← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

المبحث السابع الفرق بين المشترك والمتواطئ المشترك قريب الشبه من المتواطئ إلى درجة أنه يعسر على الذهن التفريق بينهما، قال الآمدي: " قد يظن في أشياء أنها مشتركة وهي متواطئة، وفي أشياء أنها متواطئة، وهي مشتركة "، لذلك عقدت هذا المبحث لبيان الفرق بينهما فأقول: إن المشترك هو: اللفظ الواحد الذي يطلق على معنيين فكثر، لا تشترك في الحد والحقيقة مثل: " العين "، و " القرء "، كما سبق بيانه، ويشترط فيه حصر معانيه، وتغاير أفراده. أما المتواطئ فهو: الذي يحصل معناه في أفراده الذهنية أو الخارجية على السوية مثل " الإنسان "، أو هو: المستوي في الأفراد دون حصر.

стр. 1052

المبحث الثامن الفرق بين المشترك والمتواطئ والمشكك يقرب من المشترك والمتواطئ: المشكك. فالمشكك مشتق من الشك؛ لأنه يشك الناظر فيه هل هو مشترك أو متواطئ، فإن نظر إلى إطلاقه على المختلفات قال هو: مشترك كالعين والقرء. وإن نظر إلى أن مسماه واحد: قال: هو متواطئ، فجاء هذا الشك؛ لاستواء الأفراد في حصول معناه لها، وتفاوتها في مفهومه بالأولوية وغيرها، ولعلي أشرح ذلك قائلاً: إن الكلي إن تفاوتت أفراده بقلة وكثرة كنور الشمس والسراج، أو تفاوتت أفراده بشدة وضعف كبياض الثلج، وبياض العاج: فإن هذا مشكك؛ لأن الناظر يشك فيه هل هو من المتواطئ؛ لوجود الكلي في أفراده والتساوي، أو مشترك لتغاير أفراده. وبناء على هذا يمكن أن نعرف المشكك بأنه: اللفظ الموضوع لمعنى كلي مختلف في محاله. وأتينا بعبارة: " مختلف في محاله " لإخراج المتواطئ؛ لأنه مستو في محاله. أما قول بعضهم - كابن التلمساني - من أنه لا حقيقة للمشكك؛ حيث إن ما به التفاوت إن دخل في التسمية فمشترك، وإلا

стр. 1053

فمتواطئ، فإنا نجيب عنه بأن كلًّا من المتواطئ والمشكك موضوع للقدر المشترك، لكن: إن كان التفاوت بأمور من جنس المسمى: فمشكك مثل: نور الشمس والسراج. وإن كان بأمور خارجة عنه كالعلم، والجهل، والذكورة، والأنوثة، فمتواطئ مثل: هذا إنسان عالِم، وهذا إنسان جاهل.

стр. 1054

خاتمة في بيان الكلي، والكلية، والكل، والجزئي والجزئية، والجزء لما عرفنا أن المتواطئ والمشكك قسمان للكلي باعتبار استواء أفراده في معناه، وتفاوتها فيه: كان لا بد من بيان المراد من الكلي والفرق بينه وبين الجزئي، والكل، والكلية، والجزء، والجزئية، فأقول: الكلي هو: ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. أي: لا يكون معناه شخصا معينا، بل هو معنى عام يصدق على كثيرين كالإنسان، فإنه يصدق على زيد، وعمرو، وعلي، وبكر، وغيرهم مما لا يحصى، وهؤلاء الكثيرون هم أفراده وجزئياته. أما الجزئي فهو الذي يمنع تصوره من الشركة فيه. أي: ما كان معناه شخصا لا يصدق على كثيرين نحو: " زيد "، و" عمرو "، و " هذا الرجل ". أما الكل فهو: الحكم على المجموع من حيث هو مجموع مثل قولنا: " كل رجل يحمل الصخرة العظيمة ". والفرق بين الكلي والكل هو: أن الكلي يجوز حمله على أفراده وجزئياته حمل مواطأة، كما يجوز تقسيمه إليها بأداة التقسيم.

стр. 1055

مثاله: " الحيوان "، فيصح أن يقال: " الإنسان حيوان "، ويقال: " الفرس حيوان "، ويقال: " الحيوان إما إنسان أو فرس ". بخلاف " الكل "، فإنه لا يجوز حمله على أفراده حمل مواطأة، كما لا يجوز تقسيمه إليها بأداة التقسيم مثل: " الشجرة "، فلا يصح أن يقال: " الأغصان شجرة "، ولا يقال: " الشجرة إما أغصان أو جذع ". وإنما يقال: " ذات جذع وذات أغصان ". أما " الكلية " فهي: الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد مثل قولنا: " كل رجل يشبعه رغيفان ". والفرق بين " الكل "، و " الكلية " هو: أن " الكل " لا يتبع الحكم فيه كل فرد من أفراده، بل يكون الحكم على الكل بالحمل على مجموعه مثل المثال السابق، وهو: " كل رجل يحمل الصخرة العظيمة "، فليس كل فرد محكوم عليه بأن يحمل تلك الصخرة، بل أن يجتمع كل الأفراد على تلك الصخرة يحملونها. بخلاف " الكلية "، فتبع الحكم فيها كل فرد من أفرادها مثل المثال السابق وهو قولنا: " كل رجل يشبعه رغيفان " معناه: كل فرد من الأفراد محكوم عليه بأنه يشبعه رغيفان. أما الجزء فهو: ما تركب منه ومن غيره " كل " مثاله: " الخمسة مع العشرة "، و " الجذع بالنسبة للشجرة ". أما الجزئية فهي الحكم على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين مثل: " بعض الحيوان إنسان ".

