَفِظ َ القرْآنَ، وَاشْتَغلَ باِلعِلمِ مُدَّة ً عَلى مَذْهَبِ الإمَامِ الشّافِعِيّ. فلمّا اجْتَالتْهُ الشَّيَاطِينُ وَمَسَّتْهُ - في حَال ٍ يُسَمِّيْهَا المتصَوِّفة ُ «حَادِثَ الوَلهِ» -: ترَك َ ذلِك َ كلهُ! وَانسَلخَ مِنْه.
وَكانَ لا يُصَلي! وَإذا لبسَ ثوْبًا أَوْ عِمَامَة ً لمْ يَخْلعْهَا لِغُسْل ٍ وَلا لِغيْرِهِ حَتَّى تَذُوْبَ قذَرًا! فيُبْدِلوْنهَا لهُ بغيرِهَا، فلا صَلاة َ تَحْمِلهُ عَلى غسْل ٍ، وَلا وُضُوْءٍ، وَلا مُرُوْءَة َ نفس. وَقدْ ناصَحَهُ بَعْضُ أَهْل ِ العِلمِ مِنْ مُعَاصِرِيهِ في تَرْكِهِ لِلصَّلاةِ: فلمْ يَسْتَجِبْ وَلمْ يُصَلِّ! أَبعَدَهُ الله.
وَكانَ فاسِيَّ الأَصْل ِ، رَحَلَ بهِ أَبوْهُ إلىَ مَكة َ، ثمَّ سَافرَ هُوَ إلىَ العِرَاق ِ، وَزَارَ بهَا قبْرَ عَدِيِّ بْن ِ مُسَافِرٍ، وَقبْرَ الزِّندِيق ِ المقتوْل ِ عَليْهَا الحلاجِ، ثمَّ زَارَ مِصْرَ، وَدَخَلَ «طنْطا»، وَبَقِيَ فِيْهَا حَتَّى هَلك.
стр. 288
وَلقِيَ في سَفرِهِ إلىَ مِصْرَ سَاحِرَة ً كبيرَة ً، قدْ أَعْجَزَتْ غيرَهَا مِنَ السَّحَرَةِ، فغلبَهَا البدَوِيُّ بشَيَاطِيْنِهِ وَأَحْوَالِه!
فزَعَمَ المتصَوِّفة ُ-لمّا رَأَوْا ذلِك َ-: أَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا أَحْوَالٌ وَكرَامَاتٌ، وَمَا هِيَ إلا َّ مَا عَرَفتَ.
فلمّا بَلغَ «طنْطا»: دَخَلَ مُسْرِعًا دَارَ رَجُل ٍ مِنْ مَشَايخِ المتصَوِّفةِ، يُسَمَّى «ابْنَ شُحَيْطٍ»، فصَعدَ البدَوِيُّ إلىَ سَطحِ غرْفتِهِ، وَبقِيَ فِيْهِ طوْلَ نهَارِهِ وَليْلِهِ، قائِمًا شَاخِصًا ببَصَرِهِ إلىَ السَّمَاءِ! وَقدِ انقلبَ سَوَادُ عَيْنَيْهِ بحمْرَةٍ تتوَقدُ كالجمْر!
وَكانَ يَمْكثُ الأَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَكثرَ لا يَأْكلُ! وَلا يَشْرَبُ! وَلا ينامُ! ثمَّ ينزِلُ لحِاجَةٍ ثمَّ يعوْدُ إلىَ مَكانِهِ عَلى حَالِهِ السّابق ِ، وَبقِيَ عَلى ذلِك َ اثنتيْ عَشْرَة َ سَنة!
وَكانَ يَزْعُمُ البدَوِيُّ: أَنَّ مِنْ كرَامَاتِهِ: أَنَّ ثوْرًا كادَ يَقتلُ رَضِيْعًا بمصْرَ، فمَدَّ البدَوِيُّ يدَهُ إليْهِ - وَكانَ حِيْنَذَاك َ باِلعِرَاق ِ- إلىَ مِصْرَ، فنجَّاهُ وَأَبْعَدَ الثوْرَ عَنْه!
وَكانَ البدَوِيُّ يتلثمُ بلِثامَين ِ، لا يُرَى مِنْ وَجْههِ شَيْءٌ سِوَى عَيْنيْهِ! فطلبَ مِنْهُ أَحَدُ مُرِيدِيهِ أَنْ يَنْظرَ إلىَ وَجْههِ دُوْنَ لِثامٍ، لِيَرَى وَجْهَه.
فقالَ لهُ البدَوِيُّ: «كلُّ نظرَةٍ برَجُل» ٍ!
فقالَ المرِيدُ المرِيدُ: «يَا سَيِّدِي أَرِنِي وَجْهَك َ وَلوْ مِتّ».
стр. 289
فكشَفَ البدَوِيُّ لهُ اللثامَ العُلوِيَّ، فبدَا لهُ بَعْضُ وَجْههِ، فصَعِقَ مُرِيدُهُ وَمَاتَ مِنْ فوْرِه! كذَا زَعَمَ الشَّعْرَانِيُّ في «طبقاتِهِ الكبْرَى» (١/ ١٦٠).
وَمَا ذاك َ إلا َّ لِقبْحِ وَجْههِ، وَتمَثل ِ الشياطِين ِ بهِ، وَإلا َّ فليْسَ في ذلِك َ مَفخَرَة ٌ وَلا مَنْقبَة ٌ، وَليْسَ أَحَدٌ أَكرَمَ عَلى اللهِ وَلا أَحَبَّ إليْهِ مِنْ نبيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، خلِيْلِهِ وَصَفيِّهِ،
وَخِيْرَتِهِ مِنْ خلقِهِ، وَكانَ وَجْهُهُ ﷺ صَبيْحًا جَمِيْلا ً، لا تَمَلُّ عَينُ النّاظِرِ إليْهِ مِنْهُ، يَمْلأُ القلوْبَ بَهْجَة ً وَسُرُوْرًا، وَالنفسَ رِضا وَحُبُوْرًا. كمَا في «صَحِيْحِ البُخارِيِّ» (١٠٠٩) وَغيرِهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا، كانَ رُبَّمَا تمَثلَ بشِعْرِ أَبي طالِبٍ عَمِّ النَّبيِّ ﷺ إذا نظرَ إليْهِ يَقوْلُ:
وَأَبيضَ يسْتسْقى الغمَامُ بوَجْههِ
ثِمَالُ اليتامى عِصْمَة ٌ لِلأَرَامِل ِ
وَقدْ تَمَثلَ بهِ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابةِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ جَمِيْعًا في النَّبيِّ ﷺ .
وَرَوَى البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٣٥٤٩) وَمُسْلِمٌ (٢٣٣٧) عَن ِ البرَاءِ بْن ِعَازِبٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النّاس ِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُ خَلقا، ليْسَ باِلطوِيْل ِ البائِن ِ، وَلا باِلقصِير».
وَفي «صَحِيْحِ البُخارِيِّ» (٣٥٥٢): أَنَّ البرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ سُئِلَ أَكانَ وَجْهُ النَّبيِّ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟
стр. 290
فقالَ: «لا! بَلْ مِثْلَ القمَر».
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٥/ ٤٥٤): عَنْ يَزِيْدِ بْن ِ هَارُوْنَ عَن ِ الجرَيرِيِّ قالَ: كنتُ أَطوْفُ مَعَ أَبي الطفيْل ِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ فقالَ: «مَا بَقِيَ أَحَدٌ رَأَى رَسُوْلَ اللهِ ﷺ غيرِي».
قالَ: قلتُ: وَرَأَيته؟ قالَ: «نعَمْ».
قالَ: قلتُ: كيْفَ كانَ صِفتهُ؟ قالَ: «كانَ أَبيَضَ مَلِيْحًا مُقصَّدًا» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (٢٣٤٠).
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٥/ ٤٥١) بإسْنَادٍ صَحِيْحٍ رِجَالهُ رِجَالُ الشَّيْخَين ِ: عَنْ يَحْيَى بْن ِسَعِيْدٍ وَمحمَّدِ بْن ِ جَعْفرٍ عَنْ عَوْفِ بْن ِ أَبي جَمِيْلة َ عَنْ زُرَارَة َعَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِ سَلامٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: (لمّا قدِمَ النَّبيُّ ﷺ المدِينة َ، انْجَفلَ النّاسُ عَليْهِ، فكنْتُ فِيْمَن ِ انْجَفلَ. فلمّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفتُ أَنَّ وَجْهَهُ ليْسَ بوَجْهِ كذّابٍ. فكانَ أَوَّلَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ يَقوْلُ: «أَفشوْا السَّلامَ، وَأَطعِمُوْا الطعَامَ، وَصِلوْا الأَرْحَامَ، وَصَلوْا وَالنّاسُ نِيَامٌ، تدْخُلوْا الجنة َ بسَلام» وَرَوَاهُ الدّارِمِيُّ (١٤٦٠)، (٢٦٣٢) عَنْ سَعِيْدِ بْن ِ عَامِرٍ عَنْ عَوْفٍ به. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِهِ» (٢٤٨٥) وَابْنُ مَاجَهْ في «سُننِهِ» (١٣٣٤) كِلاهُمَا عَنْ محمَّدِ بْن ِ بَشّارٍ عَنْ يَحْيَى بْن ِ سَعِيْدٍ، وَمحمَّدِ بْن ِ جَعْفرٍ، وَعَبْدِ الوَهّابِ الثقفِيِّ، وَابْن ِ أَبي عَدِيٍّ كلهُمْ عَنْ عَوْفٍ به.
