س٦٥: ... ثمة كلمات احتوت على هاء الضمير، إلا أنها لم تُشبع، وذلك تبعاً لرواية حفص عن عاصم، اذكرها .
ج٦٥: الكلمات التي لا مدّ صلةٍ فيها - عند حفص - هي:
[الأعرَاف: ١١١ - الشعراء: ٣٦] ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ .
[النَّمل: ٢٨] ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ .
[الزُّمَر: ٧] ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ .
[العَلق: ١٥] ﴿يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا﴾ .
فإن حفصاً يقرأ الأولى - في الموضعين من الأعراف والشعراء - بإسكان الهاء. وكذلك الثانية، ويقرأ الثالثة بضم الهاء من غير إشباع، والرابعة يقرأها بكسر الهاء من غير إشباع أيضًا.
أما قوله تعالى: [النُّور: ٥٢] ﴿وَيَتَّقِهِ فَأُولَئِكَ﴾ ، فمع كونها ليست من هاءات الضمير، إلا أن حفصاً قرأها كذلك بالكسر من غير إشباع.
س٦٦: ... ما المقصود بباب الياءات في علم أحكام التجويد ؟
стр. 107
ج٦٦: الياءات التي اهتم بأحكام قراءتها القرّاء، نوعان:
١ - ياءات الإضافة.
٢ - ياءات الزوائد.
س٦٧: ... عرّف ياءات الإضافة، ومثّل لما تقول .
ج٦٧: ياء الإضافة: هي الياء الزائدة الدالّة على المتكلم.
ومثالها متصلة مع الفعل: [النَّمل: ١٩] ﴿أَوْزِعْنِي﴾ .
ومثالها متصلة مع الاسم: [الكهف: ١٠١] ﴿ذِكْرِي﴾
ومثالها متصلة مع الحرف: [البقرة: ٣٠] ﴿إِنِّي﴾ .
س٦٨: ... كيف تُقرأ ياء الإضافة بالفتح، أم بالإسكان ؟
ج٦٨: هناك كلمات اتفق القراء على فتح ياء الإضافة فيها، نحو: [آل عِمرَان: ٤٠] ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [البَقَرَة: ٤٠] ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ [سَبَإ: ٢٧] ﴿أَرُونِي الَّذِينَ﴾ .
стр. 108
وهناك كلمات اتفقوا على إسكان ياء الإضافة فيها، نحو: [إبراهيم: ٣٦] ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . [الشُّعَرَاء: ٧٩] ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي﴾ . [الشُّعَرَاء: ٨١] ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ .
فليتنبّه القارئ
- وفقه الله - لوجود فتح أو سكون في مثل هذه المواضع، فلا يمكن في هذا المقام حصر ما قرئ منها بالفتح أو بالإسكان عند حفص، وإني مكتفٍ بنباهة القارئ، وبإشارتي المختصرة لهذا الباب من علم التجويد.
س٦٩: ... عرّف ياءات الزوائد، ومثّل لما تقول .
ج٦٩: الياءات الزوائد هي الياءات المتطرفة الزائدة في التلاوة على رسم المصحف.
ومثالها في الأسماء: [البَقَرَة: ١٨٦] ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ .
ومثالها في الأفعال: [الفَجر: ٤] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ *﴾ .
стр. 109
ولا تكون الياءات الزوائد في الحروف.
وعددها في القرآن الكريم اثنتان وستون ياءً.
س٧٠: ... كيف قرأ حفص بروايته عن عاصم ياءات الزوائد ؟
ج٧٠: هذه الياءات المحذوفة في الرسم وقف حفص عليها بالحذف، إلا في موضع واحد، من قوله تعالى: [النَّمل: ٣٦] ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ﴾ . فقد أثبت الياء مفتوحة وصلاً، وأثبتها ساكنة وقفاً، ومن طريق «الشاطبية» فيها الوجهان الحذف والإثبات في حالة الوقف.
س٧١: ... هل لحفص وجه آخر في قراءته الياء الزائدة في قوله تعالى: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ﴾ [النَّمل: ٣٦] ؟
ج٧١: نعم، هناك وجه الحذف وقفاً - كما مرّ آنفًا - وكذلك عند القراءة بوجه قصر المنفصل - من طريق الطيبة - قرأ حفص بإثبات الياء مفتوحة وصلاً وبحذفها عند الوقف، وهناك أمثال لهذه
стр. 110
المسألة ينبغي التنبّه لها، في حال قرأ القارئ بوجه قصر المنفصل حركتين عند حفص، سأُفرِد لها كلاماً مختصراً في ختام هذا الباب، إن شاء الله تعالى.
س٧٢: ... اذكر الفرق بين ياءات الإضافة، وياءات الزوائد في علم التجويد .
ج٧٢: الفرق بين ياءات الإضافة وياءات الزوائد متحقق في ثلاثة أوجه:
الأول: أن الياءات الزوائد تكون في الأسماء نحو [القَمَر: ٦] ﴿الدَّاعِ﴾ . وفي الأفعال نحو [البَقَرَة: ١٤٨] ﴿يَأْتِ﴾ ، ولا تكون في الحروف، بينما تكون ياءات الإضافة في الحروف أيضاً نحو: [البَقَرَة: ٣٠] ﴿إِنِّي﴾ .
الثاني: أن ياءات الإضافة مثبتة في رسم المصحف، بينما ياءات الزوائد محذوفة من الرسم.
стр. 111
الثالث: أن الخلاف في تلاوة ياءات الزوائد دائر بين الحذف والإثبات بينما الخلاف في تلاوة ياءات الإضافة دائر بين قراءتها بالفتح أو الإسكان.
