لسُبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سُبع" (١) هذا الحديث (٢) غريب ضعيف غير معروف عند أهل الحديث (٣)، وقد رواه الشافعي بإسناد لا يقوى في كتابه القديم عن سعد القرظ (٤) قال: (أذنَّا في زمن النبي ﷺ بقباء، وفي زمن (٥) عمر بالمدينة فكان أذاننا (٦) للصبح لوقت واحد: في الشتاء لسبع ونصف يبقى، وفي الصيف لسبع يبقى منه). فهذا الواقع في هذا الكتاب وغيره (٧) فيه تغيير؛ وإنما هو على علاَّته: سبع ونصف وسبع. وكذلك ذكره صاحب "التقريب" (٨). وذكر إمام الحرمين الروايتين (٩) من غير تعرض لما نبهنا عليه، والله أعلم.
وسعد القرظ هذا هو: مضاف إلى القرظ بفتح القاف والراء، والظاء المعجمة القائمة وهو الذي يدبغ به، وليس فيه ياء النسبة، وكثير من الفقهاء يصحفونه: القرظي بضم القاف مع ياء النسبة اعتقاداً لكونه منسوباً إلى بني قريظة، وكذلك
стр. 422
وقع في كثير من نسخ هذا الكتاب وهو غلط، وإنما لُقِّبَ بهذا؛ لأنه كان كلما اتجر في شيء خسر فيه، فاتجر في القرظ فربح فيه فلزم التجارة فيه، فَلُقَّبَ به، والله أعلم.
قوله: "لو اقتصر على ما بعد الصبح أجزأه" (١) وفي بعض النسخ على ما قبل الصبح. وكلاهما جائزان، ولكن "بعد" هو الصحيح في النقل، وهو (٢) الذي علقته مما علق عنه في درسه، وفوقه صحّ بخطي، وذلك هو المستحب عند إرادة الاقتصار على أحدهما؛ فإنه العهود في سائر الصلوات (٣)، والله أعلم.
قوله فيما إذا وقع بعض الصلاة خارج الوقت: "إن جعلناه قضاءً لم يجز التأخير إليه قصداً" (٤) هذا يشعر بجواز التأخير إليه إذا جعلناها (٥) مؤداة، وذلك فيه تردد من الشيخ أبي محمد الجويني (٦) ومال إلى أنه لا يجوز، وهو المقطوع به في "التهذيب" (٧)، والله أعلم.
стр. 423
ثم إنه أطلق ذكر البعض وإطلاقه يجيء على قول في أن المعذور يدرك بتكبيرة (١)، والصحيح أن هذا (٢) الخلاف لا يجيء فيما إذا كان البعض الواقع في الوقت ما دون ركعة بل يقطع بكونها قضاءً (٣)، والله أعلم.
حديث الصلاة (٤) (أول الوقت رضوان الله (٥)) (٦) رواه الدارقطني من حديث جرير بن عبد الله (٧)، وقد روي من حديث أنس (٨). وخرَّج الترمذي (٩) نحوه من حديث ابن عمر ﵄، ولا يصح هذا الحديث قال الحافظ أحمد
стр. 424
البيهقي - بعد أن رواه من حديث ابن عمر وضعّفه: "وقد روي (١) بأسانيد أخر كلها ضعيفة (٢) " قلت: تغني عنه أحاديث منها (٣): ما روي عن ابن مسعود قال: (سألت رسول الله ﷺ أي العمل (٤) أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها). رواه ابن خزيمة بهذا اللفظ في "صحيحه" (٥)، والله أعلم.
ما ذكره من حديث اشتكاء النار إلى ربها ﵎، والأمر بالإبراد بالظهر (٦) رواه البخاري (٧) ومسلم (٨) من حديث أبي هريرة بمعناه. وفيح جهنَّم: غليانها واشتداد حرها وانتشاره (٩).
