Полный текст (2 303 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وأما الضرب الثاني وهو التصديق فهو: علم نسبة المفردات
بعضها إلى بعض بالنفي، أو الإثبات، فمثال نسبة مفرد إلى مفرد
آخر بالنفي قولك: " الجسم ليس بمتحرك "، و " العالم ليس
بحادث ".
ومثال نسبة مفرد إلى مفرد آخر بالإثبات قولك: " الجسم متحرك "
وقولك: " العالم حادث " و " زيد كاتب ".
وهذا يمكن أن يتطرق إليه التصديق والتكذيب؛ لأن فيه نسبة شيء
إلى شيء آخر، وهذا لا يكون إلا من مفردين، فيكون الأول وصفا
والآخر موصوفاً، فإذا نسب الوصف إلى الموصوف بإثبات أو نفي،
كأن تقول: " العالم حادث "، و " الجسم متحرك "، أو تقول:
"العالم ليس بحادث "، فإن هذا قابل للصدق والكذب.
أي: أن هذه النسبة قد تكون صحيحة، فيكون صادقا، وقد
تكون غير صحيحة فيكون كاذبا.
والتصديق هو: إدراك نسبة حكمية بين الحقائق بالإيجاب أو النفي.
وهذه تسمية أهل المنطق، لذلك عرَّفه ابن رشد بأنه: " العلم بأن
الشيء موجود أو غير موجود ".
وسمي تصديقاً؛ لأن فيه حكماً قد يصدق فيه، أو يكذب.
فإن قلت: لماذا سموه بالتصديق مع احتمال الكذب؟
قلت: سمي بأشرف لازمي الحكم في النسبة.
ويسميه النحاة: " جملة ".
وكل علم يتطرق إليه التصديق، فمن ضرورته ولازمه أن يتقدم
عليه معرفتان:
стр. 72
الأولى: معرفة المفرد - فقط - وهو معرفة البسيط - مثل:
" العالم "، و " الحادث ".
الثانية: معرفة نسبة ذلك المفرد إلى مفرد آخر - وهو معرفة
المركب - مثل: " العالم حادث ".
فلا يمكن للشخص أن يعرف المركب من مفردين إلا إذا عرف
المفردين واحداً واحداً، فمن لا يفهم معنى " العالم " بمفرده
ويتصوره، ولا يعرف معنى " الحادث " بمفرده ويتصوره، فكيف
يعرف أن " العالم حادث "؟
فكل تصديق متضمن لعدة تصورات: تصوُّر المحكوم عليه،
وتصوُّر المحكوم به، وتصوّر نسبة أحدهما إلى الآخر، فالحكم
يكون تصوراً رابعاً، لأنه تصور تلك النسبة هل هي موجبة أو
تصورها منفية.
فمثلاً: إذا قلنا: " زيد قائم "، فقد اشتمل قولنا هذا على
تصورات أربعة:
١ - تصوُّر المو ضوع وهو " زيد ".
٢ - تصوُّر المحمول وهو " قائم ".
٣ - تصور النسبة بينهما وهو " تعلق المحمول بالموضوع " أي:
تصور قيام زيد.
٤ - تصور وقوع القيام من زيد.
فالتصديق هو: التصوُّرات الأربعة عند الرازي، وعلى هذا يكون
التصديق مركباً من الحكم والتصورات الثلاث باعتبارها أجزاء له.
стр. 73
أما عند الحكماء، فإن التصور الرابع يسمى تصديقا، والثلاثة
قبله شروط له.
أقسام التصديق:
كما انقسم التصوُّر إلى قسمين: أَوَّلي، ومطلوب، كذلك
التصديق وهو معرفة وإدراك نسبة المفردات بعضها إلى بعض - ينقسم
إلى قسمين:
القسم الأول: أوَّلي: وهو الذي يفهم معناه من غير نظر ولا
بحث، وهو المُسمَّى بـ " الضروري "، وهو ما يدركه الإنسان
بالضرورة بدون تأمل وطلب مثل: إدراك وقوع النسبة في قولنا:
"الخمسة نصف العشرة "، و " الواحد نصف الاثنين "، و " السماء
فوقنا "، و " النار محرقة "، و " الثلج بارد "، ونحو ذلك مما
يتوصل إليه الإنسان بدون أي تفكير.
القسم الثاني: مطلوب، وهو الذي لا يفهم معناه، ولا يدرك
إلا ببحث وطلب واستدلال، وهو المُسمَّى بـ " النظري "، أي:
الذي يحتاج إلى نظر وتأمل وتفكير، مثل: إدراك وقوع النسبة في
قولنا: " الواحد نصف سدس الاثني عشر "، وإدراك النسبة في
قولنا: " العالم حادث "، ونحو ذلك مما لا يتوصل إليه الشخص
إلا بعد تفكير دقيق وتأمل طويل.
стр. 74
المبحث الثاني في بيان كيف أن الحد والبرهان هما الآلة التي بها تدرك العلوم
لقد علمنا في المبحث الأول أن إدراك العلوم على ضربين:
التصوُّر وهو: إدراك المفردات، والتصديق وهو: إدراك النسبة بين
تلك المفردات.
وعلمنا - أيضاً - أن كلًّا منهما ينقسم إلى أوَّلي، ومطلوب.
إذا علمت ذلك فاعلم أن المطلوب، وهو الذي لا يعرف إلا
بطلب وبحث ونظر من التصوُّر لا يمكن أن يعرف ويفهم إلا بالحد.
وكذا المطلوب من التصديق لا يمكن أن يفهم إلا بالبرهان.
فالحد والبرهان هما الالة التي بها تفهم وتدرك سائر العلوم
المطلوبة.
فمثال التصوُّر: أن يسمع الإنسان اسما لا يفهم معناه، كمن
قال: " ما العقار؟ "، فتقول له: هو الخمر، فإن لم يفهمه باسمه
يفهم بحده، فيقال له: " الخمر هو: شراب معتصر من العنب
مسكر "، فيحصل بذلك علم تصوري بذات الخمر.
ومثال التصديق: أن يجهل الإنسان أن للعالم صانعا، فيقول:
هل للعالم صانع؛ فتقول له: نعم للعالَم صانع، وتُبيِّن ذلك
بالحُجة والبرهان والأدلة التي لا تقبل الشك.
ولذلك كان لا بد من بيان الحد وما يتعلق به، والبرهان وما يتعلق
به في المباحث التالية.
стр. 75
المبحث الثالث في الحد وأقسامه
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الحد لغة واصطلاحا، وبيان أقسامه.
المطلب الثاني: الحد الحقيقي وشروطه، وأقسامه.
المطلب الثالث: الحد الرسمي وشروطه، وأقسامه.
المطلب الرابع: الحد اللفظي وشروطه.
