الحرام). أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) هكذا من حديث ابن عمر ﵄، وأخرجا مثله في "الصحيحين" (٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وروينا مثله في كتاب "السنن الكبير" (٣) من حديث عبد الله بن الزبير وزاد (و (٤) صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة في مسجدي) وروى نحو هذا أبو عبد الله ابن ماجه في "سننه" (٥) من حديث جابر، وإسناد هذه الزيادة إسناد جيِّد (٦)، فتضمن أن صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في غيرهما. وأما باقي الحديث فقد روي نحوه بإسناد ضعيف (٧)، ولكنه في معنى حديث زيد بن ثابت الثابت الذي أوردناه، والله أعلم.
стр. 632
ما ذكره من (١) التطوعات غير المحصورة في عدد من أن له أن يتشهد في كل ركعة (٢)، إنما ذكره شيخه (٣) احتمالاً أبداه من عنده، ولم يذكره غيره فيما نعلمه (٤)، والظاهر المنع (٥)؛ فإنه (٦) اختراع كيفية لا نظير لها, ولا أصل يتم إلحاقه به، والله أعلم.
قوله في قضاء النوافل: "والثاني: لا يقضى؛ لأن الأصل أن القضاء (يجب) (٧) بأمر مجدد، أما الفرائض فإنها ديون لازمة" (٨) معناه: أن الدليل يقتضي أن القضاء حيث يثبت إنما يثبت (٩) بأمر مجدد لا بالأمر بالأداء؛ فإنه قاصر عما بعد الوقت. أما الفرائض فإنما (١٠) وجد الأمر المجدد بقضائها بعد الوقت؛ لأنها في الوقت ديون لازمة، فإذا لم تؤدَّ فيه وجب أن تستدرك بعده بتأكدها باللزوم، وهذا غير موجود في النوافل، فلا يلزم تجدد الأمر بالندب بعد وقتها بقضائها (١١)، والله أعلم.
стр. 633
قوله: "وقيل: إن فائت النهار يقضى بالنهار، وفائت الليل يقضى بالليل" (١) معناه ذلك النهار، وتلك الليلة اللذين (٢) وقع فيهما الفوت (٣)، فما فات بالنهار يقضى ما لم تغرب الشمس من ذلك اليوم، وفائت الليل يقضى (٤) ما لم يطلع الفجر من تلك الليلة وهكذا نقله في "البسيط" (٥)، وكذا (٦) نقله غيره (٧)، وقال إمام الحرمين في حكايته له: "ما لم تطلع الشمس"، ثم استنكره (٨)، والله أعلم.
ما ذكره في سنة صلاة الصبح من أنها إذا فعلت بعد الفرض فهي أداء لا قضاء (٩). قد طرده غيره في سائر سنن الصلوات (١٠) المقدمة عليه (١١)، فوقتها يبقى ما بقي وقت الفرض، وفيها عن القاضي حسين وجه غريب أنها بعد فرضها لا تكون أداءً (١٢)، والله أعلم.
стр. 634
ما ذكره من أنه لو نذر القيام في كل (١) نافلة لم يلزمه، ولو نذر أن يصلي أربع ركعات قائماً لزمه ذلك (٢) الذي فهمناه من الفرق بينهما أنه (٣) في الصورة الأولى وجَّه (النذر) (٤) نحو الصفة (وهي) (٥) القيام الذي رخَّص الشرع في تركه (٦)، فكان ذلك شاملاً للجنس أجمع، وذلك تغيير لوضع الشرع في الجنس أجمع مع أنه صفة تابعة للموصوف لا تستقل، بخلاف الصورة الثانية فإنه وجَّه النذر فيها نحو الموصوف الفرد وهو صلاة أربع ركعات موصوفة بصفة القيام، فكان من قبيل ما لو نذر إعتاق عبد سليم من العيب وأمثال ذلك، والله أعلم.
стр. 635
ومن كتاب الصلاة بالجماعة
من الباب الأول منه:
إذا قلنا: إن الجماعة فرض كفاية (١) فالمعتبر في الكفاية أن تظهر إقامة الجماعة في جميع البلد، ولا يخفى على أهله إقامتها، وإن حصل ذلك بأقلهم، وتركها جماهيرهم (٢)، والله أعلم.
قوله: "قال ﵇: (تقف إمامة النساء وسطهن) وكانت عائشة تفعل ذلك" (٣) أما رواية ذلك عن رسول الله ﷺ فلا يعرف (٤). وأما فعل عائشة فقد ذكره الشافعي (٥)، وبه احتج، وبمثله عن أم سلمة (٦)، وذكر آثاراً موقوفة غير مرفوعة إلى رسول الله ﷺ
стр. 636
قوله: "وردت رغائب في فضيلة التكبيرة الأولى" (١) فمنها ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ (أنه اشتد إلى الصلاة ثم قال: بادروا حدَّ الصلاة) (٢). يعني: التكبيرة الأولى. ومنها ما روي أن السلف ﵃ كانوا يعزُّون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، ويعزُّون سبعاً إذا فاتتهم الجماعة. ولم أقف على أسانيدها (٣)، ونقاد أهل الحديث يتسامحون في أسانيد الرغائب والفضائل (٤)، والله أعلم.
