Полный текст (194 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم ويزيف دلائلهم ذبًّا عن الملة الحنيفية والسنة الصحيحة الجلية.
ولا والله ما رأيت فيهم أحدًا ممن صنف في هذا الشأن وادَّعى علوم المقام إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الاسلام.
وسبب ذلك إعراضه عن الحق الواضح المبين وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن رب العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها بزعمهم حكميات وعقليات، وإنما هي جهالات وضلالات وكونه التزمها معرضا عن غيرها أصلًا ورأسًا فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم، فتخبط حتى خبط فيها عشوًا، ولم يفرق بين الحق والباطل، وإلا فالله أعظم لطفًا بعباده أن لا يجعل لهم عقلًا يقبل الحق، ويثبته ويبطل الباطل وينفيه.
لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الضلال، وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانًا يزن به العبد الواردات، فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق، وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده، فكيف يقال إنه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى؟!
هذا باطل قطعًا يشهد له كل عقل سليم لكن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ... فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جل همي إلى الأصول وأن أوردت مقالاتهم وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية"انتهى
стр. 107
قلت: وهو على ذلك قد تكلم في الفقه، وأكثر وله مجموع للفتاوى في قدر خمسة وثلاين مجلدًا، وله الفتاوى الكبرى قدر خمسة مجلدات، وشرح العمدة، وشرح المحرر لم يتمه، وله قواعد مفردة في كتبه الكبار، ومسائل منثورة مخطوطة لم تطبع، واختياراته جمعت في كتب مفردة ككتاب البعلي ورسالة ابن عبد الهادي، وكتب ابن مفلح كالفروع ونحوها، والله أعلم.
وقال ابن رجب:" وكان (أي البزار) حسن القراءة للقرآن والحديث، ذا عبادة وتهجد، وصنف كثيراً في الحديث وعلومه، وفي الفقه والرقائق.
وقدم في آخر عمره إلى بغداد، فأقام بها يسيراً، ثم توجه إلى الحج سنة تسع وأربعين، وحججت أنا تلك السنة أيضاً مع والدي، ... ثم توفى ﵀ قبل وصوله إلي مكة، بمنزلة حاجر، صبيحة يوم الثلاثاء حادي عشرين ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ويقال: إنه كان نوى الإحرام، وذلك قبل الوصول إلى الميقات.
ودفن بتلك المنزلة، ومعه نحو من خمسين نفساً بالطاعون. رحمهم الله تعالى".
****
• عمرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الأحدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سلامةَ بنِ خليفةَ بنِ شقيرٍ الحرانيُّ الحنبليُّ تقي الدين ابنُ شقيرٍ (٦٦٦-٧٤٤) .
стр. 108
ذكره ابن شيخ الجزاميين في الرسالة.
سمع من القاسم الإربلي، والفخر علي، وابن شيبان، وغيرهم.
قال الذهبي:" سمع واشتغل وحصل". وقال البرزالي:" رجل جيد فقيه فاضل سمع الكثير وحصل كتبا جيدة".
وقال الصفدي:" سمع الكثير بنفسه، ودار على المشايخ، وسمع من القاسم الإربلي، والفخر علي، وابن شيبان، وزينب، وخلق. ونسخ بعض الأجزاء، وروى الصحيحين.
قال شيخنا الذهبي: وسمعت منه: توفي رحمه الله تعالى ... سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
قلت: كان شيخاً فاضلاً ديناً صيناً مشهوراً"انتهى
وقال ابن القيم ﵀:" حدثني تقي الدين بن شقير، قال: خرج شيخ الإسلام ابن تيمية يومًا فخرجت خلفه، فلما انتهى إلى الصحراء، وانفرد عن الناس بحيث لا يراه أحد سمعته يتمثل بقول الشاعر:
وأخرجُ من بين البيوتِ لعلني ... أحدثُ عنك القلبَ بالسِّرِّ خاليا
"انتهى من روضة المحبين.
****
• عمرُ بنُ عمرانَ بنِ صدقةَ البلاليُّ نسبة إلى بلال بن الوليد بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي زينُ الدينِ البدويُّ (٦٨٥-٧٥٤) .
стр. 109
سجن مع شيخ الإسلام في قلعة دمشق، وأقام بعده خمس سنين، ثم أطلق، وحكى أن الشيخ أنشده وهما في الاعتقال:
لا تفكرن وثق بالله إن له ... ألطافَ دقت عن الأذهانِ والفِطَنِ
يأتيك من لطفه ما ليس تعرفُهُ ... حتى تظنَّ الذي قد كان لم يَكُنِ
ومن كراماته: أنه اتهم بمكاتبة المصريين بأخبار التتر فعلم بذلك ملكهم، فألقاه إلى الكلاب، ومعه آخر فأكلت الكلاب رفيقه ولم تؤذه.
وكان شديدًا على الرفضة والمبتدعة، له ترجمة في الدرر الكامنة.
****
• عمرُ بنُ مُظَفَّرِ بنِ عمرَ بنِ محمدِ بنِ أبي الفوارسِ المعريُّ، زينُ الدينِ ابنُ الوَرْدِيِّ (٦٨٩-٧٤٩) .
العلامةُ النحويُّ الفقيهُ الشاعرُ الناثرُ أبو حفصٍ ابنُ الوردِيِّ الشافعيُّ المعريُّ البكريُّ [نسبة إلى أبي بكر الصديق] ، تفننَ في علومٍ كثيرةٍ وأجادَ في المنثور والمنظوم.
قال مرعي الحنبليُّ في الشهادة الزكية:" قال في رحلته لما ذكر علماء دمشق: وتركت التعصب والحمية، وحضرت مجالس ابن تيمية، فإذا هو بيت القصيدة، وأول الخريدة، علماء زمانه فلك هو قطبه، وجسم هو قلبه، يزيد عليهم زيادة الشمس على البدر، والبحر على القطر، بحثت بين يديه يومًا فأصبت المعنى فكنَّاني وقبل بين عيني اليمنى، فقلت:
стр. 110
إنَّ ابنَ تَيْمِيَّةٍ ... في كلِّ العلومِ واحدُ
أحييتَ دينَ أحمدٍ ... وشرعَهَ يا أحمدُ
"انتهى
قال ابن تغرى بردى:" شعره أسحر من عيون الغيد، وأبهى من الوجنات ذات التوريد. قام بفن التورية فجاءت معه قاعدة، وخطها في الطروس وهي فوق النجوم صاعدة، يطرب اللبيب لسماعها ولا طرب الصوفي للشبابه، ويعجب الأديب لانطباعها ولا عجب الغواني بما التحف شبابه، ويرغب الأريب لارتجاعها ولا رغبة الروض الذي صوح في صوب السحابة. ويدأب النجيب في اقتطاعها ولا دأب المحب في التمسك بأذيال محبوبه السحابة"انتهى
وقال الكتبي في وفاته:" نظمه جيد إلى الغاية، وفضله بلغ النهاية".
ولأجل ذلك كثرت منظوماته، فنظم الحاوي الصغير وسماه (البهجة) في خمسة آلاف بيت، قال ابن حجر:" وأقسم بالله العظيم لم ينظم أحد بعده الفقه إلا قصّر دونه".