стр. 76
المطلب الأول في تعريف الحد، وبيان أقسامه، وسبب ذلك
أولاً: الحد لغة هو:
المنع، ومنه سمي البواب حداداً؛ لأنه يمنع من دخول الدار،
وسميت بعض العقوبات حدوداً؛ لأنها تمنع من العود إلى المعصية،
وسمي التعريف حداً؛ لأنه يمنع غير أفراد المعرف من الدخول،
ويمنع أفراد المعرف من الخروج.
ثانيا: الحد اصطلاحا:
هو الوصف المحيط: لموصوفه المميز له عن غيره.
ففائدة الحد هي: التمييز بين المحدود وبين غيره.
ثالثا: أقسام الحد:
ينقسم الحد إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الحد الحقيقي.
القسم الثاني: الحد الرسمي.
القسم الثالث: الحد اللفظي.
رابعا: سبب هذا التقسيم:
السبب في هذا التقسيم: أنه إما أن يكون الحد بحسب اللفظ، أو
بحسب المعنى.
стр. 77
أما الأول - وهو: الحد بحسب اللفظ - فهو الحد اللفظي.
وأما الثاني - وهو: الحد بحسب المعنى - فلا يخلو:
إما أن يكون الحد مشتملاً على جميع الذاتيات أو لا.
فإن اشتمل على جميع الذاتيات فهو الحد الحقيقي؛ حيث إنه يفيد
جميع حقائق الذاتيات.
وإن لم يشتمل على ذلك: فهو الحد الرسمي.
وسيأتي بيان كل حد وشروطه بالتفصيل إن شاء اللَّه.
стр. 78
المطلب الثاني في الحد الحقيقي وشروطه وأقسامه
أولاً: تعريف الحد الحقيقي:
الحد الحقيقي هو: هو الذي ينبى عن جميع ذاتياته الكلية المركبة.
شرح التعريف:
معنى هذا الحد: أن الحد الحقيقي معرِّف دال على جميع الذاتيات
الكلية.
فقوله: "هو الذي ينبى" جنس في التعريف يشمل الحقيقي وغيره.
وقوله: " جميع ذاتياته ": أخرج التعريف بالعرضيات، وببعض
الذاتيات.
وقوله: " الكلية ": أخرج العينات والمشخصات، حيث إنها
ذاتية للشخص من حيث هو شخص، لكن لا يحد بها؛ لأن الحد
للكليات، لا للمشخصات.
وقوله: " المركبة ": أخرج الذاتيات التي لم يعتبر تركيبها على
وجه تحصل لها صورة وحدانية مطابقة للمحدود، فإنها لا تسمى
حداً حقيقياً.
ولا يورد في الحد الحقيقي إلا الصفات الذاتية، دون الصفات
اللازمة والعرضية، ولكي نعرف ذلك لا بد من بيان الفرق
стр. 79
بين الصفات الذاتية، والصفات اللازمة، والصفات العرضية،
فأقول:
الوصف الذاتي هو: الوصف الداخل في حقيقة الشيء الموصوف
دخولاً لا يمكن أن يتصور شخص فهم معنى ذلك الشيء بدون فهم
ذلك الشيء.
مثال ذلك: " الجسمية للشجر "، فإن من فهم الشجر فقد فهم
- لا محالة - جسماً مخصوصاً معيناً، فتكون الجسمية داخلة في
ذات الشجرية دخولاً به قوامها في الوجود.
والعقل لو قدر عدم الجسمية لبطل وجود الشجر، وكذلك لو
قدر العقل خروج الجسمية عن الذهن: لبطل فهم الشجر، فلا بد
للحاد والمعرف أن يعرف أن الجسمية صفة ذاتية للمعرف الذي هو:
الشجرة - هنا - فمن أراد أن يحد الشجرة أو أي نبات آخر فلا بد
أن يقول: " إنه جسم نام ".
والأوصاف الذاتية هي تورد في الحد الحقيقي إيراداً أولياً، وذلك
لأنه يتصور بها كنه حقيقة الشيء وماهيته، لذلك ذكرناه أولاً.
أما الوصف اللازم فهو: الذي لا يفارق الذات، لكن لا يتوقف
عليه فهم حقيقة ذات الشيء.
مثال ذلك: " الظل لشخص الفرس عند طلوع الشمس "،
فالظل أمر لازم لا يمكن أن يفارق الفرس، ولكنه ليس بذاتى، وإنما
هو تابع للذات ولازم له، فحقيقة الفرس قد تفهم ولو لم يفهم
الظل ما هو؛ فالغافل عن وقوع الظل يمكنه أن يفهم الفرس، بل
يفهم الجسم الذي هو أعم، وإن لم يخطر بباله ظله، وكذلك يقال
في ظل الشجر.
стр. 80
بيان وجه الاتفاق ووجه الاختلاف بين الوصف الذاتي والوصف اللازم:
أما وجه الاتفاق بينهما فهو في استحالة المفارقة للذات.
أما وجه الاختلاف بينهما فهو أن الوصف الذاتي لا يمكن أن يفهم
المعنى دون فهم ذلك الوصف أبداً.
بخلاف الوصف اللازم، فإنه يمكن أن يفهم المعنى دون فهمه.
أما الوصف العارض فهو مأخوذ من عرض له الشيء إذا التصق به
زماناً ثم انفصل عنه، ومنه عوارض الأهلية كالنوم، والسهو،
تعترض الإنسان ثم تزول وتفارق.
فالوصف العارض هو: ما ليس من ضرورته ملازمة الذات، بل
يتصور الشخص أن يفارق هذا الوصف تلك الذات.
وهذا الوصف العارض إما أن يكون وقته قصيراً كحمرة الخجل،
فإن هذه الحمرة الناتجة عن الخجل وصف عارض يزول سريعاً بعد
زوال مسببه، وهو الخجل.
وإما أن يكون وقته طويلاً مثل الصبا، والشباب، والكهولة، فإن
هذه صفات عرضية لمراحل عمر الإنسان تزول ولكن ببطء.
وهذا بيان الفرق بين الأوصاف الذاتية، واللازمة، والعارضة،
ولا بد للذي نصب نفسه لبيان الحد الحقيقي أن يعرف الفرق بينها.
أقسام الأوصاف الذاتية:
تنقسم الأوصاف الذاتية إلى قسمين: " جنس "، و " فصل ":
أما الجنس فهو: اسم دال على كثيرين مختلفين بالأنواع
كالحيوان، فإنه مشترك بين " الإنسان " و " الفرس " و " الأسد ".
стр. 81
وقولنا: " مختلفين بالأنواع " أي: أن الجنس يشمل عدداً من
الأنواع يختلف كل نوع عن الآخر بالحد، فحد الإنسان: حيوان
ناطق، وحد الفرس: حيوان غير ناطق.