стр. 291
وَقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَهُ: (هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْح).
أَمّا هَؤُلاءِ المتصَوِّفة ُ: فوُجُوْهُهُمْ وَرُؤُوْسُهُمْ قبيْحَة ٌ، تشْمَئِزُ مِنْهَا النُّفوْسُ، لِفسَادِهِمْ وَتلبُّس ِ الشَّيَاطِين ِ بهمْ.
لهِذَا لمّا وَصَفَ الله ُ النارَ، وَمَا فِيْهَا، وَوَصَفَ شَجَرَة َ الزَّقوْمِ، قالَ: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾.
стр. 292
فصل
وَقدْ سَاقَ الشَّعْرَانِيُّ في تَرْجَمَةِ البدَوِيِّ في «طبَقاتِهِ الكبرَى» (١/ ١٥٨ - ١٦٣)، وَفي سَائِرِ ترَاجِمِهِ أَخْبَارًا مَمْجُوْجَة ً، لِكثِيرٍ مِنْ هَؤُلاءِ المفسِدِيْن.
وَمِنْ ذلك:
مَا ذكرَهُ الشَّعْرَانِيُّ - مَنْقبَة ً- في «طبَقاتِهِ» (١/ ١٦٠) لإسْمَاعِيْل ِ بْن ِ يُوْسُفَ الأَنبابيِّ، أَحَدِ المتصَوِّفةِ القائِمِينَ بَعْدَ البدَوِيِّ: أَنَّ إسْمَاعِيْلَ هَذَا، كانَ يَزْعُمُ أَنهُ يرَى اللوْحَ المحْفوْظ! وَيَقوْلُ لِلنَّاس ِ: «يَقعُ كذَا وَكذَا» فيَجِيءُ الأَمْرُ كمَا قالَ!
حَتَّى أَنهُ لمّا بَلغَ أَمْرُ هَذَا الضّال ِ أَحَدَ عُلمَاءِ المالِكِيَّةِ بمصْرَ: أَفتى بتعْزِيرِهِ، فبلغهُ الخبَرُ، فزَعَمَ: أَنَّ مِمّا رَآهُ في اللوْحِ المحْفوْظِ أَنَّ هَذَا القاضِي يَغْرَقُ في بَحْرِ الفرَاتِ، فغرِقَ فِيْه!
وَلا شَك َّ أَنَّ هَذَا - إنْ صَحَّ - فهُوَ مِمّا تُوْحِيْهِ الشَّيَاطِينُ إلىَ أَوْلِيَائِهمْ مِنَ الكهنةِ مِنْ أُمُوْرِ الغيْبِ، كمَا قالَ سُبْحَانهُ عَن ِ الجِنِّ: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾.
وَقالَ: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
стр. 293
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٦/ ٨٧) وَالبخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٥٧٦٢)، (٦٢١٣)، (٧٥٦١) وَمُسْلِمٌ (٢٢٢٨) عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ قالتْ: (سَأَلَ أُناسٌ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَن ِالكهّان ِ، فقالَ لهمْ رَسُوْلُ الله ﷺ : «ليْسُوْا بشَيْءٍ».
فقالوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إنهُمْ يحَدِّثوْنَ أَحْيَانا باِلشَّيْءِ يَكوْنُ حَقا؟!
فقالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «تِلك َ الكلِمة ُ مِنَ الحقِّ يَخْطفهَا الجنيُّ، فيقرُّهَا في أُذن ِ وَليِّهِ قرَّ الدَّجَاجَةِ، فيَخلِطوْنَ فِيْهَا أَكثرَ مِنْ مِئَةِ كذِبة»).
وَأَمّا مَن ِادَّعَى عِلمَ الغيْبِ: فهُوَ كافِرٌ مُرْتدٌّ، وَلا يَعْلمُ الغيْبَ إلا َّ الله ُ ، كمَا قالَ : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وَقالَ: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وَقالَ: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وَقالَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وَسَيَأْتِي بمَشِيْئَةِ اللهِ مَزِيدُ تفصِيْل ٍ (ص٣٢٧ - ٣٣٦) لهِذَا وَبيان.
стр. 294
فصل
ثمَّ ذكرَ الشَّعْرَانِيُّ أَيضًا (١/ ١٦١): أَنَّ مِنْ أَصْحَابِ البدَوِيِّ (مُحَمَّدًا قمرَ الدَّوْلة).
وَلمْ تَكنْ صُحْبتهُ لهُ عَنْ مُلازَمَةٍ، وَإنمَا أَتتهُ هَذِهِ الصُّحْبَة ُ وَهَذَا الفضْلُ مِنْ شُرْبهِ لِمَاءِ بطيْخةٍ كانَ قدْ شَرِبهُ البدَوِيُّ ثمَّ تقيَّأَهُ! في حِين ِ غيْبَةٍ مِنْ أَصْحَابه.
فكانَ بهَذَا مِنْ خَاصَّةِ البدَوِيِّ! حَتَّى قالَ فِيْهِ بَعْدَ شُرْبهِ قيْئَهُ: (أَنتَ قمرُ دَوْلةِ أَصْحَابي)!
فلمّا عَادَ أَصْحَابُ البدَوِيِّ، وَعَلِمُوْا بخبرِ قمَرِ الدَّوْلةِ مَعَ البدَوِيِّ حَسَدُوْهُ! حَتَّى أَنَّ عَبْدَ العَال ِ- أَحْدَ كِبَارِ مُرِيْدِي البدَوِيِّ، وَالقائِمَ بَعْدَهُ مَكانهُ - طلبَ قمَرَ الدَّوْلةِ لِيقتلهُ! حَسَدًا لهُ عَلى مَكانتِهِ هَذِهِ مِنَ البدَوِيِّ! لكِنَّهُ لمْ يَظفرْ بهِ، فعثرَتْ فرَسُ قمَرِ الدَّوْلةِ بهِ - وَهُمْ في طلبهِ - فسَقط َ في بئْرٍ، فوَقفَ عَبْدُ العَال ِ وَمَنْ مَعَهُ عَلى البئْرِ يَنْتَظِرُوْنَ قمَرَ الدَّوْلةِ لِيَخْرُجَ لِيَقتلوْهُ، فلمْ يَخْرُجْ! ثمَّ عَلِمُوْا بخرُوْجِهِ مِنْ بئْرٍ أُخْرَى في قرْيةٍ بَعِيْدَة! فلمْ يَطلبوْهُ بَعْدَهَا.
وَذكرَ الشَّعْرَانِيُّ عَنْ نفسِهِ -هُوَ- في «طبقاتِهِ» في تَرْجَمَةِ البَدَوِيِّ (١/ ١٦١): أَنَّ شَيْخَهُ محمَّدًا الشِّنّاوِيَّ، قدْ أَخَذَ عَليْهِ العَهْدَ
стр. 295
عِنْدَ ضَرِيْحِ البَدَوِيِّ تَحْتَ قبتِهِ، وَطلبَ الشِّنّاوِيُّ مِنَ البَدَوِيِّ: أَنْ يَكوْنَ الشَّعْرَانِيُّ تَحْتَ نظرِ البَدَوِيِّ وَرِعَايتِه!
فسَمِعُوْا عِنْدَهَا صَوْتَ البَدَوِيِّ مِنْ ضَرِيْحِهِ يُجِيْبُهُمْ أَنْ نَعَمْ! ثمَّ أَخْرَجَ إليْهمْ يَدَهُ فصَافحَ الشَّعْرَانِيَّ وَقبَضَ عَلى يَدِه!
لِذَا كانَ الشَّعْرَانِيُّ مُلازِمًا حُضُوْرَ مَوْلِدِ البَدَوِيِّ كلَّ سَنةٍ لا يَغِيْبُ عَنْه.
وَزَعَمَ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعْرَانِيُّ في تَرْجَمَةِ البَدَوِيِّ مَزَاعِمَ خُرَافِيَّة ً كثِيرَة ً (١/ ١٦١):
مِنْهَا: أَنَّ أَحَدَ المتصَوِّفةِ أَضَافهُ وَدَعَى في ضِيَافتِهِ الأَوْلِيَاءَ الأَحْيَاءَ مِنْهُمْ وَالأَمْوَات!
وَمِنْهَا: أَنهُ تخلفَ سنة َ (٩٤٨هـ) عَنْ مِيْعَادِ حُضُوْرِ مَوْلِدِ البَدَوِيِّ، فأَخْبرَهُ بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ - بزَعْمِهِ - مِمَّنْ حَضَرَ مَوْلِدَ البَدَوِيِّ: أَنَّ البَدَوِيَّ ذلِك َ اليوْمَ كانَ يَكشِفُ السِّتْرَ عَنْ ضَرِيْحِهِ وَيَقوْلُ: (أَبْطأَ عَبْدُ الوَهّابِ مَا جَاءَ)!
وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّعْرَانِيَّ أَرَادَ في سَنةٍ مِنَ السِّنِين ِ التخلفَ عَنْ مَوْلِدِ البَدَوِيِّ، فرَأَى البَدَوِيَّ وَمَعَهُ جَرِيْدَة ٌ خَضْرَاءُ! وَهُوَ يَدْعُو النّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَقطارِ إلىَ مَوْلِدِهِ، وَالنّاسُ خَلفهُ وَيَمِيْنَهُ وَشِمَالهُ أُمَمٌ لا يُحْصَوْن.
ثمَّ إنَّ البدَوِيَّ أَرَى الشَّعْرَانِيَّ خَلقا كثِيرًا مِنَ الأَوْلِيَاءِ وَغيرِهِمْ مِنَ الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ مِنَ الشُّيُوْخِ وَالزَّمْنَى بأَكفانِهمْ يَمْشُوْنَ
стр. 296
وَيَزْحَفوْنَ، وَآخَرِيْنَ مِنَ الأَسْرَى جَاءُوْا مَعَهُ مِنْ بلادِ الإفرَنجِ مُقيَّدِيْنَ مَغْلوْلِينَ يَزْحَفوْنَ عَلى مَقاعِدِهِمْ!
فقوِيَ عَزْمُ الشَّعْرَانِيِّ بَعْدَهَا عَلى الحضُوْرِ، وَوَعَدَ البَدَوِيَّ بذلك، إلا َّ أَنَّ البَدَوِيَّ أَبى! وَلمْ تَطِبْ نفسُهُ حَتَّى أَقامَ عَلى الشَّعْرَانِيِّ سَبْعَيْن ِ عَظِيْمَيْن ِ أَسْوَدَيْن ِ كالأَفيال ِ! وَقالَ البدَوِيُّ لهذَيْن ِ السَّبْعَيْن ِ: (لا تفارِقاهُ حَتَّى تَحْضُرَا به)! كذَا زَعَمَ الشَّعْرَانِيُّ في «طبقاتِه».
وَلا شَك َّ أَنَّ هَذَا الشَّيْطانَ أَقامَ عَليْهِ شَيْطانين ِ خَشْيَة ً مِنْ تخلفِهِ عَنْ مَسَالِكِ الحثالةِ، وَمَهَاوِي الرَّدَى وَالضَّلالة.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّعْرَانِيَّ زَعَمَ أَنَّ البَدَوِيَّ بَعْدَ مَوْتِهِ عَاتبَ محمَّدًا السَّرَوِيَّ - أَحَدَ المتصَوِّفةِ - لمّا غابَ عَنْ مَوْلِدِهِ وَقالَ لهُ: (مَوْضِعٌ يَحْضُرُ فِيْهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَالأَنبيَاءُ عَليْهمُ الصَّلاة ُ وَالسَّلامُ مَعَهُ، وَأَصْحَابُهُمْ وَالأَوْلِيَاءُ: مَا تَحْضُرُه؟!).
وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّعْرَانِيَّ زَعَمَ أَنهُ وَصَاحِبٌ لهُ لقِيَا في يَوْمِ سَبْتٍ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ الهِنْدِ بزَعْمِهمْ بمصْرَ، فأَضَافاهُ وَمَنْ مَعَهُ - وَكانوْا عَشرَة ً - وَسَأَلاهُ عَنْ أَمْرِهِ: فأَخْبرَهُمْ أَنهُ كانَ ليْلة َالأَرْبعَاءِ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ في المدِينةِ! وَليْلة َ الخمِيْس ِ عِنْدَ قبْرِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ في العِرَاق ِ! وَليْلة َ الجمُعةِ عِنْدَ البَدَوِيّ!
стр. 297
فتعَجَّبَا مِنْ ذلِك َ فقالَ لهمُ الهِنْدِيُّ: (الدُّنيا كلهَا خُطوَة ٌ عِنْدَ أَوْلِيَاءِ اللهِ .
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الشَّعْرَانِيُّ في «طبَقاتِهِ» (١/ ١٦٢) عَنْ شَيْخِهِ مُحََمَّدٍ الشِّنّاوِيِّ أَنهُ قالَ: (إنَّ شَخْصًا أَنكرَ حُضُوْرَ مَوْلِدِ البَدَوِيِّ فسُلِبَ الإيْمَانَ! فلمْ يَكنْ فِيْهِ شَعْرَة ٌ تحِنُّ إلىَ دِيْن ِ الإسْلام!
فاسْتَغاثَ بسَيِّدِي أَحْمَدَ فقالَ لهُ: «بشَرْطِ أَنْ لا تَعُوْدَ».
فقالَ: نعَم. فرَدَّ عَليْهِ ثوْبَ إيمَانِه) اه.
وَهَذِهِ الخرَافاتُ لا ترُوْجُ إلا َّ عَلى فاسِدِ عَقل ٍ، مُضَيَّعِ الدِّين ِ، وَمَا زَالَ أَئِمَّة ُ الإسْلامِ يُنْكِرُوْنَ عَلى المتصَوِّفةِ وَالجهّال ِ إقامَة َ الموَالِدِ البدْعِيَّةِ، وَمِنْهَا: مَا يسَمُّوْنهُ الموْلدَ النبوِيَّ! وَلمْ ينْزِلْ بهمْ مَا زَعَمَ أَنهُ نزَلَ بمُنْكِرِ مَوْلِدِ البدَوِيّ!
وَقدْ كانَ الصَّحَابة ُ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ جَمِيْعًا أَشَدَّ النّاس ِ حُبًّا لِرَسُوْل ِاللهِ ﷺ ، وَأَكثرَهُمْ فِدَاءًا لهُ وَقِتَالا ً مَعَهُ، قدِ اخْتَارَهُمُ الله ُ لِنبيِّهِ ﷺ ، وَاصْطفاهُمْ لِصَفِيِّهِ، وَلمْ يقِيْمُوْا مَوْلِدًا لهُ ﷺ .
لِتمامِ عِلمِهمْ، وَسَلامَةِ اعْتِقادِهِمْ، وَمَضَى عَلى ذلِك َ التّابعُوْنَ وَتابعُوْهُمْ، وَعَليْهِ أَئِمَّة ُ الإسْلامِ المهْتَدُوْنَ بَعْدَ ذلك.
وَمَا حَدَثتْ هَذِهِ البدْعَة ُ المسَمّاة ُ باِلموْلِدِ النَّبَوِيِّ، إلا َّ بَعْدَ تَصَرُّمِ القرُوْن ِ المفضلةِ، عَلى يدِ أَحَدِ حُكامِ الفاطِمِيِّينَ الزَّنادِقة.
стр. 298
فصل في بيان ِ حَال ِ إبْرَاهِيْمِ بْن ِ أَبي المجْدِ الدُّسُوْقِيّ
(٦٣٣هـ-٦٧٦هـ)
وَمِنْ قبُوْرِ المبْطِلِينَ كذَلِك َ، الذِيْنَ شُغِفَ بهَا الضّالوْنَ المنْحَرِفوْنَ: قبرُ إبْرَاهِيْمِ بْن ِ أَبي المجْدِ الدُّسُوْقِيِّ المِصْرِيّ.
وَهَذَا الرَّجُلُ كسَابقِهِ، قدْ نشأَ ضَالا ًّ مُنْحَرِفا، يَزْعُمُ الاطلاعَ عَلى اللوْحِ المحْفوْظِ! وَيَدَّعِي عِلمَ الغيْبِ! وَلهُ أَحْوَالٌ شَيْطانِيَّة ٌ، كحَال ِ كثِيرٍ مِنْ أَشْبَاهِه.
وَكانَ يَقوْلُ: (مَنْ غابَ بقلبهِ بحضْرَةِ رَبهِ: لا يُكلفُ فِي غيْبتِهِ، فإذا خَرَجَ إلىَ عَالمِ الشَّهَادَةِ، قضَى مَا فاتهُ، وَهَذَا حَالُ المبْتَدِئِينَ. أَمّا حَالُ الكمَّل ِ: فلا يَجْرِي عَليْهمْ هَذَا الحكمُ، بَلْ يُرَدُّوْنَ لأَدَاءِ فرْضِهمْ وَسُنَنِهمْ) اه نقلهُ عَنْهُ الشَّعْرَانِيُّ فِي «طبقاتِه» (١/ ١٤٣).
وَقالَ (١/ ١٤٧): (إذا كمُلَ العَارِفُ فِي مَقامِ العِرْفان ِ: أَوْرَثهُ الله ُ عِلمًا بلا وَاسِطةٍ، وَأَخَذَ العُلوْمَ المكتوْبة َ فِي أَلوَاحِ المعَانِي، ففهمَ رُمُوْزَهَا، وَعَرَفَ كنوْزَهَا، وَفك َّ طلسَمَاتِهَا، وَعَلِمَ اسْمَهَا وَرَسْمَهَا، وَأَطلعَهُ الله ُ تَعَالىَ عَلى العُلوْمِ الموْدَعةِ فِي النَّقطِ، وَلوْلا خوْفُ الإنكارِ لنطقوْا بمَا يَبْهَرُ العُقوْل.
وَكذَلِك َ لهمْ مِنْ إشَارَاتِ العِبَارَاتِ عِبَارَاتٌ مُعْجَمَة ٌ، وَأَلسُنٌ مُخْتَلِفة.
