← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

خلاف العلماء في المضمر هل هو جزئي أو كلي؛ على مذهبين: المذهب الأول: أن المضمر جزئي. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق عندي - كما جعلته هنا -، لأمرين: أولهما: أن الكلي نكرة، والمضمر أعرف المعارف فلا يكون كليا. ثانيهما: أنه لو كان كليا لما دلَّ على الشخص، لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص. المذهب الثاني: أن المضمر كلي، وهو مذهب القرافي، والأصفهاني وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن لفظ " أنا "، و " أنت "، و " هو " صادق على ما لا يتناهى، فكيف يكون جزئيا؟! جوابه: لا نسلم لكم ذلك، بل هو صادق على ما يتناهى، وهو من يتكلم، أو من يُخاطب، أو المقصود بضمير الغائب. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على أن تلك الضمائر إنما تستعمل في الجزئيات، ومتى كان كذلك، فالأقرب أن تكون موضوعة لما تستعمل فيه، غاية الأمر: أن أحد الفريقين يجعل الاستعمال في الجزئي شرطا في الوضع، والفريق الآخر يجعل الجزئي الذي يستعمل فيه هو نفس الموضوع له، فلا خلاف في المعنى، فيكون الخلاف لفظياً.

стр. 1017

المسألة الرابعة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار وحدته وتعدُّده، ووحدة المعنى وتعدّدِه: اللفظ والمعنى إما أن يتحدا، أو يتكثرا، أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى، أو يتحد اللفظ ويتكثر المعنى، فهذه أربعة أقسام، ولكل قسم اسم معين، وإليك بيانها: القسم الأول: أن يتحد اللفظ والمعنى، وهو: المنفرد، وسمي بذلك لانفراد لفظه بمعناه، وهو: إما كلي، أو جزئي، وقد سبق بيانه. القسم الثاني: أن يتعدَّد اللفظ، ويتعدَّد المعنى، وهي: الألفاظ المتباينة، وسميت بذلك؛ لأن كل واحد منها مباين للآخر، أي: مخالف له في معناه، وهو نوعان: " المعاني المنفصلة "، و " المعاني المتصلة". فالمعاني المنفصلة مثل: الإنسان، والفرس، والسواد، والبياض. والمعانى المتصلة باعتبارات هي كما يلي: الاعتبار الأول: اعتبار أن أحدهما جزء للآخر مثل: الحيوان والفرس. الاعتبار الثاني: اعتبار أن أحدهما ذات والآخر صفة مثل: "الإنسان "، و " الكاتب ". الاعتبار الثالث: اعتبار أن أحدهما صفة، والآخر صفة الصفة مثل: " الناطق "، و " الفصيح ". القسم الثالث: أن يتكثر اللفظ، ويتحد المعنى، ويُسمى "المترادفة" مثل: " الإنسان والبشر "، و " الليث والأسد ".

стр. 1018

القسم الرابع: أن يتحد اللفظ، ويتكثر المعنى - عكس الثالث -. وهذا نوعان: النوع الأول: أن يوضع اللفظ لتلك المعاني وضعا أولاً، وهذا هو المشترك مثل: لفظ " العين " وضع للجارية، والباصرة، والذهب بالوضع الأول. النوع الثاني: أن يوضع اللفظ لأحد المعاني، ثم نقل إلى الثاني، وهذا فيه تفصيل: فإن وضع لأحد المعاني ثم نقل لغيره بدون علاقة، فإنه يُسمَّى "المرتجل "، وقد يطلق عليه - أيضا - " المشترك " مثل: " جعفر " الذي جعل عَلَماً لشخص إنساني. وإن وضع لأحد المعاني ثم نقل إلى غيره لعلاقة واشتهر اللفظ في الثاني سمي اللفظ بالنسبة إلى المعنى الأول منقولاً عنه، ويسمى اللفظ بالنسبة إلى المعنى الثاني منقولاً إليه. ثم المنقول هذا له أسماء هي كما يلي: المنقول الشرعي: إن كان الناقل هو الشرع كالصلاة، فإنها في اللغة: الدعاء، ثم نقل الشرع ذلك إلى ذات الأركان لعلاقة. المنقول العرفي: إن كان الناقل هو العرف العام مثل: " الدابة " فإنها اسم لما يدب على الأرض، ثم نقل ذلك العرف العام إلى ذات الحافر. المنقول الاصطلاحي: إن كان الناقل هو العرف الخاص كاصطلاح أهل الأصول مثل: القياس، والقلب، والركن، واصطلاح أهل النحو مثل: الرفع، والنصب.

стр. 1019

هذا إن اشتهر في الثاني وأصبح مهجوراً في الأول. أما إن لم يشتهر في الثاني، ولم يكن مهجوراً في الأول، فإن اللفظ يسمى حقيقة بالنسبة إلى الأول، مجازاً بالنسبة إلى الثاني مثل: " الأسد " بالنسبة إلى الحيوان المفترس، والرجل الشجاع. بيان ما هو نص، وظاهر، ومجمل، ومؤول من الأقسام الأربعة السابقة. اعلم أن الأقسام الثلاثة الأولى - متحد اللفظ والمعنى، ومتكثر اللفظ والمعنى، ومتكثر اللفظ متحد اللفظ - نصوص؛ وذلك لأن لكل واحد منها معنى معيناً متحداً، وهو معنى النص، أو تقول: لاتحاد المعنى بدون احتمال الغير. وأما القسم الرابع - وهو: متحد اللفظ متكثر المعنى - فلا يخلو: إما أن تكون دلالته على كل واحد من معانيه الكثيرة على السوية، فهذا هو: المجمل مثل " القرء " بالنسبة إلى الطهر والحيض. وإن ترجح أحد المعاني دون الأخرى فهذا هو: الظاهر. وهو بالنسبة إلى المعنى الذي هو مرجوح الدلالة: مؤول. وهذا مثل " المنقول "، فإنه بالنسبة إلى المنقول إليه ظاهر، وبالنسبة إلى المنقول عنه مؤول. بيان وجه الاتفاق بين النص والظاهر ووجه الافتراق والقدر المشترك: النص والظاهر يتفقان في رجحان الإفادة، ويفترقان في أن النص ْراجح مانع من الغير -، أما الظاهر فهو راجح لا يمنع من الغير. والقدر المشترك بينهما يُسمَّى بالمحكم، فالمحكم هو: " ما يتضح معناه".