стр. 1056

الفصل الخامس في الترادف ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: تعريفه. المبحث الثاني: حكم الترادف. المبحث الثالث: أسباب الترادف. المبحث الرابع: شرط الترادف. المبحث الخامس: بيان أن الترادف خلاف الأصل. المبحث السادس: هل يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر؟

стр. 1057

المبحث الأول تعريف الترادف الترادف لغة: مأخوذ من الرديف، وهو: ركوب اثنين على دابة واحدة. والترادف اصطلاحا هو: توالي الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد باعتبار واحد مثل: " البر والقمح "، و " جلس وقعد ". بيان التعريف والمحترزات: قوله: " توالي الألفاظ " معناه: تتابع الألفاظ، والمراد بالألفاظ: اثنان فأكثر، وهذا جنس في التعريف يتناول الترادف وغيره من توالي الألفاظ المركبة، والمتباينة. قوله: " المفردة " أخرج توالي الألفاظ المركبة، أو المركبة مع المفردة مثل: الحد مع المحدود كالإنسان، وحيوان ناطق، أو الحد مع الرسم كجسم ضاحك بالنسبة للإنسان، فذلك لا يكون مترادفا؛ لاختصاص الترادف بالمفردات. قوله: " الدالة " أخرج الألفاظ المفردة المهملة كديز. قوله: " على مسمى واحد " أخرج الألفاظ المتباينة؛ لأنها ألفاظ مفردة يدل كل واحد منها على معنى يخالف ما دلَّ عليه اللفظ الآخر مثل: الإنسان، والفرس. قوله: " باعتبار واحد " أخرج أمرين:

стр. 1058

أولهما: توالي الألفاظ المفردة المترادفة الدالة على مسمى واحد، لكن باعتبارين مثل: " السيفْ "، و " الصارم "، و، المهند "، و"الناطق "، و " الفصيح "، فإن هذه ليست مترادفة، لاختلاف المعنى. ثانيهما: توالي لفظين مفردين دالين على مسمى واحد، لكن أحدهما بطريق الحقيقة، والآخر بطريق المجاز مثل؛ " الأسد "، و" الشجاع " بالنسبة للإنسان القوي، فإن الشجاع يدل عليه باعتبار الحقيقة، وأسد يدل عليه باعتبار المجاز.

стр. 1059

المبحث الثاني حكم الترادف لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الترادف جائز عقلاً وواقع في اللغة. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أنه لا يترتب على فرض وقوعه محال. الدليل الثاني: أنه واقع في اللغة، ووقوعه دليل جوازه؛ فإنه بعد الاستقراء والتتبع لألفاظ اللغة ثبت وجود الترادف فيها: إما بجسب اللغة مثل: " الإنسان والبشر ". أو بحسب الشرع مثل: " الفرض والواجب " على رأي كثير من العلماء. أو بحسب العرف مثل: " الأسد والسبع ". أو بحسب لغتين مختلفتين مثل: " الله، وخداي بالفارسية ". المذهب الثاني: أن الترادف غير جائز: نسب هذا إلى ابن فارس وشيخه: ثعلب. دليل هذا المذهب: أنه يلزم من وقوع الترادف نقض الغرض من وضع الألفاظ، حيث إن الغرض هو تحصيل الفائدة بالمراد عند السامع، وهو قد حصل بأحد اللفظين، فاللفظ الآخر غير مفيد فائدة جديدة.

стр. 1060

جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ أن الألفاظ المترادفة محصورة فائدتها فيما ذكر، بل فيها فوائد منها: تكثير وسائل الإخبار عما في النفس، والتوسع في مجال النظم والقافية، وسيأتي بيان ذلك في أسباب الترادف. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لوجود الألفاظ المترادفة في اللغة، لكن الفريق الثاني لا يسميها بذلك، وقام بتأويلها بتأويلات فيها تعسف.

стр. 1061

المبحث الثالث أسباب الترادف السبب الأول: أن يصدر اللفظان المترادفان من واضعين، فيضع أحدهما لفظا لمعنى ويشتهر في قبيلة ذلك الواضع، ثم يضع الشخص الآخر لفظا آخر لذلك المعنى، ويشتهر ذلك في قبيلته، ثم اشتهر اللفظان ولم يتميزا، ولم يعين أي واضع، وهذا هو السبب الأكثري، كما ذكر فخر الدين الرازي. السبب الثاني: أن يكون اللفظان المترادفان قد صدرا من واضع واحد، ويكون الهدف والقصد والغرض من وضعه للفظين لمعنى واحد فائدتين هما: الفائدة الأولى: تكثير وسائل الإخبار عما فى النفس، وتكثير الطرق إلى المطالب، فإن للمتكلم - حينئذٍ - استعمال أي لفظ شاء، وإذا عسر عليه النطق بأحد اللفظين فإنه يعبر عن المعنى المراد بلفظ آخر، فمثلاً يعبر من لا يستطيع النطق بالراء بالقمح بدلا عن البر، كذلك إذا كان المعنى معروفا لديه، ولكن نسي اللفظة المعبرة عنه، فإنه يأتي بلفظة مرادفة لها. الفائدة الثانية: التوسع في مجال النظم - وهو: الكلام الموزون على أوزان العروض -، والنثر - وهو: الكلام غير الموزون - والقافية - وهي: آخر كلمة في بيت الشعر - والتجنيس - وهو: اتفاق اللفظين من وجه من الوجوه، ويختلف معناهما -: مثل: لو قلت: " اشتريت البر وأنفقته في البر "، فإنه أحسن من قولك: " اشتريت القمح وأنفقته في البر " لفوات المجانسة، والحرص على القلب مثل قوله تعالى: " وربك فكبر "، - فلو قيل: " الله فكبر " لذهب القلب، وهكذا سائر أصناف البديع.