وله من المنظومات والكتب والأجزاء والمنثورات الكثير، قال ابن شاكر الكتبي:" ومن مصنفاته " البهجة الوردية في نظم الحاوي " فوائد فقيه منظومة. " شرح ألفية ابن مالك ". " ضوء الدرة على ألفية ابن معطي ". قصيدة " اللباب في علم الإعراب " وشرحها. اختصار " ملحة الإعراب " نظماً. " مذكرة الغريب " نظماً وشرحها. " المسائل المذهبة في المسائل الملقبة". " أبكار
стр. 111
الأفكار". " تتمة تاريخ صاحب حماة ". و " أرجوزة في تعبير المنامات ". أرجوزة في خواص الأحجار " و " منطق الطير " نظماً"انتهى
ولاميته مشتهرة جدًا بين طلبة العلم، وهي القصيدة التي مطلعها:
اعتزلْ ذِكرَ الأغاني والغَزَلْ ... وقُلِ الفَصْلَ وجانبْ مَنْ هَزَلْ
ودَعِ الذِّكرَ لأيامِ الصِّبا ... فلأيامِ الصِّبا نَجمٌ أفَلْ
ويقول فيها خاتمًا:
أنا مثلُ الماءِ سهلٌ سائغٌ ... ومتى أُسخِنَ آذى وقَتَلْ
أنا كالخيزور صعبٌ كسُّرهُ ... وهو لدنٌ كيفَ ما شئتَ انفتَلْ
غيرَ أنّي في زمانٍ مَنْ يكنْ ... فيه ذا مالٍ هو المولَى الأجلّ
واجبٌ عند الورى إكرامُهُ ... وقليلُ المالِ فيهمْ يُستقلْ
كلُّ أهلِ العصرِ غمرٌ وأنا ... منهمُ، فاترك تفاصيلَ الجُمَل
وصلاةُ اللهِ ربي كُلّما ... طَلَعَ الشمسُ نهاراً وأفلْ
للذي حازَ العُلى من هاشمٍ ... أحمدَ المختارِ من سادَ الأوَلْ
وعلى آلٍ وصحبٍ سادةٍ ... ليسَ فيهمْ عاجزٌ إلا بَطَلْ
وفيها قوله يذكر فيه نسبه:
لا تقلْ أصلي وفَصلي أبداً إنما ... أصلُ الفَتى ما قد حَصَلْ
قدْ يسودُ المرءُ من دونِ أبٍ ... وبِحسنِ السَّبْكِ قدْ يُنقَى الدَّغّلْ
إنما الوردُ منَ الشَّوكِ وما ... يَنبُتُ النَّرجسُ إلا من بَصَلْ
غيرَ أني أحمدُ اللهَ على ... نسبي إذ بأبي بكرِ اتَّصلْ
قيمةُ الإنسانِ ما يُحسنُهُ ... أكثرَ الإنسانُ منهُ أوْ أقَلْ
وقال ابن العماد الحنبلي:" ناب في الحكم بحلب عن الشيخ شمس الدين بن النقيب، ثم عزل نفسه، وحلف لا يلي القضاء لمنام رآه، وكان ملازمًا للأشغال والاشتغال بالتصنيف شاع ذكره، واشتهر بالفضل اسمه، لازم الشيخ
стр. 112
تقي الدين وغيره، وكان دينًا خيرًا حسن الأخلاق متواضعًا بشوش الوجه متثبتًا قال: لم أقض قضية إلا أعددت لها الجواب بين يدي الله، ذكره الذهبي في المختصر فقال: عالم ذكي خيّر، متواضع بصير بالفقه والعربية، سمع الكثير وتخرج بابن تيمية وغيره."انتهى
وقال ابن السبكي:" له فوائد فقهية منظومة، وأرجوزه في تعبير المنامات، واختصار ملحة الإعراب وغير ذلك، وشعره أحلى من السكر (المكرر) وأغلى قيمة من الجوهر".
ومن بديع نظمه لاميته المتداولة المشهورة، وله مراثي رثى بها شيخ الإسلام ابن تيمية منها قوله:
عتا في عرضِهِ قومٌ سلاطُ ... لهم من نثرِ جوهرِهِ التقاطُ
تقيُّ الدين أحمدُ خيرُ حبرٍ ... خروقُ المعضلاتِ به تُخَاطُ
تُوُفِيَ وهو مسجونٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدنيا انبساطُ
ولو حضروه حين قضى لألفَوْا ... ملائكةَ النَّعِيمِ به أحاطوا
قضى نحبًا وليس له قرينٌ ... ولا لنظيرِهِ لُفَّ القِمَاطُ
فتىً في علمِهِ أضحى فريدا ... وحَلُّ المشكلاتِ به يُنَاطُ
وكان إلى التُّقى يدعو البرايا ... وينهى فرقةً فسقوا ولاطوا
وكان يخافُ إبليسٌ سطاه ... بوعظٍ للقلوبِ هو السياطُ
فيا لله ما قد ضمَّ لحدٌ ... ويا لله ما غطَّى البلاطُ
همو حسدوه لما لم ينالوا ... مناقبَهَ فقد فسقوا وشاطوا
وكانوا عن طرائقِهِ كُسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاطُ
وحبسُ الدُّرِ في الأصدافِ فخرٌ ... وعند الشيخ بالسجن اغتباطُ
بآل الهاشميِّ له اقتداءٌ ... فقد ذاقوا المنونَ ولم يواطوا
стр. 113
بنو تيميةٍ كانوا فبانوا ... نجومَ العلمِ أدركها انهباطُ
ولكن يا ندامةَ حابسيهِ ... فشكُّ الشِّركِ كان به يُمَاطُ
ويا فرحَ اليهودِ بما فعلتم ... فإنَّ الضدَّ يعجبُهُ الخباطُ
ألم يك فيكمو رجلٌ رشيدٌ ... يرى سجنَ الإمامِ فيُسْتَشَاطُ
إمامٌ لا وِلايةَ كان يرجو ... ولا وقفٌ عليه ولا رباطٌ
ولا جاراكمو في كسبِ مالٍ ... ولم يُعْهَدْ له بكمُ اختلاطُ
ففيم سجنتموه وغظتموه ... أما لجزا أذيته اشتراطُ
وسجنُ الشيخِ لا يرضاه مثلي ... ففيه لقدرِ مثلِكُمُ انحطاطُ
أما واللهِ لولا كتمُ سرِّي ... وخوفُ الشرِّ لانحلَّ الرِّباطُ
وكنتُ أقولُ ما عندي ولكن ... بأهلِ العلمِ ما حَسُنَ اشتطاطُ
فما أحدٌ إلى الإنصافِ يدعو ... وكلٌّ في هواه له انخراطُ
سيظهرُ قصدُكُم يا حابسيهِ ... ونيتُكُم إذا نُصِبَ الصِّراطُ
فها هو ماتَ عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تَعَاطُوا
وحلُّوا واعْقِدوا من غيرِ ردٍّ ... عليكم وانطوى ذاك البِسَاطُ
هكذا نقلها ابن عبد الهادي، وهي بنحوها في أعيان العصر للصفدي، وفي غيره.
****
стр. 114
حَرْفُ
الفَاءُ
стр. 115
• فاطمةُ بِنْتُ عباسِ بنِ أبي الفتحِ بنِ محمدٍ، أمُّ زينبٍ ( ... -٧١٤) .
قال ابن كثير في (نهايته) :" الشيخة الصالحة العابدة الناسكة أم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية بظاهر القاهرة، وشهدها خلق كثير، وكانت من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف، وتنهي عن المنكر، وتقوم على الأحمدية في مواخاتهم النساء والمردان، وتنكر أحوالهم، وأصول أهل البدع وغيرهم، وتفعل من ذلك مالا تقدر عليه الرجال.
وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعت الشيخ تقي الدين يثنى عليها، ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيرًا من المغنى أو أكثره، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها، وهي التي خَتَّمَتْ نساءً كثيرًا القرآن منهن: أم زوجتي عائشة بنت صديق زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أمة الرحيم زينب رحمهن الله وأكرمهن برحمته وجنته آمين"انتهى
****
стр. 116
حَرْفُ
القَافِ
стр. 117
• القاسمُ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ البِرْزَالِيُّ (٦٦٥-٧٣٩) .
حفظ القرآن في صغره، ثم حفظ التنبيه، وسمع صحيح مسلم من الإربلي، ثم سمع سنة ثلاث وسبعين من أبيه ومن عز الدين بن الصائغ.
وحبب إليه الحديث فالتمس الشيوخ فسمع من ابن أبي عمر، وابن أبي الخير، وابن علان، والمقداد وابن الدرجي، وابن شيبان والفخر.
ثم ارتحل إلى حلب سنة خمس وثانين، فسمع من العز الحراني وأكثر عنه، وخرج لنفسه ولشيوخه شيئًا كثيرًا.