стр. 1020

بيان وجه الاتفاق بين المجمل والمؤول ووجه الافتراق والقدر المشترك: المجمل والمؤول يتفقان في عدم الرجحان، ويفترقان في أن المجمل وإن لم يكن راجحا فهو غير مرجوح، أما المؤول فإنه مع أنه غير راجح فهو مرجوح. والقدر المشترك بينهما يُسمَّى بالمتشابه، فالمتشابه هو: " ما لم يتضح معناه ". إذن: المحكم نوعان: " النص "، و " الظاهر ". والمتشابه نوعان: " المجمل "، و " المؤول ". *** المسألة الخامسة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار حال مدلوله: مدلول اللفظ إما معنى، أو لفظ، والثاني - وهو: اللفظ - ينقسم إلى المفرد، والمركب، وهذا القسمان - وهو المفرد والمركب - ينقسم كل واحد منهما إلى مستعمل ومهمل، فهذه خمسة أقسام، إليك بيانها: القسم الأول: لفظ مدلوله معنى مثل: " الفرس "، فإن مدلوله معنى لا لفظ. القسم الثاني: لفظ مدلوله لفظ مفرد مستعمل مثل: " الكلمة "، فإن مدلولها لفظ مستعمل وهو: الاسم، أو الفعل، أو الحرف مثل: "زيد". القسم الثالث: لفظ مدلوله لفظ مفرد غير مستعمل مثل: أسماء الحروف، أي: حروف التهجي مثل: " ألف "، و " باء "، فإن

стр. 1021

مدلولهما وهو: " أ " و " ب "، وهو لفظ مفرد مهمل، أي: ليس له معنى. القسم الرابع: لفظ مدلوله لفظ مركب مستعمل مثل: " الخبر "، فإنه لفظ مدلوله لفظ مركب مستعمل مثل: " زيد قائم ". القسم الخامس: لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل مثل: " الهذيان " فإنه لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل، والمقصود: ما يتلفظ به الهاذي من ألفاظ غير مفيدة.

стр. 1022

المطلب الثالث في تقسيم المركب المراد من وضع اللفظ المركب: إفادته لمعناه. فاللفظ المركب ينقسم إلى "قسمين: القسم الأول: أن يكون اللفظ المركب مفيداً بالذات طلباً، وهو نوعان: النوع الأول: أن يكون لطلب الماهية في الذهن وهذا هو: الاستفهام. النوع الثاني: أن يكون لتحصيل الشيء في الخارج، وهذا فيه تفصيل: - فإن كان لتحصيل الفعل مع الاستعلاء فهو: أمر كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) - وإن كان لكف النفس مع الاستعلاء فهو: نهي كقوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) . والطلب مع التساوي: التماس كقول بعض الأصحاب لبعض: "خذ الكتاب ". والطلب مع التسفل: دعاء وسؤال كقولك: " اللهم اغفر لي ".

стр. 1023

القسم الثاني: أن يكون اللفظ المركب لا يفيد بالذات طلبا، وهذا نوعان: النوع الأول: أن يحتمل التصديق والتكذيب وهذا هو: الخبر كقولك: " قام زيد ". النوع الثاني: أن لا يحتمل التصديق والتكذيب، وهذا هو التنبيه. ويندرج في التنبيه: التمني كقوله تعالى: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) ، والترجي كقوله تعالى: (لعل اللَّه يحدث بعد ذلك أمراً) ، والقسم كقوله: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) ، والنداء كقوله: (يا نوح قد جادلتنا) .

стр. 1024

الفصل الثالث في الاشتقاق ويشتمل على المباحث الثالية: المبحث الأول: تعريفه. المبحث الثالث: أركان الاشتقاق. المبحث الثالث: هل يشترط كون المشتق حقيقة: دوام أصله وهو: بقاء المشتق منه؟

стр. 1025

المبحث الأول في تعريف الاشتقاق الاشتقاق هو: رد لفظ إلى لفظ آخر لموافقته له في حروفه الأصلية ومناسبته له في المعنى. بيان التعريف: قوله: " رد لفظ إلى لفظ آخر " إشارة إلى اشتراط التغاير في اللفظ، فخرجت الأسماء المشتركة. قوله: " لموافقته له في حروفه " للاحتراز عن الكلمات التي توافق كلمة أخرى في معناه لا في حروفه مثل: " الحبس "، و"المنع "، و " إنسان "، و " بشر "، فإنه لا يقال: إن أحدهما مشتق من الآخر. قوله: " الأصلية " إشارة إلى أن اشتراط الموافقة إنما هو في حروفه الأصلية - فقط - دون الحروف الزائدة، فمثلاً: " دخل " مشتق من " الدخول "، وإن لم يوافقه في الحرف الزائد، وهو: "الواو "، وكذا " يدخل " وإن لم يوافقه في الياء. قوله: " ومناسبته له في المعنى " للاحتراز عن الذي يوافقه في حروفه الأصلية، ولكن غير مناسب له في المعنى مثل " الذهاب " لا يقال: إنه مشتق من الذهب، فإنه يوافقه في حروفه الأصلية، ولكن غير مناسب له في المعنى.

стр. 1026

المبحث الثاني أركان الاشتقاق لا يتم الاشتقاق إلا بأركان أربعة هي كما يلي: الركن الأول: لفظ موضوع لمعنى، وهو المشتق منه. الركن الثاني: لفظ آخر له نسبة إلى اللفظ الأول، وهو المشتق. الركن الثالث: المشاركة بين الحروف الأصلية والمعنى. الركن الرابع: تغيير يلحق المشتق بزيادة أو نقصان، وهو خمسة عشر قسما هي كما يلي: القسم الأول: زيادة حرف نحو: " كاذب " من " الكذب " زيدت الألف بعد الكاف. الثاني: زيادة الحركة مثل: " نَصَر " مشتق من " النصر " زيدت حركة الصاد. الثالث: زيادة الحركة والحرف جميعاً مثل " ضارب " مشتق من "الضرب " زيدت الألف بعد الضاد، وزيدت حركة الراء. الرابع: نقصان حرف مثل: " خَفْ " مشتق من " الخوف " نقصت الواو. الخامس: نقصان الحركة مثل: " ضرْب " من " ضَرَب " نقصت حركة الراء. السادس: نقصان الحرف والحركة معا مثل " غَلَى " مشتق من "الغَلَيان ".

