← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المطلب التاسع في الاستقراء أولاً: حقيقة الاستقراء: وهو لغة: التتبع. وفي الاصطلاح هو: عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات. وقيل: هو: الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته. وقيل: " في أكثر جزئياته "؛ لأن الحكم لو كان في جميع جزئياته لم يكن استقراء، بل يكون قياسا مقسماً. وسمي ذلك استقراء؛ لأن مقدماته لا تحصل إلا بتتبع الجزئيات. ثانيا: أقسام الاستقراء: ينقسم الاستقراء إلى قسمين: القسم الأول: استقراء تام، وهو الذي يشمل جميع الجزئيات، فهذا يفيد اليقين وهو صالح لأن يكون مقدمة من مقدمات البرهان مثل: قولنا: "كل حيوان يموت ". القسم الثاني: استقراء ناقص، وهو الذي يشمل أغلب وأكثر الجزئيات، وهو لا يفيد إلا الظن، وهذا لا يصلح أن يكون من

стр. 107

مقدمات البرهان مثل قولنا: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ؛ لأن الإنسان والبهائم والسباع كذلك. فهذا استقراء ناقص مختل؛ حيث إنه يوجد بعض الجزئيات يكون حكمه مخالفا لما استقرئ وتتبع، فلا يعمه الحكم وهو: التمساح، فإنه يحرك فكه الأعلى عند المضغ.

стр. 108

المطلب العاشر في التمثيل أولاً: بيان حقيقة التمثيل: التمثيل لغة: مصدر مثل الشيء بالشيء إذا شبهه به. وهو في الاصطلاح: إثبات حكم في جزئي معين لوجوده في جزئي آخر لأمر مشترك بينهما. مثل: قولنا: النبيذ حرام كالخمر بجامع الإسكار بينهما. ويسمى الأول فرعاً، والثانى أصلاً، ويسمى الأمر المشترك بينهما جامعاً وعلة. ثانياً: طَرق إثبات علية الأمر المشترك: لإثبات علية الأمر المشترك طرق عند المناطقة، والمشهور منها طريقان: الطريق الأول: الدوران، ويسمى الطرد والعكس، وهو: أن يدور الحكم مع العلَّة والمعنى المشترك وجوداً وعدماً، ففي المثال السابق نقول: إذاً وجد الإسكار في النبيذ فإنه يوجد الحكم وهو التحريم، وإن عدم الإسكار عدم التحريم، وهكذا. الطريق الثاني: السبر والتقسيم وهو: أن يعد ويذكر أوصاف الأصل، وتحصر، ثم يثبت - بعد الاختبار والسبر - أن ما عدا المعنى المشترك غير صالح لاقتضاء الحكم لوجود تلك الأوصاف في محل آخر مع تخلف الحكم عنه، ولا بد في ذلك من استعانة بنص أو إجماع.

стр. 109

فإن كان هذا الحصر والإبطال قطعيين أفاد القطع واليقين، وإن كانا ظنيين أفادا الظن. ثالثاً: حكم التمثيل: التمثيل حُجَّة ظنية عند جمهور المناطقة. وذهب ابن سينا إلى أنه حُجَّة ضعيفة. وهذا ليس بصحيح، فالتمثيل حُجَّة ظنية قوية؛ لأن إفادة الدليل اليقين أو الظن راجعة إلى المقدمات التي تألف منها لا إلى صورته، فالمقدمات إن كانت يقينية أفادت اليقين، وإن كانت المقدمات ظنية أفادت الظن. رابعاً: هل التمثيل هو القياس والشمول أم لا؟ اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن القياس هو التمثيل، وهو مذهب كثير من الأصوليين. المذهب الثاني: أن القياس هو الشمول، وهو مذهب المناطقة. المذهب الثالث: أن كلًّا من التمثيل والشمول يسمى قياساً، ذهب إلى هذا أكثر الفقهاء والمتكلمين. وهو الصحيح؛ لأن قياس الشمول مبناه على اشتراك الأفراد في الحكم وشموله لها، وقياس التمثيل مبناه على اشتراك الأصل والفرع في الحكم. ويمكن رد كل من القياسين إلى الآخر مثل: النبيذ حرام كالخمر بجامع الإسكار، وترده إلى الشمول فتقول: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام ينتج: أن النبيذ حرام.

стр. 110

المبحث الخامس في الألفاظ اللفظ هو: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف. وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: اللفظ المفرد، وهو: الذي لا يدل جزؤه على جزء معناه: إذا جعل علماً للشيء مثل: " زيد "، و " عبد اللَّه " علماً، وهو أنواع كثيرة. القسم الثاني: اللفظ المركب، وهو: الذي يدل جزؤه على جزء معناه مثل: " زيد قائم "، و " قام زيد " و " غلام زيد "، و "الحيوان الناطق "، وهو أنواع أيضا. وسيأتي - إن شاء اللَّه - تفصيل ذلك - في الباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام، فلا داعي لأن أفصل بها هنا مع أن التفصيل فيها في مكانها أولى وأكثر فائدة.

стр. 111

المبحث السادس في المعاني وأقسامها لما بيَّنا اللفظ، شرعنا في ذكر المعاني والنظر فيها، من حيث إنها ثابتة في نفسها، وإن كان يدل عليها بالألفاظ؛ لأنه لا يمكن تعريف المعاني إلا بذكر الألفاظ، فأقول: أولاً: تعريف المعاني: المعاني هي: الصورة الذهنية من حيث إنه وضعت بإزائها الألفاظ والصورة الحاصلة في العقل، فمن حيث إنها تقصد باللفظ سميت معنى. ثانياً: أقسام المعاني باعتبار أسبابها المدركة: المعاني التي ندركها ونحيط بها ثلاثة أقسام، هي كما يلي: القسم الأول: معاني محسوسة، وهي المعاني التي ندركها ونعلمها عن طريق الحواس الخمس، كالألوان، ومعرفة الأشكال، والمقادير، وذلك بحاسة البصر، وكالأصوات بحاسة السمع، وكالطعوم بحاسة الذوق، والروائح بحاسة الشم، والخشونة واللين، والصلابة والبرودة والحرارة والرطوبة واليبوسة بحاسة اللمس. القسم الثاني: معاني متخيَّلة، وهي: القوة تتصرف في الصور المحسوسة والمعاني الجزئية المنتزعة منها. مثاله: أنك لما أبصرت البلح وعرفت أن لونه أحمر بقيت تلك

