← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

غرض المتعاقدين جميعاً، وإنّما علة الاشتراط اختلاف الغرض، وعلة عدم الاشتراط أنّه (١) لا وقع، لاختلاف المواقيت من حيث الشرع، والله أعلم. وتوجيه قول من قال: إن كان (٢) المستأجر له حيَّاً وجب تعيين الميقات في العقد، وإن كان ميتاً فلا. (وجه الفرق) (٣): أن (٤) الحيَّ ذو اختيار، والغرض (٥) يختلف باختلاف الأحوال، فاشترط تعيينه لا يختاره لذلك (٦)، وأمّا الميت فلا اختيار له، والمقصود تبرئة ذمته، والمواقيت كلها في ذلك سواء (٧)، والله أعلم. الأصح أنّه إن لم يكن في طريقه إلا ميقات واحد فلا يشترط التعيين، ويحتمل (٨) تعيين (٩) ذلك الميقات نظراً إلى العادة، والعرف (١٠).

стр. 1122

وإن كان في طريقه ميقاتان اشترط التعيين (١)، ومن صوره ما إذا كان في طريقه ميقاتان أقرب وأبعد، كالعقيق (٢)، وذات عرق (٣)، وما (٤) إذا كان طريقه يفضي إلى مسلكين، كل واحد منهما يفضي إلى ميقات (٥)، والله أعلم. ذكر أن الشرط الرابع من شروط الإجارة: "أن لا يعقد بصيغة الجعالة" (٦) فاعترض عليه في ذلك بعض المصنِّفين (٧) بكلامه بما تحريره: أنّه إن أراد أن الإجارة إذا عقدت بصيغة الجعالة لم تنعقد، فهذا يوهم كون الجعالة إجارة، ورجوع المنع إلى صيغة الجعالة، وليس كذلك؛ فإن الجعالة والإجارة عقدان

стр. 1123

مختلفان في الأركان، وإن أراد أن الجعالة لا جريان لها في الحج، فهذا لا يصلح أن يعدَّ من شروط الإجارة (١). وهذا الاعتراض مندفع؛ فإن محصول كلامه أنّه يشترط في الإجارة على (٢) الحج، كون الأجير معيَّناً، حتى لا يصح بصيغة الجعالة، كما إذا قال: من حجَّ عني فله مائة، لم يصح ذلك؛ لكون ذلك إنما احتمل في الجعالة على العمل المجهول. ثمّ (٣) إن كلامه ههنا يقتضي أن الصحيح عدم الصحة في ذلك (٤)، وقد صرَّح في "الوسيط" (٥) ههنا بأنّه صحيح، لكن كلامه في باب الجعالة (٦) يتضمن أن التصحيح (٧) فيه هو الصحيح، وإليه ذهب آخرون (٨)، والله أعلم.

стр. 1124

الصحيح من الخلاف الذي ذكره (١)، فيما إذا (٢) أوردت (٣) الإجارة على الذمَّة، يعني وهي حالةً، ولم يحج في السنة الأولى (٤)، أنّه يثبت الفسخ، ولا ينفسخ من غير فسخ (٥)، فإن كان المحجوج عنه ميتاً - بأن استأجر ثمّ مات، أو مات ثمّ استؤجر عنه - فلا فسخ للورثة على ما ذكره العراقيون (٦)؛ لأنّ فائدة الفسخ استرداد الأجرة حتى تنبسط فيها، والأجرة ههنا متعيِّنة لجهة الحج، لا يجوز للورثة التصرُّف فيها، هذا أولى به مما ذكره في الكتاب، فإن ما ذكره غير واف لجميع صور (٧) المسألة. قوله: "وفيه احتمال" (٨) أَتبع فيه شيخه (٩)، هذا وجهٌ قد جزم به غيرهما (١٠) وأنّه يفعل ما هو المصلحة للميت من الفسخ، وعدم الفسخ، والله أعلم.

