← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ذكر في المستحاضة أنها تتلجم وتستثفر (١). فالتلجم كيفيته: أن تأخذ أولًا تكة (٢) أو نحوها، فتشدُّها في وسطها، ثم تأخذ خرقة عريضة مشقوقة الرأسين، فتشد أحد رأسيها في التكة من مقدمها وعند سرتها، وتمد الخرقة بين إليتيها وعلى فرجها، وتعقد رأسها الآخر من ورائها في التكة المشدودة في وسطها (٣). وهذا التلجم هو الاستثفار ههنا فيما ذكره صاحب "الشامل" (٤)، وغيره (٥). وهو كما قال، غير أن لهما معنيين مختلفين، وقد اجتمعا في هذا الأمر الواحد، فذلك تلجُّم لما فيه من مشابهة اللجام (٦)، وهو أيضاً استثفار لما فيه من مشابهة ثَفَر الدابة بفتح الثاء المثلثة (٧) والفاء وهو الذي يكون تحت ذنبها (٨)، وفي ذلك تسمية لتلك الخرقة لجاماً وثفراً لمشابهتها إياهما (٩)، والله أعلم. قوله: "لو انقطع بعد الوضوء ساعة" (١٠) هذا الانقطاع غير انقطاع الشفاء الذي ذكره قبله (١١)، فهذا انقطاع عاد بعده الدم، وذلك انقطاع لم يعد بعده الدم.

стр. 352

واعلم أنه متى انقطع دمها بعد الوضوء وقبل الصلاة، لزمها استئناف الوضوء في جميع الصور إلا فيما إذا عرفت من عادتها أنه يعود (١) قبل مضي زمان يسع الوضوء، ثم لم يظهر خلاف ما اعتادته، فهذه (٢) لها أن تصلي من غير استئناف الوضوء، فلو ظهر خلاف عادتها واتصل الانقطاع، لزمها استئناف الوضوء (٣)، والصلاة (٤). فقوله: "لو (٥) انقطع بعد الوضوء ساعة تتسع لوضوء وصلاة، فلم تصلِّ لزمها استئناف الوضوء السابق على الانقطاع" شامل لما سوى الصور (٦) التي استثنيناها، وهي ثلاث صور: إحداها: أن ينقطع وهي تعرف من عادتها دوام الانقطاع الساعة المتسعة لذلك، أو أخبرها بذلك أهل الخبرة والطب. وفي هذه الصورة تمنع من الشروع في الصلاة قبل استئناف الوضوء. الثانية: أن تكون عادتها عود الدم سريعاً قبل مضي الساعة المذكورة، ولكن بأن خلاف ما اعتادته، ودام الانقطاع ساعة متسعة لذلك، فههنا أيضاً يلزمها استئناف الوضوء والصلاة, وإن جاز الشروع في الصلاة من غير استئناف وضوء؛ لأنه كان بناءاً على ظنٍ (٧) بان خلافه. والثالثة: أن تكون شاكة بأن بدأت بها الاستحاضة ولم تكن لها عادة، أو لها عادة مضطربة، فيلزمها استئناف الوضوء وتمنع من الصلاة بدونه؛ لأن الأصل دوام الانقطاع، وإذا خالفت

стр. 353

وصلت من غير استئناف وبان زمان الانقطاع متسعاً لذلك، لزمها استئناف الوضوء والصلاة. وإن عاد من غير اتساع ففي إجزاء الصلاة الوجهان المذكوران في آخر الباب (١). هذا تفصيل المذهب (٢) في ذلك إذا عرفته عرفت ما في قوله: "ولو انقطع في الحال وهي لا تدري أيعود أم لا؟ فإن كان لا يبعد من عادتها العود فلها الشروع في الصلاة" (٣) فقوله "لا تدري أيعود أم لا؟ " عبارة (٤) غير لائقة بالمعتادة التي فيها التفصيل الذي ذكره، و (٥) إنما هي عبارة لائقة بصورة الشك التي لا يترتب عليها التفصيل الذي ذكره، ولا يجيء فيها ما ذكره من جواز الشروع في الصلاة بلا خلاف في المذهب (٦). ثم إن المعتادة (٧) لا يكفي في جواز شروعها في الصلاة من غير استئناف الوضوء أن لا يبعد العود من عادتها، بل يحتاج ذلك إلى أن يظهر من عادتها ذلك (٨)، والله أعلم.

стр. 354

ومن الباب الثاني في المستحاضات قوله: "وهن أربع" (١) بل هن خمس، والخامسة: الناسية المتحيرة المطلقة وغير المطلقة (٢). وقد أفردها بباب، فلعله فعل ذلك لكونها قسماً من أقسام المعتادة. ورجع عن هذا في باب التلفيق (٣) وجعلهن أربعاً والناسية الرابعة منهن، وحذف المعتادة المميزة؛ لوضوح حكمها، واستغناءً (٤) بما قدَّمه منها في هذا الباب. قالوا: مبتدأة بفتح الدال، مفعولة على أنه يقال: ابتدأها الدم فهي مبتدأة، ولم أجده منصوصاً عليه في كتب اللغة، ولم يقلها الفقهاء بكسر الدال على أنها فاعلة كما في المعتادة وباقي المستحاضات، والله أعلم. قوله في المميزة: "روي أن فاطمة بنت أبي حبيش (٥) قالت: إني استحاض فلا (٦) أطهر. فقال ﷺ : إنما هو دم عرق انقطع، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" (٧) هذا الحديث ثابت في

стр. 355

"الصحيحين" (١)، وغيرهما (٢) دون قوله "انقطع"، فإنه زيادة لا تعرف (٣). وإنما لفظه المتفق عليه: (إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي). وأما قوله "فاغتسلي"، فرواه ابن عيينة (٤)، رواه (٥) البخاري عنه ومسلم (٦) من

стр. 356

غير شك (١). و (روى) (٢) الحميدي (٣) صاحبه عنه (وكان) (٤) خبيراً بحديثه: أنه شك فيه فقال: (وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي أو قال اغسلي عنك الدم وصلي) (٥). وقوله "عرق انقطع" كأنه رواه من توهم (٦) أن الكلام بذلك ينتظم ويتم، وذلك وهم؛ فإن دم الحيض يخرج من قعر الرحم، ودم الاستحاضة يسيل من عرق يقال له (٧) العاذل فيما روي عن (٨) ابن عباس ﵄ (٩) - بالعين المهملة، والذال المنقوطة، وهو عرق يقع فمه الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره (١٠)، فقوله ﷺ : (إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة) إشارة إلى هذا، والعلم عند الله تعالى.