стр. 299
وَكذَلِك َ لهمْ فِي مَعَانِي الحرُوْفِ، وَالقطعِ، وَالوَصْل ِ، وَالهمِّ، وَالشَّكل ِ، وَالنَّصْبِ، وَالرَّفعِ، مَا لا يُحْصَرُ، وَلا يَطلِعُ عَليْهِ إلا َّ هُمْ.
وَكذَلِك َ لهمُ الاطلاعُ عَلى مَا هُوَ مَكتُوْبٌ عَلى أَوْرَاق ِ الشَّجَرِ وَالماءِ وَالهوَاءِ، وَمَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ، وََمَا هُوَ مَكتُوْبٌ عَلى صَفحَةِ قبَّةِ خَيْمَةِ السَّمَاءِ، وَمَا فِي جِبَاهِ الإنس ِ وَالجِنِّ، مِمّا يَقعُ لهمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَة.
وَكذَلِك َ لهمُ الاطلاعُ عَلى مَا هُوَ مَكتُوْبٌ بلا كِتَابةٍ مِنْ جَمِيْعِ مَا فوْقَ الفوْقِيِّ، وَمَا تَحْتَ التَّحْتيِّ، وَلا عَجَبَ مِنْ حَكِيْمٍ يتلقى عِلمًا مِنْ حَكِيْمٍ عَلِيْم. فإنَّ مَوَاهِبَ السِّرِّ اللدُنِيِّ، قدْ ظهَرَ بَعْضُهَا فِي قِصَّةِ مُوْسَى وَالخضِرِ ﵉.
وَكانَ يَقوْلُ (١/ ١٥٧): (أَنا مُوْسَى ﵇ فِي مُنَاجَاتِهِ، وَأَنا عَلِيٌّ فِي حَمْلاتِهِ. أَنا كلُّ وَلِيٍّ فِي الأَرْض ِ، خَلعْتُهُ بيَدَيَّ، أَلبَسُ مِنْهُمْ مَنْ شِئْتُ. أَنا فِي السَّمَاءِ شَاهَدْتُ رَبِّي، وَعَلى الكرْسِيِّ خَاطبْتهُ، أَنا بيَدَيَّ أَبوَابُ النّارِ غلقتهَا، وَبيَدَيَّ جَنَّة ُ الفِرْدَوْس ِ فتَحْتُهَا. مَنْ زَارَنِي أَسْكنْتُهُ جَنَّة َ الفِرْدَوْس).
ثمَّ قالَ: (وَقدْ كنْتُ أَنا وَأَوْلِيَاءُ اللهِ تَعَالىَ أَشْيَاخًا فِي الأَزَل ِ، بَينَ يَدَي قدِيْمِ الأَزَل ِ، وَبَينَ يَدَي رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَخْلعَ عَلى جَمِيْعِ الأَوْلِيَاءِ بيَدَيَّ، فخلعْتُ عَليْهمْ بيَدَيَّ، وَقالَ لِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «يَا إبْرَاهِيْمُ أَنتَ نقِيْبٌ عَليْهمْ») إلىَ آخِرِ خُرَافاتِه.
стр. 300
وَقالَ أَيضًا (١/ ١٥٨): (أَشْهَدَنِي الله ُ تَعَالىَ مَا فِي العُلا وَأَنا ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وَنظرْتُ فِي اللوْحِ المحْفوْظِ وَأَنا ابْنُ ثمَان ِ سِنِينَ، وَفككتُ طلسَمَ السَّمَاءِ وَأَنا ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِي السَّبْعِ المثانِي حَرْفا مُعْجَمًا حَارَ فِيْهِ الجِنُّ وَالإنسُ، ففهمْتُهُ وَحَمِدْتُ الله َ تَعَالىَ عَلى مَعْرِفتِهِ، وَحَرَّكتُ مَا سَكنَ، وَسَكنْتُ مَا تَحَرَّك َ بإذن ِ اللهِ تَعَالىَ، وَأَنا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَة َ سَنة).
وَلهُ نظمٌ خَبيْثٌ كنثْرِهِ، مِنْهُ قوْلهُ (١/ ١٥٨):
أَنا الحرْفُ لا أُقرَا لِكلِّ مُنَاظِرٍ
وَكلُّ الوَرَى مِنْ أَمْرِ رَبِّي رَعِيَّتي
وَمَا قلتُ هَذَا القوْلُ فخْرًا وَإنّمَا
أَتَى الإذنُ كيْ لا يَجْهَلوْنَ طرِيْقتي
فأَوْصَلتُ ذاتِي باِتِّحَادِي بذَاتِهِ
بغيرِ حُلوْل ٍ بَلْ بتَحْقِيْق ِ نِسْبَتي
أَنا ذلِك َ القطبُ المبَارَك ُ أَمْرُهُ
فكلُّ مَدَارِ الكلِّ مِنْ حَوْل ِ ذرْوَتِي
وَبي قامَتِ الأَشْيَاءُ فِي كلِّ أُمَّةٍ
بمخْتَلفِ الآرَاءِ وَالكلُّ أُمَّتي
وَلا جَامِعٌ إلا َّ وَلِي فِيْهِ مِنْبَرٌ
وَفِي حَضْرَةِ المخْتَارِ فزْتُ ببُغْيَتي
نعَمْ نشْأَتِي فِي الحبِّ مِنْ قبْل ِ آدَمٍ
وَسِرِّيَ فِي الأَكوَان ِ مِنْ قبْل ِ نشْأَتِي
أَنا كنْتُ فِي العَليَاءِ مَعْ نوْرِ أَحْمَدٍ
عَلى الدُّرَّةِ البَيْضَاءِ فِي خَلوِيَّتي
أَنا كنْتُ فِي رُؤْيا الذَّبيْحِ فِدَاؤُهُ
بلطفِ عِنَايَاتٍ وَعَين ِ حَقِيْقةِ
أَنا كنْتُ مَعْ إدْرِيْسَ لمّا أَتَى العُلا وَأُسْكِنَ فِي الفِرْدَوْس ِ أَنعَمِ بُقعَةِ
أَنا كنْتُ مَعْ عِيْسَى عَلى المهْدِ ناطِقا وَأَعْطيْتُ دَاوُوْدًا حَلاوَة َ نغْمَةِ
стр. 301
أَنا كنْتُ مَعْ نوْحٍ بمَا شَهدَ الوَرَى
بحَارًا وَطوْفانا عَلى كفِّ قدْرَةِ
أَنا القطبُ شَيْخُ الوَقتِ فِي كلِّ حَالةٍ
أَنا العَبْدُ إبْرَاهِيْمُ شَيْخُ الطرِيقةِ
وَفي كلامِهِ السّابق ِ نظمًا وَنثرًا مِنَ الضّلالاتِ المكفرَاتِ: مَا لوْ قسِّمَ عَلى أُمَّةٍ لأَوْبقهَا، عِيَاذا باِللهِ مِنْ ضَلالِهِ وَضَلال ِ أَتباعِهِ وَأَصْحَابه.
стр. 302
فصل
وَقدْ زَعَمَ كثِيرٌ مِنَ المتَصَوِّفةِ، حَتَّى أَصْبَحَ مِنَ المسْتقِرِّ بَيْنَهُمْ، المعْلوْمِ عِنْدَهُمْ باِلضَّرُوْرَةِ: أَنَّ الأَوْلِيَاءَ - أَوْ أَكثرَهُمْ - لهمُ اطلاعٌ عَلى الغيْبِ! وَاطلاعٌ عَلى اللوْحِ المحْفوْظِ! وَتَصَرُّفٌ فِي الكوْن ِ! وَأَنَّ التَّكالِيْفَ الشَّرْعِيَّة َ تَسْقط ُ عَنْهُمْ أَوْ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ إذا بَلغوْا مَرْتبَة َ اليَقِين ِ بزَعْمِهمْ! فلا عِبَادَة ٌ تُقرِّبهُمْ إلىَ رَبِّهمْ وَقدْ بَلغُوْا فِي القرْبِ الغاية! وَلا يَزِيْدُ إيْمَانهُمْ بَعْدَ هَذَا وَإنْ تُلِيَتْ عَليْهمْ آياتُ اللهِ آية ً آية! خِلافَ أَئِمَّةِ الدِّيْن ِ، وَأَنبيَاءِ اللهِ وَالمرْسَلِينَ، الذِيْنَ قالَ فِيْهمْ سُبْحَانهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
وَقالَ: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
وَهَذِهِ الأُمُوْرُ السّابقة ُ مِنَ ادِّعَاءِ الغيْبِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الكوْن ِ وَسُقوْطِ التَّكالِيْفِ، مَعَ بلايا كثِيراتٍ غيرِهَا: مُكفرَاتٌ كبيرَاتٌ، وَنوَاقِضُ لِعُرَى الإسْلامِ عَظِيْمَاتٌ، لا يَبْقى مَعَ مَن ِ اعْتقدَهَا، أَوْ اعْتقدَ بَعْضَهَا، أَوْ ظنَّ صِحَّتَهَا، أَوْ سَلامَة َ مُعْتَقِدِهَا إسْلامٌ وَلا إيْمَان.
