لأن كل إنسان يريد لنفسه ما يمكن أن تمتد إليه يده ومن هنا نشأ التضارب والنزاع بين إرادات الأفراد وأهوائهم، مما يمكن أن يتخذ شكل المقابلة الدموية، ويهدد النوع الإنساني بالانقراض "ثم يغلق الكتاب".
نبيل: هذه نظرية قديمة.
والنظريات القانونية الآن أخذت في اعتبارها قضايا كثيرة.
عارف: إذا كان ابن الأزرق من الفلاسفة السياسيين القدماء، فإن عباس محمود العقاد - عالم معاصر - جمع بين ثقافة شرقية واسعة، وثقافة غربية.
نبيل: هذا صحيح، فقد وجدوا في مكتبته اثنين وعشرين ألف مجلد، علق على أكثرها.
عارف: قال ﵀: من المبادئ المتفق عليها في عصرنا أن الجريمة فساد في نفس المجرم، وأن العقوبة
стр. 142
إصلاح له، أو وقاية للمجتمع من فساده.
وأن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد.
ولكن لا نغفل مصلحة الآخرين (الفلسفة القرآنية ص ١٠٣) .
نبيل: آمنت بالله وبشريعته.
إن حديثي كان من وحي مشكلة الأيدي العاملة.
ما تعانيه من نقصها فقط، ولكنني أؤمن بعدالة شرع الله.
عارف: مشكلة توفير الأيدي العاملة، لا يحلها اللصوص.
لقد وضع الإسلام لها حلاً متكاملاً، أحب أن تعرف شيئاً عنه.
نبيل: إذا تكرمت يا شيخ عارف، فهذه الليلة فرصة.
(يدخل هشام ويطلب من الضيف ومن الوالد أن يحضر مأدبة العشاء، وبعد العشاء تمم الشيخ الحديث) .
стр. 143
عارف: الإسلام يهتم بالإنسان، ويكرمه مهماً كان دينه.
واليد هي العضو المنتج في الإنسان.
لذلك جعل الإسلام الاعتداء عليها اعتداء على المجتمع، فمن قطع يد أخيه ظلماً قطع الإسلام يده قصاصاً، ومن قطعها خطأ، دفع نصف الدية التي يدفعها القاتل خطأ، فاليد في الإسلام مُصانة ومحترمة، لأنها أداة الإنتاج، ولكم اليد في نظر الإسلام أربعة أنواع.
- يد عاملة.
- يد عاطلة.
- يد عاجزة.
- يد عابثة.
وكل نوع من هذه الأنواع تنظر إليه الشريعة نظرة خاصة.
стр. 144
اليد العاملة:
يكرمها الإسلام، ويعتبر عملها شرفاً، وكفارة للذنوب.
قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ قَالَ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ".
(رواه أحمد. ١٦٦٢٨) وهي امتداد لأيدي الأنبياء.
فكل نبي بعثه الله كان يأكل من عمل يده.
حتى نبي الله داود - الذي آتاه الله الملك والنبوة - كان يأكل من عمل يده.
فكان يعمل حداداً يصنع الدروع الحربية قال تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ ١١] .
يا أستاذ نبيل: إن اليد العاملة تحقق سبب الخلافة في الأرض، هذا الشرف الذي تمنته الملائكة يوم سجودها لآدم.
وقد عمل
стр. 145
الإسلام على تكريمها ومكافأتها ليضمن بقاءها منتجة.
قال ﷺ :
"أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ".
(رواه ابن ماجة. ٢٤٣٤)
وضمن الإسلام صيانة حقها من الضياع،
فمن الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم،
آكل حق الآجير.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ قَالَ اللَّهُ ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ".
(رواه البخاري. ٢٠٧٥)
"من أمسى كالًّا مِن عمل يديه أمسى مغفورًا له".
رواه الطبراني في الأوسط. ٧٧٣٣) .
هذه هي اليد العالمة - يا أُستاذ نبيل - والتي جئت تجادل عنها.
اليد العاطلة:
مع قدرة بعض الناس على العمل فإنهم يتكاسلون وأسباب ترك العمل - مهما كانت - يكرهها
стр. 146
الإسلام، حتى ولو كان ترك العمل من أجل العبادة.
