← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الفصل الأول في اللغات ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: في تعريف اللغة، واللفظ، والكلام، والنطق، والقول، وسبب وضع اللغات. المبحث الثاني: دلالة اللفظ على معناه هل هي بالوضع، أو لمناسبة طبيعية بين اللفظ والمعنى؟ المبحث الثالث: في مبدأ اللغات، أي: اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية؟ المبحث الرابع: هل يجري القياس في اللغة؟

стр. 982

المبحث الأول في تعريف اللغات، واللفظ، والكلام، والنطق والقول، وسبب وضع اللغات أولاً: تعريف اللغات: اللغات جمع لغة، واللغة أصلها لغوة على وزن فعله، من لغوت إذا تكلمت. وهي: اسم لضرب مخصوص من ترتيب الحروف الدالة على المعاني بحكم الوضع. وإنما شرطنا كونها حروفا ودلالتها بحكم الوضع؛ لأن هناك أمورا تدل على شيء ولا يسمى ذلك لغة؛ نظراً لعدم وجود الحروف فيها كالضحك، فإنه يدل على الفرح، والبكاء يدل على الحزن، وصياح الديك يدل الدجاجة على استدعائها لالتقاط الحب، وكل ذلك لا يُسمَّى لغة. واللغة العربية تختلف عن بقية اللغات من الإنجليزية، والهندية، والتركية باختلاف ترتيب تلك الحروف؛ حيث إن أهل كل لغة رتبوا عين هذه الحروف، لكن ترتيبا مخالفا للآخر، وتركيبا مباينا لتركيب الآخر. ثانيا: تعريف الكلام: الكلام مأخوذ من الكلم، وهو: الجرح الذي يؤثر في نفس المجروح، ومن كلم غيره فقد أثر في قلبه بتفهيم غرضه ومقصده، فيسمى ذلك كلاما. ثالثاً: تعريف اللفظ: اللفظ، أصله: الرمي لغة، يقال: " لفظت الناقة " إذا رمت ما في فمها، فالواحد منا إذا تكلم فكأنه يرمي، فسمي قوله لفظا.

стр. 983

وهو في الاصطلاح: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف؛ لأن الصوت كالشيء المرمي به؛ نظراً لخروجه من الفهم، فهو ملفوظ. رابعا: تعريف النطق: النطق: إحكام العبارة، سُمِّيت " المنطَقَة "، و "المنطَق "، و"النِّطاق " بذلك؛ لأنه حزام يشد به الرجل وسطه ويحكمه. خامسا: تعريف القول: القول لغة: مجرد النطق، وهو في الاصطلاح: لفظ وضع لمعنى ذهني. وهو أخص من اللفظ؛ لأن اللفظ يشمل اللفظ المهمل، واللفظ المستعمل فالقول لما عرفناه بأنه وضع لمعنى أخرج المهمل؛ لأنه لا معنى له. سادسا: سبب وضع اللغات: لما خلق اللَّه الإنسان الواحد، فإنه غير مستقل بمصالح معاشه، فيحتاج إلى مشاركة شخص آخر من نوعه يجري بينهما تعارف وتعاون على جلب غذاء، ولباس، ومسكن، وصناعة، ولا يمكن هذا من غير تفاهم بينهما، فاحتاجا إلى لغة يتفاهمان عليها، ويعرف كل واحد منهما غرض الآخر بواسطة هذه اللغة، فكان لا بد من لغة ولفظ. وقلنا ذلك؛ لأن اللفظ أفيد شيء من الأمور التي قد يتفاهم بها بعضهم كالمثال والإشارة، ذلك لعموم اللفظ؛ حيث يمكن أن يعبر باللفظ عن الشاهد، والغائب، والموجود، والمعدوم، والمحسوس، والمعقول. أما الإشارة والمثال، فإنه لا يكون فيهما ذلك؛ حيث لا يمكن الإشارة إلى الغائب والمعقول، والمعدوم، وليس لكل شيء مثال.

стр. 984

المبحث الثاني في دلالة اللفظ على معناه هل هي بالوضع أو لمناسبة طبيعية بين اللفظ والمعنى ؟ لقد اتفق العلماء في أن الالفاظ المتداولة المستعملة في اللغة دالة على معانيها. ولكن اختلفوا في هذه الدلالة - أي: دلالة اللفظ على المعنى - هل هي بالوضع أو لمناسبة بين اللفظ والمعنى؛ على مذهبين: المذهب الأول: أن دلالة الألفاظ على معانيها بالوضع. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأنا نعلم أنه ليس بين اللفظ ومعناه علاقة طبيعية تقتضي اختصاص ذلك اللفظ بذلك المعنى في الدلالة، ومما يؤيد ذلك: أن اللفظ الواحد قد يطلق على معنيين كل واحد منهما ضد للآخر وقد وقع، فلفظ " الجون " يطلق على الأسود والأبيض، ولفظ (القرء) يطلق على الحيض، والطهر، ولفظ " الجلل " يطلق على الكبير والصغير. ولو كان بين اللفظ ومعناه علاقة طبيعية لما جاز إطلاق اللفظ الواحد على إطلاق كل واحد منهما ضد الآخر؛ لأن اللفظ الواحد لا يكون مناسبا بطبعه لشيء ولضده. المذهب الثاني: أن دلالة اللفظ على معناه؛ لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه.

стр. 985

وهو مذهب عبَّاد بن سليمان الصيمري المعتزلي (ت ٢٥٠ هـ) . دليل هذا المذهب: أنه لو لم يكن بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية لكان اختصاص اللفظ بالمعنى المخصوص من بين سائر الألفاظ، واختصاص المعنى المخصوص بذلك اللفظ من بين سائر المعاني تخصيصا بلا مخصص. وهذا لا يجوز، لذلك لا بد أن تكون بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية. جوابه: إن الواضع قد خصص بعض الألفاظ ببعض المعاني والمدلولات؛ نظراً إلى الإرادة المخصصة، فعلى هذا: يكون تخصيص اللفظ بمعناه، أو المعنى بذلك اللفظ بمخصص وهو: الإرادة فلم يصح ما قاله. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لم تتأثر الأحكام الفقهية بذلك.