стр. 303
وَمَن ِادَّعَى عِلمَ الغيْبِ: فهُوَ كافِرٌ مُرْتدٌّ، وَلا يَعْلمُ الغيْبَ إلا َّ الله ُ ، كمَا قالَ : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وَقالَ: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وَقالَ: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وَقالَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
فلا يَعْلمُ الغيْبَ أَحَدٌ سِوَاهُ، إلا َّ أَنهُ قدْ خَصَّ أَنبيَاءَهُ وَرُسُلهُ بشَيْءٍ مِنْ ذلِك َ، قالَ تَعَالىَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾.
وَقالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
وَقالَ: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
стр. 304
وَقالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾.
* فمَنْ زَعَمَ لِلنَّبيِّ ﷺ أَوْ غيرِهِ عِلمًا باِلغيْبِ مُطلقا: كانَ ضَالا ًّ كاذِبا، قالَ سُبْحَانهُ لِنبيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وَرَوَى البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (٧٣٨٠) وَمُسْلِمٌ (١٧٧) مِنْ حَدِيْثِ مَسْرُوْق ٍ أَنَّ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُعَنْهَا قالتْ لهُ: (مَنْ حَدَّثك َ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبهُ: فقدْ كذَبَ، وَهُوَ يَقوْلُ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾.
وَمَنْ حَدَّثك َ أَنهُ يَعْلمُ الغيْبَ: فقدْ كذَبَ، وَهُوَ يَقوْلُ «لا يَعْلمُ الغيْبَ إلا َّ الله»). * وَقالَ سُبْحَانهُ في أَنبيَائِهِ جَمِيْعًا ﵈: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾.
* وَقالَ تَعَالىَ فِي هُوْدٍ ﵇: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ﴾.
* وَقالَ في مُوْسَى ﵇: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 305
* وَقالَ في عِيْسَى ﵇:: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾.
* وَقالَ سُبْحَانهُ في الملائِكةِ في قِصَّتِهمْ مَعَ آدَمَ ﵈: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٥٢) وَالبخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٠٣٩) عَن ِ ابْن ِعُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا عَن ِالنَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَفاتِيْحُ الغيْبِ خَمْسٌ، لا يَعْلمُهُنَّ إلا َّ الله ُ، لا يَعْلمُ مَا في غدٍ إلا َّ الله ُ، وَلا يَعْلمُ نزُوْلَ الغيْثِ إلا َّ الله ُ، وَلا يَعْلمُ مَا في الأَرْحَامِ إلا َّ الله ُ، وَلا يَعْلمُ السّاعَة َ إلا َّ الله ُ، وَمَا تَدْرِي نفسٌ مَاذا تكسِبُ غدًا، وَمَا تدْرِي نفسٌ بأَيِّ أَرْض ٍ تَمُوْت»، وَالأَحَادِيْثُ في هَذَا كثِيرَة ٌ مَعْلوْمَة.
فليْسَ لأَحَدٍ سَبيْلٌ قط ّ إلىَ شَيْءٍ مِنْ أُمُوْرِ الغيْبِ، إلا َّ بأَحدِ أَمْرَيْن ِ:
* إمّا بوَحْي وَنبوَّةٍ، وَهَذَا لِلرُّسُل ِ دُوْنَ غيرِهِمْ، وَمَن ِ ادَّعَاهُ لِنفسِهِ مِنْ غيرِهِمْ: فهوَ كافِرٌ مِنْ وَجْهين ِ:
أَحَدِهِمَا: ادِّعَاؤُهُ عِلمَ الغيْب.
وَالثانِي: ادِّعَاؤُهُ النُّبُوَّة َ، وَكِلاهُمَا كفرٌ، مُتَّفقٌ عَليْه.
стр. 306
* وَإمّا بمَا أَخْبرَنا الله ُ بهِ في كِتَابهِ وَنبيُّهُ ﷺ مِنْ أُمُوْرٍ غيْبيَّةٍ عَمَّنْ سَبَقنَا مِنَ بَدْءِ الخلق ِ وَمَعَادِهِمْ، وَأَخبَارِ الأُمَمِ، وَمَا سَيَحْدُثُ في آخِرِ الزَّمَان ِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفاتِهِ، وَمَا أَعَدَّهُ لِلمُؤْمِنِينَ مِنْ نعِيْمٍ، وَمَا أَعَدَّهُ لِلكافِرِيْنَ مِنْ جَحِيْمٍ، وَنَحْوِ ذلك.
وَالوَاجِبُ في هَذَا كلهِ: الإيْمَانُ بهِ، وَالتَّسْلِيْمُ وَالتَّصْدِيْقُ، لهِذَا وَصَفَ الله ُ عِبَادَهُ المؤْمِنِينَ المتقِينَ المفلِحِينَ، وَمَدَحَهُمْ باِلإيْمَان ِ باِلغيْبِ فقالَ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾.
فمَنْ لمْ يؤْمِنْ بخبرِ اللهِ سُبْحَانهُ وَخبرِ رَسُوْلِهِ ﷺ : لمْ يَكنْ مُؤْمِنًا، بَلْ هُوَ كافِرٌ أَيضا.
أَمّا مَاتدَّعِيْهِ المتصَوِّفة ُ لأَوْلِيَائِهَا وَكثِيرٍ مِنْ أَعْيَانِهَا وَأَغيَانِهَا، مِنَ اطلاعٍ عَلى الغيْبِ، أَوْ نظرٍ في اللوْحِ المحْفوْظِ: فهُوَ كفرٌ صَرِيْحٌ وَرِدَّة ٌ، لا تَأْوِيْلَ فِيْهِ وَلا مِرْية.
أَمّا مَا يَرَاهُ النّائِمُ في نوْمِهِ مِنْ أُمُوْرٍ قدْ يتحَققُ بَعْضُهَا: فهَذَا لا يُخالِفُ مَا قرَّرْناهُ سَابقا، وَهُوَ مِنَ المبشرَاتِ لِلمُؤْمِن ِ، وَقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ : «الرُّؤْيا الصّالحة ُ مِنَ اللهِ، وَالحلمُ مِنَ الشَّيْطان ِ، فإذا حَلمَ فليتعَوَّذْ مِنْهُ وَليبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ
стр. 307
فإنهَا لا تضُرُّه» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٦٩٨٦) وَمُسْلِمٌ (٢٢٦١) مِنْ حَدِيْثِ أَبي قتادَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
وَرَوَى البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٦٩٨٩) مِنْ حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: أَنهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقوْلُ: «الرُّؤْيا الصّالحِة ُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّة».
وَقالَ ﷺ : «لمْ يبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلا َّ المبشِّرَات».
قالوْا: وَمَا المبشِّرَات؟
قالَ ﷺ : «الرُّؤْيا الصّالحِة» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٦٩٩٠) مِنْ حَدِيْثِ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
إلا َّ أَنَّ الرُّؤْيا تخالِفُ الوَحْيَ وَتفارِقهُ في مَسَائِلَ، مِنْهَا:
* أَنَّ شَرْط َ اعْتِبَارِهَا: أَنْ تَكوْنَ رُؤْيا صَالحِة ً، لا حُلمًا أَوْ أَضْغاثَ أَحْلام.
* وَأَنهَا لا تَكوْنُ باِخْتِيَارِ النّائِمِ، بَلْ ترِدُ عَليْهِ دُوْنَ اخْتِيَارِه.
* وَلا يُشْترَط ُ فِيْهَا صَلاحُ صَاحِبهَا لِصِحَّتِهَا، بَلْ رُبَّمَا كانَ كافِرًا أَوْ دُوْنَ ذلِك َ، كمَا في قِصَّةِ مَلِكِ مِصْرَ مَعَ يُوْسُفَ ﵇، وَصَاحِبَيْهِ في السِّجْن ِ، وَقدْ حَكاهَا الله ُ تَعَالىَ لنا في القرْآن ِ، وَقِصَّةِ هِرَقلَ في «صَحِيْحِ البُخارِيّ» (٧).
إلا َّ أَنَّ صِدْقَ رُؤْيا هَؤُلاءِ عَلى النادِرِ، بخِلافِ المؤْمِنِينَ المسْتقِيْمِينَ: فقدْ أَخْرَجَ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٧٠١٧) وَمُسْلِمٌ (٢٠٦٣) عَنْ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ يَقوْلُ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ «إذا
стр. 308
اقترَبَ الزَّمَانُ لمْ تكدْ تَكذِبُ رُؤْيا المؤْمِن ِ، وَرُؤْيا المؤْمِن ِ جُزْءٌ مِنْ سِتةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَمَا كانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فإنهُ لا يَكذِب».
* وَأَنهَا لا اعْتبَارَ لها في الأَحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فلا يثبتْ بهَا شَيْءٌ لمْ يثبتْ، وَلا ينفى لأَجْلِهَا شَيْءٌ ثابت.
* وَلا يُجْزَمُ بصِدْقِهَا، وَلا يُعْرَفُ صِدْقهَا إلا َّ بَعْدَ وُقوْعِهَا، بخِلافِ الوَحْيِّ، فيعْرَفُ صِدْقهُ قبْلَ وُقوْعِه.
وَيُسْلك ُ فِيْهَا مَسْلك ُ أَخْبَارِ بَني إسْرَائِيْلَ - التي لمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بتَصْدِيْق ٍ لها وَلا برَدٍّ- لا تُصَدَّقُ وَلا تُكذَّبُ، كمَا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَا حَدَّثكمْ أَهْلُ الكِتَابِ: فلا تُصَدِّقوْهُمْ وَلا تُكذِّبوْهُمْ، وَقوْلوْا آمَنّا باِللهِ وَرُسُلِه.