فقد أفتى فقهاءُ المسلمين: بأن من أصابه الفقر بسبب التفرغ للعبادة مع القدرة على العمل لا يعطي من مال الزكاة.
أما من أصابه الفقر بسبب تفرغه لطلب العلم فيعطى من مال الزكاة ما يسد حاجته.
لأن دراسته تنفع الجميع ومساعدته مادياً تدفعه إلى التعمق العلمي.
بخلاف من يتفرغ للعبادة، فعبادته لنفسه.
وأسباب البطالة متعددة.
وقد حاول الإسلام علاج كل سبب.
فمن الناس من يترفع عن العمل بدعوى (عراقة الأُسرة) التي انحدر منها، وهؤلاء ضرب النبي ﷺ لهم المثل الأعلى بعمله بيده، وعمل الراشدين من بعده.
نبيل: كلامك هذا يذكّرني بقول أبي العتاهية:
стр. 147
إنما يعرف الفضل من الناس ذووه ... لو رأى الناس نبياً عاطلاً ما وصلوه
عارف: أجل يا نبيل: لو رأى الناس نبياً عاطلاً ما وصلوه.
فترك العمل، بدعوى شرف الأُسرة، لون من البطالة السقيمة.
ومن الناس من يترك العمل زهداً في الدنيا.
وهؤلاء أَخطأُوا فهم الإسلام.
فالمسلم يجب أن يعمل من أجل قوته وقوت أهله، ولأن يذر المسلم ورثته أغنياء خير من أن يذرهم فقراء عالة يتكففون الناس.
والزهد يا سيد نبيل: أن تكون الدنيا في أيدينا، لا في قلوبنا.
ومن يدع الهروب من فساد المجتمعات لا يستحق الحياة، لأنَّ المسلم يعمل على حل مشاكل مجتمعه، لا على الهروب منها.
نبيل: بعض الشباب لديه القدرة على العمل، ولكنه
стр. 148
يحتاج إلى مال كثير ليحقق أهدافه.
من أجل ذلك نراه عاطلاً.
عارف: الإسلام وسع هذا الصنف من الشباب وأوجد حلاً لمشكلته، عندما شرع أنواعاً من الشركات يساهم فيها صاحب رأس المال بجزءٍ من ماله، ويساهك فيها صاحب الخبرة بخبرته وعمله، والأرباح تقسم بينهما.
وهذا النوع من الشركات أطلق عليه العلماءُ اسم المضاربة.
لأن أحدهما يضرب في الأرض ابتغاء فضل الله.
نبيل: وهذا النوع من الكسب حلال لا شبهة فيه؟
عارف: لقد عمل النبي ﷺ في مال السيدة خديجة - قبل البعثة - على هذا النحو - وبعد البعثة أقرّ هذا النظام من التعامل.
فالعامل يجد فرصة لتنمية مواهبه، وصاحب المال يستثمر ماله.
وهذا النظام
стр. 149
قد فتح أبواب الحياة أمام كثير من أبناء الأمة الذين تخصصوا في الزراعة، والتجارة، ولكنهم لم يجدوا من المال ما يبرزون به مواهبهم (التكافل الاجتماعي في السنة) .
نبيل: أرجو ألا أكون خرجت من موضوع قطع اليد الذي بدأنا به الحديث.
عارف: إن حديثنا عن قطع اليد يُلزمنا بالحديث عن المجتمع الذي شُرع فيه قطع اليد، وطبيعة الشريعة التي حكمت بقطع يد السارق.
ومن ناحية أخرى - يا أستاذ نبيل تكره الشريعة الإسلامية المال الجامد.
لأن سيولة النقد تؤدي حق الجماعة في المال، لذلك فرض الإسلام في المال الجامد الزكاة، ليدفع صاحبه إلى استثماره حتى لا تأكله الزكاة.
يا أستاذ نبيل.
في ظل هذا المجتمع تعتبر السرقة شذوذاً.
стр. 150
نبيل: هناك مشكلة يا شيخ عارف.
ربما لا يقتنع أصحاب الأموال بنظام الشركة، ليريحوا أنفسهم من المراجعات، والالتزامات التجارية.
عارف: وفي هذه الحالة أيضاً شرع الإسلام نظام القرض الحسن.