ما ذكره من أن فضيلة الجماعة (٥) لا تحصل لمن لم يدرك الركوع الأخير، وإنما أدرك بعده (٦). مخالف لما قطع به الشيخان: صاحب "المهذب" (٧)، و"التهذيب" (٨)،
стр. 637
وغيرهما من العراقيين (١)، وغيرهم (٢) من أنها تحصل ولو (٣) لم يدرك إلا التشهد؛ لأنه لولا ذلك لما جاز له زيادة ذلك في صلاته (٤)، والله أعلم.
ما ذكره فيمن صلى منفرداً ثم أعاد في جماعة وقلنا: إن الفرض هو الأول، والثاني نفل من أنه لا ينوي الفرضية (٥). فهذا رأي شيخه (٦)، واستبعد أن ينوي الفرضية مع علمه بأنها ليست بفرض، ولكن معظم الأصحاب على أنه ينوي الفرض (٧). فأقول: وجهه أنه إنما استحب له إعادتها جماعة ليحصل له ثواب الجماعة في فرض وقته حتى يكون (٨) بمنزلة من صلاها جماعة من (٩) الأول، فهو في التقدير مصلٍ أولاً فلينو الفرض، وذلك توسيع للطريق إلى حيازة فضيلة الجماعة في فرائض الأوقات لشدة الاعتناء بها، والله أعلم.
قوله: "لا رخصة في ترك الجماعة إلا بعذر" (١٠) هذه العبارة صحيحة وإن قلنا: إنها سنة؛ لأنها من السنن المؤكدة التي يكره تركها (١١)، وقد قال
стр. 638
رسول ﷺ : (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) (١).
وقوله (٢): "كالمطر مع (٣) الوحل، والريح العاصفة بالليل دون النهار" (٤) فقوله "بالليل" يرجع إلى الريح خاصة (٥). قوله (٦) "كالمطر مع الوحل" ليس معناه: أن المطر إنما يكون عذراً إذا انضم إليه الوحل، وإنما معناه اجتماع المطر والوحل، والريح في أن كل واحد منها (٧) عذر مستقل بانفراده (٨)، والله أعلم.
قوله: "وقد قال ﷺ (لا يصلين أحدكم وهو زناء) وروي (وهو ضام وركيه) أي حاقن" (٩)، فالزَنَاء هو بفتع الزاي، وتخفيف النون، وبالمد، ومعناه الحاقن (١٠).
стр. 639
قوله (١) "أي حاقن" وقع في بعض النسخ بالنون، وفي بعضها بالباء حاقب، فيكون بالنون تفسيراً للرواية الأولى، وبالباء تفسيراً للرواية الثانية، وهو بالباء، وبالنون للبول (٢). أما قوله "وهو زناء" فهو بهذا اللفظ غريب رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٣) بإسناد ضعيف (٤)، وهو بمعناه صحيح؛ روى أبو داود (٥) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف)، وروى أبو داود (٦)، والترمذي (٧) نحوه من حديث ثوبان، والله أعلم. وأخرج مسلم في "صحيحه" (٨) من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا لمن
стр. 640
يدافعه (١) الأخبثان). وأما قوله "وهو ضام وركيه" فقد رواه مالك في "موطئه" (٢) ولكن عن عمر بن الخطاب موقوفاً عليه.
стр. 641
ومن الباب الثاني في صفات الأئمة
قوله: "و (١) من صحت صلاته في نفسه صحَّ الإقتداء به إلا المقتدي، والمرأة، والأمي" (٢) هذا الحصر غير سالم؛ إذ ليس المراد بقوله "صحَّ الإقتداء به (٣) " صحة الإقتداء به على الجملة، بل صحة الإقتداء به مطلقاً؛ بدلالة استثنائه المرأة، والأمي اللذين يصح إقتداء مثلهما بهما (٤)، وعند هذا يرد عليه ما إذا اختلف اجتهاد شخصين في القبلة، وفي (٥) الأواني، وأشباه ذلك؛ فإنه لا يصح إقتداء أحدهما بالآخر مع صحة صلاته في نفسه (٦)، والله أعلم.
ما ذكره في إقتداء القارئ بالأمي من أن الجديد أنه لا يصح، والقديم أنه يصح، والقول المخرَّج أنه يصح في الصلاة السرِّية ولا يصح في الجهرية (٧). مخالف للنقل الصحيح المعروف في التصانيف: إنما القديم هو ما جعله مخرَّجاً وهو الفرق بين السرِّية والجهرية، والمخرَّج هو ما جعله القديم، وهو أنه يصح مطلقاً (٨)، والله أعلم.