فإنْ كانَ بَاطِلا ً لمْ تُصَدِّقوْهُ، وَإنْ كانَ حَقا لمْ تُكذِّبوْه» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٤/ ١٣٦) وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِه» (٣٦٤٤).
وَلا سَبيْلَ إلىَ الجزْمِ بهَا إلا َّ مِنْ طرِيْق ِ الوَحْيِّ، كمَا في قِصَّةِ يُوْسُفَ ﵇ مَعَ مَلِكِ مِصْرَ وَمَعَ الفتَيَين ِ اللذَين ِ سُجِنَا مَعَهُ، فإنهُ بيَّنَ لهمْ تَأْوِيْلَ رُؤْياهُمْ، وَكانَ ذلِك َ وَحْيًا، لا رَجْمًا باِلغيْبِ: فجُزِمَ بصِدْق ِ تَأْوِيْلِهِ ﵇ وَإنْ كانَ قبْلَ وُقوْعِه.
وَكمَا كانَ يَفعَلهُ النَّبيُّ ﷺ كثِيرًا مَعَ أَصْحَابهِ بَعْدَ صَلاةِ الفجْرِ، فرَوَى البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١٣٨٦)، (٧٠٤٧) وَمُسْلِمٌ (٢٢٧٥) عَنْ
стр. 309
سَمُرَةِ بْن ِجُنْدُبٍ رَضِيَ الله ُعَنْهُ قالَ: (كانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مِمّا يُكثِرُ أَنْ يَقوْلَ لأَصْحَابهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكمْ مِنْ رُؤْيا؟».
قالَ سَمُرَة ُ: فيقصُّ عَليْهِ مَنْ شَاءَ الله ُ أَنْ يَقصّ) الحدِيْثَ بطوْلِه.
وَالوَحْيُ قدِ انقطعَ فانقطعَ مَعَهُ سَبيْلُ الجزْمِ بصِدْق ِ الرُّؤَى قبْلَ وُقوْعِهَا.
فإذا تقرَّرَ هَذَا عِنْدَك َ، وَأَنَّ الله َ قدِ اخْتَصَّ نفسَهُ سُبْحَانهُ بعِلمِ الغيْبِ، وَأَنْ لا اطلاعَ لأَحَدٍ مِنْ خلقِهِ عَليْهِ سِوَى مَا خَصَّ الله ُ بهِ رُسُلهُ وَأَنبيَاءَهُ ببعْض ِ أُمُوْرِهِ: إذا عَلِمْتَ هَذَا، عَلِمْتَ عَظِيْمَ ضَلال ِ كثِيرٍ مِنَ المتصَوِّفةِ زَاعِمِي الوَلايةِ، مِمَّنْ يَدَّعُوْنَ لأَنْفسِهمْ أَوْ لِبعْض ِ شُيُوْخِهمُ الاطلاعَ عَلى اللوْحِ المحْفوْظِ! مِمّا لمْ يَجْعَلهُ الله ُ تَعَالىَ وَلمْ يَأْذنْ بهِ لأَحَدٍ مِنْ خَلقِهِ، حَتَّى خِيْرَتِهِ مِنْ خَلقِهِ، لا نبيٍّ مُرْسَل ٍ، وَلا مَلكٍ مُقرَّبٍ، فكيْفَ يَجْعَلهُ لحِثالةِ الخلق ِ وَضُلالهِمْ وَرُذلائِهمْ.
أَمّا مَا يُخْبرُ بهِ هَؤُلاءِ الدَّجّالوْنَ المزْعُوْمَة ُ وَلايَتُهُمْ، مِنْ أُمُوْرٍ غيْبيَّةٍ فتَجِئُ أَخْبَارُهُمْ مُوَافِقة ً لِحَقِيْقةِ مَا غابَ: فهيَ - إنْ صَحَّ بَعْضُهَا- مِمّا تُوْحِيْهِ الشَّيَاطِينُ إلىَ أَوْلِيَائِهمْ مِنَ الكهنةِ مِنْ أُمُوْرِ الغيْبِ، كمَا قالَ سُبْحَانهُ عَن ِ الجِنِّ ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾.
стр. 310
وَقالَ: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٦/ ٨٧) وَالبخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٥٧٦٢)، (٦٢١٣)، (٧٥٦١) وَمُسْلِمٌ (٢٢٢٨) عَنْ عَائِشَة َزَوْجِ النَّبيِّ ﷺ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا قالتْ: (سَأَلَ أُناسٌ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَن ِالكهّان ِ، فقالَ لهمْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «ليْسُوْا بشَيْءٍ».
فقالوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إنهُمْ يحَدِّثوْنَ أَحْيَانا باِلشَّيْءِ يَكوْنُ حَقا؟!
فقالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «تِلك َ الكلِمة ُ مِنَ الحقِّ يَخْطفهَا الجنيُّ، فيقرُّهَا في أُذن ِ وَليِّهِ قرَّ الدَّجَاجَةِ، فيَخلِطوْنَ فِيْهَا أَكثرَ مِنْ مِئَةِ كذِبة»).
وَرَوَى البخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٤٨٠٠) عَنْ أَبي هُرَيرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ يَقوْلُ: إنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا قضَى الله ُ الأَمْرَ في السَّمَاءِ، ضَرَبتِ الملائِكة ُ بأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانا لِقوْلِهِ، كأَنهُ سِلسِلة ٌ عَلى صَفوَانَ، ف ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ لِلذِي قالَ ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
فيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكذَا بَعْضُهُ فوْقَ بَعْض ٍ، فيَسْمَعُ الكلِمَة َ فيلقِيْهَا إلىَ مَنْ تَحْتَهُ، ثمَّ يُلقِيْهَا الآخَرُ إلىَ مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلقِيْهَا عَلى لِسان ِ السّاحِرِ أَوِ الكاهِن.
стр. 311
فرُبمَا أَدْرَك َ الشِّهَابُ قبْلَ أَنْ يُلقِيْهَا، وَرُبمَا أَلقاهَا قبْلَ أَنْ يُدْرِكه.
فيَكذِبُ مَعَهَا مِئَة َ كذِبةٍ، فيقالُ: أَليْسَ قدْ قالَ لنا يوْمَ كذَا وَكذَا: كذا وكذا؟! فيصَدَّقُ بتِلك َ الكلِمَةِ التي سَمِعَ مِنَ السَّمَاء».
وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٢١٨) عَن ِ ابْن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا قالَ: (كانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ جَالِسًا في نفرٍ مِنْ أَصْحَابهِ مِنَ الأَنصَارِ، فرُمِيَ بنجْمٍ عَظِيْمٍ فاسْتنَار!
قالَ: «مَا كنتمْ تقوْلوْنَ إذا كانَ مِثْلُ هَذَا في الجاهِلِيَّة؟».
قالَ: كنا نقوْلُ يُوْلدُ عَظِيْمٌ أَوْ يَمُوْتُ عَظِيْم.
قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «فإنهُ لا يرْمَى بهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلكِنَّ رَبنا تبَارَك َ اسْمُهُ إذا قضَى أَمْرًا: سَبَّحَ حَمَلة ُ العَرْش ِ، ثمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الذين يَلوْنهُمْ حَتَّى يَبْلغَ التَّسْبيْحُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنيا.
ثمَّ يَسْتَخْبرُ أَهْلُ السَّمَاءِ الذِيْنَ يَلوْنَ حَمَلة َ العَرْش ِ، فيقوْلُ الذِيْنَ يَلوْنَ حَمَلة َالعَرْش ِ، لحمَلةِ العَرْش ِ: مَاذا قالَ رَبُّكمْ؟ فيُخْبرُوْنهُمْ.
وَيُخْبرُ أَهْلُ كلِّ سَمَاءٍ سَمَاءً، حَتَّى يَنْتَهيَ الخبرُ إلىَ هَذِهِ السَّمَاءِ وَيَخْطِفُ الجنُّ السَّمْعَ فيُرْمَوْنَ، فمَا جَاءُوْا بهِ عَلى وَجْههِ: فهُوَ حَقٌّ، وَلكِنَّهُمْ يُقذَفوْنَ وَيزِيدُوْنَ، وَيَخْطِفُ الجِنُّ وَيُرْمَوْن».
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٢٢٢٩) وَالتِّرْمِذِيُّ في «جَامِعِه» (٣٢٢٤).
стр. 312
فصل وَمَعَ أَنَّ الدُّعَاءَ وَالاسْتِغاثة َوَالذَّبحَ لِلأَمْوَاتِ أَنبيَاءً وَصَالحِينَ وَغيْرِهِمْ: شِرْك ٌ أَكبرُ مُخْرِجٌ مِنَ المِلةِ كمَا بيناه.
إلا َّ أَنَّ أُوْلئِك َ المشْرِكِينَ الضّالينَ وَشُيُوْخَهُمْ، جَمَعُوْا إلىَ شِرْكِهمْ وَكفرِهِمْ: تعْظِيْمَ قبوْرِ مُشْرِكِينَ وَضَالين.