стр. 112

الصورة في دماغك، كأنك تنظر إليها وإن كان البلح غائباً، فلو ذكر ذلك البلح - فيما بعد - فإنك تستحضر تلك الصورة من ذهنك ودماغك، وتقول: إن لونه أحمر وإن كان غائبا عنك، لأن صورته في دماغك، فإنك تتخيله، لذلك سمي معنى متخيلاً. كذلك لما لمست الثلج لأول مرة ووجدته بارداً، فإنك لو سئلت عنه - فيما بعد - لقلت: إن الثلج بارد وإن كان غائبا عنك، وهكذا. وهذه القوة - وهي قوة التخيل - لا ينفرد بها الإنسان، بل يشترك معه فيها الحيوان. أي: كما أنه يوصف الإنسان بأنه يتخيل الأشياء في الدماغ كذلك البهائم تتخيل ولا فرق، فمثلاً: تجد " الفرس " إذا أكل شعيراً مرة، ثم رآه مرة ثانية في يوم آخر فإنك تجده يتحرك نحوه، ويحاول أن يقترب منه، وذلك لأنه تذكر صورته وطعمه الذي حفظه له دماغه وخياله، فلو كانت الصورة لم تثبت في خياله لما بادر إليه وتحرك نحوه، وكذلك جميع الحيوانات إذا رأت طعامها الذي يقدم إليها، بل إن بعض الحيوانات إذا رأت من يعطيها طعامها المحبب لديها رفعت أصواتها، واقتربت منه، وما ذلك إلا لأنها تخيلت اللذة التي توجد في تلك الأطعمة التي يقدمها لها ذلك الشخص. القسم الثالث: المعاني المعقولة، وهي: التي ندركها عن طريق العقل الذي هو: الآلة التي ندرك بها الأشياء ونميز بعضها عن بعض. والعقل غريزة، وليس مكتسباً، خلقه اللَّه تعالى في الإنسان تشريفاً له يباين ويفارق به البهيمة، ويستعد به لقبول العلم، وتدبير الصنائع الفكرية.

стр. 113

وهذا خاص بالإنسان. والعقل محله القلب وهو: مذهب الإمام مالك، والشافعي، والأطباء، وكثير من العلماء وهو الحق عندي لأمرين: أولهما: قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) فعبَّر - هنا - عن العقل بالقلب؛ لأنه محله. ثانيهما: قوله تعالى: (فتكون لهم قلوب يعقلون بها) ، فلو لم يكن العقل موجوداً في القلب لما وصف بذلك حقيقة؛ لأن الأصل إضافة كل عضو إليه لما يصلح له، فلا يمكن أن توصف الأذن بأنه يشم بها أو يرى بها. وقيل: إن محل العقل هو الدماغ، وهو مذهب أبي حنيفة. وقبل غير ذلك.

стр. 114

المبحث السابع في تأليف مفردات المعاني لما فرغنا من الكلام عن مجرد اللفظ، والكلام عن مجرد المعنى، لا بد من الكلام عن تأليف مفردات المعاني على وجه يتطرق إليه التصديق والتكذيب، كقولنا: " العالَم حادث "، و " زيد ليس بكاتب "، فإن هذا راجع إلى تأليف القوة المفكرة المؤلَّفة بين معرفتين لذاتين مفردتين بنسبة إحداهما إلى الأخرى بنفي أو إثبات. فمثال نسبة المفرد إلى مفرد آخر في الإثبات: " العالَم حادث "، و" زيد كاتب "، ومثال نسبة المفرد إلى مفرد آخر في النفي: "العالَم ليس بقديم "، و " زيد ليس بكاتب ". فعندنا جملة من جزأين، واختلف في تسميتهما على مذاهب: المذهب الأول: أن اسم الأول - وهو زيد - مبتدأ، واسم الآخر - وهو كاتب - خبر، وهذا مذهب النحويين. المذهب الثاني: أن اسم الأول - وهو زيد -: محكوم عليه، واسم الثاني - وهو كاتب -: حكم، وهذا مذهب الفقهاء؛ حيث إن زيداً محكوم عليه بحكم، وهو كونه كاتبا. المذهب الثالث: إن اسم الأول - وهو زيد - موصوف، واسم الثاني - وهو كاتب - صفة، وهذا مذهب المتكلمين، حيث إن زيداً موصوفاً بالكتابة.

стр. 115

المذهب الرابع: أن اسم الأول - وهو زيد - موضوع، واسم الثاني - وهو كاتب - محمول، وهذا اصطلاح المناطقة؛ لأن الأول وضع ليحكم عليه، والثاني سمي محمولاً لحمله على الموضوع. وسمى المجموع من الاسم الأول والثاني: قضية. والقضية قسمان: " قضية شرطية "، و " قضية حملية ". أما القضية الشرطية - وهو القسم الأول - فهي: أن ينحل طرفاها إلى جملتين، لو أزيلت من بينهما أداة الربط في المتصلة، وأداة المناداة في المنفصلة. ويكون الحكم في الشرطية معلقاً نحو: إن كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً. أما القضية الحملية - وهو القسم الثاني - فهي: ما يحكم فيها بثبوت شيء لشيء، أو نفيه عنه نحو: " زيد كاتب "، و " زيد ليس بقائم ". وضابطها: أن ينحل طرفاها إلى مفردين، أو ما في حكم المفردين، ولا يكون الحكم فيها معلقاً على شيء. وأجزاء الحملية ثلاثة: الأول: المحكوم عليه والمسند إليه، ويسمى موضوعا اصطلاحاً؟ لأنه وضع ليحكم عليه. الثاني: المحكوم به، والمسند، وسمّي المحمول اصطلاحاً لحمله على الموضوع. الثالث: النسبة الواقعة بين الموضوع والمحمول، ويسمى اللفظ