стр. 1027

السابع: زيادة الحرف ونقصانه مثل: " مسلمات " زيدت ألف وتاء الجمع، ونقصت تاء كانت في المفرد. الثامن: زيادة الحركة ونقصانها مثل: " حذر " مشتق من "الحذَر" زيدت كسرة الذال، ونقصت فتحتها. التاممع: زيادة الحرف ونقصان الحركة مثل: " عادّ " بالتشديد مشتق من "العدد" زيدت الألف بعد العين، ونقصت حركة الدال الأولى. العاشر: عكس التاسع وهو: زيادة الحركة ونقصان الحرف مثل: " خُذْ " مشتق من " الأخذ " زيدت حركة "الخاء" ونقصت "الألف ". الحادي عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه مثل: "خاف " مشتق من " الخوف "، فهنا زيدت حركة " الفاء "، وزيد حرف الألف ونقص حرف الواو. الثاني عشر: زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها مثل "اضرب " مشتق من " الضرب " زيد حرف " الألف " للوصل، وزيدت حركة " الراء "، ونقصت حركة الضاد. الثالث عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه مثل: "كال " مشتق من " الكلال " فهنا نقصت حركة اللام الأولى للإدغام، وزيد حرف الألف قبل " اللام " الأولى، ونقص حرف " اللام " الثانية. الرابع عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها مثل: "صِل " مشتق من " الوصول "، فهنا نقص حرف وهو " الواو "، وزيدت حركة وهي: كسر الصاد، ونقص حركة وهي: ضمة الصاد. الخامس عشر: زيادة الحرف والحركة ونقصان الحرف والحركة مثل: " إرْم " مشتق من " الرمي "، فهنا زيد حرف " الألف "، ونقص حرف " الياء "، وزيد حركة " الميم "، ونقصت حركة الراء.

стр. 1028

المبحث الثالث هل يُشترط كون المشتق حقيقة: دوام أصله وهو: بقاء المشتق منه ؟ لقد اختلف في ذلك على مذاهب ثلاثة: أصحها: أنه مشترط مطلقاً، أي: يشترط كون المشتق حقيقة دوام أصله، وهو: بقاء المشتق منه، وهو مذهب فخر الدين الرازي، والبيضاوي، وكثير من العلماء. دليل ذلك: أن المشتق يصدق نفيه عند زوال المشتق منه؛ لأنه بعد انقضاء الضرب يصدق عليه أنه ليس بضارب - في الحال، فيصدق أنه ليس بضارب؛ حيث: إن قولنا: " ليس بضارب " جزء لقولنا -: " ليس بضارب في الحال "، ومتى صدق الكل صدق الجزء، فيصدق أنه ليس بضارب. وإذا صدق نفيه فلا يصدق إيجابه - وهو: أنه ضارب -؛ لأنهما متناقضان، فإذا صدق أحد النقيضين لا يصدق الآخر. ويُبنى على ذلك مسألة فقهية وهي: أنه إذا مات مفلس وعليه ديون، ووجد بعض الغرماء ما باعه عليه بعينه في تركة هذا المفلس، فهل له الرجوع إليه؟ فذهب أبو حنيفة، والحسن البصري، والنخعي إلى أنه ليس

стр. 1029

للغريم الرجوع إليه، فلما اعترض عليهم بقوله ﷺ : "فصاحب المتاع أحق بمتاعه " قالوا: إن المراد بذلك هو: المعير، وعللوا ذلك بقولهم: إن من باع متاعه لا يسمى صاحب متاع بعد ما باع بناء على اشتراط بقاء المعنى في إطلاق اسم المشتق حقيقة. وذهب جمهور العلماء إلى أن له ذلك مستدلين بالحديث السابق، فهذا الشخص صاحب المتاع بناء على أن بقاء المعنى غير مشترط فى إطلاق المشتق.

стр. 1030

الفصل الرابع في الاشتراك ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: تعريفه. المبحث الثاني: هل المشترك ممكن وثابت وواقع في اللغة؟ المبحث الثالث: في أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته. المبحث الرابع: هل يصح استعمال المشترك في كل معانيه إذا أمكن الجمع بينها؟ المبحث الخامس: بيان أن الاشتراك خلاف الأصل. المبحث السادس: حالات اللفظ المشترك عند وجود القرينة أو عدمها. المبحث السابع: الفرق بين المشترك والمتوافى. المبحث الثامن: الفرق بين المشترك والمتوافى والمشكك. خاتمه: في بيان الكلي، والكلية، والكل، والجزئي، والجزئية، والجزء.

стр. 1031

المبحث الأول تعريفه الاشتراك في اللغة مأخوذ من الشركة، شبهت اللفظة في اشتراك المعاني فيها بالدار المشتركة بين الشركاء. واللفظ المشترك اصطلاحا هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا. بيان التعريف: فعبارة: " اللفظ " جنس يشمل المشترك وغيره. وعبارة: " الواحد الموضوع لمعنيين " أخرجت اللفظ الواحد الموضوع لمعنى واحد مثل الألفاظ المتباينة، والمتواطئة، والمشككة؛ لأنها لم - توضع لمعنيين، بل وضعت لمعنى واحد، وإن كان ذلك مشتركا بين الأفراد. وعبارة " فأكثر " أتى بها ليدخل الذي وضع لثلاث معان فأكثر كالعين. وعبارة: " وضعا أولا " أخرجت الألفاظ المنقولة والمجازية، فإنها وإن كانت موضوعة لعدة معان، ولكن لا وضعا أولا. فاللفظ المشترك هو لفظ يطلق على مسميين ومعنيين فكثر لا تشترك في الحد والحقيقة.