стр. 1125

إذا خالف الأجير فأحرم من الميقات عن نفسه بعمرة، ثمّ أحرم بالحج عن المستأجر من جوف مكة، فقد ذكر فيه في الكتاب قولين (١)، وترك القول الثالث. - الذي هو الأصح - وذلك (٢) أن الأجرة تقابل أعمال الحج مع السفر من بلدة الإجارة (٣). ثمّ في هذه الصورة الأصح: أنّه يحسب للأجير على المستأجر سيره في المسافة التي بين الميقات وبلدة الإجارة (٤)، ولا يحكم بأنّه صرفه إلى عمرة نفسه؛ لأنّه قد أتى به على وفق ما اقتضاه (٥) الترتيب (٦) بالإجارة، وجائز أن يكون قصد العمرة (٧) عمل (٨) لنفسه (٩) لم يطرأ (١٠) إلا عند إحرامه بها من الميقات. فعلى هذا توزع الأجرة المسماة على: أجرة المثل لحجة منشأة للمستأجر من موضع

стр. 1126

الإجارة إلى الفراغ منها، وأجرة حجة منشأة للمستأجر من موضع الإجارة إلى الميقات، إحرامها من جوف مكة لا منه فغير محسوب ما بينهما، وإذا (١) كانت الأجرة الأولى مثلاً مائة، والأجرة الثانية تسعين (٢)، حططنا من الأجرة المسماة عشرها (٣)، وهذا القول قد ذكره في الكتاب في المسألة التي تلي (٤) هذه (٥)، حيث يقول: "كان حسبنا له السفر استحقَّ تمام الأجرة" (٦). الأظهر من القولين (٧) فيما إذا لم يحرم من الميقات أصلاً، وأحرم من جوف مكة مثلاً, ولزمه الجبران بالدم: إن جبرانه هذا لا يمنع حطَّ شيء من أجرته (٨) لما ذكره (٩). وإذا (١٠) قلنا: يمنع منه، فالأظهر أنّه لا يحط، وإن كانت قيمة الدم أقل (١١)، والله أعلم.

стр. 1127

الوجهان المذكوران (١) فيما إذا عيَّن له ميقاتاً، أبعد من الشرعي فجاوزه، ولم يحرم منه، الأظهر منهما: أنّه يلزمه دم (٢)؛ لأنّه بتعيُّنه صار متعيِّناً بالشرع أيضاً، وهذا هو نصُّه في المختصر (٣)، والله أعلم. قوله: "إن استأجره على القرآن، فأفرد فقد زاده خيراً" (٤). هذا ليس على إطلاقه، وهو مقطوع به، مخصوص بما إذا كانت الإجارة على الذمَّة، وعليه الإحرام بالعمرة إلى الميقات (٥). أمّا إن (٦) كانت على العين، فإن العمرة لا تقع عن المستأجر، وعلى الأجير أن يردَّ ما يخصَّها من الأجرة، نصَّ عليه الشافعي في "المناسك الكبير" (٧)؛ لأنّه لا يجوز تأخير العمل فيها عن الوقت المعيَّن. وإذا كانت الإجارة على الذمَّة، ولم يعد إلى الميقات لإحرام العمرة، وقعت العمرة عن المستأجر، وعلى الأجير دم؛ لكونه جاوز الميقات في الإحرام بالعمرة (٨)، وهل يحطُّ شيء من الأجرة أم لا يحطُّ لانجبار ذلك بالدم؟ ففيه (٩) القولان السابقان.

стр. 1128

وهذا ذكره صاحب "البحر" (١) حكماً للمسألة من غير تفصيل بين أن يكون الإجارة على العين، أو على الذمَّة، ثمّ قال: "ومن أصحابنا من قال يلزمه أن يردّ من الأجرة - قسط العمرة - بكل حالٍ؛ لأنّه عيَّن له وقت العمرة، بأن يأتي بها في أشهر الحج، فقد فات ذلك الوقت - قال -: وهو ظاهر ما قال في "المناسك الكبير" والله أعلم. ما ذكره (٢) فيما إذا استأجره على الإفراد، فقرن من أن ذلك يقع عن المستأجر: "لأنّ الشرع جعل القرآن كالإفراد، متفق عليه" (٣)، وهو مشكل؛ لكون ذلك مخالفاً للمأذون فيه، وقد قرره شيخه الإمام (٤) بما معناه، أن ذلك يحتمل على الحج والعمرة؛ فإنهما يصحَّان مع اشتمالهما على ارتكاب كثير من المحظورات، وترك كثير من المأمورات، فمخالفة الأجير بمنزلة مخالفة الشرع؛ لأنّ المستأجر لا يحصِّل الحج والعمرة لنفسه، وإنّما يحصِّلهما (٥) لله تعالى، فتنزلت (٦) مخالفته منزلة (٧) مخالفة الشرع، والله أعلم. إذا أمره بالقران فتمتَّع (٨)، فأظهر الوجهين المذكورين أنّه يجعل مخالفاً (٩) فيما ذكرناه من (١٠) المأمور بالقران إذا أفرد من التفصيل ما بينه، على نحوه (١١) ههنا، والله أعلم.