стр. 1062

المبحث الرابع شرط الترادف يشترط في اللفظين المترادفين: أن يدلان على المعنى دون زيادة أحدهما على الآخر مثل: " الليث والأسد والغضنفر "، ومثل: "القمح والبر "، و " العقار والخمر "، فإنه يطلق على كل واحد من تلك أنها مترادفة؛ حيث إن المفهوم من الاسمين واحد دون مزية أحدهما على الآخر بأي شيء. أما إذا كان أحد اللفظين يدل على المعنى مع زيادة لم يأت بها اللفظ الآخر، فإنه لا يكون هذان اللفظان مترادفين، وذلك لاختلافهما في المدلول والمفهوم، فمثلاً لفظ " السيف "، و " المهند " و" الصارم " قد تبدو للناظر أنها مترادفة، وهي في الحقيقة ليست كذلك، وذلك لأن مدلول ومفهوم " المهند " يخالف مفهوم " السيف " لوجود زيادة فيه دون السيف؛ حيث إنه يفهم منه نسبته إلى الهند، وكذلك " الصارم " يدل على السيف مع زيادة صفة الحدة وسرعة القطع، فعرفت بذلك أن تلك الألفاظ ليست مترادفة؛ لانعدام شرط الترادف؛ حيث اختلفت في المدلول والمفهوم، فيكون كل لفظ من تلك الألفاظ له مدلوله ومفهومه الخاص، ولا تكون من المترادفة، لذلك قلنا في التعريف: " باعتبار واحد ".

стр. 1063

المبحث الخامس بيان أن الترادف خلاف الأصل الأصل: أن لكل معنى لفظا واحداً خاصا به، فيكون الترادف وهو - أن يكون للمعنى الواحد أكثر من لفظ - خلاف هذا الأصل. ودلَّ على ذلك دليلان: الدليل الأول: أن الترادف يلزم منه تعريف المعرَّف. بيانه: أنا لما عرفنا المعنى بأحد اللفظين وحصل المقصود، فالأصل عدم الثاني؛ لعدم الحاجة إليه، ولأنه يلزم منه تعريف المعرف، فيكون تحصل حاصل وهو باطل. الدليل الثاني: أن الترادف موجب للمشقة؛ لأن الشخص إذا حفظ لفظا ظن أنه الطريق إلى المطلوب فقط، ولما كان لكل معنى لفظان فأكثر: فإنه يحتاج إلى حفظ كل لفظ يدل على ذلك المعنى، ولا شك أن في ذلك مشقة، والأصل عدمها.

стр. 1064

المبحث السادس هل يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر ؟ انفراد المترادفات يصح إقامة بعضها مكان بعض إجماعا، فيقام لفظ " بر " مكان لفظ " قمح "، و " قعود " مكان " جلوس "، وهكذا. ولكن الاختلاف إنما هو في حالة تركيب المترادفات، ففي ذلك مذاهب: ْالمذهب الأول: أن ذلك يجوز في لغة واحدة، ولا يجوز من لغتين مختلفتين، وهو مذهب كثير من العلماء، ومنهم البيضاوي، وصفي الدين الهندي، وهو الحق؛ لأن وضع أحد المترادفين موضع الآخر من لغة واحدة لا يلزم منه الإخلال والإفساد للمعنى، أي: أن صحة التركيب وفساده متعلق بالمعنى دون اللفظ، فإذا صح المعنى لم يبق محذور؛ لأن كلا اللفظين معروف لأهل هذه اللغة، فكان ذلك جائزاً. أما وضع أحد المترادفين موضع الآخر من لغتين فلا يجوز، فلا يصح " خداي أكبر " في موضع: " اللَّه أكبر "، وقلنا ذلك لأمرين: أولهما: أنه يلزم منه اختلاط اللغتين. ثانيهما: أنه يلزم منه ضم مهمل إلى مستعمل؛ لأن اللفظ المرادف من اللغة الأخرى يعتبر مهملاً بالنظر إلى أهل اللغة الأخرى الذين لا يفهمونه، فعلى هذا: يكون التخاطب به ممتنعا لذلك.

стр. 1065

المذهب الثاني: أنه يجوز وضع أحد المترادفين مكان الآخر مطلقا. وهو مذهب ابن الحاجب، وهو مذهب كثير من الحنفية. دليل هذا المذهب: أن المقصود من التركيب: معناه، دون لفظه، وما دام أن المعنى لم يتغير في اللفظين، فلا مانع من وضع أحدهما مكان الآخر، سواء كان ذلك من لغة واحدة أو من لغتين، فلما انتفى المانع: وجب العمل بالمقتضى لسلامته عن المعارض. جوابه: أنا نوافقكم في أنه يجوز وضع أحد اللفظين مكان الآخر في لغة واحدة - كما ذكرنا - ولكن نمنع ذلك في لغتين، ويمنع ذلك أمران هما: اختلاط اللغتين، وضم مهمل إلى مستعمل، وقد سبق بيانهما. المذهب الثالث: أنه لا يجوز وضع أحد المترادفين مكان الآخر مطلقاً. وهو مذهب فخر الدين الرازي وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أنه لا فرق في كون اللفظ موضوعاً للمعنى باصطلاح لغة واحدة أو لغتين، فلو جاز إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر لجاز وضع قوله: " خداي أكبر " موضع " اللَّه اكبر "، ولكنه لا يجوز باتفاق، وهذا يتحقق في اللغة الواحدة، كما يتحقق في اللغتين. جوابه: أنه يوجد فرق بين أن يكون من لغة واحدة وبين أن يكون من

