← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الإمساك في جميع الصور المذكورة (١)، وعند صاحب التهذيب (٢) الأصح في الكافر وجوب الإمساك، (لأنه متعدّ بالإفطار) (٣)، وهذا متجه، والله أعلم. قوله: "أما الكفارة، فواجبة على كل من أفسد صوم يوم من رمضان بجماع تامٍ أثم به لأجل الصوم" (٤)، ثم إنه قال: "أما إضافة الإفطار إلى الجماع احترزنا به عن المرأة إذا جومعت فلا كفارة عليها، لأنها أفطرت قبل الجماع بوصول أول جزء من الحشفة إلى باطنها" (٥). وقد قال: أولاً: "بجماع تام" احترازا بالتمام عن جماع المرأة، وذلك أوضح في الاحتراز، ثم لم يعد لفظ "التمام" هنا عند ذكره ما احترز عنه، واقتصر على الاحتراز (٦) بمجرد إضافة الإفطار إلى الجماع، (وهذا يتضمن أن إفطارها لم يحصل بجماع، وذاك (٧) يتضمن أن إفطارها حصل (٨) بجماع) (٩) لكن غير تامٍ (١٠)،

стр. 1052

والأمران معا ثابتان صحيحان فإنه إذا لم يبق إلا بعض الحشفة ساغ أن يقال فيه: لإنه جماع ناقص غير تمام، وأن يقال: لم يوجد الجماع؛ لأنه عبارة عن المجموع، فإذا لم يوجد جزء منه لم يكن حقيقته موجودة. ثم إنه ذكر بعد هذا احترازه بالجماع عن الأكل ونحوه (١)، وذلك غير هذا، فإن ذلك احتراز بنفس الجماع، وهذا احتراز بإضافة (٢) الإفطار إلى الجماع، وهي تنتفي مع وجود نفس الجماع، والله أعلم. الأصح عند القاضي أبي الطيب الطبري (٣)، إن المرأة تجب عليها كفارة أخرى (٤)، وهو ما روي عن مالك (٥)، وأبي حنيفة (٦)، وأحمد (٧). والأصح عند صاحب الكتاب وطائفة أنه لا تجب (٨) إلا كفارة واحدة عليه (٩)

стр. 1053

والأول إن كان أقوى (١) في القياس، فهذا منقول عن نص الشافعي ﵀ في الجديد، والقديم (٢). ودليله حديث الأعرابي (٣)، فإنه لم يذكر فيه سوى كفارة واحدة، و (٤) لأن الكفارة تشتمل (٥) على مال، فاختصّ بها الزوج كالمهر.

стр. 1054

وأما تعليل صاحب الكتاب، ذلك بأن إفطار المرأة حصل بغير الجماع، فقد رجع عنه بما (١) ذكره في درسه، وقال: الصحيح أنها أفطرت بالجماع، فإنها تعدّ مفطرة بالجماع. قلت: وهذا (٢) تعليل، أحدثه في هذه المسألة الأستاذ أبو طاهر (٣) الزيادي النيسابوري، ومات سنة ... (٤)، وصار مثالا لمسألة أصولية غريبة، ذكرها أبو الفتح ابن برهان (٥) الفقهي الأصولي، وهي أنه لا يجوز إحداث الاستدلال بدليل ظاهر في مسألة خاض فيها من سبق، ولم يذكره أحد منهم مع كونه (٦) مما

стр. 1055

لا يخفى مثله عليهم (١) (٢) كهذا التعليل، فإن كل أحد يعرف أن تغييب أول جزء من الحشفة يحصل قبل الجماع، فلو صلح (٣) ذلك دليلاً لما أهملوه، وزيف ذلك شيخه أبو الحسن (٤) الطبري المعروف بكيا (٥)، تلميذ إمام الحرمين من وجه آخر، وقال: إنما تركوا هذا الدليل؛ لأنهم رأوا أن الأمر يختلف في ذلك، ولا ينضبط فقد تكون الحشفة كبيرةً، وقد تكون صغيرةً بحيث يكون الإفطار فيها بالجماع، ولا يحصل الإفطار قبله؛ لكونه لا يقع الحصول في الباطن، إلا بتغييب جميع الحشفة لصغرها (٦).