стр. 1129

الوجهان المذكوران في قضاء الأجير في الذمَّة (١) لما أفسده (٢). أصحُّهما وقوعه عن الأجير، لا عن المستأجر (٣) لما ذكره (٤)، والله أعلم. الأصح من القولين المذكورين (٥) فيما إذا أحرم عن المستأجر، ثمّ صرفه (٦) إلى نفسه، أنّه يستحق الأجرة (٧)؛ لأنّه أتى بالعمل المعقود (٨) عليه، وصرفه له لاغٍ، والله أعلم. القول الصحيح - وهو الجديد - أنّه لا يجوز في الحج بناء شخصٍ على فعل شخصٍ (٩)؛ لأنّه عبادة واحدة فلا يتأدى (١٠) بنيتين، وإحرامين، وكما لا يجوز في الابتداء أن يستأجر اثنين يفعلان أفعال الحج عنه.

стр. 1130

قلت: وقوله "يبعد أداء عبادة واحدة من شخصين". لا يلزم عليه الوضوء، حيث صحَّ بعضه بفعله، وبعضه بفعل من يوضئه؛ لأنّ الفعل في الوضوء غير مستحق؛ ولهذا لو نوى هو وقعد تحت ميزاب حتى جرى الماء على أعضاء وضوئه جاز. فما صحَّ إذاً بفعل شخصين. ولا يلزم الصبي الذي يحرم (١) عنه وليه، ويفعل ما يقدر عليه من أعمال الحج، ويفعل الولي ما لا يقدر عليه منها؛ لأنّ حج الصبي، والمجنون، مستثنى عن القاعدة في كونه يصح منهما مع عدم العقل، والتمييز، ويكونان هما الحاجَّين، والنيَّة والعمل كله من غيرهما، فتصحيحه وبعض العمل منه أولى، والله أعلم. إذا جوَّزنا البناء، ومات بعد الوقوف، وفوات أشهر الحج بدخول (٢) يوم النحر، ففي الكتاب أن المراوزة قالوا: يحرم الباني بالحج، وأن العراقيين قالوا: يحرم بالعمرة، وهو بعيد (٣). وهكذا نسب (٤) شيخه (٥) الوجهين، وليس بمرضي، فإن الوجهين مذكوران في كتب العراقيين، من غير تصحيح منهم، وترجيح لما نسبه إليهم، بل لما نسبه إلى (٦) المراوزة دونهم (٧)، والله أعلم.

стр. 1131

الخلاف الذي ذكره في استحقاق ورثة (١) الأجير قسطاً لما فعله (٢) قبل موته، جعله وجهين (٣)، والمشهور أنّه قولان (٤)، والأصح: الاستحقاق (٥)، والله أعلم. ثمّ الأظهر الاحتساب بالسفر في التوزيع (٦).

стр. 1132

ومن المقدمة الثانية في المواقيت (١) الصحيح المشهور أن ليلة النحر، وقت للإحرام (٢) بالحج (٣)، والله أعلم. أصح القولين فيمن أحرم بالحج في غير زمانه (٤)، أنّه ينعقد إحرامه عمرةً (٥)؛ لأنّ الإحرام شديد التوغل في اللزوم، فيصح أصله، وإن لغي وصفه، والله أعلم. قوله: "الأفاقي" (٦) نسبته إلى الجمع، والجمع إذا لم يسمَّ به (لا ينسب) (٧) إليه، بل ينسب إلى واحده، وواحد الآفاق: أُفُق بضم الهمزة والفاء، ويقال: في النسب أُفُقيٌّ بضم الهمزة والفاء (٨)، وهو من تغيُّرات النسب وشذوذاته، والله أعلم.

стр. 1133

قرن ميقات نجد (١) هو بإسكان الراء لا غير (٢)، وفتحها خطأ، ولصاحب الصحاح (٣) فيه غلطان فاحشان: أحدهما: فتحه الراء. والآخر: زعمه أن أويساً القَرَني (٤) ﵀ إليه نسب (٥) وإنما هو بلا خلاف بين أهل المعرفة منسوب إلى "قَرَن" قبيلة من مراد، بفتح القاف والراء (٦)، نسأل الله التوفيق والعصمة، والله أعلم.

