← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والواجب المخير هو: ما صح للمكلف أن يفعل أي فرد من أفراده التي حصل فيها التخيير كخصال الكفارة في اليمين وهي: الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق. والواجب الكفائي هو: ما سقط بفعل بعض المكلفين كصلاة الجنازة. فترك الواجب الموسع يوجب الذم إذا ترك في جميع الوقت، ولا يوجب الذم إذا ترك في بعض الوقت، وعزم على فعله في آخر وترك الواجب المخير يوجب الذم، إذا ترك جميع الخصال، ولا يوجب الذم إذا ترك خصلة من الخصال المخير بينها، وعزم على فعل الخصلة الأخرى. وترك الواجب الكفائي يوجب الذم إذا تركه جميع المكلفين. ولا يوجب الذم إذا ترك من البعض وفعل من البعض الآخر. وهناك تفصيلات واعتراضات على هذا التعريف ذكرتها مع الأجوبة عنها في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، و" الواجب الموسع عند الأصوليين " فراجعهما إن شئت. المسألة الثانية: هل يوجد فرق بين " الواجب " و " الفرض "؟ اتفق العلماء - من حيث اللغة - على: أن مفهوم هذين اللفظين - الفرض والواجب - مختلف، ومعناهما متباين: فالفرض لغة: التقدير والحز والقطع. والواجب لغة: الساقط، والثابت.

стр. 142

أما من جهة الشرع، فقد اختلف العلماء في الفرض والواجب هل هما مترادفان، أو مختلفان على مذهبين: المذهب الأول: أن الفرض والواجب غير مترادفين، بل يدلان على معنيين مختلفين. ذهب إلى ذلك الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وأبي إسحاق بن شاقلا، والحلواني، وحكاه ابن عقيل عن كثير من الحنابلة. وهذا هو الصحيح عندي فيكون الفرض: اسم لما ثبت وجوبه بطريق مقطوع به، أي: أن الفرض: ما ثبت حكمه بدليل قطعي مثل: الآية التي قطع بدلالتها على الحكم، والحديث المتواتر الذي قطع بدلالته على الحكم، والإجماع الصريح الذي نقل إلينا نقلاً متواتراً. والواجب هو: اسم لما ثبت من طريق غير مقطوع به، أي: أن الواجب: ما ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد، والقياس، والإجماع السكوتي،. ودلالات الألفاظ الظنية. وقد صححته؛ لأدلة، من أهمها: الدليل الأول: أن هناك فرقا بين الفرض والواجب عند أهل اللغة. فالفرض في اللغة: الحز في الشيء والتأثير فيه. أما الوجوب فهو في اللغة: السقوط. فإذا ثبت هذا: فالتأثير آكد من السقوط؛ لأن الشيء قد يسقط ولا يؤثر. فكل من الفرض والواجب لازم، إلا أن تأثير الفرضية أكثر من

стр. 143

تأثير الوجوب، ومنه سمي الحز في الخشبة فرضاً لبقاء أثره على كل حال، وسمي السقوط على الأرض وجوباً؛ لأنه قد لا يبقى أثره في الباقي. وإذا كان الأمر كذلك: وجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم كما اختص بقوة في اللغة؛ حملاً للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير. الدليل الثاني: أن العلماء قد اتفقوا على أن الدليل القطعي ثبوتاً، ودلالة يفيد علماً أقوى مما يفيده الدليل الظني ثبوتاً ودلالة، وبناء على ذلك لا بد من التفريق بين الحكم الثابت بدليل قطعي، لإفادته علماً يقينياً، وبين الثابت بدليل ظني المفيد ظناً قوياً، فيطلق على الثابت بالأول اسم " الفرض "، ويطلق على الثابت بالثاني اسم "الواجب " وذلك من أجل تسهيل التمييز بينهما لتصبح دلالة كل اسم على نوعه أدق وأوضح دون حاجة إلى قرائن. ولو لم يعتبر هذا التفريق لزم رفع الدليل المظنون إلى رتبة المقطوع من جهة، وحط الدليل المقطوع به إلى رتبة المظنون من جهة أخرى. الدليل الثالث: أن وجود التفاوت بينهما في الآثار والأحكام يجعلنا نخص كل نوع باسم، بيان ذلك: أن حكم الفرض يكفر جاحده، ويفسق تاركه بلا عذر. أما حكم الواجب فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا استخف به أما إذا تأول فلا. وإن الحج يشتمل على فروض، وواجبات، وأن الفرض لا يتم النسك إلا به، والواجب يجبر بدم.