س٧٣: ... يعتبر باب معرفة الوقوف والابتداء من أهم أبواب علم الترتيل، فهلاّ ذكرت شيئاً من أهمية ذلك من أقوال السلف ﵏ .
ج٧٣: جاء في كتاب «الإتقان في علوم القرآن» للإمام السيوطي ﵀ (٢٨) ، أن علياً ﵁ سئل عن قوله تعالى: [المُزّمل: ٤] ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ فقال: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف. (وعن عامر الشعبي - من أئمة التابعين -، أنه مَنع من الوقف على قوله تعالى: [الرَّحمن: ٢٦] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *﴾ حتى يصلها القارئ بقوله تعالى: [الرَّحمن: ٢٧] ) ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ *﴾ (٢٩) .
стр. 112
وقد جاء في سُنَّة النبيِّ ﷺ قوله: «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعصي الله ورسوله فقد غوى» (٣٠) ، وذلك لرجل قام خطيباً فقال: [من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما] . فلم يقف عند قوله [رشد] ، وقطع عند قوله [يعصهما] ، فتُوُهِّمَ من وصله ووقفه استواء حال من أطاع ومن عصى. وإذا كان ذلك مستقبحاً يجب اجتنابه في كلام الخطيب، فهو أولى بالاجتناب في كلام الله تعالى.
ما ذُكِر آنفًا يُبيِّن أهمية معرفة الوقف والابتداء بالنسبة لمتعلم تلاوة القرآن الكريم.
س٧٤: ... بيّن مهمات ما يحتاج إليه القارئ من أحكام الوقف والابتداء .
ج٧٤: لا شك بأن باب الوقف والابتداء، هو مما لا يمكن استيعاب جميعه في هذا المقام، لذلك سأعمد إلى ذكر ما لا يُستغنى عنه في هذا الباب، ومن ذلك:
стр. 113
بيان تعريف الوقف، وحكم الوقف على فواصل الآيات، والوقف الاختياري، والوقف الاضطراري، وبيان تعريف الابتداء، وبيان الجائز منه وغير الجائز.
س٧٥: ... عرّف الوقف لغةً، واصطلاحاً .
ج٧٥: الوقف لغةً: هو الكفُّ عن مطلق شيء.
واصطلاحاً: هو قطع الصوت عن القراءة عند كلمة قرآنية زمناً يسيراً، يتمكن القارئ فيه من التنفس عادة، بنيّة استئناف القراءة لا بنيّة الإعراض عنها.
س٧٦: ... هل يحظر الوقف على ما اتصل برسم المصحف ؟
ج٧٦: نعم، يمنع الوقف على ما اتصل بالرسم نحو الوقف على أنْ، من قوله تعالى: [القِيَامَة: ٣] ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلََّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ *﴾ لأنها رُسِمَتْ بإدغام النون الساكنة باللام بعدها.
стр. 114
س٧٧: ... اذكر الرّاجح في حكم الوقف على فواصل الآيات .
ج٧٧: رأى أكثر أهل الأداء، من علماء التجويد، أن الوقف على رؤوس الآي حسن إنْ تعلق بما بعده، وهو سنّة، لثبوت ذلك في حديث أم سَلَمة ﵂ «أن النبيَّ ﷺ كان إذا قرأ قطّع آية آية» (٣١) . وقد اشترطوا في ذلك ألاّ يوهِمَ الوقف على رأس الآية معنىً غير المعنى المراد.
ومثاله:
الوقف على: [المَاعون: ٤] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *﴾ ، ثم الابتداء بـ[المَاعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *﴾ ، فقد يتوهّم السامع أن المصلِّين متوعَّدون بالويل، وهو غير المعنى المراد قطعًا؛ ومراعاة المعنى المراد هو الأصل في معرفة الوقف والابتداء، والله أعلم (٣٢) .
س٧٨: ... عرّف الوقف الاختياري، وبين أهميته .
ج٧٨: هذا النوع من الوقف معناه: أن يقصد القارئ الوقفَ على الكلمة باختياره من غير سبب
стр. 115
يَعرِض له أثناء قراءته؛ من نحو ضيق نَفَس، أو نسيان، أو قصد جمعٍ لوجوه قراءات، أو لاختبار، أو غير ذلك.
وهذا النوع هو الأهمّ من بين أقسام الوقف، وهو الذي تتعلّق به الأحكام؛ من جواز أو عدمه.
س٧٩: ... اذكر أنواع الوقف الجائز، من الوقف الاختياريّ .
ج٧٩: من خلال استقراء ما يجوز الوقف عليه، عند اختيار القارئ للوقف، يتبيّن أن أقسام الوقف الاختياري ثلاثة:
١ - الوقف الاختياريّ الجائز التامّ.
٢ - الوقف الاختياريّ الجائز الكافي.
٣ - الوقف الاختياريّ الجائز الحسن.
س٨٠: ... عرّف الوقف الاختياريّ الجائز التامّ، واذكر أقسامه ومثّل لما تقول .
ج٨٠: الوقف التامّ: هو الوقف على كلام تمّ معناه، ولم يتعلّق بما بعده لفظاً ولا معنىً.
стр. 116
وله قسمان:
١ - الوقف التامّ اللازم.
٢ - الوقف التامّ المطلق.
١- ... الوقف التامّ اللازم، هو الوقف على كلام تمّ معناه، ولم يتعلّق بما بعده لفظاً ولا معنىً، ويلزم الوقف عليه، لأن المعنى لا يُفهَم إلا بالوقف عليه، ولأنك لو وصلت فقد يتوهّم السامع معنىً غير المعنى المراد.