стр. 357

والحيضة: ذكر الإمام الخطابي (١): "أن الصواب فيها كسر الحاء، أي الحالة التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالقِعدة والجِلسة". وذكر الزبيدي في "مختصر العين" (٢): أنه بكسر الحاء الاسم، والله أعلم. وجه الدلالة في هذه الرواية الصحيحة أن سياق الحديث دال على أن المراد بإقبال الحيضة وإدبارها: إقبال صفة دم الحيض (٣) المعروفة به الغالبة عليه (٤) وإدبارها، وليس المراد إدبار نفس الدم؛ فإنها قد أخبرت أنه مستمر بها (٥) غير منقطع (٦). ثم إن المصنف أتى بما هو أوضح في (٧) ذلك فقال: "وفي رواية: دم الحيض أسود محتدم بحراني، ذو دفعات، له رائحة تعرف" (٨) لكن هذه رواية ضعيفة لا تعرف (٩).

стр. 358

قوله: "المحتدم: اللذَّاع للبشرة بحدته" (١) فمعنى اللذَّاع: المحرق (٢). وقوله: "البحراني: الناصع اللون" (٣) يعني: الخالص اللون (٤). وفي الجمع بين هذا ووصفه بالسواد شيء (٥). وقد قال إمام الحرمين (٦): "لم يعنِ به أسوداً حالكاً، وإنما أراد أنه تعلوه حمرة مجسَّدة كأنها سواد من تراكم الحمرة". قلت (٧): وقد قال الزبيدى (٨): "الدم البحراني: الشديد الحمرة". وقال الخطابي (٩): "هو الدم الكثير الغليظ الذي يخرج من قعر الرحم، ينسب إلى البحر لكثرته وسعته". قوله (١٠): "ذو دفعات" الأجود فيه ضم الدال من دفعات؛ فإن الدفعة بالضم للمدفوع (١١)، وبالفتح: المرة الواحدة من الدفع الذي هو المصدر (١٢). ويستغنى عن هذه الرواية الضعيفة بما رواه أحمد بن حنبل (١٣)،

стр. 359

وأبو داود (١)، والنسائي (٢)، وابن ماجه (٣): أن رسول الله ﷺ قال لها: (إن دم الحيض أسود يعرف، فإن كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا (٤) كان الآخر فتوضئي وصلي). وهذا وإن لم يخرَّج في "الصحيحين"، فهو حديث حسن محتج به (٥)، والله أعلم. قوله فيما إذا رأت (أولًا) (٦) خمسة حمرة، ثم ستة عشر سواداً، ثم أطبقت الحمرة: "هي فاقد للتمييز؛ لأن تجريد النظر إلى الأولية ضعيف" (٧) أراد أنها فاقدة للتمييز بالاتفاق على الوجوه الثلاثة المذكورة (٨)، وإن كان من قال في المسألة التي قبلها (٩): إنه تجرد النظر إلى الأولية إذا قلنا: بالجمع وتعذر، فهو

стр. 360

يقول ههنا: خمسة الحمرة أولًا حيض، ولا تكون فاقدة للتمييز. لكن لا يمنعنا ذلك من القطع بأنها فاقدة للتمييز؛ لأن ذلك وجه ضعيف، لا يبالى به (١)، هذا مراده بهذا الكلام، والله أعلم. قوله فيما إذا رأت المبتدأة خمسة عشر يوماً دماً أحمر، ثم انقلب إلى السواد: "ولا تعهد (٢) امرأة تؤمر بترك الصلاة شهراً (كاملًا) (٣) إلا هذه" (٤) هذا فيه تقصير من حيث إنها تترك الصلاة أكثر من شهر؛ فإنها في أول الشهر الثاني تتحيَّض ستاً، أو سبعاً، أو يوماً وليلة؛ فإنها مبتدأة لا (٥) تمييز لها (٦)، والله أعلم. قوله في المبتدأة غير المميزة: "والثاني: أنها ترد إلى غالب عادة (٧) النساء؛ لقوله ﷺ لبعض المستحاضات: (تحيَّضي في علم الله ستاً، أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن) (٨) فقوله (٩) "لبعض المستحاضات" غير

стр. 361

مستقيم مع كونه مستدلًا به على حكم مستحاضة معينة، وهذه المستحاضة (١) هي: حمنة بنت جحش أول اسمها حاء مهملة مفتوحة، ثم ميم ساكنة، ثم نون (٢). وما ذكره مختصر من حديثها، ونصُّه على جهته: أن رسول الله ﷺ قال لها - بعد كلام -: (فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة (٣) وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر كما يحيض النساء، وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن ... الحديث). أخرجه أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وغيرهما (٦). وقال البخاري والترمذي: هو حديث

стр. 362

حسن (١)، وقال أحمد بن حنبل: "هو حديث صحيح" (٢). ثم إن (٣) من المشكل أنه ليس في الرواية بيان أنها من أي المستحاضات كانت، وقد ذكر الإِمام الشافعي (٤) وغيره (٥): أنه يحتمل أنها كانت معتادة، وشكت في الست، أو السبع أيتهما عادتها، فردها إلى ذكرها لما تعلمه (٦) من عادتها. فنقول: قوله (كما تحيض النساء ويطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن) يدل على أنه (٧) ردَّها إلى عادة النساء من غير اعتبار لعادتها، ويلزم من هذا أن (٨) تكون مبتدأةً غير