نبيل: وماذا يستفيد صاحب المال من القرض الحسن؟
عارف: المسلم يحرص على أجر الآخرة أكثر من حرصه على تنمية ماله في الدنيا، وقد قرر الإسلام أن القرض الحسن يعدل على أجر الآخرة، أو يزيد عليها.
قال ﷺ : رأيت ليلة أن أُسرى بي على باب الجنة مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر.
فقلت يا أخي يا جبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة؟
قال: لأنَّ السائل يسأل وعنده ما يغنيه، والمستقرض
стр. 151
لا يستقرض إلا من حاجة.
(رواه ابن ماجة) وقد بلغ من حبّ المسلمين لإقراض إخوانهم، وتفريج كرباتهم، أنّ رجلاً جاء إلى شريح يسأله أن يقرضه بعض المال.
فقال شريح: حاجتك عندنا ميسرة، فارجع إلى بيتك، فسيأتيك ما تريد، فإني أخاف أن يمسك ذلّ السؤال (عيون الأخبار)
نبيل: ليس كل الناس يكتفي بأجر الآخرة، فأنت تعرف طباع الناس، يا شيخ عارف.
عارف: الله أعلم بطباع الناس مني ومنك، لذلك شرع الإسلام لمن يُقرض إخوانه مكافأة مادية يجب أن أذكرها لك.
قرّر الفقهاءُ أن من أقرض أخاه المسلم مبلغاً من المال لعدة سنوات فعليه زكاة سنة واحدة، وهذا رأي السيدة عائشة وعمر بن عبد العزيز ﵄.
(فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي) .
стр. 152
نبيل: هذا نظام بديع للقضاء على الربا في المجتمع المسلم.
عارف: أكرمك الله يا نبيل، وأَسأَلك بعد ذلك هل بقى عذر لليد العاطلة.
اليد العاجزة:
وهناك يد عاجزة لمرض أو لصغر أو لشيخوخة.
قد رعاها الإسلام وسد حاجتها، مهما كانت عقيدتها.
مر عمر بن الخطاب - وهو في طريقه إلى الشام - على بعض النصارى المصابين بالجذام، فأمر لهم براتب من بيت مال المسلمين، ورفع عنهم الجزية.
وأمر ليهودي يتسول لكبر سنه، ما يغنيه عن التسول من بيت مال المسلمين وجاء خامس الراشدين عمر بن العزيز - وأرسل إلى عامله بالبصرة - عدى بن أرطاة - أرسل إليه: أُنظر من حولك من أهل الذمة، قد
стр. 153
كبر سنّه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فاجعل له راتباً من بيت مال المسلمين، بمقدار ما يصلحه.
(الأموال لأبي عبيدة. ص ٤٥) .
نبيل: رضى الله عن عمر بن عبد العزيز في قوله: بمقدار ما يصلحه، لأنَّ سد حاجته لا يأتي إلا بهذه العبارة.
عارف: والإسلام يا أُستاذ نبيل يذهب إلى أبعد من هذا في مساعدة اليد العاجزة، فهو يفرض على المجتمع أن يتاجر في مال اليتيم، حتى ينميه له، ولا تأكله الصدقة والنفقات اليومية.
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ".
(رواه الترمذي. ٥٨٠) .
فإذا كان العجز بسبب كبر أو مرض، فإليك ما فعله عمرو بن العاص، كنموذج لحاكم مسلم
стр. 154
فقد وزَّع الأراضي الزراعية على القادرين على زراعتها، ومن يعجز أو يموت يتكفل القادرون زرعة أرضه له أو لورثته.
(الوحدة الإسلامية ص ١٢٠) .
فهل بعد هذه الرعاية يتصور العقل أن الغرب هو
الذي ابتدع نظام التكافل؟!
يا أُستاذ نبيل اليد العاملة يُكرمها الإسلام، واليد العاجزة يُطعمها الإسلام، واليد العاطلة يفتح أمامها كل أبواب الحياة.
اليد العابثة:
وهي اليد التي يستهين صاحبها بالمجتمع، ويعبث بأمنه، من أجل سهرة حمراءِ، أو شربة صفراء.