стр. 1134

قوله: "ولأهل المشرق ذات عِرْق، لتعيين عمر ﵁ ذلك" (١) روى البخاري في صحيحه (٢) عن ابن عمر ﵄ أن عمر "حدَّ لهم ذات عرق"، وإلى ذلك (٣) ذهب ابن سيرين (٤)، وطاوس (٥)، والشافعي (٦) ﵏

стр. 1135

وغيرهم (١)، أن ذات عرق لم يوقته النبي ﷺ ، وإنّما وقَّت بعده، وقد روى أبو داود، وغيره من حديث عائشة، وجابر، وغيرهما (٢) أن رسول الله ﷺ : وقَّت لأهل العراق ذات عرق، وفي أسانيدها ضعف، ولكن يقوي بعضها بعضاً. ويحتمل أن يكون (٣) عمر ﵁ لم يبلغه ذلك فحدَّه، ووافق تحديدُه تحديدَ النبي ﷺ (٤)، والله أعلم.

стр. 1136

قوله: "واستحب الشافعي ﵀ أن يحرم من العقيق [قبل ذات عرق] (١)؛ لورود خبر مرسل به" (٢). روى الشافعي (٣) بإسناده عن عطاء بن أبي رباح (٤) قال: سمعنا أنّه يعني النبي ﷺ (وقَّت ذات عرق، أو العقيق لأهل المشرق). قلت: قوله "أو العقيق" ليست "أو" فيه للشك، بل للتخيير؛ بدلالة أن عطاء جزم في رواية أخرى أنه (وقَّت لهم ذات عرق) ثمّ إن المرسل لا يحتج به عندنا (٥)، والاعتماد ههنا على ما في ذلك من الاحتياط؛ فإن العقيق أبعد من

стр. 1137

ذات عرق، (وقريب منه، وفيه سلامة من التباس وقع في ذات عرق) (١)؛ وذلك أن ذات عرق قرية خربت، وحوِّل بناؤها إلى جهة مكة، فليس لمن أتى من جهة العراق أن يؤخر إحرامه إلى البناء الحادث، فإنّه يكون قد جاوز الميقات غير محرم، بل يلزمه التحري، وتطلب آثار القرية القديمة، ويحرم حين ينتهي إليها، ويحازيها. وذكر (٢) الشافعي (٣) أن من علاماتها المقابر القديمة، فإذا انتهى إليها أحرم، ويعتضد ذلك بما رواه أبو داود في سننه (٤) عن ابن عباس قال: (وقَّت النبي ﷺ لأهل المشرق العقيق) ولكن في إسناده يزيد بن أبي زياد (٥)، وهو غير قوي، لكن يصلح الاستشهاد (٦) به، والله أعلم.

стр. 1138

قوله: "راكب التعاسيف إذا لم ينته إلى ميقات" (١) لم يردّ براكب التعاسيف الذي ليس له مقصد معلوم كما تقدَّم في باب صلاة المسافرين، وإنّما أراد الذي ليس له طريق معلوم يسلكه، وإن كان هو قاصداً إلى مكة ناوياً نسكاً، فعليه أن يحرم إذا حاذى أول ميقات (٢) من المواقيت (٣). ثمّ إنّه ذكر صوراً قد صوَّرها الفقهاء على بعد من وقوعها في المواقيت المعلومة، وأنا استأنف ذكرها بلفظ بيَّن بسيط يوضح ما استبهم من لفظ (٤) الوجيز فأقول: إذا حاذى ميقاتين أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، واستويا في القرب من موقفه من مكة أحرم هناك (٥). (وقوله) (٦): "نسبنا إحرامه إلى أي الميقاتين أردنا" (٧). معناه أن محاذاته أيهما كان مقتضية لإحرامه من هناك، فأضف ذلك إلى أيهما أردت كما في الحكم يكون له (٨) علتان، لك أن تضيفه إلى أيتهما (٩) شئت.

стр. 1139

وإن كان إحدى الميقاتين الموصوفين أبعد من مكة، نظرت فإن كان هذا الأبعد أقرب من موقفه من الآخر، نسبناه إليه لكونه أقرب من موقفه، والاعتبار بموقفه (١). وإن كان موقفه سواء من الأبعد من مكة والأقرب منها، و (٢) يتصور (٣) ذلك بأن يكون طريق الأبعد فيه التواء وانحراف، فوجهان (٤): أحدهما: ينسب إلى الأبعد من مكة. الثاني: ينسب إلى الأقرب من مكة. وتظهر فائدة هذا (٥) الخلاف (٦) في النسبة، فيما إذا جاوز موقف المحاذاة المذكورة (غير محرم، مريداً (٧)) (٨) للنسك، ولزمه العود لإزالة الإساءة، وتعذَّر، وعزَّ (٩) عليه (١٠) الرجوع إلى موقفه ذلك (١١)؛ لإضلاله (١٢) إياه لكونه راكب

