← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فيهما). أخرجه أبو داود (١). وفي روايته (قذراً، أو قال أذى) فهو إذاً تردد من الراوي. وعلى الجديد يتأول ذلك على ما يستقذر مما هو طاهر من مخاط ونحوه (٢). ثم إنهم شرطوا (٣) للعفو على القديم: أن تكون النجاسة جافة، فأما إذا كانت رطبة حالة دلكها بالأرض فلا عفو بلا خلاف؛ فإن ذلك في الرطبة يوجب انتشارها (٤). ثم إنهم لم يفرقوا بين القليل والكثير فيما يصيب النعل من النجاسة بخلاف ما يصيب الثوب من طين الشوارع المستيقن نجاسته (٥)، والله أعلم. قوله: "دم البثرات (٦) يعفى (عنه) (٧) " (٨) واحتج بفعل ابن عمر ﵄، وقد رويناه في "السنن الكبير" (٩) بإسناد جيد عن بكر بن عبد الله

стр. 562

المزني (١) قال: (رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء من دم فحكه بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ). ثم إنه أطلق العفو عن دمها، وأراد القليل منه دون الكثير، كما صرَّح به في دم البراغيث (٢)، وفيهما وجه آخر: أنه يعفى عن الكثير فيهما، وهو الأصح عند العراقيين، أو من قال ذلك منهم (٣)، والله أعلم. ولطخات الدماميل (٤) يستضاء في العفو (٥) عنها بالحديث المروي عن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ رخَّص في دم الحبون) - يعني الدماميل - وكان عطاء يصلي وهو في ثوبه. رويناه في كتاب "السنن (الكبير) " (٦)، وإسناده وإن كان فيه بقيَّة (٧) عن ابن جريج (٨)، فبقيَّة ثقة فيما يرويه عن الثقات، لكن

стр. 563

تفرد به عن ابن جريج، وهو ممن لا يحتمل تفرده، قال أبو أحمد ابن عدي الحافظ (١): "يشبه أن يكون (٢) بين بقيَّة وبين ابن جريج بعض المجهولين، أو بعض الضعفاء؛ لأن بقيَّة كثيراً ما (٣) يفعل ذلك) (٤). والحُبُون بضم الحاء والباء، وبالنون، واحدها حِبْن بكسر الحاء، وإسكان الباء (٥)، والله أعلم. قوله وفي الدماميل والقروح: "وما لا يدوم غالباً يلحق بدم الأجنبي" (٦) ولم يذكر حكم دم الأجنبي مطلقاً، وإنما ذكر حكم دم البثرات من الأجنبي خاصة، وعليه أحال (٧). هذا وحكم دم الأجنبي مطلقاً: أن الكثير لا يعفى عنه (٨)، وفي القليل خلاف قيل: وجهان، والصحيح المشهور قولان: أحدهما نصُّه في "الإملاء" (٩): أنه لا يعفى عنه كسائر النجاسات. والثاني - وهو

стр. 564

نصُّه في "الأم" (١)، والقديم (٢) -: أنه يعفى عنه؛ لأن جنس الدم محل للعفو على الجملة، وهو مما يتسامح فيه الناس، وهذا الأصح عند العراقيين (٣)، وصاحب "التهذيب" (٤). والأول أصح عند إمام الحرمين (٥) في آخرين (٦). ثم في ضبط القليل على القديم قولان: أحدهما: قدر الدينار فما دونه. والثاني: ما دون الكفِّ (٧). وأما على الجديد فقيل: هو القدر الذي يتعافاه الناس في العادة، وقيل: هو الذي لا يظهر للناظر إلا بتأمل وتطلُّب (٨)، والله أعلم. قوله عن صاحب "التلخيص" في وقوع الغسل على منتصف النجاسة من الثوب: "إذا غسل النصف (الثاني ينعكس أثر النجاسة على النصف) (٩) الأول لاتصاله به" (١٠) هذا مشكل من حيث كونه يوهم أن سريان النجاسة وانعكاسها مختص

стр. 565

بالنصف المغسول ثانياً، وليس كذلك (فإنه شامل للنصفين) (١)؛ فإنه إذا غسل نصفاً أولًا تنجس بالسراية من النصف الآخر الذي لم يغسله، ثم إذا غسل النصف الذي بقي تنجس أيضاً بالسراية من الأول المتنجس بعد غسله إليه، فإذاً المراد بقوله "الثاني" الآخر لا الأخير. وليس ما قطع به من قول ابن القاص مقطوعاً به؛ فقد خولف فيه (٢). والقول بتنجيس المتصل بالمغسول متجه، فلو عاد فغسله (٣) موضع النجاسة وبعض الغسل، ثم عاد فغسل الطرفين الواقعين في منتهى الغسلين أجزأ ذلك (٤). أما القول بنجاسة المتصل بالمتصل وهلمَّ جرّا طرداً لقاعدة السراية فباطل بما (٥) عرف في الفأرة الواقعة في السمن غير المائع (٦)، وباطل بالنجاسة تقع في فضاء أفيح (٧) من الأرض ممطور (٨)، والله أعلم. قوله: "لو ألقى طرف عمامته على نجاسة بطلت صلاته سواء كان ذلك الطرف يتحرك بحركته أو لم يتحرك" (٩) ليس المراد بهذا مطلق الحركة، وإنما المراد به