تلك اليد - أنت معي يا أستاذ نبيل - إنها شذَّت في مجتمع آمن متكافل.
وللإسلام معها موقف الطبيب المعالج، فإن لم ينجح العلاج، فموقف الطبيب الجراح.
стр. 155
نبيل: ما هو العلاج: وما هي الجراحة؟
عارف: ربط الإسلام المسلمين بالمبادئ السامية، وعودهم على العطاء، وفرض عليهم الزكاة، لأنَّ اليد التي تعودت على العطاء، وتقديم الصدقة إرضاء الله، لا تطاوع صاحبها على سرقة، أو أخذ أي مال يجلب عليها غضب الله.
فالزكاة حماية من السرقة.
ومن العلاج - يا أًُستاذ نبيل - أن الإسلام رسخ في أذهان المسلمين الاعتقاد بان أي نفس لن تموت حتى تستوفى رزقها وأجلها.
فمن تعفَّف عن الحرام جاءه رزقه في الحلال لا محالة.
ومن العلاج أيضاً إيمان المؤمن بأن أي لحم نبت من حرام فالنار أولى به، ومن يفلت من عقاب الدنيا فلن يفلت من نكال الله.
هذا هو العلاج.
أما الجراحة فالذي لم يرتدع
стр. 156
خوَّفه الإسلام من قطع يده، لأنَّ عارها سيلازمه في كل حياته فمن أصرَّ بعد كل هذا على السرقة فمشرط الجراح حماية للمجتمع، وصيانة لأمنه بل حماية للسارق يحيمه من شر نفسه.
فيمنعه من الفعل.
كما قلت لك - إن الله شرع قطع اليد لئلا يُنَفَّذ.
نبيل: ولكن هل كل سرقة يعاقب عليها الإسلام بالقطع ولو كانت صغيرة؟
عارف: لا يا أُستاذ نبيل.
فمن سرق من مكان عام - كالمسجد المفتوح، أو الفندق، أو المحلات العامة - يعاقب بالسجن، ولا تقطع يده، لأنَّ شرط الجريمة أن يسرق (من حرز) أي مكان يمنع دخوله كالمسجد المغلق مثلاً، أو المخازن والبيوت.
ولو سرق من مال له فيه شبهة الملكية العامة أو الخاصة - كمن يسرق من شريكه لا تُقطع يده.
стр. 157
لأن له شبهة، والشبهة تُفسر لصالح المتهم دائماً، ومن سرق كتب علم وادَّعى إنه يريد قراءتها، أو أدوات لهو وادَّعى إنه يريد تكسيرها، أو سرق مالاً لم يبلغ النصاب، يعاقب بالسجن ولا تقطع يده.
نبيل: ماذا تقصد بكلمة النصاب؟
وأنا أعرف أن النبي ﷺ
"لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ".
(البخاري. ٦٢٨٥)
والآية الكريمة ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ آية عامة لأيّ سارق.
عارف: ألم أقل لك يا نبيل إن السنوات التي قضيتها في أوربا شغلتك عن دراسة الإسلام.
إن قول الرسول ﷺ
"لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ".
معناه أنه يتدرج في السرقة من البيضة والحبل إلى
стр. 158
سرقة ما يستحق عليه قطع اليد.
والإسلام وضع حداً للمبلغ الذي لو قلت السرقة عنه لا تقطع اليد.
نبيل: ما قيمة هذا المبلغ؟.
عارف: المسألة اجتهادية، اختلف فيها الفقهاءُ.
فبعضهم تشدد وجعلها أربعة دراهم من الفضة، وبعضهم جعلها عشرة دراهم من الفضة، أو ديناراً من الذهب.
والمسألة كما قلت لك اجتهادية، تختلف من عصر إلى عصر، ومن بلد إلى بلد، حسب ظروف المعاش.
والذي أفهمه من كلام العلامة السرخسى أن العشرة دراهم من الفضة في عصره تعتبر مالاً كثيراً، حتى عبر عنها بقوله: (وهذا مال خطير، وهو مصون من الابتذال) .
(المبسوط جـ ٩ ص ١٣٨)
فليس كل مال تقطع فيه اليد.
وليس كل من سرق يقطع الإسلام يده.
стр. 159
نبيل: أرحت صدري يا شيخ عارف.