стр. 642
قوله: "قال ﷺ : يؤمكم أقرؤكم، فإن لم يكن فأعلمكم بالسنة، فإن لم يكن، فأقدمكم سنَّاً" (١) هذا حديث رواه أبو مسعود عقبة (٢) بن عمرو البدري الأنصاري أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣) ولفظه (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنَّاً) وهذا بظاهره يحتج به لأبي حنيفة وأحمد في تقديمهما الأقرأ على الأفقه (٤)، وجوابه ما ذكره في (٥) الكتاب من أن أقرأهم في ذلك العصر كان أفقههم (٦). ولو قال: كان أقرؤهم فقيهاً لكان أسلم (٧). وقد قال الشافعي ﵁: (كانوا يسلمون كباراً فيتفقهون (٨) قبل أن يقرأوا) (٩). قلت: فإذاً في قوله (يؤم القوم أقرؤهم) تقديم الأقرأ الأفقه،
стр. 643
أو الأقرأ الفقيه، أو القارئ الفقيه، على الفقيه الذي ليس بقارئ إلا أنه يحسن الفاتحة وما يكفي المصلي. وفي قوله (فإن كانوا في القراءة (١) سواء فأعلمهم بالسنة) تقديم الأفقه من القارئَين المتساويَيَن (٢) في القراءة على الآخر. ونحن قائلون بكل ذلك فاعلم ذلك فإنه من المشكل على المذهب، والله أعلم.
قوله: "فأحق الخصال الفقه، ثم ظهور الورع، ثم السنُّ, والنسب" (٣) ترك القراءة وهي من (٤) آكدها فهي خمس، ومن الأصحاب من ضمَّ إليها الهجرة فجعلها ستاً (٥)، والله أعلم.
ما ذكره من الاحتجاج لتقديم النسب بقوله ﷺ : (قدموا قريشاً). ولتقديم (٦) السنِّ بقوله: (فأقدمهم سنَّاً) (٧) فهذا صحيح الإسناد صحيح (٨). و (قدموا (٩)
стр. 644
قريشاً) إسناده مرسل (١)، وهو وإن كان مرسلاً جيِّداً لا يبلغ درجة الصحيح، والله أعلم.
стр. 645
ومن الباب الثالث في شرائط القدوة
ما ذكره في تقدم (١) المأموم على الإمام وتأخره ومساواتهما من أن التعويل على الكعب (٢). شاذ، والمذكور في "نهاية المطلب" (٣)، و"التهذيب" (٤)، وغيرهما (٥) في ذلك العقب (٦)، والتعويل عليه أولى؛ فإن التقدم (٧) والمساواة فيه أحرى بأن يدرك ولا يخفى، والله أعلم.
قوله: "وإن كانا في مسجدين وبينهما باب لافظ" (٨) أي لاصق بالأرض نافذ من غير فاصل بينهما من طريق أو غيره، هذا ما أشعر به ما علقته من بعض
стр. 646
التعاليق الخراسانية، ولم أجد الكلمة في كتب اللغة، وكأنه مستعار من قولهم: لفَظ الشيء من فيهِ إذا نبذه ورماه (١)، وكأن الباب الموصوف لسهولة (٢) النفوذ منه يرمي من أحد المكانين إلى الآخر (٣)، والله أعلم.
"غلوة سهم" (٤): أي رمية سهم أبعد ما يقدر عليه الرامي، والغلوة غايتها (٥)، والله أعلم.
قوله: "نهر لا يخيض فيه غير السابح" (٦) وفي بعض النسخ بإسقاط كلمة "فيه" والأول أولى؛ يقال: أخاض القوم خيلهم الماء إذا خاضوا بها الماء، حكاه الأزهري في "تهذيب اللغة" (٧)، فيكون التقدير في هذا: نهر لا يخيض أحد الماء
стр. 647
فيه دابة ولا غيرها لكثرته إلا السابح الذي يخيض نفسه فيه بسباحته وعلى هذا فغير السابح مرفوع بالفاعلية، وإذا حذفنا منه كلمة "فيه" نصبنا غيراً، وجعلنا النهر والماء فاعلاً، فيكون مجازاً لا بأس (١) به إن ساعده نقل، على أن في توقف المجاز على النقل خلافاً (٢)، وهذا الوجه هو مراد صاحب الكتاب؛ بدلالة قوله في البحر: "فإن كان ما بينهما يخيض السفينة" (٣)، والله أعلم.
قوله في الإمام والمأموم إذا كانا في أبنية مملوكة: "فإذا وقفا في بنائين (لم) (٤) يصح إلا باتصال (٥) محسوس" (٦) فقوله في بناء (٧) فيه (٨) احتراز مما إذا كانا في بيت واحد و (٩) نحوه فإنه لا يعتبر فيهما إلا القرب المعتبر في الساحة كما سبق. قوله (١٠) "إلا باتصال محسوس كما إذا تواصلت المناكب" يعني به في الصف الواقف خلف الإمام في البناء الذي هو فيه إذا امتدَّ طولاً إلى بناء آخر، إما على
стр. 648
اليمين، وإما على اليسار، وهذا الصف (١) هو المذكور في قوله "ولو تقدم على (٢) الصف المتصل في البناء الذي ليس فيه الإمام لم تصح صلاته" (٣). وفيه احتراز عما إذا تقدم على الصف المذكور مأموم في البناء الذي فيه الإمام فإنه تصح صلاته؛ لكونه مع الإمام, والله أعلم.