ومثاله الوقف على قوله تعالى:
[الأنعَام: ٣٦] ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ لأنك لو وصلت بما بعدها: [الأنعَام: ٣٦] ﴿وَالْمَوْتَى﴾ لأوهم ذلك السامعَ أن الموتى يشتركون في الاستجابة مع الأحياء.
وعلامة هذا الوقف في المصاحف وضع ميم صغيرة فوق الحرف هكذا (م) ، من أجل أن يتنبه القارئ إلى لزوم الوقف عند هذا الموضع.
стр. 117
٢- ... الوقف التامّ المطلق: وهو الوقف على كلام تمّ معناه، ولم يتعلّق بما بعده لفظاً ولا معنى، ولا يلزم الوقف عليه، بل يَحسُن؛ فيجوز الوقف عليه كما يجوز وصله بما بعده، لكن الوقف أَوْلى.
... وسمّي مطلقاً لجواز الوقف عليه على الإطلاق [أي من غير خلاف] ، وذلك لكونه غير متعلّق بما بعده معنىً ولا لفظاً.
... وعلامته في المصحف: (قلى) . فالقاف ترمز إلى جواز الوقف مطلقاً، و (لى) ترمز إلى كون هذا الوقف أولى من الوصل، مع أن الوصل جائز.
س٨١: ... عرّف الوقف الاختياريّ الجائز الكافي، ومثّل لما تقول .
ج٨١: الوقف الكافي: هو الوقف على كلام يؤدي معنى صحيحاً في ذاته لكنه تعلَّق بما بعده معنىً، ويحسن الوقف عليه، ولو وصل بما بعده لكان أكفى.
стр. 118
وسمّي هذا الوقف كافياً، لجواز الاكتفاء به، لفظاً ومعنى، وإن كان وصله بما بعده أكفى. وعلامتاه في المصحف اثنتان:
(ج) ومعناها: وقف اختياريّ جائز كافٍ مستوي الطرفين، ومعنى مستوي الطرفين أي يستوي فيه جواز الوقف والوصل.
ومثاله:
[البَقَرَة: ٦٨] ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ﴾ .
و (صلى) ، ومعناها: وقف اختياري جائز كاف، يجوز وصله بما بعده؛ أو الوقف عنده، لكن الوصل أولى. فالصاد ترمز إلى الوصل، و (لى) ترمز إلى كون الوصل أولى. فيصير المعنى الوقف كاف جائز، لكن الوصل أكفى وأولى.
ومثاله:
[الكهف: ٥٦] ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا *﴾ .
стр. 119
وهذا النوع من الوقف (الكافي) هو الوقف الأكثر تعدادًا في القرآن الكريم، والله أعلم.
س٨٢: ... عرّف الوقف الاختياريّ الجائز الحسن، ومثّل لما تقول .
ج٨٢: معنى الوقف الحسن، أي أنه يحسُن الوقف عليه من جهة أنه تامّ المعنى فقط، إلا أنه متعلّق بما بعده لفظاً ومعنى.
ومثاله:
[المُزّمل: ٢٠] ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَأُوا﴾ .
كما تلحظ - أخي القارئ - فقد وضع علامة (لا) في أثناء الآية، وهي تعني أن الوقف هنا جائز حسنٌ، لجهة إفادة الكلام معنىً صحيحاً، إلا أنه تعلّق بما بعده لفظاً ومعنىً، فلا تبدأ بما بعده حتى تعيد الكلمة الموقوف عليها، بل قد يلزم إعادة كلمات قبلها، وذلك ليتمَّ اتساق المعنى المراد.
стр. 120
ومثاله: [المُمتَحنَة: ١] ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ... ﴾ ، فيتعين في هذا الموضع ألاّ يعيد القارئ كلمة واحدة عند وقوفه الوقف الحسن على كلمة ُ ٣ ِ، لأنه - إن فعل ذلك صار المعنى تحذيراً من الإيمان بالله ، وهذا من أقبح الابتداء.
أما لو كانت علامة (لا) عند رأس آية، فإنه - كما سبق أن عرفت - يُسنّ الوقف عند رؤوس الآي مطلقاً، إلا إذا كان الابتداء بمطلع الآية التالية غير جائز، لإيهامه معنى غير مراد قطعاً، فلو وقف بقصد الإتيان بالسنة جاز، ثم يبدأ بوصلها بما بعدها ليتم المعنى المراد.
س٨٣: ... ما المذهب الراجح في الوقف الحسن عند رأس الآية من قوله تعالى: [المَاعون: ٤] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *﴾ ؟
ج٨٣: كما سبق بيانه، فإن هذا الوقف مع كونه عند رأس آية، فإنه يُوهِم غير المعنى المراد قطعاً،
стр. 121
فكأن المصلِّين متوعَّدون بالويل، لذلك رأى محققو هذا العلم - منهم ابنُ الجزريِّ ﵀ عدمَ جواز الوقف في هذا الموضع، والله أعلم.
س٨٤: ... عرفنا - فيما سبق - الوقف الاختياري، وأنواعه، وأمثلة كل منها، فهلاّ بينتَ لنا معنى الوقف القبيح، وأنواعه، ومثلتَ لكل منها ؟
ج٨٤: الوقف القبيح هو الوقف على كلام لم يتمّ معناه، أو أوهم الوقفُ عنده معنىً غير مراد قطعًا.
فيكون بذلك على نوعين:
١ - الوقف على كلام غير مفيد لمعنىً.