أكرمك الله.
عارف: ثق يا نبيل أن الإسلام قبل أن يقطع يد السارق حكم بقطع رقبة مانع الزكاة كفراً بها.
وإنكاراً لفرضيتها.
نبيل: ماذا حدث يا شيخ عارف؟.
المناقشة من أول الليل كانت هادفة وهادئة، ومسألة الزكاة شخصية لا دخل لها بالموضوع.
عارف: لا يا نبيل الشريعة الإسلامية كل لا يتجزأ وأنا لم أبالغ عندما قلت.
إن الإسلام قبل أن يقطع يد السارق، حكم بقطع رقبة مانع الزكاة، إنكاراً لفرضيتها، واستخفافاً بدورها، وأكثر من هذا يا نبيل أن من تأول الآيات التي توجب دفع الزكاة يُقتل ويعتبر هو القاتل لنفسه، كما أن قطع يد السارق المستهتر بحرمة المجتمع، يعتبر
стр. 160
هو القاطع ليده.
فعندما تولى أبو بكر الصديق ﵁ الخلافة.
تمردت جماعة من الأعراب على دفع الزكاة.
وتأولوا الآيات، فحاربهم أبو بكر، كما حارب المرتدين سواء بسواء.
ويعتبر قتال أبي بكر لهم هو أعظم عمل قام به أبو بكر، حيث أمَّن الدولة الإسلامية، وثبت نظامها.
نبيل: أنا أعرف أن بعض الذين تباطؤا عن مبايعة الخليفة في الأيام الأُولى سارعوا للمبايعة، ودخلوا في الجيش الإسلامي المتوجه لقتال المرتدين ومانعي الزكاة.
عارف: يا أستاذ نبيل: الشريعة الإسلامية شرعت قطع اليد في مجتمع فرضت فيه الزكاة، وأوجبت فيه التكافل، وربت الناس على خلق الإيثار،
стр. 161
فمن شذ بعد ذلك شذَ إلى النار.
بقى سؤال واحد أنا أَسأَلك إياه يا نبيل.
متى نستلم البيت الجديد؟
نبيل: (يضحك ويقول: إن شاء الله ستؤدي فيه أيام العيد هذا العام) يخرج المهندس نبيل عازماً على مراجعة كل شيء سمعه عن الإسلام في أوربا.
стр. 162
اللقاء السادس
* حتمية الحصاد.
* القتل إعلام بنهاية الأجل.
وليس إنهاء للأجل.
* القاضي لم يهب القاتل الحياة، فلماذا يسلبها منه؟
* القصاص لا يعيد الحياة للمقتول.
ولكن.
* سأصبر ... حتى يحكم الله.
* الشريعة تحكم الناس من داخلهم.
* آية الدين.
* عندما تعدل شهادة المرأة الواحدة شهادة رجلين.
стр. 163
مَن كان يصدق أن كل الأموال التي أرسلها (ضياءٌ) إلى أخيه ليستثمرها له، قد ضمها أخوه إلى تجارته، وأنكر كل شيء، وزاد من حيرة (ضياء) خلو يده تماماً من أي وثيقة تؤيد دعواه إذا لجأ إلى القضاء.
لقد ضاعت رحلة السنوات السبع، ضياع الحب الذي كان بينهما قبل (محنة الثراء) لقد توقف تفكيره عند العزم على قتل أخيه.
عارف: ما حدث ليس مستغرباً.
لقد تربى جيل كامل من الشباب بمعزل عن هدى الله.
فلابد من هذا الحصاد.
إن الله ثالث شريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خانه خرج الله من بينهما.
واليوم يصدق في كثير من الشركاء قوله تعالى ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [سورة ص ٢٤] يا ضياء..
стр. 164
لقد كثرت الأموال، ولكنها مع كثرتها أصبحت كماء البحر، لا يزيد الشرب منها سوى الظمأُ.
هذا..فضلاً عن اعتقاد كثير من الناس أن الذين يعلمون بالخارج يغرفون من بحر لا قرار له.
مع أنهم لو جربوا الغُربة، والبعد عن الأهل، لأَيقنوا أنّ يوماً في السفر كألف يوم مما يعدون.
ضياء: لو وثقت الشركة للجأت إلى القضاء.