стр. 1032

المبحث الثاني هل المشترك ممكن وثابت وواقع في اللغة ؟ لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن المشترك ممكن وثابت في اللغة وواقع. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لقيام الدليل على إمكانه وجوازه، وقيام الدليل على وقوعه. أما الدليل على إمكانه وجوازه: أن المشترك يمكن أن يقع من واضعين بأن وضع أحدهما لفظا لمعنى، ثم وضع آخر ذلك اللفظ لمعنى آخر، كالعين مثلاً، فيمكن أن يكون أحدهما وضعه للجارية، والآخر وضعه للناظرة والباصرة، ثم اشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين في إفادة ذينك المعنيين. ويمكن أن يقع من واضع واحد لغرض الإبهام؛ وذلك لأن المقصود من الوضع قد يكون التصريح، وقد يكون الإبهام، حيث يستلزم التصريح مفسدة، وهي اطلاع الغير على أشياء لم يرد اطلاعه عليها، فوضعوا للأول - وهو المراد التصريح به - الألفاظ المفردة، ووضعوا للثاني - وهو المراد إبهامه - الألفاظ المشتركة. وأما الدليل على وقوعه فهو: أن القرء " يطلق علي " الطهر " و" الحيض "، فهو إما أن يكون متواطئا، أو يكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، أو مشتركا.

стр. 1033

أما الأول - وهو كونه متواطئا - فهو باطل؛ لأن شرط التواطؤ: اتحاد المعنى، وهاهنا ليس كذلك. أما الثاني - وهو كونه حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر - فهو باطل أيضا؛ لأنه لو كان كذلك لتبادر المعنى الحقيقي إلى الذهن، ولكن الحق: أن الذهن - عند سماع هذا اللفظ مجرداً عن القرينة - يتردد بين " الطهر "، و " الحيض ". فلم يبق إلا الثالث وهو: أنه مشترك؛ وذلك لتردد الذهن بين ذينك المعنيين والتردد علامة الاشتراك. المذهب الثاني: أن المشترك واجب، وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن المعاني غير متناهية؛ لأن الأعداد أحد أنواع الموجودات وهي غير متناهية، والألفاظ متناهية؛ حيث إنها مركبة من الحروف المتناهية والمركب من المتناهي متناه، فإذا وزعت المتناهية على المعاني غير المتناهية لزم الاشتراك؛ حيث سيكون للفظ الواحد عدة معان بالضرورة. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن المعاني غير متناهية؛ لأن المراد بالمعاني الأجناس، وهي متناهية. سلمنا ذلك، لكن لا نُسَلِّمُ أن الألفاظ متناهية. الجواب الثاني: لو سلمنا المقدمتين فإنا نقول: إن المقصود بالوضع: ما حصل في العقل، وهو متناه، وهو لا يلزم الاشتراك.

стр. 1034

المذهب الثالث: أن المشترك ممتنع وليس بواقع، وهو لبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن المشترك لا يفهم الغرض والمعنى المقصود من الواضع، وإذا كان كذلك فإنه يؤدي إلى المفسدة، وما كان مؤديا إلى المفسدة وجب أن لا يكون، فيكون المشترك - حينئذ - مفسدة فيمتنع وقوعه. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ أن اللفظ إذا كان مشتركا لم يفهم الخاطب الغرض والمقصود والمعنى المراد من الواضع؛ لجواز أن يعرف مراد المتكلم بالقرائن. وإن سلمنا: أن اللفظ المشترك لا يفهم الغرض المراد، فلا نسلم أن المقصود من الوضع في جميع المواضع هو الفهم التفصيلي؛ لجواز أن يكون التعريف الإجمالي مقصوداً في بعض الصور، كما في أسماء الأجناس كالحيوان، والإنسان، فإنها تدل على ما وضعت له إجمالاً، ولا تدل على تفاصيل ما تحتها. بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي في هذه المسألة؛ لاتفاق أصحاب المذاهب على أن " القرء " متردد بين " الطهر "، و " الحيض "، وهما ضدان. أما أصحاب المذهب الأول والثاني فواضح. أما أصحاب المذهب الثالث فقد يسمونه باسم آخر كالمشكل مثلاً. تنبيه: المشترك وافع في القرآن الكريم مثل: " القرء " و "عسعس " و" الصريم "، وواقع في السُّنَّة مثل ما روي: " أن النبي ﷺ أقام العشاء حين غاب الشفق "، والقرء، وعسعس، والصريم، والشفق ألفاظ مشتركة، وقد سبق بيان ذلك في الباب الثاني وهو في: أدلة الأحكام.

стр. 1035

المبحث الثالث أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته القسم الأول: اللفظ المشترك بين مسميات متضادة لا يمكن الجمع بينها، ولا الحمل عليها. مثل: " القرء " لفظ مشترك بين " الطهر"، و " الحيض "، وهما متضادان. مثال آخر: " الجلل " لفظ مشترك بين " الكبير " و " الصغير والهين " وهما متضادان. مثال ثالث: " الجون " لفظ مشترك بين " الأسود " و " الأبيض " وهما متضادان. مثال رابع: " الشفق " لفظ مشترك بين " البياض " و " الحمرة " وهما متضادان. القسم الثاني: اللفظ المشترك بين مسميات مختلفة - لا صلة لأحدها بالآخر. مثل: " العين " فإنها تطلق على معان كثيرة ومختلفة حقيقة، فتطلق على " العين الباصرة "، و " عين الإرواء "، و " الشمس "، و" الذهب "، وغيرها، فهذه المعاني اختلف بعضها عن بعض، ولا يوجد أي صلة بين بعضها وبعضها الآخر. القسم الثالث: اللفظ المشترك بين مسميات متناقضة مثل: إلى " على رأي القائل: إنها مشركة بين إدخال الغاية وعدمه.

стр. 1036

القسم الرابع: اللفظ المشترك بين الشيء ووصفه مثل لفظ (تأبط شرا) ، وبين "الفاعل " و " المفعول" مثل: " المختار " يقال للذي اختار الثوب مختار، ويقال للثوب نفسه مختار أيضا. القسم الخامس: اللفظ المشترك بين مسميين بينهما تعلق، وهذا نوعان: النوع الأول: أن يكون أحد المعنيين جزءاً للآخر مثل: " الممكن " يطلق على العام والخاص، فإن الممكن العام - وهو سلب الضرورة عن أحد الطرفين - جزء للممكن الخاص - وهو: سلب الضرورة عن طرفي الحكم -. النوع الثاني: أن يكون أحد المعنيين لازما للاخر مثل: " الشمس " فإنه يطلق على الكوكب، ويطلق على ضوء ذلك الكوكب، والضوء - كما هو معلوم - لازم للكوكب. القسم السادس: الاشتراك في التركيب مثل قوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) ، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك بين الزوج، والولي. القسم السابع: الاشتراك في الحرف مثل: (الواو) تكون للعطف، وللقسم، والابتداء، وحرف " من " تكون للتبعيض، وبيان الجنس، وحرف (الباء) تكون للاستعانة، والسببية. -