стр. 363

مميزة (١)؛ إذ لا جائز أن تكون غيرها من المستحاضات؛ إذ كل واحدة منهن قد دللنا على أنها لا ترد إلى غالب عادة النساء والله أعلم. قوله (٢) "تحيَّضي في علم الله" تحقيق معناه: افعلي ما تفعله الحِيَّض فيما علمه الله من عادة (٣) النساء و (٤) هي ست أو سبع، وأعلمك إياه فتعرَّفي ذلك عنه. وعلم الله ههنا معلومه (٥). وقوله (ميقات حيضهن) منصوب على الظرفية أي في (٦) ميقات حيضهن (٧) وهو أول الشهر، ومبتدأ الشهر من حين رؤية الدم. قال صاحب "التتمة" (٨): "وليس المراد (٩) من الشهر: الشهر الهلالي، لكن شهراً بالعدد ثلاثين يوماً"، والله أعلم. قوله: "ثم الوقت الذي حُكِمَ بتطهيرها فيه ماذا (١٠) تفعل؟ فعلى قولين" (١١) هذا ليس على إطلاقه، بل هو عندهم مخصوص بما كان منه في الخمسة عشر أما ما جاوز منه الخمسة عشر فلا خلاف أنها لا تحتاط فيه كالمتحيرة، بل هي فيه (١٢) كالمستحاضة الطاهرة (١٣)، والله أعلم.

стр. 364

حديث المرأة التي استفتت لها أم سلمة ﵂ (١) حديث حسن، أخرجه الأئمة الثلاثة مالك (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وأبو داود (٥)، والنسائي (٦)، وغيرهم (٧). وقوله "فإذا خلَّفت ذلك" (٨) هو بتشديد اللام: أي تجاوزت ذلك، وجعلته خلفها (٩). والاستثفار المذكور قد شرحناه في الباب الأول (١٠)، والله أعلم.

стр. 365

قوله في آخر الصورة الخامسة: "أو نتشوَّف إلى الأولية فنجعل بقية الشهر استحاضة" (١) لا يتوهمنَّ من قطعه بهذا ههنا أن الوجه الثاني الذي ذكره معه في الصورة التي قبلها (٢) في زيادة حيضها في هذا الدور خاصة، لا تجيء ههنا، بل تجيء أيضاً، وقد ذكره شيخه (٣)، فنحيِّضها العشرة الأخيرة من هذا الشهر مع الخمسة الأولى (٤) من الشهر الثاني فيصير حيضها في هذا الدور خمسة عشر، ثم يحكم لها بالطهر خمسة وعشرين يوماً (٥)، ثم نحيِّضها في أول الدور الثالث خمستها، و (٦) تعود إلى الأدوار القديمة (٧). ولكنه وجه ضعيف (٨)، فكأنه تهاون به، فلم يعدَّه، والله أعلم.

стр. 366

قوله: "المبتدأة إذا رأت خمسة سواداً، ثم أطبق الدم على لون واحد، ففي الشهر الثاني: نحيضها خمسة؛ لأن التمييز أثبت لها عادة" (١) هذا (٢) كلام مُغلِط يُفهم منه غير الصواب، فإنه إذا كان الدم (٣) المطبق بعد السواد هو الدم الضعيف لم يكن الحكم فيه ما ذكره، بل حكمه ما ذكره في الفرع المذكور في آخر باب النفاس (٤): من أنها تكون طاهرة في زمان الدم الضعيف، وإن استمر سنة فصاعداً. وذلك قضية القاعدة في المميزة، وإنما هذا (٥) مخصوص بما إذا بطل تمييزها بإطباق الدم الأسود كما فيما (٦) ذكره شيخه (٧) ﵀ وإيانا - من صورتها، أو نحو ذلك، وذلك أن تتمكن من التمييز وتُردُّ إليه، مثل أن ترى الدم الأسود خمسة أيام، والدم الضعيف خمسةً وعشرين (٨)، ويتكرر ذلك مراراً، ثم يستمر الدم الأسود ويجاوز الخمسة عشر، فترد إلى الخمسة (٩)؛ لأن (١٠) التمييز أثبتها (١١) عادة لها.

стр. 367

وقول صاحب الكتاب: "ففي الشهر الثاني نحيضها خمسة" صورته على هذا: أن ترى خمسة سواداً، ثم خمسة وعشرين حمرة، ثم ترى السواد في الشهر الثاني ويطبق، فترد إلى الخمسة على أن العادة تثبت بمرة واحدة (١). ثم إن قوله "لو رأت السواد في العشرة فترد إلى العشرة ولا يخرَّج على الخلاف في إثبات العادة بمرة؛ لأن هذه عادة تمييزية فتنسخها مرة واحدة كغير المستحاضة إذا تغيرت عادتها القديمة مرة (٢) فإنا نحكم بالحالة الناجزة" (٣) هذا دائر بين احتمالين: أحدهما: أن يكون أراد ما إذا كانت ترى خمسة سواداً، وخمسة وعشرين حمرة، وتكرر ذلك، ثم رأت في شهر عشرة سواداً وباقي الشهر حمرة، ثم استمر السواد في الشهر الذي بعده وأطبق، فنردها إلى العشرة، لا إلى الخمسة السابقة، وعلى هذا فدعواه أنه لا يُخرَّجُ على الخلاف في ثبوت العادة بمرة (٤) مشكلة؛ فإنَّ تغيُّر التمييز مع استمرار أصل (٥) الدم، لا يزيد على التغيُّر بانقطاع الدم من أصله وبالطهر المحسوس (٦)، كما إذا كانت عادتها أن تحيض خمسة وينقطع وتكرر ذلك، ثم رأت في شهر عشرة وانقطع، ثم في الشهر الذي بعده رأت الدم واستمر فإن الخلاف جار في أنها ترد إلى العشرة وتثبت العادة بمرة، أو ترد إلى الخمسة ولا تثبت بمرة (٧). واحتجاجه بغير