أما الفصل فهو: ما يفصل المحدود والمعرَّف عما شاركه في
الجنس وميزه عن غيره.
فمثلاً نقول في حد الإنسان: " حيوان "، فإن هذا الحد يشمل
الإنسان والحيوان كالفرس، ولكن إذا أضيف إلى كلمة " حيوان "
كلمة أخرى وهي: " الناطق "، فإنه بهذا يفصل الإنسان عن الحيوان
ويميز بذلك عن غيره مما يشاركه في جنسه.
ثانياً: شروط الحد الحقيقي:
يشترط للحد الحقيقي شروط، من أهمها:
الشرط الأول: أن تذكر جميع ذاتيات الشيء المطلوب تحديده،
وإن كانت كثيرة، وذلك ليحصل البيان الكامل للماهية.
الشرط الثاني: أن تذكر جميع الذاتيات مرتبة، بحيث يقدم
الأعم على الأخص، فيقدم ذكر الجنس على الفصل، فتقول في
حد الخمر: " شراب مسكر "، ولا تقول: " مسكر شراب "،
وتقول في حد النبات: " جسم نام "، ولا تقول: " نام جسم "
فتقدم العام على الخاص.
الشرط الثالث: أن الحاد والمعرف للحد الحقيقي يشترط عليه أن
يكون ذا بصيرة بالفرق بين الصفات الذاتية، واللازمة، والعرضية
- كما سبق بيانه -.
ولا يشترط للحاد والمعرف للحد الرسمي واللفظي ذلك، وذلك
стр. 82
لأن الحد الرسمي الأمر فيه سهل، والمؤنة فيه قليلة؛ حيث إن طالبه
قانع بالجمع والمنع بأي لفظ كان.
أما الحد اللفظي فإنه يتعلق بنفس اللفظة وشرحها.
واشترطنا ذلك في الحد الحقيقي، لأنه أصعب الحدود؛ حيث إنه
يذكر فيه كمال المعاني التي بها قوام ماهية الشيء.
الشرط الرابع: أن تذكر في الحد الحقيقي الجنس القريب - إن
وجد - وذلك لكونه أدل على الماهية، ولا تذكر معه الجنس البعيد
فتكون مكرراً، ولا تقتصر على البعيد فتكون مبعداً، فتقول مثلاً -
إذا سئلت عن حد الخمر -: " شراب مسكر "، لكن لا تذكر مع
الجنس القريب البعيد فلا تقول - مثلاً - في ذلك المثال: " جسم
مسكر مأخوذ من العنب ".
الشرط الخامس: أن تحترز من إضافة الفصل إلى الجنس، فلا
تقل في حد الخمر: " مسكر الشراب "، فلا يكون - حينئذٍ - الحد
حقيقياً، بل يكون حداً لفظياً.
الشرط السادس: أن تحترز أن تجعل بدل الجنس شيئاً كان في
الماضي، ثم عدم الآن، فتقول لمن سألك عن حد الرماد: "خشب
محترق "، فهذا الجواب ليس بصحيح؛ لأن الجنس وهو " الخشب "
لا يوجد بل صار رماداً، ومعروف أن الرماد ليس بخشب.
ثالثا؛ أقسام الحد الحقيقي:
الحد الحقيقي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: حقيقي تام وهو: ما يتركب من الجنس والفصل
القريبين.
стр. 83
مثل: أن يسألك شخص عن الإنسان، فتقول له: " حيوان ناطق "
فالجنس القريب هو: " الحيوان "، والفصل القريب هو: "الناطق ".
وسمي بالتام لذكر جميع الذاتيات فيه.
القسم الثاني: حقيقي ناقص وهو: ما يكون بالفصل القريب
وحده، أو بالفصل القريب، وبالجنس البعيد، فله صورتان:
الصورة الأولى: إن ورد الحد من المجيب بفصل قريب - فقط -
فهذا يُسمَّى حداً حقيقياً ناقصاً، مثاله أن يقال: ما الإنسان؛ فيقول
المجيب في حده: " هو الناطق ".
الصورة الثانية: إن ورد الحد من المجيب بفصل قريب مع جنس
بعيد فيُسمَى هذا - أيضاً - حداً حقيقياً ناقصاً، مثاله: أن يقال: ما
الإنسان؛ فيقول المجيب: " هو جسم ناطق "، فالجنس البعيد هو:
" الجسم "، والفصل القريب هو: " الناطق ".
وسمي بالناقص لعدم ذكر جميع الذاتيات فيه.
стр. 84
المطلب الثالث الحد الرسمي، وشروطه، وأقسامه
أولاً: تعريف الحد الرسمي:
الحد الرسمي هو: ما أنبأ عن الشيء بلازم له.
أي: أن الحد الرسمي هو: معرِّف أنبأ عن الشيء بلازم من
لوازمه، وخاصية من خصوصياته لا يوجد في غيره.
مثاله: لو طلب تحديد الخمر، فإن المجيب يقول في ذلك: "هو
مائع يقذف بالزبد يستحيل إلى الحموضة ".
ثانياً: شروط الحد الرسمي:
لكي يكون الحد الرسمي صحيحاً لا بد أن تتوفر فيه الشروط
التالية:
الشرط الأول: أن يكون الحدُّ مطَّرداً ومنعكساً.
والطرد لغة هو: الإبعاد، واصطلاحاً هو: استلزام من جانب
الوجود والثبوت، أي: إذا وجد الحد وجد الحدود، وهو: معنى
كونه " مانعاً ".
والعكس لغة هو: قلب الشيء ورد أعلاه إلى أسفله،
واصطلاحاً هو: استلزام من جانب العدم، أي: إذا عدم الحد عدم
المحدود، وهو معنى كونه جامعاً.
الحاصل: أن الحد يجب أن يكون مطابقاً للمحدود في العموم
стр. 85
والخصوص، فيكون جامعاً لأفراد المعرف، بحيث لا يخرج عنه أي
فرد، ويكون مانعاً من دخول غيره فيه، وهو: المراد بالاطراد
والانعكاس.
الشرط الثاني: أن يكون هذا اللازم الذي عرَّفنا به ذلك الشيء
من اللوازم الظاهرة المعروفة، فلا يجوز تحديد شيء بلازم غير
معروف، كأن يقول قائل: ما الأسد؛ فيقول المجيب هو: " سبع
أبخر " ليتميز بالبخر عن الكلب، فالبخر من خواص الأسد ولوازمه
لكن هذا اللازم - وهو البخر - غير معروف وغير مشهور عنه،
فلذلك لا يصلح أن يكون حداً، فلو قيل في الجواب: " هو سبع
شجاع عريض الأعالي "، لكانت هذه اللوازم والأعراض أقرب إلى
المقصود؛ لأنها معروفة مشهورة عنه.
الشرط الثالث: أن يوجز الحادُّ في الحدِّ على حسب الاستطاعة.