стр. 144

وأن الصلاة مشتملة على فروض وواجبات، والفروض هي: الأركان. وأن الواجب يجبر إذا ترك نسياناً بسجود السهو، والفرض لا يقبل الجبر.. أي: أن المكلف إذا ترك فرضاً كالركوع أو السجود بطلت صلاته، ولا يسقط في عمد ولا سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا ترك واجباً فإن صلاته صحيحة، ولكنها ناقصة. الدليل الرابع: أن هناك فرقاً بين الفرض والواجب في عادة أهل الشرع، فتجدهم يفرقون بين الفرض والواجب في التعبير عن الأحكام الشرعية، فيقولون - مثلاً -: في الديون والشفعة: واجبات، ولا يقولون: إنها فروض، وبقول القائل منهم: "أوجبت على نفسي "، ولا يقول: " فرضت على نفسي "، فبان: أن معنى اللفظين مختلف في عادة أهل الشرع. الدليل الخامس: أن هناك فرقاً بينهما عن طريق العقل، حيث إن كل عاقل يجد في عقله أن صلاة الظهر آكد من الصلاة المنذورة، والزكاة آكد من النذر في الصدقة، وإن كانتا لازمتين. وإذا كانت هذه الأمور يجدها كل عاقل في نفسه، فإنه ينبغي أن يفرق ما هو آكد عما هو دونه باسم يعرف به، فيجعل اسم الفرض عبارة عما كان في أعلى المراتب من الوجوب، ويجعل اسم الواجب عبارة عما كان دونه، فرقاً بين الاثنين. المذهب الثاني: أن الفرض والواجب مترادفان، أي: أنهما اسمان لمسمى واحد، ولفظان يطلقان على مدلول واحد، وهو: الفعل الذي ذم تاركه شرعاً مطلقاً، أو هو: طلب الشارع المقتضي

стр. 145

فعل المكلف طلباً جازماً، سواء كان هذا الطلب بدليل ظني، أو قطعي. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قالوا فيه: إن اختلاف أسباب الوجوب، وقوة بعضها على بعض لا يوجب اختلاف الشيئين في أنفسهما، بدليل: أن النفل قد ثبت بأخبار متواترة، وثبت بأخبار الآحاد، والكل متساو، فكذلك الفرض قد ثبت بأخبار متواترة، وأخبار آحاد، والكل متساو. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن قوة بعض أسباب الوجوب على بعضها الآخر توجب اختلافهما في أنفسهما؛ لأن ما كان معلوماً أنه مراد اللَّه - تعالى - قطعاً، فإنه مخالف لما كان مظنوناً، وكذلك ما يكفر جاحده مخالف لما لا يستحق هذه الصفة، ومتى ما اختلفت الأشياء في أنفسها وأحكامها اختلفت الأسامي التي تستعمل فيها، لاختلاف ما يستفاد بالعبارة منها. الدليل الثاني: أنهما متساويان في الحد؛ حيث إن حد الواجب - وهو: ما ذم تاركه شرعاً مطلقاً - ينطبق على الفرض تماماً، ولا فرق، فإذا كانا متساويين في هذا لم يكن لأحدهما مزية على الآخر، كما أن الندب والنفل لما كان معناهما واحداً - وهو: ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه - لم يكن لأحدهما مزية على الآخر. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الفرض وإن ساوى