стр. 1066

لغتين، فإذا كان وضع أحد المترادفين في لغة واحدة، فهذا جائز؛ لعدم اختلاط اللغتين، ولعدم ضم مهمل إلى مستعمل، أما وضع أحد المترادفين من لغتين، فهذا لا يجوز لوجود الأمرين السابقين. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث أثر في مسألة أصولية وهي: هل يجوز نقل الحديث بالمعنى. فعلى المذهب الأول: يجوز نقل الحديث بالمعنى في لغة واحدة، دون اللغتين، وعلى المذهب الثاني: يجوز نقل الحديث في لغة واحدة ومن لغتين، ويلزم على المذهب الثالث: أنه لا يجوز نقل الحديث بالمعنى مطلقاً.

стр. 1067

الفصل السادس في التأكيد والتابع قد يظن بعضهم أن التأكيد مع المؤكد، والتابع مع المتبوع مثل: "جاء محمد عينه "، و " عطشان بطشان " من الألفاظ المترادفة؛ لأن كلاً منهما لفظان مفردان يدلان على معنى واحد، ولكن الحقيقة أنه لا يوجد ترادف في مثل هذه الأمثلة، وسأبين ذلك بالتفصيل في المبحثين التاليين: المبحث الأول: في التأكيد. المبحث الثاني: في التابع.

стр. 1068

المبحث الأول في التأكيد ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف التأكيد. المطلب الثاني: الفرق بينه وبين المترادف. المطلب الثالث: حكم التأكيد. المطلب الرابع: أقسام التأكيد.

стр. 1069

المطلب الأول تعريف التأكيد التأكيد لغة من باب التفعيل، وهو: التقوية. واصطلاحا هو: تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر مستقل بالإفادة. بيان التعريف: قوله: " تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر " يشمل التوكيد والتابع، وهو مخرج للمترادف؛ لأنه لا تقوية فيه. وقوله: " مستقل بالإفادة " أخرج التابع؛ لأن التابع لا يستقل بالإفادة، بل لا بد من المتبوع لكي يفيد. *** المطلب الثاني الفرق بينه وبين المترادف لقد اتضح من التعريف السابق: " أن اللفظ المؤكِّد - بكسر الكاف - يقوي اللفظ المؤكَّد - بفتح الكاف -، أما اللفظان المترادفان فلا يقوى أحدهما الآخر؛ لأن اللفظ المترادف يدل على الذات، لا على التقوية.

стр. 1070

المطلب الثالث حكم التأكيد لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن التوكيد جائز عقلاً وواقع في اللغة. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لدليلين: الدليل الأول: أنه لا يترتب على فرض وقوعه محال. الدليل الثاني: أنه واقع في اللغة، والوقوع دليل الجواز، فإنه بعد الاستقراء والتتبع ثبت وجود الألفاظ المؤكدة لألفاظ أخرى، كقولنا: " جاء زيد عينه "، و " جاء العلماء كلهم "، ونحو ذلك. المذهب الثاني: أن التأكيد غير جائز. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن الأصل في الكلام التأسيس، والإفادة فائدة جديدة، والتأكيد لا يفيد فائدة جديدة، فاللفظ الأول قد أفاد الغرض، فالثاني لا داعي له، فلا يرد ذلك في كلام العرب. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ لكم أن اللفظ - المؤكد - لا يفيد، بل يفيد الاهتمام بالمتكلم عنه، ودفع توهم المجاز من اللفظ المؤكَّد، وتضييق توسع الفهم. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا - لفظي؛ لوجود التوكيد في الكتاب والسُّنَّة واللغة، لكن الفريق الثاني يسمى ذلك باسم آخر.

стр. 1071

المطلب الرابع أقسام التأكيد ينقسم التأكيد إلى قسمين: القسم الأول: أن يؤكد اللفظ بنفسه، وهو نوعان: النوع الأول: تأكيد اللفظ بنفسه إذا كان مفرداً مثل: " جاء محمد محمد". النوع الثاني: تأكيد اللفط بنفسه إذا كان جملة كقوله ﷺ : "والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشا ". القسم الثاني: أن يؤكد اللفظ بغيره، وهو أنواع: النوع الأول: أن يكون المؤكد مفرداً، فيؤكد بألفاظ معروفة مثل: " النفس "، و " العين "، فنقول: " جاء زيد نفسه أو عينه ". النوع الثاني: أن يكون المؤكد مثنى، فيؤكد بلفظ " كلا "، و"كلتا"، فتقول: " جاء الرجلان كلاهما "، و " جاءت المرأتان كلتاهما". النوع الثالث: أن يكون المؤكد جمعا، فيؤكد بلفظ " كل "، و"أجمعون "، قال تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) ، ويؤكد - أيضا - بلفظ " أكتع "، و " أبتع "، و " أبصع ".

стр. 1072

المبحث الثاني في التابع ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف التابع. المطلب الثاني: الفرق بينه وبين المترادف. المطلب الثالث: بيان وجه الاتفاق بين التابع والتأكيد ووجه الفرق بينهما.