стр. 425
قوله: "ثم قيل: إن الإبراد سنة للأمر الوارد، وقيل: رخصة" (١) هذا مشكل (٢)، وكذا هو في "البسيط" (٣)، و"النهاية" (٤) غير مبيَّن، فأقول: قد سبق أن التأخير في غير حالة الإبراد تقصير، فأثر الرخصة في حالة الإبراد على هذا الوجه يظهر في نفي التقصير، مع أن الفضيلة في التقديم، بخلاف الوجه الآخر؛ فإن الفضيلة فيه في التأخير، وهذا الآن واضح، وقد كنت تطلبت لذلك بخراسان شرحاً وبياناً، فوجدت بخط الشيخ أبي محمد الجويني فيما علقه عن شيخه القفَّال من شرحه "للتلخيص (٥) " عند ذكره (٦) قول صاحب "التلخيص" (٧) في الإبراد: "فمنهم من جعل تأخيرها أفضل، ومنهم من جعلها رخصة". قال الشيخ أبو محمد (٨): "فقلت للشيخ ما معنى قوله "ومنهم من جعلها رخصة" وقد أجمعوا على أنه يجوز له أن يصلي الصلاة في آخر وقتها، فكيف يسمى الإبراد رخصة؟ فقال الشيخ: إنما يسمى ذلك رخصة على معنى أنه يؤخرها ثم يدرك مع ذلك فضيلة التقديم إلى أول الوقت، وإن كان يجوز له تأخيرها" (٩). ووجدت في "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي السنجي تلميذ
стр. 426
القفال ما حكايته: التأخير أفضل على ظاهر الخبر من التعجيل ومنهم من قال وهو الأصح: إن التأخير رخصة، وليس (١) بعزيمة، فالأفضل أداؤها في أول الوقت، وللشافعي ما يدل عليه (٢). وذكر صاحب "التهذيب" (٣) نحواً مما ذكره أبو علي، غير أنه قال: "الأصح أن التأخير أفضل". ووجدت فيما علق عن صاحب الكتاب في تدريسه له: هذا أمر ورد عقيب الحثِّ على المبادرة إلى الصلاة في أول الوقت والأمر بذلك، فكان أمر (٤) رخصة وإباحة في تأخيرها في شدة الحرَّ، وكان هذا الأمر يشبه الأمر الوارد عقيب الحظر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا (٥) حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٦). فأقول: أما هذا وما قاله الشيخ أبو علي فراجعان إلى ما ذكرته أولًا، وبما ذكرته يتمَّان ويتقرران، وأما ما ذكره الإِمام القفال فهو (٧) غير مرضي، وحاصله يرجع إلى أنه رفع الخلاف (٨) بين الوجهين، وادعى اتفاقهما على أن التأخير أفضل؛ فإنه أثبت فيه فضيلة التقديم، ومعلوم أن فضيلة التقديم هي الأفضلية، وردَّ الخلاف إلى تسميته رخصة، وذلك خلاف
стр. 427
ما يوجبه إيراد صاحب "التلخيص" له (١)، فإنه يقتضي أن التأخير ليس بأفضل على الوجه الثاني، والعلم عند الله ﵎.
قد يستبشع عده الكفر من الأعذار (٢)، ولكن لما كانت الصلاة لازمة في (٣) حال الكفر وسقطت عنه بإسلامه، كما سقطت عن الحائض ونحوها، عُدَّ من المعذورين نظراً إلى الإسقاط (٤)، والله أعلم.
إيجاب الظهر على المعذورين المذكورين بإدراكهم وقت العصر (٥) رويناه في كتاب "السنن الكبير" (٦) عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس ﵃. قال الحافظ أحمد البيهقي: "ورويناه عن جماعة من التابعين، وعن الفقهاء السبعة من أهل المدينة ﵃" (٧). وقياسنا إياهم على المعذور بالسفر إنما هو في توسيع الوقت عليهم، وذلك في نفسه تخفيف، وإيجاب الظهر عليهم
стр. 428
لازم من ذلك لا أنه محل القياس، على أنه من حيث المعنى لا يضاد التخفيف من حيث كونه تأهيلاً (١) لهم للعبادة المكتوبة، والله أعلم.
القول بأنه لا يعتبر في ذلك إدراك زمان الطهارة (٢)، في توجيهه إشكال مع أنه الأصح عند صاحب "النهاية" (٣)، وتقريره: أن الطهارة إنما تعتبر في الصحة لا في الإلزام؛ ولهذا تجب الصلاة على المحدث مع أنه في حالة الحدث غير متمكن من أدائها، وذلك لما تقرر في أصول الفقه في مسألة "خطاب الكفار بالفروع": من أنه ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلاً حالة الأمر به (٤)، والله أعلم.
قوله: "المتعدي بالظهر قبل فوات الجمعة، لا يصح ظهره على وجه" (٥) إنما هو قول مشهور (٦)، وقد ذكره هو في كتاب الجمعة قولًا (٧)، والله أعلم.