стр. 368

المستحاضة لا يستقيم؛ فإنه لا يعتمد فيها على عادة تسبق حتى يقال: تثبت العادة في حقها بمرة أو لا تثبت. وإنما الاعتماد فيها على رؤيتها الدم في زمان الإمكان فاعلم ذلك، والله أعلم. الثاني: أن يكون أراد بذلك نفس الشهر الذي رأت فيه عشرة السواد، والحكم بأنها ترد فيه إلى التمييز (الناجز) (١) فيه في العشرة، ولم يرد بذلك شهراً آخر بعد شهر (٢) العشرة (٣) بطل فيه التمييز باستمرار السواد (٤). ويشهد لإرادته هذا: استشهاده برد غير المستحاضة إلى الحالة الناجزة إذا (٥) تغيَّرت عادتها القديمة. ويشهد للاحتمال الأول قوله: "و (٦) لا يُخرَّج على الخلاف في إثبات العادة بمرة". فإن ردها في نفس شهر العشرة إلى العشرة (٧)، ليس رداً إلى العادة، بل حكماً بالناجزة، وأي الصورتين أراد فليس ينفك عن مؤاخذة؛ إن أراد الأولى ففي استشهاده بغير المستحاضة كما بينت. وإن أراد الثانية ففي قوله "ولا يخرَّج على الخلاف في ثبوت العادة بمرة" كما بينت. والإمام شيخه إنما ذكر الثانية ولم يقل: ولا يخرَّج على الخلاف في إثبات العادة بمرة. ولكن قال: فهي الآن مردودة إلى العشرة ولا يخرَّج هذا على الخلاف في تقديم العادة، أو التمييز (٨)،

стр. 369

وهكذا ذكره هو (١) في "بسيطه" (٢)، وادعى أن الخلاف إنما هو في عادات تقدمت في غير الاستحاضة مع أطهار مستقيمة إذا عارضها التمييز القائم في زمان الاستحاضة (٣)، وهذه عادات كانت تمييزية في أيام الاستحاضة فلا تُقَدَّم على تمييز ناجز بحال. وهذا لا بأس به، والله أعلم. قوله في الصفرة الواقعة فيما وراء عادتها: "لقول زينب بنت جحش: كنا لا نعتد بالصفرة وراء العادة شيئاً" (٤) هذا منكر لم أجده في شيء من كتب الحديث، وكأنه تصحيف مما ذكره شيخه (٥) وهي (٦) حمنة بنت جحش، وذلك أقرب، ولم يصح أيضاً فيما نعلم (٧)، والله أعلم. قوله: "والثالث: وإن كان ما تقدَّمها من الصفرة دم قوي ولو لحظة فهو حيض لقوته، وإن كان الكل صفرة فنقتصر على أيام العادة فيه (٨) " (٩) هذا لفظه

стр. 370

في "الوسيط" على ما حققته بنيسابور وكان أصل المصنَّف بها، وهو كلام مشكل، وتلخيصه وتقريره: إن كان الواقع وراء العادة من الصفرة هو ما تقدَّمه دم قوي ولو لحظة فهو حيض لقوته (١). ووجه صحته أن الواقع وراء العادة قد سبق ذكره، فرجع (٢) الضمير في "كان" إليه، وصار (٣) قوله "ما تقدَّمها" خبراً له، وقوله "من الصفرة" بيان له، على أن (٤) "من" فيه لبيان الجنس، وأنَّث الضمير في قوله "تقدَّمها" لأن لفظة "ما" فيه وقعت على مؤنث وهو الصفرة، والله أعلم.

стр. 371

ومن الباب الثالث في المتحيرة (١) قوله في أول الأهلة: "إنه مبادئ أحكام الشرع" (٢) ليس بمقبول (٣)، وشيخه إنما قال فيه: "فإن المواقيت الشرعية هي الأهلة" (٤)، والله أعلم. ذكر أنها تؤمر بالاحتياط والأخذ بأسوأ الاحتمالات في أمور، وجعل الثالث منها (٥) ما لا تؤمر فيه بالاحتياط والأخذ بأسوأ الاحتمالات وهو: اعتدادها بثلاثة أشهر إذا طُلِّقت (٦). وهذا لا وجه له من حيث نظم الكلام، وإن لم يلزم منه تغليط في الحكم والله أعلم. قلت: يمكن أن يقال: إن اعتدادها بثلاثة أشهر فيه احتياط من حيث إن عدتها بالأقراء، وقد تكون ثلاثة أقراء أقل من ثلاثة أشهر، بل الغالب أن تكون أقل، وأما كون ذلك أسوأ الاحتمالات فهو أسوأها باعتبار أحوال الأقراء في حق من لم تخرج في حيضها وطهرها عن غالب عادات النساء في مجموع زمن الطهر والحيض، والكلام فيمن لم يعلم من عادتها أنها خرجت في مجموع الزمنين عن شهر، فإن علم من عادتها ذلك فلا تعتدُّ بثلاثة أشهر، وأما إن لم يعلم ذلك ولا ضده فيحمل الأمر على الغالب

стр. 372

فيه؛ لاطِّراده دائماً إلا في النادر , بخلاف مقادير الحيض والطهر فإنها غير مطردة على حال واحدة كاطراده، والله سبحانه أعلم (١). قوله في إيجاب قضاء ستة عشر يوماً إذا صامت جميع شهر رمضان: "قال الشافعي ﵁: تقضي خمسة عشر يوماً. وكأنه لم يخطر له تقدير الطرآن وسط النهار" (٢) هذا كما تراه! فيقال له: فقد خطر ذلك لغيره من أئمة أصحابه، ولم يوجبوا إلا قضاء خمسة عشر يوماً (٣)، وسببه ما نذكره إن شاء الله تعالى. ومن العجب أنه مع قولهه هذا، قد (٤) قال هو في الباب الذي بعد هذا فيما إذا كان حيضها خمسة أضلتها في الشهر فصامت شهر رمضان: "إنها تقضي خمسة" (٥). ولم يقل: تقضي ستة لاحتمال الطرآن. ولا يتهيأ له من العذر ما يتهيأ للإمام الشافعي ﵁، لا هذا العذر القاصر الذي اعتذر هو به، إذ قد خطر له ههنا تقدير الطرآن، وتلك المسألة في الذكر قريبة (٦) من هذه (غير) (٧) بعيدة، ولا