قال الذهبي:" وورث من أبيه جملة وحصَّل كتبًا جيدة وأجزاء في أربع خزائن، وبلغ ثبته بضعة وعشرين مجلدًا، وأثبت فيه من كان سمع معه، وله مجاميع مفيدة كثيرة، وتعليق وعمل في فن الرواية قل من بلغ إليه وبلغ عدد مشايخه بالسماع أزيد من ألفين وبالإجازة أكثر من ألف رتب ذلك كله، وترجمهم في مسودات متقنة، وكان رأسًا في صدق اللهجة والأمانة صاحب سنة واتباع ولزوم للفرائض، خيرًا متواضعًا حسن البشر عديم الشر فصيح القراءة قوي الدربة عالمًا بالأسماء والألفاظ، سريع السرد مع عدم اللحن والدمج قرأ ما لا يوصف كثرة، وروى من ذلك جملة وافرة، وكان حليمًا صبورًا متوددًا لا يتكثر بفضائله، ولا ينتقص بفاضل، بل يوفيه فوق حقه ويلاطف الناس وله ود في القلوب وحب في الصدور.
احتسب عدة أولاد درجوا منهم محمد تلا بالسبع وحفظ كتبًا وعاش ثماني عشرة سنة، ومنهم فاطمة عاشت نيفًا وعشرين سنة، وكتبت صحيح البخاري وأحكام المجد وأشياء.
وله إجازات عالية عام مولده من ابن عبد الدائم، وإسماعيل بن عزون، والنجيب، وابن علان، وحدث في أيام شيخه ابن البخاري.
стр. 118
وكان حلو المحاضرة قوي المذاكرة عارفا بالرجال والكبار لا سيما أهل زمانه وشيوخهم يتقن ما يقوله، ولم يخلف في معناه مثله ولا عمل أحد في الطلب عمله.
ثم قال:" وكان هو الذي حبب إلي طلب الحديث، فإنه رأى خطي، فقال: خطك يشبه خط المحدثين، فأثر قوله في وسمعت وتخرجت به في أشياء".
وقال ابن السبكي:" وعاصرت أربعة لا خامس لهم: هؤلاء الثلاثة والبرزالي، فإني لم أر البرزالي وكان البرزالي يفوقهم في معرفة الأجزاء ورواتها الأحياء، وكانت الثلاثة تعظم المزي وتذعن له ويقرءون عليه ويعترفون بتقديمه وبالجملة".
وقال الذهبي:
إن رُمْتَ تفتيشَ الخزائنِ كلِّها ... وظهورَ أجزاءٍ حوت وعوالي
ونعوتَ أشياخِ الوجودِ وما رووا ... طالعْ أوِ اسمعْ مُعْجَمَ البِرْزَالِي
قال ابن عبد الهادي:" قال الشيخ علم الدين البرزالي في معجم شيوخه: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني، الشيخ تقي الدين أبو العباس الإمام المجمع على فضله ونبله ودينه، قرأ الفقه وبرع فيه والعربية والأصول، ومهر في علمي التفسير والحديث، وكان إمامًا لا يلحق غباره في كل شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين، وكان إذا ذكر التفسير بهت الناس من كثرة محفوظه وحسن إيراده وإعطائه كل قول ما يستحقه من الترجيح والتضعيف والإبطال وخوضه في كل علم، كان الحاضرون يقضون منه العجب هذا مع انقطاعه إلى الزهد والعبادة والاشتغال بالله تعالى والتجرد من أسباب الدنيا ودعاء الخلق إلى الله تعالى، وكان يجلس في
стр. 119
صبيحة كل جمعة على الناس يفسر القرآن العظيم، فانتفع بمجلسه وبركة دعائه وطهارة أنفاسه وصدق نيته وصفاء ظاهره وباطنه وموافقة قوله لعمله، وأناب إلى الله خلق كثير وجرى على طريقة واحدة من اختيار الفقر والتقلل من الدنيا رحمه الله تعالى ورد ما يفتح به عليه".
قلت: وهو الذى حكى قصة حل الشيخ للغز الشيخ الرشيد الفارقي، وتمام الخبر في كتاب ابن عبد الهادي ولولا الإطالة لوضعناه هنا.
وذكر ابن النقيب القرماني أنه أي البرزالي قرأ كتاب الجمعة لأبي بكر أحمد بن علي المروذي على الشيخ ابن تيمية ﵀، نقله ابن ناصر الدين في الرد الوافر.
قال الحافظ الذهبي:" ولي قراءة دار الحديث سنة عشرين وسبعمائة وقراءة الظاهرية، وحضر المدارس وتفقه مدة بالشيخ تاج الدين عبد الرحمن وصحبه، وأكثر عنه وسافر معه وجود القرآن على الرضى بن دبوقا، وتفرد ببعض مروياته، وتخرج به الطلبة وما أظن الزمان يسمح بوجود مثله، فعند ذلك نحتسب مصابنا بمثله، ولقد حزن الجماعة خصوصًا رفيقه أبو الحجاج شيخنا!، وبكى عليه غير مرة، وكان كل منهمًا يعظم الآخر ويعرف له فضله، وكان ﵀ وعفا عنه قد أقبل على الخير في آخر عمره، وضعف وحصل له فتق وختم له بخير ولله الحمد، وانتقل إلى رضوان الله تعالى بخليص في بكرة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة ونصف".
وقال أحمد بن يحيي فضل الله يرثيه:
قد كانَ في قاسمٍ من غيرِه عِوَضٌ ... فاليوم لا قاسمٌ فينا ولا قَسَمُ
من لو أتى مكةً مالت أباطِحُها ... به سرورًا وجادت أُفْقُها الدِيَمُ
أقسمت منذ زمانٍ ما رأى أحدٌ ... لقاسم شبهًا في الأرضِ لو قسموا
هذا الذي يشكرُ المختار هجرته ... والبيتُ يعرفُهُ والحلُّ والحرمُ
стр. 120
ما كان ينكرُهُ رمي الحطيم به ... لو أخر العمرَ حتى جاء يستلمُ
له إليه وفاداتٌ تقرُّ بها ... جبالُ مكَّةَ والبطحاءُ والأكمُ
محدثُ الشامِ صدقًا بل مؤرِخُهُ ... جرى بهذا وذا فيما مضى القلمُ
يا طالبَ العلمِ في الفنين مجتهدًا ... في ذا وهذا يُنادى المفردُ العلمُ
ومنها:
وحَقَّق النقدَ حتى بان بَهْرَجُهُ ... وصحَّح النقلَ حتى ما به سَقَمُ
وعرَّف الناسَ كيف الطرقُ أجمعها ... إلى النبيِّ فما حاروا ولا وهموا
وعلَّم الخلقَ في التاريخِ ما جهلوا ... وبعضُ ما جهلوا أضعافُ ما علموا
يريك تاريخَهُ مهما أردت به ... كأنَّ تاريخه الآفاقُ والأممُ
﵀ وعفا عنا وعنه وأدخلنا وإياه دار كرامته ومستقر أوليائه، آمين.
****
• قَرَأ سُنْقُرُ بنُ عبدِ اللهِ المنصوري، شمسُ الدينِ نائبُ الملكِ الناصرِ عَلَى دمشق ( ... -٧٢٨) .
قال ابن ناصر الدين:" قال الحافظ أبو محمد القاسم ابن البرزالي فيما وجدته بخطه من كتاب الأمير شمس الدين قرأ سنقر المنصوري: إلى الشيخ تقي الدين ضاعف الله بركات الجناب العالي السيدي الإمامي العالمي العاملي العلامي الشيخ القدوي الزاهدي العابدي الخاشعي العارفي الحافظي التقوي شيخ الاسلام قطب الأنام سيد العلماء أوحد الصلحاء حجة الأئمة قدوة الأمة مفتي المسلمين،
стр. 121
شيخ المذاهب إمام الفرق ناصر السنة، آخر المجتهدين مذكر الملوك والسلاطين، ورفع درجته في عليين وأناله منازل الأبرار والمتقين، ونفع ببركته ودعواته الإسلام والمسلمين، المملوك يخدم بسلام أرق من النسيم ويبث شوقًا عنده منه المقعد المقيم، ويتأسف على مشاهدة ذلك المحيا الوسيم ومفاكهته التي هي من الفوز العظيم، وينهى أنه لم يزل في سائر أوقاته متطلعًا إلى أخباره مترقبًا ما يرد من سوانحه وأوطاره راجيًا من الله تعالى أن لا يخليه من دعواته وأن يمده بيمنه وبركاته ويمتعه والإسلام كافة بطول بقائه وحياته وغير ذلك، فإن المملوك كلما بلغه بلاغة الجناب العالي وزواجره ونواهيه في طاعة الله وأوامره وقيامه في مصالح الاسلام واجتهاده وجهاده في الله حق جهاده رفع يده بالأدعية المباركة بطول بقائه، وأن يمده بمعونته وألطافه في صباحه ومسائه، فإنه ضاعف الله بركاته قد أحيا سنن هذه الملة، وكان ممن وصف في قوله تعالى الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله، وهذا بعض الكتاب المشار إليه فيما تقدم والله أعلم".