стр. 1056

وزيف ذلك كثير من الأصحاب بأنه يتصور فساد صومها بالجماع، بأن يولج فيها، وهي نائمة، أو ناسية، أو نحو ذلك، ثم يزول النوم، أو غيره مع استدامة الوطء، فإن الحكم لا يختلف على القولين (١)، والله أعلم. ثم إن الأصح من القولين، أو (٢) الوجهين عند صاحب الكتاب، وجماعة على قولنا: أنه لا يجب إلا كفارة واحدة إنها تختص بالزوج، وليست عنهما (٣)، والله أعلم. قوله: "إذا طرأ بعد الجماع (٤) مرض، أو جنون، أو حيض ففي الكفارة ثلاثة أقوال: إلى آخره" (٥). الأظهر منها: الثالث، وهو أنها لا تسقط بطرآن المرض، وتسقط بطرآن الجنون، والحيض (٦)، ثم لا يخفى أن هذا الخلاف في الحيض مفرع على قولنا: تجب الكفارة على المرأة (٧).

стр. 1057

ذكر في وجوب القضاء على المجامع مع الكفارة ثلاثة أوجه (١)، ثانيها: أنه لا يجب (٢)؛ لقصة الأعرابي، وليس (٣) فيها أمر بالقضاء، وهذا الوجه ينبغي أن يطرح، فقد روي من وجوه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ (أمره أن يقضي (٤) يوما مكانه) رويناه في السنن الكبير (٥) بإسناد جيد (٦)، ورويناه في سنن أبي داود (٧) بنحوه، والله أعلم. وقد قطع صاحبا "المهذب" (٨) و"التهذيب" (٩) بالقضاء فلم يذكرا فيه (١٠) خلافا (١١)، والله أعلم.

стр. 1058

والمذكور في الكتاب من قصة الأعرابي (١)، وقع فيه زيادة غير صحيحة، وحديثه ثابت في الصحيحين (٢)، وغيرهما (٣) عن أبي هريرة وغيره، فقوله (أهلكت) (٤) لفظة وقعت في رواية ضعيفة (٥)، لا يثبتها أصحاب الحديث، ذكر ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي (٦).

стр. 1059

و (١) قوله: "فوضع يده على سالفته وقال: لا أملك رقبة إلا هذه" لا تعرف (٢). و (٣) قوله: "وهل أتيت إلا من الصوم" لا يعرف أيضاً (٤)، والمذكور بدله (٥) في الروايات المعروفة، أنه "لا يستطيع (٦) ذلك". "والسالفة" هي صفحة العنق (٧) كما سبق شرحه في سنن الوضوء. وأما قوله: "ما بين لابتيها" فالمدينة - حرسها الله تعالى - بين لابتين، واللابتة (٨) عبارة عن الأرض الملبسة بالحجارة السود (٩).

стр. 1060

"والعَرَقُ" بفتح العين، والراء المهملتين (١)، وقد يقال: بإسكان الراء، وهو عبارة عن الزنبيل المعمول من الخوص (٢). وقد روي في بعض روايات الحديث، أن العَرَق، هو المكتل الضخم، والمكتل، والزنبيل، والقُفَّة بمعنى واحد (٣)، والله أعلم. وإذا وقفت على ما بيناه في الحديث (٤) ظهر لك أن الإشكال المذكور الناشئ من تجويز ترك الصوم؛ لشدة الغُلْمَة (٥) مندفع لما ذكرناه من عدم ثبوت ذلك في الرواية، وهكذا (٦) الإشكال السابق من كونه لم يأمره بالقضاء، لما رويناه من أنه أمره بالقضاء. وأما الإشكال الآخر في تفريق الكفارة على أهله، وعياله، والإشكال الآخر في أنه لم يبين له بقاء الكفارة (٧) في ذمته، فهما مندفعان، بأن هذه قضية عين، وقضايا الأعيان قد تمهد في فن الأصول، أنه لا يعم

стр. 1061

حكمها (١)؛ لتطرق الاحتمالات إليها، فمن المحتمل ها هنا أنه صرف ذلك إلى عياله صدقة عليهم، لفقرهم، لا كفارة، وإنه إنما لم يبين (٢) له استقرار الكفارة في ذمته تأخيرا لذلك إلى وقت الحاجة إلى بيان (٣) ذلك، وهو وقت الأداء عند القدرة، أو لأنه اقترن بحاله ما أشعر بأن ذلك غير خافٍ عليه (٤)، فالصحيح إذاً في ذلك بقاؤها في ذمته (٥). والجريان على مقتضى القياس في الأمور المذكورة لما ذكرناه، لا لما ذكره صاحب الكتاب من جعل ذلك خاصة للأعرابي (٦)، فإنه لا ضرورة تدعو إليه، والله أعلم. ما ذكره من كلمة "التشويش" ينبغي أن تبدل بالتهويش (٧)، فإن "التشويش" عامي يأباه العلماء باللغة (٨)، والله أعلم.