стр. 1140

تعاسيف، وقد انتهى إلى مجموع (١) طريقي الميقاتين، فإلى أيهما يعود؟ إن نسبناه إلى البعيد عاد إليه، وإن نسبناه إلى القريب عاد إليه (٢)، والله أعلم. ما ذكره فيمن جاوز الميقات غير محرم، ودخل مكة، أو لم يدخلها, ولكن قطع مسافة القصر، ثمّ عاد (٣) إلى الميقات وأحرم (٤) منه، من أنّه يلزمه الدم قطعاً في صورة دخول مكة، وعلى وجهٍ في الصورة الأخرى (٥). إنّما أتبع فيه شيخه الإمام (٦)، وهو شذوذ. والجمهور قطعوا بأنّه إذا عاد وأحرم من الميقات فلا دم عليه (٧)، ومنهم صاحب "بحر المذهب". (٨) قال: "لم يلزمه (٩) الدم قولاً واحداً"، ولم يفصلوا بين أن يكون ذلك بعد دخول مكة، أو قبله بعد قطع مسافة القصر، أو قبله، وحاصل ما ذكراه (١٠) إيجاب الدم (١١) على

стр. 1141

المحرم من الميقات بمجرد كونه قدَّم على إحرامه و (١) دخل (٢) مكة غير محرم، أو قطع مسافة القصر وراء الميقات غير محرم ولا أصل لذلك، والله أعلم. إذا أحرم دون الميقات، ثمّ عاد إليه محرماً ففيه وجهان (٣): أحدهما: لا دم عليه (٤) قال صاحب "البحر" (٥): "وهو الصحيح، وظاهر المذهب"، وهذا على طريقة صاحب الكتاب، مخصوص بما إذا عاد قبل دخول مكة، وقبل مسافة القصر، كما فصل فيما سبق. وعند الجمهور قالوا: إذا عاد قبل التلبُّس بِنُسكٍ، وفي نسك هو سنَّة خلاف عندهم (٦)، والله أعلم. قوله (٧): "لو أحرم قبل الميقات، فهو أفضل قطع به في القديم، وقال في الجديد: يكره، وهو متأول، ومعناه أن يتوقى المخيط والطيب (٨) من غير إحرام" (٩).

стр. 1142

هذا حاصله يرجع إلى طريقة منقولة لبعض أصحابنا، وهي: أن الأفضل أن يحرم قبل الميقات قولاً واحداً (١)، وهي طريقة ضعيفة (٢)، والطريقة الصحيحة المشهورة: أن في ذلك للشافعي قولين منصوصين في الجديد (٣): أحدهما: نصَّ عليه في "الإملاء" أن الأفضل أن يحرم من دويرة أهله. والثاني: أن الأفضل أن يحرم من الميقات، نصَّ عليه فيما رواه المزني في "الجامع الكبير" (٤)، ورواه البويطي (٥). ثمّ إن نقله عن الجديد أنّه يكره الإحرام قبل الميقات، اَتبع فيه الفوراني (٦)، ولا يعرف عن غيره (٧)، ونسبه صاحب "البحر" (٨) إلى بعض أصحابنا بخراسان، وإياه - والله أعلم - أراد، ثمّ قال: "وهذا غلط ظاهر". قلت: الذي وجدته من لفظه في الجديد، كراهة ما ذكره (٩) في التأويل من التجرد من المخيط (مصرِّحاً به) (١٠)، لا كراهة الإحرام قبل الميقات، بل فيه الإنكار على من كره (١١) الإحرام قبل الميقات (١٢)، والله أعلم.

стр. 1143

ثم إن صاحب "البحر" (١) ذهب إلى أن الأصح أنّه (٢) من دويرة أهله (٣). و (٤) ليس كذلك، بل الأصح أن الأصح أنّه من الميقات أفضل (٥)؛ لأنّه ﷺ إنّما أحرم من ذي الحليفة (٦)، ولم يحرم من المدينة، ومسجده، وهكذا فعل الصحابة، وجماهير العلماء (٧). وأمّا احتجاجهم بحديث أم سلمة أنّها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أهلَّ بحجة، أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام (٨) غفر له ما

стр. 1144

تقدَّم من ذنبه، وما تأخر، أو وجبت له الجنة) شك من الراوي أيتهما قال، رواه أبو داود وغيره (١). فأقول: ينبغي أن يسلَّم ذلك في هذا خاصة (٢)؛ لاختصاصه بمزايا عديدة. وأمّا احتجاج صاحب الكتاب بأن رسول الله ﷺ قال: (من تمام الحج (٣) والعمرة أن يحرم بها من دويرة أهله) فهذا عن النبي ﷺ مروي بإسناد

стр. 1145

ضعيف (١)، وإنّما هو عن عمر وعلي من قولهما، رواه الشافعي وغيره عنهما (٢)، والله أعلم. القولان المذكوران (٣) فيمن يريد دخول مكة، ممن لا يتكرر دخوله (٤)، هل يلزمه الإحرام لدخولها؟. أظهرهما عند صاحب الكتاب: أنّه لا يلزمه (٥)، وكذلك هو عند الشيخ أبي محمَّد الجويني (٦)، والشيخ أبي حامد الأسفراييني في آخرين (٧).