ولكن لولا تفيد لقد فُرض عليّ الاختيار الصعب.
عارف: عندما يصاب التفكير بالشلل يهذى الإنسان احذر يا ضياءُ من شلل التفكير.
الخطأُ لا يُعالج الخطأُ.
والدم لا يغسل الدم.
ثق في ربك ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ .
стр. 165
ضياء: لقد حكم الله بموته على يدي.
عارف: وإن لم تصبه،، ماذا تفعل؟ سوف تعاقب بتهمة القتل مع سبق الإصرار.
ضياء: سهمي لا يُخطئ.
عارف: حتى ولو أراد الله حياته؟!!
يا من تُدبّر في الليالي مصرعاً ... هل أَنت ربٌ تقطع الآجالا؟
ضياء: سوف أُواجهه بإطلاق الرصاص.
ولن يخيب سهمي.
عارف: هذه حماقة ...
لأنك إن لم تقتله فإنه سيموت وحده بلا قتل.
القتل دليل على نهاية العمر، وليس إِنهاءً منك لعمره.
والقتل حماقة..
ثمنها غال علينا جميعاً.
ضياء: أَعرف أنَّ ثمنه الإعدام.
لقد أَعدمني وأنا حيٌّ.
стр. 166
والإعدام دليل على نهاية عمري، وليس إنهاءٌ منهم لعمري - كما قلت.
عارف: لو كان الإعدام وحده هو الثمن لاختلَّ ميزان العدل الإلهي.
لأنَّ المقتول يموت، والقاتل يموت.
والقرآن ينفي تساويهما.
قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم ٣٥] .
إعدام القاتل بداية لعذاب طويل ...
لأنه هدم لبناء الله الذي بناه بيده، وأسكن فيه سره.
ضياء: سوف يستوي القاتل والسارق في النار.
ولا تنسى أن أخي سرقني.
عارف: كل خطأ يمكن للتوبة أن تُصلحه.
إلا القتل ...
فمهما تاب القاتل فلن يُحيى المقتول.
لذلك كان عذاب القاتل أكبر.
стр. 167
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣] .
فالعذاب العظيم الذي أخبرت عنه الآية الكريمة يختلف تماماً عن الخلود في النار، وغضب الله عليه، ولعنته له.
إنه عذاب للقاتل فقط.
لأنَّ الآية الكريمة عطفته على الخلود في النار وعلى اللعنة.
القتل يا ضياءُ هدم لبناء الله.
لذلك استبعد القرآن أن يحدث القتل العمد بين المسلمين.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء ٩٢] .
ضياء: لكن القتل يقع بالفعل.
عارف: هذا أُسلوب قرآني بليغ.
فبدلاً من أن يقول لك: لا تقتل أخاك، يقول: مثلك لا يقتل فهذا أبلغ في النهي.
стр. 168
ضياء: بأي حق يحكم القاضي بالإعدام؟.
إنه لم يهب القاتل حق الحياة، فكيف يسلبها منه؟
عارف: وهل أنت واهب الحياة لأخيك؟ كيف تجرؤ على سلبها منه؟.
إنّ المسلم عندما يذبح دجاجة، يشعر أنه لم يهبها الحياة.
لذلك فهو يُعلن أنّ الله الذي وهبها الحياة، أذن له أن يذبحها.
لذلك يقول عند البذبح: باسم الله.
الله أكبر.
والقاضي يعلم إنه لم يهب القاتل حق الحياة، ولكن الله الذي وهبه الحياة أذن لنا بقتل القاتل.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة ١٧٨] .
فالله الذي وهب الحبياة كلفنا بسلبها من القاتل.
ضياء: إعدام القاتل لا يُعيد الحياة للمقتول.
стр. 169
عارف: ولكن يهب الحياة للأحياء.
والحي أولى من الميت.
فالقاتل عندما يثق من إعدامه، فإنّ غريزة حب الحياة الكامنة في كل حي، سوف تتحرك لمنعه من حماقته.
وعند ذلك يسلم القاتل والمقتول، والمجتمع كله.
وهذا بعض معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ٧٩] .
ضياء: لله الأمر كنت أظن أن القتل هو العلاج الوحيد من منطلق: ضيعني فضيعته.