****
• قرمشي بن أقطون (....-٧٤٧) .
هو الأمير سيف الدين ابن الأمير علاء الدين الحاجب بمصر والشام.
قال الصفدي:" كان في صباه قد تنسك، وبحبال الآخرة تمسك، وامتنع من دخول الحمام، وأعرض عن لذات هذه الدنيا ورفض ما فيها من الحطام، وأخذ في مطالعة الأحاديث النبويه، والاقتفاء بسيرة السلف المرضيه، وتتلمذ للشيخ
стр. 122
العلامة تقي الدين بن تيمية، وكانت ترد عليه بالنهي عن التمسك بالأمور الدنيويه"اهـ
وقال:" كان قد نشأ بصفد على خير وديانة وتعبد، ولم نعلم له صبوة، وكان يحب الفقراء والصلحاء، ويميل إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية وأصحابه، واختص بالأمير سيف الدين أرقطاي نائب صفد، وكان يسمر عنده ويلازمه ليلاً ونهاراً"انتهى
****
стр. 123
حَرْفُ
الِميمِ
стр. 124
• محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ أبي بكرِ بنِ إبراهيمَ بنِ يعقوبَ بنِ إلياسَ الأنصاريُّ، شمسُ الدينِ أبو عبدِ اللهِ الخزرجيُّ ابنُ إمامِ الصخرةِ البيانيُّ المقدسيُّ الدمشقيُّ (٦٨٦-٧٦٦) .
سمع من الفخر ابن البخاري، وابن المجاور، وزينب بنت مكي، وأبي الفضل ابن عساكر، وأجاز له من بغداد ابن وريدة، والطبال، وغيرهم.
وخرج له ابن رافع مشيخة، وذيل عليها الحافظ العراقي.
ونقل صاحب الرد الوافر عنه قوله:" أخبرنا شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني -رحمة الله عليه- بجميع كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان مناولة فذكره قرأه عليه بهذا الاسناد الامام العلامة ذو الفنون أبو المظفر يوسف بن محمد السرمري رحمة الله عليه".
****
• محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي نصرٍ الدباهيُّ البغداديُّ الحنبليُّ (....-٧١١) .
كان من كبار التجار ومن أهل الديانة قوَّلًا بالحق نهَّاءً عن المنكر أمَّارًا بالمعروف ذا ديانة وإنابة، وأحوال نبوية وتصوف على طريقة أهل الحديث، جاور بمكة، وصحب الشيخ ابن تيمية واستفاد منه.
****
стр. 125
• محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عثمانَ بنِ قايماز التركمانيُّ الذهبيُّ، شمس الدين أبو عبد الله (٦٧٣-٧٤٨) .
قال ابن السبكي:" أجاز له أبو زكريا بن الصيرفيُّ، وابن أبي الخير، والقطب ابن أبي عصرون، والقاسم بن الإربلي.
وطلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع بدمشق من عمر بن القواس، وأحمد بن هبة الله بن عساكر، ويوسف بن أحمد الغسولي وغيرهم.
وببعلبك من عبد الخالق بن علوان، وزينب بنت عمر بن كندي، وغيرهما.
وبمصر من الأبرقوهي، وعيسى بن عبد المنعم بن شهاب، وشيخ الإسلام ابن دقيق العيد، والحافظين: أبي محمد الدمياطي وأبي العباس بن الظاهري، وغيرهم.
ولما دخل إلى شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، وكان المذكور شديد التحري في الإسماع، قال له: من أين جئت؟ قال: من الشام. قال: بم تعرف؟ قال: بالذهبي. قال: من أبو طاهر الذهبي؟ فقال له: المخلص. فقال: أحسنت. فقال: من أبو محمد الهلالي؟ قال: سفيان بن عينة. قال: أحسنت، اقرأ. ومكنه من القراءة عليه حينئذ إذ رآه عارفًا بالأسماء.
وسمع بالإسكندرية من أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي، وأبي الحسن يحيى بن أحمد بن الصواف، وغيرهما.
وبمكة من التوزري وغيره. وبحلب من سنقر الزيني وغيره. وبنابلس من العماد بن بدران.
وفي شيوخه كثرة فلا نطيل بتعدادهم.
стр. 126
وسمع منه الجمع الكثير، وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار، وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال وسار اسمه مسير الشمس إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر ولا يدبر إذا أقبل الليال"انتهى
ودخل دمشق، وصحب الشيخ ابن تيمية، وكان شديد التعظيم له والذبِّ عنه، وأخذ عنه وله سؤالات يوردها في كتبه للشيخ وسماعات منه منثورة في تاريخ الإسلام وغيره.
وقال فيه:" نشأ يعني الشيخ تقي الدين ﵀ في تصون تام وعفاف وتأله وتعبد واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره ويناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم، فأفتى وله تسع عشرة سنة بل أقل، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على الاشتغال، ومات والده وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم، فدرس بعده بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز في الجمع على كرسي من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتعلثم وكذا كان الدرس بتؤدة وصوت جهوري فصيح"انتهى
وقال:" ثم أقبل على الفقه ودقائقه وقواعده وحججه والإجماع والاختلاف حتى كان يقضى منه العجب، إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف ثم يستدل ويرجح ويجتهد وحق له ذلك؛ فإن شروط الإجتهاد كانت قد اجتمعت فيه فإنني ما رأيت أحدًا أسرع انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضارًا لمتون الأحاديث وعزوها إلى الصحيح أو إلى المسند أو إلى السنن منه كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشقة وعين مفتوحة وإفحام للمخالف، وكان آية من آيات الله تعالى في التفسير والتوسع فيه لعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين.
стр. 127
وأما أصول الديانة ومعرفتها ومعرفة أحوال الخوارج والروافض والمعتزلة وأنواع المبتدعة فكان لا يشق فيه غباره ولا يلحق شأوه، هذا مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل والفراغ عن ملاذ النفس من اللباس الجميل والمأكل الطيب والراحة الدنيوية ولقد سارت بتصانيفه الركبان في فنون من العلم وألوان لعل تواليفه وفتاويه في الأصول والفروع والزهد واليقين والتوكل والإخلاص وغير ذلك، تبلغ ثلاث مئة مجلد لا بل أكثر وكان قوَّالًا بالحق نهَّاءً عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم ذا سطوة وإقدام وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه، ومن نابذه وخالفه ينسبني إلى التغالي فيه، وليس الأمر كذلك.
مع أنني لا أعتقد فيه العصمة، كلا!! فإنه مع سعة عمله وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين بشر من البشر تعتريه حدة في البحث وغضب وشظف للخصم يزرع له عداوة في النفوس ونفورًا عنه، وإلا والله فلو لاطف الخصوم، ورفق بهم ولزم المجاملة وحسن المكالمة، لكان كلمة إجماع؛ فإن كبارهم وأئمتهم خاضعون لعلومه وفقهه معترفون بشفوفه وذكائه مقرون بندور خطئه لست أعني بعض العلماء الذين شعارهم وهجيراهم الاستخفاف به والازدراء بفضله والمقت له حتى استجهلوه وكفروه ونالوا منه من غير أن ينظروا في تصانيفه، ولا فهموا كلامه، ولا لهم حظ تام من التوسع في المعارف والعالم منهم قد ينصفه ويرد عليه بعلم.
وطريق العقل السكوت عما شجر بين الأقران -رحم الله الجميع -، وأنا أقل من أن ينبه على قدره كلمي، أو أن يوضح نبأه قلمي، فأصحابه وأعداؤه خاضعون لعلمه مقرون بسرعة فهمه، وأنه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له وأن جوده حاتمي وشجاعته خالدية، ولكن قد ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالًا
стр. 128
منصفهم فيها مأجور ومقتصدهم فيها معذور وظالمهم فيها مأزور، وغاليهم مغرور، وإلى الله ترجع الأمور. وكل أحد يؤخذ من قوله، ويترك،والكمال للرسل والحجة في الإجماع، فرحم الله امرءًا تكلم في العلماء بعلم أو صمت بحلم، وأمعن في مضايق أقاويلهم بتؤدة، وفهم ثم استغفر لهم، ووسع نطاق المعذرة، وإلا فهو لا يدري ولا يدري أنه لا يدري.