стр. 116

الدال عليها رابطة، لدلالته على النسبة الرابطة بين الطرفين، وهذه الرابطة تحذف كثيراً عند العرب. فإن قلت: ما الحمل؟ أقول: الحمل هو: اتحاد المتغايرين مفهوماً بحسب الوجود مثل: " زيد كاتب "، فإن مفهوم " زيد " مغاير لمفهوم " كاتب "، ولكنهما شيء واحد في الوجود. والحمل نوعان: ١ - حمل بالمواطأة، وهو ما كان بلا واسطة مثل: "زيد كاتب ". ٢ - حمل بالاشتقاق، وهو: ما كان بواسطة حروف وهي: "في "، أو " اللام "، أو " ذو "، فتقول: " محمد في الدار "، و" الكتاب محمد "، و " زيد ذو مال ". أقسام القضية الحملية باعتبار الموضوع: تنقسم القضية الحملية بهذا الاعتبار إلى أربع قضايا: الأولى: قضية في عين وهي: المخصوصة، وهي: ما موضوعها جزئي معين، وتسمى شخصية، لأن موضوعها شخصي معين مثل: " زيد عالِم ". الثانية: قضية مطلقة، وتسمى: " مطلقة خاصة "، وتسمى جزئية محصورة، وهي: ما ليس موضوعها جزئياً معينا وبين جزئيته مثل: " بعض الناس عالم ". الثالثة: قضية عامة، وتسمى " قضية كلية "، وتسمى " مطلقة عامة "، وهي: ما ليس موضوعها جزئياً وبيَّن كليته مثل: " كل سواد لون ".

стр. 117

الرابعة: قضية مهملة وهي: ما كان الحكم فيها على الأفراد مع إهمال بيان كمية الأفراد، مثل قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر) . وقد تكلمت عن سبب انحصار القضية الحملية في تلك القضايا الأربع في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " فارجع إليه إن شئت.

стр. 118

الباب الثاني الحكم الشرعي، والتكليف به ويشتمل على الفصول التالية: الفصل الأول: في حقيقة الحكم الشرعي وما يتعلق بها. الفصل الثاني: في الحكم التكليفي وأقسامه. الفصل الثالث: في التكليف وشروطه. الفصل الرابع: في الحكم الوضعي وأنواعه.

стр. 119

الفصل الأول في حقيقة الحكم الشرعي وما يتعلق بها وفيه مباحث: المبحث الأول: في تعريف الحكم الشرعي المبحث الثاني: في إطلاق الحكم الشرعي بين الأصوليين والفقهاء. المبحث الثالث: هل ينقسم الحكم الشرعي إلى قسمين: " تكليفي ووضعي "

стр. 120

المبحث الأول في تعريف الحكم الشرعي أولاً: الحكم لغة هو: القضاء والفصل لمنع العدوان، ومنه قوله تعالى: (لتحكم بين الناس بما أراك الله) ، وقوله: (فاحكم بين الناس بالحق) . يقال: " حكمت عليه بكذا " إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل. وهذا موافق للحكم الشرعي؛ فإنه إذا قيل: " حكم اللَّه في المسألة الوجوب "، فإن المراد من ذلك: أنه سبحانه قضى فيها بالوجوب، ومنع المكلف من مخالفته. ثانياً: الحكم اصطلاحاً هو: خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء، أو التخيير أو الوضع. شرح التعريف: قولنا: " خطاب " الخطاب هو: توجيه اللفظ المفيد إلى الغير، بحيث يسمعه ويفهمه. وقيل: إن الخطاب هو: الكلام المقصود منه إفهام من هو متهيء للفهم.

стр. 121

وهو جنس في التعريف يشمل كل خطاب، سواء كان المخاطِب الله أو غيره. قولنا: " خطاب اللَّه تعالى " إضافة الخطاب إلى اللَّه، أخرج خطاب غيره من الإنس والجن والملائكة، فإن خطاباتهم لا تسمى حكماً؛ حيث لا حكم إلا للشارع. والمراد بخطاب اللَّه تعالى: كلام اللَّه اللفظي، وليس الكلام النفسي؛ لأن الكلام اللفظي هو المبحوث عنه في الأصول إجمالاً، وفي الفقه تفصيلاً. وجميع الأحكام من اللَّه تعالى، سواء كانت ثابتة بالقرآن، أو السُّنَّة، أو الإجماع، أو القياس، أو أي دليل ثبت شرعاً، فإن كل هذه المصادر راجعة - في الحقيقة - إلى اللَّه تعالى. قولنا: " المتعلِّق " أي: المرتبط، والمراد به: الذي من شأنه أن يتعلق، من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه. والمقصود: أنه يشترط في خطاب اللَّه تعالى أن يكون مرتبطاً بفعل من أفعال المكلف على وجه يبين صفة الفعل من كونه مطلوباً فعله كالصلاة، والزكاة، ووجوب الغرامات على المتلف، ونحو ذلك، أو كونه مطلوباً تركه كالزنا والسرقة ونحو ذلك. قولنا: " بفعل " الفعل لغة: ما يقابل القول والاعتقاد والنية. ولكنه في العرف يطلق على كل ما صدر عن المكلف، وتتعلق به قدرته من قول، أو فعل، أو نية، وهو المراد بفعل المكلف هنا. فيكون المقصود بالفعل هنا هو جنس الفعل، سواء كان واحداً، أو متعدداً، ويشمل القلوب والجوارح، سواء منها العبادات، أو المعاملات، أو الأخلاق، فإنها جميعاً تتعلق بها الأحكام الشرعية.