أي: أن يقتصر على ما هو أشد مناسبة للغرض.
فإن لزم الأمر أن يطيل الحاد عبارات الحد، وذكر ما يبين المحدود
فلا ضير في ذلك، ولا ينبغي أن ينكر عليه ذلك؛ لأنه أراد بهذه
الإطالة الكشف عن حقيقة المحدود.
الشرط الرابع: أن يأتي الحاد بلفظ صريح واضح، ويبتعد عن
الكنايات؛ لأن الكنايات أمر لا يطلع السائل عليه، فلا يحصل له
البيان، فيقع الخلل في التعريف والحد.
الشرط الخامس: ألا يحد شيئاً بأخفى منه، كأن يحد " البقلة
الحمقاء " بقوله: " هي العرفج "، فهذا غير سديد؛ لأن البقلة
الحمقاء هي أشهر عند السامع من العرفج.
الشرط السادس: ألا يحد شيئاً بما يساويه في الخفاء والظهور،
стр. 86
فلا يقول في حد الزوج مثلاً: هو عدد يزيد على الفرد بواحد،
فهنا عرَّف الزوج بالفرد الزائد على الواحد، وهما متساويان عند
التحقيق في الظهور والخفاء.
الشرط السابع: ألا يحد شيئاً بألفاظ مجازية، أو بألفاظ مشتركة؛ الحد مميز للمحدود، ولا يمكن أن يحصل التميز مع الألفاظ
المشتركة؛ لأن الاشتراك مخل بفهم المعنى المقصود، وكذلك لا
يحصل التميز مع الألفاظ المجازية؛ حيث إن الغالب تبادر المعاني
الحقيقية إلى الفهم دون المجازية.
الشرط الثامن: ألا يحد شيئاً بنفي ضده، فلا يقول في حد
الزوج: هو ما ليس بفرد، أو يقول في حد الفرد: هو ما ليس
بزوج؛ لأنه يلزم منه الدور؛ حيث إنه عرَّف الشيء بنفسه، فلم
يحصل بذلك بيان ولا توضيح ولا شرح؛ لأن مهمة الحاد هي:
تبيين المحدود وتوضيحه للسائل.
ثالثاً: أقسام الحد الرسمي:
الحد الرسمي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الحد الرسمي التام وهو: ما كان بالجنس القريب
والخاصة كقول السائل: ما الإنسان؛ فيقول المجيب: " حيوان
ضاحك "، فالجنس القريب هو الحيوان، والخاصة هو الضاحك.
وسمي تاماً لاشتماله على الجنس القريب وعلى الخاصة المميزة
للشيء من غيره.
القسم الثاني: الحد الرسمي الناقص وهو: ما كان بالجنس
البعيد، والخاصة كقول السائل: ما الإنسان؛ فيقول المجيب هو:
стр. 87
جسم ضاحك "، فالجنس البعيد هو: " الجسم "، والخاصة هو:
" الضاحك ".
والحد الرسمي إذا عرف بالخاصة - فقط - فإنه يَكون حداً رسمياً
ناقصاً، كقول السائل: ما الإنسان؛ فيقول المجيب هو:
"الضاحك ".
وسمي ناقصاً؛ لنقصان بعض أجزاء الرسم التام عنه.
стр. 88
المطلب الرابع الحد اللفظي، وشرطه
أولاً: الحد اللفظي هو:
شرح اللفظ بمرادف له أظهر وأشهر عند السائل من المسؤول عنه.
فمثلاً يسأل سائل ويقول: ما الخندريس؛ فيقول المجيب والحاد:
" هو الخمر "، ويسأل ويقول: ما الليث؛ فيقول المجيب: " هو
الأسد ".
ثانيا: شرط الحد اللفظي:
يشترط للحد اللفظي: أن يكون اللفظ الذي يأتي به المجيب أظهر
وأشهر من اللفظ المسؤول عنه كما مثلنا.
стр. 89
المبحث الرابع في البرهان وما يتعلق به
عرفنا فيما سبق أن المطلوب من التصوُّر - وهو: إدراك المفردات -
لا يعلم إلا بالحد، وأن المطلوب من التصديق - وهو: إدراك النسبة
بين تلك المفردات - لا يفهم إلا بالبرهان والحُجَّة.
وقد بيَّنا الحد وأقسامه، وشروط كل قسم.
والآن سنتكلم عن البرهان؛ لأنه هو الذي يتوصل به إلى العلوم
التصديقية التي تطلب بالنظر، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول: تعريف البرهان.
المطلب الثاني: مم يتكون البرهان؟
المطلب الثالث: وجه لزوم النتيجة من المقدمتين.
المطلب الرابع: هل تسمية البرهان بالقياس تسمية حقيقية؟
المطلب الخامس: كيف يتطرق الخلل إلى البرهان؟
المطلب السادس: أسباب مخالفة نظم البرهان.
المطلب السابع: أقسام البرهان.
المطلب الثامن: في اليقين ومداركه.
المطلب التاسع: في الاستقراء
المطلب العاشر: في التمثيل.
стр. 90
المطلب الأول في تعريف البرهان
البرهان هو: قول مؤلف من قضايا يلزم عنها لذاتها قول آخر.
مثال ذلك: أن تقول في بيان البرهان على أن " العالَم حادث ":
العالَم متغير، وكل متغير حادث، إذن: العالَم حادث.
فعندنا مقدمتان: " مقدمة صغرى "، و " مقدمة كبرى "،
و"نتيجة".
أما المقدمة الصغرى فهي: العالَم متغير.
أما المقدمة الكبرى فهي: كل متغير حادث.
أما النتيجة فهي: العالَم حادث.
ويسمى ذلك بالنتيجة والرأي الذي هو مطلوب الناظر بالنظر.
والأقاويل أو القضايا إذا وضعت في البرهان لاقتباس المطلوب منها
تسمى مقدمات.
والمقدمات قد تكون عقلية كما سبق.
وقد تكون سمعية، أو بعضها سمعي، فإن السمع يفيد اليقين
كخبر رسول اللَّه ﷺ ، والإجماع.
ولا تستغرب من جعلنا البرهان يتكون من مقدمتين - وذلك في
المثال - مع أننا عرفنا البرهان بأنه قول مؤلف من قضايا وأقاويل..
والسبب في ذلك: أن المراد بالقضايا والأقاويل عند أهل المنطق: ما
فوق القول الواحد، أو القضية الواحدة، بناء على أن أقل الجمع
عند المناطقة اثنان.
стр. 91
المطلب الثاني مم يتكون البرهان ؟
البرهان يتكون من مقدمتين، أي: علمين يتطرق إليهما التصديق
والتكذيب، وأقل ما تحصل منه المقدمة: معرفتان توضع إحداهما
مخبراً عنها، والأخرى خبراً ووصفاً.
