قوله: "ثم سقوط الطهوريَّة (١) باعتبار معنيين: أحدهما: تأدي العبادة به (٢). والآخر: انتقال المنع إليه ... إلى آخره" (٣) فيه إشكال وبحث من جهات ثلاث: إحداها: أن لفظه هذا يشعر بالجمع بين المعنيين في الاعتبار؛ إما بأن يكونا جزأي العلَّة، والعلَّة مجموعهما، وإما بأن (٤) يكونا علَّتين معاً مستقلتين حتى يكون ذلك من قبيل الحكم المعلَّل بعلَّتين معاً وذكر (٥) الشيخ أبو الفتوح العجلي الأصبهاني (٦) صاحب "حواشي الوجيز": أنه لم يجمع أحد في هذا (٧) التعليل بين المعنيين، بل اختلفوا في أنه بأيَّهما يعلَّل (٨). واتبعه على نحو (٩) ذلك صاحب "شرح الوجيز" أبو القاسم الرافعي القزويني (١٠) عَصْرِيُّنا -رحمهما الله - فقال:
стр. 107
"اتفقوا على أنهما ليستا علَّتين مستقلتين وإلا لما صار بعضهم إلى نفي الطهوريَّة في صورة وجود أحد المعنيين دون الثاني، وعلى أنَّهما ليستا جزأي علة واحدة وإلا لما صار بعضهم إلى إثبات الطهورية فيها" (١). وفسَّر العجلي قوله في "الوسيط" "باعتبار المعنيين": بأن العلة لا تخرج عنهما, ولا تعدوهما من حيث إن العلَّة أحدهما. ويتوجه ما قاله بأنه لمَّا كان كلُّ واحد منهما قد علَّل به معلِّل ساغ الجمع بينهما في الذكر. وهذا الاتفاق الذي ادَّعياه لم أجده منقولاً في كتب من تقدم من الأئمة، والاستدلال عليه (٢) باختلافهم في صورة انتفاء أحد المعنيين لا يصحُّ؛ فإن الخلاف (٣) يتصور فيها بأن يكون بعضهم علَّل بالمجموع فأثبت الطهورية عند انتفاء أحد المعنيين لانتفاء المجموع، وخالفه غيره فصار إلى أنَّ العلَّة المعنى الموجود دون الثاني، أو إلى أنَّ كلَّ واحد (٤) منهما علَّة مستقلة فنفى الطهورية لذلك، ويتصور الخلاف فيه أيضاً بأن يصير بعضهم إلى استقلال كل واحد منهما فينفى الطهوريَّة (٥)، ويصير آخر إلى أنَّ العلَّة المعنى المنتفي خاصة فلا ينفيها، ثم إنَّ المزني علَّل في "المختصر" (٦) بأنه ما أُدي به الفرض مرة. وهذا ظاهره التعليل بالمعنيين جميعاً؛ لأنَّ أداء فرض طهارة الحدث
стр. 108
من المسلم يشتمل على أداء (١) العبادة، وزوال المنع، وغسل الذمية التي تحت المسلم نادر يبعد أنَّه لاحظه في تعليله (٢)، ثم إنَّ في "البسيط" (٣) التصريح بأنه على أحد الوجهين: يعتبر مجموع الوصفين، والله أعلم.
ووقَّفني أيَّام مقامي بنَيسابور (٤) الشيخ أبو حامد الجاجرمي (٥) على المجلد الأول من "شرحه للوسيط" - وكان قد عمل بعضه - فوجدته يقول فيه: "إنَّ الأصحاب اختلفوا في العلَّة على ثلاثة أوجه: أحدها: قال بعضهم - وهو منقول عن المزني -: هي أنَّه (٦) أُدي به فرض الطهور". وذكر المعنيين الآخرين، ثمَّ جمعني وإيَّاه الطريق فقلت له: من أين ذكرت هذا؟ فقال في الخلاصة: لأنَّه أُدي به الفرض.
стр. 109
فقلت له: هذا في "مختصر المزني" ولا كلام فيه، وإنما الجمع بين الثلاثة هو الذي ما رأيت أحداً ذكره، ولعلَّك لما رأيت هذا مذكوراً، ورأيت الآخرَين مذكورين جمعت بينهما. فقال: يجوز. ثمَّ بعد ذلك (١) طالبته بإسناده إلى كتاب فلم يقم به، فقلت (٢) له: قد ذكره المزني، ولكن ليس ذلك معنىً ثالثاً؛ وإنما هو عبارة مختصرة عن المعنيين، والله أعلم.