стр. 1073

المطلب الأول تعريف التابع التابع في اللغة مشتق من " تبع " على وزن " علم "، وتابع القوم هو الذي يمشي خلفهم، أو الذي يمضي معهم إذا مروا به. واصطلاحا هو: أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها أو رويها إشباعا أو تأكيداً مثل: " عطشان نطشان "، و " جائع نائع "، و"شذر مذر "، و " شيطان ليطان "، و " حياك الله وبياك "، و"حقير نقير "، و " خراب يباب ". *** المطلب الثاني الفرق بين التابع وبين المترادف التابع - وهو اللفظ الذي بعد اللفظ الأول - لا يفيد شيئاً غير تقوية اللفظ الأول، فلا يفيد بدون المتبوع. أما اللفظان المترادفان، فإن كل واحد من المترادفين يفيد المعنى لو انفرد؛ لأنه مثل مرادفه في الرتبة.

стр. 1074

المطلب الثالث بيان وجه الاتفاق بين التابع والتأكيد ووجه الفرق بينهما وجه الاتفاق بينهما: أن كلًّا من التأكيد والمؤكد، والتابع مع المتبوع لم يفد عين ما أفاده الآخر، وإنما أفاد تقوية المعنى - فقط -. ووجه الفرق بينهما: أن التابع يشترط فيه: أن يكون على وزن متبوعه مثل: " عطشان نطشان "، و " جائع نائع "، و " حسن بسن "، وغيرها من الأمثلة السابقة. أما التأكيد مع المؤكد فلا يشترط ذلك فيه مثل: " جاء زيد نفسه أو عينه ".

стр. 1075

الفصل السابع في الحقيقة والمجاز ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: الحقيقة. المبحث الثاني: المجاز.

стр. 1076

المبحث الأول في الحقيقة ويشتمل على المطلبين التاليين: المطلب الأول: تعريف الحقيقة. المطلب الثاني: أقسام الحقيقة.

стр. 1077

المطلب الأول تعريف الحقيقة أولاً: الحقيقة لغة على وزن فعيلة، مأخوذة من الحق، واشتقاقه من الشيء المحقق، وهو المحكم، تقول: " ثوب محقق النسج " أي: محكم. ثانيا: الحقيقة اصطلاحاً هي: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي. وإليك بيان هذا التعريف: قولنا: " اللفظ " جنس يشمل كل ما يتلفظ به مما يتكوَّن من حروف هجائية، سواء كان مستعملاً كزيد، أو مهملاً كديز، أو حقيقة، أو مجازاً. قولنا: " المستعمل " أخرج أمرين: أولهما: اللفظ المهمل كديز. ثانيهما: اللفظ قبل الاستعمال؛ حيث إنه لا حقيقة ولا مجازاً. قولنا: " في موضوعه الأصلي " أخرج المجاز؛ لأنه لفظ يستعمل في غير موضوعه الأصلي كلفظ " الأسد " يستعمل للرجل الشجاع.

стр. 1078

المطلب الثاني أقسام الحقيقة تنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: حقيقة لغوية وضعية، وهي: الثابتة بالوضع. أي: أن يضع الواضع لفظا لمعنى إذا أطلق ذلك اللفظ فهم ذلك المعنى الموضوع له مثل لفظ " الأسد " يفهم منه الحيوان المفترس، فلا ينقدح في الذهن - عند إطلاقه - إلا هذا المعنى، فيكون حقيقة، وهذا هو المقصود بالحقيقة، وهي الأسبق إلى الذهن من الحقيقة العرفية والشرعية. *** القسم الثاني: حقيقة عرفية، والكلام عنها يكون فيما يلي: أولاً: المقصود بالحقيقة العرفية هو: قول خص في العرف ببعض مسمياته وإن كان وضعها للجميع حقيقة، مثل: لفظ " الدابة "، فإن وضعها بأصل اللغة لكل ما يدب على الأرض من ذي حافر وغيره، ثم هجر هذا المعنى، وصار في العرف حقيقة للفرس، ولكل ذات حافر. ثانيا: بيان كيف يصير الاسم عرفيا؟ يصير الاسم عرفيا باعتبارين هما: الاعتبار الأول: أن يكون للاسم معنيان فيستعمله أهل اللغة لمعنى واحد فقط دون الآخر، ويخصصونه به، ويعرف بينهم.

стр. 1079

من أمثلة ذلك: المثال السابق وهو تخصيص " الدابة " في العرف للفرس ولكل ذات حافر، مع أنه في اللغة يطلق على كل ما يدب على الأرض. مثال آخر: اسم " الفقيه " قد خصص عرفا بالعالم ببعض الأحكام الفقهية الشرعية، مع أن كل من يفقه قول الآخر يسمى فقيها بالوضع اللغوي، قال تعالى في ذلك: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) الاعتبار الثاني: أن يشيع استعمال الاسم في غير ما وضع له أصلاً. أي: في غير موضوعه اللغوي، ويكون بين الاستعمال اللغوي والاستعمال العرفي مناسبة، فيشيع هذا الاستعمال بين الناس، بحيث لا ينكره أحد. من أمثلة ذلك: اسم " الغائط "، فإنه يطلق لغة على المطمئن والمنخفض من الأرض، ثم استعمل عرفا في الخارج المستقذر من الإنسان، وهذا الاستعمال وإن كان مجازاً، إلا أنه اشتهر وشاع حتى صار هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، ونسي الأول. مثال آخر: اسم " الراوية " هو في أصل الوضع اللغوي يطلق على الجمل الذي يسقى عليه الماء، ثم استعمل في وعاء الماء، وتعارف الناس على هذا الاستعمال، وهذا الاستعمال وإن كان مجازاً إلا أنه اشتهر وشاع حتى صار هو المتبادر إلى الفهم عند إطلاق لفظ " الراوية "، ونسي المعنى الأول وهو الجمل الذي يسقى عليه الماء.