فيكون البرهان - على هذا - منقسماً إلى مقدمتين تنقسم إلى
معرفتين تنسب إحداهما إلى الأخرى، وكل مفرد فهو معنى ويدل
عليه لا محالة بلفظ معين، فيجب أن ينظر في المعاني المفردة
وأقسامها، ثم ينظر في الألفاظ المفردة ووجوه دلالتها، ثم إذا فهمنا
اللفظ مفرداً والمعنى مفرداً أَلَّفنا بذلك معنيين، وجعلناهما مقدمة،
وننظر في حكم المقدمة وشروطها، ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما
برهاناً، وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة. وهذا هو الطريق الحق
لمعرفة البرهان.
يقول التفتازاني في حاشيته: " القياس المنتج لمطلوب واحد لا
يكون مؤلفا بحكم الاستقراء الصحيح إلا من مقدمتين لا أزيد ولا
أنقص، لكن ذلك القياس قد تفتقر مقدمتاه، أو إحداهما إلى
الكسب بقياس آخر، كذلك إلى أن ينتهي إلى المبادئ المسلَّمة أو
البديهية، فيكون هناك قياسات مترتبة محصلة للقياس المنتج المطلوب.
стр. 92
المطلب الثالث في وجه لزوم النتيجة من المقدمتين
إن كل مفردين جمعتهما القوة المفكرة، ونسبت إحداهما إلى
الآخر، إما بإثبات مثل: " النبيذ حرام " أو " النبيذ مسكر "، وإما
بنفي مثل: " النبيذ ليس بمسكر "، وعرضت ذلك على العقل لم
يخل العقل فيه من أحد أمرين: إما أن يصدِّق به، أو يمتنع عن
التصديق.
فإن صدَّق العقل فهو الأوَّلي والضروري المعلوم بغير واسطة،
- ويقال لذلك: إنه معلوم بغير نظر ودليل وطلب.
وإن لم يُصدِّق فلا بدَّ من واسطة للتصديق، وتلك الواسطة هي
التي تنسب إلى الحكم فيكون خبراً عنها وحكما لها، وتنسب إلى
المحكوم عليه فتجعل خبراً عنه، فيُصدِّق، فيلزم من ذلك بالضرورة
التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم عليه، بيان ذلك:
لو أنا قلنا للعقل: احكم على النبيذ بالحرام، فإنه يقول: لا
أدري ولا يصدق به، فعلمنا من ذلك: أنه لا يلتقي في الذهن طرفا
هذه القضية وهما: " الحرام " و " النبيذ "، فلا بد من طلب واسطة
ربما صدَّق العقل بوجودها في " النبيذ "، وصدَّق بوجود وصف
الحرام لتلك الواسطة فيلزمه التصديق بالمطلوب.
стр. 93
فيقال للعقل: هل النبيذ مسكر؛ فيقول: نعم، وقال: نعم؛ كونه مسكراً ثبت عن طريق التجربة.
ثم يقال له: هل المسكر حرام؛ فيقول: نعم، وقال: نعم؟
لأنه علم كون المسكر حراماً عن طريق السمع.
فإذا صدَّق العقل بهاتين المقدمتين: لزم التصديق بالثالث ضرورة
وهو: أن النبيذ حرام، فيلزم العقل التصديق بذلك ويذعن للتصديق
стр. 94
المطلب الرابع هل تسمية البرهان بالقياس تسمية حقيقية ؟
أقول: إن تسمية المناطقة للبرهان المتكون من مقدمتين ونتيجة
بالقياس، جاء عن طريق التجوز، وذلك لأن القياس في أصول
الوضع اللغوي هو: تقدير شيء بشيء آخر، كتقدير الثوب بالذراع.
أما هنا، فإن حاصله راجع إلى إدراج خصوص تحت عموم،
وهذا ليس بقياس، إذ ليس فيه تقدير ولا حمل، بل فيه إدراج،
بيان ذلك:
أن المقدمة الكبرى عموم، والمقدمة الصغرى خصوص، وقلنا
ذلك لأن الحكم في الكبرى على جميع ما صدق عليه الأوسط،
فيتناول الأصغر وغيره، والحكم في الصغرى مخصوص بالأصغر
فقط، وإذا كان الأمر كذلك وجب إدراج الأصغر تحت الأوسط في
الحكم بالأكبر على جميع ما صدق عليه الأوسط؛ لأن الأصغر من
جملتها، فيلتقي بالضرورة موضوع الصغرى - أعني الأصغر -
ومحمول الكبرى - أعني الأكبر - إما إيجابا إن كانت الكبرى
موجبة، أو سلبا إن كانت الكبرى سالبة.
مثال الموجبة قولنا: " الوضوء عبادة، وكل عبادة تصح بنية "،
فإنه ينتج: أن الوضوء يصح بنية.
مثال السالبة قولنا: " النبيذ مسكر، ولا شيء من المسكر ليس
بحلال "، فإنه ينتج منه: أن النبيذ ليس بحلال.
стр. 95
المطلب الخامس كيف يتطرق الخلل إلى البرهان ؟
يتطرق الخلل إلى البرهان من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: من جهة نفس المقدمات؛ لأنها قد تكون خالية من
شروطها.
الجهة الثانية: من جهة كيفية الترتيب والتركيب والنظم، ولو
كانت المقدمات صحيحة يقينية.
الجهة الثالثة: من جهة نفس المقدمات، والكيفية والترتيب
والتركيب جميعاً.
وإليك بيان ذلك بمثال من المحسوس، وهو البيت المبني، فإنه
يتطرق إليه الخلل من ثلاث جهات:
الأولى: أنه قد يختل بسبب وجد في هيئة التأليف، وذلك بأن
تكون الحيطان معوجة، أو يكون السقف منخفضاً إلى موضع قريب
من الأرض، فيكون البيت فاسداً وإن كانت الأحجار والجذوع متينة
وصحيحة.
الثانية: أنه قد يختل بسبب رخاوة في الأصل والأساس، وذلك
بأن يكون البيت صحيحا من حيث الصورة في ترتيبها وهندستها،
ووضع حيطانها، وسقفها، ولكن يكون الخلل بسبب رخاوة في
стр. 96
الجذوع وتشعب في اللبنات، فيكون البيت فاسداً من حيث الأساس،
وإن كانت الصورة صحيحة.
الثالثة: أنه قد يختل البيت بالسببين السابقين معاً، فيكون الخلل
بسبب التأليف، وبسبب رخاوة في الأساس.
فكذلك هنا، فإن الخلل إما أن يكون في هيئة تركيبه، وإما أن
يكون في الأصل الذي يرد عليه التركيب، وإما أن يكون فيهما معاً.