стр. 566

حركة المصلي في انخفاضه وارتفاعه (١). وما ذكره من التسوية بين أن يتحرك، وأن لا يتحرك قد ذكره شيخه (٢)، وغيره (٣)، وقد سبق قوله: "لو سجد على طرف كمه الذي يتحرك بحركته لم يجز" (٤) فخصَّ التحرك في هذا، ولم يسوِّ، وهكذا ذكر ذلك شيخه (٥) مصرِّحاً بالفرق بينهما في فصل السجود، واعداً (٦) بأنّه سيوضح المعنى الفارق بينهما إذا انتهى إلى ما (٧) ههنا، ثم لما انتهى إلى ما ههنا أغفل ذكره، ولعل الفارق بينهما (٨): أن المعتبر في السجود أن يضع جبهته على قرار؛ للأمر الوارد بتمكينها من الأرض (٩)، وإنما يخرج ذلك عن كونه قراراً بأن يكون بحيث يتحرك بحركته. وأما ههنا فالمعتبر أن لا يكون شيء مما ينتسب (١٠) إليه لُبساً ملاقياً نجاسة؛ لقوله (١١) ﵎ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١٢)،

стр. 567

وطرف عمامته وإن طال منسوب إلى لبسه له كطرف ذيله الذي طال بحيث لا يتحرك بحركته (١)، والله أعلم. و (٢) الخلاف الذي ذكره فيما إذا كان الطرف الملاقي للنجاسة بيده، تخصيصه إياه بما إذا كان ذلك (٣) الطرف لا يتحرك بحركته دون المتحرك (٤) لم نجده لشيخه (٥)، ومن تلقاه عنه، والله أعلم. قوله فيما إذا كان طرف الحبل الذي بيده على عنق كلب: "إن كان قريباً بحيث لو لم يتعلق بالكلب لكان هو حامله فوجهان مرتبان. وأولى بالمنع" (٦) هذا قد يخفى تصويره من حيث إن الوجهين المرتب عليهما قد خصصهما بما إذا كان الطرف لا يتحرك بحركته، وذلك يستدعي أن يكون الطرف الذي على عنق الكلب لا يتحرك بحركة المصلي مع كونه قريباً منه، فلنفرضه فيما إذا كان في رأس ذلك الطرف شيء ثقيل يمنعه من التحرك بحركته، والله أعلم.

стр. 568

ما ذكره من تخصيص وجوب نزع (١) العظم النجس المجبور به عند خوف الهلاك: بما إذا لم يستتر العظم باللحم (٢)، هو مذهب أبي حنيفة (٣)، واختيار شيخه إمام الحرمين (٤)، ووجهٌ لبعض من تقدمه من الأصحاب (٥)، وهو مطرد فيما إذا لم يخف الهلاك، وأكثر الأصحاب على خلافه، وأنه لا فرق حيث وجب النزع بين أن يستتر العظم باللحم أو لا يستتر؛ لأنها نجاسة أجنبية حصلت في غير معدنها (٦)، والله أعلم. قوله ﷺ : (لعن الله (٧) الواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة) (٨) ثابت في "الصحيحين" (٩) من رواية ابن عمر ﵄، وغيره (١٠). وأما

стр. 569

قوله "والواشرة والمستوشرة" فزيادة ليست في روايات هذا الحديث الصحيحة، وذكرها فيه أبو عبيد في كتابه "في غريب الحديث" (١) بغير إسناد، ولم أجد لها ثبتاً بعد البحث الشديد، غير أن أبا داود، والنسائي رويا في حديث آخر عن أبي ريحانة الأزدي (٢) عن رسول الله ﷺ (أنه نهى عن الوشر والوشم) (٣)، والله أعلم. قوله: "فإن كان شعر أجنبية ليست من ذوات المحارم فيحرم" (٤) كأنه عنى بالأجنبية ههنا التي ليست بزوجة لزوج الواصلة، ولا أمة له (٥). ثم لا يخفى أن في بعض ما خصَّ به بعض الأقسام المذكورة من التعليل ما يشاركه فيه غيره من الأقسام (٦)، والله أعلم.

стр. 570

قوله ﷺ : (المتشبِّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) (١) حديث صحيح يروى من حديث عائشة (٢)، وأسماء (٣) ابنتي الصديق، وغيرهما (٤) ﵃. ومن أحسن ما قيل في تفسير قوله (كلابس ثوبي زور) وجهان - أنا أحررهما - أحدهما (٥): أن معناه: المتشبع بما لم يعط كالكاذب المتعاطي قول الزور، والعرب تكني بالثوب عن الصفة والحال، فيقولون: لبس فلان ثوب كذا وكذا، أي اتصف بكذا وكذا، وتثنية الثوب من أجل أن الحلة ثوبان، وهي أقل ما (٦) يتجمل به العربي. الثاني: أن أحدهم كان إذا نهض ليشهد بشهادة زور لبس ثوبي جماله؛ ليلحظ ويراعى، فتقبل شهادته، فأضيف الزور إلى الثوبين لذلك، وكنى بلبسهما عن شهادة الزور (٧)، والله أعلم.