ذكر أن الإمام والمأموم إذا كانا في البحر في سفينتين مكشوفتين جاز إذا كان بينهما أقل من غلوة سهم، وقال "فهو كالذي على الأرض لا كالنهر على الأرض" (٤) أراد أن ما يتخلل السفينتين من البحر وإن كان لا يخوضه غير السابح فلا (٥) يقطع الاتصال, بخلاف ما (٦) إذا كانا على الأرض وبينهما نهر لا يخوضه غير السابح فإنه يقطع الاتصال على أحد الوجهين (٧) والفرق ما أشار إليه من أنهما ههنا في سفينتين (٨)، وما بينهما من البحر يخاض بالسفينة, والله أعلم.
قوله (٩): "في سفينتين مكشوفتين" فيه احتراز مما إذا كانتا مسقفتين فيهما أبنية؛ فإنهما كالدارين (١٠)، والله أعلم.
стр. 649
قوله: "إذا اختلف موقف الصف الواقف خلف الإمام ارتفاعاً وانخفاضاً" فشرح ما ذكره فيه (١): أنه يشترط الاتصال بين المستفل وبين المعتلي (٢) الواقف إلى جانبه، بأن يكون المستفل بحيث يلقى رأسه ركبة المعتلي، فلو كان المستفل قصيراً، والمعتلي طويلاً نظر فإن كان موقف المستفل بحيث يلقى رأسه ركبة المعتلي لو كان لكل واحد منهما قامة معتدلة كفى ذلك (٣)، وصاحب "التقريب" لم يعتبر الركبة في كل (٤) ذلك وقال: "يكفي أن يلقى قدمه" (٥)، والله أعلم.
قوله: "كما إذا قال: بعت هذه الرمكة فإذا هي نعجة" (٦) هكذا وقع في كلامه، والرمكة هي الأنثى من البراذين (٧)، ولا تشتبه (٨) بالنعجة، وصوابه: فإذا هي بغلة، والله أعلم.
стр. 650
قال: "الشرط الخامس: الموافقة. ثم قال: الشرط السادس: المتابعة (١) وكل واحد من هذين اللفظين يصلح لأَن يكون في موضع الآخر، لكن اصطلح مع نفسه فعبَّر بالموافقة عن مجانبة مخالفة الإمام في ترك سجدة التلاوة ونحوها، وبالمتابعة عن مجانبة مخالفته في وقت الفعل تقدماً وتأخراً، لا (٢) في أصل الفعل، والله أعلم.
قوله في "المسبوق إذا أدرك بعض الفاتحة فثلاثة أوجه: أحدها: يترك القراءة ويركع. والثاني: يتمم؛ لأنه التزم بالخوض. والثالث: إذا اشتغل بدعاء الاستفتاح فقد قصَّر فليتدارك وإلا فليركع. فإن قلنا (٣): يتدارك فرفع الإمام رأسه من الركوع قبل ركوعه فقد فاتته هذه الركعة، وتبطل صلاته على أحد الوجهين؛ لأن هذا الركوع قائم مقام ركعة فكأنه سبقه بركعة، وهو بعيد" (٤) يعني: لأنه ركن واحد والسبق بركن غير مبطل (٥). هذا مشكل من حيث إنه أطلق قوله في التفريع "فإن قلنا: يتدارك" فأوهم أنه على الوجه الثاني المقول (٦) فيه: بوجوب تدارك ما بقي من الفاتحة لكونه التزم ذلك بالشروع فيها: تفوته تلك الركعة إذا رفع الإمام رأسه من الركوع قبل فراغه من التدارك، ومن
стр. 651
المعلوم المسطور أنه ليس كذلك، وأنه يكون مدركاً للركعة وإن لم يلحق الإمام إلا بعد أركان، فلا يضره ذلك لكونه معذوراً غير مقصِّر في (١) التخلف (٢). وأحسب هذا الإيهام تعدى إليه ﵀ وإيانا - لما ذكره في درسه بعد طول العهد فإني رأيت هناك بخراسان في "الوسيط" الذي علَّقه عنه من الدرس ضابط يقظ من تلامذته: هذا مذكور (٣) على أنه وجه زيَّفه، وذكر فيه أنه قد قيل: إن هذه الركعة قد فاتته؛ لأن المسبوق إنما يدرك الركعة إذا أدرك الإمام في الركوع، ثم قال: وليس بشيء، بل الأصح أنه يكون مدركاً للركعة، فإن قلنا: فاتته الركعة ففي بطلان صلاته وجهان (٤). وهذا التزييف إنما يتأتي (٥) على تقدير حمل ذلك على إطلاقه بحيث يندرج فيه الوجه الثاني. أما إذا خصصناه بالوجه الثالث القول فيه بالتدارك بناءً على تقصيره (٦) كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فلا وجه لتزييفه، وقد حدثني بعض أصحابنا الطوسيين غير مرة أنه أرسله من استشكل ذلك بطوس (٧) إلى من كان عنده أصل (٨) الإمام الغزالي بخطه من ذريَّة
стр. 652
ابنته فأخرج له الأصل، وإذا فيه: فإن (قلنا) (١): لا يتدارك. و"لا" فيه ملحقة، وليس الأمر في ذلك على ذلك، وإنما هو في "الوسيط": "فإن قلنا: يتدارك" من غير "لا" (٢)، ووجهه: أنه مخصوص بالتدارك المقول به في الوجه الثالث؛ فإنه مبني فيه على التقصير، دون التدارك المقول به في الوجه الثاني؛ فإنه غير مبني على تقصيره بل على أن الشروع (٣) مُلْزم. وهذا التخصيص مصرَّح به في "البسيط" (٤)، وكذلك صرَّح في "النهاية" (٥) بأن الحكم بفوات الركعة وما تفرَّع عليه جار على الوجه الثالث نحو جريانه على الوجه الأول المقول فيه بوجوب الركوع، إذا خالف ولم يركع بل قرأ حتى فاته الركوع، والله أعلم.