стр. 986

المبحث الثالث في مبدأ اللغات أي: هل اللغات توقيفية أو اصطلاحية ؟ لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يجوز أن تكون اللغات كلها توقيفية، ويجوز أن تكون كلها اصطلاحية، ويجوز أن يكون بعض هذه اللغات توقيفي، وبعضها اصطلاحي، فإن جميع ذلك محتمل وممكن. ذهب إلى ذلك القاضيان: أبو بكر الباقلاني، وأبو يعلى، وكثير من أهل التحقيق. وهو الحق عندي؛ لأن الاستدلال على كونها توقيفية، أو اصطلاحية، أو احتمال الأمرين يكون إما عن طريق العقل، أو عن طريق الواقع. أما العقل، فإنه يجوز الأمور الثلاثة؛ حيث إن العقل متصور لجميع هذه الأمور، فهي ممكنة وليست ممتنعة، " بحيث لو فرض وقوعه فإنه لا يلزم عنه محال لذاته، بيان ذلك: أن العقل يجوز كونها توقيفية؛ لأن اللَّه قادر على أن يخلق للناس العلم بهذه الأسماء والألفاظ، ويسمعها بعضهم أو جميعهم، ويخبرهم بأن هذه الأسماء قصدت للدلالة على مسمياتها ومعانيها. والعقل - أيضا - يجوز كونها اصطلاحية، بأن واحداً قد انبعثت

стр. 987

داعيته، أو جماعة انبعثت دواعيهم إلى وضع هذه الألفاظ بإزاء معانيها، ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار كما يفعل الوالدان بالولد الرضيع. والعقل - أيضا - يجوز كون بعضها توقيفي، وبعضها الآخر اصطلاحي؛ لأنه إذا أمكن كل واحد من القسمين أمكن التركيب منهما جميعاً. أما الواقع عن هذه الأقسام فلا يمكن إلا ببرهان عقلي، أو نقل وسمع قاطع، وهذا باطل؛ لأن العقل لا مجال له في اللغات ليستدل عليها به، ولعدم وجبرد النقل والسمع القاطع. فلم يبق إلا الظن، والظن داخل في جميع الأمور الثلاثة بالمساواة - وهي كونها توقيفية، وكونها اصطلاحية، وبعضها توقيفي وبعضها اصطلاحي - فلا يمكن ترجيح أحدها على الباقي؛ لانه ليس كل واحد منها بأوْلى من الآخر، فلم يحصل الجزم بواحد منها. المذهب الثاني: أن اللغات توقيفية، أي: أن الواضع هو الله عَز وجَل، ووضعه متلقى من جهته إما بالوحي، أو بأن يخلق الله تعالى لواحد، أو لجماعة من الخلق العلم بأن هذه الألفاظ واللغات قصدت للدلالة على المعاني. وهو مذهب أبي الحسن الأشعري، والظاهرية، وأبي بكر بن فورك، وبعض المتكلمين، وبعض الفقهاء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) . وجه الدلالة: أن اللغات لو لم تكن توفيفية لكانت مصطلحة

стр. 988

ولا ثالث لهما، وإذا كانت اصطلاحية تكون بوضع آدم ﵇ وإذا كان كلذلك لم يحتج إلى تعليم من عند الله، ولكن هذه الآية دلَّت على أن آدم والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم اللَّه تعالى، وأن الله قد علمهم جميع الأسماء، ثم تناقلت ذرية آدم تلك الأسماء، فلم يكونوا بحاجة إلى اصطلاح فقد أوقفوا عليها. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن هذا الدليل ليس صريحا بأن اللغات توقيفية؛ حيث إنه يتطرق إليه عدة احتمالات: الاحتمال الأول: أن المراد بالتعليم هو الإلهام، فيكون اللَّه قد ألهم آدم الحاجة إلى الوضع، فوضع آدم اللغات بتدبيره وفكره، ونسب ذلك إلى تعليم اللَّه تعالى؛ لأنه الهادي والمرشد والملهم ومحرك الداعية. الاحتمال الثاني: أن المراد أنه علمه الأسماء الموجودة في زمان آدم ﵇ مثل: السماء، والأرض، والجنة، والنار دون الأسامي التي حدثت مسمياتها بعد آدم من الحرف والصناعات والآلات. الجواب الثاني: أن المراد من الأسماء في الآية: سمات الأشياء وخصائصها مثل: أن يقال: إنه تعالى علم آدم أن الخيل تصلح للكر والفر، وأن الجمل للحمل، فإن الاسم مأخوذ من السمة على رأي الكوفيين، أو مأخوذ من السمو على رأي البصريين وعلى التقديرين فكل ما يعرف ماهيته، ويكشف عن حقيقته كان اسما، وأما

стр. 989

تخصيص لفظ الاسم بهذه الألفاظ فهو عرف حادث، وهو عرف النحاة. الدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) . وجه الدلالة: أن اللَّه قد ذمهم على تسميتهم بعض الأشياء ببعض الأسماء من غير توقيف، فلو لم يكن ما جعل دالا على غيرها من الأسماء توقيفا لما صح الذم. جوابه: أن الذم للاعتقاد، أي: الذم لإطلاقهم لفظ " الإله " على الصنم مع اعتقاد تحقق مسمى الإلهية فيها، ولم يكن الذم لتسميتهم بأسمائها. الدليل الثالث: أنه لو كانت اللغات اصطلاحية لاحتاج في تعليمها إلى اصطلاح آخر ويتسلسل، أي: أن الاصطلاح لا يتم ولا يمكن إلا بواسطة خطابات يخاطب بعضهم بعضا بها، وهذا لا يمكن إلا عن طريق لفظ يعلمه كل واحد من هؤلاء المجتمعين قبل الاجتماع لوضع تلك الاصطلاحات، فلزم من ذلك التسلسل وهو ممتنع. جوابه: لا نسلم أن التعليم منحصر في الاصطلاح والتوقيف، بل التعليم يكون بالترديد والقرائن كتعليم الأبوين الأطفال لغتهما بالترديد والقرائن. المذهب الثالث: أن اللغات اصطلاحية. وهو مذهب أبي هاشم المعتزلي، وبعض المتكلمين.