стр. 571

قوله: "إذ لا معنى للتحريم إلا بسبب التزوير" (١) يعني في هذه الصورة، وإلا فللتحريم معانٍ وأسباب غير ذلك سبقت (٢)، والله أعلم. أما قوله: "وفي إلحاق تحمير الوجنة بوصل الشعر تردد للصيدلاني" (٣) ففي كلام الصيدلاني خلاف ما حكاه؛ إذ ذكر في طريقته أن تحمير الوجنة (٤) كوصل الشعر الطاهر في التفصيل المذكور، والفرق بين أن تكون ذات زوج لم يأذن فلا يجوز، (و) (٥) بين أن يكون يأذن الزوج فيجري فيه الوجهان (٦). واستبعد إمام الحرمين طرد هذا الخلاف فيما إذا أذن الزوج، ورأى القطع بالجواز (٧)، والله أعلم. قوله: "ويتصل بمكان الصلاة نهي رسول الله ﷺ عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وبطن الوادي، والحمام، وظهر

стр. 572

الكعبة، وأعطان الإبل" (١) هكذا أورده شيخه (٢)، وحكم بأنّه حديث صحيح، وليس ذلك بصحيح (٣) عند أهل الحديث، وقد أخرجه الترمذي (٤)، وابن ماجه (٥) عن ابن عمر، وفي رواية للترمذي عن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ (٦). وقال: "إسناده ليس بذاك (٧) القويِّ" (٨). قوله (٩) "وبطن الوادي" ليس منه، وإنما فيه "المقبرة" بدلًا منه. وقد عُلل النهي عن الصلاة في بطن الوادي باختلال الخشوع فيه، خوفاً من سيل هاجم، فلو لم يخف سيل فلا نهي (١٠). وهذا النهي لم أجد له ثبتاً، ولا وجدت له ذكراً في كتب من يرجع إليهم في مثل ذلك، كيف والمسجد الحرام إنما هو في بطن وادٍ، وكثيراً ما هجمت السيول

стр. 573

عليه على غفلة. والذي ذكره الشافعي ﵁ في ذلك إنما هو وادٍ خاص (١)، وهو الذي (٢) نام رسول الله ﷺ فيه ومن معه عن الصلاة حتى فاتت، فكره أن يصلي فيه، وقال: (اخرجوا بنا من هذا الوادي؛ فإن فيه شيطاناً). رواه أبو هريرة (٣)، والله أعلم. أعطان الإبل: واحدها عطن بالعين والطاء المفتوحتين المهملتين (٤). قوله (٥) في تفسيره: "الإبل تزدحم في المنهل ذوداً ذوداً حتى إذا شربت استيقت فلا يؤمن من (٦) نفارها في ذلك الموضع" (٧) أما المنهل فهو ههنا (٨) عبارة عن الماء الذي يورد إذا كان على طريق (٩)، وكل ماء على غير طريق لا يسمى منهلًا، وتسمى أيضاً المنازل التي تنزلها السفارة على الطرق (١٠) التي يكون فيها الماء مناهل (١١).

стр. 574

والذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر (١) هذا قول الأصمعي (٢)، وأما قول أبي عبيد إن الذود ما بين الاثنين إلى التسع، ويختص بالإناث دون الذكور (٣)، فلا يفسَّر به المذكور في الكتاب؛ لأنه عام للذكور والإناث. قوله (٤) "استيقت" هو بتاء مثناة من فوق مكسورة، ثم ياء مثناة من تحت ساكنة أي سيقت فعل ما لم يسم فاعله، يقال: ساقها، واستاقها فاعلمه فإنه يصحف. ثم إن كلامه فيه نقص، وإتمامه بأن يقول: ذوداً ذوداً كلما شرب ذود يجيء إلى موضع حتى إذا شربت الأذواد كلها ساقوها، فذلك الموضع هو العطن. وقد أفصح شيخه (٥)، وغيره (٦) عن ذلك، وذكر الأزهري الإمام في علم (٧) اللغة في صفة العطن: "أن الإبل تجيء إليه إذا شربت الشربة الأولى، وتترك فيه حتى تعاد إلى الماء وتشرب شربة ثانية، ثم تساق، وهذا إنما يفعل في الصيف" (٨)، والله أعلم. قوله: "قال رسول الله ﷺ في الإبل: إنها جنٌّ خلقت من جنٍّ ... إلى آخره" (٩) هذا رواه الشافعي ﵁ (١٠) عن إبراهيم بن أبي يحيى في حديث عبد الله بن مُغَفَّل

стр. 575

المزني في أمره ﷺ بالصلاة في مراح الغنم، والنهي عنها في أعطان الإبل، وابن أبي يحيى وإن كان ضعيفاً (١)، فقد روينا ذلك في كتاب "السنن الكبير" (٢) بمعناه بإسناد جيِّد عن عبد الله بن مُغَفَّل المزني قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين) وأخرج أبو داود في "سننه" (٣) نحوه من حديث البراء بن عازب عن رسول الله ﷺ . واسم الشيطان يطلق على كل جنيٍّ كافر (٤). قوله في القولين في وجوب إعادة الصلاة على من استصحب النجاسة فيها جاهلًا، أو ناسياً: "منشأ القولين أن الطهارة عنها من قبيل الشرائط فلا يكون الجهل في تركها عذرًا، أو (٥) استصحابها من قبيل المناهي فلا يعد الناسي مخالفاً" (٦) هذا ربما أوهم أن في النهي عن استصحابها خلافاً، وليس كذلك فلا خلاف أن استصحابها من المناهي (٧)، وإنما محل هذا الخلاف: أنه (هل) (٨) يضم إلى ذلك