стр. 373

ما اعتذر به الأصحاب وذكروه من المستند كذلك؛ إذ منهم من قال: إن (١) كلام الإِمام مفروض فيمن علمت من عادتها أن حيضها لم يكن يطرأ وسط النهار (٢). وهذا منتف فيما ذكره لما ننبِّه عليه إن شاء الله تعالى من كلامه هناك. وفيما علقته بنيسابور - صانها الله تعالى وسائر بلاد الإِسلام وأهله - من كتاب "المحيط بمذهب الشافعي ﵁ " تأليف الشيخ أبي محمد الجويني (٣): "أن عامة مشايخهم لم يوجبوا عليها إلا قضاء خمسة عشر يوماً"، وحكى عن شيخه القفال عن شيخه أبي زيد (٤) قوله: "إن الواجب عليها قضاء ستة عشر يوماً لاحتمال الطرآن". ثم قال: "وهذا (٥) الذي قاله محتمل ظاهر، غير أن الذي أجمع عليه أصحابنا (٦): سلوك سبيل التخفيف والترفيه (٧) في بعض الأحوال". قلت: وممن (٨) قال بالخمسة عشر من العراقيين: أبو علي صاحب "الإفصاح"، والشيخ أبو حامد الأسفراييني، والمحاملي ﵃ (٩). قلت: وما

стр. 374

ذكره الشيخ أبو محمد من التخفيف يحتاج إلى تمام؛ فما بالتحكم يخصُّ بالتخفيف شيئاً دون شيء. فأقول: أما الاقتصار في قضاء الصوم على خمسة عشر (١) فلأن تقدير الطرآن في وسط النهار تقدير أمر مفسد للصوم بعد انعقاده، والأصل عدمه، وليس كذلك طرآنه ليلاً، فإنه حينئذٍ لا ينعقد من أصله. وأما التخفيف في قضاء الصلوات بعد أدائها، وفي اعتدادها بثلاثة أشهر؛ فلأن ذلك حرج شديد، والأصل انتفاؤه في الشريعة السمحة، والله أعلم. قوله في قضاء الصوم: "تُقَدِّرُ الشهر نصفين، وهو الدور بكماله في تقديرنا" (٢) يعني تقديرنا أكثر الحيض خمسة عشر يوماً (٣)، فإن المراد بالشهر ثلاثون (٤) يوماً، فإذا كان الحيض خمسة عشر (٥)، والطهر خمسة عشر فقد كمل بهما الثلاثون يوماً. وما ذكره من الضابط في صوم يومين فما زاد من الأضعاف، وزيادة يومين (٦)، مطرد في صوم (يوم) (٧) واحد؛ فيكون المجموع أربعة أيام (٨)، فتصوم

стр. 375

يومين ولاءً من أول الشهر، ويومين (١) ولاءً من أول (٢) النصف. لكن لم يذكر ذلك اختياراً لما هو الأقل (٣)، وهو الثلاثة المذكورة (٤)، والله أعلم. قوله في قضائها الصلوات الفائتة: "فإن كان (٥) عليها مائة ظهر (٦): فتضعِّف وتريد صلاتين، فتأتي بالنصف وهو: مائة صلاة وصلاة في أول الثلاثين في أي وقت شاءت" (٧) أي تجعل الثلاثين في أي وقت شاءت، ولا يتعيَّن أول الشهر (٨). ثم قال: "وإنما استغنينا في الصلاة بزيادة صلاتين على الضعف؛ لأن الانقطاع في واحدة لا يفسد ما مضى من الصلوات" (٩) فقوله "استغنينا" أي عما تقرر في صوم اليوم الواحد (١٠)، والصلاة الواحدة من فعلهما (١١) ثلاث مرات: مرتين في أول الثلاثين مع التخليل بينهما بما يسعهما، ومرة ثالثة في أول السادس عشر مع تأخيرها عن أوله بمقدار ما خللت به أولاً بين الأوليين (١٢). وطرد ذلك غير واحد

стр. 376

من الأصحاب في الصلوات المتعددة (١) فقال: تصليها أولًا على الولاء، ثم تصبر حتى يمضي مثل الأوقات التي صلتها فيها، ثم تعيدها جميعها مرة أخرى، ولها الفسحة إلى آخر الخمسة عشر، ثم تصبر حتى يمضي (٢) من أول السادس عشر مقدار الوقت المتخلل بين المرتين الأوليين، ثم تعيدها مرة أخرى. وهذا وإن كانت تخرج به (عن) (٣) العهدة فقد استغنينا عنه بما دون ذلك وهو: التضعيف مع زيادة صلاتين، وفعل النصف أولًا على الولاء والاتصال من غير فصل وتخليل؛ لأنا في الصلاة الواحدة خشينا من انقطاع الحيض أو طرآنه المفسد لها، فتحرَّزنا عن ذلك بتكريرها ثلاث مرات مع الفصل والتخليل. وأما الصلوات فهي عبادات متعددة، (و) (٤) إنما يؤثِّر الطرآن والانقطاع بإفساد قضاء واحدة دون غيرها، ويحصل الاحتراز عن ذلك بزيادة صلاتين؛ لأن طرآن الحيض في وسط واحدة، وانقطاعه في أخرى إنما يفسد صلاتين، والكلام مفروض فيما إذا كان الجميع من جنس واحد، فتسلم مائة لا محالة (٥). وذلك ما عليها. وعلى الجملة فاستقصاء (٦) التقديرات في الصورتين شاهد بهذا الفرق بينهما.