стр. 1062

قوله في الفدية "مصرفها مصرف الصدقات" (١) ليس المراد بالصدقات فيه الزكوات، حتى يجوز صرفها إلى أصنافها، وإنما المراد بذلك صدقات التطوع، ومصرفها الغالب (٢) المساكين، والفقراء كسائر الكفارات (٣). وتخصيصها بالمسكين مذكور في "الوسيط" (٤) في بابها، وذلك لتعيين (٥) المسكين في النصوص الواردة في الغالب (٦) من أنواع ذلك، وحيث اقتصر على ذكر المسكين (٧) أو الفقير فهو شامل للنوعين الفقراء (٨)، والمساكين كما في الوصية (٩)، والله أعلم. قوله: "من تعدى بترك الصوم، ومات قبل القضاء، أخرج من تركته مدّ لكل يوم، وفي القديم أنه يصوم عنه وليه" (١٠).

стр. 1063

قلت: ليس نصه في القديم هكذا جزما بذلك (١) بل معلقاً، فإنه قال فيه: "وقد روي في الصوم عن الميت شيء، فإن كان (٢) (٣) ثابتا صيم عنه كما يحج عنه (٤)، وأما في الجديد فإنه جزم بأن لا يصام عنه (٥)، وأخذ يضعف ما كان قد بلغه (٦) مما روى في جواز الصوم عن الميت، وكلامه في ذلك كلام من لم تبلغه الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك منها: حديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من مات وعليه صوم، صام عنه وليه) أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (٧). وأخرجا (٨) في صحيحيهما (٩) حديث ابن عباس ﵄، ومسلم (١٠)

стр. 1064

في صحيحه (١) من حديث بريدة بن الحصيب (٢) عنه ﷺ ، أنه أمر امرأة ماتت أمها، وعليها صوم بأن تصوم عن أمها). وعند هذا ينبغي لمن اطلع على هذا من أصحابه أن يقطع بأن (٣) مذهبه أن (٤) يصام عنه قولاً واحداً (٥)؛ لكونه اعتمد في عدم قوله بذلك على عدم ثبوت الحديث الوارد به، وقد بيّنت (٦) ثبوت الأحاديث الواردة بذلك، ولأنه ﵀ أوصى أصحابه بأنه متى ثبت على خلاف قوله، فليدعوا قوله ويعملوا بالحديث (٧)، وقد سلك الأصحاب هذا المسلك في مسألة التثويب (٨) في الأذان وغيرها (٩).

стр. 1065

وقد قال القائم بنصرة مذهبه (١) من حيث الحديث الصحيح "لو وقف الشافعي على جميع طرق هذه الأحاديث وبظاهرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى" (٢). وأما (٣) ما احتجوا به من (٤) نصرة القول الجديد بما (٥) روي عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : (فيمن مات وعليه صيام رمضان، أنه يطعم عنه مكان (٦) كل يوم مسكين)، وفي رواية (مد من حنطة) (٧) فهو غير ثابت عند

стр. 1066

أهل (١) الحديث مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ ، وإنما هو من قول ابن عمر ﵄، ولا يقدح في حديث ابن عباس وعائشة ﵄ ما ورد عنهما من (٢) أنهما أفتيا في ذلك بالإطعام (٣)، فقد قال: (الفقيه الحافظ أبو بكر) (٤) البيهقي: "من يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه" (٥)، ثم إنه تقرر في أصول الفقه أن فتيا الراوي للحديث بخلافه لا يقدح فيه (٦). إذا وضّح هذا، فالولي المذكور في الحديث أنه يصوم عنه الأقرب أن المراد به القريب (٧)، فإن الوليَّ (٨) (مأخوذ من الولي) (٩) على مثال الرمي،

стр. 1067

وهو القرب (١)، ويحتمل أن يكون عبارة عن الوارث (٢)، فإن الورثة أولياء الميت في تركته، وهم الذين يطعمون عنه على تقدير الإطعام، ولم نجد لأحد من الأصحاب في ذلك قولا جازما، وتردد إمام الحرمين (٣) في أنه الولي الذي يلي أمر المولى عليه، وهو القريب، أو هو الوارث، أو (٤) هو العصبة (٥)، وقال: لا نقل عندي فيه، وليس معنا في معناه ثبت نعتمده (٦)، والله أعلم. ثم إن القول بجواز صوم الولي عنه ليس مخصوصا بالمتعدي بالإفطار كما يفهم من ظاهر إيراده في الكتاب، بل هو منقول أيضاً في المعذور الذي لم يتمكن من القضاء حتى مات، والراد به أنه يجوز صوم الولي عنه، وإن لم يلزمه (٧)، والله أعلم. قوله في الحامل والمرضع: "إذا أفطرتا خوفا على ولديهما، قضتا، وافتدتا (٨) عن كل يوم مدا كذلك ورد به (٩) الخبر" (١٠).