стр. 429
قوله: "لأن سقوط القضاء عن المجنون رخصة، وعن الحائض عزيمة" (١) ذكر في الدرس أن الفرق بينهما عسر، وأورد عليه وجوب قضاء الصوم عليها. ونحن نقرر الفرق بعون الله تعالى: فاعلم أن العزيمة: عبارة عن كل حكم ثابت على وفق الدليل. والرخصة: عبارة عن كل حكم ثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح (٢). فإذا عرفت ذلك فإنما كان سقوط قضاء الصلاة عن الحائض عزيمة؛ لأنها مكلفة بترك الصلاة، فإذا تركتها فقد قامت بالأمر في الترك، فلم تُكَلَّف مع ذلك بالقيام بالأمر بالفعل قضاء، ولم يجمع عليها قيام بالأمرين تركاً وفعلاً، فهذا مناسب معقول موافق للدليل. ولا نقول: الفرق بين الصلاة والصوم كثرتها وندرة الصوم حتى يكون إسقاط قضائها تخفيفاً ورخصة، بل سبب إسقاط قضائها ما ذكرناه. وذلك يقتضي إسقاط قضاء الصوم أيضاً، غير أن للشارع زيادة عناية بصوم رمضان، فأوجب قضاءه عليها بأمر مجدَّد في وقت ثان، وتسميته قضاء مجاز، وهو في الحقيقة فرض مبتدأ، فمخالفة الدليل - إن كانت - ففي وجوب قضاء الصوم، لا في سقوط قضاء الصلاة. فتقرر إذاً أن سقوط قضاء الصلاة عنها (٣) ليس رخصةً، وأن المرتدة ساوت المسلمة في مستنده فتساويا في الحكم فيه. وأما إن سقوط القضاء عن المجنون رخصة؛ فلأن الدليل يقتضي أن من فاتته الصلاة في وقتها - من غير أن يكون مكلفاً بتركها في وقتها - يؤمر بقضائها في وقت ثانٍ؛ لئلا يخلو من وظيفتها , ولهذا وجب
стр. 430
قضاؤها على النائم، وإنما أسقط ذلك عن المجنون تخفيفاً عنه ورخصة، والمرتد (١) ليس أهلاً لذلك، فألزم بقضائها بعد إسلامه وإقامته (٢) لذلك، فاعلم ذلك، فقد قررته، فتقرر إن شاء الله تعالى (٣).
قوله ﷺ : "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ... إلى آخره (٤) مخرَّج في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري (٥)، ومن حديث أبي هريرة (٦)، وغيره من الصحابة (٧) نحوه ﵃.
قوله: "ووجه تعلقهما (٨) بالفعل أنه يتمادى بالبدار" (٩) عبارة قلقة، وتحريرها أن نقول: وجه تعلقهما بالفعل: أنهما إنما يوجدان بوجود الفعل حتى يطول زمانهما بالبدار، ويقصر بالتأخير، أو نحو هذا (١٠)، والله أعلم.
стр. 431
ما ذكره من حديث: (أن الشمس تطلع ومعها قرن شيطان فإذا ارتفعت فارقها) (١) رواه الإِمام مالك في "موطئه" (٢)، والنسائي (٣). والراوي له الصنابحي، وهو بصاد مهملة مضمومة بعدها نون ثم ألف ثم باء موحدة ثم حاء مهملة ثم ياء النسب، وسماه مالك عبد الله، وخالفوه في ذلك وقالوا: إنما هو أبو عبد الله واسمه عبد الرحمن (٤)، والله أعلم.
وقرن الشيطان: ورد ذكره في عدَّة أحاديث (٥)، فقيل: قرنه أمته وشيعته (٦).
стр. 432
وقيل: قرنه جانب رأسه (١)، وهذا ظاهر هذا (٢) الحديث. ومعناه: أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون للشمس في هذه الأوقات كالساجدين له، وحينئذٍ يكون له ولشياطينه تسلط زائد، وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم، ويهوشونها (٣) (عليهم) (٤) فكرهت لهم الصلاة (فيها) (٥) صيانة لها، كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان (٦). وفي حديث عمرو بن عبسة (٧) عنه ﷺ وهو مما أخرجه أبو داود (٨) والنسائي (٩) - (فإنها تطلع
стр. 433
بين قرني شيطان فيصلي لها الكفار) وفي رواية النسائي (حتى ترتفع قيد رمح)، وفيه في الغروب (فإنها تغرب بين قرني شيطان، ويصلي لها (١) الكفار)، وفيه في حالة الاستواء (فإن جهنَّم تسجَّر وتفتَّح أبوابها) وهذا لا ينافي ما ذكرناه؛ فإن فتح أبواب جهنَّم يوشك أن يكون لاستيلاء الشيطان، وما يصدر من شيعته حينئذٍ، والله أعلم.
قوله: "فأما المنوط بالطلوع فمن وقت بدو إشراق الشمس إلى طلوع قرصها.
وقيل: يمتد إلى استيلاء سلطان الشمس لقوله ﷺ : (فإذا ارتفعت فارقها) " (٢)
فقوله "بدو إشراق الشمس" غير مستقيم على هذا الوجه؛ لأن إشراق الشمس إضاؤتها يقال: شرقت شروقاً (٣) إذا طلعت، وأشرقت إشراقاً إذا أضاءت بعد طلوعها (٤)، فالصواب إذاً ما وقع في بعض النسخ: بدو شروق الشمس (٥).
قوله (٦) في الوجه الآخر "إلى استيلاء (سلطان الشمس" يسبق إلى الفهم منه استيلاء) (٧) حرِّها, وليس ذلك المراد منه، بل المراد به (٨) ظهور شعاعها. وكأن هذا هو (٩) قول من قال: حتى ترتفع قيد رمح (١٠)، وذلك هو الصحيح لحديث عمرو بن عبسة، والله أعلم.