стр. 122

فالفعل هنا عام لأفعال الجوارح كوجوب الصلاة والحج والصوم، ولأفعال اللسان كتحريم النميمة والغيبة، ولأفعال القلوب كوجوب النية والقصد. وقولنا: " بفعل المكلف ": أخرج الأحكام العقائدية، لأن المعرف إنما هو الحكم الشرعي العملي، وليس المعرف مطلق الحكم الشرعي. والمراد بالمكلف هو: البالغ العاقل، غير الملجأ، الذي يفهم الخطاب، ولم يحل دون تكليفه أي حائل. وعبَّرنا بالمكلف، ولم نقل: " بأفعال المكلفين " - كما ذكر ذلك بعض الأصوليين - وذلك ليشمل الأحكام المتعلقة بفعل مكلف واحد خاصة به مثل الأحكام الخاصة بالنبي ﷺ ، كتزويجه بأكثر من أربع، ومثل الحكم الخاص بخزيمة بن ثابت الأنصاري، حيث بيَّن النبي ﷺ أن شهادته تكفي عن شهادة رجلين، ومثل الحكم الخاص بأبي بردة، حيث بيَّن النبي ﷺ أن العناق - وهي الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول - تجزئ في الأضحية عنه ولا تجزئ عن غيره. وقولنا: " بفعل المكلف ": أخرج الخطابات الواردة من اللَّه التي لا تتعلق بفعل المكلف، وهي: ١ - الخطاب المتعلق بذاته سبحانه، كقوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) . ٢ - الخطاب المتعلق بصفته سبحانه، كقوله: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) . ٣ - الخطاب المتعلق بفعله سبحانه، كقوله: (الله خالق كل شيء) .

стр. 123

٤ - الخطاب المتعلق بالجمادات، كقوله: (ويوم نسير الجبال) . ٥ - الخطاب المتعلق بالحيوانات، كقوله: (يا جبال أوبي معه والطير) . ٦ - الخطاب المتعلق بذات المكلفين، كقوله: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) . فهذه خطابات، ولكنها لا تتعلَّق بفعل المكلَّف. قولنا: " بالاقتضاء ": الجار والمجرور هنا متعلقان بقوله: "المتعلِّق ". والاقتضاء هو: الطلب، والطلب قسمان: طلب فعل، وطلب ترك. وكل واحد منهما ينقسم إلى قسمين: " جازم "، و " غير جازم ". فإن كان طلب الفعل طلباً جازماً فهو: الإيجاب. وإن كان طلب الفعل طلباً غير جازم فهو: الندب. وإن كان طلب الترك طلباً جازماً فهو: التحريم. وإن كان طلب الترك طلباً غير جازم فهو: الكراهية. قولنا: " أو التخيير " معناه: استواء الطرفين، أي: لا يوجد فيه طلب فعل، ولاطلب ترك. فعبارة: " بالاقتضاء أو التخيير " شملت الأحكام التكليفية الخمسة - الواجب، والمند وب، والحرام، والكرا هة، والمباح -. وسيأتي بيانها بالتفصيل إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 124

فبان أنه يشترط في خطاب اللَّه المتعلق بالمكلف أن يكون متضمناً لطلب فعل أو ترك، أو فيه تخيير. أما إذا لم يوجد فيه ذلك فليس بحكم شرعي مثل قوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) ، وقوله: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) ، وذلك لأنه لم يفهم منه طلب فعل، ولا طلب ترك من المكلف، ولم يفهم منه - أيضا - تخيير بين فعل وترك، فهو إعلام وإخبار - فقط -. قولنا -: " أو الوضع " الوضع هو: الجعل. وقد وردت لفظة: " أو " للتنويع والتقسيم، والمراد: أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: " حكم تكليفي "، و " حكم وضعي ". أي: أنه أتى بهذه الكلمة - وهي: " أو الوضع " -، لإدخال أقسام خطاب الوضع من السببية، والشرطية، والمانعية، والصحة والفساد، وذلك لأنها أحكام شرعية لم تثبت إلا عن طريق الشرع، وليس فيها طلب ولا تخيير. وعلى هذا: خطاب الشرع إما أن يكون متعلقا بالاقتضاء أو التخيير، أو لا يكون. فإن كان متعلقاً بأحدهما: فهو الحكم التكليفي. وإن لم يتعلق بواحد منهما فهو الحكم الوضعي.

стр. 125

المبحث الثاني في إطلاق الحكم الشرعي بين الأصوليين والفقهاء لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الحكم الشرعي هو: خطاب اللَّه - تعالى - المتعلق بفعل المكلف اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً. وهذا مذهب الأصوليين - كما سبق بيانه -. والأصوليون وإن اختلفوا في تعريفاتهم، فإنهم يجتمعون على شيء واحد وهو: كون الحكم عَلَماً على نفس خطاب الشارع الذي يطلب من المكلف فعل شيء، أو كفه عنه، أو يخيره بينهما، ويجعل الشيء سبباً، أو شرطاً، أو مانعاً، أو صحة، أو فاسداً، ونحو ذلك مما يدخل تحت خطاب الوضع. فالإيجاب هو نفس قوله: " افعل " مثل قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) ، والتحريم هو نفس قوله: " لا تفعل " مثل قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق) . فالأصوليون نظروا إلى ذات الحكم، وهو خطاب الشرع بالتحريم، أو الإيجاب، أو الندب، أو الكراهة، أو الإباحة. المذهب الثاني: أن الحكم الشرعي هو: ما ثبت بالخطاب الشرعي، أي: أثره المترتب عليه، لا نفس النص الشرعي، وهو مذهب الفقهاء.

стр. 126

فالحكم عند هؤلاء هو: أثر خطاب اللَّه المتعلق بفعل المكلف اقتضاء، أو تخييراً، أو وضعاً. فالفقهاء نظروا إليه من ناحية تعلقه بفعل المكلف. فمثلاً: وجوب الصلاة أثر لخطاب الشارع، وهو قوله تعالى: (أقيموا الصلاة) ، وحرمة الزنا أثر ترتب على قوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) . فالوجوب والحرمة ونحوهما هو: الحكم عند الفقهاء، وهو: ما ثبت بالخطاب واقتضاء النص. بيان نوع الخلاف: الخلاف بين الأصوليين والفقهاء خلاف لفظي، حيث إنه راجع إلى تفسير وبيان المراد من الحكم الشرعي والنظر إليه. فمن نظر إلى الحكم الشرعي على أنه له مصدر يصدر عنه، وهو الله تعالى: عرَّفه بأنه خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع، وهو مذهب الأصوليين. ومن نظر إلى الحكم الشرعي على أن له محلاً يتعلق به، وهي الأفعال التي تصدر من المكلفين، ويكون الحكم وصفاً شرعياً عرَّفه بأنه: ما ثبت بالخطاب الشرعي، أو الصفة التي هي أثر ذلك الخطاب من الشارع، وهو مذهب الفقهاء. فالخطاب وما ترتب عليه متلازمان.