стр. 653
ومن كتاب صلاة المسافرين
ذكر أن حدَّ السفر: (الانتقال مع ربط القصد بمقصد معلوم) (١). وهذا يحتاج إلى تمام بأن يقال: الانتقال من محل الإقامة؛ كيلا ينتقض بالانتقال من دار إلى دار هما في بلدة واحدة ونحو ذلك.
وقوله: "الهائم، وراكب التعاسيف لا يترخص" (٢) قال الشيخ أبو الفتوح العجلي: هما عبارتان عن معبَّر (٣) واحد (٤). وليس كذلك إنما الفرق بينهما مما يشكل، والفرق والله أعلم: أن الهائم الذي خرج على وجهه ولا يدري أين يتوجه وإن سلك طريقاً مسلوكاً. وراكب التعاسيف: لا يسلك طريقاً، وكلاهما مشتركان في أنهما لا يقصدان (٥) مقصداً معلوماً (٦)، والله أعلم.
قوله في ابتداء السفر أنه: "الانفصال عن الوطن، والمستقر" (٧) فالمستقر أعم من الوطن؛ فإنه يشمل مقر المقيم غير المستوطن (٨).
стр. 654
قوله في السفر من البلد غير المسوَّر: "لا يشترط مجاوزة المزارع، والبساتين التي يُخرج إليها للتنزه" (١) فقوله "للتنزه" احتراز مما إذا كانوا يسكنونها ولو في بعض فصول السنة، فإنه يشترط في الترخص مجاوزتها (٢)، والله أعلم.
ما ذكره في ترخص المسافر من قرية من أنه لا بدَّ فيها من مجاوزة المزارع والبساتين المحوطة دون التي ليست بمحوطة (٣). مخالف لما ذكره غيره؛ ففي طريقة العراق: أن القرية كالبلدة في أنه ليس يشترط مجاوزة البساتين والمزارع (٤). وفي طريقة شيخه إمام الحرمين: أنه لا يشترط في القرية مجاوزة المزارع محوطة كانت أو غير محوطة، ويشترط مجاوزة البساتين إن كانت محوطة، ولا يشترط إن لم تكن محوطة (٥)، والله أعلم.
قوله: "النادي والدمن" (٦) فالنادي ههنا: مجلس الناس ومجتمعهم للحديث (٧). والدِمن: بكسر الدال المهملة جمع دمنة وهي ما تلبد من
стр. 655
السرجين (١) ونحوه، وقيل: أراد بها مطارح التراب، والمواضع التي يتردد أهل الخيام إليها (٢).
قوله: "قال الشافعي: لو نزلوا في وادٍ والسفر في عرضه (٣) فلا بدَّ من جزعه" (٤) فقوله "في عرضه" لك أن تقرأه بفتح العين، ولك أن تقرأه بضمها أي جانبه، وهو بضمها أيضاً: وسطه، والجميع راجع إلى معنى واحد (٥)، وفيه احتراز مما إذا كان السفر في طول الوادي. وجزعه: هو بفتح الجيم، وإسكان الزاي المنقوطة أي قطعه (٦). وهذا وما ذكره في الربوة والوهدة (٧) المراد به ما إذا لم يتسع ذلك بحيث يخرج عن كون جميعه منسوباً إليهم (٨). أما إذا اتسع فلا يعتبر غير مجاوزة الخيام، والنادي، والدمن، وملعب الصبيان، وحظائر الإبل والغنم، ونحو ذلك (٩). وفي قول صاحب الكتاب في المحتطب: "إلا أن يتسع بحيث لا يختص بالنازلين" (١٠) تنبيه على ذلك، والله أعلم.