стр. 377

وأما قوله: "لأن (١) الانقطاع في واحدة لا يفسد ما مضى من الصلوات" فعقدة من العقد، وكان ينبغي أن يقول: لأن الطرآن (٢)؛ فإن (٣) ما ذكره شأن الطرآن دون (٤) الانقطاع الذي يتقدمه لا محالة الحيض المفسد لما مضى قبله. وقد تأولناه له بعد الجهد الجهيد، والأمد الطويل، على أنه ليس المراد (٥): لأن الانقطاع في (٦) واحدة لا يفسد ما مضى من الصلوات بما يتقدم الانقطاع من الحيض. بل المراد أن الانقطاع لا يفسد ذلك بما يتقدمه من طرآن الحيض الذي هو مما احترزنا عنه في الصلاة الواحدة بما ذكرناه وقلنا: يحتمل أن يطرأ الحيض في واحدة، وينقطع في أخرى على ما شرحناه (٧)، والله أعلم. ومما أخلَّ به في ذلك مما لا بد منه، ما ذكره الإِمام (٨): من أنه يجب أن يُراعى أن تكون أزمنة الصلوات واغتسالاتها في أول السادس عشر مثل أزمنتها أولًا؛ كيلا يفسد النظام إذ يمكن أن يقع ما يزيد على مثل (٩) الأزمنة الأولى في (١٠) حيض جديد من السادس عشر والله أعلم.

стр. 378

ومن الباب الرابع في المتحيرة التي تحفظ شيئاً قوله فيما إذا "قالت: كنت أخلط شهراً بشهر حيضاً، لحظة من (١) أول السادس عشر طهر بيقين، ثم بعده إلى آخر التاسع والعشرين يحتمل الحيض، ولا يحتمل الانقطاع" (٢) فهذا كذا وقع في "الوسيط"، و"البسيط" (٣)، وهو سهو، وصوابه: إلى آخر الثلاثين (٤)؛ فإنه ليس مرادهم بالشهر في هذا، وهذه المسائل الشهر الهلالي؛ فإنه يلزم أن يكون ما يذكره من ذلك دائراً بين اليوم (٥) التاسع والعشرين، واليوم الموفي ثلاثين، تارة في هذا، وتارة في هذاك (٦) بحسب نقصان الشهر وتمامه، وإنما المراد بالشهر في ذلك ثلاثون يوماً، تعيَّن مبدأها في وقت بعينه. وتذكر أنها كانت تخلط آخر تلك الثلاثين بأول الثلاثين التي بعدها وهكذا هلمَّ جرا. وفي كلام إمام الحرمين إشعار بتصوير (٧) ذلك على ما ذكرناه (٨)، والله أعلم.

стр. 379

قوله في الحالة الأولى للضالة: "أن تحفظ قدر الحيض، ولا تحفظ الأيام التي كان فيها" (١) أي لا تعيَّن أياماً من بعض الشهر محلاً لها، بخلاف الحالة التي بعدها. ثم مثَّل ذلك فقال: "إذا قالت: أضللت خمسة في شهر، وأحفظ أني كنت لا أخلط شهراً بشهر، فتتوضأ لكل صلاة إلى انقضاء الخامس، ثم تغتسل عند كل (٢) صلاة إلى انقضاء (٣) الشهر، فإذا جاءها شهر رمضان تصوم كله ثم تقضي خمسة" (٤) هذا سهو، والصواب: أنها تقضي ستة لاحتمال الطرآن في أثناء يوم (٥)، والانقطاع في أثناء اليوم السادس (٦)، ولعله - رحمنا الله وإياه - وقع في هذا لما سبق منه في قول الإِمام الشافعي ﵁ في المتحيرة المطلقة إذا صامت شهر رمضان تاماً: تقضي خمسة عشر يوماً. من قوله: "كأنه لم (٧) يخطر له تقدير (٨) الطرآن وسط النهار" (٩). ولا يتهيأ له من الاعتذار في هذا ما يتهيأ للإمام الشافعي في ذلك، من أنه فرض المسألة في امرأة حفظت أن حيضها كان

стр. 380

لا يطرأ نهاراً على ما سبق. فإن قوله "تغتسل عند كل صلاة" يأبى كونه فرضها فيما إذا حفظت أن حيضها لم يكن يطرأ نهاراً (١) فإن هذه لا تغتسل في صلوات النهار؛ لأنه (٢) لا يحتمل حالها الانقطاع نهاراً (٣). وكذلك ما ذهب إليه من قال: إن ذلك من التخفيف، وتركٌ لبعض التشديد؛ لأن عدم الخطور الذي جعله المستند في ذلك يأبى ذلك؛ لكون اختيار التخفيف يستدعي الخطور. ومن العجب هذا الذهول مع قرب عهده بذلك. ثم إني وجدت الفوراني قد ذكر ذلك كما (٤) ذكره (٥)، وله عادة بالنسج على منواله، فكأنه نقله من كتابه من غير فكر (٦) فيه. وهو سهو قاله من قاله، والفوراني أيضاً ممن يقول بإيجاب قضاء ستة عشر يوماً في صيامها جميع شهر رمضان (٧). فسبحان مصرِّف القلوب، وإياه نسأل العصمة والتوفيق والله أعلم. قوله في العادة الدائرة: "وتكرر ذلك ثم استحيضت" (٨) هذا التكرير (٩) شرط، وإن قلنا: العادة تثبت بمرة (١٠) فلو أنها حاضت مرة في شهرٍ ثلاثة، ثم