فمن يريد بناء بيت سالم من أي خلل فعليه أولاً: بإعداد الآلات
المفردة التي يتكون منها البناء كالجذوع، واللبن، والطين،
والسعف، والجريد، ونحو ذلك، ثم إذا أراد أن يكون لبنا صالحاً
للبناء عليه بإعداد مفرداته وهي: الماء، والتبن، والطين، والقالب
الذي يضرب به اللبن.
فلا بد من أن يبتدئ أولاً بالأجزاء المفردة فيركبها، ثم يركب
المركب، وهكذا إلى آخر العمل.
إذا عرفت ذلك في هذا المثال، فإن طالب البرهان كذلك ولا
فرق، فإنه له أن ينظر أولاً إلى الأجزاء المفردة من نظم وصورة، ثم
ينظر ثانياً إلى المقدمات التي فيها النظم.
تنبيه: للبرهان أضرب وأقسام قد تكلمت عنها في كتابي " إتحاف
ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " بالتفصيل، فإن شئت ارجع إليه
في ذلك.
стр. 97
المطلب السادس في أسباب مخالفة نظم البرهان
لا بد في كل برهان أن يتكون من مقدمتين لتحصل منهما نتيجة،
وإذا ذكر أحد شيئاً يخالف ذلك النظم، فإنه يرجع إلى أسباب هي
كما يلي:
السبب الأول: قصور في علم المناظر بتمام نظم البرهان.
السبب الثانى: إهمال المناظر لإحدى المقدمتين، لكونها واضحة
ومعلوماً بها، وأكثر ما يفعل ذلك الفقهاء في المحاورات الفقهية
اختصاراً.
ومثال ذلك: قولنا: " الوضوء يحتاج إلى النية؛ لأن كل عبادة
تحتاج إلى النية "، فهنا حذفت الصغرى وهي قولنا: " الوضوء
عبادة "؛ حيث إن تمام النظم أن يقال: " كل عبادة تحتاج إلى النية،
والوضوء عبادة يلزم أن الوضوء يحتاج إلى النية "، فحذفت
الصغرى، وذلك لاشتهارها ووضوحها.
مثال آخر: قولنا: " هذا يجب رجمه؛ لأنه زنا وهو محصن "
فهنا حذفت الكبرى لوضوحها والعلم بها، وتمام القياس أن يقال:
" كل من زنا وهو محصن فعليه الرجم، وهذا زنا وهو محصن،
فيلزم وجوب الرجم عليه ".
وحذف إحدى المقدمتين لاشتهارها ووضوحها قد ورد في القرآن
стр. 98
الكريم، من ذلك قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا اللَّه لفسدتا)
وينبغي أن يضم إليها: " ومعلوم أنهما لم تفسدا "، وترك ذلك
للعلم به - ووضوحه.
السبب الثالث: أن يهمل المناظر إحدى المقدمتين للتلبيس على
الخصم، وذلك يكون بترك المقدمة التي يعسر إثباتها ويندر أمثالها،
أو ينازعه الخصم في تلك المقدمة، وذلك استغفالاً للخصم، فخشي
المستدل أن يصرح بتلك المقدمة فيتنبه ذهن خصمه فينازعه فيها.
مثال ذلك: قولك: " فلان خائن في حقك "، فيقول خصمك:
ولِمَ؟ فتقول: " لأنه كان يناجي عدوك "، وتمامه: أن يقال: "كل
من يناجي العدو فهو عدو، وهذا يناجي العدو، فهو إذاً عدو "،
لكن لو صرح به لتنبه ذهن الخصم بأن مناجاة العدو لا يلزم منها
الخيانة، فقد يحتمل أنه أراد بمناجاته نصيحته، أو غير ذلك.
مثال آخر: قولهم: " نكاح الشغار فاسد، لأنه منهي عنه "،
وتمامه أن يقال: " كل منهي عنه فهو فاسد، والشغار منهي عنه،
فهو إذاً فاسد "، ولكن لو صرح المستدل بهذه المقدمة الكبرى لتنبه
الخصم لها؛ لأنها موضع النزاع.
стр. 99
المطلب السابع في أقسام البرهان
البرهان ينقسم إلى قسمين:
" برهان دلالة "، و " برهان علَّة ".
أما برهان الدلالة فهو: أن يكون الأمر المتكرر في المقدمتين معلولاً
ومسبباً، فإن العِلَّة والمعلول يتلازمان.
أما برهان العلَّة فهو: أن يكون المكرر - وهو الحد الأوسط - عِلَّة
وسبباً.
فإن استدللت بالعِلَّة على المعلول: فالبرهان برهان عِلَّة.
وإن استدللت بالمعلول على العلَّة أو استدللت بأحد المعلولين على
الآخر، فهو برهان دلالة.
مثال برهان العلَّة: أن تستدل بالغيم على المطر، وأن تستدل
بالأكل الكثير علىَ الشبع فيقال: " من أكل كثيراً فهو شبعان، وزيد
قد أكل كثيراً، فهو إذن شبعان ".
ومثال برهان الدلالة: أن تستدل بالشبع على الأكل الكثير،
فتقول: إن كل شبعان قد أكل كثيراً وزيد شبعان، إذاً قد أكل كثيراً.
ومثال الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر أن تقول: كل من
صح طلاقه صح ظهاره، والذمي يصح طلاقه فيصح ظهاره.
تنبيه: اعلم أن جميع استدلالات الفراسة من قبيل الاستدلال
بإحدى النتيجتين على الأخرى.
стр. 100
المطلب الثامن في اليقين ومداركه
البرهان: ما كانت مواده يقينية، وهي التي يجب قبولها بديهياً
كانت أو نظرية تنتهي إلى البديهيات، وسواء كانت تلك المقدمات
عقلية أو سمعية، فإن السمع يفيد اليقين كأن يكون خبر من يمتنع عليه
الكذب كخبر اللَّه تعالى، وخبر رسوله ﷺ ، وكذلك الإجماع.
وإليك بيان حقيقة اليقين، والأشياء التي تفيد اليقين، فأقول:
أولاً: اليقين لغة هو: العلم الذي لا شك فيه.
واليقين اصطلاحاً هو: اعتقاد الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد أنه لا
يمكن إلا كذا مطابقاً للواقع غير ممكن الزوال.
ثانياً: الأشياء التي تفيد اليقين أو مداركه، أو أصول اليقينيات
- كما يسميها بعضهم - هي كما يلي:
الأول: الأوليات، وهي قضايا يجزم العقل بها بمجرد التصوُّر،
ولا يحتاج إلى واسطة مثل: علمك بأن الواحد نصف الاثنين، وأن
الكل أعظم من الجزء، وأن النقيضين إذا صدق أحدهما كذب الآخر.