стр. 1037

المبحث الرابع هل يصح استعمال المشترك في كل معانيه إذا أمكن الجمع بينها ؟ اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت واحد إذا كان مشتركا بين معنيين كالعين للذهب، والجارية، والنكاح المطلق على العقد والوطء، ولم تكن الفائدة فيهما واحدة هل يجوز أن يراد به كلا المعنيين معا أو لا؟ أي: هل يصح أن يستعمل المتكلم اللفظ الواحد في جميع معانيه دفعة واحدة على أن يكون كل معنى مقصوداً بالحكم في وقت واحد أو لا يصح ذلك؟ اختلف في ذلك على مذاهب، أهمها: المذهب الأول: أنه يصح ويجوز أن يراد باللفظ جميع معانيه إذا تجرد عن القرائن، وإطلاقه على جميع معانيه حقيقة مطلقا. ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، والباقلاني، والبيضاوي، وكثير من العلماء، وهو الحق عندي؛ لدليلين: الدليل الأول: الوقوع، والوقوع دليل الجواز، وقد وقع في القرآن في موضعين: الموضع الأول: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) .

стр. 1038

فالصلاة من اللَّه تعالى: الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة: الاستغفار، وهما معنيان متغايران، واستعمل لفظ " الصلاة " فيهما دفعة واحدة؛ حيث وقع الإخبار به، فدل ذلك على صحة استعمال المشترك في كل معانيه في وقت واحد. ما اعترض به على الاستدلال بهذه الآية: الاعتراض الأول: أن قوله تعالى: (يصلون) فيه ضميران: أحدهما عائد إلى اللَّه، والآخر عائد إلى الملائكة، وتعدد الضمائر بمنزلة تعدد الأفعال، فكأنه قال: " إن اللَّه يصلي وملائكته تصلي " فهو - إذن - بمثابة ذكر فعلين، ومسألتنا في استعمال اللفظة الواحدة في معنيين، وليس في استعمال لفظين في معنيين، ذكر ذلك تاج الدين الأرموي. جوابه: إن الآية لم ينطق بها إلا بلفظ واحد هو: (يصلون) ، فيكون اللفظ واحداً، - ولكن معناه قد تعدد، وقد أريد به كل معانيه. الاعتراض الثاني: أن لفظ " الصلاة " مشترك بالاشتراك المعنوي، دون اللفظي، بيان ذلك: أن لفظ " الصلاة " مستعمل في القدر المشترك بين المغفرة والاستغفار وهو: الاعتناء وإظهار شرف الرسول ﷺ ، فيكون مشتركا معنويا، ولا يكون مشتركا لفظيا، ذكر ذلك الغزالي. جوابه: أن استعمال الصلاة في الاعتناء مجاز؛ لعدم تبادره إلى الذهن، والأصل في الكلام الحقيقة، فالصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار،

стр. 1039

فيحمل عليهما مراعاة للمعنى الحقيقي، ولا يُعدل عنهما إلى المجاز إلا بقرينة، ولا قرينة. الاعتراض الثالث: أنه يجوز أن يكون قد حذف الخبر لوجود قرينة تدل عليه، كما في قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف والتقدير: أن اللَّه يصلي، وملائكته يصلون. جوابه: إن هذا فيه إضمار، والإضمار خلاف الأصل. الموضع الثاني: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) . وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أسند السجود إلى المذكورين في الآية، وحقيقة " سجود الناس ": وضع الجبهة على الأرض، وحقيقة سجود الدواب والشمس والقمر والنجوم هو: الخضوع والخشوع؛ لأن السجود على الجبهة غير متصور منها، فاستعمل "السجود" في الآية في معنييه، إذن لفظ " السجود " مشترك لفظي بين الخشوع ووضع الجبهة. اعتراض على ذلك: قال بعض المعترضين - كتاج الدين الأرموي -: لا نُسَلِّمُ أنه استعمل اللفظ الواحد في معنييه، بل المستعمل ألفاظ متعددة؛ لأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل فيكون تقدير الآية: إن الله يسجد له من في السموات، ويسجد له من في الارض، وتسجد له

стр. 1040

الشمس، ويسجد له القمر ... إلخ، فليس فيه إعمال للمشترك في معنييه، بل يكون اللفظ متعدداً أريد بكل واحد معنى من المعاني، وهذا خارج عن محل النزاع. جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن العاطف بمثابة العامل؛ لأن الثابت عند جمهور النحاة أن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، وبذلك يُساوَى الثاني بالأول إعرابا وحكما، والعامل في الثاني هو الأول بواسطة العاطف، فيكون مجموع الخضوع ووضع الجبهة مراداً. الجواب الثاني: أنه لو سلمنا أن العاطف بمثابة العامل للزم من ذلك أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو: وضع الجبهة على الأرض؛ لأنه مدلول الأول، وهو ظاهر البطلان؛ لأنه لا يتحقق في الشمس ولا في القمر ونحوهما، فثبت ما قلناه. الدليل الثاني: أن كل عاقل يصح أن يقصد بقوله: " لا تنكح ما نكح أبوك " نهيه عن العقد وعن الوطء جميعاً من غير تكرار اللفظ، ولا ينكر هذا إلا مكابر معاند، فثبت ما قلناه وهو: أنه يصح أن يراد باللفظ المشترك جميع معانيه. المذهب الثاني: أنه لا يجوز استعمال المشترك في جميع معانيه مطلقا. وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحابه، كأبي الحسن الكرخي وبعض الشافعية كابن الصباغ، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب.