ثمَّ إن قوله في "الوجيز" (٣): "لتأدي العبادة به (٤)، وانتقال المنع إليه" وقع هكذا بحرف الواو في أكثر النسخ، أو في كثير منها، وأبي الواو بمعناها من الجمع العجلي والرافعي بناءً على ما سبق، وهو متداول بين الطلبة، أما العجلي فقال: "الواو سهو من الكاتب، والصحيح أو (٥) ". وأما الرافعي فإنَّه أقرَّ الواو وجعلها بمعنى أو (٦). قلت: وهذا كالهوش (٧)؛ فإن الواو بمعناها من الجمع لا يزيد على لفظه في "الوسيط" المصرح بالجمع، فإذا كان ذلك محمولاً على أن المراد أن العلَّة لا تعدوهما كما سبق بيانه، كان ذلك بلفظ الواو بمعناها من الجمع محمولاً على مثل ذلك. وجمعني والرافعي ﵀ وإيَّانا - جامع
стр. 110
همذان (١) وهو قافل من الحج وأنا راحل إلى خراسان، فدار بيني وبينه في ذلك كلام لست أحصله الآن، والله أعلم.
الثانية: أن قوله: "انتقال (٢) المنع إليه" مستنكر من حيث إنه موهم أنه انتقل من أعضاء المحدث منعٌ قائمٌ بها إلى الماء المستعمل، كما تنتقل النجاسة من محلها إلى الماء المستعمل في إزالتها, وليس كذلك؛ لأنّ هذا المنع ليس شيئاً قائماً بالأعضاء حتى يوصف بالانتقال منها، إنما هو حكم من أحكام الشرع، ولو كان قائماً بها لكان في حكم العرض، والعرض لا يتصور انتقاله، وأيضاً فإن انتقال المنع يتوقف على سقوط الطهوريَّة فلا يكون علَّة له أو مشبهاً (٣) بالعلَّة له (٤). وهذه العبارة من تصرفه في "الوسيط" دون "البسيط"، وإنما عبَّر شيخه إمام الحرمين (٥) وغيره (٦) وهو في "البسيط" (٧) عن ذلك: بأداء الفرض، وذلك
стр. 111
شامل لغسل الذميَّة، وكذا وضوء الصبي، والوضوء للنافلة؛ لأنّ المراد بفرض الطهارة: ما لا يجوز الصلاة أو الوطء وغيرهما مما يتوقف عليها إلا به. لا ما يأثم بتركه (١)، والمُمكِّن في العذر عنه أن المراد بانتقال المنع: زوال منع من الأعضاء وثبوت منع آخر يماثله أو يقاربه في الماء، وتسمية ذلك نقلاً وانتقالاً كتسمية نسخ الكتاب نقلاً له، مع أنه ليس فيه انتقال المكتوب المنقول بعينه من موضع إلى موضع، وهذا أولى منه بذلك؛ إذ ليس في النسخ إلا إثبات المثل في محل آخر مع بقاء المنقول في محله، وهذا فيه إزالة المنقول من محله وإثبات مثله في محل آخر، فهو أقرب إلى النقل الحقيقي الذي يتوارد فيه الإزالة والإثبات على شيء (٢) واحد بعينه. وأما تعليل سقوط الطهورية به فوجهه ما يأتي في البحث الثالث، والإنصاف الاعتراف بأن قوله: "انتقال المنع إليه" تصرف منه غير لائق به و (٣) بفنِّه، والله أعلم.
الثالثة: في صلاحية المعنيين للتعليل، وقد يتخيل أنهما انما هما: أداء العبادة، وأداء الفرض، فيتجه أن يقال: ما أديت به العبادة، أو أُدي به الفرض فلا يؤدى به (٤) ذلك مرة أخرى حتى يتجدد ما تعود به صلاحيته كالعبد أو الطعام تؤدى به الكفارة، لا تؤدى به الكفارة مرة أخرى حتى يتجدد ما تعود به صلاحيته وهو تجدد الملك هناك، وتجدد الكثرة ببلوغه قلتين ههنا. وذكر
стр. 112
الإمام أبو المعالي في "نهاية المطلب" (١) أن الأئمة ذكروا الأمرين لضبط المذهب، وخرَّجوا عليهما المتفق عليه والمختلف فيه، وقال: "المسلكان جميعاً لا يصلحان لإثبات أصل المذهب، وإنما معتمد المذهب ما قدمناه من التمسك بسيرة الماضين، ولكن ما كان فرضاً وعبادة فلا استرابة في أنه المستعمل الذي استدْللنا فيه بعادة الماضين، وما وجد فيه أحد هذين المعنيين تردد الأصحاب فيه، وليس منع استعمال (٢) المستعمل مما يربط بمعنى صحيح على السير"، والله أعلم.
قوله: "لأنّ تلك القوة في حكم خصلة لا تتجزأ" (٣) فقوله: تلك القوة إشارة إلى ما ذكر من القوَّتين (٤) فالمَعْني إذاً بالقوة جنس القوى، وقوله لا تتجزأ أي ثبوتاً وارتفاعاً فإذا ارتفع بعضها ارتفع كلُّها بدلالة الأدلة المعتمد عليها في أصل الباب (٥).