стр. 990

دليل هذا المذهب: إنه لا يمكن للمخاطب، أو أي أحد من الناس أن يفهم التوقيف الوارد من اللَّه تعالى إلا إذا كان عارفا - من قبل - بلفظ صاحب التوقيف باصطلاح سابق، فيكون الأصل الاصطلاح. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: هو نفس الجواب السابق عن الدليل الثالث من أدلة أصحاب المذهب الثاني. الجواب الثاني: أنه قد يخلق علم ضروري في عاقل بأنه تعالى ألهم العاقل بأن واضعا وضع هذه الألفاظ بإزاء تلك المعاني. بيان نوع الخلاف: لقد اختلف في هذا الخلاف هل هو لفظي أو معنوي؛ على قولين: القول الأول: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له. وهو ما ذهب إليه الغزالي، والأبياري، وابن السبكي تاج الدين، وابن أبي شريف، وغيرهم. وهو الصحيح عندي؛ إذ لا يترتب، على هذا الخلاف معرفة عمل من أعمال الشريعة، وذكرت هذه المسألة في كتب الأصول لأحد أمرين: أولهما: تكميل العلم بهذه الصناعة؛ لأن معظم النظر فيها يتعلق بدلالة الصيغ، أو جواز قلب ما لا تعلق له بالشرع فيها كتسمية الفرس ثوراً، والثور فرسا، ونحو ذلك. -

стр. 991

ثانيهما: أنها تجري مجرى الرياضيات التي يرتاض العلماء بالنظر فيها كمسائل الجبَر، فتكون من رياضيات أصول الفقه، بخلاف مسألة: الأمر للوجوب، أو النهي يقتضي الفساد فهي من ضروراته. القول الثاني: أن الخلاف فيها معنوي له ثمرة وفائدة. ذهب إلى ذلك الماوردي وبعض العلماء. ولكن اختلف أصحاب هذا القول في نوع هذه الفائدة على آراء، إليك ذكرها مع الجواب عنها: الرأي الأول: أن فائدة الخلاف في هذه المسألة أن من قال بالتوقيف جعل التكليف مقارنا لكمال العقل، ومن قال بالاصطلاح أخر التكليف عن العقل مدة الاصطلاح على وضع الألفاظ لمعانيها. جوابه: إن هذا وإن تصوِّر عقلاً إلا أنه لا وقوع له في الفروع، إذ أن الفريقين متفقان في النهاية. الرأي الثاني: أن فائدة البحث في هذه المسألة: النظر في جواز قلب اللغة، فالقائلون بالتوقيف يمنعونه مطلقا، والقائلون بالاصطلاح يجوزونه إلا أن يمنع الشرع منه، ومتى لم يمنع كان للشيء اسمان، أحدهما متوقف عليه، والآخر متواضع عليه. جوابه: إن هذا لا تعلُّق له بالشرع. الرأي الثالث: أن فائدة الخلاف في هذه السألة: أنه يجوز التعلق باللغة لإثبات حكم الشرع من غير رجوع إلى الشرع، وهو ما ذهب إليه أكثر الحنفية وبنو عليه: أن حكم الرهن: الحبس؛ لأن

стр. 992

اللفظ ينبئ عنه، أما عند أكثر العلماء، فإنه لا يجوز التعلق باللغة لإثبات الحكم الشرعي، وهو الصحيح عندي؛ لأن الواضعين في الأصل كانوا جهالاً وضعوا عبارات لمعبرات، لا لمناسبات، ثم استعملت وصارت لغة. جوابه: إن هذا لا يمكن تصوره؛ لأن الأحكام الشرعية لا تؤخذ إلا من الشرع فقط، أما اللغة فلا تفيد شيئاً قبل مجيء الشرع. الرأي الرابع: أن فائدة الخلاف في هذه المسألة أنه يتخرج عليها الخلاف في جريان القياس في اللغات المشتقة الصادرة عن معان معقولة، فمن قال: إن اللغات توقيفية منع جريان القياس في اللغات؛ لأنه إذا كان الأصل لا يعلم إلا بتوقيف، فكذا ما في معناه. جوابه: لا نسلم أن البحث في مسألة " هل يجري القياس في اللغة " متوقف، على مسألتنا هذه؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الخمر إنما سميت خمراً لمخامرتها العقول بأي طريق، سواء كان توقيفيا أم اصطلاحيا، فوجدنا الاسم دار مع المخامرة وجوداً وعدما، ثم وجدنا النبيذ كذلك هل يسمى خمراً أو لا؟ الرأي الخامس: أن فائدة الخلاف في هذه المسألة: أنه يتخرج عليه مسائل في الفقه، ومنها: ١ - المسألة المعروفة بمهر السر والعلانية، وهي: ما إذا تزوج الرجل امرأة بألف، وكانا قد اصطلحا على تسمية الألف بالألفين، فهل الواجب ألف وهو ما يقتضيه الاصطلاح اللغوي، أو ألفان؛

стр. 993

نظراً إلى ما يقتضيه الوضع الحادث؛ فيه خلاف، هذا الخلاف مبني على الخلاف في مسألتنا هذه. ٢ - إذا تبايعا بالدنانير، وسميا ذلك بالدراهم هل يجوز؛ فيه خلاف، وهو مبني على الخلاف في هذه المسألة. جوابه: الحق: أنه لا يتخرج شيء من ذلك على هذه القاعدة كما قال ابن السبكي، والسبب: أن مسألتنا التي نحن بصددها في أن اللغات هذه الواقعة بين أظهرنا هل هي بالاصطلاح أو التوقيف بصورة عامة، لا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على تغيير الشيء عن موضعه كتغيير الألف بالألفين، والدنانير بالدراهم. وهذه الفروع التي ذكرها أصحاب هذا الرأي - وهو الرأي الخامس - تتخرج على قاعدة أخرى وهي: " الاصطلاح الخاص هل يرفع الاصطلاح العام أو لا؟ " فيه خلاف، فالتبس على هؤلاء الأمر.

стр. 994

المبحث الرابع في هل يجري القياس في اللغة ؟ تحرير محل النزاع: أولاً: أسماء الأعلام كمحمد وزيد قد أجمع العلماء على أنه لا يجري القياس فيها؛ لأنها غير موضوعة لمعان موجبة لها، وليست معقولة المعاني. ثانياً: أسماء الصفات كالعالم والقادر، فقد أجمع العلماء على أنه لا يجري القياس فيها؛ لأنها واجبة الاطراد؛ نظراً إلى تحقق معنى الاسم؛ لأن مسمى العالم - مثلاً - من قام به العلم، وهو متحقق في حق كل من قام به العلم، فكان إطلاق اسم العالم عليه ثابتا بالوضع، لا بالقياس؛ لأنه ليس قياس أحد الجزئين المتماثلين في المسمى على الآخر أوْلى من العكس. ثالثا: أسماء الأجناس والأنواع الموضوعة على مسمياتها مستلزمة لمعان في محالها وجوداً وعدماً قد اختلف العلماء فيها هل يجري فيها القياس؟ مثل إطلاق اسم " السارق " على النباش بواسطة مشاركته للسارقين من الأحياء في أخذ المال على سبيل الحقيقة. ومثل: إطلاق اسم " الخمر " على النبيذ بواسطة مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل.