ولكنني آمنت بأن الصواب، هو تسليم الأمر لله.
ما أهون الدنيا، وأخلد الآخرة.
سوف أُسافر، ولن يُضيع الله سعيي إن سلطان القرآن الكريم لم يزل قادراً على توجيه سفينة الحياة.
ومنعنا من السقوط في الهاوية..
стр. 170
عارف: يا ضياء يا ولدي ... إن الله يحكم الناس من داخلهم.
والشريعة حريصة على منع وقوع الجريمة عندما يأمن القاتل العقوبة.
فكيف إذا تيقنها؟ أستودعك الله.
وسوف أذهب إلى أخيك، لعلّ الله يُحدُث بعد ذلك أمراً.
سافر ضياء.
وانقطعت أخباره.
ووجد في إخوانه من أهل العراق قوماً يُحبون من هاجر إليهم.
عاش بينهم سنوات لم يشعر بالغربة، ولكن حنينه للوطن فرض عليه العودة.
عاد يخمل ثمن السنوات التي عاشها بين الآلة والجدران.
عاد فوجد الدنيا قد أدبرت عن أخيه.
وولت عنه المكاسب.
فالدنيا إنْ حَلَتْ أَوْحَلَتْ حتى ولده الوحيد الذي ارتكب كل حماقة من أجل أن يُؤمن مستقبله، قد فارق الحياة.
عانق أخاه
стр. 171
بكل شوق، متناسياً كل ما كان.
وعزاه بكلماته وماله.
وحضر الشيخ عارف ليشهد أسمى لقاءٍ.
ضياء: خير هدية أقدّمها لابن أخي في قبره أن أحج عنه.
عارف: أظتك حججت عن نفسك.
لأنّ ابن عباس ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يقول: لبيك عن شُبرُمه.
فقال له النبي ﷺ : كم شُبْرُمه؟ قال: أخي.
قال له النبي ﷺ : هل حججت عن نفسك؟.
قال: لا قال له النبي ﷺ حج عن نفسك (أولاً) .
ثم حج عن شُبرُمة.
رواه ابن ماجة.
صفاء: ما أنفقته - بجهلي - في مراسيم العزاءِِ كان يكفي لأحج عن نفسي وعنه.
ولكن الجهل أضاع علينا الكثير.
ضياء: لقد عزمت على إقامة شركة بيني وبين أخي أنا بمالي، وأخي بجهوده وخبرته.
стр. 172
عارف: هذه مضاربة.
وهي حلال شرعاً.
فقد ضارب النبي ﷺ في مال السيدة خديجة، قبل الإسلام، وشارك "السائب المخذمى" ﵁ فلما لقيه يوم الفتح قال له النبي ﷺ : مرحباً بأخي وشريكي.
"رواه ابن ماجة".
كما وصفه النبي ﷺ بقوله: كان لا يُمارى ولا يُداري.
"رواه الحاكم" فالمصاربة مشروعة.
وربحها حلال مبارك، إذا قامت على أمانة الشريكين.
جاء في الحديث القدسي عن الله : أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا".
(رواه أبو داود. ٢٩٣٦)
ضياء: لقد أصلح أخي كل شيء.
فقد سجل باسمي المعرض والمخازن - وأنا غائب، إبراءً لذمته أمام الله.
стр. 173
صفاء: القبر ضيق يا شيخ عارف.
وموت ولدي نبهني لخير كثير.
عارف: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ .
ضياء: نريد أن تكتب لنا عقد الشركة.
عارف: الكتابة واجبة.
وأطول آية في القرآن توجب توثيق العقود.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾
وكررت الآية الكريمة الأمر بالكتابة
﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾
[البقرة ٢٨٢]
صفاء: نودُّ أن نعرف كل ما في الآية الكريمة من أحكام لنبني شركتنا على هدى الله.
عارف: ركزت الآية الكريمة على تنظيم جانب المعاملات بين الناس، صيانة لحقوقهم.
ضياء: مع أن الآية الكريمة نزلت على أُمة أُميّة.
ومع ذلك
стр. 174
أوجبت كتابة العقود.
لتفرض على الأُمة تعلم الكتابة.
عارف: ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.