стр. 1068

يعني بالخبر ما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله ﵎: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (١)، أنها (٢) منسوخة إلا (٣) (في الحامل) (٤) (٥)، والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا، وأطعمتا مكان كل يوم مسكينا) رواه أبو داود وغيره (٦). وهذا هو الصحيح من الأقوال عند صاحب الكتاب (٧)، ولذلك أفتى به أولاً، ثم حكى أن فيه قولاً ثانياً، وثالثاً، وعند القاضي الروياني (٨): الأصح أن الفدية (٩) لا تجب (١٠)، والاختيار الأول أولى، والله أعلم.

стр. 1069

قوله في تعليل أحد الوجهين: أن الفدية لا تجب على العاصي بالإفطار؛ "لأن الفدية لا تكفر عدوانه" (١). إن قلت: هذا لا يليق بأصلنا، فإنا قسنا قتل العمد على الخطأ في إيجاب الكفارة، ولم نبال بقول الخصم في الفرق أن جريمة قتل العمد عظيمة لا تكفرها الكفارة. قلت: ولا سواء، فإن (٢) الفدية مد من طعام فهي تتضاءل جداً عن جريمة تعمد الإفطار في صوم رمضان المعظم، ولا كذلك كفارة القتل المشتملة على إعتاق الرقبة الموجب إعتاق كل عضو من المعتق بكل عضو منها (٣) من النار، كما نطق به الحديث الصحيح (٤)، وإطلاقه شامل لجريمة القاتل المتعمد، فالعتق إذا يكفر كلها، أو جلها، وهذا الوجه هو الصحيح (٥) عند

стр. 1070

إمام الحرمين (١). والأصح عند صاحب "التهذيب" (٢) (وجوب الفدية و) (٣) هو الأظهر (٤)، والله أعلم. الأصح فيمن أفطر؛ لتخليص الغريق (٥) أنه تلزمه (٦) الفدية (٧)، والله أعلم. قوله فيمن لزمه قضاء صوم (٨) من رمضان، وتمكن منه (٩)، فأخره حتى أدركه رمضان آخر "عصى، وأخرج لكل (١٠) يوم مدا (١١) للخبر" (١٢). فالخبر إنما هو في إخراج المد عن كل يوم، وليس فيه ذكر العصيان.

стр. 1071

ثم إنه عن ابن عباس (١) وأبي هريرة موقوفاً عليهما (٢)، ومنهم من رواه عن أبي هريرة مرفوعاً إلى (٣) رسول الله ﷺ ، ولا يصح رفعه، فالاحتجاج به إذا (٤) إنما (٥) يكون بواسطة الانتشار من غير نكير، أو يكون (٦) لكون ذلك مما لا يدرك إلا بالتوقيف. ثم إنه يبقى ما ذكره هو وآخرون (٧) من التعصية مفتقرة (٨) إلى دليل، ولا يلزم من مطلق وجوب الفدية تعصيته.

стр. 1072

قلت: يلزم ذلك من وجوب الفدية ها هنا؛ لأنها لتأخير القضاء لا بدلا عن نفس الصوم، فلو لم يكن تقديم (١) القضاء واجبا لما وجب (٢) عنه بدل، وهو الفدية، والله أعلم. الأصح عند شيخه (٣) أن الفدية تتكرر بتكرر السنة في التأخير (٤)، والله أعلم. قوله: "الشيخ الهم (٥) إذا أخر المد عن السنة الأولى ففي لزوم مد آخر للتأخير وجهان" (٦)، هذا لم نجده (٧) لغيره، ولم يذكره هو في "البسيط" فهو شذوذ منه، وكأنه من تصرفه، ولا وجه لإلحاق الفدية بنفس الصوم في ذلك مع قيام الفارق ووضوحه (٨)، والله أعلم. الأصح أنه يكره الإفطار بغير عذر في صوم التطوع (٩)، والله أعلم.

стр. 1073

قوله: "أما صوم القضاء فما (١) يجب على الفور يلزم (٢) إتمامه عند الشروع، وما هو على التراخي، فيجوز الإفطار فيه" (٣). أراد بما يجب قضاؤه على الفور ما وجب بسبب هو عاص به، أو مقصر (٤)، كذا قال في "البسيط" (٥)، وبما (٦) هو على التراخي ما إذا أفطر بعذر، وهذه طريقته في طائفة، وهي الصحيحة (٧). وليس المختار ما اختاره صاحب "التهذيب" (٨) ومن وافقه من أن الجميع على (٩) التراخي (١٠). وأما ما ذكره من جواز الإفطار بعد الشروع في القضاء الواجب على التراخي، هو قول القفال في طائفة (١١).