стр. 576

كون التطهر منها شرطاً؟ فعلى الجديد يضم ذلك إلى ذلك حتى تفسد الصلاة بانتفاء طهارة الخبث على كل حال كان (١) بعذر أو بغير (٢) عذر؛ فإن ذلك شأن الشرط، إذ الشرط عبارة عن أمر وجودي يلزم من انتفائه انتفاء الحكم، مع وجود علته، وسواء في ذلك المعذور وغير المعذور، والمكلف وغير المكلف (٣)، كما في الشروط الثابتة في أحكام الصبيان (٤) إذ الشرط لا يتلقى من خطاب التكليف، بل من خطاب الوضع والأخبار. ثم إنا نثبت (٥) شرطية طهارة الخبث بالقياس على طهارة الحدث؛ لكون النص ورد فيها بصيغة تفيد الاشتراط، وهو قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (٦). ودليل القول (٧) القديم ما (٨) رويناه في "سنن أبي داود" (٩)،

стр. 577

وغيره (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم (٢) نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك (٣) فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً أو قال أذى). وفي رواية: (خبثاً). واختصره صاحب الكتاب بالمعنى، ووقع فيه تغيير كلمة لا على ما يشترط (٤) في جواز الرواية بالمعنى، وهو قوله: "إن على نعليك نجاسة" (٥) والله أعلم. والجواب للجديد عن هذا الحديث: أن قوله "قذراً، أو أذى، أو خبثاً" يحتمل أن يكون المراد به ما ليس بنجس من المستقذرات كالمخاط وغيره (٦)، والله أعلم. قوله: "وأما الحرَّة فجميع بدنها عورة في حق الصلاة إلا الوجه واليدين" (٧) فقوله "في حق الصلاة" احتراز عن العورة في حق النظر إليها فإنها تشمل الوجه واليدين، على تفصيل فيه سيأتي إن شاء الله تعالى (٨).

стр. 578

ذكر أن في عقد الجماعة للعراة قولين: أحدهما: أنها (١) سنة. والثاني: أن تركها أولى (٢). هذه المسألة ذات قولين جديد وقديم، والثاني هو القديم، وأما الأول وهو الجديد فقد ذكر صاحب الكتاب فيه أن الجماعة أولى، وهكذا حكاه صاحب "التتمة" (٣)، والذي حكاه القاضي حسين (٤)، وصاحب "المهذب" (٥)، وغيرهما (٦) فيه أن الجماعة والانفراد سواء، وهذا النقل هو المعتمد (٧)، والله أعلم. قوله: "الشرط الرابع: ترك الكلام" (٨) اتبع الفوراني في هذا (٩)، وهو أصولي لا يليق به ذلك؛ فإنه قد تقرر في قاعدة أصول الفقه أن هذا وأمثاله من قبيل عدم المانع، لا من قبيل الشروط، وإن تساوى الأمران في توقف الحكم عليهما، فهما متباينان في الحقيقة (١٠).

стр. 579

ذكر أن الكلام إن كان مفهماً فالحرف الواحد منه مبطل للصلاة كقوله "ق" و"ع"، وإن لم يكن مفهماً (١) فلا تبطل إلا بتوالي حرفين (٢). هذا أولًا فيه إطلاق الكلام على (٣) غير المفيد، ومن المشهور أن اسم الكلام مخصوص بالمفيد (٤)، لكن هذا اصطلاح النحويين، أما الفقهاء والأصوليون، واللغويون (٥) فيطلقون اسم الكلام على المفيد وغير المفيد (٦). قوله (٧) " ((ق)) و ((ع)) " لا يستعمل إلا موصولًا بهاء السكت "قه" و"عه"، ولكنه بغير هاء السكت مفهم وإن كان لحناً، وإنما (٨) اشترطنا حرفين في (٩) غير المفهم؛ لأن ما دون الحرفين ليس من جنس الكلام (١٠)؛ لأن الكلام عبارة عن أصوات (منقطعة) (١١) ومنتظمة (١٢)، إذ ما ليس كذلك فإنه صوت غُفْلٍ كصوت الأخرس، والبهيمة، ولا يتهيأ الانتظام