стр. 1041

أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الإنسان يجد من نفسه تعذر استعمال اللفظ المشترك في معنييه، ويجد تعذر استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معا، قياساً على تعذر تعظيم زيد والاستخفاف به في آن واحد. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل، فإنه لا يمتنع تعظيم زيد والاستخفاف به في حال واحد، فإذا جاز ذلك: جاز استعمال اللفظ في معنييه في حال واحد. الجواب الثاني: على فرض أن الحكم في الأصل - وهو المقاس عليه - صحيح، فإن قياسكم ما نحن فيه عليه قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن تعظيم زيد والاستخفاف به في آن واحد يختلف عن حمل اللفظ المشترك في معنييه، أو حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، فالمتكلم يجوز أن يريد باللفظ المشترك معنييه معا، ويجوز أن يريد المبنى الحقيقي والمجازي في خطابين في آن واحد، ولكن لا يجوز أن يعظم زيدا ويستخف به بقولين في آن واحد؛ حيث إن التعظيم ينبئ عن ارتفاع حال المعظم، أما الاستخفاف به، فإنه ينبئ عن انحطاط حاله، وليس كذلك ما نحن فيه، ثم لا نقول بحمل اللفظ المشترك إلا فيما أمكن الجمع فيه بين المعنيين مثل لفظ " النكاح "، فإنه يصح حمله على معنييه وهما: العقد والوطء، وذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) . الدليل الثاني: أنه لو جار حمل اللفظ على معنييه لجاز أن يراد بلفظ " افعل " الاباحة، والإيجاب، والندب، وكذلك لو جاز

стр. 1042

حمل اللفظ المشترك على معنييه لجاز أن يريد بقوله: (اقتلوا المشركين) : المشركين والمؤمنين، وبقوله: (يا أيها الناس) : الناس والبهائم. جوابه: أنا نقول: يحمل اللفظ على معنييه بشرط: إمكان الجمع بين المعنيين وفي جميع الأمثلة السابقة التي ذكرتموها في دليلكم يمتنع الجمع؛ لوجود التضاد، كما أن لفظ " الناس " لا يجري على البهائم، ولفظ " المشركين " لا يجري على المؤمنين؛ لعدم تصوره، لا حقيقة ولا مجازاً. المذهب الثالث: التفصيل بين النفي والإثبات، بيانه: أنه يصح استعمال اللفظ المشترك في كل معانيه في النفي، سواء كان هذا اللفظ مفرداً أو غير مفرد، ولا يصح استعماله في الكل في الإثبات مطلقا، وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن المشترك إذا وقع في النفي يكون عاما؛ لأنه يكون نكرة في سياق النفي وهي تعم، فإذا حلف لا يكلم مواليه: تناول الأعلى والأسفل، وإذا قال: " ليس عندي عين "، وأراد نفي كل ما يصدق عليه عين صح ذلك، ولو قال: " لا تعتدي بقرء "، فإنه يحمل على معنييه الطهر والحيض، ولكن لو وقع ذلك في الإثبات فلا يجم؛ لأن النكرة في سياق الإثبات لا تعم، فلا يوجد ما يقتضي العموم، فلا تصح إرادته. جوابه: لا نسلم الفرق الذي ذكرتموه بين النفي والإثبات؛ حيث إن اللفظ

стр. 1043

إذا وقع في النفي يكون مراداً منه ما أريد به في الإثبات، فإن أريد به في النفي جميع معانيه كان المراد به في الإثبات جميع معانيه ولا فرق بينهما. وأيضا: فإن النكرة في سياق النفي تعم في أفراد مدلول واحد، لا في أفراد المدلولات المختلفة. المذهب الرابع: أنه يصح استعمال اللفظ المشترك في كل معانيه بشرط: أن يكون مثنى أو جمعا سواء وقع ذلك في سياق الإثبات أو النفي، ولا يصح استعماله في جميع معانيه إذا كان مفرداً، سواء كان واقعا في الإثبات أو النفي. دليل هذا المذهب: أن اللفظ المشترك إذا كان جمعا، فإنه يكون بمثابة تكرار المفرد وتعدده، ويكون كل لفظ من الألفاظ المفردة مراداً به معنى من المعاني، فالمثنى والجمع في حكم تعدد الأفراد، فقولك: " ثلاث عيون " في قوة قولك: عين، وعين، وعين، فكما يجوز أن تريد بالأولى العين الباصرة مثلاً، وبالثانية العين الجارية، وبالثالثة الذهب، فكذا في الجمع. جوابه: نسلم لكم أن الجمع بمثابة تكرار المفرد وتعدده، ولكن ذلك مشروط بأن تكون تلك المفردات متساوية في المعنى، فمثلاً إذا قيل: " عندي عيون " لزم أن تكون المفردات المجموعة من نوع واحد وهو العيون الجارية، ولا يصح أن يكون مراداً بعين: الذهب، وبأخرى الجارية، وبالثالثة الباصرة.

стр. 1044

تنبيه: لقد قلت: إنه يصح أن يراد باللفظ جميع معانيه حقيقة، وهو المذهب الأول، وأقصد بذلك: أن اللفظ المشترك وضع في أصل اللغة ليدل على معانيه على البدل، فإذا وجدت قرينة تدل على المعنى المراد باللفظ المشترك حمل عليه، وإن لم توجد قرينة تدل على المعنى المراد: فلا يمتنع أن يراد باللفظ جميع معانيه الصالح لها مطلقا أي: سواء كان مفرداً أو مثنى، أو جمعاً، أو مثبتا، أو منفيا بشرط : إمكان الجمع بين معانيه. أما إذا لم يكن الجمع بين معانيه ممكناً؛ نظراً لتضادها، أو تناقضها، فلا يجوز حمله على معانيه المختلفة. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - هل يقع طلاق المكره؟ من قال: يحمل اللفظ المشترك على معنييه معا ذهب إلى أنه لا يقع طلاق المكره مستدلين بقوله ﷺ : " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " حملاً للفظ " إغلاق " على معنييه وهما: " الجنون والإكراه "، وهو مذهب كثير من الفقهاء وهو الحق. أما من منع حمل اللفظ المشترك على معنييه فعندهم أن حكمه: التوقف؛ لأنه مجمل، فلا يحمل اللفظ على معنييه ولا على أحدهما إلا بقرينة، ولذلك قالوا بوقوع طلاق المكره، وهم كثير من الحنفية. ٢ - هل أولياء الدم يخيرون بين القصاص والدية في القتل العمد العدوان؟

стр. 1045

من حمل اللفظ المشترك على معنييه معا ذهب إلى أنهم يخيرون بينهما حملاً لكلمة " سلطانا " في قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) على معنييها وهما: القصاص والدية. أما من منع حمل اللفظ المشترك على معنييه، فإنهم ذهبوا إلى عدم التخيير، وحملوا لفظ " سلطانا " على القصاص فقط؛ لعدم جوار حمل اللفظ على معنييه معا.