أما عن الآية الكريمة.
فتضمنت عدة أحكام.
أولاً: أوجبت الآية الكريمة - أو على الأقل - ندبت إلى كتابة العقود؟
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوه﴾
ثانياً: جعلت حق إملاء العقد للجانب الضعيف ففي عقد الدين يُملى المدين صيغة العقد.
وفي عقد العمل، يُملى العامل صيغة العقد.
وفي التعاقد بين المنتج والمستهلك يُملي المستهلك.
وفي ذلك منفعة للطرفين.
أولاً: منفعة للمدين.
حتى لا تُلجئه الحاجة إلى قبول شروط مهينة يمليها عليه الدائن.
стр. 175
ثانياً: منفعة للدائن.
لأنّ المدين إن أملى العقد بنفسه أخذ العقد صيغة الالتزام.
والإقرار على النفس، والرسول ﷺ يقول:
" لا ضرر ولا ضرار ".
ثالثاً: طلب القرآن وساطة كاتب عدل.
ليس طرفاً في العقد.
قال تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾
وأوجبت على الكاتب أن يكتب شكراً لله الذي علمه
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ .
قال ﷺ :
" وفضل علمك تجود به على من لا علم له صدقة ".
رابعاً: أوجب القرآن - أو ندب - إلى الإشهاد على العقد.
بل جعل بعض العقود لا تتم صفتها، ولا تأخذ حكمها الشرعي، إلا بالإشهاد عليها.
كعقد الزواج.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
стр. 176
وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ .
خامساً: أوجب على الشهود تحمل الشهادة.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾
أي لا يمتنعوا عن تحمل الشهادة عند كتابة العقد.
ضياء: الشهود يأبون التحمل خوفاً من
تكاليف الأداء في ساحة القضاء، إذا لزم الأمر.
عارف: ألزم الله المتعاقدين دفع أي ضرر يقع على الكاتب أو الشهود ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ .
فأي ضرر يقع عليهما بسبب تحمل الكتابو، أو تحمل الشهادة، يجب على المدعي أن يتحمله.
واعتبر القرآن الكريم وقوع الضرر بالكاتب أو الشهود لوناً من الفسوق قال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ .
стр. 177
وقد دعا الإمام القرطبي إلى تعيين جماعة من المسلمين، يقومون بتحمل الشهادة في مثل هذه العقود.
ويرفعونها إلى القضاء عند الحاجة ويُصرف لهم راتب من بيت مال المسلمين.
وهذا هو المعمول به في (الشهر العقاري) (والكاتب العدل) الآن في بعض البلاد العربية.
سادساً: أوجب على المسلم أداء الشهادة أمام القضاء.
وتبليغها بأمانة.
لأن شهادة الزور هدم للعدل.
وضياع للحقوق.
قال تعالى: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُ﴾
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء ١٣٥] .
стр. 178
وقد مدح القرآن عباد الرحمن فقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢] .
ضياء: حكم القرآن كل شيء.
حتى لا يترك ثغرة للمتلاعبين.
ولكن البيع والشراء يصعب فيه كتابة العقود وتوثيقها.
عارف: استثنت الآية الكريمة ديون البيع والشراء من وجوب الأشهاد والتوثيق.
لأن البيع والشراء يقتضي السرعة، واشتراط التوثيق في كل مرة يُوقع التاجر في حرج، ربما يدفعه إلى منع البيع بأجل.
فيقع المستهلك في حرج.
قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ .
وقد أخذت القوانين الوضعية بهذا المبدأ.
واعتبرت "دفتر المبيعات" وثيقة قانونية يمكن للتاجر أن يثبت بها دعواه.
стр. 179
ضياء: مازال بعض الناس بخير يا شيخ عارف.
عارف: والقرآن لم ينف هذا.
فقد جعل التعامل مع الناس ثلاث درجات.
درجة أوجب فيها الكتابة.
سواءٌ في ذلك العقود الموثقة، أو الكتابة في مذكرة خاصة ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ فغن تعذرت الكتابة فقد شرع القرآن الرهن.
توثيقاً للدين قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وللرهن أحكام في كتب الفقه (١) .
الدرجة
стр. 180
الثالثة.
التعامل بالثقة بين المسلمين.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