стр. 995

فهل يجوز إطلاق اسم " السارق " على " النباش " قياسا بعلة أخذ مال الغير بخفية، وهل يجوز إطلاق اسم " الخمر " على النبيذ قياساً بعلة الإسكار والتخمير؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: يجوز إثبات اللغة بالقياس، فيجوز أن يُسمَّى النباش سارقا، والنبيذ خمراً. ذهب إلى ذلك بعض المالكية كابن التمار، وأكثر الشافعية كابي إسحاق الشيرازي، وابن سريج، وابن أبي هريرة، وحكي أنه نص الإمام الشافعي، وهو قول أكثر علماء العربية كالمازني، وأبي علي الفارسي، وابن درستويه؛ وهو اختيار أكثر الحنابلة كالقاضي أبي يعلى، والقاضي يعقوب، وابن قدامة، وهو مذهب أكثر الفقهاء. وهو الراجح عندي لما يلي من الأدلة: الدليل الأول -: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) . وجه الدلالة: أن الاعتبار رد الشيء إلى نظيره بضرب من الشبه، وهذا عام في إثبات الأحكام، وإثبات الأسماء. الدليل الثاني: أن الاسم يدور مع الوصف وجوداً وعدماً - وهذا هو الدوران - والدوران يفيد ظن العلية، فيحصل بذلك ظن أدق العلَّة لتلك التسمية هو ذلك الوصف، فأينما حصل ذلك الوصف حصَل ظن كونه مسمى بذلك الاسم، وحينئذ يلزم أن يثبت لتلك المحال الأحكام المرتبة على ذلك الاسم، فالخمر دار مع الوصف وهو السكر وجوداً وعدما، أما وجوداً ففي صورة الخمر، وأما عدما ففي صورة الماء، فوجب أن يُسمى النبيذ أيضا خمراً بالقياس.

стр. 996

المذهب الثاني: أنه لا يجوز إثبات اللغة بالقياس، فلا يجوز أن يُسمَّى النبيذ خمراً. ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض المالكية كالباقلاني، وابن خويز منداد، وابن الحاجب، وكثير من الشافعية كالغزالي، والآمدي، وإمام الحرمين، وإلكيا الطبري، وابن القشيري، واختاره بعض المتكلمين، وجماعة من أهل الأدب واللغة، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) . وجه الدلالة: أنها دلَّت على أنه تعالى علمه جميع الأسماء، وهذا يدل على أنها توقيفية، فيدل على عدم وجود اسم يفتقر فيه إلى القياس. جوابه: أنا قلنا في المسألة السابقة: إن هذه الآية ليست صريحة في دلالتها على ذلك، فيجوز أن يكون علمه البعض بالتوقيف، والبعض بالتنبيه والقياس، والجميع من علم اللَّه تعالى، كما أن الأحكام الشرعية معلومه من جهة اللَّه تعالى، وإن كنا نعرف بعضها بالنص، وبعضها بالاجتهاد، ويجوز أن يكون هذا خاصا في حق آدم - عليه السلام -، ويجوز أن يكون قد علم الجميع بالتوقيف، ومن عداه يعرف ذلك مرة بالتوقيف ومرة بالقياس، كما أن جهات القبْلة قد تدرك حساً، وقد تدرك اجتهاداً. الدليل الثاني: أن وضع اللغة على خلاف مقتضى القياس، بيان ذلك:

стр. 997

أنا رأينا العرب يفرقون بين الشيئين المتفقين في الصفة الموضوعة لذلك، فيقولون للفرس الأبيض: " أشهب "، ولا يقولون ذلك للحمار الأبيض، ويقولون للفرس الأحمر الذي يميل إلى السمرة "الكميت "، والذي يميل للسواد: أدهم، ولا يطلقون ذلك على غيره. كذلك " القارورة " سميت بهذا الاسم؛ لأنه يستقر فيها الماء، وهذا المعنى وهو: استقرار الماء حاصل في الحياض والأنهار، ولا تسمى قارورة، كذلك " الخمر " سميت بهذا الاسم لمخامرتها العقل، ثم المخامرة حاصلة في الأفيون والحشيش وغيرهما، ولا يسمى خمراً. فيعلم من ذلك كله أن المرجع في اللغة إلى الوضع دون القياس. جوابه: إن غاية ما في هذا الدليل أنكم ذكرتم صوراً لا يجري فيها القياس وذلك لا يقدح في صحة العمل بالقياس في اللغة، كما أنه حصل في أحكام الشرع أحكام لا يجري القياس فيها؛ لكونها تعبدية، ولم يدل ذلك على المنع من القياس في الشرع. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي له أثره في بعض الأحكام الفقهية، ومنها: ١ - أنه بناء على المذهب الأول - وهو جواز إثبات اللغة قياسا - قالوا: إذ النباش سارق، فيكون قطع يد النباش قد ثبت بالنص؛ حيث يدخل في عموم قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .

стр. 998

أما على المذهب الثاني - وهو عدم جواز إثبات اللغة قياسا - فإن قطع يد النباش لم يثبت بالنص وهو دخوله في عموم قوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) . وإنما ثبت قطع يده عن طريق القياس على السارق بجامع أخذ مال الغير خفية من حرز مثله. ٢ - أنه بناء على المذهب الأول، فإن اللائط زان، فيكون وجوب الحد عليه ثبت بالنص، وهو قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) . أما على المذهب الثاني، فإن اللائط لا يُسمى زان، لذلك اختلف أصحاب هذا المذهب في عقوبة اللائط، فقال بعضهم: إن عقوبته القتل على كل حال مستندين إلى قوله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به "، وقال آخرون: إن عقوبته التعزير على الفاعل والمفعول به؛ لامتناع قياس اللائط على الزاني. وقال فريق ثالث: إن عقوبته مثل عقوبة الزانى قياسا عليه، فإذا كان اللائط غير محصن يجلد ويغرب، وإذا كان محصنا يجلد ويرجم قياساً على الزاني. ٣ - أنه بناء على المذهب الأول فإن النبيذ خمر، فيكون وجوب الحد على شارب النبيذ قد ثبت بالنص، وهو قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر) ، وقوله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه ". أما على المذهب الثاني، فإن النبيذ لا يسمى خمراً، فيكون وجوب الحد على شارب النبيذ قد ثبت بالقياس على الخمر.

стр. 999

الفصل الثاني في الدلالة وتقسيم اللفظ ويشتمل على المبحثين التاليين: المبحث الأول: في تعريف الدلالة وأقسامها. المبحث الثاني: في تقسيم اللفظ.