وَإذا كانَ مَا سُقتهُ سَابقا مِنْ حَال ِ البَدَوِيِّ، وَضَلالِهِ - وَهُوَ مُعَظمٌ عِنْدَهُمْ وَمُبَجَّلٌ - وَمِثْلهُ الدُّسُوْقِيُّ: فإنَّ حَالَ كثِيرِيْنَ غيْرِهِمَا مِنْ هَؤُلاءِ مِثْلهُمَا أَوْ أَسْوَأُ مِنْهُمَا.
وَقدْ سَعَى النَّصَارَى الصَّلِيْبيُّوْنَ في القرْن ِ الماضِي في نشْرِ هَذِهِ الخرَافاتِ، وَصَرَفوْا النّاسَ عَنْ دِينِهمْ إلىَ الوَثنِيَّةِ، وَعَمّا يَجِبُ عَليْهمْ تِجَاهَ أُوْلئِك َ المسْتعْمِرِينَ، باِلتزْيين ِ لهمْ أَفعَالهمْ عِنْدَ القبوْرِ وَمَعَ المقبوْرِين.
حَتَّى أَنَّ بَعْضَ الجزَائرِيينَ أَخْبرَنِي: أَنَّ الفرَنسِيِّينَ لمّا اسْتَوْلوْا عَلى الجزَائِرِ، كانوْا يَعْمَدُوْنَ إلىَ بَعْض ِ المشَاهِدِ وَالأَضْرِحَةِ التي يُنْسَبُ أَصْحَابهَا إلىَ الصَّلاحِ، فيَجْمَعُوْنَ النّاسَ لها ثمَّ يُوَجِّهُوْنَ المِدْفعَ إليْهَا مُظهرِيْنَ لهمْ أَنهُمْ يُرِيْدُوْنَ إصَابتهُ وَتدْمِيرَهُ، وَقدْ مَلؤُهُ بَارُوْدًا دُوْنَ ذخِيرَةٍ مَكرًا!
стр. 313
ثمَّ يُطلِقوْنَ عَليْهِ، فيدَوِّي صَوْتُ المِدْفعِ، حَتَّى يَخالَ الحاضِرُوْنَ أَنهُ قدْ أَصَابهُ، ثمَّ يَنْظرُوْنَ فإذا هُوَ بَاق ٍ مَكانهُ! فيزِيدُ
تعلقهُمْ بهِ وَاعْتِقادُهُمْ فِيْه!
وَذكرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ حَسَن ٍ الباقوْرِيُّ المِصْرِيُّ الأَزْهَرِيُّ (ت١٤٠٥هـ) في فتْوَى لهُ في النَّهْيِّ عَنْ زَخْرَفةِ القبوْرِ وَبناءِ القِبَابِ وَالمسَاجِدِ عَليْهَا: أَنَّ أَحَدَ كِبَارِ الشَّرْقِيِّينَ، حَدَّثهُ عَنْ بَعْض ِ أَسَالِيْبِ الاسْتِعْمَارِ في آسْيَا.
فكانَ مِمّا ذكرَهُ لهُ: أَنَّ المسْتعْمِرِينَ كانوْا يَضْطرُّوْنَ إلىَ تَحْوِيْل ِالقوَافِل ِ الآتِيَةِ مِنَ الهِنْدِ إلىَ بغدَادَ عبْرَ تِلك َ المنْطِقةِ الوَاسِعَةِ، إلىَ اتجَاهٍ جَدِيدٍ لهمْ فِيْهِ حَاجَة ٌ وَغاية.
فكانوْا يَسْعَوْنَ جَاهِدِيْنَ في صَرْفِ القوَافِل ِ عَن ِ اتجَاهِهَا الأَوَّل ِ إلىَ الاتجَاهِ الجدِيْدِ، فلا يَسْتَطِيْعُوْنَ ذلك.
حَتَّى اهْتَدَوْا إلىَ حِيْلةٍ جَعَلتْ تِلك َ القوَافِلَ تغيِّرُ اتِّجَاهَهَا إلىَ وِجْهَتِهمُ المرَادَة.
فأَقامُوْا عِدَّة َ أَضْرِحَةٍ وَقِبَابٍ عَلى مَسَافاتٍ مُتقارِبةٍ في ذلِك َ الطرِيْق ِ المرَادِ سُلوْكهُ، ثمَّ أَشَاعُوْا الشّائِعَاتِ أَنَّ في تِلك َ الأَضْرِحَةِ أَوْلِيَاءَ صَالحِينَ، وَأَنهُ قدْ شُوْهِدَ مِنْ كرَامَاتِهمْ كذَا وَكذَا!
فانتشرَتِ الإشَاعَاتُ في الآفاق ِ، وَذاعَتِ الأَخْبَارُ في كلِّ مِصْرٍ وَعِرَاق ٍ، فصَارَتْ تِلك َ الطرُقُ عَامِرَة ً مَأْهُوْلة!
стр. 314
وَقدْ ذكرَ هَذِهِ القِصَّة َ وَعَزَاهَا إلىَ الباقوْرِيِّ الشَّيْخُ الأَلبانِيُّ في «تَحْذِيْرِ السّاجِد» (ص١٤٨ - ١٤٩).
خاتمة
أَدْعُوْ إخْوَانِي جَمِيْعًا فِيهَا، إلىَ الحذَرِ الشَّدِيْدِ مِمّا يَطرَحُهُ بَعْضُ المشبوْهِيْنَ فِي رَسَائِلَ صَغِيْرَةٍ، أَوْ كتَاباتٍ فِي «مُنْتَدَياتِ الانْتَرْنِتْ» وَغيْرِهَا، بأَسْمَاءٍ صَرِيْحَةٍ أَحْيَانا، وَأَسْمَاءٍ وَهْمِيَّةٍ أَحْيَانا أُخْرَى، لا يُعْرَفُ مَنْ خلفهَا، وَلا يدْرَى مَا مَقصَدُ مُوْرِدِهَا.
وَإثارَة ُهَذَهِ المسْأَلةِ عَلى الوَجْهِ السّابق ِ، مَعَ فسَادِهِ وَبطلانِهِ: فِيْهِ فتْحُ بابِ شَرٍّ عَظِيْمٍ عَلى المسْلِمِيْنَ قدْ أُغلِقَ بحمْدِ اللهِ فِي بلادِنا، وَعِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنْ صَالِحِي المسْلِمِيْنَ فِي بلادٍ مُتفرِّقةٍ، وَلا حَاجَة َ لِذَلِك.
وَالحاجَة ُالقائِمَة ُ: هِيَ سَدُّ هَذَا البابِ وَمَنْعُهُ -كمَا سَدَّهُ وَمَنَعَهُ النَّبيُّ ﷺ بأَشَدِّ الأَلفاظِ، وَأَغلظِ الوَعِيْدِ - لِفشُوِّهِ في بلادٍ كثِيْرَةٍ مِنْ بلادِ المسْلِمِيْنَ، وَتذَرُّعِهمْ بهِ إلىَ أَنوَاعٍ كثِيْرَةٍ مِنَ الشِّرْكِ الأَكبَرِ، مِنْ دُعَاءٍ لِلأَمْوَاتِ، وَاسْتِغاثةٍ بهمْ، وَذبْحٍ، وَغيْرِ ذلِك َ مِنَ العِبَادَاتِ التِي لا تصْرَفُ إلا َّ للهِ وَحْدَهُ .
стр. 315
أَسْأَلُ الله َ أَنْ يُسَلمَ المسْلِمِيْنَ مِنْ مَكائِدِ المفسِدِينَ، وَأَنْ يرُدَّهُمْ بهَا مَخْذُوْلِيْنَ مُفلِسِيْنَ، وَصَلى الله ُ عَلى نبيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلهِ وَصَحْبهِ وَسَلم.