стр. 113
قوله: "فيما إذا بلغ الماء المستعمل قلَّتين فيه وجهان: أحدهما: يعود طهوراً كالماء النجس إذا بلغ قلَّتين، ولأن الكثرة تدفع حكم الاستعمال فإذا طرأت قطعت حكمه كالنجاسة" (١) اشتمل هذا على علتين وقياسين، أحدهما: يرتفع حكم الاستعمال بالكثرة كما يرتفع حكم النجاسة بها وأولى؛ لأنها أغلظ منه، فهذا إلحاق للرفع بمثله من الرفع. والثاني: الكثرة تدفع حكم الاستعمال إذا طرأت كما تدفعه إذا قارنت (٢)، فهذا إلحاق الدفع بالدفع، ووجهه أن الدفع دلَّ على المنافاة بينهما (٣)، ويلزم منها الرفع أيضاً (٤)، ويتأكد أيضاً ذلك بالنجاسة من حيث إنَّا سوَّينا فيها بين الرفع والدفع، فإلحاق هذا بها (٥) أولى من إلحاقه بالعدة والإحرام (٦) الذَين لم يلحق الرفع فيهما بالدفع؛ لتباعد ذينك النوعين (٧) وتقارب نوعي الطاهريَّة (٨) والطهوريَّة، والله أعلم.
стр. 114
قوله: "إذا انغمس الجنب في ماء قليل وخرج ارتفعت جنابته، وصار الماء مستعملاً. وقال الخضري (١): لا ترتفع جنابته" (٢) صورته: ما إذا انغمس ناوياً (٣)، فأما إذا لم ينوِ حتى استوى عليه الماء (٤) ارتفعت (٥) بلا مخالفة فيه من الخضري (٦). وقوله "وخرج" ليس شرطاً في ارتفاع جنابته؛ فإن جنابته ارتفعت قبل خروجه بوصول الماء إلى جميع بدنه، وإنما هو شرط في مجموع الحكمين المذكورين، وحاصله راجع إلى اشتراطه (٧) في الثاني منهما وهو صيرورة الماء مستعملاً، فإنَّ الانفصال شرط فيه (٨). قلت: ثمَّ إنهم إنما أخروا الحكم بالاستعمال إلى انفصال الماء عن الجميع لما ذكروه (٩) من أنه لو صار مستعملاً بملاقاة أول جزء من البدن لارتفاع حدث ذلك الجزء، لاحتاج في كل جزء إلى
стр. 115
ماء جديد وذلك حرج، فتأخر لذلك الحكم بالاستعمال إلى الانفصال، وإلى خروج المنغمس من الماء، وهذا يحصل بدون ذلك بأن يؤخر ذلك إلى وصول الماء إلى جميع بدنه وإن لم يخرج بعد، فينبغي إذاً أن يحكم بالاستعمال قبل خروجه عند ارتفاع الجنابة عن جميع بدنه، وهكذا يلزم في الذي يصب الماء عليه أن نحكم فيه بالاستعمال عند تكامل وصول الماء إلى عضوه أو أعضائه وإن لم ينفصل بعد، هذا مشكل (١) لم أجد لهم جوابًا عنه (٢) والممكِّن فيه أن الاستعمال صورة مستمرة إلى الانفصال فيسوَّى بين الجميع في هذا الحكم، ويلحق ما بعد زوال الحدث منه بما قبله في ذلك تبعًا (٣) كما ألحقت التسليمة الثانية في عدَّها من الصلاة بما قبلها تبعًا، وإن خرج من الصلاة بالتسليمة الأولى (٤)، وحكم الاستعمال مستنده إجماع من تقدم كما تقدم (٥) ولم يثبت ذلك عنهم إلا فيما بعد الانفصال، وهذا كله على ما عرف من (٦) أن الحدث يرتفع عن كل عضو باستتمام غسله، ولا يتوقف على تمام وضوئه (٧)، فلا نقول: إنَّ ارتفاع الحدث عن وجهه يتأخر إلى تمام وضوئه، كما قاله (٨) الإمام
стр. 116
أبو المعالي في "نهاية المطلب" (١) مستدلاً بامتناع مسَّ المصحف بوجهه قبل تمام وضوئه، فإنَّ هذا بعيد عجيب مخالف للمعروف (٢) ولقاعدة المذهب، وإنما امتنع مسُّ المصحف لأن شرطه تمام الطهارة في جميع بدنه، والله أعلم.
قوله في قول الخضرى: "هو غلط" (٣) يتضمن أنه ليس معدودًا وجهًا في المذهب، وأن المسألة لا خلاف فيها في المذهب، فاعرف ذلك فيه وفيما يرد عليك من أشباهه، وأيضًا فقد نُقل عن الخضرى أنه رجع عنه لمَّا عرف أنه خلاف النصِّ (٤). وهو الخضري بكسر الخاء وإسكان الضاد، وهو أبو عبد الله محمَّد بن أحمد من أئمة مرو (٥)، والله أعلم.