стр. 1046

المبحث الخامس بيان أن الاشتراك خلاف الأصل الاشتراك مرجوح عند السامع، أي: إذا دار اللفظ بين كونه مفرداً، وكونه مشتركا حمل على الانفراد دون الاشتراك، فالأصل في كل لفظ أن يكون له معنى واحد فقط، أما أن يكون للفظ الواحد أكثر من معنى - وهو: المشترك - فهو خلاف الأصل. ودلَّ على أن اللفظ الذي له معنى واحد راجح، وأن اللفظ الذي له أكثر من معنى مرجوح أدلة، من أهمها: الدليل الأول: الاستقراء والتتبع للألفاظ العربية أثبت أن أكثرها ألفاظ منفردة ليس لها إلا معنى واحد، والكثرة تفيد الظن والرجحان فيكون اللفظ المنفرد بمعنى واحد أكثر وجوداً من اللفظ الدال على معنيين فأكثر - وهو المشترك - فيكون مرجوحا؛ نظراً لقلته. الدليل الثاني: لو كان الاشتراك راجحاً على انفراد اللفظ بمعنى واحد أو مساويا له للزم من ذلك أمران باطلان: أولهما: التسلسل وهو باطل. بيانه: أنه لا يمكن فهم المعنى من اللفظ إلا بعد الاستفسار من المتكلم عما أراده من ذلك اللفظ المشترك؛ لاحتمال أن يكون قد أراد بذلك اللفظ معنى غير ذلك المعنى الذي فهمه السامع، وهذا الاستفسار لا يكفي؛ لأن المستفسر منه سيأتي بلفظ يحتاج - أيضا - إلى استفسار، وهكذا إلى ما لا نهاية له، وهذا تسلسل، والتسلسل

стр. 1047

باطل، فهذا يدل على أن الاشتراك باطل، ونظراً لذلك فإنه لا ينظر إلى هذا الاحتمال، ويفهم من اللفظ معناه بدون أي استفسار؛ لكونه هو الراجح. ثانيهما: عدم الاستدلال بنصوص الكتاب والسُّنَّة على ظن الحكم، وهو ظاهر - البطلان. بيانه: أنه لا يصح الاستدلال بالنصوص من الكتاب أو السُنَّة على الظن بالحكم المطلوب؛ وذلك لاحتمال أن يكون الشارع قد أراد من النص معنى يخالف المعنى الذي فهمه السامع. وعدم الاستدلال بالنصوص على ظن الحكم باطل؛ لأنه يترتب على ذلك ذهاب الشريعة كلها؛ حيث إن هذين الأصلين - وهما الكتاب والسُّنَّة - يعتبران الدليلان الأصليان لإثبات الأحكام الشريعة، وغيرهما من الأدلة راجعة إليهما، وبذلك يكون الاشتراك مرجوحاً. الدليل الثالث: أن الاشتراك يؤدي إلى مفسدة ترجع إلى السامع، وهي: أن السامع قد لا يفهم المعنى المراد؛ لعدم القرينة الدالة عليه، ولا يستفسر من المتكلم؛ لأمور هي: ١ - هيبة المتكلم لعظمته، ٢ - أن السامع يرى أن الاستفسار مشعر بجهله، ٣ - أنه مصاب بمرض قد منعه من الاستفسار، ٤ - أن وقته ضيق. فيفهم السامع ذلك اللفظ فهماً غير صحيح، ثم يحكيه لغيره، ثم غيره يحكيه لغيره وهكذا، وفي ذلك إفشاء للجهل وفساد كبير. الدليل الرابع: أن الكلام بالمشترك يؤدي إلى ضياع شيء كان ينبغي المحافظة عليه: فقد يتكلم المتكلم بالمشترك ويعتمد على فهم السامع، فيفهم السامع خلاف ما أراده، فيترتب. على هذا الخطأ في

стр. 1048

الفهم ضياع أموال للمتكلم، فمثلاً لو قال السيد لعبده: " أعط الفقير عيناً " وهو يريد من العين: الماء، واعتقد في ذلك على فهم العبد، فأعطى العبد الفقير ذهبا، فإن السيد يخسر ذلك المال، وهذا نتج عن الكلام باللفظ المشترك، فبان أن المشترك مرجوحا، فيكون خلاف الأصل.

стр. 1049

المبحث السادس حالات اللفظ المشترك عند وجود القرينة أو عدمه هذا المبحث يعتبر تفريعاً على المبحث الرابع، وأبين ذلك فأقول: الحالة الأولى: إذا تجرد اللفظ المشترك عن القرائن العاملة، أو الملغية لكل المعاني، أو لبعضها، فإن هذا يكون مجملاً عند من منع استعماله في كل معانيه، فلا يحمل على شيء من المعاني حتى تقوم القرينة، أما عند من جوز استعماله في كل معانيه، فإنه لا يكون مجملاً، بل السامع يحمله على كل معانيه إذا أمكن الجمع بينها. الحالة الثانية: إذا وجدت قرينة رجحت أكثر من معنى، فإنه يكون مجملاً عند من منع استعماله في كل معانيه، وأما من جوز حمله على أكثر من معنى، فإنه يحمله على ما دلَّت عليه القرينة مثل: "عندي عين صافية "، فإنه يحمل على كل عين ما عدا عين الجاسوس؛ لأن الصفاء يشترك فيه ما عدا ذلك من المعاني: كالشمس، والذهب، والباصرة، والجارية. الحالة الثالثة: إذا وجدت قرينة تلغي بعض معانيه وتجعل ذلك البعض غير مراد: فإن كان الباقي معنى واحداً تعين حمله عليه، وإن كان أكثر فهو مجمل عند من منع استعماله في الكل، ويحمل على المعاني الباقية بعد إلغاء البعض عند من جوز حمله على الجميع مثل: " هذه عين ليست ذهبا ولا باصرة ". الحالة الرابعة: إذا وجدت قرينة تلغي كل معانيه، ففي هذه الحالة

стр. 1050

لا يحمل على شيء من معانيه الحقيقية اتفاقا؛ لوجود القرينة المانعة، ولكن يحمل اللفظ على مجازه، وحينئذٍ لا يخلو: إما أن يكون المجاز واحداً، فإنه يُحمل عليه. وإما أن تكون المجازات متعددة، فلا يخلو. إما أن تتساوى تلك المجازات، ففي هذه الحالة يكون اللفظ مجملاً عند من منع حمل اللفظ على جميع معانيه، ويحمل على تلك المجازات جميعها عند من جوز استعماله في الكل. وإما أن لا تتساوى تلك المجازات، بل ترجح بعضها على البعض الآخر، فإن كان الراجح واحداً فإنه يحمل عليه، وإن كان متعدداً فإنه يكون مجملاً عند من منع حمل اللفظ على جميع معانيه، ويحمل على الكل عند من جوز حمل اللفظ على جميع معانيه. الحالة الخامسة: إذا وجدت قرينة تعين بعض معانيه، ففي هذه الحالة يجب حمله على ما دلت عليه القرينة مثل قوله تعالى: (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ) ، فإنه يحمل على الماء.