стр. 127

المبحث الثالث هل ينقسم الحكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي ؟ لقد اختلف العلماء على مذهبين: المذهب الأول: أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين هما: "حكم تكليفي "، و " حكم وضعي ". ذهب إلى ذلك كثير من الأصوليين. وهو الصحيح عندي، لذلك عرَّفنا الحكم الشرعي بما يعم القسمين فقلنا: " هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً، وبيَّنا أثناء شرحنا للتعريف أن أنواع الحكم الوضعي كالسببية، والشرطية، والمانعية - وغيرها مما سيأتي ذكره - لم تستفد إلا من الشرع، لذلك كانت أحكاماً شرعية، ولا يوجد فيها طلب ولا تخيير، فلزم ذكر قيد: " أو الوضع "، ليكون التعريف شاملاً لجميع أفراد المحدود. المذهب الثاني: أن الحكم الشرعي قسم واحد هو: الحكم التكليفي. ذهب إلى ذلك بعض العلماء كالبيضاوي وغيره. دليل هذا المذهب: استدل هؤلاء على ذلك بقولهم: إنه لا معنى لموجبية الدلوك - مثلاً - إلا طلب الفعل عنده، ولا معنى لمانعية الحيض إلا حرمة الصلاة معه، ولا معنى لصحة البيع إلا إباحة الانتفاع بالمبيع، فتكون أنواع خطاب الوضع داخلة تحت الاقتضاء والتخيير. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأمرين:

стр. 128

أولهما: أن المفهوم من الحكم الوضعي غير المفهوم من الحكم التكليفي. فالمفهوم من الحكم الوضعي هو: تعلُّق شيء بشيء آخر، وربطه به، مثل: الربط بين الوجوب على الشخص وبين الوقت، فيكون دخول الوقت سبباً لوجوب الصلاة على هذا الشخص. وهذا بخلاف المفهوم من الحكم التكليفي، فهما مفهومان متغايران. ثانيهما: أن لزوم أحدهما للآخر في بعض الصور لا يدل على اتحادهما في جميع الصور بدليل الفروق التي أوجدها بعض العلماء بين الحكم التكليفي والوضعي، وسأذكرها فيما بعد بالتفصيل إن شاء اللَّه. بيان نوع الخلاف: الخلاف بين المذهبين خلاف لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على إقرار الأحكام الوضعية كالسبب والشرط والمانع وغيرها - مما سيأتي - ولم ينكرها أحد من الفريقين؛ حيث إنها أحكام شرعية متعارف عليها؛ لأنها لم تصح إلا بوضع الشارع لها، مثلها مثل الأحكام التكليفية ولا فرق بينها، لكن أصحاب المذهب الثاني أدخلوها ضمن الحكم التكليفي، وأصحاب المذهب الأول أفردوها بالذكر. والخلاصة: أن الحكم الشرعي يتنوع إلى نوعين هما: النوع الأول: الحكم التكليفي، وهو: خطاب اللَّه - تعالى - المتعلِّق بفعل المكلف بالاقتضاء والتخيير. النوع الثاني: الحكم الوضعي، وهو: خطاب اللَّه المتعلِّق بجعل شيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه ... إلخ. وسيأتي بيان أقسام كل واحد من النوعين إن شاء اللَّه.

стр. 129

الفصل الثاني في الحكم التكليفي وأنواعه ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأول: في اختلاف العلماء في التعبير عن أقسام الحكم التكليفي. المبحث الثاني: في بيان السبب في انحصار الحكم التكليفي في أقسام خمسة. المبحث الثالث: في بيان الحكمة من تنوع الأحكام التكليفية. البحث الرابع: في أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية. البحث الخامس: في بيان الأحكام التكليفية الخمسة عند الجمهور بالتفصيل.

стр. 130

المبحث الأول في اختلاف العلماء في التعبير عن أقسام الحكم التكليفي أقسام الحكم التكليفي عند الجمهور خمسة، واختلف العلماء في التعبير عنها على مذهبين: المذهب الأول: أنه يُعبَّر عن أقسام الحكم التكليفي بـ "الوجوب "، و" الندب "، و " الإباحة "، و " التحريم "، و " الكراهة ". المذهب الثاني: أنه يُعبَّر عن تلك الأقسام بـ " الواجب "، و" المندوب "، و " المباح "، و " الحرام "، و " المكروه ". والأوْلى في التعبير هو الأول؛ وذلك لأن " الواجب " - مثلاً - ليس حكماً، وإنما هو فعل مكلف تعلق به الإيجاب، فهو من متعلقات الحكم وليس من أقسامه. كذلك المندوب ليس حكماً، وإنما هو فعل مكلَّف تعلَّق به الندب فهو من متعلقات الحكم، وليس من أقسامه. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي؛ لاتفاق الفريقين على المعنى والمراد، ولكن جاء هذا الاختلاف في الإطلاق بسبب ما لاحظه كل فريق. فمن لاحظ اعتبار المصدر المنبثق عنه: سمَّاه " إيجابا ".

стр. 131

ومن لاحظ اعتبار تعلقه بفعل المكلف: سمَّاه " واجباً ". فهما متحدان ذاتاً، مختلفان اعتباراً. فالفعل الذي تعلق به الإيجاب يسمَّى واجباً. والفعل الذي تعلق به الندب يسمَّى مندوباً. والفعل الذي تعلقت به الإباحة يسمَّى مباحاً. والفعل الذي تعلقت به الكراهة يُسمَّى مكروهاً. والفعل الذي تعلق به التحريم يسمَّى حراماً. قال عضد الدين: " الحكم الشرعي هو نفس خطاب اللَّه - تعالى - وهو إذا نُسب إلى الحكم سُمِّي إيجابا، وإذا نُسب إلى ما فيه الحكم سُمَي وجوباً، وهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار ".