стр. 1074

والمذهب المنع من ذلك على ما سبق بيانه في باب التيمم (١). قوله: "أيام البيض" (٢) الصواب فيه إضافة أيام إلى البيض أي الليالي البيض (٣)، وهي ثلاث (٤) عشرة، وليلة أربع عشرة، وليلة خمس عشرة (٥)، ومن يقول الأيام البيض، بالألف واللام (في الأيام) (٦) فهو مخطئ، والله أعلم. قوله: "وصوم الدهر مسنون بشرط الإفطار، يومي العيد، وأيام التشريق" (٧). هذا الكلام يتضمن تصور صوم الدهر مع الإفطار في بعضه، وذلك خلاف الحقيقة، ووجهه (٨) أن يجعل الدهر فيه عبارة عن جميع الأيام التي يجوز صزمها على طريق التجوز، و (٩) لا على جميع الأيام على الإطلاق (١٠)، والله أعلم) (١١).

стр. 1075

ومن كتاب الاعتكاف ما ذكره من حديث (من أحيى ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) (١) قد (٢) سبق الكلام فيه في باب صلاة العيدين (٣). والله أعلم. قوله في ليلة القدر: (وميل الشافعي إلى ليلة الحادي والعشرين لحديث ورد فيه) (٤) يعني به حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي عن مالك (٥)، وأخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (٦)، وفيه أنه ﷺ قال: (أُرِيتُ هذه

стр. 1076

الليلة ثم أُنسيتها، ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فالتمِسوها في العشر الأواخر، والتمسوها فى كل وتر). قال أبو سعيد: (فمطرت (١) السماء في تلك الليلة) يعني ليلة إحدى وعشرين - وكان المسجد على عريش فَوَكَفَ (٢) المسجد - قال: (فأَبْصَرَتْ عينايَ رسول الله ﷺ انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين، (٣) صبيحة إحدى وعشرين). ونصُ (٤) الشافعي ﵀ في "المختصر" (٥) أصح مما نقله، قال فيه: "ويشبه أن يكون في ليلة إحدى (٦) وعشرين، أو ثلاث وعشرين"؛ وذلك أنه ورد في ليلة ثلاث وعشرين حديث (٧) صحيح، أخرجه مسلم (٨) من (٩) حديث عبد الله بن أُنيس (١٠) بنحو حديث أبي سعيد. والله أعلم.

стр. 1077

وقوله: "وقيل: إنها في جميع السنة" (١) يوهم أن ذلك وجه لبعض الأصحاب، وليس كذلك، وإنما هو رواية عن أبي حنيفة (٢). وقوله: "وقد قال الشافعي: لو قال في نصف رمضان: امرأتي طالق في ليلة القدر، لم تطلق ما لم تنقض سنة؛ لأن كونها في جميع الشهر محتمل، والطلاق لا يقع بالشك، وليس على انحصارها (٣) في العشر الأخير (٤) دليل ظاهر" (٥). هذا شذوذ منكر لا يوجد في كتب المذهب، والمنقول المقطوع به في كتب المذهب أنه لو قال: أنت طالق في ليلة القدر قبل العشر الأواخر، طلقت بانقضائها، وإن قال ذلك بعد مضي بعض لياليها لم تطلق إلى أن تمضي سنة من حينئذٍ (٦). والذي نقله شيخه في "النهاية" (٧) عن نصِّ الشافعي أنها تطلق بانقضاء العشر، لا كما نقله هو. ونقل ذلك صاحب "المهذَّب" (٨) عن أصحابنا مطلقاً من

стр. 1078

غير استثناء أحد منهم، وكما أن ما (١) ذكره غير صحيح من جهة النقل، فهو غير صحيح من جهة التوجيه؛ إذ لا يستقيم قوله في توجيه (٢) ذلك: "الطلاق لا يقع بالشكِّ، وليس على انحصارها في العشر الأخير دليل ظاهر"؛ إذ على انحصارها فيها أخبار صحيحة معروفة ظاهرة، فليس ذلك إيقاعاً للطلاق بالشكَّ، بل بالظنِّ الغالب، وقد قال في ذلك شيخه الإِمام - رحمهما الله وإيَّانا -: "الانحصار في العشر الأواخر مذهب ثابت، والطلاق يناط وقوعه بالمذاهب المظنونة" (٣) والله أعلم. ولقد قضيت زماناً عجباً (٤) من وقوع مثل (٥) هذا في هذا الكتاب، مع (٦) جلالة مؤلفه ﵀ وإيَّانا - فظننت من بعد أنه كان ينقل عند التصنيف مما كان قد علَّقه هو، أو بعض رفقائه في الابتداء زمان التحصيل، من تدريس الإِمام شيخه لـ "نهاية المطلب"، وكانت العادة جارية بمثل ذلك، وكثيراً (٧) ما يقع في التعاليق إسقاط (٨)، أو تغيير، وتحريف (٩)؛ لكون المعلِّق إنما يكتب ما يعلِّقه من حفظه، والحفظ خوَّان، وقد يزول سمعه عن بعض المذكور، لا سيما