الثاني: المحسوسات الظاهرة، وهي القضايا التي يحكم بها
بواسطة الحواس الخمس وهي: السمع، والبصر، والشم،
واللمس، والذوق، مثل: النار حارة، وهذا الجبل كبير، ورائحة
هذا طيبة، وطعم هذا حلو، وهكذا.
стр. 101
الثالث: المشاهدات الباطنة، وهي قضايا يحكم بها بواسطة
القوى الباطنة، ولا تحتاج إلى العقل، ولا إلى الحس، مثل:
علمك جوع نفسك، وشعورك بالألم، والعطش، ونحو ذلك.
والفرق بين هذا وبين المدرك الأول - وهو الأوليات -: أن المدرك
الأول لا تدركه الصبيان ولا البهائم ولا المجانين؛ لأن الأوليات قضايا
حصلت بمجرد العقل، والعقل مفقود بالنسبة لهؤلاء.
أما هذا المدرك وهو: المشاهدات الباطنة، فإن البهائم، والصبيان
والمجانين تدركه؛ لأن تلك الأحوال وهي الجوع، والعطش، لا
تفتقر إلى عقل.
الرابع: التجريبيات، أو اطراد العادات، وهي القضايا التي
يحكم بها بواسطة تكرار المشاهدة، وهي لا تخلو عن قياس خفي
مع تكرار المشاهدة، وهو أن تعلم أن الوقوع المتكرر على نهج واحد
لا يكون اتفاقاً.
مثل: حكمنا بأن الإهليلج مسهل، فإنه بعد التجارب وتكرار
الاستعمال لهذا الدواء حكمنا بأنه مسهل، وحكمنا بأن الحجر هاو
إلى أسفل، وحكمنا بأن النار صاعدة إلى فوق، وهذه الأحكام
والمعلومات يقينية عند من جربها من الناس.
الخامس: المتواترات، وهي: قضايا حكم بها بواسطة إخبار
جماعة يستحيل عقلاً وعادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، مثل:
حكمنا بوجود مكة، والمدينة، والهند، وغيرها من البلدان.
فالمستفاد من تلك المدارك الخمسة يصلح لصناعة البرهان.
стр. 102
ثالثأ: بيان أمور توهم بعضهم أنها من مدارك اليقين، وليست منها:
ما سبق هي مدارك اليقين التي تصلح لمقدمات البراهين، وهناك
أمور توهم بعضهم أنها من مدارك اليقين وليست منها، وهما:
١ - الوهميات
٢ - المشهورات.
أما الوهميات فهي: قضايا الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون
مشاراً إلى جهته، وأن موجوداً لا متصلاً، ولا منفصلاً، ولا
خارجاً، ولا داخلاً محال، لأن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات
الست خالية عنه محال، وهذا عمل قوة في التجويف الأوسط من
الدماغ، وتسمى وهمية شأنها ملازمة المحسوسات، ومتابعتها
والتصرف فيها.
وهذه القضايا الوهمية مع أنها كاذبة فهي لا تتميز عن الأوليات
القطعية.
مثل قولك: لا يكون شخص في مكانين، بل تشهد به أول
الفطرة، كما تشهد بالأوليات القطعية، وليس كل ما تشهد به
الفطرة قطعاً هو صادق، بل الصادق هو ما تشهد به قوة العقل
الصحيح فقط.
أما المشهورات فهي آراء محمودة توجب التصديق بها، إما بشهادة
الكل، أو بشهادة الأكثر، أو بشهادة جماهير من الأفاضل مثل:
"الكذب قبيح "، و " كفران المنعم قبيح "، و " شكر المنعم حسن "
و" إنقاذ الذين شارفوا على الهلاك حسن "، و " إيلام البريء قبيح "
وهذه الأحكام قد تكون صادقة، وقد تكون كاذبة، فلا يعول عليها
- في مقدمات البراهين، لأنها لم تكن من مدارك اليقين.
وإنما انغرس قبولها في النفس بأسباب كثيرة تعرض من أول الصبا،
стр. 103
وذلك بأن تكرر على الصبي، ويكلف اعتقادها، ويحسن ذلك عنده
وربما يحمل على اعتقادها حب التسالم وطيب المعاشرة، وربما تنشأ
من الحنان ورقة القلب والطبع، فترى أقواماً يصدِّقون بأن ذبح البهائم
قبيح حتى وصل بهم الأمر إلى الامتناع عن أكل لحومها، وربما يحيل
على التصديق بها الاستقراء والتتبع الكثير، وربما كانت القضية
صادقة، ولكن بشرط دقيق لا يتفطن الذهن لذلك الشرط، ويستمر
على تكرير التصديق، فيرسخ في نفسه كمن يقول - مثلاً -:
"التواتر لا يفيد العلم "، وعلّل ذلك بقوله: " إن خبر كل واحد
من المخبرين لا يفيد العلم، فخبر الجميع لا يفيد العلم؛ لأنه لا
يزيد على الآحاد "، وهذا معروف غلطه؛ لأن كل واحد لا يفيد
خبره العلم بشرط الانفراد، وعند التواتر فات هذا الشرط، فهذا
القائل: ذهل وغفل عن هذا الشرط، وذلك لدقته، فصدَّق به
مطلقاً واعتقده.
فالمستفاد من الوهميات لا يصلح لصناعة البرهان، والمشهورات
تصلح للفقهيات الظنية، والأقيسة الجدلية، ولا تصلح لأن تكون
مقدمات للبراهين.
رابعاً: أضداد اليقين:
لما عرفنا فيما سبق اليقين وهو: العلم القطعي بالأشياء التي لا
تحتمل النقيض، أو ما قطعت به النفس، وعرفنا مداركه، وما لا
يفيده: كان لا بد لنا أن نعرف أضداد اليقين؛ ليعرف اليقين أكثر
والفرق بينه وبين غيره، فأقول:
أضداد اليقين هي: " الظن "،. و " الشك "، و " الوهم "،
و"السهو"، و " الجهل "، وإليك بيانها:
١ - الظن هو: ترجيح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من
غير قطع، وقيل: تجويز أمرين، أحدهما أقوى من الآخر.
стр. 104
والظن طريق للحكم إذا كان عن أمارة قد اقتضت الظن، ولهذا
وجب العمل بجميع الأدلة المظنونة، ويجب العمل بشهادة الشهادين
وبخبر المقوِّمين للشيء، سواء كانت تلك الأحكام مبنية على أدلة
ظنية أو أمارة صحيحة.
ويطلق العلم على الظن والعكس.
فمثال إطلاق العلم على الظن: قوله تعالى: (فإن علمتموهن
مؤمنات) ، فهنا عبَّر بالعلم عن الظن؛ لأن العلم القطعي في
ذلك لا سبيل إليه.
ومثال إطلاق الظن على العلم: قوله تعالى: (الذين يظنون
أنهم ملاقوا ربهم) أي: يعلمون.