стр. 1146

وعند البغوي، وطائفة الأظهر اللزوم (١)، وهذا أقوى، وراجعت في الجديد، فوجدت فيه، من نقل عدم الوجوب عن ابن عمر (٢)، والوجوب عن ابن عباس (٣)، ورجَّح قول ابن عباس (٤)، وقال: "مما لم يحك لنا عن أحد من النبيين، والأمم الخاليين (٥) أنّه جاء إلى البيت قط إلا حراماً، ولم يدخل رسول الله ﷺ مكة إلا حَرَاماً إلا في حديث الفتح". والله أعلم. قوله في المقيم بمكة: "الأفضل (٦) أن يحرم من باب داره، أو في المسجد" (٧) "أو" ههنا ليست للتخيير، بل للتردد بين القولين، وأظهرهما أن يحرم من باب داره (٨)، والله أعلم.

стр. 1147

وقوله: "فيما إذا أحرم من الحلِّ فهو مسيء، فيلزمه الدم، أو العود إلى مكة" (١) ليس على التخيير، بل "أو" فيه من قبيل "أو" التي هي للتقسيم، والتفصيل، فيلزمه (٢) العَوْدَ، فإن لم يعد فعليه الدم (٣) على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، والله أعلم. ما ذكره من الوجهين في أن ميقاته هو: الحرم، أو خِطَّة (٤) مكة (٥)، أصحهما أنّه نفس مكة (٦)؛ للحديث المتفق على صحته (٧)، من رواية ابن عباس عن رسول الله ﷺ (حتى أهل مكة يهلُّون منها)، والله أعلم (٨).

стр. 1148

(ذكر أن) (١) أفضل مواقيت العمرة الجِعْرَانَة، ثم التنعيم (٢) (وقد اعتمرت عائشة ﵂ منه) (٣) تمامه بأن يقول: بأمر النبي ﷺ بذلك (٤). قوله: "وبعده الحديبية" (٥) احتجَّ (في "البسيط") (٦) بأن النبي ﷺ همَّ بالإحرام منها بالعمرة فصدَّ. وهذا لا يصح؛ لأن النبي ﷺ وردها بعد أن أحرم (٧) بالعمرة من ذي الحليفة روى ذلك البخاري في صحيحه (٨).

стр. 1149

وإنما دليله أن النبي ﷺ نزل بأصحابه بها، ليدخل إلى مكة بعمرته التي أحرم بها من ذي الحليفة، فتميَّزت بذلك عن البقاع التي لم (١) يوجد فيها مثل ذلك (٢). والمذكور في هذا الكتاب من أن أفضلها: الجِعْرانة، ثم التنعيم، هو (٣) مذهب الشافعي (٤) ﵀، وأمّا الذي ذكره صاحب "التنبيه" (٥) من أن أفضلها التنعيم، فليس بصحيح، لا من حيث المذهب، ولا من حيث الدليل (٦)، والله أعلم.

стр. 1150

والجِعْرَانة (١)، هي بكسر الجيم، وإسكان العين من غير تشديد على الراء (ومن أهل الحديث من نقل بكسر العين، وتشديد الراء (٢)) (٣)، والأول هو الصحيح، وهو قول الشافعي (٤)، وغيره (٥) من أهل اللغة. وهكذا الحُدَيْبية (٦) هي عندهم بتخفيف الياء الأخيرة، وعند بعض أهل الحديث بتشديدها (٧)، والله أعلم. أصح القولين في المعتمر إذا لم يخرج إلى الحل (٨)، أنّه تصح عمرته، ويلزمه دم (٩)، لما ذكره (١٠)، والله أعلم.