стр. 1080

ثالثا: أنواع الحقيقة العرفية: الحقيقة العرفية نوعان: النوع الأول: عرفية عامة، وهي التي لم تخصصها طائفة دون أخرى. وهي التي ذكرناها في الاعتبارين السابقين مع الأمثلة. النوع الثاني: حقيقة عرفية خاصة وهي: ما خصته كل طائفة من الأسماء بشيء من مصطلحاتهم مثل: اسم " النقض "، و " الكسر" ونحو ذلك من قوادح القياس في اصطلاح الأصوليين، ونحو ذلك مما اصطلح عليه أرباب كل فن. *** القسم الثالث: حقيقة شرعية: وهي: اللفظ المستعمل في الشريعة على غير ما كان عليه في وضع اللغة كالصلاة مثلاً، فإنها في اللغة: الدعاء، فاستعمل هذا اللفظ في الشريعة على الأقوال والأفعال المخصوصة، فصارت حقيقة فيها. واختلف العلماء فيما استعمله الشارع من ألفاظ أهل اللغة مثل: لفظ " الصلاة "، و " الصوم "، و " الزكاة) ، و " الحج "، هل خرج به عن وضعهم أو لا؟ على مذاهب، من أهمها مذهبان: المذهب الأول: أن الشارع نقل لفظ " الصلاة "، و " الصوم "، و" الزكاة "، و " الحج " عن مسمياتها ومعانيها اللغوية إلى معانٍ أخر بينها وبين تلك المسميات - بحسب اللغة - مناسبة معتبرة واشتهرت بعد أن كانت لغوية، فصارت حقائق شرعية. هذا مذهب جمهور العلماء.

стр. 1081

فالصلاة في اللغة: الدعاء، والزكاة: النماء، والصوم: الإمساك، والحج: القصد، فنقل الشارع هذه الألفاظ من معانيها اللغوية السابقة واستعملها في معان أخر، وأعرض فيها عن الموضوع اللغوي، فوضع لفظ " الصلاة " على الأفعال والأقوال المخصوصة، ووضع لفظ " الزكاة " على إخراج مقدار من المال وإعطائه إلى قوم آخرين بشروط خاصة، وكذا يقال في الصوم والحج. فالشارع نقل اللفظ من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي، وليس نقلاً مطلقا، بل مع وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فمثل ما تصرف أهل العرف في بعض الألفاظ بنقلها عن معناها الموضوعة له أصلاً، فكذلك الألفاظ الشرعية خصصت لفظة "الصلاة"، واستعملت في دعاء مخصوص. وهذا هو الصحيح عندي، لدليلين: الدليل الأول: الاستقراء والتتبع للألفاظ الشرعية التي استعملها الشارع: فإن الشارع قد استعمل لفظ " الحج "، و " الصوم "، و"الإيمان "، و " الزكاة "، و " الصلاة " في معان لها علاقة بمعناها اللغوي - كما سبق بيانه - فهو ليس نقلاً كليا للفظ، بل يوجد ارتباط بين المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي. الدليل الثاني: القياس على فعل أهل اللغة في الألفاظ العرفية كلفظ الدابة، حيث خصصوه في ذوات الأربع مع أنه يطلق لغة على كل ما يدب على الأرض، ولم ينكر أحد هذا التصرف، فكذلك فعل المشرع في لفظ " الصوم "، و " الإيمان " ونحوهما، والجامع: أن كلًّا من فعل أهل اللغة وفعل المشرع ليس فيه نقلاً كليا للفظ، بل يوجد علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي والعرفي.

стр. 1082

المذهب الثاني: أن الشارع نقل لفظ " الصلاة "، و " الصوم "، و" الزكاة " عن معناها اللغوية إلى معان شرعية نقلاً كليا، أي: بدون أي علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فهي معان مبتكرة ابتكرها المشرع، يجوز أن لا يلاحظ فيها المعنى اللغوي، وإذا حدث أن وجدت علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي: فهو اتفاقي، أي: بطريق الصدفة، وليس مقصوداً. ذهب إلى ذلك المعتزلة والخوارج، وبعض الحنفية كالسرخسي، والدبوسي، والبزدوي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب. دليل هذا المذهب: أن الشارع قد نقل تلك الأسماء الشرعية، وتصرف بنقلها إلى معان غير معانيها اللغوية: فالصلاة لغة هي الدعاء، واستعمل الشارع هذا اللفظ لمجموع الأفعال الشرعية كالركوع، والسجود، والتسبيح، والتكبير، والنية، وغيرها، فاهل اللغة. لم يكونوا يعرفون هذه الصلاة ولا شروطها ولا أركانها، ثم صار اسم الصلاة اسما لمجموع هذه الأفعال. وكذلك لفظ " الصوم " هو لغة: الإمساك بصورة عامة، أي: سواء كان عن الأكل والشرب ليلاً أو نهاراً، أو عن الكلام، كما في قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، واستعمل الشارع هذا اللفظ لإمساك مخصوص. وكذلك لفظ " الزكاة " هو لغة: النماء، ثم جعله الشارع اسما لإخراج جزء من المال طهرة له. وكذلك " الحج " هو لغة: القصد مطلقا، ثم جعله الشارع