стр. 132

المبحث الثاني في بيان سبب انحصار الحكم التكليفي في أقسام خمسة عند الجمهور السبب في ذلك أن خطاب الشرع التكليفي يتنوع إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن يكون خطاب الشرع قد اقتضى الفعل من المكلف وطلبه منه. النوع الثاني: أن يكون خطاب الشرع قد اقتضى الترك من المكلف وطلبه منه. النوع الثالث: أن يكون خطاب الشرع قد خيَّر المكلف بين الفعل والترك. أما النوع الأول: وهو اقتضاء الفعل - فهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما أمر الشارع به واقترن بهذا الأمر ما يدل على عدم العقاب إذا ترك المكلف فعل المأمور به، فهذا هو الندب، كقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) ، فهذا أمر بإعتاق العبيد الذين فيهم خير للإسلام والمسلمين، وهو للندب، لا للوجوب؟ لأنه اقترن به ما يدل على عدم العقاب على ترك الإعتاق، حيث، إن بعض الصحابة ﵃ لم يعتقوا ما عندهم من عبيد وإن كان فيهم صلاح، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك فالقرينة الصارفة هي: السُّنَّة التقريرية. القسم الثاني: ما أمر الشارع به، ولم يقترن بهذا الأمر ما يدل

стр. 133

على عدم العقاب إذا ترك المكلف فعل المأمور به، فهذا هو الإيجاب كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) . أما النوع الثاني - وهو اقتضاء الترك - فهو ينقسم إلى قسمين - أيضاً -: القسم الأول: ما نهى عنه الشارع واقترن بهذا النهي ما يدل على عدم العقاب إذا فعل المكلف ما نهي عنه، فهذا هو الكراهة مثل نهيه ﷺ عن تشبيك الأصابع بعد الوضوء للصلاة. فهذا - النهي للكراهة؛ لأنه اقترن به ما يدل على عدم العقاب إذا فعل المنهي عليه؛ حيث روي: أن النبي ﷺ قد شبَّك بين أصابعه وهو في انتظار الصلاة. القسم الثاني: ما نهى عنه الشارع ولم يقترن بهذا النهي ما يدل على عدم العقاب إذا فعل المكلف ما نهي عنه، فهذا هو " الحرام " كقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) . أما النوع الثالث - وهو: ما خُيَر المكلف فيه بين الفعل والترك - فهذا قسم واحد، وهو: " الإباحة "، مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال - حينما سئل عن الوضوء من لحوم الغنم -: " إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ ".

стр. 134

المبحث الثالت في بيان الحكمة من تنوع الأحكام التكليفية إلى واجب ومندوب، ومباح، ومكروه، وحرام لقد تنوعت الأحكام التكليفية لحكم كثيرة، ومنها: الحكمة الأولى: رفع الحرج والشقة عن المكلفين، بيان ذلك: أن الأحكام التكليفية وضعت لمصلحة العباد، فلو قصر تلك لتكاليف على الوجوب والتحريم - فقط - للزم من ذلك الحرج والتضييق عليهم، فبعض العبيد قد لا يستطيع امتثال جميع الأوامر والنواهي، ففتح اللَّه باب المباحات، والمندوبات، والمكروهات، تخفيفاً عليهم، وذلك لعلمه - سبحانه - أن العبد فيه ضعف من فعل الواجبات، وترك المحرمات. الحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان من اللَّه تعالى للمكلفين، وبيان ذلك: أن امتثال الواجبات، واجتناب الحرمات أقرب إلى النفس الضعيفة التي تخاف العقاب، دون رغبة في زيادة الثواب. لكن إذا قوي إيمان العبد، وعرف أن هذه الأحكام التكليفية - جميعها - إنما شرعت لمصلحته، وهي السبيل لسعادته في الدنيا والآخرة، فإنه لا يرضى أن يقف عند حدود الواجب، بل يتعداه إلى فعل المندوبات والفضائل، ليتقرب إلى اللَّه تعالى بذلك، كما ورد في الحديث القدسي: " وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه.. "، وكذلك لا يرضى هذا العبد أن يقتصر على اجتناب المحرمات، بل يتعدَّى ذلك فيجتنب المكروهات.

стр. 135

المبحث الرابع في أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية ما سبق هي أقسام الحكم التكليفي عند الجمهور. أما عند الحنفية، فإن أقسام الحكم التكليفي عندهم سبعة، وهي: " الفرض "، و " الإيجاب "، و " الكراهة التحريمية "، و " الحرام " و" الكراهة التنزيهية "، و " الندب "، و " الإباحة ". وسبب تفريقهم بين " الفرض " و " الإيجاب ": أنهم يقسمون طلب الفعل على سبيل الجزم إلى قسمين: الأول: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي، وهذا يسمونه " فرضا ". الثاني: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا يسمونه " الواجب ". وسبب تفريقهم بين " الحرام "، و " الكراهة التحريمية ": أنهم يقسمون طلب الترك على سبيل الجزم إلى قسمين: الأول: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي، وهذا يسمونه حراما. الثاني: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا يسمونه " كراهة تحريم ".

стр. 136

المبحث الخامس في بيان الأحكام التكليفية الخمسة عند الجمهور بالتفصيل ويشتمل على خمسة مطالب: المطلب الأول: في الواجب. المطلب الثاني: في المندوب. المطلب الثالث: في المباح. المطلب الرابع: في المكروه. المطلب الخامس: في الحرام.

стр. 137

المطلب الأول في الواجب ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: تعريف الواجب: أولاً: الواجب لغة. ثانياً: الواجب اصطلاحاً. المسألة الثانية: هل يوجد فرق بين الواجب والفرض؟ المسألة الثالثة: صيغ الواجب. المسألة الرابعة: تقسيمات الواجب. المسألة اتامسة: الواجب المعين والواجب المخير: أولاً: تعريفهما والأمثلة عليهما، وبيان حكمهما. ثانياً: هل الخطاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم، أو أنه متعلق بكل فرد من الأفراد المخير بينها؟ ثالثاً: شروط الواجب المخير. رابعا: هل يجوز الجمع بين الأمور المخير بينها؟ المسألة السادسة: الواجب غير المؤقت: أولاً: بيانه والأمثلة عليه. ثانية: متى يتضيق الوقت في هذا الواجب؟ ثالثا: هل يعصي بالموت - هنا -.