стр. 580

بأقل من حرفين، وأما الحرف الواحد المفهم فإنه لمَّا أفاد معنى - والإفادة هي المقصود (١) من الكلام - ألحقناه بالحرفين في ذلك، بل هو أولى والله أعلم. الصوت الغُفْل: بضم الغين المعجمة، وإسكان الفاء هو العاطل (٢) الذي لا تقطيع فيه، من قولهم: أرض غفل أي لا علم بها، ولا أثر عمارة (٣)، والله أعلم (٤). قوله: "وهل تبطل بحرف واحد بعده مدَّة؟ فيه تردد" (٥) هذا (٦) التردد هو للشيخ أبي محمَّد الجويني حكاه عنه ولده إمام الحرمين (٧)، وصورته فيما نقله: فيما (٨) إذا أتى بحرف وتبعه بصوت غُفل، ثم ذكر أن (٩) عنده أن هذا (١٠) التردد من شيخه لم يقع فيما إذا كان الصوت الغفل مدَّة؛ لكون المدَّات تكون ألفاً، أو واواً، أو ياء (١١). وهي وإن كانت إشباعاً للحركات الثلاث فهي معدودة حروفاً

стр. 581

وإنما تردد شيخه في صوت غفل بعد حرف ليس مدَّة وإشباعاً لإحدى الحركات الثلاث، فغيَّر صاحب الكتاب صورة ذلك فيه دون "البسيط" (١)، وأجرى التردد فيما إذا كان ذلك مدَّة، وهو خلاف النقل، وبعيد من حيث المعنى، فإن كان قد صار إلى عدم (٢) الإبطال فيه صائر (٣) فهو يتوجه بأن إشباع الحركة في حكم الحركة لا يعد حرفاً ثانياً، والله أعلم. ذو اليدين (٤) اسمه خِرْباق بخاء معجمة مكسورة، ثم راء ساكنة، ثم باء موحدة، ثم ألف، ثم قاف. لُقِّب ذا اليدين لطول كان في يديه، وهو من بني سليم (٥) وحديثه ثابت في "الصحيحين" (٦)، والحديث حديث أبي هريرة وفيه ذكر ذي اليدين، واختصاره: (أن رسول الله ﷺ صلى الظهر أو العصر فسلَّم من ركعتين، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم. فصلى اثنتين أخريين، ثم سلَّم، ثم سجد).

стр. 582

قوله: "الجهل بتحريم الكلام عذر في حق قريب العهد بالإِسلام؛ لأحاديث وردت فيه" (١) ورد في ذلك حديث صحيح خرَّجه مسلم (٢)، وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي (٣) أنه تكلم في صلاته خلف رسول الله ﷺ وهو حديث عهد بجاهلية، فلما انصرف رسول الله ﷺ دعاه فأعلمه بأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس (٤). ولم يذكر أنه ﷺ أمره بالإعادة، وأما أحاديث فمن لنا بها!، والله أعلم. قوله: "ولو التفَّت (٥) لسانه بكلمة بدرت منه فهذا عذر، وأبو حنيفة يوافق عليه؛ لأنه لا (٦) يزيد على سبق الحدث" (٧) ليس هذا تعليلًا لحكم المسألة، وإنما هو تعليل لما ادَّعاه من غير نقل وإن عنده من موافقة أبي حنيفة، أي ليس يخالف في ذلك وإن خالف في الناسي وقال: ببطلان صلاته (٨)، لكون (٩) سبق

стр. 583

اللسان شبيهاً بسبق الحدث وسبق الحدث عنده غير مبطل للصلاة (١)، والله أعلم. ما ذكره من حديث ابن عباس ﵄ في إدارة رسول الله ﷺ في صلاته (٢) إياه من يساره إلى يمينه (٣) مخرَّج في "الصحيحين" (٤) بروايات. حديث أبي بكرة في ركوعه خلف الصف، ثم مشيه إلى الصف (٥)، ثابت (٦) أخرجه البخاري (٧)، وأبو داود (٨)، والنسائي (٩). وقوله: "ثم (١٠) خطا خطوة" (١١) كأنه ذكره بالمعنى؛ فإن ما في رواية أبي داود من أنه مشى إلى الصف يتضمن ذلك؛ فإن أقل المشي خطوة.

стр. 584

ذكر أنه ﷺ قال: (إذا مرَّ المار بين يدي أحدكم فليدفعه، فإن أبى فليدفعه (١)، فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان) (٢) هذا حديث صحيح (٣) أخرجه مسلم (٤) من رواية ابن عمر ﵄، وأخرجاه (٥) من رواية أبي سعيد الخدري أيضاً، ولكن ليس في أكثر رواياتنا قوله ثانياً (فإن أبى فليدفعه) (٦). وقوله (فإنه (٧) شيطان) الصحيح أن معناه: فإن معه شيطاناً؛ بدلالة رواية ابن عمر: (فإن معه القرين) (٨)، والله أعلم. قوله: "وهذا الدفع ليس بواجب، والمرور ليس بمحظور، ولكنه مكروه" (٩) هذا أنكره عليه الشيخ أبو الفتوح العجلي الأصبهاني، وذكر أنه سهو منه، وأن

стр. 585

المرور حرام (١). وأن صاحب "التهذيب" قال: "لا يجوز المرور" (٢). و (٣) ما قاله هو الصحيح؛ لأن في "صحيح البخاري" (٤): (لو يعلم المارُّ (بين يدي المصلي) (٥) ما عليه من الإثم). قلت: وغير صاحب "التهذيب" قال مثل ما (٦) قاله (٧)، وحديث: لو يعلم المارُّ ... متفق على صحته أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (٩) عن أبي جهيم (١٠) الخزرجي عن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي

стр. 586

ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرَّ بين يديه). قال أبو النضر (١) - وهو الذي رواه عنه (٢) مالك -: (لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنةً). وروى البزار فيه (٣) في "مسند" (٤): (أربعين خريفاً). وليس في الحديث لفظة (٥) الإثم تصريحاً، ولكن ترجم البخاري وغيره (٦) عليه بباب (٧): إثم المارِّ. وسياق الحديث دال على عظم الإثم فيه (٨)، والأمر بقتاله دال على ذلك أيضاً. وما قال (٩) وإن قاله شيخه (١٠) فلا ينبغي أن يعرج عليه، وقد قال الروياني (١١) - صاحب كتاب "بحر المذهب" -: "له أن يضربه على ذلك وإن أدى إلى قتله"، والله أعلم.

стр. 587

ما ذكره في (١) الخط بين يدي المصلي من أن الشافعي ﵁ قد صار إلى القول به في القديم، ثم رجع عنه في الجديد (٢)، ذكره شيخه في النهاية (٣)، وجعل المسألة ذات (٤) قولين: أصحهما الجديد، وهذا صحيح، فقد نقل البيهقي (٥) - وناهيك به - أن الشافعي صار إليه في القديم، وفي "سنن حرملة"، ونفاه في البويطي. وقطع صاحب "المهذب" (٦)، والفوراني (٧)، وصاحب "التتمة" (٨)، والأكثرون (٩) بالاكتفاء بالخط، ولم يثبتوا قولًا ثانياً، وفاتهم ما حققناه. ومستند القول القديم حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه (١٠) عصا فليخطط (١١) خطاً، ثم لا يضره ما مرَّ

стр. 588

أمامه) أخرجه أبو داود في "سننه" (١)، وذكر أنه سمع أحمد بن حنبل وصف الخط فذكر أنه مثل الهلال. وذكر أبو داود عن غيره (٢) أن الخط بالطول (٣). وقد روينا (٤) عن الحميدي تلميذ الشافعي في الفقه، ورفيقه في الحديث (٥) أنه ذكر أن الخط (٦) مثل الهلال العظيم (٧). وإنما رجع الشافعي (٨) عن ذلك في الجديد؛ لكونه رأى الحديث غير ثابت. وهو كذلك؛ فإنه مضطرب الإسناد جداً (٩)، والله أعلم.

стр. 589

ثم إن قوله: "بأن يستقبل جداراً، أو سارية، أو يبسط (١) مصلى، أو ينصب شبة بعيدة منه بقدر ما بين الصفين ... إلى قوله: ولو خطَّ على الأرض خطًا مال في القديم إلى الاكتفاء به" (٢) مشعر بتخييره بين هذه الأمور من غير ترتيب، وليس كذلك، بل هي على الترتيب: يقدم البناء، ثم العصا، ثم الخطّ، كما ذكره صاحب "المهذب" (٣)، وغيره (٤)؛ وذلك لأن حديث أبي هريرة ﵁ المذكور مصرِّح بالترتيب بين ذلك (٥). وقوله "خشبة بعيدة منه بقدر ما بين الصفي" ليس مخصوصاً بالخشبة، بل هو شامل لما سبق ذكره من الجدار وغيره. وما بين الصفين مقدَّر بثلاث أذرع (٦)، وأصله حديث سهل بن سعد (كان بين مصلى النبي ﷺ وبين الجدار ممرِّ الشاة) أخرجاه في "صحيحيهما" (٧). وقد قُدِّر ممرُّ الشاة بثلاث (٨) أذرع (٩)، والله أعلم.

стр. 590

قوله: "ومهما لم يجد المارُّ سبيلًا سواه فلا يدفع بحال" (١) هذا مستنكر لم يذكره غير شيخه (٢) ومن تلقاه عنه فيما علمناه، وهو على خلاف ظاهر الحديث وإطلاقه، وخلاف ما ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٣) (أنه صلى يوم جمعة إلى شيء يستره، فأراد شاب أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغاً (٤) إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فشكاه، فقال أبو سعيد: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان). قوله في المصلي إذا قرأ من المصحف: "قال أبو حنيفة: إن لم يحفظ القرآن عن ظهر قلبه لم يجز" (٥) أي لم تجز القراءة من المصحف (٦)، فإن كان يحفظه لم تضره القراءة من (٧) المصحف (٨)، والله أعلم. قوله في حدِّ الفعل القليل: "غاية ما قيل فيه: إنه الذي لا يعتقد الناظر إلى فاعله أنه معرض عن الصلاة، وهذا لا يفيد تحديداً" (٩) شرح هذا في درسه،

стр. 591

فذكر أن الذي يعدُّ به معرضاً عن الصلاة لا يمكن تحديده، ومن طلب ما لم يخلق أتعب ولم يرزق، وليس في أمثال (١) هذا حد محدود (٢)، بل ينتهي الفعل في الكثرة إلى حدِّ يقطع بأنه كثير، ويتراجع في القلة إلى حدٍّ يقطع بأنّه قليل، وفيما بين ذلك أوساط متشابهة، يرجم فيها بالظنِّ، ويؤخذ بغالب الرأي، كما في نظائره (٣)، والله أعلم.