стр. 1079

عند الجريان في ميدان البيان. فكان هذا الذي نقله، وذكره ههنا من تحريف التعليق، لما ذكره شيخه في "النهاية" (١) من أن الشافعي له مذهبان: أحدهما: انحصار ليلة القدر في العشر الأخير (٢). والثاني: تعيينه ليلة الحادي والعشرين، أو ليلة الثالث والعشرين. وبين مذهبيه فرق، يظهر أثره في مسألة الطلاق المذكورة، من حيث إنه لا يحكم بوقوع الطلاق بانقضاء ليلة الحادي والعشرين، ولا بانقضاء ليلة الثالث والعشرين، ويحكم بوقوعه بانقضاء العشر، من حيث إن مذهبه في انحصارها في العشر ثابت، وهو على التردد في تعيين إحدى الليلتين، والله أعلم. ما ذكره من جعله أركان الاعتكاف أربعة: أحدها: الاعتكاف (٣). وجهه: أن الاعتكاف المحسوس جزء من الاعتكاف المشروع فلم يمتنع كونه ركناً فيه. وقد وجَّهنا في أول باب الاستقبال ما جرت عادته به في الأركان المذكورة، في صدور الأبواب (٤)، والله أعلم.

стр. 1080

قوله (١) فيما إذا نذر اعتكافاً مطلقاً: "وقيل: لا بدَّ من يوم، أو ما يدنو منه، وهو مذهب أبي حنيفة" (٢). المنقول عن أبي حنيفة أنه لا يجزئ أقل من يوم (٣)، والله أعلم. قوله: "كانت عائشة ترجِّل رأس النبي ﷺ " (٤). ورد به حديث صحيح (٥)، معناه: أنه (٦) ﷺ كان يخرج من المسجد رأسه إليها، وهي خارجة منه في حجرتها، فترجِّل شعره، أي تمشطه بماء، أو دهن، أو غيرهما، والله أعلم. قوله (٧): "وفي مقدمات الجماع كالقبلة والمعانقة قولان: أحدهما: أنه يحرم، ويفسد كما في الحجِّ. الثاني: لا، كما في الصوم" (٨).

стр. 1081

هذا من عقد هذا الكتاب، ومشكلاته؛ لما فيه من الجمع بين الاعتكاف والحجِّ في الإفساد بذلك، ومن المعلوم أن الحجَّ لا يفسد بذلك، وإنما تجب به الفدية فيه (١). فأقول - وأسأل الله التوفيق -: معناه أن المباشرة تخلُّ بالاعتكاف، كما تخلُّ بالحجِّ، فالجمع بينهما وقع في مطلق الإخلال، دون خصوص إخلال الفساد، ثم إذا ثبت ههنا بالقياس أصل الإخلال، ثبت كونه بالإفساد لا بالقياس (٢) بل باعتبار تعيُّنه (٣) طريقاً في الاعتكاف إلى ثبوت الخلل بخلاف الحجِّ، فإنه أمكن فيه إثبات خلل (٤) بالجبران (٥) بالفدية. والله أعلم. ثم إنه وقع منه (في هذه المسألة أمران آخران غير مرضيين: أحدهما: إجراؤه الخلاف في) (٦) التحريم، والإفساد معاً، والتحريم مقطوع به لا خلاف في ثبوته في الطريقتين: الخراسانيَّة، والعراقيَّة، فيما وجدناه (٧). والثاني: أنه في "البسيط" (٨) ضبط ما يفسد به الاعتكاف على أحد القولين، وما تجب به الفدية في الحجِّ بكل لمس ينتقض به الطهر.