стр. 434
قوله (١): "وأما الاستواء فهو عبارة عن وقت (٢) وقوف الظل" (٣) معناه ما ذكره في الدرس: أن ترى الظل كأنه واقف، وإن لم يكن بالحقيقة واقفاً؛ فإن الشمس لا تفتر عن سيرها أبداً، وهي (٤) أبداً متحركة، والظل بحسبها يتحرك، والله أعلم.
حديث قيس بن قهد (٥) رواه الشافعي (٦)، وأخرجه أبو داود (٧)، وابن ماجه (٨)، والترمذي (٩)، وذكر الترمذي أن الراوي له عن قيس (١٠) محمد بن إبراهيم التيمي (١١)
стр. 435
ولم يسمع منه، فهو مرسل (١). وقيس وابن قهد بالقاف لا بالفاء (٢)، والله أعلم.
قطع بكراهيَّة (٣) ركعتي الإحرام (٤)؛ لأن سببها متأخر، وهو غيب قد لا يوجد. وفيه وجه آخر: أنهما لا يكرهان، وهذا نراه أقوى؛ لأن سببهما إرادة الإحرام وذلك غير متأخر (٥).
وقوله: "و (٦) في الاستسقاء تردد؛ لأن تأخيره ممكن" (٧) هذا إذا نقض بالفائتة أجبنا: بأن الفائتة تأخيرها خطر، ويخشى منه فتور الداعية، ولا كذلك
стр. 436
الاستسقاء؛ فإنه يجتمع له الناس بأبلغ رغبة ورهبة، فلا يخشى من تأخيرها عن الوقت المكروه - مع قصره - فتور وفوت، والمسألة فيها وجهان لفريقين من الأصحاب، كل منهما جازم بقوله غير متردد (١)، فتعبير المصنف عن ذلك بالتردد غير مرضي، وله من ذلك الكثير، وقد اعتذرت له (٢) بأن كل واحد من الوجهين مخرَّج على أصل المذهب، فينشأ منهما تردد بالنسبة إلى أصل المذهب، والله أعلم.
قوله: "وأما استثناء يوم الجمعة فلما روى أبو سعيد (٣) الخدري أنه نهى (٤) عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة) (٥) هكذا وقع ههنا من غير تصريح بالناهي وهو رسول الله ﷺ ، وهو مصرَّح به في غير هذا الكتاب (٦)، وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري (٧) في جماعة من الصحابة بأسانيد لا تقوى. و (٨) رواه أبو داود (٩) من حديث
стр. 437
أبي قتادة (١) وذكره أن في إسناده إرسالاً (٢). ورواه الشافعي من حديث أبي هريرة (٣)، ونبَّه الحافظ الإِمام (٤) أحمد البيهقي على ضعف أسانيده ثم (٥) قال: "والاعتماد على أن النبي ﷺ استحب التبكير إلى الجمعة، ثم رغَّب في الصلاة إلى خروج الإِمام، من غير تخصيص ولا استثناء" (٦)، والله أعلم.
قوله: "بل هو خاصيَّة يوم الجمعة" (٧) معناه: لا يكره فيه عند طلوع الشمس، وغروبها , ولا في شيء من الأوقات. وهذا ضعيف؛ فإن الحديث لا يقتضي ذلك إلا عند (٨) الاستواء (٩)، والله أعلم.
حديث أبي ذر في استثناء مكة (١٠) فيه نظر وإسناده ضعيف، وقد رواه
стр. 438
الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وأخرجه الدارقطني (٣)، والبيهقي (٤) والله أعلم.
قوله (٥) "أخذ بعضادتي الكعبة (٦) " أي بعضادتي بابها، وهما الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل وشماله (٧). وفي غير هذه الرواية: فأخذ بحلقة باب الكعبة (٨)، والله أعلم.
حديث: (يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت في (أي) (٩) ساعة شاء من ليلٍ أو نهارٍ) (١٠). رواه جبير بن مطعم (١١)
стр. 439
أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣)، وابن ماجه (٤). قال الترمذي فيه: "حسن صحيح". وفي رواية له صحيحة: (فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي (٥) ساعة شاء) (٦). وهذا يصلح دليلاً في الصلاة، واحتمال حمله على ركعتي الطواف قوي، والله أعلم.
الوجهان المذكوران في انعقاد الصلاة في هذه الأوقات (٧) مأخذهما: أن النهي راجع إلى نفس الصلاة، أو إلى أمر خارج. وهذا لا يحملنا على (٨) أن نقول: هذه الكراهة كراهة تحريم (٩)، خلافاً لما دلَّ عليه إطلاقهم: من أنها كراهة
стр. 440
تنزيه (١)؛ وذلك أن نهي التنزيه أيضاً يضاد الصحة إذا رجع إلى نفس الصلاة، فإنها (٢) لو صحت لكانت عبادة مأموراً بها، والأمر والنهي الراجعان إلى نفس الشيء يتناقضان على ما تقرر في أصول الفقه (٣)، والله أعلم.