стр. 656
قوله في الإقامة: "إذا زادت على ثلاثة أيام انقطع الترخص، ولا يحسب في الثلاث يوم الدخول ويوم الخروج" وكذلك قوله في العزم على الإقامة مدة تزيد على ثلاثة أيام (١). فهذه عبارة شيخه أيضاً (٢). وعبارة الشافعي (٣)، ومعظم أصحابه (٤) في ذلك إقامة أربعة أيام، ومفهومه وما صرَّح به بعضهم أنه لا يعتبر في ذلك الزيادة على ثلاثة أيام إذا لم تبلغ الأربعة (٥)، وعبارة صاحب الكتاب عند التحقيق راجعة إلى ذلك؛ لأنه وإياهم لا يحسبون في ذلك يومي الدخول والخروج، ويلزم من ذلك أن يكون ما ذكره (٦) من الزيادة على ثلاثة أيام تمام الأربعة وهو يوم؛ لأن ما دون اليوم يكون يوم الدخول، أو يوم الخروج لا محالة، وقد اشترطنا في الزيادة أن تكون خارجة عن يومي (٧) الدخول والخروج، وهذا لطيف فافهمه، ولا نقول مثل ذلك في عبارة شيخه؛ لأنه قد صرَّح بالمخالفة فقال: "إن نوى مقام أربعة أيام، أو مقام ثلاثة أيام ولحظة صار مقيماً" (٨). وإنما يستقيم هذا مع القول باحتساب يومي الدخول والخروج،
стр. 657
وسياق كلامه يشعر (١) بأن في ذلك خلافاً، وهو (٢) كذلك؛ فقد حكى فيه صاحب "التهذيب" (٣)، وغيره (٤) وجهين، والله أعلم.
قوله: "ثم المقيم فوق الثلاث إذا كان عازماً على أن شغله لا يتنجَّز في الثلاث فلا يترخص" (٥) هذه عبارة غير مرضية، وقد غيرت في بعض النسخ، وتمامها، وتحريرها بأن يقال: المقيم فوق الثلاث إذا كان عازماً من الابتداء على أن شغله لا ينجزه (٦) في الثلاث، فيجعل التنجيز من فعله، والله أعلم.
قوله: "روي أن رسول الله ﷺ قصر في بعض الغزوات ثمانية عشر يوماً، وروي سبعة عشر يوماً، وروي عشرين يوماً" (٧) أما ثمانية عشر، وسبعة عشر ففي إقامته ﷺ عام فتح مكة، وفي حرب هوازن (٨). أما ثمانية عشر فقد رويناه في
стр. 658
"سنن أبي داود" (١)، ورويناه في كتاب "السنن الكبير" (٢) عن عمران بن الحصين، وفي إسناده علي بن زيد (٣) وليس بالقوي (٤). وأما رواية سبعة عشر بنقصان ثلاثة من عشرين فقد رويناه من وجوه عن ابن عباس ﵄، منها في "السنن" لأبي داود (٥). لكن الذي روينا (٦) عن ابن عباس في "صحيح البخاري" (٧)
стр. 659
تسعة عشر، بنقصان واحد من عشرين، وذكر الحافظ أحمد البيهقي أن هذه أصح الروايات عن ابن عباس، قال: "ويمكن الجمع بينهما بأن يكون من قال (١): سبعة عشر يوماً لم يعد يوم الدخول، ويوم الخروج، ومن قال: تسعة عشر عدهما، ومن قال: ثمانية عشر عدَّ أحدهما، والله أعلم" (٢). وأما رواية عشرين يوماً ففي غزوة تبوك (٣)، روينا من حديث جابر بن عبد الله قال: (أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة) أخرجه أبو داود (٤)، وذكر (٥) الحافظ أحمد البيهقي أنه غير محفوظ مسنداً، بل مرسلاً من غير ذكر جابر (٦). فالأصح إذاً ما رواه البخاري وهو تسعة عشر يوماً، وهذا يقتضي تعينها (٧) دون سائر الأعداد على القول بأنه لا تجوز الزيادة في ذلك على مدة إقامته
стр. 660
عازم، قاصراً صلاته على النبي (١) ﷺ (٢). وحكى إمام الحرمين (٣)، وغيره (٤) في ذلك طريقين: أحدهما: أن في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سبعة عشر. والثاني: ثمانية عشر. والثالث: عشرون. والثاني: أن المعتمد ثمانية عشر. قلت: والذي رأيته في كلام الشافعي ولم يحكِ صاحب "الحاوي" غيره (٥): سبعة عشر أو ثمانية عشر على الترديد. وهذا يقتضي الاقتصار على الأقل (٦) سبعة (٧) عشر، ولا ينبغي أن يعدل عن اختيار ما حققناه؛ فإنه من تحقيق أهل الحديث، وعليهم الاعتماد في مثل هذا. وفي كتاب إمام الحرمين من المزال عن وجهه في هذا المقام: أنه عكس فجعل رواية ثمانية عشر عن ابن عباس، ورواية سبعة عشر عن عمران بن الحصين، وأنه جعل رواية عشرين يوماً واردة في غزوة فتح مكة (٨)، وإنما وردت في غزوة تبوك كما سبق ذكره، والله أعلم.