٢ - والوقف على كلام مفيد لمعنىً، إلا أنه غير المعنى المراد قطعاً.
ومثال النوع الأول: الوقف على [الفَاتِحَة: ١] ﴿بِسْمِ﴾ من قوله تعالى: [الفاتحة: ١] ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ فإنه لم يُفِد معنىً، لأنه لا يُعلم إلى أي شيء أضيف.
стр. 122
ومثال النوع الثاني: الوقف على [سَبَإ: ٢٨] ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ من قوله تعالى: [سَبَإ: ٢٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *﴾ . فإن الوقف هنا أفاد نفي الرسالة لا إثبات عمومها للناس.
س٨٥: ... ما حكم الوقف على ما لا يؤدي معنىً، وعلى ما يؤدي معنىً غير صحيح ؟
ج٨٥: هذا الوقف غير جائز، إن لم يؤدّ معنىً، وهو غير جائز قبيح، إن أدى معنىً غير مراد، أما لو أدى معنىً مخالفاً لما أراده الله سبحانه كالوقف عند الصلاة، من قوله تعالى: [النِّسَاء: ٤٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ . أو أدى معنىً لا يليق بالله سبحانه، كالوقف عند يستحيي، من قوله تعالى: [البَقَرَة: ٢٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ . فهذا الوقف غير جائز، وهو الوقف الأقبح.
стр. 123
فائدة: في ذكر كلمات لا يجوز الوقف عليها.
[البَقَرَة: ١٧] ﴿ذَهَبَ اللَّهُ﴾ ، [البَقَرَة: ٢٥] ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ ، [البَقَرَة: ٢٥٨] ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ﴾ ، [البَقَرَة: ٢٨٦] ﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ﴾ ، [البَقَرَة: ٢٨٦] ﴿وَارْحَمْنَا أَنْتَ﴾ ، وهذا وقف فيه تعسف، [التّوبَة: ٨٠] ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ ، [الإنسَان: ٣١] ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ﴾ ، [آل عِمرَان: ١٨١] ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ، [النِّسَاء: ١١] ﴿فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَِبَوَيْهِ﴾ ، [المَائدة: ٥٤] ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ ، [الأعرَاف: ١٧٨] ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ ، [القَصَص: ٣٣-٣٤] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ *وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ *﴾ ، [فَاطِر: ٧] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، [النّحل: ٦٠] ﴿لِلَّذِينَ لاَ يؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ﴾ ، [يُوسُف: ١٧] ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ﴾ . هذا قليل من كثير قد يقع فيه بعض من يتلو القرآن، من المتعلمين أو غيرهم، فاقتضى التنبيه عليه.
стр. 124
س٨٦: ... هل الكلام في جواز الوقف، وعدم جوازه، وقبحه ونحو ذلك محمول على الوقف الاختياريّ أم الاضطراريّ ؟
ج٨٦: لا شك بأن هذه الأحكام جميعها تجري على من اختار الوقف، لا على من اضطر إليه، فلو اضطر القارئ للوقف لانقطاع نَفَسٍ مثلاً، فإنه لا يؤاخذ في ذلك، لكنه يعيد الكلمة الموقوف عليها، أو قبلها، ليتم المعنى المراد، والله أعلم.
س٨٧: ... اذكر ما تعرفه عن علامات الوقف المثبتة في المصحف الشريف وبيّن معنى كل منها .
ج٨٧: للوقف ست علامات، قد مرّ ذكر أغلبها، وهي كالآتي:
[م] : وهي علامة الوقف الاختياريّ الجائز التامّ اللازم.
[لا] : وهي علامة الوقف الاختياري الجائز الحسن
стр. 125
[عند الاضطرار] ، وهي كذلك علامة الوقف الممنوع (غير الجائز) [عند الاختيار] ، وهي في الحالتين دالّة على عدم جواز الابتداء بما بعدها.
[ج] : وهي علامة الوقف الاختياريّ الكافي، الجائز جوازاً مستوي الطرفين، أي يستوي فيه جواز الوقف وجواز الوصل.
[صلى] : وهي علامة الوقف الاختياريّ الكافي، الجائز فيه الوقف والوصل، إلا أن الوصل أولى.
[قلى] : وهي علامة الوقف الاختياريّ التامّ المطلق، الجائز فيه الوقف والوصل، لكن الوقف أولى.
? وهي علامة الوقف الاختياريّ الجائز المتعانق، ومعنى المتعانق: جواز الوقف بأحد الموضعين، وليس في كليهما.
وللقارئ وصلهما معاً من غير وقف على أحدهما.
ومثاله: [البَقَرَة: ٢] ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ *﴾ .
стр. 126
س٨٨: ... هل هناك علامات اصطلاحية أخرى للوقف أثبتت في المصحف الشريف ؟
ج٨٨: نعم قد تجد اختلافاً في وضع علامات الوقف الاصطلاحية، ففي المصحف المطبوع برواية قالون عن نافع مثلاً، تجد علامة (م) للوقف التام، وعلامة (ك) للوقف الكافي، وعلامة (ح) للوقف الحسن، مما يدلّ على أن الأمر اصطلاحي بين أهل الأداء (٣٣) .
فائدة:
ثمة رسالة لطيفة جمعت أكثر رموز الوقف، وهي مسماة: «كنوز ألطاف البرهان في رموز أوقاف القرآن» ، للشيخ محمد صادق الهندي، إلا أن لجنة مختارة في مصر سنة ١٣٤٢هـ، اختارت ستاً من هذه العلامات قد سبق ذكرها (٣٤) .