стр. 381

في الشهر الثاني خمسة، ثم في (الشهر) (١) الثالث سبعة، ثم استحيضت في الرابع، فلا خلاف أنها لا نردُّها في استحاضتها إلى انتظام هذه الأقدار في الأدوار وإن قلنا: العادة تثبت بمرة (٢)؛ لأن الكلام في أن اختلاف الأقدار في الأدوار على الاتساق والانتظام هل تثبت عادة تردُّ إليها؟ ولا يوجد ذلك بدون التكرر (٣)، والله أعلم. قوله: "فإن قلنا: لا ترد إلى العادة الدائرة فثلاثة أوجه" (٤) هو منفرد عن غيره بنقل هذه الأوجه، بناءاً على هذا (٥) الوجه (٦). والمنقول عن القائلين بهذا الوجه: أنها ترد إلى ما كانت عليه في الشهر الذي قبيل شهر (٧) الاستحاضة (٨). وإنما ذكر شيخه هذه الوجوه في صورة عدم التكرير (٩)، وهي (١٠): ما إذا وجد هذا الاختلاف في أشهر ثلاثة مرة واحدة، ثم استحيضت ففيما ترد إليه في شهر الاستحاضة هذه الأوجه. فكأن صاحب الكتاب تصرَّف بنقلها من صورة عدم

стр. 382

التكرير، إلى صورة (١) التكرير (٢)، والعلم عند الله ﵎. ثم إن اقتصاره أولًا على القول بأنها كالمبتدأة، ثم إعادته ذلك في جملة الوجوه (٣) ترجيح منه له، والله أعلم.

стр. 383

ومن الباب الخامس في التلفيق (١) النقاء (٢): بمدِّ (٣) ومن قصره فقد أحال المعنى؛ لأنه بالقصر عبارة: عن مجتمع الرمل (٤) مما يشكل ضبط الفترات المقطوع بكونها حيضاً قولًا واحداً، وقد حررت في ضبطها من كلام الشيخ أبي حامد الأسفراييني (٥)، ومما علق عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في "الخلافيات" (٦) أن الفترة المذكورة: عبارة عن حالة انقطاع الدم التي لا يحصل فيها (٧) في الفرج نقاء، بل يبقى فيه لوث وأثر حتى لو أدخلت فيه قطنة يخرج عليها حمرة، أو صفرة من أثر الدم، فهي في هذه الحالة حائض قولًا واحداً طال ذلك أو قصر، ومهما (٨) صار الفرج (٩) نقياً

стр. 384

بحيث لو أدخلت قطنة خرجت بيضاء، فذلك محل الخلاف. فهذا ضبط جلي مرضي. وفات ذلك صاحب "النهاية"؛ فإنه ذكر (١) أن الأصحاب لم يذكروا في ذلك ضبطاً (٢)، ومنتهى المذكور فيه (٣) أن ما يعتاد تخلله بين دفع (٤) الدم فهو من الفترات الملحقة بالحيض، وما يزيد على المعتاد في ذلك فهو على القولين جميعه من غير أن يستثنى قدر الفترة منه، ثم ضبط ذلك من عند نفسه، فذكر أن الحيض يجتمع في الرحم، ثم يدفعه الرحم شيئاً فشيئاً، فإن الرحم ليس منكَّساً في الخلقة حتى يسيل ما فيه دفعة واحدة، فإذا خرجت منه دفعة (٥) من الفرج ثم انقطع بقدر ما تنتهي دفعة أخرى من الرحم إلى منفذ الفرج فذلك مقدار الفترة، والزائد على ذلك هو النقاء الذي فيه القولان. هذا شرح ما قاله، ويتجه مخالفته في استثناء قدر الفترة من النقاء الزائد عليها على مقتضى الضبط الأول (٦)، والله أعلم. قوله: "فالعادة لا تؤثر في ترك العبادة مع النقاء، ولهذا إذا استحيضت هذه لم تلتقط أيام الحيض من دورها حتى يتخللها أيام (٧) الطهر على قول التلفيق أيضاً" (٨) هذا كلام مشكل، وتفسيره مع تقريره: أن ترك العبادة لا يثبت بالعادة

стр. 385

مع النقاء (١)؛ لأن ذلك لو ثبت لكان (٢) بناءاً على تقدير عود الدم بعده، والنقاء موجود حسَّاً، والأصل استمراره، ويلزم من هذا أن لا يثبت النقاء المتقطع بالعادة، ولأجل عدم ثبوت النقاء المتقطع بالعادة قال الأصحاب: لو استحيضت التي تقطع (٣) دمها في زمان صحتها، واتصل دمها في استحاضتها من غير تقطع فإنا لا نلتقط في شهر الاستحاضة الأيام التي كانت ترى فيها الدم، ونجعل حيضها فيها، والأيام التي كانت ترى فيها النقاء نجعلها طهراً على قول التلفيق، ولا نقول قد ثبت لها النقاء المتقطع في ذلك بالعادة (٤). وقوله "أيضاً" أتى بكلمة "أيضاً"؛ لأن الأول على قول ترك التلفيق، أي كما لم يثبت النقاء المتقطِّع بالعادة على قول ترك التلفيق، لا يثبت على قول التلفيق أيضاً , والله أعلم. قوله: "لو حاضت عشراً وطهرت خمس سنين، ثم كذلك مرات، ثم استحيضت، فلا نديم طهرها إلى هذا الحد، وعند هذا (يعسر) (٥) ضبط مردًّ (٦)، فقال (القفال) (٧): غاية الدور تسعون يوماً: الحيض منها خمسة عشر فما دونها، والباقي طهر؛ لأنه اكتفي في عدة الآيسة بثلاثة أشهر، فلو تصوِّر