قوله: "روى أن ابن عمر ﵄ أقام على قتال بأذربيجان ستة أشهر، وكان يقصُر" (٩) هذا رويناه في "السنن الكبير" (١٠)، وإسناده
стр. 661
جيَّد (١). وأذربيجان الأفصح أنها بهمزة في أولها مفتوحة من غير مدٍّ، ثم ذال معجمة ساكنة، ثم راء مفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة. ويقال. بهمزة ممدودة، ثم ذال مفتوحة، ثم راء ساكنة، وهذا أشهر، وهي ناحية تشتمل على بلاد معروفة (٢)، والله أعلم.
ما ذكره من أن السفر الطويل حدُّه (٣) بالأميال (٤) ثمانية وأربعون (٥) ميلاً بالهاشمي (٦)، وكل ثلاثة أميال فرسخ (٧). فالميل: أربعة آلاف خطوة، وكل خطوة ثلاثة أقدام (٨)، فكل ميل إذاً: اثنا عشر ألف قدم. والمعتبر في كل ذلك الوسط (٩). وقوله "بالهاشمي" نسبة إلى بني هاشم (١٠)، وفيه احتراز من أميال
стр. 662
بني أميَّة، (و) (١) هي أكبر، وبها حدَّد (٢) الشافعي في القديم فقال: أربعون ميلاً (٣). يريد أميال بني أميَّة، والمقدار واحد (٤). وأخطأ بعض الشارحين "للوجيز" فأفحش (٥)؛ فزعم أن ذلك نسبة إلى هاشم جدِّ رسول الله ﷺ (٦). وكأنه لم يدر (٧) أن النسبة إلى بني هاشم: هاشمي، وليس يخفى أن ذلك لا يلائم حال هاشم، وإنما يلائم حال بني هاشم حين أفضت الخلافة إلى بني هاشم لما تولاها (٨) بنو العبَّاس، والله أعلم.
ذكر أن الرخص المتعلقة بالسفر الطويل والقصير (٩) أربع: الصلاة على الراحلة، وترك الجمعة، والتيمم، وأكل الميتة (١٠). قال تلميذه محمد بن يحيى: "تناول الميتة رخصة السفر والحضر جميعاً مهما تحققت الضرورة" (١١). قلت: إنما يجعل (١٢) أكل الميتة من رخص السفر حيث يكون الاضطرار ناشئاً من السفر
стр. 663
في حق من كان بحيث لو أقام في الحضر لم يضطر، وهكذا التيمم بسبب عدم الماء، وذلك هو الغالب؛ فإن عدم الطعام والماء (١) لا يكاد يقع في الحضر. وقد يقال في التيمم: إنه أراد التيمم الذي لا تجب إعادة الصلاة المؤداة به، فإن ذلك يعم السفر الطويل والقصير على أصح القولين (٢). ولكن ذلك مخالف لظاهر لفظه، والله أعلم.
قوله: "القيد الثالث: المباح" (٣) لم يرد بالمباح ههنا ما قرره في أصول الفقه من أن المباح: ما استوى طرفاه في عدم الثواب والعقاب (٤). إنما المباح ههنا على اصطلاح الفقهاء، وهو: ما (٥) لا حرج في فعله (٦). فيدخل فيه الواجب والمندوب إليه، والله أعلم.
قوله في شرط القصر: "هو اثنان: أحدهما: أن لا يقتدي بمتم. والثاني: أن يستمر على نية القصر جزماً في جميع صلاته" (٧) هذا يفهم منه انحصار الشرط (٨) في هذين الاثنين، وليس كذلك، فإن له شروطاً منها: أن لا يقيم في جزء من صلاته، بل يستمر سفره من أولها إلى آخرها، فلو نوى الإقامة في أثناء
стр. 664
صلاته، أو طرأت الإقامة نفسها بأن (١) انتهت السفينة وهو يصلي فيها إلى وسط بلده، لزمه الإتمام. ومنها: علم القاصر بجواز القصر، فلو قصر جاهلاً بذلك (٢) لم يصح قصره وإن نوى؛ لأنه لا يجوز له ترك ما أمر به من الإتمام من غير علم بما يجوز له تركه (٣)، والله أعلم.
(قوله) (٤) في عدم اشتراط الترتيب على أحد الوجهين فيما إذا أخَّر الظهر إلى وقت العصر: "وجه الفرق أن العصر في وقته، فلم يفتقر (٥) إلى تقديم غيره، بخلاف العصر في وقت الظهر" (٦) هذا مشكل وإيضاحه: أنا إنما اشترطنا الترتيب أي تقديم الظهر على العصر في الجمع (٧) في وقت الأولى لأن العصر في غير وقته، وإنما يصح مجموعاً إلى غيره وهو الظهر، فلا بدَّ (٨) من وجود الظهر المجموع إليه أولاً ليُجمع إليه غيره، بخلاف الجمع في وقت العصر، فإن العصر واقعة في وقتها، فتصح وإن لم تقدم الظهر عليها، وتصح الظهر مؤخرة بوصف الجمع لأن الجمع قد (٩) وقع ضرورة بحصولها في وقت العصر على وجه
стр. 665
ما دُوِّن فيه (١)، والله أعلم.