стр. 1000

المبحث الأول في تعريف الدلالة وأقسامها ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف الدلالة. المطلب الثاني: أقسام الدلالة. المطلب الثالث: في تعريف الدلالة اللفظية الوضعية، وبيان أهميتها.

стр. 1001

المطلب الأول تعريف الدلالة الدلالة لغة: مصدر دلَّ يدل دلالة بفتح الدال وهو أفصح، وروي بكسر الدال، وروي بضمها. والجمع: أدلة، وأدلاء، والاسم: الدّلالة بالكسر، والفتح، والدلولة، والدليلي، قال سيبويه ﵀؛ والدليلي: علمه بالدلالة ورسوخه فيها. والدلالة في الاصطلاح هي: كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر. وهذا هو أصح التعريفات التي قيلت؛ لأنه يدل على أن هناك تلازما بين الدال والمدلول، بحيث إذا فهم الدال فهم المدلول. فالشيء الأول هو: الدال، والشيء الثاني هو المدلول، سواء كان هذا اللزوم عقليا أو عرفيا دائما أو غيره، وسواء كان كليا أو جزئيا.

стр. 1002

المطلب الثاني أقسام الدلالة الدال إما أن يكون لفظا أو غير لفظ، فتنقسم الدلالة - بهذا الاعتبار - إلى قسمين هما: القسم الأول: دلالة لفظية.. القسم الثاني: دلالة غير لفظية. وكل من هذين القسمين ينقسم باعتبار إضافته إلى العقل والطبع والوضع إلى ثلاثة أقسام هي كما يلي: القسم الأول: دلالة عقلية، نسبة إلى العقل - والعقل هو: آلة التمييز والإدراك التي بها تدرك الأشياء. وسميت بها؛ لأنه ليس للوضع والطبع مدخل فيها. القسم الثاني: دلالة طبيعية، نسبة إلى الطبيعة، وهي لغة: السجية، واصطلاحا: مبدأ الآثار المختصة بالشيء، سواء صدرت بشعور أم لا، وسميت بذلك؛ لدخول الطبع فيه دون العقل والوضع. القسم الثالث: دلالة وضعية، نسبة إلى الوضع، وهو: جعل الشيء بإزاء آخر متى علم الأول علم الثاني، وسميت بذلك؛ لأن للوضع دخلاً تاما في الدلالة بجعل الجاعل. ووجه انحصار الدلالة في هذه الأقسام الثلاثة هو: أن الدلالة إما أن تكون مقصودة للدال - وهي التي يسميها العلماء الدلالة الاختيارية - أو ليست مقصودة له.

стр. 1003

فإن كانت مقصودة فهي الوضعية. وإن لم تكن مقصودة، فإما أن يمكن تخلفها، أو لا يمكن تخلفها. فإن أمكن تخلفها: فهي الطبيعية. وإن لم يكن تخلفها: فهي العقلية. فإذا ضممنا هذه الأقسام الثلاثة - السابقة الذكر - إلى كون الدلالة لفظية وغير لفظية: صارت الأقسام ستة هي كما يلي: القسم الأول: دلالة عقلية غير لفظية كدلالة الدخان على النار، ودلالة طول الثوب على طول صاحبه. القسم الثاني: دلالة عقلية لفظية كدلالة الصوت على حياة صاحبه ووجوده. القسم الثالث: دلالة طبيعية غير لفظية كدلالة حمرة الوجه على الخجل، وصفرته على الخوف. القسم الرابع: دلالة طبيعية لفظية كدلالة لفظ " أخ " على وجع الصدر ودلالة الأنين على التألم. القسم الخامس: دلالة وضعية غير لفظية كدلالة الخطوط والعقود والنصب والإشارات على أصحابها، ومنه: دلالة الخرائط الجغرافية على البلاد. القسم السادس: دلالة لفظية وضعية، أي: مستندة إلى وجود اللفظ والوضع، وفيما يلي بيانها.

стр. 1004

المطلب الثالث تعريف الدلالة اللفظية الوضعية وبيان أهميتها ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: تعريف الوضع. المسألة الثانية: تعريف الدلالة اللفظية الوضعية. المسألة الثالثة: بيان أهمية الدلالة اللفظية الوضعية.

стр. 1005

المسألة الأولى: في تعريف الوضع: أولاً: الوضع لغة: جعل اللفظ بإزاء المعنى، مثل: جعل لفظ " زيد " بإزاء جسمه، فالذي وضع لزيد اسمه يسمى واضعا، وجسمه يسمى موضوعا له، ولفظ " زيد " يسمى موضوعا، وجعل الاسم بإزاء الجسم يسمى وضعا. ثانيا: الوضع اصطلاحا هو: تخصيص شيء بشيء آخر متى أطلق الشيء الأول: فهم منه الشىء الثاني، والمراد بالإطلاق: الاستعمال وإرادة المعنى. *** المسألة الثانية: تعريف الدلالة اللفظية الوضعية: لقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف الدلالة اللفظية الوضعية، والأَوْلى في تعريفها أن يقال: هي: كون اللفظ بحيث إذا أرسل فهم المعنى للعلم بوضعه. وقيل: هي: كون اللفظ إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالما بالوضع. وقيل: هي: كون اللفظ بحيث إذا أطلق دلَّ. وقيل: هي: فهم السامع من الكلام تمام المسمى أو جزئه أو لازمه. وهي متقاربة، إلا أن الأول أعمها وأوضحها؛ حيث إن التعبير

стр. 1006

بالإرسال أوْلى من التعبير بالإطلاق؛ لأن المتبادر من الإطلاق ما قرن بالإرادة، أما الإرسال فهو أعم منه؛ حيث إن اللفظ يدل على معناه إذا تلفظ به وإن لم يرد به المعنى. *** المسألة الثالثة: بيان أهمية الدلالة اللفظية الوضعية: إن الدلالة اللفظية الوضعية هي أهم أقسام الدلالات الستة - التي ذكرناها سابقاً - ودلَّ على تلك الأهمية أمران: الأمر الأول: انضباطها، حيث إن الإنسان لما كانت طبيعته تقتضي التمدن وهو الاجتماع مع بني نوعه لأجل مشاركتهم في العيش وإعلام أحدهم على ما في قلبه وضميره لصاحبه، والتفاهم مما يخص المآكل والمشارب، والمعاملات، والتعلم والتعليم؛ لذلك مست الحاجة إلى الدلالة اللفظية الوضعية للانضباط التي تتميز به، بخلاف الدلالة الطبيعية والعقلية، فإنهما غير منضبطتين؛ نظراً لاختلافهما باختلاف الطبائع والعقول والأفهام. الأمر الثاني: أن تلك الدلالة - وهي الدلالة اللفظية الوضعية - عامة وشاملة لما يقصد إليه من المعاني؛ حيث إن النفع بها في التعبير يعم الموجودات والمعدومات في مجال التعلم والتعليم ونحوهما من مجالات الحياة المختلفة. والخلاصة: أن الدلالة اللفظية الوضعية هي الوسيلة الأساسية في تعامل الناس مع بعضهم، وهي تؤدي من الأغراض والمقاصد ما لا تؤديه أي دلالة من الدلالات، وبذلك تكون تلك الدلالة أهم أنواع الدلالات، وأعمها نفعا في كسب العلوم.