стр. 1083

واستعمله في قصد مخصوص في أماكن مخصوصة في أزمنة مخصوصة. فالشرع تصرف في جميع تلك الألفاظ ونقلها إلى معان غير معانيها اللغوية، حتى إنه لا يعقل من إطلاق اسم " الصلاة "، أو "الصوم "، أو " الزكاة "، أو " الحج " إلا الصلاة المخصوصة شرعاً، والزكاة المخصوصة شرعا، والصوم المخصوص شرعا، والحج المخصوص شرعا، فيكون المشرع - بذلك - قد نقلها إلى استعمال جديد. جوابه: نسلم أن الشارع قد تصرف في تلك الألفاظ، ونقلها إلى استعمال جديد، وهذا من باب التجوز، فتكون تلك الألفاظ مجازات لغوية، والتجوز لا يكون إلا بعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الجديد، فالمشرع لما اختار لفظ " الصلاة " ليجعله دليلاً على العبادة المعروفة إنما فعل ذلك لوجود علاقة بين معنى الصلاة لغة، ومعناها شرعاً، لأن كلًّا منهما دعاء، فالصلاة في الشرع يوجد فيها حقيقة الدعاء، بل إن كل الصلاة دعاء؛ حيث إن الدعاء مخ العبادة. وكذلك لفظ " الصوم " إنما اختاره الشارع لوجود علاقة بين المعنى اللغوي له والمعنى الشرعي؛ لأن كلًّا منهما إمساك، وكذلك الزكاة، وكذلك الحج. وهكذا كل لفظ قد نقله الشارع من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي نجد بين المعنيين نوعاً من الارتباط والعلاقة بينهما. المذهب الثالث: أن الشارع لم ينقل تلك الألفاظ من اللغة إلى

стр. 1084

الشرع، ولا يجوز ذلك، بل الاسم باق على ما كان عليه في اللغة، لكن الشرع ضم إليه أفعالاً، واشترط له شروطا، فمثلاً: الصلاة لغة: الدعاء، ولم ينقل الشارع ذلك اللفظ من معناه اللغوي إلى الشرعي، ولكن ضم إليه أفعالاً وأقوالاً لا بد منها، واشترط له شروطا لا تصح الصلاة إلا بها مثل: الركوع، والسجود، والقيام، والجلوس، والذكر، وكذلك الصوم فهو لغة: الإمساك، ثم زاده الشارع اشتراط النية، وهكذا. وهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني، وكثير من الأشاعرة، وبعض الفقهاء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن اللَّه تعالى قد وصف القرآن بأنه عربي بقوله تعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) ، وقوله: (بلسان عربي مبين) وظواهر هذه الآيات يوجب كون القرآن كله عربيا، مستعملاً فيما استعملته العرب، وإلا كان خطابا لهم بغير لغتهم، وبذلك يبطل دعوى تصرف المشرع بنقل أسماء على غير إطلاق اللغة. جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أن اشتمال القرآن على ألفاظ شرعية قليلة لا يخرجه عن كونه عربيا، فالعبرة بالأعم الأغلب، ولذا لا يمتنع أن يقال: إن هذه اللحية سوداء وإن كان فيها بعض الشعيرات البيضاء. الجواب الثاني: أن استعمال الشرع لبعض هذه الألفاظ في غير ما وضعته له العرب لا يخرج القرآن عن كونه خطابا بلسان العرب:

стр. 1085

فالعرب قد استعملت بعض الألفاظ في غير ما وضعت له، مثل استعمالهم لفظ " البحر " للعالم، ولم يقل أحد: إن هذا إخراج للخطاب عن لغة العرب. الدليل الثاني: أنه لو كانت بعض الأسماء اللغوية قد نقلت إلى أحكام شرعية لوجب عليه ﷺ أن يوقف الأمَّة على نقل هذه الأسماء توقيفا تقوم به الحُجَّة على المكلَّفين ليقطع عذرهم، فيكون بطريق يفيد العلم الضروري أو النظري، وما دام أنه لم يثبت شيء من ذلك، ولا أجمعت الأُمَّة عليه، ولا دلَّ العقل الجازم على ذلك، فيبقى على النفي الأصلي، فلم ينقل شيء من الاستعمال اللغوي إلى الاستعمال الشرعي. جوابه: إن النبي ﷺ قد بين بياناً تاما المعاني التي نقلت الألفاظ إليها، فبيق المقصود بالصلاة: بصلاته ﷺ بأصحابه وقال: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، وبين المقصود بالحج وقال: " خذوا عني مناسككم "، وبين تفاصيل ومقادير الزكاة وشروطها، وبين المراد بالإحسان، والإسلام، والإيمان بحديث جبريل ﵇ ونقل هذه الألفاظ وما تدل عليه الصحابة ﵃. بيان نوع هذا الخلاف: الخلاف هنا معنوي له أثره في الفروع الفقهية؛ حيث إن الصلاة والصوم والزكاة والحج إذا وجدت في كلام الشارع مجردة عن القرينة، محتملة للمعنى اللغوي وللمعنى الشرعي، فعلى أيهما يحمل؛ فبناء على المذهب الأول والثاني - وهو: أن تلك الأسماء منقولة