س٨٩: ... يتكلّف بعض القارئين الوقفَ عند مواضع يختارونها، متأوِّلين تمام المعنى المقصود، فما حكم ذلك؟ مع التمثيل لما تقول .
стр. 127
ج٨٩: هذا الوقف يسمّى: وقف التعسّف، لأن القارئ تكلّف وتعسّف الوقوف، متوهِّماً أن هناك معنى خَفِيَ على غيره، ثم ظهر له، وقد منع أهل التجويد هذا الوقف، وألحقوه بأنواع الوقف غير الجائز، سدًا للتأويلات المتوهَّمة، وصونًا للتلاوة عن التكلُّف بها.
ومثاله:
[لقمَان: ١٣] ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *﴾ . فقد توهّم القارئ أن النهي عن الشرك بالله قد انتهى عند قوله: [لقمَان: ١٣] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ هي جواب القسم، وهذا توهم باطل، والوقف - كما سبق - غير جائز. والأمثلة عليه تكثر بكثرة توهّم بعض أهل الأهواء وتكلّفهم.
س٩٠: ... عرّف السكت، وبيّن المواضع التي يقرأ فيها حفص بالسكت، من طريق الشاطبية .
стр. 128
ج٩٠: السكت: هو قطع الصوت عن القراءة زمناً يسيراً، أقل من زمن الوقف المعتاد - الذي هو مقدار حركتين - وذلك من غير تنفس، ثم متابعة القراءة. وقد قرأ حفص بالسكت وجوباً في مواضع أربعة، تجد عندها علامة سكتة لطيفة [س] ، وهي:
- السكت على ألف [الكهف: ١] ﴿عِوَجًا﴾ .
- وعلى ألف [يس: ٥٢] ﴿مَرْقَدِنَا﴾ .
- وعلى نون [القِيَامَة: ٢٧] ﴿مَنْ رَاقٍ *﴾ .
- وعلى لام [المطفّفِين: ١٤] ﴿بَلْ رَانَ﴾ .
وقرأ حفص بالسكت جوازاً بوجهٍ بين الأنفال وبراءة [الأنفال: ٧٥ - التّوبَة: ١] ﴿بَرَاءَةٌ﴾ كما سكَتَ جوازاً بوجه على هاء [الحَاقَّة: ٢٨-٢٩] ﴿ ... مَالِيَهْ * هَلَكَ *﴾ والله أعلم.
س٩١: ... عرّف الابتداء، واذكر أنواعه، مع التمثيل لما تقول .
стр. 129
ج٩١: الابتداء: هو الشروع الاختياري في القراءة بعد قطعها، أو الوقف بها.
... وللابتداء نوعان إجمالاً هما:
١- ... الابتداء الجائز، وهو: الابتداء بكلام مستقل في المعنى عما سبقه. ويمكن تقسيمه كأقسام الوقف الجائز، فيقال: ابتداء جائز تام، وابتداء جائز كاف، وابتداء جائز حسن.
... وأمثلة ذلك على الترتيب: البدء بقوله تعالى: [البَقَرَة: ٨] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ *﴾ . وهو ابتداء جائز تام. والبدء بقوله تعالى: [البَقَرَة: ٧] ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ . وهو ابتداء جائز كاف. والبدء بقوله تعالى: [البَقَرَة: ٨] ﴿ ... مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهو ابتداء جائز حسن.
٢- ... الابتداء غير الجائز، وهو الابتداء بكلام لا يؤدي
стр. 130
معنىً أو يفسده، أو يؤدي معنىً غير ما أراده الله تعالى، أو يقرّر معنىً يخالف العقيدة. فهذه ثلاثة أقسام أيضاً، تُناظِر أقسام الوقف غير الجائز.
- فقسمٌ ابتداء غير جائز.
- وقسم ابتداء غير جائز قبيح.
- وقسم ابتداء غير جائز أقبح.
وبين يديك أمثله توضح كل قسم:
- ... [المَسَد: ١] ﴿أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ فهذا لا يؤدي معنى إلا إذا ارتبط بما قبله. ويسمى ابتداء غير جائز.
- ... [المَائدة: ١١٦] ﴿بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ . وهذا أدى معنى غير ما أراده الله تعالى ويسمى ابتداءً غير جائز قبيح.
- ... [البَقَرَة: ١١٦] ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ وهذا قرر معنى يخالف العقيدة، ويسمى ابتداءً غير جائز أقبح.
فائدة:
ومن أمثلة الابتداء غير الجائز الأقبح، التي
стр. 131
يتعين اجتنابها:
- ... [آل عِمرَان: ١٨١] ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ .
- ... [المَائدة: ١٧] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ .
- ... [الأنعَام: ٥٦] ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ .
- ... [الأنبيَاء: ٢٩] ﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ .
- ... [المُمتَحنَة: ١] ﴿وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ .
س٩٢: ... ما حكم من توقف توقفاً غير جائز ؟
ج٩٢: من فعل ذلك، وقد اضطُّر إليه لانقطاع نفس، فعليه أن يرجع حتى يصل أول الكلام بآخره، أما من تعمَّد الوقف على معنى يخالف العقيدة معانداً في ذلك، فقد كفر - والعياذ بالله - حتى وإن لم يكن اعتقاده كفراً في واقع أمره، ولكنَّ قَصْد التوقف هنا فيه تحريف للقرآن، وهذا كفر، والله أعلم (٣٥) .