стр. 592

ومن الباب السادس في أحكام السجدات من المشكل الفرق بين الأبعاض التي هي: التشهد الأول، والجلوس فيه، والقنوت، والصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد الأول، وعلى آله في التشهد الأخير، إذا رأيناهما سنتين؛ حيث يشرع في تركها سجود السهو، وبين تكبيرات صلاة العيد، والسورة، والجهر في القراءة المفروضة في الجهرية (١)؛ حيث لا يشرع عندنا (٢) في تركها السجود خلافاً لأبي حنيفة، وما ذكره المصنف في معرض الفرق يصعب تقريره (٣)، فأقول مستعيناً بالله: كل واحد من هذه الأبعاض شعار ظاهر خاص بالصلاة، وقد ورد النصُّ في حديث ابن بحينة (٤)

стр. 593

بالسجود في ترك التشهد الأول منها (١)، والباقي مقيس عليه. أما أن التشهد وجلوسه، والقنوت المطوَّل لركنٍ قصير كذلك فذلك ظاهر (٢). وأما الصلاة على رسول الله ﷺ ، وعلى آله ففي مقام المناظرة يكفينا المنع على رأي (٣)، وأما في مقام التحقيق فإنا نقول: ألحقناها بالتشهد الأول لشبهها به (٤)؛ لكونها (٥) واجبة في الصلاة على الجملة على مذهب (٦). ولا وجود (٧) لما ذكرناه في الأمور الثلاثة المذكورة: أما الجهر، وقراءة السورة؛ فالجهر هيئة، والسورة تابعة للقراءة المفروضة فيها، وإن كانا ظاهرين فلا يعدان من الشعار الظاهر (٨) ولا

стр. 594

هما خاصان بالصلاة. وأما تكبيرات العيد فغير خاصيَن بالصلاة لكونهما مشروعين في الخطبة، و (١) في أعقاب الصلاة، وغيرها في أيام العيد، والله أعلم. قوله: "لا يبعد أن يناط السجود بترك ما ليس بمبطل من المنهيات" (٢) هكذا وقع في النسخ، وصوابه: بفعل ما ليس بمبطل، والله أعلم. قول الأصحاب: الاعتدال من الركوع ركن قصير، الغرض منه الفصل، وليس مقصوداً في نفسه (٣)، يمكن أن يستدل عليه بحديث أبي هريرة المخرَّج في "صحيح البخاري" (٤)، وغيره (٥) في تعليم النبي ﷺ المسيء صلاته من حيث كونه لم يذكر في الاعتدال من الركوع الطمأنينة وذكرها في الركوع، والسجود، والقعود بين السجدتين. فإذا لم يحمل على عدم وجوب الطمأنينة فيه، تعيَّن حمله على أنه ركن قصير، يخفف ولا يطوَّل. وأيضاً، فإنه لو كان مقصوداً في

стр. 595

نفسه طويلاً لوجب فيه ذكر (١)؛ لأن (٢) القيام من الأفعال المعتادة فلا بدَّ من ذكر يصرفه عن جهة العادة إلى جهة العبادة كما وجب ذلك في القيام الأول، وفي الجلوس الأخير، بخلاف الركوع والسجود فإن هيئتهما غير المعتادة كافية في (٣) صرفهما إلى العبادة (٤)، ولا يجب؛ فإن رسول الله ﷺ لم يذكره للمسيء صلاته، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز (٥). وأما الاعتدال بين السجدتين فقد حكى المصنف أن المشهور فيه أنه ركن طويل (٦)، وقال الشيخ أبو علي: "لا يبعد تشبيهه بالاعتدال عن الركوع" (٧). ويدل على الأول: ما استدللنا به من حديث المسيء صلاته، ويدل على الثاني: ما ذكرنا (٨) من المعنى. وقد حكاه (٩) عن الشيخ أبي علي في صورة احتمال أبداه (١٠)، وهو أعلى حالاً من ذلك؛ فإنه الذي صار إليه الشيخ

стр. 596

أبو محمد الجويني في كتابه "في الفرق والجمع" (١)، وصاحب "التهذيب" (٢)، وغيرهما (٣). ولما كنت بنيسابور - حرسها الله، وسائر بلاد الإسلام وأهله - سألني الشيخ الأصيل أبو بكر القاسم بن عبد الله ابن (٤) الصفَّار (٥) - وهو أحد مشايخنا في رواية الحديث، وكان إذ ذاك مفتي خراسان ﵀ وإيانا - قال لي: لماذا كان الاعتدال ركناً قصيراً (٦)، والجلوس بين السجدتين طويلاً؟ فقلت له: بحثت عن هذا بالفكر والمطالعة فلم يحصل فيه شيءٌ واضحٌ، وكأنهم لما كان القيام قد استوفى حظه قبل الاعتدال غلب على ظنهم أن الغرض منه إنما هو مجرد الفصل، وهو يحصل بأصله من غير تطويل (٧)، وهذا منتفٍ في الجلوس بين السجدتين. فقال: هل فيه نص؟ فقلت: حديث الأعرابي لم يتعرض للطمانينة في الاعتدال، وتعرض لها في غيره، فإذا لم يدل هذا على عدم وجوب الطمأنينة فيه، دلَّ على أنه ليس المقصود إلا نفسه وأصله، والله أعلم.