стр. 1082

واتبع في ذلك شيخه الإِمام (١)؛ فإنه ضبط البابين جميعاً باللمس الذي ينقض الوضوء نفياً وإثباتاً، وخلافاً ووفاقاً. وذلك بعيد مخالف لما ذكره غيرهما من التخصيص باللمس بشهوة (٢) والله أعلم. والصحيح عدم الإفساد عند عدم الإنزال (٣)، والله أعلم. قوله: "وقال أبو حنيفة: الصوم شرط في صحته حتى لا يصح (٤) اعتكاف ليلٍ منفرد ما لم يصم بالنهار، وهو قول قديم للشافعي - رحمهما الله -" (٥). هذا فيه نظر؛ فإن شيخه حكى عن أبي حنيفة أنه قال: لا اعتكاف إلا بالصوم، وقال: ثم ناقض، وقال: لو اعتكف يوماً مُحْتَوِشاً بليلتين صحَّ اعتكافه في اليوم والليلتين (٦)، وإن كانت (٧) الليلة لا تحتمل الصوم.

стр. 1083

قال: "وحكى الأئمة قولاً للشافعي في القديم في اشتراط الصوم في الاعتكاف، ثم قال الأئمة: إذا فرَّعنا على القديم لم نصحِّح (١) الاعتكاف في الليل لا تبعاً، ولا منفرداً" (٢) والله أعلم. "إذا نذر أن يعتكف يوماً صائماً" (٣) فالأصحُّ أنه لا يجزئه إفراد الصوم عن الاعتكاف (٤)، وروي ذلك عن "الأم" (٥)؛ لأن الاعتكاف مع الصوم أفضل. وقوله فيه: "وفي لزوم الجمع قولان" غيره يقول: فيه وجهان (٦). ووجه ما قاله: أنه (٧) إذا كان أحدهما منصوصاً عليه في "الأم" كما حكيناه، كان الوجه الآخر قولاً مخرَّجاً على ما عرف، فيحصل قولان: أحدهما: منصوص، والآخر مخرَّج. وقوله في تعليل لزوم الجمع: "لتقارب العبادتين؛ كما في الحجِّ والعمرة".

стр. 1084

معناه: أن الصوم والاعتكاف كلاهما إمساك، وكفٌّ، فكان جمعهما مما يلزم (١) بالنذر، كما لو نذر أن يقرن بين الحجِّ والعمرة، وهذا قد ذكره شيخه (٢). وفي لزوم القِران بين الحجِّ والعمرة بالنذر حتى لا يجزيء الحجُّ والعمرة مفردين، مع أن الإفراد أفضل (٣)، إشكال: ولعل وجهه: أن بين القِران والإفراد تغايراً، كتغاير النوعين إذ من أفعاله ما يتصف بكونه من الحجِّ ومن (٤) العمرة جميعاً، ولو نذر نوعاً من العبادة لم يجزئه نوع آخر، وإن كان أفضل منه؛ كما لو نذر عمرة لم يجزئه حجٌّ، والله أعلم. الخلاف (٥) الذي (٦) ذكره في تجديد النيَّة إذا نوى الاعتكاف زماناً معيَّناً نحو شهر، ثم خرج، ثم عاد (٧)، الأصح منه الثالث - وهو أنه إن خرج لقضاء حاجة الإنسان لم يلزمه تجديد النيَّة، وإن خرج لغرض آخر لزمه (٨). والله أعلم.

стр. 1085

وقوله: "مهما نوى الخروج من الاعتكاف، وهو في المسجد ففي بطلانه ما في بطلان الصوم" (١) يعني (٢) لتساويهما في أنهما إمساك وكفٌّ، وليسا كالصلاة المفتقرة إلى لفظ تحلل، فيجري في بطلانه الوجهان: والأظهر البطلان (٣). قوله (٤): "يصح اعتكاف الرقيق، ولكن للسيِّد أن يخرجه مهما شاء. ويصحُّ اعتكاف المكاتب" (٥) لعله خصَّ المكاتب بالذكر بعد ذكره مطلق الرقيق؛ لانفراد المكاتب بأنه يصح اعتكافه، ويجوز حتى لا يتوقف على الأصح على إذن سيِّده، وليس له إخراجه (٦)، والله أعلم. ما ذكره من أن نصَّه على أن الردة لا تبطل الاعتكاف، متأول (٧) على أن الردة لا تحبط ما مضى (٨).

стр. 1086

ووجهه: أنه فرض الكلام فيما إذا لم يكن اعتكافه متتابعاً (١)، فله البناء إذا عاد على ما مضى؛ لأن الردة لا تحبط ما مضى من العبادة (٢). و (٣) أما قوله: "إن (٤) الأصح أنه يفسد بالردة، ولا يفسد بالسكر" فإنه اتبع في ذلك شيخه (٥)، وهو طريق شاذ لم نجده لغيرهما، ولو صحَّ نقله لم يصح تصحيحه، بل الأصح الإفساد فيهما (٦)؛ لأن كل واحد منهما من حيث المعنى أشد منافاة للاعتكاف من الخروج اليسير من المسجد، والله أعلم. قوله: "والجنابة في مدة العبور لا تفسد الاعتكاف" (٧) هذا وقع انفصالاً عن إشكال أُورد (٨) على ما سبق من ذكر الخلاف، في أن من (٩) باشر وأنزل هل يفسد اعتكافه؟. فقيل: أي وجهٍ للخلاف (١٠) في هذا مع أنه إذا أنزل فقد أجنب وصار اعتكافه مكثاً في المسجد محرَّماً، فلا يكون قربة، ويلزم من ذلك فساده (١١).