س٩٣: ... من المعلوم أن الأصل عند الوقف هو إسكان
стр. 132
الحرف الموقوف عليه، فهل يوقف على الحرف بغير الإسكان؟
ج٩٣: نعم، إن إسكان الحرف الموقوف عليه هو الأصل عند الوقف، إلا أنه قد يوقف على الحرف بما يسمّى الإشمام والرَّوْم.
س٩٤: ... وضّح معنى كلٍّ من (الإشمام) و (الرَّوْم) ، ومثل لكل منهما .
ج٩٤: الإشمام: هو ضم الشفتين بُعَيْدَ تسكين الحرف ليكون في هيئة النطق بالضمة، ولكن من غير صوت أبداً، ويكون في المضموم فقط. ومثاله: أن تقف بالإسكان عند حرف النون المضموم من قوله تعالى: [الفَاتِحَة: ٥] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *﴾ ، فبعد أن تقف بالإسكان - وهو إسكان عارض -، تضم الشفتين من غير صوت، كما لو أنك تنطق بالضمة، فيدرك ذلك البصير ولو كان به صمم (لا يسمع) .
وهناك موضع واحد يجب فيه الإشمام عند حفص،
стр. 133
وهو [يُوسُف: ١١] ﴿تَأْمَنَّا﴾ ، حيث يشمّ النون، لأن أصلها (تأمنُنَا) فُتشمَّ بضم الشفتين كما لو أنك تنطق بالضمة، تمييزاً لها من الجزم إلى الرفع.
أما الرَّوم:
فهو إسماع القريب المُصغِي لقراءتك حركةَ الحرف الموقوف عليه بالإسكان، ويكون في المضموم والمكسور، بحيث تُسمِعُه بعض الحركة المُفترَض النطق بها عند الوصل، وذلك بصوت خفيف جداً.
ومثاله:
أن تقف عند النون المضمومة من قوله تعالى: [الفَاتِحَة: ٥] ﴿نَسْتَعِينُ﴾ بضمّة خفيفة، وكأنها بمقدار ثلث ضمّة بصوت منخفض، يسمعه القريب المصغي ولو كان أعمى، ولا يدركه الأصمّ أبداً، ولو كان بصيراً.
ومثال الرَّوْم أيضاً:
أن تقف عند الميم المكسورة [الفَاتِحَة: ١] ﴿الرَّحِيمِ﴾ ، فتأتي بثلث حركة الكسر بصوت خفيف.
стр. 134
ويشار هنا إلى أن الرَّوْم يشبه الوصل، فلا يصح أن تُوَسِّطَ أو تَمُدَّ المدَّ العارض للسكون عند إرادتك الرَّوْم، بل يتعيّن عليك وجه القصر، فقط.
وحكم الرَّوْم والإشمام جواز الإتيان بهما حال الوقف.
س٩٥: ... ما فائدة الرَّوْم والإشمام، مع أن الوقف بالإسكان هو الأصل ؟
ج٩٥: فائدة الرَّوْم والإشمام، هو بيان الحركة الأصلية التي تثبت في الوصل للحرف الموقوف عليه، وذلك لتظهر للسامع في حال الرَّوْم، وللبصير في حال الإشمام.
هذا فضلاً عن تلقي أهل الأداء لهما بالرواية، فليحرص طالب هذا العلم على تلقي ذلك والدِّرْبة عليه؛ حيث إنه لا يُحكِم الرَّوْمَ والإشمامَ ويضبطُهما إلا المتلقّي من أفواه الشيوخ المَهَرَة المتقنين.
стр. 135
س٩٦: ... ثمة كلمات ينبغي للقارئ التنبّه عند قراءتها، يختبر بها أهل الأداء طلابهم لمعرفة إتقانهم ذلك، فهلاّ ذكرتَ لنا بعضًا منها، وبينتَ كيفية قراءتها ؟
ج٩٦: نعم، هذه الكلمات هي التي يجوز بها وجهان عند التلاوة برواية حفص - في بعض الطرق إليه ﵀ ومن هذه الكلمات التي لا يسع متعلّم التجويد الجهل بها:
- كلمتا [الرُّوم: ٥٤] ﴿ضَعْفًا﴾ .
فإنهما تقرآن بفتح الضاد، وبضمّها، في الموضعين، إلا أن الفتح هو الأشهر.
-[النَّمل: ٣٦] ﴿آتَانِيَ﴾ .
فإنها تُقرأ - كما سبق في مبحث ياءات الزوائد - بإثبات الياء مفتوحة وصلاً، وعند الوقف تقرأ بوجهين:
- إثبات الياء ساكنة: [آتانيْ] .
- أو حذف الياء، مع إسكان النون: [آتانْ] .
стр. 136
-[الحُجرَات: ١١] ﴿بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ﴾ .
فإنك لو بدأت بكلمة (الاسم) ، فلك أن تقرأها بوجهين، هكذا: [اَلِسْمُ] أو [لِسْمُ] .
-[آل عِمرَان: ١-٢] ﴿الم *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ *﴾
يجوز قراءتها عند وصلها بلفظ الجلالة بعدها هكذا:
-[ميمَ اللهُ] ، مع مدّ ميم ست حركات. وهذا الوجه هو المقدَّم في الأداء.
- أو [ميمَ اللهُ] ، مع قصر ميم حركتين.
-[الشُّعَرَاء: ٦٣] ﴿فِرْقٍ﴾ . لك أن تقرأها بتفخيم الراء، أو بترقيقها.
-[الطُّور: ٣٧] ﴿الْمُسْيطِرُونَ﴾ .
يجوز فيها وجهان: - ﴿المُسَيْطِرُونَ﴾
... - أو ﴿المُصَيْطِرُونَ﴾ .