стр. 146

الواجب في ذم وعقاب تارك الفعل، فقد خالفه من وجه آخر، وهو: أن ثبوته من طريق مقطوع به، فهذه المخالفة منعت من المساواة في التسمية، قياساً على الندب والمباح، فإنهما تساويا في سقوط الذم عن التارك لهما، واختلفا في التسمية، وذلك نظراً لاختلافهما من وجه آخر، وهو: أن الندب يحمد فاعله ويثاب، والمباح لا يحمد فاعله ولا يثاب. فكذلك هنا، فإن الفرض والواجب وإن تساويا في الحد، فإنهما اختلفا من وجه آخر، وهو طريق الثبوت، فالواجب ثبت عن طريق مظنون، والفرض ثبت عن طريق مقطوع به، فلزم أن يختلفا في التسمية. بيان نوع الخلاف: إن الخلاف في هذه المسألة قد اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول: إن الخلاف معنوي له ثمرة، فقد رتب أصحاب المذهب الأول - وعلى رأسهم الحنفية - على الحكم بفرضية الشيء: كفر جاحده، وعدم إمكان جبره، أما الحكم بوجوب الشيء فلا يكفر جاحده، ويمكن جبره، وكذلك قالوا: إن قراءة القرآن في الصلاة فرض، لثبوته بدليل قطعي، وهو قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) ، أما قراءة الفاتحة في الصلاة فهي واجبة، لثبوت ذلك بالدليل الظني، وهو خبر الواحد الذي رواه عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ". القول الثاني: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له، لأنه لا نزاع بين أصحاب المذهبين في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف إلى قطعي وظني، ولا نزاع بينهم - أيضا - على تسمية الظني واجباً.

стр. 147

ولكن النزاع حصل في القطعي، فأصحاب المذهب الثاني يسمونه " فرضاً "، و " واجباً " بطريق الترادف. وأصحاب المذهب الأول - وعلى رأسهم الحنفية - يسمونه باسم "الفرض "، وذلك مما لا يضر أصحاب المذهب الثاني، فليسم كل فريق بما شاء، وهو مجرد اصطلاح. والراجح عندي التفصيل: فإن نظر إلى الأمر وأنه حقيقة للوجوب بمعنى الطلب الجازم بقطع النظر عن كون الدليل قطعياً أو ظنياً، فإن الخلاف يكون لفظياً. وإن نظر إلى أحكام كل منهما وما يفيده، فإن الخلاف يكون معنوياً؛ فإن أصحاب المذهب الأول - وعلى رأسهم الحنفية - قد ذكروا أحكاماً شرعية وفرَّقوا بينها وبين الأحكام الأخرى، وكان سبب هذا التفريق هو تفريقهم بين " الفرض " و " الواجب ". وقد بسطت القول في ذلك في كتابي: " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، و " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، فارجع إليهما إن شئت. المسألة الثالثة: في صيغ الواجب: الصيغ التي تدل على الواجب هي ما يلي: الأولى: فعل الأمر، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وآتوا الز اة) . الثانية: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) .

стр. 148

الثالثة: اسم فعل الأمر، كقوله تعالى: (عليكم أنفسكم) . الرابعة: المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) . الخامسة: التصريح من الشارع بلفظ الأمر، كقوله تعالى: (إن اللَّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) . السادسة: التصريح بلفظ الإيجاب أو الفرض، أو الكتب، كقوله تعالى: (فريضة من الله) ، وقوله: (كتب عليكم القصاص) . السابعة: كل أسلوب في لغة العرب يفيد الوجوب، كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) . الثامنة: ترتيب الذم والعقاب على الترك، كقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . المسألة الر ابعة: تقسيمات الواجب: الواجب ينقسم بالنظر إلى اعتبارات مختلفة إلى أربعة تقسيمات: التقسيم الأول: الواجب باعتبار ذاته - أي: بحسب الفعل المكلف به - ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: " الواجب المعيَّن ".