قوله: "إن (٦) غفل عن رفع الحدث وقصد الاغتراف" (٧) استبعد شيخه (٨) تصور هذا، فإن من ينقل الماء من الإناء فقصده الاغتراف لا غسل اليد في الماء
стр. 117
الذي في الإناء، وقد قطعا - رحمهما الله وإيَّانا - (بأنه) (١) إذا قصد الاغتراف لم يصر مستعملاً (٢)، ولم يخرِّجاه على الخلاف فيما إذا قصد التبرُّد في أثناء الوضوء عند غسل بعض الأعضاء (٣)، فأحد الوجهين أنه لا يعتبر القصد الطارئ، وتراعى نية رفع الحدث السابقة فيرتفع (٤) الحدث؛ لأنَّ بقاءها حكمًا كبقائها حقيقة، وهذا كذلك، وينبغي أن يقال: إن ضمَّ إلى قصد الاغتراف قصد أن لا يرفع به حدث الكفِّ قطعنا بأن لا يرتفع (٥) حدثها من غير خلاف (٦)، وإن اقتصر على قصد الاغتراف ولم يتعرض لرفع الحدث بنفي ولا إثبات فينبغي إجراء ذلك الخلاف فيه. وهذا التفصيل يجري مثله في مسألة نية التبرُّد الطارئة (٧)، ونية التنفُّل في
стр. 118
مسألة إغفال اللُمعة (١)، والله أعلم. و (٢) إذا غفل عن القصدين فقد قطع شيخه بأنه يصير مستعملاً (٣). وقال هو من عنده: "ويتجه أن يقال: هيئة الاغتراف صارفة للملاقاة إلى هذه الجهة بحكم العادة فلا يصير مستعملاً" (٤) وهذا لا يتجه بمجرد الهيئة العارية عن قصد الاغتراف مع بقاء ما سبق من قصد رفع الحدث حكمًا (٥)، وإنما اتجاهه بما ذكره في الدرس (٦) من أنه لما جلس من الابتداء للوضوء فهو ناوٍ للوضوء والاغتراف معًا فاصطحبت النِّيتان، والهيئة الآن تخص جهة الاغتراف، وتمسَّك أيضًا بحال الأوَّلين (٧)، والله أعلم.
стр. 119
قوله: "القسم الثاني: ما تغيَّر عق وصف خلقته ولكن تغيرًا يسيرًا (١) لا يزول به اسم الماء المطلق" (٢) أراد بكونه يسيرًا: كونه لم يسلب إطلاق اسم الماء وإن كان تغيرًا كثيرًا فاحشًا من حيث الصورة، كما في المتغيِّر بطول المكث (٣)، والمتغيِّر بما يجاوره (٤)، والمتغيِّر بما يجري عليه في مقره (٥)، فكل ذلك يطلق عليه أهل اللسان اسم الماء وإن تفاحش تغيُّره (٦)، والله أعلم.
قوله: "والنورة" (٧) ليس المراد به النورة المعروفة المحرَّقة بالنَّار (٨)، وإنما النورة ههنا: حجارة رخوة فيها خطوط بيض إذا جرى عليها الماء (٩) انحلت فيه (١٠)، وهي مذكورة في "نهاية المطلب" في الرمي في الحج (١١)، والله أعلم.
стр. 120
قوله: "نعم في المشمَّس كراهيَّة من جهة الطبَّ" (١) هذه الكراهيَّة إذا أثبتناها على المشهور عند الأصحاب (٢)، فهل هي كراهيَّة شرعيَّة أو كراهيَّة إرشاديَّة؟ فيه وجهان:- والفرق في فنَّ أصول الفقه (٣) بينهما: أن الكراهيَّة الشرعيَّة يتعلق فيها الثواب بالترك. وكراهيَّة الإرشاد لا يتعلق بها ثواب على الترك، وفائدتها دنيويَّة لا دينيَّة، وهي مثل كراهيَّة النبي ﷺ أكل التمر لصهيب وهو أرمد (٤). أحدهما: أنها كراهيَّة إرشاديَّة من جهة الطبَّ، وهذا هو طريقة صاحب هذا (٥) الكتاب، وأفصح عنه في التدريس (٦) وهو ظاهر كلام الشافعي (٧). والأظهر والوجه الثاني: أنها كراهيَّة شرعيَّة، وهذا طريقة صاحب "الحاوي" (٨)، وصاحب "المهذب" (٩)،
стр. 121
وغيرهما (١)، والله أعلم.
قوله: "لأنَّ حمي الشمس يفصل من الإناء أجزاء تعلوا الماء كالهباء" (٢) حمي الشمس بفتح الحاء وإسكان الميم على مثال الرمي، حكاه الأزهري في "تهذيب اللغة" (٣) وغيره (٤)، يقال: حميت الشمس تحمي حميًا (٥). والهباء بفتح الهاء والباء الموحدة والمدِّ هو ما يدخل من الكوَّة (٦) مع ضوء الشمس شبيه بالغبار (٧)، والله أعلم.