стр. 1151

ومن الباب الأول: في المقاصد قوله في القارن: "تكون حاله حالة (١) الحاج المفرد" (٢)، يعني في صورة الأفعال، لا في الحكم. قوله: "في إدخال العمرة على الحج (٣) قولان" (٤). إن الأصح منهما - وهو الجديد - أنّه لا يجوز (٥)، والله أعلم. وإن جوَّزنا فأصح الوجوه الأربعة (٦): الأول: أنّه (٧) يجوز (٨) ما لم يشتغل بعمل ولو (٩) بطواف القدوم (١٠)، والله أعلم. قوله في المتمتع: "يلزمه دم (١١) لأمرين: أحدهما: ربحه أحد الميقاتين، إذا أحرم بالحج من جوف مكة" (١٢).

стр. 1152

ليس المراد (١) بهذا كونه ترك في إحرامه من مكة الميقات المعيَّن للأفقي (٢) (من المواقيت الخمسة، فإن هذا موجود في المفرد؛ فإنّه يحرم بالعمرة من أدنى الحل، ولا يخرج إلى الميقات المعيَّن للآفاقي) (٣)، وإنّما المراد بالميقاتين اللذين ربح المتمتع أحدهما: الميقاتان اللذان يحرم المفرد منهما بحجة وعمرة (٤). والمفرد هو (٥) يحرم بالحج من ميقات الأفقي، وبالعمرة من أدنى الحل، فالمتمتع يربح أحد الميقاتين، في أحد النسكين، لكونه يحرم (٦) من جوف مكة (٧)، ولا يخرج إلى أدنى الحل، ولا إلى الميقات المعيَّن للآفاقي (٨)، والله أعلم. قوله (٩): "الأمر الثاني: زحم الحج في أشهره بالعمرة" (١٠). معناه، وشرحه: أن أشهر الحج في أصل الوضع، لم يكن تشغل (١١) إلا بالحج، ولا يزحم الحج (١٢) في أيامه بالعمرة، فأرخص في التمتع بإيقاع العمرة

стр. 1153

في أشهر الحج، بسبب أن الغريب الأفقي كان يَرِدُ مكة قبل عرفة بأيام، وكان يعسر عليه مصابرة الإحرام بالحج في تلك المدة، ولا سبيل (١) له إلى أن يجاوز الميقات غير محرم، فيجوز له أن يحرم منه (٢) بالعمرة، ويبقى بعد فراغه منها بمكة حلالاً إلى أن يحرم بالحج في (٣) جوف مكة (٤)، ثم (٥) إن هذين الأمرين مجموعهما هو الموجب (٦) للدم (٧)، والله أعلم. إذا وضح هذا فالذي ينبني (٨) على (٩) الأمر الثاني من شروط (١٠) التمتع هو (١١): وقوع (١٢) الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، و (١٣) (وقوع الحج) (١٤)، والعمرة في سنة واحدةٍ، ووقوع النسكين عن شخصٍ واحدٍ. والذي انبنى (١٥)

стр. 1154

منها على الشرط الأول: أن لا يعود إلى الميقات لإحرام الحج. وأن لا يكون (١) من حاضري المسجد الحرام (٢)؛ لأنّه إذا عاد، أو كان من حاضريه (٣)، فلم يترك الميقات، وهذا ظاهر فيمن كان من أهل مكة، فإن المتمتع المكي لا يخالف المفرد المكي في الميقات، بل كل واحد منهما يحرم بالعمرة من أدنى الحل، ويحرم بالحج من جوف مكة (٤). وأمّا من كان موطنه من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة (٥)، فإنّه ليس كذلك، بل إذا كان مفرداً فعليه أن يحرم بالحج من موطنه، ولو تجاوزه غير محرم فعليه دم الإساءة (٦)، ثم إذا اعتمر من مكة فعليه الخروج إلى أدنى الحلِّ، وإذا كان متمتعاً فإنّه يحرم بالعمرة من موطنه، ويحرم بالحج من جوف مكة (٧)، فإن كان رابحاً ميقاتاً فهو كالأفقي.

стр. 1155

فهذا إذاً مشكل جداً، وقد فَزَعَ إمام الحرمين (١) في ذلك إلى الإحالة على التعبد (٢)، وما ادَّعاه يستدعي ورود نصٍّ يثبت به قول الشافعي أن من كان (٣) مسكنه من مكة على ما دون مسافة القصر، فهو من حاضري المسجد الحرام، ومن لنا بذلك (٤). ولعل السبب في ذلك، أن من كان على ما دون مسافة القصر من مكة، فهو في حكم أهل مكة في أشياء كثيرة، فلم تكن إساءته بترك الإحرام من ميقات خارجٍ من الحرم (٥)، مثل إساءة البعيد الأفقي، فلم يلتحق به في إيجاب الدم الذي هو على خلاف الأصل، والله أعلم. أمّا الشرط السادس: وهو نيَّة التمتع (٦)، فلا يختص بواحد من الأمرين، وفي كلامه إشارة إلى ذلك، والله أعلم. قطع أن (٧) المسافر الأفقي إذا جاوز الميقات غير مريدٍ للنسك، فلما دخل مكة عنَّ له أن يعتمر، ثم يحج، ففعل ذلك، لم يلزمه الدم (٨)،