٢ - الشك هو: التردد في أمرين متقابلين، لا ترجيح لوقوع
أحدهما على الآخر في النفس، وقيل: هو: تجويز أمرين لا مزية
لأحدهما على الآخر.
والشك ليس بطريق للحكم في الشرع، وبناء على ذلك يجب
استصحاب الحال السابق مثل: الشك في الحدث بعد الطهارة،
والشك بالطلاق بعد النكاح، لأن الظاهر بقاء ذلك، وعدم حدوث
المشكوك فيه.
٣ - الوهم هو: الطرف المرجوح فهو المقابل للظن.
٤ - السهو هو: الذهول عن المعلوم.
٥ - الجهل هو: اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو عليه، وهو ضد العلم.
стр. 105
وهو قسمان:
القسم الأول: جهل بسيط وهو: انتفاء إدراك الشىء بالكلية،
أي: عدم العلم مطلقا.
القسم الثاني: جهل مركب وهو: تصور الشيء على غير هيئته.
وسمي مركباً، لأنه مركب من أمرين، أولهما: عدم العلم
بالشيء، ثانيهما: الاعتقاد الذي هو غير مطابق لما في الخارج.
فمثلاً: إذا سئل إنسان وقيل له: إذا أكل مسلم ناسياً في رمضان
فهل يفسد صومه أو لا؟
فإن قال: نعم يفسد صومه، وعليه القضاء، فهو جاهل مركب.
أما إذا قال: لا أعلم، فإنه يكون جاهلاً بسيطاً.
стр. 106
المطلب التاسع في الاستقراء
أولاً: حقيقة الاستقراء:
وهو لغة: التتبع.
وفي الاصطلاح هو: عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم
بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات.
وقيل: هو: الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته.
وقيل: " في أكثر جزئياته "؛ لأن الحكم لو كان في جميع
جزئياته لم يكن استقراء، بل يكون قياسا مقسماً.
وسمي ذلك استقراء؛ لأن مقدماته لا تحصل إلا بتتبع الجزئيات.
ثانيا: أقسام الاستقراء:
ينقسم الاستقراء إلى قسمين:
القسم الأول: استقراء تام، وهو الذي يشمل جميع الجزئيات،
فهذا يفيد اليقين وهو صالح لأن يكون مقدمة من مقدمات البرهان
مثل: قولنا: "كل حيوان يموت ".
القسم الثاني: استقراء ناقص، وهو الذي يشمل أغلب وأكثر
الجزئيات، وهو لا يفيد إلا الظن، وهذا لا يصلح أن يكون من
стр. 107
مقدمات البرهان مثل قولنا: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند
المضغ؛ لأن الإنسان والبهائم والسباع كذلك.
فهذا استقراء ناقص مختل؛ حيث إنه يوجد بعض الجزئيات يكون
حكمه مخالفا لما استقرئ وتتبع، فلا يعمه الحكم وهو: التمساح،
فإنه يحرك فكه الأعلى عند المضغ.
стр. 108
المطلب العاشر في التمثيل
أولاً: بيان حقيقة التمثيل:
التمثيل لغة: مصدر مثل الشيء بالشيء إذا شبهه به.
وهو في الاصطلاح: إثبات حكم في جزئي معين لوجوده في
جزئي آخر لأمر مشترك بينهما.
مثل: قولنا: النبيذ حرام كالخمر بجامع الإسكار بينهما.
ويسمى الأول فرعاً، والثانى أصلاً، ويسمى الأمر المشترك بينهما
جامعاً وعلة.
ثانياً: طَرق إثبات علية الأمر المشترك:
لإثبات علية الأمر المشترك طرق عند المناطقة، والمشهور منها
طريقان:
الطريق الأول: الدوران، ويسمى الطرد والعكس، وهو: أن
يدور الحكم مع العلَّة والمعنى المشترك وجوداً وعدماً، ففي المثال
السابق نقول: إذاً وجد الإسكار في النبيذ فإنه يوجد الحكم وهو
التحريم، وإن عدم الإسكار عدم التحريم، وهكذا.
الطريق الثاني: السبر والتقسيم وهو: أن يعد ويذكر أوصاف
الأصل، وتحصر، ثم يثبت - بعد الاختبار والسبر - أن ما عدا
المعنى المشترك غير صالح لاقتضاء الحكم لوجود تلك الأوصاف في
محل آخر مع تخلف الحكم عنه، ولا بد في ذلك من استعانة بنص
أو إجماع.
стр. 109
فإن كان هذا الحصر والإبطال قطعيين أفاد القطع واليقين، وإن كانا
ظنيين أفادا الظن.
ثالثاً: حكم التمثيل:
التمثيل حُجَّة ظنية عند جمهور المناطقة.
وذهب ابن سينا إلى أنه حُجَّة ضعيفة.
وهذا ليس بصحيح، فالتمثيل حُجَّة ظنية قوية؛ لأن إفادة الدليل
اليقين أو الظن راجعة إلى المقدمات التي تألف منها لا إلى صورته،
فالمقدمات إن كانت يقينية أفادت اليقين، وإن كانت المقدمات ظنية
أفادت الظن.
رابعاً: هل التمثيل هو القياس والشمول أم لا؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن القياس هو التمثيل، وهو مذهب كثير من
الأصوليين.
المذهب الثاني: أن القياس هو الشمول، وهو مذهب المناطقة.
المذهب الثالث: أن كلًّا من التمثيل والشمول يسمى قياساً،
ذهب إلى هذا أكثر الفقهاء والمتكلمين.
وهو الصحيح؛ لأن قياس الشمول مبناه على اشتراك الأفراد في
الحكم وشموله لها، وقياس التمثيل مبناه على اشتراك الأصل والفرع
في الحكم.
ويمكن رد كل من القياسين إلى الآخر مثل: النبيذ حرام كالخمر
بجامع الإسكار، وترده إلى الشمول فتقول: النبيذ مسكر، وكل
مسكر حرام ينتج: أن النبيذ حرام.
стр. 110
المبحث الخامس في الألفاظ
اللفظ هو: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف.
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: اللفظ المفرد، وهو: الذي لا يدل جزؤه على
جزء معناه: إذا جعل علماً للشيء مثل: " زيد "، و " عبد اللَّه "
علماً، وهو أنواع كثيرة.
القسم الثاني: اللفظ المركب، وهو: الذي يدل جزؤه على جزء
معناه مثل: " زيد قائم "، و " قام زيد " و " غلام زيد "، و "الحيوان
الناطق "، وهو أنواع أيضا.
وسيأتي - إن شاء اللَّه - تفصيل ذلك - في الباب الرابع الذي هو
في الألفاظ ودلالتها على الأحكام، فلا داعي لأن أفصل بها هنا مع
أن التفصيل فيها في مكانها أولى وأكثر فائدة.
следующие страницы →