الأواني المنطبعة (٨): هي التي تطرق بالمطارق، من نحاس وغيره (٩).
قوله (١٠): "ولعله لا يجري في الذهب والفضة" (١١) ليس فيه جزم بالحكم، وقد
стр. 122
جزم غيره فقال الشيخ أبو محمَّد الجويني: "يجري فيهما أيضًا" (١). وقال الصيدلاني أبو بكر (٢): "لا يجري فيهما وفيما عدا النُّحاس" (٣)، وخصَّص النُّحاس بالاعتبار. والتخصيص بالنُّحاس موجود أيضًا في "تعليقة" القاضي حسين (٤)، وفي "التتمة" (٥)، و"التهذيب" (٦)، وغيرها (٧)، والله أعلم.
قوله: "ولأنَّ التراب مجاور فإنَّه يرسب على القرب" (٨) كان ينبغي أن يقول:
стр. 123
إنَّه في حكم المجاور؛ إذ هو في تلك الحالة مخالط (١) حقيقة (٢)، والله أعلم.
قوله: "إذا (٣) تغير الماء بالملح ففيه ثلاثة أوجه" (٤) يعني به الملح المطروح فيه قصدًا (٥).
قوله (٦): "يفرَّق في الثالث بين الجبلي والمائي، ويشبَّه المائي بالجمد، وهو ضعيف؛ لأنه لو كان كالجمد لذاب في الشمس، ولكن تعليله: التشبيه بالتراب المطروح فيه قصدًا" (٧) هذا كلام مشكل مُغلط، فاعلم أنه ليس الضمير في "ولكن تعليله" عائدًا إلى الفرق بين الجبلي والمائي، وإنما هو عائد على كون المائي لا يسلب الطهورية، فإن قوله: "ويشبَّه المائي بالجمد" المراد به أنَّه يشبَّه بالجمد في عدم السلب فقال: ليس تعليل عدم السلب فيه تشبيهه (٨) بالجمد،
стр. 124
ولكن تعليله التشبيه بالتراب المطروح فيه قصدًا (١). ثم يلزم من ذلك بطلان الفرق بين المائي والجبلي، وإجراء وجهي التراب فيهما؛ فإنهما كلاهما (٢) من أجزاء الأرض كالتراب، وفيما علقته مما علِّق عنه في درسه "للوسيط" مصداق ما شرحته (٣)، والله أعلم. الجمد ذكره صاحب "العين" (٤) بفتح الميم. وقال صاحب "االصحاح" (٥): "الجمد بالتسكين ما جمد من الماء، مصدر سمي به، والجمد بالتحريك جمع جامد، مثل خادم وخدم"، والله أعلم.
والمشهور في الملح المائي أنه لا يسلب الطهورية كالجمد، وهو المقطوع به في كثير من التصانيف المشهورة (٦)، وهو الأصح في بعضها (٧). وهو كالجمد في أنه ماء منعقد وإن لم يكن مثله في الذوب، ولا مانع من (٨) أن يكون المنعقد من الماء منقسمًا في ذلك (٩). وما ذكره في سبب ملوحة البحر (١٠) فيه نزاع
стр. 125
واختلاف (١)، والأصحُّ أنَّ الأصحَّ أنَّه يسلب الطهوريَّة؛ لأنَّه يسلب إطلاق اسم الماء (٢). وأما إجراء الخلاف في الجبلي فبعيد غريب، والمشهور فيه القطع بأنه يسلب (٣)، والله أعلم.
قوله: "إذا صُبَّ مقدار من ماء الورد أو غيره من المائعات على ماء قليل، وكان بحيث لو خالف لونه لون الماء لتفاحش تغيره، خرج عن كونه طهورًا" (٤) هذا فيه عليه استدراكات ثلاثة - اثنان عنهما جواب، والثالث لا جواب عنه مخلِّصًا.
الأول: في إطلاقه ماء الورد، والمسألة مخصوصة بماء الورد المنقطع الرائحة الموافق للماء في صفائه (٥)، وقد استبعد تصور ذلك صاحب "الشامل" (٦)، ولا يبعد عند امتداد مدته، أو يفرض فيما إذا كان الماء المصبوب عليه متغيِّرًا بطول المكث، أو نحوه تغيُّرًا صار به على وفْق صفة ماء الورد المنقطع. ويجاب عن هذا الاستدراك بأنه اكتفى بإشعار قوله: "وكان بحيث لو خالف لونه" بأنَّ الكلام فيما ليس مخالفًا للماء، والله أعلم.
стр. 126
الثاني: في قوله: "على (١) ماء قليل" ولا فرق بين القليل والكثير؛ فإنَّ الكلام في التغيُّر (٢). ويجاب عنه بأنَّه فرضه في القليل لأجل قوله في التفريع "فلو استعمل الكلَّ فهو جائز" (٣) فإنَّ المراد لو استعمل الكلَّ في طهارة واحدة. وإنما يقع هذا في القليل، لا فيما إذا كان قلَّتين.