стр. 1086

من اللغة إلى الشرع - فإن تلك الأسماء تحمل على الحقيقة الشرعية، دون اللغوية، ويكون المعنى واضحا لا إجمال فيه، لأن العادة: أن كل متكلم يُحمل لفظه على عرفه، فتلك الألفاظ - أعني: الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج - تحمل على المقصود والمراد الشرعي، فنحمل لفظ " الصلاة " على الصلاة الشرعية، ولفظ " الزكاة " على الزكاة الشرعية وهكذا، ولا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل وقرينة وذلك لأن عرف الشارع جار على بيان الأحكام الشرعية، دون الحقائق اللغوية. أما على المذهب الثالث - وهو: أن تلك الأسماء باقية على دلالتها اللغوية، ولكن زاد عليها الشارع بعض الشروط والقيود - فإن تلك الأسماء تحمل على المعنى اللغوي، ولا يجوز العدول عنها إلى الشرعية إلا بقرينة، وهذا قياس هذا المذهب، وهو مذهب القاضي أبي بكر. ولكن بعض العلماء نقل عنه أن هذه الألفاظ - أعني الصلاة والزكاة ونحوها - مجملة، وهو مذهب بعض العلماء كالقاضي أبي يعلى، وبعض الشافعية، وبناء على القول بالإجمال تأثرت بعض المسائل، ومن ذلك: ١ - قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) اختلف في المراد به هل هو المعنى الشرعي، أو المعنى اللغوي؟ فذهب كثير من العلماء إلى أن المراد بالنكاح هنا هو: المعنى الشرعي، وهو: العقد؛ لأن النكاح حقيقة شرعية، ولفظ المشرع يجب أن يحمل على معناه الشرعي، ولذا فإنه لو زنى الأب بامرأة، فإن ذلك لا يوجب حرمة المصاهرة.

стр. 1087

وذهب آخرون إلى أن المراد بالنكاح هنا هو المعنى اللغوي، وهو: الوطء، فيكون المعنى لا تطؤا ما وطأها الأب بزنى أو غيره، ولذا فإن من زنى بها الأب فهي موطوءة له. ٢ - قوله ﷺ : "توضئوا مما مست النار " اختلف في المراد به، هل هو الوضوء الشرعي، أو الوضوء اللغوي؟ فمنهم من قال: إنه يحمل على المعنى الشرعي؛ لأن حمل لفظ المشرع على عرفه أقوى، ومنهم من قال: يحمل على المعنى اللغوي، ومنهم من قال: إنه مجمل لوجود الاحتمالين، فلا يحمل إلا بقرينة. ٣ - قوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة " اختلف في ذلك هل المراد به: أن الطواف كالصلاة حكما في الافتقار للطهارة، فيكون المراد بالصلاة: الصلاة الشرعية، أو أن الطواف يشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة.

стр. 1088

المبحث الثاني في المجاز ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف المجاز. المطلب الثاني: هل المجاز واقع في اللغة؟ المطلب الثالث: أنواع العلاقة في المجاز. المطلب الرابع: هل النقصان يعتبر من المجاز؟ المطلب الخامس: أسباب العدول إلى المجاز. المطلب السادس: بيان أن الحقيقة لا تستلزم المجاز. المطلب السابع: هل المجاز يستلزم الحقيقة؟ المطلب الثامن: اللفظ الذي يكون حقيقة ومجازاً، والذي لا يكون. المطلب التاسع: بيان أن المجاز خلاف الأصل. المطلب العاشر: طرق معرفة الحقيقة من المجاز. المطلب الحادي عشر: بيان أنه إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فإنه يُحمل على الحقيقة. المطلب الثاني عشر: بيان أنه إذا غلب المجاز في الاستعمال، فإن اللفظ يُحمل عليه.

стр. 1089

المطلب الأول في تعريف المجاز أولاً: المجاز لغة مأخوذ من الجواز، وهو: العبور والانتقال من موضع إلى موضع آخر، يقال: " جزت المكان " أي: عبرته وانتقلت منه إلى مكان آخر، فالمجاز هو اللفظ الجائز من شيء إلى شيء آخر تشبيها بالجسم المنتقل من موضع إلى آخر. ثانيا: المجاز اصطلاحا هو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي لعلاقة. بيان هذا التعريف: قولنا: " اللفظ ": جنس يشمل المستعمل وغير المستعمل، وهو المهمل. قولنا: " المستعمل " أخرج اللفظ المهمل. قولنا: " في غير موضوعه الأصلي " أخرج الحقيقة، فإن استعمال اللفظ فيها فيما وضع له أصلاً كما سبق. قولنا: " لعلاقة " هذا بيان لشرط المجاز؛ حيث إن شرط المجاز الأساسي هو: وجود العلاقة وهي: المشابهة الحاصلة بين المعنى الأول والمعنى الثاني، بحيث ينتقل الذهن بواسطتها عن محل المجاز إلى الحقيقة، فيفهم المعنى المجازي باعتبار ثبوت الصفة له كإطلاق "الأسد " على الرجل الشجاع للاشتراك في صفة الشجاعة؛ إذ لها فيه ظهور ومزيد اختصاص، فينتقل - الذهن منه إلى هذه الصفة.

стр. 1090

ولو لم توجد علاقة بين المعنيين لكان الوضع بالنسبة إلى المعنى الثاني أولى، فيكون حقيقة فيهما، ويكون اللفظ مشتركا، لا مجازاً. وسمي مجازاً؛ لأن أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع توسعا منهم كتسمية الرجل الشجاع أسداً، وتسمية البليد حماراً، وهكذا.
следующие страницы →