وإن أنت عذرت كبار الأئمة في معضلاتهم، ولا تعذر ابن تيمية في مفرداته، فقد أقررت على نفسك بالهوى وعدم الإنصاف وإن قلت لا أعذره؛ لأنه كافر عدو الله تعالى ورسوله، قال لك خلق من أهل العلم والدين: ما علمناه والله إلا مؤمنًا محافظًا على الصلاة والوضوء وصوم رمضان معظمًا للشريعة ظاهرًا وباطنًا لا يؤتى من سوء فهم بل له الذكاء المفرط ولا من قلة علم فإنه بحر زخار بصير بالكتاب والسنة عديم النظير في ذلك ولا هو بمتلاعب بالدين فلو كان كذلك لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه وموافقتهم ومنافقتهم ولا هو يتفرد بمسائل بالتشهي ولا يفتي بما اتفق بل مسائله المفردة يحتج لها بالقرآن وبالحديث أو بالقياس ويبرهنها ويناظر عليها وينقل فيها الخلاف ويطيل البحث أسوة من تقدمه من الأئمة.
فإن كان قد أخطأ فيها فله أجر المجتهد من العلماء، وإن كان قد أصاب فله أجران. وإنما الذم والمقت لأحد رجلين رجل أفتى في مسألة بالهوى، ولم يبد حجة، ورجل تكلم في مسألة بلا خميرة من علم ولا توسع في نقل فنعوذ بالله من الهوى والجهل.
ولا ريب أنه لا اعتبار بذم أعداء العالم فإن الهوى والغضب يحملهم على عدم الإنصاف والقيام عليه ولا اعتبار بمدح خواصه والغلاة فيه فإن الحب يحملهم
стр. 129
على تغطية هناته بل قد يعدوها له محاسن وإنما العبرة بأهل الورع والتقوى من الطرفين الذين يتكلمون بالقسط ويقومون لله ولو على أنفسهم وآبائهم.
فهذا الرجل لا أرجو على ما قلته فيه دنيا ولا مالًا ولا جاهًا بوجه أصلاً مع خبرتي التامة به ولكن لا يسعني في ديني ولا عقلي أن أكتم محاسنه وأدفن فضائله وأبرز ذنوبًا له مغفورة في سعة كرم الله تعالى وصفحة مغمورة في بحر علمه وجوده فالله يغفر له ويرضى عنه ويرحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه مع أني مخالف له في مسائل أصلية وفرعية قد أبديت آنفا أن خطأه فيها مغفور بل قد يثيبه الله تعالى فيها على حسن قصده وبذل وسعه والله الموعد.
مع أني قد أوذيت لكلامي فيه من أصحابه وأضداده فحسبي الله بين المنكبين جهوري الصوت فصيحًا سريع القراءة تعتريه حدة ثم يقهرها بحلم وصفح وإليه كان المنتهى في فرط الشجاعة والسماحة وقوة الذكاء، ولم أر مثله في ابتهاله واستغاثته بالله تعالى وكثرة توجهه، وقد تعبت بين الفريقين، فأنا عند محبه مقصر وعند عدوه مسرف مكثر، كلا والله"انتهى من رسالة له في ترجمته أخرجها بعض العصريين.
وقال في المعجم له:" عنى بالحديث ونسخ الأجزاء، ودار على الشيوخ، وخرج وانتقى، وبرع في الرجال وعلل الحديث وفقهه وفى علوم الإسلام وعلم الكلام وغير ذلك.
وكان من بحور العلم ومن الأذكياء المعدودين والزهاد الافراد والشجعان الكبار والكرماء الأجواد، أثنى عليه الموافق والمخالف، وسارت بتصانيفه الركبان لعلها ثلاث مائة مجلد"انتهى
وقال ابن السبكي:" واعلم أن هذه الرفقة -أعني المزي والذهبي والبرزالي وكثيرًا ما أتباعهم- أضر بهم أبو العباس ابن تيمية إضرارًا بيِّنًا، وحملهم على
стр. 130
عظائم الأمور أمرًا ليس هينًا، وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم وأوقفهم في دكادك من نار المرجو من الله أن يتجاوزها لهم ولأصحابهم"انتهى
وقال:" والذى أفتى به أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبى فى ذمِّ أشعرى، ولا شكر حنبلى. والله المستعان"انتهى
وقال:" ولقد وقفت فى تاريخ الذهبى ﵀ على ترجمة الشيخ الموفق بن قدامة الحنبلى، والشيخ فخر الدين بن عساكر، وقد أطال تلك وقصر هذه وأتى بما لا يشك لبيب أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعرى وذاك حنبلى، وسيقفون بين يدى رب العالمين"انتهى
وقال في رثاءه:
يا موتُ خذ من أردتَ أو فَدَعِ ... مَحَوْتَ رَسْمَ العُلُومِ والوَرَعِ
أخذتَ شيخَ الإسلامِ وانفصمت ... عُرَى التُّقَى واشتفى أولو البِدَعِ
غيَّبت بحرًا مفسرًا جبلا ... حبرًا تقيًّا مجانبَ الشِبَعِ
فإنْ يُحَدِّثْ فمسلمٌ ثقةٌ ... وإن يناظر فصاحبُ اللُّمَعِ
وإن يخض نَحَو سييوبهِ يَفُهْ ... بكلِّ معنىً في الفنِّ مخترعِ
وصار عاليَ الإسنادِ حافظةً ... كشعبةٍ أو سعيدٍ الضَبُعِي
والفقهُ فيه فكانَ مجتهدا ... وذا جهادٍ عارٍ من الجَزَعِ
وجودُهُ الحاتميُّ مشتهرٌ ... وزهدُه القادريُّ في الطَبَعِ
أسكنَهُ اللهُ في الجنانِ ولا ... زال علينا في أجملِ الخِلَعِ
وكتب الحافظ الذهبي وترجمته أشهر من أن تعرف فحسبك هذا، وفي الله غنية، وله الحمد والمنة.
****
стр. 131
• محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الهادِي بنِ عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الهادِي بنِ يوسفَ بنِ محمدِ بنِ قدامةَ المقدسيُّ الحنبليُّ الجمَّاعِيلِيُّ، شمسُ الدينِ أبو عبد الله، أحدُ الأذكياءِ (٧٠٥ أو ٧٠٤ أو ٧٠٦- ٧٤٤) .
أحد أذكياء الدنيا، الفقيه البارع والمحدث الفاضل، والنحوى الكامل، الذي يعجز اللفظ عن التعبير عن براعته، وتجف الأقلام بالألقاب دون إدراك غايته.
صاحب الكتب النافعة والمجامع الجامعة قال ابن رجب: فمن تصانيفه: (تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق) لابن الجوزي مجلدان، (الأحكام الكبرى) المرتبة على أحكام الحافظ الضياء، كمل منها سبع مجلدات (الرد على أبي بكر الخطيب الحافظ في مسألة الجهر بالبسملة) مجلد، (المحرر في الأحكام) مجلد، (فصل النزاع بين الخصوم في الكلام على أحاديث: أفطر الحاجم والمحجوم) مجلد لطيف، (الكلام على أحاديث مس الذكر) جزء كبير، (الكلام على أحاديث: البحر هو الطهور ماؤه) جزء كبير، (الكلام على أحاديث القلتين) جزء، (الكلام على حديث معاذ في الحكم بالرأي) جزء كبير، (الكلام على حديث:
стр. 132
أصحابي كالنجوم) جزء، (الكلام على حديث أبي سفيان: ثلاث أعطينهن يا رسول الله والرد على ابن حزم في قوله: إنه موضوع) .