стр. 138

المسألة السابعة: الواجب المضيق والواجب الموسع: أولاً: أقسام الوقت الذي حدده الشارع. ثانياً: تعريف الواجب المضيق، والواجب الموسع مع الأمثلة عليهما. تالثاً: الواجب الموسع هل هو ثابت. رابعاً: في بيان فرق منكري الواجب الموسع ودليل كل فرقة مع الجواب عنه. خامساً: الاختلاف في اشتراط العزم. سادساً: حالات تأخير الواجب الموسع إلى آخر وقته. سابعاً: إذا فعل المكلف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يعيش إليه، فهل هذا الفعل أداء أو قضاء. ثامناً: متى يتضيق الوقت في الواجب الموسع؟ المسألة الثامنة: الواجب المحدد، والواجب غير المحدد: أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وحكمهما. ثانياً: حكم الزيادة على أقل الواجب. المسألة التاسعة: الواجب العيني، والواجب الكفائي: أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وسبب التسمية بذلك. ثانياً: متى يتحول الواجب الكفائي إلى واجب عيني؟ تالقاً: شروط فرض الكفاية. رابعاً: هل فرض الكفاية أفضل من فرض العين؟ خامساً: في بيان أن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه. سادساً: من هو المخاطب بفرض الكفاية؟ المسألة العاشرة: ما لا يتم الواجب إلا به، هل هو واجب.

стр. 139

المسألة الأولى: في حقيقة الواجب: أولاً: الواجب لغة: الواجب لغة هو: الساقط، يقال: " وجب الحائط ": إذا سقط ويقال: " وجب الميت " إذا سقط ومات، ومنه قوله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها) أي: سقطت على الأرض. ومعنى الوجوب لغة: السقوط، حيث إنا نتخيل الحكم أو الشيء الواجب جزماً سقط، أي: وقع على المكلف من اللَّه تعالى. ويطلق الواجب على اللازم والثابت، يقال: " وجب الشيء " أي: لزم. ثانياً: الواجب اصطلاحا: هو: " ما ذُمَ تاركه شرعاً مطلقاً ". شرح التعريف وبيان محترازته: قولنا: " ما " موصولة بمعنى " الذي "، وهو صفة لموصوف محذوف تقديره " الفعل "، لأن الواجب هو: الفعل الذي تعلق به الإيجاب، والمقصود: " فعل المكلف ". و" ما " التي تعود إلى " فعل المكلف " جنس في التعريف يشمل الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح. قولنا: " ذم " الذام هو الشارع، والمراد بالذم: اللوم والاستنقاص. وهو قيد في التعريف أخرج المندوب، لأن المندوب لا ذم على تركه.

стр. 140

وأخرج المكروه، لأن المكروه لا ذم على فعله، وأخرج المباح، لأن المباح لا ذم على تركه، ولا على فعله. وعبَّرنا بلفظ: " ذم " - على أنه فعل ماض -، لأن هذه المذام قد وقعت، ووردت فى الكتاب والسُّنَّة. ولو ذكرنا اللفظة " ذم " بلفظ " يُذَم " - فعل مضارع - لأشعر بأن تلك المذام لم تقع. قولنا: " تاركه " اسم فاعل مشتق من الترك، وقد أخرج بهذا اللفظ " المحرم "، لأن المحرم يذم على فعله، لا على تركه. قولنا: " شرعاً " منصوب على التمييز، فيفيد أن الذام هو الشارع فقط، أي: أن الذم يعرف من جهة الشرع، لا من جهة العقل، خلافاً لما زعمه أكثر المعتزلة في قولهم: " التحسين والتقبيح العقليين ". والمراد: ما ورد ذمه في كتاب اللَّه، وسُنَّة رسوله، وإجماع الأُمَّة. قولنا: " مطلقا ": قيد في التعريف يفيد أن الذي يترك الواجب مطلقاً هو الذي يذم. أما من تركه؛ لأنه سيقضيه في آخر الوقت، أو من تركه ليقضي نوعا آخر مثله، أو من تركه، لأن بعض المسلمين فعله، فإن هذا لا يذم. وقلت ذلك؛ لأن من أقسام الواجب: " الواجب الموسع "، و"الواجب المخير "، و " الواجب الكفائي ". فالواجب الموسع هو: ما كان فيه الوقت أزيد من الفعل كالصلاة.

стр. 141

والواجب المخير هو: ما صح للمكلف أن يفعل أي فرد من أفراده التي حصل فيها التخيير كخصال الكفارة في اليمين وهي: الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق. والواجب الكفائي هو: ما سقط بفعل بعض المكلفين كصلاة الجنازة. فترك الواجب الموسع يوجب الذم إذا ترك في جميع الوقت، ولا يوجب الذم إذا ترك في بعض الوقت، وعزم على فعله في آخر وترك الواجب المخير يوجب الذم، إذا ترك جميع الخصال، ولا يوجب الذم إذا ترك خصلة من الخصال المخير بينها، وعزم على فعل الخصلة الأخرى. وترك الواجب الكفائي يوجب الذم إذا تركه جميع المكلفين. ولا يوجب الذم إذا ترك من البعض وفعل من البعض الآخر. وهناك تفصيلات واعتراضات على هذا التعريف ذكرتها مع الأجوبة عنها في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، و" الواجب الموسع عند الأصوليين " فراجعهما إن شئت. المسألة الثانية: هل يوجد فرق بين " الواجب " و " الفرض "؟ اتفق العلماء - من حيث اللغة - على: أن مفهوم هذين اللفظين - الفرض والواجب - مختلف، ومعناهما متباين: فالفرض لغة: التقدير والحز والقطع. والواجب لغة: الساقط، والثابت.