والثالث: في تخصيصه المخالفة في اللون بالتقدير من بين المخالفات، والصواب أن المبتلى بذلك يستحضر في ذهنه المخالفات الثلاث بالأوصاف الثلاثة التي هي: الطعم واللون والرائحة. ويعتبر الوسط الأعدل من كل واحد منها، ويلحظ مقدار تأثير كل واحد منها في تغيير الماء، ويقابل بينها ثم يقدَّر الوسط من الجميع في هذا المائع. هذا تحقيق الحق في ذلك (٤). وقد يجاب له عن هذا: بأنه ذكر اللون مثالاً لا تقييدًا (٥)، وآية ذلك أن شيخه خصَّ الطعم بالتقدير (٦)، وهذا لا يصفو به المخلِّص؛ فإنه لم يذكر ذلك ذكر المثال، وليس لفظه مشعرًا به، فهو إذًا دائر بين استدراكين خافيين إما من حيث اللفظ، وإما من حيث الحكم، ولا يمكننا أن نستدل بذلك منهما على أنه يتخيَّر فيما يقدره من الأوصاف، إذ لا سبيل إليه؛ فإنه قد يكون بتقدير وصف مُغيِّرًا فيكون
стр. 127
سالبًا للطهوريَّة، وبتقدير (١) وصف آخر لا يغيِّر فلا يكون سالبًا لها، فيلزم أن يكون مخيَّرًا بين أن يجعله طهورًا، وبين أن لا يجعله طهورًا، وذلك محال، والله أعلم.
стр. 128
ومن الباب الثاني في المياه النجسة
قوله: "فالجمادات أصلها على الطهارة إلا الخمر فإنها نجس" (١) لم يستثن الفضلات النجسة المنفصلة من باطن الحيوان (٢)؛ لكونه جعلها من قبيل أجزاء الحيوان، وذلك اصطلاح منه مع نفسه بعيد (٣). قوله (٤) "فإنها نجس" الأجود أن يقال: بفتح الجيم؛ فإنه مصدر يجوز أستعماله في المؤنث، ويجوز كسر الجيم على أن التقدير فيه (٥): فإنها شيء نجس (٦)، والله أعلم.
قوله في الآدمي الميت: "لأنه تُعُبَّد بغسله والصلاة عليه، فلا يليق بكرامته الحكم بنجاسته" (٧) إن أراد بغسله غسل الميت الشامل لبدنه فتأثيره من وجهين: أحدهما: دلالته على ما ذكره من كرامته المنافية لنجاسته. والثاني: أنه لا عهد لنا بعين نجسة تغسل ولا معنى لذلك. وإن أراد به غسله من نجاسة تقع عليه فإنه يجب إزالتها فوجه دلالته: أنه لا عهد لنا بنجاسة يجب إزالتها عن نجاسة (٨)، والله أعلم.
قوله: "قال رسول الله ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمك
стр. 129
والجراد، والدمان: الكبد والطحال) (١) هذا هكذا حديث ضعيف عند أهل الحديث، غير أنه متماسك، رويناه في كتاب "السنن الكبير" (٢) للحافظ أبي بكر البيهقي (٣) بإسناده عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم (٤) عن أبيه (٥) عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ ... قال البيهقي: "كذلك رواه عبد الرحمن وأخواه عن أبيهم (٦)، ورواه غيرهم موقوفًا على ابن عمر وهو الصحيح" (٧). قلت: أخواه هما عبد الله وأسامة، وإن كانوا (٨) قد ضعفوا
стр. 130
ثلاثتهم (١)، فعبد الله منهم قد (٢) وثقه أحمد بن حنبل (٣) وعلي بن المديني (٤)، وفي اجتماعهم على رفعه ما يقويه قوة صالحة، وقد أخرجه أبو عبد الله ابن ماجه القزويني في "سننه" (٥)، لكن لم يخرِّجه أحد من أصحاب الكتب الخمسة التي هي أصول الحديث وهي: الصحيحان، وسنن أبي داود السجستاني،
стр. 131
وجامع أبي عيسى الترمذي، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي (١). ثم إن ثبوته عن ابن عمر كافٍ في صحة الاحتجاج به؛ لأن قوله "أحلت لنا ميتتان (٢) " بمنزلة قول الصحابي: أُمرنا بكذا ونُهينا عن كذا، في أنه عندنا وعند أصحاب الحديث وأكثر أهل العلم في حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن مطلق ذلك منصرف إلى من إليه الأمر والنهي والإحلال وهو رسول الله ﷺ (٣)، فثبت الحديث على الجملة، والله أعلم.
قوله فيما مات من دود الطعام: "يحلُّ أكله على أحد الوجهين" (٤) يعني مع الطعام (٥)، وعلَّله الدرس بوجهين: بأنه (٦) يصعب تكليف التفتيش وإخراجه منه، وبأنه كأنه جزء من الطعام. وذكر شيخه (٧) في أكله منفردًا عن الطعام وجهين. وهذا يكون مرتبًا على قول من قال: يحل مع الطعام، والله أعلم.