قوله في جواز أداء المنذورة فيها (٤): "لأن النذر سبب كالقضاء" (٥). ذهب بعض المشايخ إلى (٦) أنه كان ينبغي أن يقول: كالفوات؛ لأنه هو السبب (٧). قلت: ليس ذلك على ما توهمه؛ فإن النذر ههنا ليس (٨) عبارة عن فعل النذر، الذي هو الالتزام، حتى يقابل بالفوات، وإنما المراد بالنذر والقضاء: وصف الصلاتين بكونهما (٩) منذورة ومقضية. فصفاتهما هاتان سبب لجواز فعلهما فيها (١٠)، والله أعلم.
стр. 441
ومن باب الأذان
ما ذكره من الحديث في بدء الأذان (١) لم نجده بجملته في رواية واحدة، وهو كالملتقط مما جاء في ذلك من روايات متفرقة مع تفاوتها في صحة أسانيدها (٢). وما ذكره من أن عبد الله بن زيد هو أذن أولًا (٣). لم أجده بعد البحث، وهو غير صحيح (٤)، وفيما رواه أبو داود (٥)، وغيره (٦) خلافه، وأن بلالاً هو الذي أذَّن أولًا بإلقاء عبد الله بن زيد (٧) عليه. وكذلك لم أجد بعد إمعان البحث ما ذكره من رؤيا بضعة عشر من الصحابة مثل ذلك (٨)، والله أعلم. وقوله ﷺ : (فإنه أندى منك صوتاً (٩)): أي أبعد صوتاً وأرفع (١٠).
стр. 442
قوله (١): (روي أن (٢) النبي ﷺ قال لأبي سعيد الخدري: إنك رجل تحب الغنم والبادية (٣)، فإذا دخل وقت الصلاة فأذَّن وارفع صوتك؛ فإنه لا يسمع صوتك شجر، ولا مدر، ولا حجر إلا شهد لك يوم القيامة) (٤). أصل هذا الحديث ثابت رواه الشافعي عن مالك (٥)، وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٦) عن ابن أبي أويس (٧) عن مالك. لكن قول صاحب الكتاب وقول شيخه (٨): (إن
стр. 443
النبي ﷺ قال لأبي سعيد: إنك رجل تحب الغنم والبادية). وهم وتحريف، إنما القائل لذلك أبو سعيد للراوي (١) عنه وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة (٢): إني أراك تحب الغنم والبادية. ولفظه في كتاب البخاري عن أبي صعصعة المذكور: أن أبا سعيد الخدري قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية (٣) فإذا كنت في غنمك أو (٤) باديتك فأذَّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ، ولا أنسٌ، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ ). ورواية الشافعي عن مالك نحو هذا أيضاً.
قوله: "فلا أذان في جماعة النوافل كصلاة الخسوف، والاستسقاء، والجنازة، والعيد" (٥) كان ينبغي أن يُؤخِّر ذكر الجنازة ويقول: وكذا صلاة الجنازة؛ فإنها ليست من النوافل (بل) (٦) فرض كفاية عنده (٧)، وعند غيره (٨).
стр. 444
قوله: "بل ينادى لها: الصلاة جامعة" (١) هو (٢) بنصب الصلاة على الإغراء، وبنصب جامعة على الحال (٣). والذي ذكره أبو حامد الأسفراييني (٤)، وصاحب "التهذيب" (٥)، وآخرون (٦) أنه لا ينادى لها أيضاً: الصلاة جامعة. ولكن ما ذكره المصنف قد ذكره جماعة (٧)، والله أعلم.
ما ذكره في الجمع بين الصلاتين في وقت الثانية من أنه يشهد للقول بأنه: لا يؤذن، ويقتصر على إقامتين لهما أن رسول الله ﷺ أخَّر المغرب إلى العشاء بالمزدلفة بإقامتين (٨). فهذا ممّا اختلفت الرواية فيه عن رسول الله ﷺ ، وذلك مستند اختلاف القول؛ فروى البخاري (٩) من حديث ابن عمر (أنه ﷺ جمع بينهما كل واحدة منهما بإقامة)، وفي رواية (لم يناد في كل واحدة منهما إلا بإقامة) (١٠)، وروى مسلم في "صحيحه" (١١) من حديث جابر (أنه ﷺ جمع
стр. 445
بينهما بأذان وإقامتين)، ورواية جابر في الحج ترجحت على رواية غيره؛ بأنه اقتص ذكر (١) حجته ﷺ فساقه سياقة دلت (٢) على جودة حفظه. وأيضاً ففي رواية عند (٣) أبي داود (٤) وغيره (٥) ابن عمر أيضاً أنه أذَّن وأقام للمغرب، والله أعلم.