стр. 142

أما من جهة الشرع، فقد اختلف العلماء في الفرض والواجب هل هما مترادفان، أو مختلفان على مذهبين: المذهب الأول: أن الفرض والواجب غير مترادفين، بل يدلان على معنيين مختلفين. ذهب إلى ذلك الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وأبي إسحاق بن شاقلا، والحلواني، وحكاه ابن عقيل عن كثير من الحنابلة. وهذا هو الصحيح عندي فيكون الفرض: اسم لما ثبت وجوبه بطريق مقطوع به، أي: أن الفرض: ما ثبت حكمه بدليل قطعي مثل: الآية التي قطع بدلالتها على الحكم، والحديث المتواتر الذي قطع بدلالته على الحكم، والإجماع الصريح الذي نقل إلينا نقلاً متواتراً. والواجب هو: اسم لما ثبت من طريق غير مقطوع به، أي: أن الواجب: ما ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد، والقياس، والإجماع السكوتي،. ودلالات الألفاظ الظنية. وقد صححته؛ لأدلة، من أهمها: الدليل الأول: أن هناك فرقا بين الفرض والواجب عند أهل اللغة. فالفرض في اللغة: الحز في الشيء والتأثير فيه. أما الوجوب فهو في اللغة: السقوط. فإذا ثبت هذا: فالتأثير آكد من السقوط؛ لأن الشيء قد يسقط ولا يؤثر. فكل من الفرض والواجب لازم، إلا أن تأثير الفرضية أكثر من

стр. 143

تأثير الوجوب، ومنه سمي الحز في الخشبة فرضاً لبقاء أثره على كل حال، وسمي السقوط على الأرض وجوباً؛ لأنه قد لا يبقى أثره في الباقي. وإذا كان الأمر كذلك: وجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم كما اختص بقوة في اللغة؛ حملاً للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير. الدليل الثاني: أن العلماء قد اتفقوا على أن الدليل القطعي ثبوتاً، ودلالة يفيد علماً أقوى مما يفيده الدليل الظني ثبوتاً ودلالة، وبناء على ذلك لا بد من التفريق بين الحكم الثابت بدليل قطعي، لإفادته علماً يقينياً، وبين الثابت بدليل ظني المفيد ظناً قوياً، فيطلق على الثابت بالأول اسم " الفرض "، ويطلق على الثابت بالثاني اسم "الواجب " وذلك من أجل تسهيل التمييز بينهما لتصبح دلالة كل اسم على نوعه أدق وأوضح دون حاجة إلى قرائن. ولو لم يعتبر هذا التفريق لزم رفع الدليل المظنون إلى رتبة المقطوع من جهة، وحط الدليل المقطوع به إلى رتبة المظنون من جهة أخرى. الدليل الثالث: أن وجود التفاوت بينهما في الآثار والأحكام يجعلنا نخص كل نوع باسم، بيان ذلك: أن حكم الفرض يكفر جاحده، ويفسق تاركه بلا عذر. أما حكم الواجب فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا استخف به أما إذا تأول فلا. وإن الحج يشتمل على فروض، وواجبات، وأن الفرض لا يتم النسك إلا به، والواجب يجبر بدم.

стр. 144

وأن الصلاة مشتملة على فروض وواجبات، والفروض هي: الأركان. وأن الواجب يجبر إذا ترك نسياناً بسجود السهو، والفرض لا يقبل الجبر.. أي: أن المكلف إذا ترك فرضاً كالركوع أو السجود بطلت صلاته، ولا يسقط في عمد ولا سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا ترك واجباً فإن صلاته صحيحة، ولكنها ناقصة. الدليل الرابع: أن هناك فرقاً بين الفرض والواجب في عادة أهل الشرع، فتجدهم يفرقون بين الفرض والواجب في التعبير عن الأحكام الشرعية، فيقولون - مثلاً -: في الديون والشفعة: واجبات، ولا يقولون: إنها فروض، وبقول القائل منهم: "أوجبت على نفسي "، ولا يقول: " فرضت على نفسي "، فبان: أن معنى اللفظين مختلف في عادة أهل الشرع. الدليل الخامس: أن هناك فرقاً بينهما عن طريق العقل، حيث إن كل عاقل يجد في عقله أن صلاة الظهر آكد من الصلاة المنذورة، والزكاة آكد من النذر في الصدقة، وإن كانتا لازمتين. وإذا كانت هذه الأمور يجدها كل عاقل في نفسه، فإنه ينبغي أن يفرق ما هو آكد عما هو دونه باسم يعرف به، فيجعل اسم الفرض عبارة عما كان في أعلى المراتب من الوجوب، ويجعل اسم الواجب عبارة عما كان دونه، فرقاً بين الاثنين. المذهب الثاني: أن الفرض والواجب مترادفان، أي: أنهما اسمان لمسمى واحد، ولفظان يطلقان على مدلول واحد، وهو: الفعل الذي ذم تاركه شرعاً مطلقاً، أو هو: طلب الشارع المقتضي

стр. 145

فعل المكلف طلباً جازماً، سواء كان هذا الطلب بدليل ظني، أو قطعي. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قالوا فيه: إن اختلاف أسباب الوجوب، وقوة بعضها على بعض لا يوجب اختلاف الشيئين في أنفسهما، بدليل: أن النفل قد ثبت بأخبار متواترة، وثبت بأخبار الآحاد، والكل متساو، فكذلك الفرض قد ثبت بأخبار متواترة، وأخبار آحاد، والكل متساو. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن قوة بعض أسباب الوجوب على بعضها الآخر توجب اختلافهما في أنفسهما؛ لأن ما كان معلوماً أنه مراد اللَّه - تعالى - قطعاً، فإنه مخالف لما كان مظنوناً، وكذلك ما يكفر جاحده مخالف لما لا يستحق هذه الصفة، ومتى ما اختلفت الأشياء في أنفسها وأحكامها اختلفت الأسامي التي تستعمل فيها، لاختلاف ما يستفاد بالعبارة منها. الدليل الثاني: أنهما متساويان في الحد؛ حيث إن حد الواجب - وهو: ما ذم تاركه شرعاً مطلقاً - ينطبق على الفرض تماماً، ولا فرق، فإذا كانا متساويين في هذا لم يكن لأحدهما مزية على الآخر، كما أن الندب والنفل لما كان معناهما واحداً - وهو: ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه - لم يكن لأحدهما مزية على الآخر. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الفرض وإن ساوى
следующие страницы →