стр. 132
قوله: "الرابع: ما ليس له نفس سائلة" (١) بناه على قول القفال (٢) في أنه لا ينجس بالموت على القول بأنه لا ينجَّس الماء، وقول القفال هو الصحيح عنده (٣)، والأكثرون على خلافه، وقولهم هو الصحيح (٤)، والله أعلم.
قوله: "أما أجزاؤها (٥) فكل عضو أُبين من حيًّ فهو ميت إلا العظم والشعر ففيه خلاف سيأتي"، (٦) هذا إن حملته على ظاهر لفظه وهو عود الاستثناء إلى الموت فالحصر سالم على أن يكون المراد بالشعر: الشعر وما يلتحق به من
стр. 133
صوف، ووبر، وريش (١)، والخلاف في موتها هو الخلاف المعروف في أنها (٢) هل (٣) تحلُّها الحياة أو لا؟ (٤)، وإن حملته على ما يقتضيه سياقة (٥) الكلام كان المراد كل عضو أبين من حيًّ فهو نجس، ثم لا يسلم الحصر؛ فإن ما يبان من أعضاء الآدمي والسمك طاهر على الصحيح (٦).
وقولهم (٧): "ما أبين من حيًّ فهو ميت"، يذكرونه عن رسول الله ﷺ ، والذي رويناه في ذلك في كتب الحديث حديث أبي واقد الليثي (٨) أن النبي ﷺ قال: (ما قطع من البهيمة وهي حيَّة فهو ميت (٩)) أخرجه أبو داود في "سننه" (١٠)، وأخرجه
стр. 134
أبو عيسى الترمذي (١) بإسناده عن أبي واقد الليثي قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يجبُّون (٢) أسنمة الإبل، ويقطعون أليات (٣) الغنم، فقال: (ما يقطع من البهيمة وهي حيَّة فهي (٤) ميتة) قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم".
لفظ البهيمة غير مخصوص بالحمار (٥)، والله أعلم.
قوله: "كل مترشح ليس له مقر يستحيل فيه (٦) كالدمع، واللعاب، والعرق، فهو طاهر من كل حيوان طاهر. وما استحال في الباطن فأصله على النجاسة كالدم، والبول، والعذرة" (٧) فقوله "ليس له مقر يستحيل فيه" يصح تفسيره على وجهين: أحدهما: نفي الاستحالة رأسًا، أي ليس له مقر
стр. 135
يستحيل فيه فلا يستحيل، لعدم المقر الذي تتوقف عليه الاستحالة، وهذا الظاهر من سياقة كلامه (١)، وأضاف إليه في الدرس: وإنما تترشح غير مستحيلة. وهذا تصريح بهذا الوجه، ثم إنه يحمل على نفي الاستحالة إلى فساد. والثاني: نفي استحالته بقيد وهو: الاستحالة في مقرَّ يجتمع فيه، وعلى هذا معنى (٢) قوله في القسم الثاني: "وما استحال في الباطن" أي في مقرِّ يجتمع فيه (٣)، والله أعلم.
قوله: "إلا ما هو مادة الحيوان كاللبن والمني (٤) والبيض" (٥) مادة الشيء: أصله وعمدته وما يستمد منه (٦)؛ فاللبن مادته في بقائه، والمني أو البيض مادته في وجوده (٧)، والله أعلم.
قوله: "لما روي أن أبا طيبة الحاجم شرب دمه ﷺ فقال: إذًا لا يتجع بطنك أبدًا" (٨) هو أبو (٩) طيبة بطاء مهملة (١٠) مفتوحة ثم ياء مثناة من
стр. 136
تحت ساكنة، واسمه نافع، وقيل: غير ذلك (١). وقوله (يتجع) هو بفتح الجيم، وفيه وجهان: أحدهما: (يتجع) بالياء المثناة من تحت في أوله، وبالرفع في (بطنك)، على أن يكون الفعل لبطنه. والثاني: تتجع بالتاء المثناة من فوق في أوله، وبنصب قوله بطنك، على أن يكون الفعل لأبي طيبة. ثم النصب فيه (هل هو) (٢) على التمييز أو على نزع الخافض؟ فيه من الخلاف ما في قوله ﵎: ﴿إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٣) حققت ذلك من معنى ما ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٤) من أصل عليه خطه. وهذا الحديث غريب عند أهل الحديث لم أجد له ما يثبت به (٥)،
стр. 137
ولا لما (١) روي أن ابن الزبير شرب دمه (٢)، والله أعلم.
قوله: "لما روي أن أم أيمن (٣) شربت بوله ولم (٤) ينكر عليها وقال: إذًا لا تلج النار بطنك" (٥) فقوله (لا تلج النار بطنك) يجوز في قوله (النار) النصب، مع الرفع في قوله (بطنك) ويجوز بالعكس.