قوله: "الجماعة الثانية في المسجد المطروق هل يؤذن لها؟ فيه قولان نقلهما صاحب "التقريب"" (٦)، (ليس فيما رأيناه من النقل عن صاحب "التقريب") (٧) التقييد بالمطروق (٨)، فلعل (٩) المصنِّف خصَّصه بالمطروق؛ لأن إقامة الجماعة الثانية في غير المطروق الذي له إمام راتب مكروهة على الأصح (١٠)؛ أو لأن الحاجة إلى إقامة الجماعة الثانية إنما تدعو غالباً في المسجد المطروق (١١)، والله أعلم.
стр. 446
قوله: "الأذان مثنى مثنى مع الترتيل (١)، والإقامة فرادى مع الإدراج (٢) بأخبار صحت في ذلك" (٣). هذا صحيح في كون الأذان مثنى والإقامة فرادى روينا عن أنس ﵁ أنه قال: (أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة). اتفقا على صحته (٤)، وفي رواية البخاري (٥): (إلا الإقامة) (٦)، ورواه يحيى بن معين (٧)، وقتيبة بن سعيد (٨): (أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا بذلك)، (٩). وأمّا
стр. 447
وصف الترتيل في الأذان والإدراج فروي فيه حديث لا يصح؛ وهو ما رويناه من حديث جابر وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لبلال: (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذم) (١). ورويناه موقوفاً من كتاب أبي عبيد في "غريب الحديث" (٢) بإسناده عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس (٣) أن عمر بن الخطّاب قال له ذلك. قال أبو عبيد: "قال الأصمعي: الحذم: الحدر في الإقامة، وقطع التطويل" (٤). قلت: هو الحذم بالحاء المهملة والذال المعجمة (من قاله الجذم بالجيم أو بالخاء المعجمة) (٥) فلم يصب في روايته (٦)؛ أخبرت بقراءتي في كتاب "مجمع الغرائب" عن جامعه أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي (٧) قال عند ذكره هذا
стр. 448
الحديث كما ذكرته: "أصل الحذم: الإسراع في المشي، فأمَّا الخذم والجذم بالخاء والجيم فهما من القطع وليسا في هذا الحديث" (١)، والله أعلم.
قوله: "وبالغ مالك في الإفراد" (٢) يعني في الإقامة، فيقول: الله أكبر مرة واحدة، وكذلك في آخر الأذان، وفي: قد قامت الصلاة مرة واحدة، والله أعلم.
قوله: "الترجيع مأمور به لقول (٣) أبي محذورة (٤): علمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة (٥) كلمة" (٦) رواه مسلم (٧)، وأبو داود (٨)، والترمذي (٩)،
стр. 449
والنسائي (١)، وغيرهم (٢)، وهو في رواية مسلم وأكثر الروايات مفصَّل مع الترجيع تسع عشرة (٣) كلمة، وإن لم يقولوا: تسع (٤) عشرة كلمة، والله أعلم.
التثويب في أذان الصبح (٥) رواه أبو داود (٦)، وغيره (٧) في حديث أبي محذورة. ولم يخرَّج في "الصحيحين". وأكثر أصحابنا أو (٨) الكثير منهم لما يجعلوا المسألة ذات قولين، ورأوا القطع باستحبابه (٩). وفي "المهذب" (١٠): "قال أصحابنا يسن
стр. 450
ذلك قولاً واحداً، وإنما كرهه في الجديد لأن أبا محذورة لم يحكه، وقد صحَّ ذلك في حديث أبي محذورة (١) "، والله أعلم.
قوله: "المشهور أنه ليس ركناً وجهاً واحداً، وفيه احتمال (٢) " (٣) أي ليس فيه خلاف، وإن كان في الترجيح خلاف. "وفيه احتمال (٤) " أبداه شيخه (٥)؛ لأنه كسائر الأذان في شرعيَّة رفع الصوت به (٦)، فكان أولى بالخلاف من الترجيع (٧)، والله أعلم.
ثم إنه عدَّ (٨) رفع الصوت في الأذان العام الذي يعتبر فيه الإبلاغ ركناً، والترتيب شرطاً (٩). وقد سبق منه في الوضوء عدُّ الترتيب ركناً (١٠) وهذا مشكل وشرحه: أن المبلغ إنما هو أذان يرفع به الصوت، (فرفع الصوت) (١١) إذاً جزء من المبَلَغ فكان ركناً فيه، والترتيب هئية فيه يحصل أصل الإبلاغ والإعلام بدونه لما فيه من التصريح بقوله (١٢): حيَّ على الصلاة. ثم إنَّ له التساهل
стр. 451
بتسمية الشرط ركناً على جهة الاستعارة، ولهذا عدَّ الترتيب ركناً في الوضوء. وسيأتي إن شاء الله ﵎ تمام الكلام في هذا في أول باب استقبال القبلة، والله أعلم.