وجميع ما ذُكِرَ آنفًا هو في بعض الطرق عن حفص بروايته عن عاصم رحمهما الله.
стр. 137
س٩٧: ... سبق أن عرفت أن في المدّ المنفصل - برواية حفص - وجهان: القصر والمدّ، فهلاّ فصلت ذلك ؟
ج٩٧: قبل الإجابة عن هذا السؤال أحبّ أن أقرّر مسلَّمات في قراءة المنفصل، ثم أبيّن - إن شاء الله - الوجهين الواردَيْن عن حفص فيه.
أولاً: المدّ المنفصل مدّ جائز - كما سبق - أما المتصل فهو واجب، لذا تعيّن: إما التسوية بينهما، أو زيادة المتصل على المنفصل، أما زيادة المنفصل على المتصل فلا يقرأ بها.
ثانياً: إذا سار القارئ على قصر المنفصل أو على مدّه أربعاً أو خمساً، فإنه ينبغي له الاستمرار على ذلك المنوال، كما بدأ به، ولا يغيره حتى يفرغ من قراءته.
آتي بعد ذلك إلى إثبات أن المدّ المنفصل عند حفص تناقله الرواة عنه من طريقين: الأول: «حرز
стр. 138
الأماني ووجه التهاني» ، وهي المسماة بالشاطبية، والثاني: «طيبة النشر» ، لابن الجزري وهي المسماة بالطيبة، وجاء من طريق «الشاطبية» التوسُّط في المنفصل، وكذلك المتصل أي مده أربع حركات، وجاء من طريق «الطيبة» القصر والتوسط في المنفصل، مع التوسط في المتصل.
س٩٨: ... بعد أن عرفت جواز قصر المنفصل برواية حفص عن عاصم من طريق «طيبة النشر» لابن الجزري، فهل يصح لكل قارئ أن يقصر المنفصل اتباعاً لهذه الرواية؟ فصّل القول .
ج٩٨: إن من تلقى علم التجويد، بالأخذ الصحيح عن أهل الأداء وأفواه الشيوخ، له أن يقصر المنفصل ويوسِّطَ المتصل، لكن يلزمه التقيد عندها بكل ما جاء من طريق «الطيبة» من أحكام متعلقه برواية حفص في قصر المنفصل، وهي عديدة، سأذكر بعضها، وسأُلحِق في ختام إجابتي عن هذا السؤال المهم، قصيدةً رائية،
стр. 139
لفضيلة الشيخ إبراهيم شحاتة السمنُّودي (٣٦) ، نظمها - جزاه الله خيراً - مختصًا بها ما يلزم القارئَ من أحكام، عند اختياره قصر المنفصل لحفص من طريق «الطيبة» ؛ ومن ذلك:
١ - وجوب الإتيان بالبسملة، في أول السورة، وكذلك في أجزائها.
٢ - ترك السكت في المواضع الأربعة:
... [المطفّفِين: ١٤] ﴿بَلْ رَانَ﴾ [القِيَامَة: ٢٧] ﴿مَنْ رَاقٍ *﴾ [يس: ٥٢] ﴿مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ [الكهف: ١] ﴿لَهُ عِوَجًا﴾ .
٣ - الاقتصار على وجه حذف الياء، مع إسكان النون، عند الوقف في [النَّمل: ٣٦] ﴿آتَانِيَ﴾ .
٤ - القراءة بوجه السين فقط في [الطُّور: ٣٧] ﴿الْمُسْيطِرُونَ﴾ .
٥ - وجوب إدغام الثاء بالذال في [الأعرَاف: ١٧٦] ﴿يَلْهَثْ ذَلِكَ﴾ .
... وهكذا، لو أنك أردت قصر المنفصل، برواية حفصٍ من طريق «طيبة النشر» (٣٧) ؛ فإن الأحكام
стр. 140
المترتبة على ذلك كثيرة، أترك لأخي القارئ استخراجها من هذه القصيدة الغرَّاء والمسماة «أبيات قصر المنفصل» ، لفضيلة الشيخ إبراهيم بن شحاته السمنُّودي جزاه الله خيراً:
لك الحمدُ يامولايَ في السرِّ والجهر
... ... ... ... ... على نعمةِ القرآنِ يسَّرْتَ للذِّكْرِ
وظلَّ هُدىً للناسِ مِنْ كلِّ ظُلمةٍ
... ... ... ... ... ... دلائلُهُ غُرٌّ وساميةُ القَدْرِ
وصلَّيْتُ تعظيماً وسلَّمْتُ سَرْمداً
... ... ... ... ... على المصطفى والآلِ مع صَحْبِهِ الزُّهْرِ
وبعدُ فهذا ما رواه مُعدِّلٌ
... ... ... ... ... ... بَرْوضَتِهِ الفيحاءَ مِنْ طيِّبِ النَّشْرِ
بإسنادِهِ عن حفصٍ الحَبْرِ مَنْ تلا
... ... ... ... ... ... على عاصمٍ وهو المُكَنىَّ أبا بَكْرِ
ففي البَدْءِ بالأجزاءِ ليس مخيَّراً
... ... ... ... ... ... لبسملةٍ بل للتبرُّكِ مُسْتَقْرِي
стр. 141
ومتَّصلاً وَسِّطْ وما انفصلَ اقْصُرَنْ
... ... ... ... ... ... ولا سكتَ قبلَ الهمزِ مِنْ طُرُقِ القَصْرِ
وما مَدَّ للتعظيمِ منها ولم يِجئْ
... ... ... ... ... ... بها وجهُ تكبيرٍ ولاغنةٌ تَسْرِي
وفي موضِعَيْءَالانَ ءالذَّكَرَيْنِ مَعْ