стр. 1007

المبحث الثاني في تقسيم اللفظ ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تقسيم اللفظ باعتبار الإفراد والتركيب. المطلب الثاني: تقسيم اللفظ المفرد. المطلب الثالث: تقسيم اللفظ المركب.

стр. 1008

المطلب الأول في تقسيم اللفظ باعتبار الإفراد والتركيب اللفظ الموضوع ينقسم باعتبار الإفراد والتركيب إلى قسمين: القسم الأول: اللفظ المركب وهو: أن يدل جزء اللفظ الموضوع على جزء معناه مثل: " زيد قائم "، و " قام زيد "، و " غلام زيد " و" الحيوان الناطق ". القسم الثاني: اللفظ المفرد وهو: أن لا يدل جزؤه على جزء معناه إذا جعل عَلَما للشيء مثل: " زيد "، و " عبد اللَّه " عَلَما، و" تأبط شراً "، فإن كلًّا منها مفرد؛ لأنه لم يدل جزؤه على جزء معناه.

стр. 1009

المطلب الثاني في تقسيم اللفظ المفرد ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: تقسيم اللفظ المفرد الموضوع لمعنى باعتبار دلالته بالمطابقة والتضمن والالتزام. المسألة الثانية: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار خصوص المعنى وضمومه. المسألة الثالثة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار استقلاله بمعناه أو لا. المسألة الرابعة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار وحدته وتعدده، ووحدة المعنى وتعدده. المسألة الخامسة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار حال مدلوله.

стр. 1010

المسألة الأولى: في تقسيم اللفظ المفرد الموضوع لمعنى باعتبار دلالته بالمطابقة والتضمن والالتزام: اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له، أو على جزئه، أو على الخارج عن مسماه اللازم له في الذهن، وإليك بيان ما يخمتلك الأقسام فيما يلي: أولاً: بيان تلك الأقسام مع الأمثلة: القسم الأول: اللفظ المفرد الدال على تمام المعنى الذي وضع له، وسمى بـ " دلالة مطابقة " مثل: دلالة لفظ " الإنسان " على الحيوان الناطق. وسميت بدلالة المطابقة لتطابق اللفظ والمعنى تمام التطابق كقولهم: " طابق النعل النعل " إذا توافقتا، فلا زيادة في اللفظ على المعنى فيكون مستدركا، ولا زيادة للمعنى على اللفظ فيكون قاصراً، فالمفهوم من اللفظ هو نفس الموضوع له. القسم الثاني: اللفظ المفرد الدال على جزء معناه الذي وضع له، وسمى بـ " دلالة تضمن " مثل: دلالة لفظ " الإنسان " على الحيوان - فقط -؛ حيث إن الحيوان جزء معنى الإنسان، أو دلالة لفظ "الإنسان " على الناطق - فقط - وهو جزء معناه. وسميت بدلالة التضمن؛ لأن اللفظ دلَّ على ما في ضمن المسمى. وهذه الدلالة لا تتحقق إلا في مثال له أجزاء كالأمثلة السابقة. القسم الثالث: اللفظ المفرد الدال على أمر خارج عن معناه لازم له، وهذا يسمى " دلالة التزام " مثل دلالة لفظ " الإنسان " على الضحك، ولفظ " الأسد " على الشجاعة.

стр. 1011

وسميت بدلالة الالتزام؛ لأن اللفظ دلَّ على معنى لازم للمعنى الذي وضع له اللفظ. ويشترط في دلالة الالتزام: أن يكون اللازم ذهنيا، وهو اللازم البين بالمعنى الأخص، وسمَّاها الغزالي في " معيار العلم " بدلالة الالتزام والاستتباع. وبعض العلماء يجعلون تلك الأقسام: أقساما للدلالة اللفظية الوضعية، وهو صحيح، ويصح أن تكون أقساما للفظ الدال بالوضع كما قلنا، والخلاف في هذا لا أثر له؛ لأن النتيجة واحدة. ثانياً: خلاف العلماء في هذه الدلالات هل هي لفظية أو عقلية؛ على مذاهب: المذهب الأول: أن دلالة المطابقة والتضمن والالتزام كلها لفظية عقلية، وهو مذهب بعض العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن دلالة المطابقة مفهومة من الكلام، فاللفظ يدل على تمام المعنى، ودلالة التضمن تفهم - أيضا - من اللفظ، فاللفظ يدل على جزء معناه، ودلالة الالتزام مفهومة من اللفظ. فكل من الجزء واللازم متلقى من اللفظ وبواسطته. المذهب الثاني: أن دلالة المطابقة والتضمن لفظيتان، ودلالة الالتزام عقلية، وهو مذهب الآمدي، وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن دلالة المطابقة والتضمن لفظيتان؛ لما سبق من المذهب الأول، وأن دلالة الالتزام عقلية؛ لأنها تفهم من اللفظ فهما عقليا.