وهذا حديث قد ورد متلونًا ألوانًا، ولم يخرَّج في الكتب الأصول، فروي بإسناد جيد عن أميمة بنت رقيقة - إحدى الصحابيات، واسمها واسم أبيها
стр. 138
مضموم - (١): الأول: (أن النبي ﷺ كان يبول في قدح من عيدان (٢) ويوضع تحت سريره (٣)، فبال في ليلةً فوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء فقال: لامرأة يقال لها: بركة (٤) - كانت تخدمه، لأم حبيبة جاءت معها
стр. 139
من أرض الحبشة (١) -: البول الذي كان في القدح ما فعل؟ قالت: شربته يا رسول الله). وبعض رواته يزيد (٢) على بعض، وزاد بعضهم: (فقالت: قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم). (٣) وفي رواية أبي عبد الله ابن مندة الحافظ (٤) فقال: (لقد احتظرت (٥) من النار بحظار). (قلت: هذا القدر منه قد اتفقت عليه
стр. 140
هذه الروايات، وأما ما اضطربت فيه منه فالاضطراب مانع من تصحيحه.
ذكر (١) الدارقطني (٢) أن (حديث المرأة التي شربت بوله ﷺ (٣) صحيح (٤)) (٥).
стр. 141
وروى أبو نعيم الحافظ (١) في كتابه: في (٢) "حلية الأولياء" (٣) من حديث الحسن بن سفيان صاحب المسند (٤) بإسناده عن أم أيمن قالت: (بات رسول الله ﷺ في البيت، فقام من الليل فبال في فخارة فقمت وأنا عطشى لم أشعر بما في الفخارة فشربت ما فيها، فلما أصبحنا قال لي (٥): يا أم أيمن أهريقي ما في (٦) الفخارة (٧)، قلت: والذي بعثك بالحق شربت ما فيها. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: (أما) (٨) أنه لا يتجعنَّ (٩) بطنك بعده أبدًا). قلت:
стр. 142
فالاستدلال بذلك (١) يحتاج إلى أن يقال فيه: لم يأمرها ﷺ بغسل فم ولا نهاها عن عودةٍ (٢).
وكون المرأة أم أيمن مولاة رسول الله ﷺ قد يظن من حيث إن اسمها بركة، وفي الحديث تسمية المرأة الشاربة بركة، ولا يثبت ذلك بذلك؛ فإن في الصحابيات أخرى اسمها بركة بنت يسار مولاة لأبي سفيان بن حرب، هاجرت إلى أرض الحبشة (٣)، وما في الحديث من نسبتها إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان يدل على أنها بنت يسار (٤)، والله أعلم.
قوله: "البول (٥) والعذرة نجس (٦)، ويستثنى عنه موضعان: الأول: بول رسول الله ﷺ " (٧) وفي بعض النسخ: الأول: من رسول الله ﷺ . وعلى هذا يكون الاستثناء شاملاً (٨) للعذرة، وفي طرده في العذرة
стр. 143
بُعْد (١)، وكلام من لا أحصيه من المصنفين مخصوص بالبول (٢)، غير أن الإمام أبا المعالي قال في فضلات بدنه ﷺ كبوله، ودمه، وغيرهما: وجهان (٣)، والله أعلم.
حديث شرب أبوال الإبل (٤) هو (٥) حديث أنس المخرج في الصحيح (٦) في قوم من عُريْنة (٧) استوخموا (٨) المدينة، فسقمت أجسامهم فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من ألبانها وأبوالها (٩)، والله أعلم.
стр. 144
حديث (سئل رسول الله ﷺ عن التداوي بالخمر فقال: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) (١) رويناه في كتاب "السنن الكبير" (٢) عن أم سلمة ﵂ قالت: (نبذت نبيذًا في كوز، فدخل رسول الله ﷺ وهو يغلي فقال: ما هذا؟ قلت: اشتكت ابنة لي فَنُعِت لها هذا، فقال رسول الله ﷺ : إن إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم). ولم يخرَّج في الكتب الخمسة المعتمدة، ولا في "سنن ابن ماجة"، ويغني عنه ما هو (٣) أصح، وأولى، وأدلُّ، وهو حديث وائل بن حجر الكندي (٤): أن طارق بن سويد الجعفي (٥) سأل النبي ﷺ عن
стр. 145
الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١)، ومعنى الحديث الذي ذكره: أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم التداوي به أو ما يشبه (٢) هذا من المعنى، وفي ذلك إعلام بأن الخمر المسئول عنها يحرم التداوي بها، ولا يشمل (٣) ذلك التداوي بسائر النجاسات؛ فإنها غير محرمة في حالة التداوي بدلالة ما سبق من قصة العرنيين (٤)، والله أعلم.
"غصَّ بلقمة" (٥) هو بفتح الغين لا بضمها (٦)، والله أعلم.