стр. 386

أن يزيد الدور عليه لما اكتفي به. وهذا المتعلق (١) في هذا المضيق لا بأس به" (٢) (هذا) (٣) قد حكاه شيخه (٤) وقال: "إن الشرع جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر، فكان أقرب معتبر". ولم يزد على هذا، وما زاده (٥) صاحب الكتاب من قوله "لو تُصوِّر أن يزيد الدور عليه لما اكتفي به" غير مستقيم؛ فقد زاد الدور على ذلك قطعاً وحساً في غير المستحاضة كهذه التي صُوِّرت (٦) المسألة فيها (٧)؛ فإنها حاضت عشراً، وطهرت خمس سنين مراراً، فدورها خمس سنين وعشر. ثم إنا نتعجب من قول القفال هذا، كيف أثبت مثل هذا الحكم!؟ وقضى بحيض وطهر اعتباراً بالعدة التي يغلب في تفصيلها التعبد، ويلحظ في أصلها براءة الرحم، فأين الباب من الباب؟!، وأين ما يصحح القياس من جامع وغيره؟. والظاهر من إطلاق الأصحاب الحكم بأن المعتادة ترد في قدر حيضها وطهرها إلى عادتها (٨): أنا نردها إلى ما تقدم من طهرها، وإن طال ودام سنين كثيرة، وقد صرَّح الشيخ أبو حامد الأسفراييني (٩)، وغيره من أصحابنا (١٠) بذلك،

стр. 387

ولا بعد فيه (١)؛ فإن ذلك استحاضة وهي علة مزمنة، تمتد أمد دمها الفاسد، والحديث المعتمد في المعتادة (٢) مطلق (٣)، والله أعلم. قوله في المستحاضات: "وهن أربع" (٤) ترك الخامسة وهي: المعتادة المميزة؛ استغناءً بذكره المعتادة، وبذكره المميزة على (٥) ما سبق في الباب الثاني (٦)؛ من أنها على وجهٍ: حكمها حكم المعتادة المجردة، وعلى وجهٍ: حكمها حكم المميزة، والله أعلم. قوله على قول التلفيق: "لو كانت تحيض نصف يوم، وتطهر نصف يوم، فتصلي في وقت النقاء، وتترك في وقت الحيض، ولا يبقى مع هذا التقدير: بأقل الحيض، وأقل الطهر، معنى" (٧) هذا مندفع؛ فإنا لم نجعل ذلك حيضاً وطهراً، بل بعض حيض ويعض طهر، وإنما الحيض والطهر فيه - كل واحد منهما - القدر الذي قدرناه (٨)، ولكن يفرق كل واحد منهما في الآخر، وإنما نفينا

стр. 388

ذلك في نصف يوم مقتصراً عليه (١)، والاعتماد على (٢) الوجود، وهذا يوجد (٣)، والله أعلم. قوله على قول التلفيق فيما إذا انقطع الدم على أقل (٤) من يوم وليلة: "في وجوب الغسل وجهان: ... الثاني: يجب؛ لأنه دم في زمان إمكان الحيض فلتغتسل بناءاً على النقاء المشاهد" (٥) وفي عدة نسخ: فلتقتصر، بدلاً من قوله: "فلتغتسل"، والصحيح فلتغتسل، و (٦) معناه: أن النقاء بعد دم يحكم بكونه دم حيض (٧) يوجب الغسل، وهذا الخلاف إنما هو في الانقطاع الأول (٨)، فإذا تكرر الانقطاع ففيه ما سبق قريباً في (٩) الاعتماد على العادة (١٠) في التقطع (١١)، والله أعلم. قوله عقيب الصورة الثالثة من مسائل المعتادة: "هذا (١٢) كلام في الدور الأول من استحاضة (١٣) ذات التلفيق. أما الدور الثاني: فإن انطبق فيه الدم

стр. 389

على أول الدور على ترتيبه في الأول لم يختلف الحكم، وإن اقتضى تعاقب الحالين تراخي الدم عن أول الدور الثاني، فيتعدَّى فيه (١) نظر أبي إسحاق (٢) إلى أول الدور، ونظر الأصحاب إلى الدم، وبيانه بصور ذكرناها في المذهب" (٣) فقوله "هذا كلام" ليس إشارة إلى المذكور في الصورة الثالثة فحسب، بل إليها وإلى غيرها من الصور المذكورة (٤). ومثال ما ذكره من انطباق الدم على أول الدور الثاني: ما إذا كانت ترى يوماً دماً، ويوماً نقاءً. ومثال انطباق النقاء على أول الدور الثاني: ما إذا كانت ترى يومين دماً، ويومين نقاءً. وهذا مما ذكره من الصور الثلاث (٥)، لكن لم (٦) يتعرض إلا لحكمها في الدور الأول دون الثاني. ومن أمثلة ذلك من (٧) الصور التي ذكرها في "البسيط" (٨)، ومن "النهاية نقلها (٩):

стр. 390

لو كانت عادتها أن تحيض عشراً، وتطهر عشرين، فاستحيضت وتقطع دمها ستاً ستاً، فإن الدور الثاني ينطبق (١) على أوله (٢) ستة النقاء، فأبو إسحاق يحمله (٣) على الأولية ويقول: قد خلا من العشر الأول ستة عن الدم، فتقتصر على تحيضها الأربعة الباقية التي رأت فيها الدم من العشر. وغيره من الأئمة لا يبالي بفوات الأولية، ويجعل ابتداء دورها الثاني من السابع، ويلحق ستة النقاء الأولى بالدور الأول، ويقول: صارت ستة وثلاثين يوماً. ثم إن فرَّعنا على ترك التلفيق، اقتصرنا على تحييضها ستة ولاءً من أول السابع، وإن فرَّعنا على (٤) التلفيق أما مع مجاوزة أيام العادة من الخمسة عشر على وجه، وأما من العشرة من غير مجاوزة (٥) العادة على ما تقدم شرحه على وجه، فيحسب ابتداء العشرة، أو الخمسة عشر من أول السابع (٦)، والله أعلم. و (٧) قوله "المذهب البسيط" عبارة خراسانية - ويسمون نهاية المطلب: "المذهب (٨) الكبير" - أي كتاب المذهب البسيط، والله أعلم. ذكر أن المبتدأة إذا تقطَّع (٩) دمها: فيوماً دماً، ويوماً نقاءً، فهي في الدور الأول تصوم وتصلي في أيام النقاء إلى خمسة عشر، فإذا تجاوز ذلك بان أنها
следующие страницы →