стр. 1012

جوابه: إن اللفظ هو الذي دلَّ على ذلك المعنى وإن كان بعيداً، فهو من لوازمه الذي لا ينفك عنه، إذ لولا اللفظ لما فهمنا ذلك. المذهب الثالث: أن دلالة المطابقة لفظية وضعية، وأما دلالة التضمن والالتزام فهما عقليتان، وهو مذهب كثير من الشافعية كفخر الدين الرازي، وصفي الدين الهندي. دليل هذا المذهب: أن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من المسمى إلى لازمه، ولازمه إن كان داخلاً فهو التضمن وإن كان خارجاً فهو الالتزام. جوابه: نفس الجواب عن دليل المذهب الثاني. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأننا إذا نظرنا إلى أن الدلالات الثلاث إنما هي بتوسط وضع اللفظ للمسمى كانت كلها لفظية وضعية وهذا هو الذي نظرت إليه لما قلت: إنها كلها لفظية. وإذا نظرنا إلى أن فهم اللازم الداخل، أو الخارج إنما هو بواسطة الانتقال من المسمى إلى اللازم بقسميه، وهو أمر عقلي كانت المطابقة لفظية وضعية، والتضمن والالتزام عقليتان، وهو الذي نظر إليه فخر الدين الرازي والهندي. فالحاصل: أن فهم كل من الجزء واللازم متلقى من اللفظ وبواسطته اتفاقاً، وأن من جعل الدلالة عليهما عقلية أراد أن تلك الدلالة إنما كانت بطريق الانتقال من المسمى الأصلي إلى جزئه، أو

стр. 1013

لازمه وهو عقلي، لا وضعي، وهو لا ينكر أنهما وضعيتان، أي: أنهما إنما يفهمان بواسطة اللفظ، ووضعه للمسمى الذي هو الكل أو الملزوم، فاتضج لك أن الخلاف لفظي. *** المسألة الثانية: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار خصوص المعنى وعمومه: ينقسم اللفظ بالنسبة إلى خصوص المعنى وعمومه إلى قسمين: القسم الأول: لفظ يدل على عين واحدة، ويسمى معينا، وخاصا. ويعرف بأنه اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك الواحد المعين كزيد، فإننا إذا سمعنا هذا اللفظ لا نفهم منه إلا ذلك الواحد المعين الذي سمي به، كذلك قولنا: " هذا الرجل " يشير إلى رجل معين. القسم الثاني: لفظ يدل على أشياء كثيرة تتفق في معنى واحد، ويسمى مطلقاً، ويعرف بأنه اللفظ الذي يتناول واحداً لا بعينه. أو هو: اللفظ الذي لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الاشتراك في معناه كقولنا: " رجل "، فإن هذا اللفظ يصدق على كل من تتوفر فيه صفة الرجولة، فلو قال السيد لعبده: " أَكرمْ رجلاً،، فإن العبد يختار أي واحد من الرجال فيكرمه. لكن لو أدخلت على لفظ " رجل " " ال " فقلت: " الرجل " فإن اللفظ يكون عاما يتناول جميع ما يقع عليه ذلك اللفظ.

стр. 1014

المسألة الثالثة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار استقلاله بمعناه أو عدم ذلك: ينقسم اللفظ بهذا الاعتبار إلى قسمين: القسم الأول: اللفظ المفرد غير المستقل بمعناه والمفهوم، وهو: الحرف مثل: " إن "، و " لا "، و " في "، و " على "، ونحو ذلك، فإن كلًّا من تلك الحروف لا يستقل بمعناه، أي: لا يفهم معناه إلا باعتبار لفظ آخر دال على معنى هو متعلق معنى الحرف. القسم الثاني: اللفظ المفرد المستقل بمعناه، أي: يفهم معناه الذي وضع اللفظ له بدون اعتبار لفظ آخر دال على معنى، وهذا القسم نوعان: النوع الأول: أن يدل بهيئته العارضة له بحسب التصريف على أحد الأزمنة الثلاثة: " الماضي "، و " المستقبل "، و " الحال "، وهو: الفعل مثل: " ضرب "، و " اضرب "، و " يضرب ". النوع الثاني: أن لا يدل بهيئته على أحد الأزمنة وهو: الاسم وهو: ١ - إما ألا يدل على زمان أصلاً مثل: " السماء، و " الأرض "، و" الرجل ". ٢ - أو دلَّ ولكن لا بهيئته وهو: (أ) أن يكون مدلوله نفس الزمان مثل: " اليوم "، و "الأمس ". (ب) أن يكون الزمان جزء مدلوله مثل: الصبوح، والغبوق. تقسيمات الاسم: النوع الثاني وهو: الاسم ينقسم إلى " كلي "، و " جزئي ".

стр. 1015

فالكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه مثل الإنسان. والجزئي هو الذي يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه مثل "زيد". أقسام الكلي: ينقسم الكلي إلى " متواطئ "، و " مشكك ". - فالمتواطئ هو الذي يحصل معناه في أفراده الذهنية أو الخارجية على السوية مثل: " الإنسان "، أو تقول: هو المستوي في الأفراد. - والمشكك هو: تفاوت الأفراد مثل " البياض " فإنه في الثلج أشد منه في العاج. وينقسم الكلي - أيضاً - إلى: " اسم جنس "، و " مشتق ": - فاسم الجنس هو: أن يدل الاسم على ذات معينة مثل: " الفرس "، و " الإنسان ". والمشتق هو: دلالة إلاسم على ذي صفة معينة، دون خصوصية الماهية مثل: " الفارس "، و " العالم "، فإن هذا يدل على ذات متصفة بالفروسية والعلم. أقسام الجزئي: الاسم الجزئي ينقسم إلى " المستقل "، و " غير المستقل ". فالاسم الجزئي المستقل هو: العَلَم مثل: " زيد "، وهو الذي لا يحتاج إلى إضمار. والاسم الجزئي غير المستقل هو: المضمر مثل: " أنا "، و "أنت " و"هو".

стр. 1016

خلاف العلماء في المضمر هل هو جزئي أو كلي؛ على مذهبين: المذهب الأول: أن المضمر جزئي. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق عندي - كما جعلته هنا -، لأمرين: أولهما: أن الكلي نكرة، والمضمر أعرف المعارف فلا يكون كليا. ثانيهما: أنه لو كان كليا لما دلَّ على الشخص، لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص. المذهب الثاني: أن المضمر كلي، وهو مذهب القرافي، والأصفهاني وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن لفظ " أنا "، و " أنت "، و " هو " صادق على ما لا يتناهى، فكيف يكون جزئيا؟! جوابه: لا نسلم لكم ذلك، بل هو صادق على ما يتناهى، وهو من يتكلم، أو من يُخاطب، أو المقصود بضمير الغائب. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على أن تلك الضمائر إنما تستعمل في الجزئيات، ومتى كان كذلك، فالأقرب أن تكون موضوعة لما تستعمل فيه، غاية الأمر: أن أحد الفريقين يجعل الاستعمال في الجزئي شرطا في الوضع، والفريق الآخر يجعل الجزئي الذي يستعمل فيه هو نفس الموضوع له، فلا خلاف في المعنى، فيكون الخلاف لفظياً.