قوله: "نيَّة الجمع عند التقديم في أول صلاة الأولى أو في وسطها" (٢) هذا اقتصار منه على القول الأصح المنصوص عليه في الجمع بالسفر (٣)، وترك القول الثاني المنصوص عليه في الجمع بالمطر وهو أنه لا يجوز إلا عند التحرم بالصلاة الأولى (٤)، ومن المتصور ذكر القولين في الجمعين (٥).
قوله (٦): "فلو نوى في أول الصلاة الثانية لم يجز. وقال المزني: يجوز" (٧) هذا ليس مذهب (٨) المزني، وإنما هو قول ثالث مخرَّج خرَّجه المزني للشافعي. وإنما قول المزني ومذهبه أن نيَّة الجمع (٩) ليست شرطاً أصلاً، ويكفي فعل الجمع وصورته (١٠). ثم إن
стр. 666
القول الثالث الذي خرَّجه المزني إنما هو تجويز إيقاع نيَّة الجمع بين الصلاتين، فلو أنه نوى الجمع في أول الصلاة الثانية فالظاهر من كلام المفرِّعين على تخريجه هذا أن ذلك لا يجوز؛ لأنها جازت بين الصلاتين لتعلق الجمع بالصلاتين، قال إمام الحرمين: "ليس يبعد عن القياس تجويز ذلك" (١). على هذا إذا عرفت هذا فالذي ذكره في الكتاب اختصار منه لكلام شيخه في ذلك على وجه يخلُّ بفهم المنقول عن المزني موهماً غيره، والله أعلم.
قوله: "جمع رسول الله ﷺ بالمدينة من غير خوف ولا سفر. قال الشافعي ﵁: ما أراه إلا من عذر المطر" (٢) هذا رواه الشافعي (٣)، وغيره (٤) عن مالك بإسناده عن ابن عباس ﵄، قال مالك: "أرى ذلك كان في مطر" (٥). هذا الحديث رواه مسلم في "صحيحه" من وجهين: أحدهما: هكذا. والثاني: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر" (٦). فلا
стр. 667
حجة إذاً فيه، وقد حمل الجمع فيه (١) عمرو بن دينار (٢) - وهو أحد رواته - على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية إلى أول (٣) وقتها (٤). ولم يمنعنا مثل هذا التأويل (٥) من القول بالجمع في السفر (٦)؛ لأن في بعض رواياته الثابتة التصريح بما معناه الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما (٧)، فينبغي إذاً أن يَعدل إلى الاحتجاج بالقياس على الجمع في السفر (٨)، ويعضده بورود فعل مثل ذلك في
стр. 668
المطر عن ابن عمر (١)، وابن عباس (٢) ﵄، وبما رويناه بإسناد جيِّد عن موسى بن عقبة (٣) "أن (٤) عمر بن عبد العزيز (٥) كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان مطر، وأن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن (٦)، ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك" (٧). فدَّل هذا مع غيره على شهرة ذلك وانتشاره من غير منكر، فاعتمد ذلك؛ فإن تقرير تجويز الجمع بالمطر منا مشكلات المذهب، ولذلك توقف
стр. 669
بعض أصحابنا فيه وعنه (١)، وطرد القياس في الجمع بعذر المرض (٢) جماعة من أصحابنا فجوَّزوه (٣) منهم: أبو سليمان الخطابي (٤)، والقاضي الحسين (٥)، والروياني (٦)، وغيرهم (٧)، والله أعلم.
قوله: "وفي الثلج خلاف" (٨) هذا في (٩) الثلج الذي يذوب، ووجه المنع: أن نفضه عن الثوب ممكن (١٠)، والله أعلم.
قوله: "قال الأصحاب: التقديم بعذر المطر جائز، وفي التأخير وجهان" (١١) لا يصح ذلك عن الأصحاب، فمشهور عنهم ذكرهم قولين في ذلك لا وجهين (١٢)، والله أعلم.
стр. 670
ومن كتاب الجمعة
ما ذكره من أن شرائطها ست (١). المراد به شرائطها المختصة بها، وإلا فشرائط سائر الصلوات شرائط فيها أيضاً (٢) والله أعلم.
ما اختاره من أنه إذا عظم البلد، وعسر الاجتماع في موضع واحد للزحمة جازت الزيادة على جمعة واحدة من غير تخصيص لبغداد بذلك (٣). هو الصحيح، وهو اختيار المزني (٤)، وابن سريج (٥)، وأبي إسحاق المروزي (٦)، وأبي عبد الله الحناطي (٧)، والقاضي أبي (٨) القاسم بن كجِّ (٩)، والقاضي