стр. 149

القسم الثاني: " الواجب المخيَّر ". فالواجب المعيَّن، مأخوذ من التعيين، وهو: التخصيص، فيكون الواجب المخصَّص. وهو في الاصطلاح: الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً بعينه، دون تخيير بينه وبين غيره. أي: أنه الذي تعين المطلوب به بشيء واحد لا خيار للمكلف في نوعه، فلا يمكن أن تبرأ ذمته - وهو المطالب به - إلا إذا فعله بعينه. ومن أمثلته: الصلوات المفروضة، وصيام رمضان، والزكاة، والحج، وأداء الديون، والوفاء بالعهد، أو نذر عتق هذا العبد، ونحو ذلك. وأما الواجب المخيَّر فهو لغة من التخيير وهو: التفويض. يقال: " خيرته بين الشيئين " إذا فوضت إليه الاختيار. والمراد بالواجب المخيَّر هو الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً لا بعينه، بل خيَّر في فعله بين أفراده المحصورة المعينة. أي: أنه الذي لم يتعين المطلوب به بشيء واحد، وإنما كان له أفراد، وخيَّر المكلف فيه بأن يأتي بما شاء منها. مثاله: كفارة اليمين؛ حيث إن الشارع قد طلب من المكلف أن يكفر عن يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي: " الإطعام " أو " الكسوة " أو " الإعتاق ". ومثل التخيير في فدية الأذى الوارد في قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) .

стр. 150

والمكلف إذا فعل واحداً من الأفراد المعين بينها، فإن ذمته تبرأ، فإن تركها جميعاً أثم بذلك، ويسميه بعضهم بـ " الواجب المبهم ". التقسيم الثاني: الواجب باعتبار وقته وزمن أدائه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول؛ الواجب غير المؤقت، وهو " الواجب المطلق ". القسم الثاني: الواجب المؤقت. أما الواجب المطلق فهو: لغة: مأخوذ من الإطلاق وهو: التخلية والإرسال، والترك، يقال: " أطلقت الأسير ": إذا حللت أسره وأخليت سبيله، ويقال: " أطلقت القول ": إذا أرسلته من غير تقييد ولا شرط. والمراد بالواجب المطلق هو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلبا جازما، ولم يحدد وقتا معيناً لأدائه وإيقاعه فيه. ومن أمثلته: كفارة اليمين؛ حيث إنها واجبة مطلقة. وأما الواجب المؤقت: فهو الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلبا جازما وحدد له وقتا معينا لأدائه وإيقاعه فيه. وهو نوعان: النوع الأول: الواجب المضيَّق، من ضاق يضيق ضيقا: خلاف اتسع، يقال: " ضاق الرجل فهو مضيق عليه ": إذا ضاق عليه معاشه ورزقه، بحيث يكفي يومه فقط بدون زيادة - والواجب المضيَّق اصطلاحاً: هو الفعل الذي طلبه الشارع من المكلف طلبا جازما محدِّداً وقت وزمن أدائه، بحيث يسعه وحده، ولا يسع غيره من جنسه.

стр. 151

أو تقول: إن المراد منه: ما ألزم الشارع المكلف بفعله في وقت مساو لوقت أدائه بلا زيادة ولا نقصان، ويطلق عليه الحنفية اسم "المعيار". مثل: صيام يوم من رمضان، فالشارع ألزم المكلف الذي لا عذر له صيام ذلك اليوم، واليوم يبدأ من الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده لا يتسع لفعل شيء آخر معه. ولا يصح فعله قبل دخول وقته، وإذا فعله بعد خروج وقته يكون فعله هذا قضاء، ولا يمكن أن يقع معه في وقته غيره من جنسه. ويمثل له الشافعية بوقت صلاة المغرب على القول الجديد؛ إنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو بمقدار ما يتطهر، ويستر العورة، ويؤذن، ويقيم الصلاة، ويدخل فيها، فإن أخَّر الدخول عن هذا الوقت أثم. النوع الثاني - من نوعي الواجب المؤقَّت: " الواجب الموسَّع ". والتوسيع لغة: بخلاف التضييق، يقال: " استوسع الشيء ": وجده واسعا. والمراد بالواجب الموسَّع هو: الفعل الذي يكون وقته واسعاً لأدائه وأداء غيره من جنسه. والمراد بالواجب الموسَّع: هو الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه وأداءه طلباً جازماً في وقت يسعه ويسع غيره من جنسه. كالصلوات الخمس، فصلاة الظهر مثلاً واجب موسَّع؛ حيث إنه