стр. 1017

المسألة الرابعة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار وحدته وتعدُّده، ووحدة المعنى وتعدّدِه: اللفظ والمعنى إما أن يتحدا، أو يتكثرا، أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى، أو يتحد اللفظ ويتكثر المعنى، فهذه أربعة أقسام، ولكل قسم اسم معين، وإليك بيانها: القسم الأول: أن يتحد اللفظ والمعنى، وهو: المنفرد، وسمي بذلك لانفراد لفظه بمعناه، وهو: إما كلي، أو جزئي، وقد سبق بيانه. القسم الثاني: أن يتعدَّد اللفظ، ويتعدَّد المعنى، وهي: الألفاظ المتباينة، وسميت بذلك؛ لأن كل واحد منها مباين للآخر، أي: مخالف له في معناه، وهو نوعان: " المعاني المنفصلة "، و " المعاني المتصلة". فالمعاني المنفصلة مثل: الإنسان، والفرس، والسواد، والبياض. والمعانى المتصلة باعتبارات هي كما يلي: الاعتبار الأول: اعتبار أن أحدهما جزء للآخر مثل: الحيوان والفرس. الاعتبار الثاني: اعتبار أن أحدهما ذات والآخر صفة مثل: "الإنسان "، و " الكاتب ". الاعتبار الثالث: اعتبار أن أحدهما صفة، والآخر صفة الصفة مثل: " الناطق "، و " الفصيح ". القسم الثالث: أن يتكثر اللفظ، ويتحد المعنى، ويُسمى "المترادفة" مثل: " الإنسان والبشر "، و " الليث والأسد ".

стр. 1018

القسم الرابع: أن يتحد اللفظ، ويتكثر المعنى - عكس الثالث -. وهذا نوعان: النوع الأول: أن يوضع اللفظ لتلك المعاني وضعا أولاً، وهذا هو المشترك مثل: لفظ " العين " وضع للجارية، والباصرة، والذهب بالوضع الأول. النوع الثاني: أن يوضع اللفظ لأحد المعاني، ثم نقل إلى الثاني، وهذا فيه تفصيل: فإن وضع لأحد المعاني ثم نقل لغيره بدون علاقة، فإنه يُسمَّى "المرتجل "، وقد يطلق عليه - أيضا - " المشترك " مثل: " جعفر " الذي جعل عَلَماً لشخص إنساني. وإن وضع لأحد المعاني ثم نقل إلى غيره لعلاقة واشتهر اللفظ في الثاني سمي اللفظ بالنسبة إلى المعنى الأول منقولاً عنه، ويسمى اللفظ بالنسبة إلى المعنى الثاني منقولاً إليه. ثم المنقول هذا له أسماء هي كما يلي: المنقول الشرعي: إن كان الناقل هو الشرع كالصلاة، فإنها في اللغة: الدعاء، ثم نقل الشرع ذلك إلى ذات الأركان لعلاقة. المنقول العرفي: إن كان الناقل هو العرف العام مثل: " الدابة " فإنها اسم لما يدب على الأرض، ثم نقل ذلك العرف العام إلى ذات الحافر. المنقول الاصطلاحي: إن كان الناقل هو العرف الخاص كاصطلاح أهل الأصول مثل: القياس، والقلب، والركن، واصطلاح أهل النحو مثل: الرفع، والنصب.

стр. 1019

هذا إن اشتهر في الثاني وأصبح مهجوراً في الأول. أما إن لم يشتهر في الثاني، ولم يكن مهجوراً في الأول، فإن اللفظ يسمى حقيقة بالنسبة إلى الأول، مجازاً بالنسبة إلى الثاني مثل: " الأسد " بالنسبة إلى الحيوان المفترس، والرجل الشجاع. بيان ما هو نص، وظاهر، ومجمل، ومؤول من الأقسام الأربعة السابقة. اعلم أن الأقسام الثلاثة الأولى - متحد اللفظ والمعنى، ومتكثر اللفظ والمعنى، ومتكثر اللفظ متحد اللفظ - نصوص؛ وذلك لأن لكل واحد منها معنى معيناً متحداً، وهو معنى النص، أو تقول: لاتحاد المعنى بدون احتمال الغير. وأما القسم الرابع - وهو: متحد اللفظ متكثر المعنى - فلا يخلو: إما أن تكون دلالته على كل واحد من معانيه الكثيرة على السوية، فهذا هو: المجمل مثل " القرء " بالنسبة إلى الطهر والحيض. وإن ترجح أحد المعاني دون الأخرى فهذا هو: الظاهر. وهو بالنسبة إلى المعنى الذي هو مرجوح الدلالة: مؤول. وهذا مثل " المنقول "، فإنه بالنسبة إلى المنقول إليه ظاهر، وبالنسبة إلى المنقول عنه مؤول. بيان وجه الاتفاق بين النص والظاهر ووجه الافتراق والقدر المشترك: النص والظاهر يتفقان في رجحان الإفادة، ويفترقان في أن النص ْراجح مانع من الغير -، أما الظاهر فهو راجح لا يمنع من الغير. والقدر المشترك بينهما يُسمَّى بالمحكم، فالمحكم هو: " ما يتضح معناه".

стр. 1020

بيان وجه الاتفاق بين المجمل والمؤول ووجه الافتراق والقدر المشترك: المجمل والمؤول يتفقان في عدم الرجحان، ويفترقان في أن المجمل وإن لم يكن راجحا فهو غير مرجوح، أما المؤول فإنه مع أنه غير راجح فهو مرجوح. والقدر المشترك بينهما يُسمَّى بالمتشابه، فالمتشابه هو: " ما لم يتضح معناه ". إذن: المحكم نوعان: " النص "، و " الظاهر ". والمتشابه نوعان: " المجمل "، و " المؤول ". *** المسألة الخامسة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار حال مدلوله: مدلول اللفظ إما معنى، أو لفظ، والثاني - وهو: اللفظ - ينقسم إلى المفرد، والمركب، وهذا القسمان - وهو المفرد والمركب - ينقسم كل واحد منهما إلى مستعمل ومهمل، فهذه خمسة أقسام، إليك بيانها: القسم الأول: لفظ مدلوله معنى مثل: " الفرس "، فإن مدلوله معنى لا لفظ. القسم الثاني: لفظ مدلوله لفظ مفرد مستعمل مثل: " الكلمة "، فإن مدلولها لفظ مستعمل وهو: الاسم، أو الفعل، أو الحرف مثل: "زيد". القسم الثالث: لفظ مدلوله لفظ مفرد غير مستعمل مثل: أسماء الحروف، أي: حروف التهجي مثل: " ألف "، و " باء "، فإن
следующие страницы →