قوله في (١) أذان الكافر لا يصح: "ويتصور ذلك منه إذا كان (٢) عيسوياً أن يعتقد أن محمداً ﷺ رسول الله إلى العرب (٣) " (٤) العيسوية: طائفة من اليهود، وليست هذه التسمية (٥) نسبة (٦) إلى عيسى بن مريم ﷺ وعلى نبينا والنبيين وسلم، وإنما هي (٧) نسبة إلى أبي (٨) عيسى الأصفهاني اليهودي (٩). ولا يضيق تصوير ذلك، ولا ينحصر فيما ذكره، بل ذلك متصور في كل كافر؛ لأنه وإن صار مسلماً بالشهادتين، فأول أذانه باطل لكفره حينئذٍ، فيبطل أذانه ببطلان أوله (١٠)، والله أعلم.
стр. 452
قوله: "ولا يعتد بأذان المجنون، والسكران المخبط" (١) هو المخبَط بفتح الباء، وهو الذي غلب عليه (٢) السكر حتى صار كالنائم، والمغشي عليه (٣). فالصحيح أنه لا يجري فيه الخلاف في أن السكران كالصاحي في أقواله وأفعاله (٤)، والله أعلم.
قوله في صفات المؤذن: "أن يكون عدلاً ثقة" (٥) جمع بينهما كما جمع الشافعي بينهما (٦)، واختلف أصحابه في وجه ذلك، فقيل: جمع بينهما تأكيداً. وقيل: أراد عدلاً إن كان حراً، ثقة إن كان عبداً. وقيل: أراد عدلاً في دينه، ثقة في علمه بالأوقات (٧)، والله أعلم.
قوله: "وقيل: سبب امتناعه (٨) ﷺ " (٩) تقديره: وقيل: بل الأذان أفضل، وسبب امتناعه ﷺ (من الأذان) (١٠) كذا وكذا. وما ذكره من السبب في ذلك
стр. 453
يشتمل على دعاوى غير صحيحة، والصحيح في سبب ذلك (١): (أن) (٢) اشتغاله ﷺ بأعباء النبوة، والأمور المهمة كان يشغله عن التأذين؛ لاحتياجه إلى صرف وقتٍ في مراقبة المواقيت، كما امتنع الخلفاء الراشدون منه مع انتفاء ما ذكره من السبب فيهم. وعن عمر ﵁ أنه قال: "لو أطقت الأذان مع الخِلِّيفي لأذنت" (٣). والخلِّيفي بكسر الخاء وتشديد اللام المكسورة: الخلافة (٤)، والله أعلم.
стр. 454
ومن باب استقبال القبلة (١)
قوله في صخرة بيت المقدس. "هي قبلة الأنبياء" (٢) - صلى الله عليهم - مروي عن الزهري (٣)، ولم نجد له إسناداً صحيحاً (٤). ومشهورٌ أن إبراهيم ﷺ وعلى نبينا - كانت قبلته الكعبة، وذلك هو السبب في ائثار رسول الله ﷺ استقبال الكعبة فيما رواه (ابن) (٥) جرير الطبري (٦) بإسناده عن ابن عباس ﵄ (٧). وروى أيضاً عن مجاهد (٨) أن السبب: قول اليهود: يخالفنا محمَّد ويتبع
стр. 455
قبلتنا (١). وهذا أقوم من قول (٢) صاحب الكتاب: "عيَّرته (٣) اليهود وقالوا: إنه على ديننا ويصلّي إلى (٤) قبلتنا" (٥) وينبغي أن يفسر: بأنه على ديننا في (٦) القبلة.
قوله: "وكان (٧) يقف بين الركنين اليمانيين" (٨) هو (٩) مقتضى ما رويناه عن ابن عباس ﵄ أنه كان يصلّى نحو بيت المقدس والكعبة بي يديه (١٠). فإن هذا إنّما يتهيأ بالوقوف بين الركنين اليمانيين. والركنان اليمانيان: أحدهما: الركن الأسود الذي لا يسمى منفرداً بالركن اليماني، لكن هذا من باب قولهم في أبى بكر وعمر: العمران، وفي الأب والأم (١١): الأبوان. والياء في آخر اليماني غير مشددة عند جماهير النحويين لكونها ليست (١٢) ياء النسب؛
стр. 456
لأن الألف عوض منها (١)، فلا يجمع بين العوض والمعوض (٢). وأجاز المبرد (٣)، وغيره (٤) تشديدها، وهو غريب شاذ عند أهل العربية، والله أعلم.