تمّ
بحمْدِ اللهِ وَفضْلِهِ
يَوْمَ الأَحَدِ ٢٩/ ١٠/١٤٢٢هـ عَلى يَدِ كاتِبهِ
عَبْدِ العَزِيْزِ بْن ِ فيْصَل الرّاجِحِيّ،
ثمَّ نظرْتُ فِيْهِ، وَزِدْتُ عَليْهِ في أَيامٍ مُتفرِّقةٍ مِنْ سَنةِ ١٤٢٤هـ
عَفا الله ُ عَنْ كاتِبهِ، وَعَنْ وَالدَيْهِ، وَإخْوَانهِ، وَمَشَايخهِ، وَجَمِيْعِ المسْلِمِينَ، وَصَلى الله ُ عَلى نبيِّنَا مُحَمَّدٍ،
وَعَلى آلهِ وَصَحْبهِ،
وَسَلمَ تَسْلِيْمًا
كثِيْرًا
الرّياض
ص. ب ٣٧٧٢٦
الرَّمْز البريدي ١١٤٤٩
стр. 316
الفهرس
فهرس الموضوعات التّفصيلي والفوائد
- تَقدِيْمُ مَعَالِي الشَّيْخِ صَالِحِ بْن ِفوْزان الفوْزان
- صُوْرَة ُ تَقدِيْمِ مَعَالِي الشَّيْخِ صَالِحٍ الفوْزان بخطه
- مُقدِّمَة ُ الكِتَاب
- نهْيُ النَّبيِّ ﷺ عَنْ مُشَابهَةِ المشْرِكِيْنَ وَأَهْل ِ الكِتَابِ، وَتَحْذِيْرُهُ ﷺ أُمَّتَهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَوَسَائلِهِ، وَذرَائِعِه
- فصْل في سَبَبِ تَأْلِيْفِ الرِّسَالة
- ذِكرُ أَدِلةِ مُجِيْزِي الصَّلاةِ في المقابرِ إجْمَالا ً
- فصْل في تَحْرِيْرِ مَحَلِّ النزَاعِ في هَذِهِ المسْأَلةِ، وبَيَان ِ مَا أَجْمَعَ العُلمَاءُ عَلى تَحْرِيْمِهِ فِيْهَا، وَمَا فِيْهِ خِلافٌ بَيْنَهُمْ
- إجْمَاعُ العُلمَاءِ عَلى حُرْمَةِ بنَاءِ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، وَأَنهَا بدْعة ٌ مُحْدَثة
- إجْمَاعُ العُلمَاءِ عَلى ضَلال ِ مَنْ ظنَّ أَنَّ الصَّلاة َ عِنْدَ قبْرٍ مَا، لها فضِيْلة ٌ تَخُصُّهَا، أَوْ أَنهَا مُسْتَحَبَّة ٌ عِنْدَه
стр. 317
- مَحَلُّ النِّزَاعِ بَيْنَ أَهْل ِ العِلمِ فِي هَذِهِ المسْأَلةِ: هُوَ حُكمُ الصَّلاةِ ذاتِ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ، في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ، مِنْ غيْرِ قصْدِ الصَّلاةِ فِيْهَا، وَلا تَعْظِيْمِ مَقبوْر
- اخْتِلافُ أَهْل ِ العِلمِ في حُكمِهَا بَينَ مُجَوِّزٍ وَمُحَرِّم
- تَحْقِيْقُ مَذْهَبِ مَالِكٍ في هَذِهِ المسْأَلة
- إطلاقُ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ جَوَازَ الصَّلاةِ في المقبرَةِ، وَهُمْ يَعْنُوْنَ صَلاة َ الجنَازَةِ، لا الصّلاة َ ذاتَ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْد
- الذِي عَليْهِ المحَققوْنَ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ: أَنَّ الصَّلاة َ ذاتَ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ مُحَرَّمَة ٌ بلا شَك ّ وَلا رَيبٍ، لِكثرَةِ الأَحَادِيْثِ النّاهِيَةِ عَنْهَا
- اخْتِلافُ مُحَرِّمِي الصَّلاةِ في المقابرِ في صِحَّةِ صَلاةِ المصَلي مَعَ حُرْمَتِهَا
- بيانُ مُرَادِ ابن ِ المنذِرِ بقوْلِهِ: (وَالذِي عَليْهِ الأَكثرُ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ: كرَاهِيَة ُ الصَّلاةِ في المقبَرَة)، وَأَنَّ مُرَادَهُ كرَاهَة ُ التَّحْرِيمِ لا الكرَاهَة ُ الاصْطِلاحِيَّةِ عِنْدَ المتأَخِّرِين
- فصْل في الأَحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ النّاهِيَةِ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ، وَعِنْدَ القبوْر
- التَّنْبيْهُ عَلى وَهْمٍ وَقعَ فِيْهِ الشَّيْخُ الأَلبانِيُّ رَحِمَهُ الله
стр. 318
- فصْل في تَحْقِيْق ِ العِلةِ الكبرَى لِلنَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْر
- اخْتِلافُ العُلمَاءِ في عِلةِ النَّهْيِّ، أَهِيَ نجَاسَة ُ تُرَابِ المقبَرَةِ، أَمْ سَدٌّ لِذَرِيْعَةِ الشِّرْكِ أَنْ يُعْبَدَ أَرْبَابُهَا، وَنهْيٌ عَنْ مُشَابَهَةِ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى، المتخِذِيْنَ القبوْرَ عَلى المسَاجِد
- عِلة ُ النَّهْيِّ عِنْدَ المحَققِينَ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ: أَمْرَان ِ: كوْنهَا ذرِيْعَة ً إلىَ الشِّرْكِ، وَلِمَا في ذلِك َ مِنْ مُشَابَهَةِ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى، المتخِذِينَ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ مَسَاجِد
- أَدِلة ُ المحَققِيْنَ عَلى أنَّ هَذِهِ العِلة َ هِيَ المرَادَة ُ لا غيْرُهَا، وَبيانهُمْ ضَعْفَ قوْل ِمَنْ عَللَ التَّحْرِيْمَ بنَجَاسَةِ ترَابِ المقابر
- الدَّلِيْلُ الأَوَّلُ عَلى أَنهَا هِيَ العِلة ُ المرَادَة ُ، وَأَنَّ عِلة َ النَّجَاسَةِ غيْرُ مُرَادَةٍ: عُمُوْمُ أَدِلةِ تَحْرِيْمِ الصَّلاةِ في المقابرِ دُوْنَ تَفرِيْق ٍ وَلا تقييْد
- الدَّلِيْلُ الثانِي: لعْنُ النَّبيِّ ﷺ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى لاتِّخَاذِهِمْ قبوْرَ أَنْبيَائِهمْ مَسَاجِدَ، مَعَ طهَارَةِ قبوْرِهِمْ، وَخُلوِّهَا مِنَ النَّجَاسَات
стр. 319
- الدَّلِيْلُ الثالِثُ: نهْيُ النَّبيِّ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ إلىَ القبوْرِ، وَهَذَا لا صِلة َ لهُ بنجَاسَةِ القبوْرِ وَطهَارَتِهَا، وَإنمَا مُرَاعَاة ً لِلعِلةِ السّابقة
- الدَّلِيْلُ الرّابعُ: قوْلُ النَّبيِّ ﷺ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام»، فتخْصِيْصُهُ المقبَرَة َ دُوْنَ الحشوْش ِ مَوْضِعِ الأَخْبَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ: دَلِيْلٌ عَلى أَنَّ النَّهْيَ لِعِلةٍ أُخْرَى غيْرَ النَّجَاسَةِ، وَقدْ بيناهَا
- الدَّلِيْلُ الخامِسُ: أَنَّ مَسْجِدَ النَّبيِّ ﷺ كانَ مَقبَرَة ً لِلمُشْرِكِيْنَ، فأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ باِلقبوْرِ فنبشَتْ، وَسُوِّيتْ الأَرْضُ، وَصَلى فِيْهَا وَأَصْحَابهُ. وَلوْ كانتِ العِلة ُ النَّجَاسَة ُ، لأَمَرَ بإزَالتِهَا بنقل ِ تُرَابهَا
- الدَّلِيْلُ السّادِسُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عَن ِ الصَّلاةِ بَعْدَ الفجْرِ وَبَعْدَ العَصْرِ، سَدًّا لِذَرِيْعَةِ الشِّرْكِ، وَمُجَانبة ً لِمُشَابَهَةِ المشْرِكِيْنَ، فكيْفَ لا يَكوْنُ النَّهْيُ عَن ِ الصَّلاةِ في القبوْرِ لِهَذِهِ العِلةِ، وَتَحَققهَا فِيْهَا أَشَدُّ مِنْ سَابقتِهَا؟!
- الدَّلِيْلُ السّابعُ: لعْنُ النَّبيِّ ﷺ المتَّخِذِيْنَ عَليْهَا مَسَاجِدَ
стр. 320
مُطلقا، فلوْ كانَ ذلك لأَجْل ِ النَّجَاسَةِ، لأَمْكنَ إزَالة ُ نَجَاسَةِ ترْبتِهَا، بنقلِهَا أَوْ تَطييْنِهَا، فتَزُوْلُ العِلة ُ، وَهَذَا بَاطِلٌ قطعًا
- الدَّلِيْلُ الثامِنُ: قرْنُ النَّبيِّ ﷺ في اللعْن ِ بَيْنَ مُتَّخِذِي القبوْرِ مَسَاجِدَ، وَبَيْنَ مُوْقِدِي السُّرُجِ عَليْهَا: دَلِيْلٌ عَلى أَنَّ العِلة َ المرَاعَاة َ في ذلك، خَشْيَتُهُ أَنْ يَكوْنَ ذلك وَسِيْلة ً لِتَعْظِيْمِهَا
- الدَّلِيْلُ التّاسِعُ: تنْبيْهُ النَّبيِّ ﷺ عَلى ذلك حِيْنَ قالَ: «اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قبْرِي وَثنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غضَبُ اللهِ عَلى قوْمٍ اتخذُوْا قبوْرَ أَنْبيَائِهمْ مَسَاجِد»
- فصْل في اخْتِلافِ الأَئِمَّةِ في صِحَّةِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ مَعَ قوْلهِمْ بتَحْرِيْمِهَا
- فصْل في بَيَان ِ بُطلان ِ الصَّلاةِ في كلِّ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلى قبْرٍ، أَوْ كانَ فِيْهِ قبْر
- فصْل في حُكمِ صَلاةِ مَنْ صَلى عِنْدَ قبْرٍ غيْرَ عَالمٍ باِلنَّهْيّ
- فصْل في حُكمِ صَلاةِ مَنْ صَلى عِنْدَ قبْرٍ غيْرَ عَالمٍ به
- فصْل في بُطلان ِ صَلاةِ مَنْ صَلى عِنْدَ قبْرٍ اتفاقا، مِنْ غيْرِ قصْدٍ له
следующие страницы →