كتاب (العمدة) في الحفاظ، كمل منه مجلدان، (تعليقة في الثقات) كمل منه مجلدان، (الكلام على أحاديث: مختصر ابن الحاجب) مختصر ومطول، (الكلام على أحاديث كثيرة فيها ضعف من المستدرك للحاكم) ، (أحاديث الصلاة على النبي ﷺ ) ، (جزء منتقى من مختصر المختصر لابن خزيمة، ومناقشته على أحاديث أخرجها فيه، فيها مقال) مجلد، (الكلام على أحاديث الزيارة) جزء، (مصنف في الزيارة) مجلد، (الكلام على أحاديث محلل السباق) جزء، جزء في (مسافة القصر) ، (جزء في قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى) [التوبة:١٠٨] ، (جزء في أحاديث: الجمع بين الصلاتين في الحضر) ، (الإعلام في ذكر مشايخ الأئمة الأعلام) ، (أصحاب الكتب الستة) عدة أجزاء، (الكلام على حديث: الطواف بالبيت صلاة) ، (جزء كبير في مولد النبي ﷺ ) ، (تعليقة على سنن البيهقي الكبرى) كمل منها مجلدان، (جزء كبير في المعجزات والكرامات) ، (جزء في تحريم الربا) ، (جزء في تملك الأب من مال ولده ما شاء) ، (جزء في العقيقة) ، (جزء في الأكل من الثمار التي لا حائط عليها) ، (الرد على ألْكيا الهِرَّاسي) جزء كبير، (في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية) مجلد، (منتقى من تهذيب الكمال للمزي) كمل منه خمسة أجزاء، (إقامة البرهان على عدم وجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان) جزء، (جزء في فضائل الحسن البصري ﵁) ، (جزء في حجب الأم بالإخوة، وأنها تحجب بدون ثلاثة) ، (جزء في الصبر) ، (جزء في فضائل الشام) ، (صلاة التراويح) جزء كبير، (الكلام على أحاديث: لبس الخفين
стр. 133
للحرم) جزء كبير، (جزء في صفة الجنة) ، (جزء في المراسيل) ، (جزء في مسألة الجد والأخوة) ، (منتخب من مسند الإِمام أحمد) مجلدان، (منتخب من سنن البيهقي) مجلد، (منتخب من سنن أبي داود) مجلد لطيف، (تعليقه على التسهيل في النحو) كمل منها مجلدان، (جزء في الكلام على حديث: أَفرَضَكم زيد) ، (أحاديث: حياة الأنبياء في قبورهم) جزء، (تعليقة على العلل لابن أبي حاتم) كمل منها مجلدان. (تعليقة على الأحكام لأبي البركات ابن تيمية) لم تكمل، (منتقى من علل الدارقطني) ، مجلد، (جزء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، (شرح لألفية ابن مالك) جزء، (ما أخذ على تصانيف أبي عبد الله الذهبي الحافظ) شيخه عدة أجزاء، (حواشي على كتاب الإلمام) ، (جزء في الرد على أبي حيان النحوي فيما رده على ابن مالك وأخطأ فيه) ، (جزء في اجتماع الضميرين) ، (جزء في تحقيق الهمز والإِبدال في القراءات) ، وله (رد على ابن طاهر، وابن دحية) وغيرهما، وتعاليق كثيرة في الفقه وأصوله، والحديث، ومنتخبات كثيرة في أنواع العلم"انتهى
وقال الذهبي في تذكرته:" وسمعت من الإمام الأوحد الحافظ ذى الفنون شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادى، ولد سنة خمس أو ست وسبع مائة، وسمع من القاضى وابن عبد الدائم والمطعم، واعتنى بالرجال والعلل وبرع وجمع وتصدى للافادة والاشتغال في القراءات والحديث والفقه والأصول والنحو، وله توسع في العلوم وذهن سيال، توفى في شهر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وسبع مائة، رحمة الله عليهم أجمعين".
قلت: وهو آخر من ترجم لهم في تذكرة الحفاظ.
стр. 134
وقال ابن رجب:" وعنى بالحديث وفنونه، ومعرفة الرجال والعلل. وبرع في ذلك. وتفقه في المذهب وأفتى. وقرأ الأصلين والعربية، وبرع فيها. ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية مدة. وقرأ عليه قطعة من الأربعين في أصول الدين للرازي.
قرأ الفقه على الشيخ مجد الدين الحراني، ولازم أبا الحجاج المزي الحافظ، حتى برع عليه في الرجال، وأخذ عن الذهبي وغيره".
وقال:" واعتنى بالرجال والعلل، وبرع وجمع، وتصدى للإفادة والاشتغال في القراءة والحديث، والفقه والأصلين، والنحو. وله توسع في العلوم وذهن سيال".
وتتلمذ عليه جمع من الفضلاء في حياة ابن تيمية، شأنه شأن ابن القيم ﵀.
قال في ترجمته ابن تيمية:" كنت جلست يومًا إلى قاضي القضاة صدر الدين قاضي الحنفية، فقال لي -وهو يضحك-:" تحب الشيخ تقي الدين ابن تيمية؟ فقلت: نعم. فقال والله تحب شيئًا مليحًا".
****
стр. 135
• محمَّدُ بنُ أبي بكرِ بنِ أيوبَ بنِ سعدِ بنِ حُريزٍ الزَّرعِيُّ الدمشقيُّ، شمس الدين أبو عبد الله ابن قيِّم الجوزية الحنبليُّ (٦٩١-٧٥١) .
هو الإمام المتضلع الجهبذ، والجبل الراسخ، والأصولي الفقيه النحوي البياني المبرز، أكبر تلامذة الشيخ ﵀، وأجل أصحابه بلا مدافعة اللهم إلا المزي فيُتَوقَّفُ عِنْدَئِذٍ.
سمع من الشهاب النابلسي العابر، والقاضي تقي الدين سليمان، وفاطمة بنت جوهر، وعيسى المطعم، وأبي بكر بن عبد الدايم، وجماعة.
وتفقه في المذهب وغيره، وأفتى وصنف وبرع، وحصل الكتب والمجامع، وحاز العلوم وتقدم، لازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية من سنة اثنتي عشرة، وأخذ عنه واكتسب سمته وشرح مذهبه وتقلد مسائله، ودافع عنه، ورتب أقواله، وأكثر النقل عنه في كتبه.
قال ابن رجب:" كان عارفاً بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك، وكان عالماً بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف، وإشاراتهم، ودقائقهم. له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى".
стр. 136
وقال الذهبي:" عنى بالحديث ومتونه، وبعض رجاله. وكان يشتغل في الفقه، ويجيد تقريره وتدريسه، وفي الأصلين. وقد حبس مدة، لإِنكاره شد الرحال إلى قبر الخيل، وتصدى للأشغال، وإقراء العلم ونشره".
وقال ابن رجب تلميذه:" كان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشفف بالمحبة، والإِنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والإنكسار له، والإطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علماً، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أرَ في معناه مثله. وقد امتحن وأوفي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة، منفرداً عنه، ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ.
وكان في مدة حبسه مشتغلاً بتلاوة القراَن بالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمراً يتعجب منه. ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه (قصيدته النونية الطويلة) في السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها.
وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له، كابن عبد الهادي وغيره".
стр. 137
وقال ابن كثير:" سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين ولما عاد الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًّا مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة مع كثرة الطلب ليلًا ونهارًا وكثرة الابتهال، وكان حسن القراءة والخلق، كثير التودد لا يحسد أحدًا ولايؤذيه ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد، وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها جدًّا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك-﵀".
وقال ابن حجر:" كان جرئ الجنان واسع العلم عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف، وغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه، ونشر علمه، وكان له حظ عند الأمراء المصريين".
قلت: بل كان يخالفه أحيانًا، ولكنّها قليلة، وهي بإسهاب في ما سطره المعاصرون في درياتهم حياة الإمام ابن القيم، كدراسة بكر بن عبد الله أبي زيد-﵀.
стр. 138
وقال في تقريظ الرد الوافر:" لو لم يكن للشيخ تقي الدين إلا تلميذه الشيخ شمس الدين ابن القيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته"انتهى
وقال أبو بكر بن المحب: قلت لشيخنا الحافظ المزي: ابن القيم في درجة ابن خزيمة؟ فقال: هو في هذا الزمان كابن خزيمة في زمانه.
وقال القاضي برهان الدين الزرعي عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علماً منه.