стр. 1087

فقيل: وجهه أن يبادر إلى الخروج عند طرآن الإنزال للاغتسال، فيكون ذلك عبوراً من الجنب جائزاً فلا يفسد به الاعتكاف (١)، والله أعلم. قوله: "اعتكاف المرأة في مسجد بيتها" (٢) بلغني عن الشيخ أبي الفتوح العجلي الأصفهاني ﵀ أنه قال (٣) مَسْجَد مفتوح الجيم، وكأنه أراد الفرق بين المسجد الشرعي، وغير الشرعي، ولا فرق بينهما من حيث اللغة بل فيه، فيهما لغتان: بكسر الجيم، وبفتحها (٤)، والله أعلم. الأصح من القولين (٥): أن مسجد المدينة، والمسجد الأقصى يتعيَّنان إذا عيَّنهما بالنذر (٦). والمعروف في المسجد الحرام القطع بأنه يتعيَّن (٧)، وحكايته الخلاف فيه غريب جداً (٨)، والله أعلم. قوله: "وأما الزمان فالمذهب أنه يتعيَّن كما في الصوم" (٩) قد ذكر في كتاب

стр. 1088

النذر (١) خلافاً في تعيين الزمان بالنذر في الصوم كهذا (٢) الخلاف. فإذاً قوله "كما في الصوم" تشبيه للاعتكاف بالصوم في جريان الخلاف فيهما، لا قياس للتعيين ههنا على التعيُّن هناك فاعلم، والله أعلم. إذا نذر اعتكاف يوم، وقلنا بالصحيح أنه لا يجزيء ساعات ملتقطة من أيَّام، فاعتكف من منتصف يوم إلى منتصف اليوم الثاني من غير أن يخرج ليلاً، فالأكثرون على أن ذلك يجزيء؛ لأنه سبب التواصل، يقال: اعتكف يوماً (٣)، وهذا إن شاء الله أصح (٤)، وإن كان قول أبي إسحاق: إنه لا يجزيء أوضح (٥)، والله أعلم. الأصح فيما إذا قال: لله (٦) عليَّ أن اعتكف العشر الأواخر (٧) متتابعاً، ففات، أنه يلزمه التتابع في قضائه (٨)؛ لأن تصريحه به يدل على قصده إيَّاه بالالتزام، فلزمه، والله أعلم.

стр. 1089

ذكر فيما إذا نذر اعتكاف [ثلاثة أيَّام] (١) مثلاً أن الأصح من الوجوه الثلاثة: أنه لا يلزمه اعتكاف الليالي التي بينها (٢)، وهذا هو الأظهر (٣) عند صاحب "المهذَّب" (٤)، لكن الأصح عند الأكثرين: هو الوجه الثالث - وهو (٥) أنه إن نذر التتابع فيها لزمه في (٦) لياليها، وإلا فلا (٧)، ومنهم من قطع به، وهذا الترجيح أرجح؛ لأن لفظ الأيَّام وإن لم يتناول لياليها (٨) فلفظ التتابع أو نيَّته يشعر بها، والله أعلم. قوله: "جاز الخروج لكل شغل ديني، أو دنياوي" (٩). هذه النسبة إلى الدنيا بالألف والواو من شذوذ النسب الجائز (١٠)، والله أعلم.

стр. 1090

وقوله: "ولا يجوز لأجل النَّظارة، والتنزه" (١). فالنَّظارة: بتخفيف الظاء، يستعملها العجم، يعنون بها النظر إلى ما يقصد النظر إليه، ولا أعرفها في اللغة (٢). ويجوز أن يقرأه "لأجل النَّظَّارة" بتشديد الظاء، فقد قال صاحب "صحاح اللغة" (٣) النَّظَّارة: القوم ينظرون إلى شيء. والله أعلم. أما التنزه: فالمراد به: التفرح (٤)، والخروج إلى مكان (٥) نَزِه (٦). ومن أهل اللغة من ينكره بهذا المعنى، ومنهم ابن السكِّيت (٧) قال: "مما تضعه العامَّة في غير موضعه قولهم: خرجنا نتنزَّه، إذا خرجوا إلى البساتين،
следующие страницы →