стр. 152

يجوز أن يصلي المكلف في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره. التقسيم الثالث: الواجب باعتبار تحديد الشارع للمكلَّف فيه وعدم تحديده ينقسم إلى قسمين. القسم الأول: الواجب المحدَّد. القسم الثاني: الواجب غير المحدَّد. أما الواجب المحدَّد فهو مأخوذ من الحد، وهو الفصل والمنع، يقال: " حدَّ بين الشيئين " أي: فصل بينهما. فالتحديد يكون هو: الفصل بين أشياء بفاصل. فالمراد بالواجب المحدَّد هو: الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً وقد حدَّده الشارع، وقدَّره بمقدار معيَّن وفصله عن غيره. مثل: الصلوات الخمس، فقد حُدِّدت كل صلاة بركعات محددة. ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر إذا كان محدداً. وغسل الرجلين، واليدين، ونحو ذلك. وأما الواجب غير المحدد فهو: الذي لم يعيِّن له الشارع مقداراً معيناً، بل طلبه بغير تحديد. مثل: الطمأنينة في الركوع والسجود. التقسيم الرابع: الواجب باعتبار فاعله، أي: باعتبار المخاطبين به ينقسم إلى قسمين:

стр. 153

القسبم الأول: " الواجب العيني ". القسم الثاني: " الواجب الكفائي ".. فالواجب العيني هو: ما يتحتم أداؤه على مكلف بعينه. أو هو: ما طلب الشارع حصوله من كل واحد من المكلفين مثل: الصلاة، والصيام، والحج، ونحو ذلك. وسُمِّي بالواجب العيني، لأن الفعل الذي تعلَّق به الإِيجاب منسوب إلى العين والذات باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة. فهذا الواجب يلزم الإتيان به من كل واحد من المكلفين بعينه، بحيث لا تبرأ ذمته إلا بفعله. أما الواجب الكفائى فهو: ما يتحتم أداؤه على جماعة من المكلفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أُدِّي الواجب وسقط الإثم والحرج عن الباقين. مثل: الجهاد في سبيل اللَّه إن لم يكن النفير عاماً، والصلاة على الميت، وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، ونحو ذلك. وسُمِّي بالواجب الكفائي، لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من حيث إن فعله من أي فاعل سقط طلبه عن الآخرين، فالقصد من الوجوب الكفائي هو: وقوع الفعل نفسه؛ لما يترتب عليه من جلب مصلحة، أو رد مفسدة بصرف النظر عمن يقع منه ذلك الفعل. وسيأتي - إن شاء اللَّه - البيان التفصيلي لهذه التقسيمات في المسائل الآتية: المسألة الخامسة: الواجب المعيَّن، والواجب المخيَّر: أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وبيان حكمهما:

стр. 154

الواجب المعيَّن - كما سبق بيانه - هو: ما طلبه الشارع بعينه، دون تخيير بينه وبين غيره كالصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، ونحو ذلك. وهذا النوع أكثر الواجبات. وحكمه: عدم براءة ذمة المكلَّف إلا إذا فعله بعينه. أما الواجب المخيَّر - أو المبهم - فهو ما طلبه الشارع لا بعينه، بل خيَّر الشارع في فعله بين أفراده المعينة المحصورة. أو هو: الذي لم يتعيَّن المطلوب به بشيء واحد، وإنما كان له أفراد، وخيَّر المكلَّف فيه بأن يأتي بأي منها. مثل كفارة اليمين، فقد طلب الشارع من المكلَّف أن يكفِّر عن يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي: " الإطعام "، أو " الكسوةً "، أو " العتق "، قال تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) . ومثل: تخيير الإمام في حكم الأسرى بين المن والفداء، قال تعالى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) . ومثل: التخيير في جزاء الصيد الوارد في قوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) ومثل التخيير في فدية الأذى الوارد في قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) . وحكم الواجب المخيَّر: أن المكلف تبرأ ذمته بفعل أي واحد من أفراده فإن تركها جميعاً أثم.

стр. 155

ثانياً: هل الخطاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم أو أنه متعلق بكل الأفراد المخير بينها؟ اعلم أن الخطاب الطالب للفعل طلباً جازماً - وهو ما يعرف بالإيجاب - قد يتعلَّق بفعل معين كالخطاب الطالب للصلاة، والطالب للزكاة، وهو المسمى بالواجب المعين. وقد يتعلق بفعل مبهم من أمور معيَّنة كالخطاب المتعلِّق بكفارة اليمين، وهو المسمَّى بالواجب المخيَّر. فأما الواجب المعيَّن: فلا شك في أن الخطاب المتعلِّق به يقتضي إيجاب ذلك المعين بعينه من صلاة، وصيام وزكاة، وقد أجمع العلماء على ذلك. أما الواجب المخيَّر فقد اختلف العلماء فيه. أي: اختلف العلماء في الخطاب الوارد في الواجب المخيَّر أين يتعلق؟ أو تقول: هل الخطاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم من الأمور المخير بينها، أو أنه متعلق بكل فرد من أفراده؟ اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن الخطاب في الواجب المخيَّر إنما يتعلَّق بواحد مبهم من الأمور المخير بينها. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء من الفقهاء والأصوليين، ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني إجماع سلف الأُمَّة وأئمة الفقهاء عليه. وهو الصحيح عندي، وعلى هذا فالمكلَّف مخير في تحقيق الخطاب في أي فرد من هذه الأفراد المعينة المخيَّر بينها، فأيُّ فردٍ فعله

стр. 156

المكلَّف منها يسقط ما وجب عليه، فمثلاً في كفارة اليمين: لو فعل " الإطعام " سقطت عنه " الكسوة " و " العتق "، ولو فعل "الكسوة" سقط عنه الإطعام، والعتق، ولو فعل العتق سقط الإطعام والكسوة، وهكذا، فالواجب منها واحد لا بعينه، أي: متعلق الإيجاب والخطاب هو الواحد لا بعينه، ويتعين ذلك الواحد بالفعل. فلا يوصف كل واحد من الأمور المخير بينها بأنه واجب بخصوصه. بل يصح أن يوصف بأنه واجب من حيث إن الواجب يتحقق فيه. وقد اخترته للأدلة التالية: الدليل الأول: أن العقل لا يمنع منه: فلو أن السيد قال لعبده: "أمرتك أن تخيط هذا القميص في هذا اليوم، أو تبني هذا الحائط في هذا اليوم أيهما فعلت اكتفيت به، وأثبتك عليه، وإن تركت الجميع عاقبتك، وأنا لا أوجب الخياطة والبناء معاً عليك، بل أوجب أحدهما لا بعينه أيهما شئت ": كان هذا القول معقولاً. فلا يمكن أن يقال: إن السيد لم يوجب على العبد شيئاً، وذلك لأن السيد صرح بعقاب العبد لو ترك الكل. ولا يمكن أن يقال فيه: إن السيد أوجب على العبد فعل الخياطة والبناء معاً في اليوم نفسه، لأن السيد صرح بنقيض ذلك. ولا يمكن أن يقال فيه: إن السيد أوجب على العبد واحداً معينا، لأن السيد صرَّح بلفظة " أو " المفيدة للتخيير. وإذا بطلت هذه الأمور الثلاثة: لم يبق إلا أن يقال: المأمور به واحد لا بعينه: إما الخياطة، أو البناء، أيهما فعل فإنه سينال الثواب من السيد.