وله في الشيخ ابن تيمية ما لا يحصى من المدائح النثرية والنظمية، ومنها قوله في قصيدته النونية:
وإذا أردتَ ترى مصارعَ منْ خَلَا ... مِن أُمَّةِ التعطيلِ والكُفْرَانِ
وتراهمُ أسرى حقيرٌ شأنُهُم ... أيديهُمُ غُلَّتْ إلى الأَذْقَانِ
وتراهُمُ تَحْتَ الرِّماحِ دَرِيئةً ... ما فيهم من فارسٍ طَعَّانِ
وتراهُمُ تحتَ السِّيوفِ تنوشهم ... من عن شمائِلِهم وعن أيمانِ
وتراهم انسلخوا من الوحيينِ والعـ ... ـقلِ الصحيحِ ومقتضى القرآنِ
وتراهُمُ واللهِ ضِحْكَةَ ساخرٍ ... ولطالما سَخِروا من الإيمانِ
قد أوحشت منهم ربوعٌ زادهـ ... ـها الجبَّارُ إيحاشًا مدى الأزمانِ
وخلت ديارُهُمُ وشُتِّتَ شملُهُم ... ما فيهمُ رجلانِ مجتمعانِ
قد عطَّل الرحمنُ أفئدةً لهم ... من كلِّ معرفةٍ ومن إيمانِ
إذ عطَّلوا الرحمنَ من أوصافِهِ ... والعرشُ أخلوْهُ من الرحمنِ
بل عطلوه عن الكلامِ وعن صفا ... تِ كمالِهِ بالجهلِ والبهتانِ
стр. 139
فاقرأ تصانيفَ الامامِ حقيقةً ... شيخِ الوجودِ العالمِ الرَّبَّانِي
أعني أبا العباسِ أحمدَ ذلـ ... ـك البحرُ المحيطُ بسائرِ الخِلْجَانِ
واقرأ كتابَ العقلِ والنقلِ الذي ... ما في الوجودِ له نظيرٌ ثانِ
وكذاك منهاجٌ له في ردِّهِ ... قولَ الروافضِ شيعةِ الشيطانِ
وكذاك أهلُ الاعتزالِ فإنه ... أرداهُمُ في حُفْرَةِ الجبَّانِ
وكذلك التأسيسُ أصبحَ نقضُهُ ... أعجوبةً للعالمِ الرَّبَّانِي
وكذاك أجوبةٌ له مصريةٌ ... في ستِّ أسفارٍ كُتِبْنَ سمانِ
وكذا جوابٌ للنصارى فيه ما ... يشفي الصدورَ وإنَّه سِفْرَانِ
وكذاك شرحُ عقيدةٍ للأصبها ... ني شارحِ المحصولِ شرحَ بيانِ
فيها النبواتُ التي إثباتُهَا ... في غايةِ التقريرِ والتِبْيَانِ
واللهِ ما لأولي الكلامِ نظيرُهُ ... أبدًا وكُتْبُهُمُ بكلِّ مَكَانِ
وكذا حدوثُ العالمِ العلـ ... ـويِّ والسُّفليِّ فيه في أتمِّ بيانِ
وكذا قواعدُ الاستقامةِ إنَّها ... سفرانِ فيما بيننا ضخمانِ
وقرأتُ أكثرَهَا عليه فزادني ... واللهِ في علمٍ وفي إيمانِ
هذا ولو حدثتُ نفسي أنَّه ... قبلي يموتُ لكانَ هذا الشانِ
وكذاك توحيدُ الفلاسفةِ الألى ... توحيدُهُم هو غايةُ الكُفْرَانِ
سفرٌ لطيفٌ فيه نقضُ أصولِهِم ... بحقيقةِ المعقولِ والبرهانِ
وكذاك تسعينيةٌ فيها له ... ردٌّ على من قال بالنفسانِي
تسعونَ وجهًا بينت بطلانَهُ ... أعني كلامَ النفسِ ذا الوحدانِ
وكذا قواعدُهُ الكبارُ وإنها ... أوفى من المائتينِ في الحُسْبانِ
لم يتسعْ نظمي لها فأسوقَها ... فأشرتُ بعضَ إشارةٍ لبيانِ
стр. 140
وكذا رسائِلُهُ إلى البلدانِ والأ ... طرافِ والأصحابِ والإخوانِ
هي في الورى مبثوثةٌ معلومةٌ ... تبتاعُ بالغالي من الأثمانِ
وكذا فتاواه فأخبرني الذي ... أضحى عليها دائمَ الطَوَفَانِ
بلغ الذي ألفاهُ منها عدةً الأ ... يامِ من شَهْرٍ بلا نُقْصَانِ
سفرٌ يقابلُ كلَّ يومٍ والذي ... قد فاتني منها بلا حُسْبَانِ
هذا وليس يقصِّرُ التفسيرُ عن ... عشرٍ كِبارٍ ليس ذا نقصانِ
وكذا المفاريدُ التي في كل مسـ ... ـألةٍ فسفرٌ واضحُ التبيانِ
ما بين عشرٍ أو تزيدُ بضعفِهَا ... هي كالنجومِ لسالكٍ حَيْرَانِ
وله المقاماتُ الشهيرةُ في الورى ... قد قامها للهِ غيرَ جبانِ
نصر الإلهَ ودينَهُ وكتابَهُ ... ورسولَهُ بالسيفِ والبرهانِ
أبدى فضائِحَهم وبيّن جهلَهُم ... وأرى تناقضَهُم بكلِّ زَمَانِ
وأصارهم واللهِ تحت نعالِ أهـ ... ـلِ الحقِّ بعدَ ملابسِ التيجانِ
وأصارهم تحتَ الحضيضِ وطالما ... كانوا هم الأعلامُ للبُلْدَانِ
ومن العجائبِ أنَّه بسلاحِهِم ... أرداهُمُ تحتَ الحضيضِ الدَّانِي
كانت نواصينا بأيديهم فما ... منَّا لهم إلا أسيرٌ عَانِ
فغدت نواصيهم بأيدينا فما ... يلقوننا إلا بحبلِ أمانِ
وغدت ملوكهم ماليكًا لأنصـ ... ـارِ الرسولِ بمنةِ الرحمنِ
وأتت جنودُهُمُ التي صالوا بها ... منقادةً لعساكرِ الإيمانِ
يدري بهذا من له خبرٌ بما ... قد قاله في ربِّهِ الفئتانِ
والفَدْمُ يوحشُنا وليسَ هناكُمُ ... فحضورُهُ ومغيبُهُ سِيَّانِ
ومن ذلك قوله -أيضًا-:
стр. 141
يا قومُ واللهِ العظيمِ نصيحةٌ ... من مشفقٍ وأخٍ لكُمْ مِعْوانِ
جرَّبتُ هذا كلَّه ووقعْتُ في ... تلك الشِّباكِ وكن ذا طيرانِ
حتى أتاحَ لي الإلهُ بفضلِهِ ... من ليس تجزيه يدي ولساني
حبرٌ أتى من أرضِ حرانٍ فيا ... أهلًا بمن قد جاءَ من حرَّانِ
فالله يجزيه الذي هو أهلُهُ ... من جَنَّةِ المأوى مع الرِّضْوانِ
أخذت يداه يدي وسار فلم يَرُم ... حتى أراني مطلعَ الإيمانِ
ورأيتُ أعلامَ المدينةِ حَوْلَهَا ... نُزُلُ الهدى وعساكرُ القرآنِ
ورأيت آثارًا عظيمًا شأنُهَا ... محجوبةً عن زُمْرَةِ العُمْيانِ
ووردت رأسَ الماءِ أبيضَ صافيًا ... حصباؤه كلآلئِ التيجانِ
ورأيت أكوازًا هناك كثيرةً ... مثلَ النجومِ لواردِ ظَمْآنِ
ورأيتُ حوضَ الكوثرِ الصافي الذي ... لا زال يشخُبُ فيه ميزابانِ
ميزابُ سنَّتِهِ وقولِ إلهِهِ ... وهما مدى الأيامِ لا ينيانِ
والناسُ لا يردونه إلا من الآ ... لافِ أفرادًا ذوي إيمانِ
وله من التصانيف ما لا يوصف وأكثره ما ذكره ابن رجب فقال:" فمن تصانيفه: كتاب " تهذيب سنن أبي داود " وإيضاح مشكلاته، والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة مجلد، كتاب " سفر الهجرتين وباب السعادتين " مجلد ضخم، كتاب " مراحل السائرين بين منازل " إياكَ نَعْبُدُ وإياكَ نَسْتَعِين " مجلدان، وهو شرح " منازل السائرين " لشيخ الإِسلام الأنصاري، كتاب جليل القمر، كتاب " عقد محكم الأحباء، بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى رب السماء " مجلد ضخم، كتاب " شرح أسماء الكتاب العزيز " مجلد،
стр. 142