стр. 597

قوله: "لو ترك أربع سجدات من أربع ركعات كذلك" (١) يعني به أنه عرف أن كل ركعة ترك منها سجدة، خلاف (٢) الصورتين المذكورتين في الفرع الآتي (٣)، والله أعلم. قوله فيما إذا كان التارك لسجدة قد جلس لقصد الاستراحة: "يُبنى على الخلاف في أن الفرض هل يتأدَّى بنية النفل؟ " (٤) ليس هذا (٥) على ظاهره؛ فإن نية النفل لا تكون مؤديِّة للفرض من غير (٦) خلاف (٧)، وإنما الباء في قوله "بنية النفل" هي الباء المستعملة بمعنى المصاحبة، كما في قولهم: حضر فلان بعشيرته والمعنى: هل يتأدى هذا الفرض مع ما صحبه من نيَّة النفل بما سبق في أول الصلاة من نية الفرض الشاملة المستصحبة حكماً، والله أعلم. قوله فيما لو قام قبل التشهد الأول ناسياً، وكان مأموماً، وقد قعد الإمام: "هل يرجع؟ فعلى وجهين: أحدهما: نعم ... والثاني: لا" (٨) هذا الخلاف عند

стр. 598

شيخه (١) هو في جواز الرجوع، ولا خلاف عنده في (٢) أنه لا يجب الرجوع. وعند الشيخ أبي حامد الأسفراييني (٣)، وآخرين (٤) هو (٥) في وجوب الرجوع، وصاحب الكتاب إنما أراد ما ذهب إليه شيخه، وكلامه ههنا دال على ذلك، ومصرِّح به (٦) في غير كتابه هذا (٧). قوله (٨): "ولا خلاف أنه لو قام عمداً لم تبطل صلاته، ولم يجز له الرجوع إلى موافقة الإمام (٩) " (١٠) هذا مشكل؛ فإن الخلاف في بطلان صلاته غيرُ خافٍ، وقد ذكره هو في باب: صلاة الجماعة، في مسألة تقدم المأموم بركن واحد أو (١١) أكثر (١٢)، والاعتذار عنه أن قوله "لا خلاف" راجع إلى قوله "لم يجز له الرجوع"،

стр. 599

وقوله (١) "لم تبطل صلاته" كلام اعترض قاله على ظاهر المذهب (٢) , ولم يقصده بنفي الخلاف، وآية ذلك أن أصل الكلام مسوق في جواز الرجوع فقصد بذلك بيان (أن) (٣) الخلاف المذكور في جواز الرجوع (٤) في صورة الظن، لا جريان له في صورة العمد. ثم إن هذا القطع بعدم جواز الرجوع في صورة العمد على طريقة شيخه - رحمه (٥) الله وإياهما -. وأما طريقة العراق (٦) ففيها القطع بأن المأموم لو ركع (٧) قبل الإمام عمداً جاز له أن يرجع إلى الركوع مع الإمام، بل يستحب. فإذاً ليس يسلم من المؤاخذة بكونه نفى الخلاف فيما (٨) فيه خلاف، لكنا صرفنا ذلك من جهة إلى جهة أخرى؛ لعلمنا باطلاعه على الخلاف في تلك الجهة، والله أعلم. قوله: "أما إذا تذكر ترك التشهد قبل الانتصاب فيرجع ثم يسجد للسهو إن كان قد انتهى إلى حدِّ الراكعين" (٩) و (١٠) لا ينبغي تجويزه (١١)؛ لأن فيه كما ذكر

стр. 600

زيادة ركوع، وتعمد زيادة الركوع لا تجوز، وهذا التفصيل إحدى الطرق في المسألة، وقد ذكرها غيره بلفظ مشعر بوجوب (١) الرجوع لا بتجويزه (٢). ثم اعلم أنه ليس الانتهاء إلى حدِّ الراكعين في حقِّ الناهض من الجلوس كالانتهاء إلى حدِّ الراكعين في حقِّ القائم الهاوي، بل ذلك يعتبر فيه أقل الركوع على ما عرف حدُّه (٣) , وهذا يعتبر فيه أكمل الركوع، بل أكثر منه مما يسمى ركوعاً (٤) , والله أعلم. قوله فيما إذا جلس عن قيام قبل السجود ساهياً: "إن كان خفيفاً فلا يسجد للسهو؛ لأن جلسة الاستراحة معهودة في الصلاة، وهذا يساويها، وإن لم يكن في محله، بخلاف الركوع والسجود" (٥) معناه: أن جلسة الاستراحة معهودة في الصلاة، مع كونها غير مقصودة في الصلاة، وإنما زيدت فيها (٦) للاستراحة مع التخفيف فيها، فزيادة ما يساويها في الصلاة عمداً لا يبطلها, ولا سجود في سهوها، وهي ملتحقة بالفعل القليل من غير جنس الصلاة في عدم تأثيره في تغيير نظم الصلاة، فلا تبطل بعمدها, ولا يسجد لسهوها، والله أعلم.
следующие страницы →