... ... ... ... ... ... ءَأللهُ أَبْدِلْهِا مع المدِّ ذي الوَفْرِ
وأشمِمْ بتأمنَّا ويلهثْ فأَدْغِمَنْ
... ... ... ... ... ... معَ اركبْ ونخلقُكُم أَتِمَّ ولا تُزْرِي
وبل رَّان مَن رَّاقٍ ومرقَدِنا كذا
... ... ... ... ... ... له عِوَجاً لا سَكْتَ في الأربعِ الغُرِّ
وبالقَصْرِ قُلْ في عَيْنِ شُورى ومريمٍ
... ... ... ... ... ... وفخِّمْ بفِرْقٍ وَهْوَ في آيةِ البَحْرِ
وآتانِ نملٍ فاحذفِ الياءَ واقفاً
... ... ... ... ... ... كذا الألفَ احذفْ من سلاسلَ في الدَّهْرِ
وبالسينِ لا بالصادِ قُلْ أَمْ هُمُ
... ... ... ... ... ... المُصَيْطِرونَ وبالوجهَيْن في فَردِهِ النُّكْرِ
стр. 142
وفي يبصُطُ الأُولى وفي الخلقِ بصطةً
... ... ... ... ... ... وَيَس نُوْنٍ ضَعْفَ رُوْمٍ كذا أَجْرِ
ولكنْ معَ الإظهارِ صادُ مصيطر
... ... ... ... ... ... وفي بصطةً سينٌ كذا يبصُطُ البِكْرُ
وفتحٌ لدى ضُعْفٍ عن الفيلِ واردٌ
... ... ... ... ... وبالعكس عن زَرْعانَ والكلُّ عن عمرِو
وأُهدِي صلاتي في الختام مُسلِّماً
... ... ... ... ... على خاتَمِ الرُّسْلِ الهُداةِ إلى البِرّ
وآلٍ وصَحْبٍ كلّما قال قائلٌ
... ... ... ... ... ... لك الحمدُ يامولايَ في السرّ والجهرِ
تمّت بحمد الله تعالى، وأبياتها تسعة عشر، ... جزى الله ناظمها كل خير. س٩٩: ... ما المقصود بالتكبير في مصطلح علماء التجويد (٣٨) ، فصّل ما تقول.
стр. 143
ج٩٩: التكبير: هو قول القارئ: (الله أكبر) ، والذي ذاع عند علماء القراءة أن يكون التكبير من غير زيادة تهليل: (لا إله إلا الله) قبله، ولا تحميد: (ولله الحمد) بعده، مع جواز الإتيان بهما عند البعض.
فإذا دنا القارئ من ختم القرآن، وذلك عند بلوغه آخر سورة (الضحى) ، فإنه يفصل بين السور بالتكبير، ثم يُتْبِعُه بالبسملة، وهكذا إلى أن يختم بسورة الناس، فإذا شاء الشروع بختم آخر، فإنه يكبِّر في آخر الناس ثم يشرع بالفاتحة، فإذا ختمها فلا يكبِّر قبل سورة البقرة، بل يبسمل فقط ويتابع القراءة إلى قوله تعالى: [البقرة: ٥] ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . والحكمة في مشروعية التكبير هي تعظيم الله تعالى، والمبالغة في شكره، وإظهار ابتهاج القارئ بقرب ختم القرآن.
стр. 144
وقد جاء ذلك مُسلسَلاً بالرواية عن القرّاء المكيِّين، والمقصود بهم: الإمام عبد الله بن كثير من القراء السبعة، وعنه: أحمد البزِّي، ومحمد المكِّي الملقَّب بقُنْبُل، بل إن الإمام ابن الجزريِّ ﵀، قد ذكر وروده عن سائر القرّاء (٣٩) .
وسبب ورود التكبير: أن الوحي لما تأخر عن رسول الله ﷺ وآذى المشركون رسول الله ﷺ بقولهم: قد ودّعه ربه وقلاه، ثم أنعم الله على نبيِّه ﷺ فأنزل عليه سورة الضحى، فلما فرغ جبريل ﵇ من قراءتها، كبّر رسول الله ﷺ شكراً لله على ما أولاه من نزول الوحي بعد انقطاعه، ثم أمر ﷺ بالتكبير عند ختام كل سورة بعدها حتى يختم القارئ، والله أعلم.
وللتكبير عند أواخر سور الختم ثمانية أوجه، أقتصر على ذكر ثلاثة منها:
١ - الوقف عند ختام السورة، ثم وصل التكبير بالبسملة بأول السورة التالية، هكذا:
стр. 145
.. [الشَّرح: ١] ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *﴾ .
٢ - الوقف عند التكبير، ثم وصل البسملة بأول السورة التالية، هكذا اللهُ أكبرْ / بِسْمِ اللهَِّ الرَّحمَْنِ الرَّحِيمِ [الشَّرح: ١] ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *﴾ .
٣ - وصل الكُلِّ، أي آخر السورة بالتكبير بالبسملة بأول السورة التالية، هكذا: [البَيّنَة: ١] ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ *﴾ .
ولا بد للقارئ أن يتنبّه - في المثال الأخير ونحوه - إلى ترقيق اللام من لفظ الجلالة في عبارة (الله أكبر) عند قراءته بوصل التكبير بآخر السورة، وذلك لوقوع الكسر قبلها.
وبالإجمال فإن أوجه قراءة التكبير من حيث الوقف