стр. 1051

المبحث السابع الفرق بين المشترك والمتواطئ المشترك قريب الشبه من المتواطئ إلى درجة أنه يعسر على الذهن التفريق بينهما، قال الآمدي: " قد يظن في أشياء أنها مشتركة وهي متواطئة، وفي أشياء أنها متواطئة، وهي مشتركة "، لذلك عقدت هذا المبحث لبيان الفرق بينهما فأقول: إن المشترك هو: اللفظ الواحد الذي يطلق على معنيين فكثر، لا تشترك في الحد والحقيقة مثل: " العين "، و " القرء "، كما سبق بيانه، ويشترط فيه حصر معانيه، وتغاير أفراده. أما المتواطئ فهو: الذي يحصل معناه في أفراده الذهنية أو الخارجية على السوية مثل " الإنسان "، أو هو: المستوي في الأفراد دون حصر.

стр. 1052

المبحث الثامن الفرق بين المشترك والمتواطئ والمشكك يقرب من المشترك والمتواطئ: المشكك. فالمشكك مشتق من الشك؛ لأنه يشك الناظر فيه هل هو مشترك أو متواطئ، فإن نظر إلى إطلاقه على المختلفات قال هو: مشترك كالعين والقرء. وإن نظر إلى أن مسماه واحد: قال: هو متواطئ، فجاء هذا الشك؛ لاستواء الأفراد في حصول معناه لها، وتفاوتها في مفهومه بالأولوية وغيرها، ولعلي أشرح ذلك قائلاً: إن الكلي إن تفاوتت أفراده بقلة وكثرة كنور الشمس والسراج، أو تفاوتت أفراده بشدة وضعف كبياض الثلج، وبياض العاج: فإن هذا مشكك؛ لأن الناظر يشك فيه هل هو من المتواطئ؛ لوجود الكلي في أفراده والتساوي، أو مشترك لتغاير أفراده. وبناء على هذا يمكن أن نعرف المشكك بأنه: اللفظ الموضوع لمعنى كلي مختلف في محاله. وأتينا بعبارة: " مختلف في محاله " لإخراج المتواطئ؛ لأنه مستو في محاله. أما قول بعضهم - كابن التلمساني - من أنه لا حقيقة للمشكك؛ حيث إن ما به التفاوت إن دخل في التسمية فمشترك، وإلا

стр. 1053

فمتواطئ، فإنا نجيب عنه بأن كلًّا من المتواطئ والمشكك موضوع للقدر المشترك، لكن: إن كان التفاوت بأمور من جنس المسمى: فمشكك مثل: نور الشمس والسراج. وإن كان بأمور خارجة عنه كالعلم، والجهل، والذكورة، والأنوثة، فمتواطئ مثل: هذا إنسان عالِم، وهذا إنسان جاهل.

стр. 1054

خاتمة في بيان الكلي، والكلية، والكل، والجزئي والجزئية، والجزء لما عرفنا أن المتواطئ والمشكك قسمان للكلي باعتبار استواء أفراده في معناه، وتفاوتها فيه: كان لا بد من بيان المراد من الكلي والفرق بينه وبين الجزئي، والكل، والكلية، والجزء، والجزئية، فأقول: الكلي هو: ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. أي: لا يكون معناه شخصا معينا، بل هو معنى عام يصدق على كثيرين كالإنسان، فإنه يصدق على زيد، وعمرو، وعلي، وبكر، وغيرهم مما لا يحصى، وهؤلاء الكثيرون هم أفراده وجزئياته. أما الجزئي فهو الذي يمنع تصوره من الشركة فيه. أي: ما كان معناه شخصا لا يصدق على كثيرين نحو: " زيد "، و" عمرو "، و " هذا الرجل ". أما الكل فهو: الحكم على المجموع من حيث هو مجموع مثل قولنا: " كل رجل يحمل الصخرة العظيمة ". والفرق بين الكلي والكل هو: أن الكلي يجوز حمله على أفراده وجزئياته حمل مواطأة، كما يجوز تقسيمه إليها بأداة التقسيم.

стр. 1055

مثاله: " الحيوان "، فيصح أن يقال: " الإنسان حيوان "، ويقال: " الفرس حيوان "، ويقال: " الحيوان إما إنسان أو فرس ". بخلاف " الكل "، فإنه لا يجوز حمله على أفراده حمل مواطأة، كما لا يجوز تقسيمه إليها بأداة التقسيم مثل: " الشجرة "، فلا يصح أن يقال: " الأغصان شجرة "، ولا يقال: " الشجرة إما أغصان أو جذع ". وإنما يقال: " ذات جذع وذات أغصان ". أما " الكلية " فهي: الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد مثل قولنا: " كل رجل يشبعه رغيفان ". والفرق بين " الكل "، و " الكلية " هو: أن " الكل " لا يتبع الحكم فيه كل فرد من أفراده، بل يكون الحكم على الكل بالحمل على مجموعه مثل المثال السابق، وهو: " كل رجل يحمل الصخرة العظيمة "، فليس كل فرد محكوم عليه بأن يحمل تلك الصخرة، بل أن يجتمع كل الأفراد على تلك الصخرة يحملونها. بخلاف " الكلية "، فتبع الحكم فيها كل فرد من أفرادها مثل المثال السابق وهو قولنا: " كل رجل يشبعه رغيفان " معناه: كل فرد من الأفراد محكوم عليه بأنه يشبعه رغيفان. أما الجزء فهو: ما تركب منه ومن غيره " كل " مثاله: " الخمسة مع العشرة "، و " الجذع بالنسبة للشجرة ". أما الجزئية فهي الحكم على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين مثل: " بعض الحيوان إنسان ".
следующие страницы →