стр. 1156

ذهاباً منه إلى أنّه صار من الحاضرين، وأنّه لا يشترط في ذلك (١) الإقامة (٢). وهذا شذوذ لا يعرف، وكأنه من تصرفه، فإنّه ليس (٣) في "البسيط" (٤)، و"النهاية" (٥)، وغيرهما (٦)، وكلام الشافعي (٧)، وكلام أصحابه فيما علمنا (٨)، مشتمل على اعتبار الإقامة في الحاضر المذكور، وذلك الذي لا ينبغي غيره، فإن لفظ "الحاضر" يقتضيه، وقد ذكر عقيبه (٩) "فيما إذا عنَّ له ذلك على أقل من مسافة القصر من مكة، فأحرم بالعمرة، ثم حج وجهين" (١٠)، في أنّه هل (١١) يلزمه الدم (١٢). ولا فرق بين الصورتين، بل ينبغي أن يجريا فيهما جميعاً، فإنّه لا يتقرر ما صار إليه من الفرق بينهما.

стр. 1157

والأصح منهما عند إمام الحرمين (١) إيجاب الدم (٢)، فإنّه يسمَّى متمتعاً، ولا يسمَّى من حاضري المسجد الحرام، والله أعلم. الوجهان المذكوران (٣) فيما إذا اعتمر قبل أشهر الحج، ثم حجَّ من جوف مكة، هل عليه دم الإساءة؟ أصحهما: أنّه لا يلزمه (٤)، والله أعلم. إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وأتى بأفعالها في أشهر الحج، قال: "ففي كونه متمتعاً وجهان" (٥)، وهكذا قال شيخه (٦)، وإنّما هو قولان معروفان (٧): فإن (٨) أحدهما: قاله في القديم، و"الإملاء" أنّه متمتع (٩).

стр. 1158

والثاني: قاله في "الأم" (١) - وهو أصحهما - أنّه غير متمتع (٢)، والله أعلم. قوله: "ولو عاد إلى ميقاتٍ أقرب من الميقات الأول، ففي سقوط الدم عنه تردد" (٣) يعني وجهين، وتسمية ذلك تردداً مع أن كل واحد من الوجهين، قد جزم به قائله ولم يتردد، وجهه ما سبق منا ذكره، وهو أنهما إنما خرَّجا ذلك على أصل المذهب (٤)، فيقع في أصل المذهب تردد في أنّه على وفق أيهما هو، ولا ينبغي عند هذا أن يقول: هذا الأمر لم يتبين (٥) عنده الصحيح من الوجهين. ثم (٦) إن عند القفال وآخرين: الصحيح سقوط الدم (٧)؛ لأنّه قد أحرم بالنسكين (٨) من ميقاتين خارجين عن الحرم، فلا يبقى في معنى المتمتع، والأصل عدم وجوب الدم، والله أعلم.

стр. 1159

(١) الصحيح، وما عليه الأكثر: أنّه لا يشترط في التمتع (٢) وقوع النسكين عن شخص واحد (٣)، والله أعلم. قوله: "ودم الإساءة يخالف دم التمتع، في صفة البدل، وفي (٤) أنّه يعصي ملتزمه (٥)، ويجب عليه تداركه عند الإمكان" (٦). أمّا صفة البدل: فبدل دم التمتع: صيام الثلاثة والسبعة (٧)، وبدل دم الإساءة بترك الميقات ونحوه (٨): الإطعام، ثم الصيام بالتعديل (٩)

стр. 1160

المعروف (١). وأمّا العصيان: فتارك الميقات يأثم لتركه واجباً، والمتمتع لا يأثم. وأمّا وجوب تداركه عند الإمكان فمعناه: أنّه يلزمه العود إلى الميقات، ليحرم منه، بخلاف المتمتع فإنّه لا يلزمه ذلك (٢)، فإن الصادر منه لا يخرج عن كونه جائزاً أو مستحباً، والله أعلم. (ويضاف إلى هذه الفروق) (٣): الأصح أنّه لا يشترط نيَّة التمتع (٤)؛ لأن الأمرين اللذين هما مناط التمتع (٥)، يوجدان بدون النيَّة، وأشهر الحج وقت قابل
следующие страницы →