قوله: "وللاستقبال ثلاثة أركان: الصلاة، والقبلة، والمصلّي" (٥) قلت: للإمام الغزالي ﵀ وإيانا - تصرف في استعمال لفظة الركن، كرره في تصانيفه، قد أشكل على الأكثرين (٦) تحقيقه، وتنقيحه، ومع كثرة تداوره (٧) في
стр. 457
كتبه لم أجد أحداً (١) تقدّم بكشفه من أهل العناية بكلامه، وقد منَّ الله تعالى الكريم بكشفه بعد مدة مديدة (٢). ووجه الإشكال فيه: أن ركن الشيء عند الغزالي (٣)، وغيره (٤): "ما تركبت حقيقة الشيء منه ومن غيره". ثم إنه لا يزال في أمثال هذا (٥) يستعمل الركن فيما ليس جزءاً من الحقيقة كما فعله ههنا؛ فإنه عدَّ الصّلاة، والمصلّى، والقبلة أركاناً للاستقبال، وليست داخلة في حقيقة الاستقبال قطعاً، ولا يستقيم أن يقال: إنه (٦) أراد بالركن ما لا بدَّ منه في الاستقبال مثلًا تجوُّزاً منه؛ لأن ذلك يبطل (٧) بالزمان والمكان، ويبطل بالشروط فإنها لا بدَّ منها وهو يجعلها غير الأركان. فأقول - والله الموفق -: إنَّ ركن الشيء - فيما نحن بصدده، وفي (٨) أمثاله - عبارة عمَّا لا بدَّ للشيء منه (٩) في
стр. 458
وجود صورته عقلاً، إما لكونه داخلاً في حقيقته، وإما لكونه لازماً له به (اختصاص) (١)، فقولنا: لا بدَّ له منه وجود صورته فيه: احتراز عن الشرط؛ فإنه لا بدَّ منه في وجود صحته شرعاً، لا في وجود (٢) صورته (٣) حسَّاً. ومن أجل هذا اعتذر في كتاب النكاح حيث عدَّ (٤) الشهادة من الأركان فقال: هي شرط لكن تساهلنا بتسميتها ركناً (٥). وقولنا: لكونه داخلاً في حقيقته، أو لازماً له به اختصاص، أحترزنا به عن الزمان والمكان ونحوهما (٦) من الأمور العامة التي لا بدَّ منها ولا تعد أركاناً. وما جعله أركاناً للاستقبال بهذه المثابة فإنّه لا بدَّ في وجود (٧) صورة (٨) الاستقبال حسَّاً وعقلًا من: المستقبِل، والمستقبَل، وما فيه الاستقبال. وهذه الأمور الثلاثة في هذا (٩) الاستقبال الذي نحن بصدده هي: المصلي، والقبلة، والصلاة. ثم إنّه قد يستعير اسم الركن للشرط، كما فعله في عده الترتيب في الوضوء من أركانه (١٠)، وكذا في الشهادة في النكاح، والله أعلم.
стр. 459
ما ذكره من أن (١) الفريضة مع تمام أركانها لا تصح على البعير المعقول (٢)، وتصح في الزورق المشدود على الساحل (٣). هو طريقة شيخه (٤)، ولا يقوى الفرق بينهما، ولا يرتضى ذلك، وهو خلاف نقل صاحب "التهذيب" (٥)، وغيره (٦) من (٧) أنه تجوز الفريضة (مع) (٨) تمام أركانها على الدابة واقفةً. وفي السائرة وجهان: أحدهما: الجواز كالسفينة الجارية (٩)، والله أعلم.
قوله: "روي أنّه ﷺ أوتر على البعير، فاستدلَّ به الشافعي على أنه (١٠) غير واجب" (١١) هذا مشكل من حيث إنَّ الوتر كان واجباً على رسول الله ﷺ (١٢)، وقد
стр. 460
أداه مع ذلك على الراحلة (١). وسئلت عن ذلك بنيسابور - حرسها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام وأهله - فأجبت: بأن الاستدلال بذلك وقع على نفي وجوبه على العموم، كما صار إليه أبو حنيفة (٢). فنقول: لو كان واجباً على المكلفين على العموم لما جاز أداؤه على الراحلة كسائر الواجبات التي هي على العموم، وقد جاز أداؤه على الراحلة (٣) بدلالة فعله ﷺ ، فلا يكون (٤) واجباً على العموم، ولا أثر للنزاع في (٥) التسمية (٦) التي لا مستند لها عند التحقيق إلا اصطلاح مجرد أريد به الفرق بين المقطوع بلزومه، وغير المقطوع. وهذا الذي قررته حاكم بالإبطال على ما رأيته من بعد (من) (٧) حكاية الروياني (٨) صاحب "البحر" عن والده (٩) من قدحه في الاستدلال المذكور، وقوله: لم يدل ذلك على نفي وجوبه عنه، فلأن لا يدل على نفي وجوبه عن غيره أولى، والله أعلم.