كتاب " زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدى خاتم الأنبياء " مجلد، كتاب " زاد المعاد في هدى خير العباد " أربع مجلدات، وهو كتاب عظيم جداً، كتاب " جلاء الأفهام في ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام " وبيان أحاديثها وعللها مجلد، كتاب " بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل " مجلد، كتاب " نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول " مجلد، كتاب " إعلام الموقعين عن رب العالمين " ثلاث مجلدات، كتاب " بدائع الفوائد " مجلدان " الشافية الكافية في إلانتصار للفرقة الناجية " وهي " القصيدة النونية في السنة " مجلدان، كتاب " الصواعق المنزلة على الجهمية والمعطلة لما في مجلدات، كتاب " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " وهو كتاب " صفة الجنة " مجلد، كتاب " نزهة المشتاقين وروضة المحبين " مجلد، كتاب " الداء والدواء " مجلد، كتاب " تحفة الودود في أحكام المولود " مجلد لطيف، كتاب " مفتاح دار السعادة " مجلد ضخم، كتاب " اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية " مجلد، كتاب " مصائد الشيطان " مجلد، كتاب " الفرق الحكمية " مجلد " رفع اليدين في الصلاة " مجلد. كتاب " نكاح المحرم " مجلد " تفضيل مكة على المدينة " مجلد " فضل العلماء " مجلد " عدة الصابرين " مجلد كتاب " الكبائر " مجلد " حكم تارك الصلاة " مجلد، كتاب " نور المؤمن وحياته " مجلد، كتاب " حكم إغمام هلال رمضان "، " التحرير فيما يحل، ويحرم من لباس الحرير "، " جوابات عابدي الصلبان، وأن ما هم عليه دين الشيطان "، " بطلان الكيمياء من أربعين وجهاً " مجلد " الفرق بين الخلة والمحبة، ومناظرة الخليل لقومه " مجلد " الكلم الطيب والعمل الصالح " مجلد لطيف " الفتح القدسي "، " التحفة المكية " كتاب " أمثال القرآن " "شرح الأسماء الحسنى"، " أيمان القرآن "، " المسائل
стр. 143
الطرابلسية " ثلاث مجلدات " الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم " مجلدان، كتاب " الطاعون " مجلد لطيف"انتهى
وقال ابن رجب:" وكان قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تقي الدين ﵀ في النوم، وسأله عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر. ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة ﵀"انتهى
قلت: ونحو هذا سبق من كلام الحافظ المزي.
وله من المنظوم الشيء الكثير منه قصيدته النونية وهي أكبر مجمع منظوم لعقيدة السلف فيما أعلم أبياتها تتقرب من ستة آلاف، وله كذلك القصيدة الميمية وفيها حكم نافعة ومواعظ جامعة ومن عذب أبياتها قوله:
وللَّهِ أبصارٌ ترى الله جهرةً ... فلا الضيمُ يغشاها، ولا هي تسأمُ
فيا نظرةً أهدت إلي الوجهِ نضرةً ... أمِن بعدِها يسلو المحبُّ المتيَّمُ
وللَّهِ كم من خِيرة إن تبسمت ... أضاء لها نورُ من الفجرِ أعظمُ
فيا لذةَ الأبصارِ إذ هي أقبلت ... ويا لذةَ الأسماعِ حينَ تكلمُ
ويا خجلةَ الغصنِ الرطيبِ إذا انثنت ... ويا خجلةَ البحرينِ حينَ تبسمُ
فإن كنت ذا قلبٍ عليلٍ بحبِّهَا ... فلم يبقَ إلا وصلُها لك مَرْهَمُ
فحيَّ على جناتِ عدنٍ، فإنها ... منازلُكَ الأولى، وفيها المخيَّمُ
ولكننا سبي العدوِ، فهل تُرى ... نعودُ إلى أوطانِنِا ونُسَلَّمُ؟
وقد زعموا أن الغريبَ إذا نأى ... وشطَّت به أوطانُهُ فهو مُغرمُ
стр. 144
وأي اغترابٍ فوق غربتِنا التي ... لها أضحت الأعداءُ فينا تحَكَّمُ؟
وحيَّ على السوقِ الذي فيه يلتقي ... المحبوبُ، ذاك السوقُ للقومِ مَعْلمُ
فما شئت خذ منه بلا ثمنٍ له ... فقد أسلف التجارُ فيه وأسلموا
وحيَّ على يومَ المزيدِ الذي به ... زيارة َربِّ العرشِ، فاليوم مَوْسِمُ
وحيَّ على وادٍ هنالك أفيحٌ ... وتربتُهُ من أذفَرِ المسكِ أعظمُ
منابرُ من نورٍ هناك وفضةٌ ... ومن خالصِ العقيانِ لا تتفصَّمُ
وكُثبانِ مسكٍ قد جعلن مقاعداً ... لمن دون أصحابِ المنابرِ يعلمُ
فبيناهم في عيشِهم وسرورِهم ... وأرزاقُهم تجري عليهم وتُقْسَمُ
إذا هم بنورٍ ساطعٍ أشرقت له ... بأقطارِها الجناتُ لا يُتَوهَّمُ
تجلى لهم ربُّ السمواتِ جهرةً ... فيضحكُ فوقَ العرشِ ثم يكلمُ
سلامٌ عليكم، يسمعون جميعهم ... بآذانهم تسليمَهَ إذْ يُسَلّمُ
يقول: سلوني ما اشتهيتم، فكلُّ ما ... تريدون عندي، إنني أنا أرحمُ
فقالوا جميعاً: نحن نسألك الرضا ... فأنت الذي تولى الجميلَ وترحمُ
فيعطيهم هذا ويشهدُ جمعَهُم ... عليه، تعالى الله، فاللهُ أكرمُ
فيا بائعاً هذا ببخسٍ مُعَجَّلٍ ... كأنك لا تدري، بلى، سوف تعلمُ
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنت تدري، فالمصيبةُ أعظمُ
ونقل ابن حجر في درره عنه في ذم نفسه:
بنيُّ أبي بكرٍ كثيرٌ ذنوبُهُ ... فليس على من نال من عرضِهِ إثمُ
بنيُّ أبي بكرٍ غدا متصدرا ... يعلم علمًا وهو ليس له علمُ
بنيُّ أبي بكرٍ جهولٌ بنفسِهِ ... جهولٌ بأمرِ اللهِ أنَّى له العلمُ
стр. 145
بنيُّ أبي بكرٍ يرومُ ترقيا ... إلى جنةِ المأوى وليسَ له عزمُ
بنيُّ أبي بكرٍ لقد خاب سعيه ... إذا لم يكن في الصالحاتِ له سهمُ
بنيُّ أبي بكرٍ كما قال ربُّه ... هلوعٌ كنودٌ وصفُهُ الجهلُ والظلمُ
بنيُّ أبي بكرٍ وآمالُه غدت ... بفتواهم هذي الخليقةُ تأثمُ
وليس له في العلمِ باعٌ ولا التقى ... ولا الزهدِ والدنيا لديهم هي الهمُّ
بنيُّ أبي بكرٍ غدا متمنيًا ... وصال المعالي والذنوبُ له همُّ
قلت: واستبعد أن يكون هذا له، لأنه ليس من طريقته ولا عادته ذم نفسه بهذا النحو. والله أعلم.
وقال ابن حجر:" ومات في ثالث عشر شهر رجب سنة ٧٥١، وكانت جنازته حافلةً جدًّا، ورئيت له منامات حسنة".
****
• محمدُ بنُ أبي بكرِ بنِ معالي بنِ زيدٍ الأنصاريُّ الهيثميُّ ثم الدمشقيُّ الحنبليُّ ( ... -٧٥٥) .
قال ابن رافع:"كان حسن الشكل بشوش الوجه كثير التودد".
قال ابن رجب:" صحب الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ومات في المحرم سنة خمس وخمسين وسبعمائة".
****
следующие страницы →