стр. 157

الدليل الثاني: العقل لا يمنع من جهة أخرى، حيث لا يمتنع عقلاً أن يتعلق غرض السيد بفعل واحد غير معين، لأن كلًّا من فعل الخياطة، أو فعل البناء يفي بهذا الغرض، وهو: طاعة السيد وعدم مخالفته، فأي واحد منهما فعله العبد، فإنه يكون قد سلم من العقاب، وفاز بالثواب بسبب فعله، فإذا كان الأمر كذلك، فلا مانع من أن يطلب السيد من العبد ما يفي بغرضه، وهو: فعل شيء غير معن - فقط - ويكون التعيين - حينئذ - زيادة وفضلة لا يتعلق بها غرض السيد، فلا يطلبه من العبد. فينتج: أن إيجاب واحد غير معين من أمور محصورة لا مانع منه عقلاً. الدليل الثالث: الوقوع، حيث وقع التخيير بين أمور في الشرع كما ورد في كفارة اليمين؛ حيث قال لعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) . وفي جزاء الصيد على المحرم؛ حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) وفي تخيير الشارع للإمام بين المن والفداء؛ حيث قال تعالى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) . وفي تخيير الشارع للحاج في فدية حلق الرأس لعذر؛ حيث قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) ، وقال ﷺ في كعب بن عجرة -:

стр. 158

" احلق رأسك، وانسك نسيكة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين ". وفي وجوب تزويج المرأة المستحقة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين. وفي وجوب عقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين لها. فعندنا ثلاثة احتمالات في هذه الأمثلة هي كما يلي: الأول: إما أن يقال في هذه الأمثلة الستة: إن المراد وجوب جميع المخيَّر بينها. الثاني: إما أن يقال: إن المراد وجوب واحد بعينه. الثالث: إما أن يقال: إن المراد وجوب واحد لا بعينه. أما الأول - وهو: أن المراد وجوب جميع المخيَّر بينها - فهو باطل؛ لأنه لو كان التخيير يوجب تعلُّق الوجوب بالجميع لترتب على ذلك ما - يلي: ١ - لزوم أن جميع خصال كفارة اليمين واجبة، وهذا خلاف الإجماع. ٢ - ولزم - أيضاً -: الجمع بين جزاء الصيد، وهذا مخالف للصحيح من أقوال العلماء. ٣ - ولزم - أيضا -: الجمع بين المن والفداء بالنسبة للأسرى، وهذا ظاهر البطلان. ٤ - ولزم - أيضا -: الجمع بين الصيام، والصدقة، والنسك في فدية الأذى، وهو خلاف الإجماع.

стр. 159

٥ - ولزم - أيضاً -: تزويج المرأة من الكفؤين الخاطبين معا، وهذا خلاف الإجماع. ٦ - ولزم - أيضا -: عقد الإمامة للرجلين الصالحين لها - معاً - وهذا باطل، لأنه يؤدي إلى الفساد. أما الثاني - وهو: أن المراد وجوب واحد بعينه - فهذا باطل - أيضاً -، لأن الشارع صرح بلفظة " أو " المفيدة للتخيير. فمثلاً: لو كان التخيير يوجب خصلة معينة من خصال كفارة اليمين، أو يوجب تزويج واحد بخصوصه، أو عقد الإمامة لواحد معين، لامتنع التخيير، وهذا باطل؛ ضرورة تحقق التخيير بكلمة "أو"، فيلزم من ذلك بطلان وجوب واحد بعينه. أي: أن التخيير لو كان موجباً لوجوب واحد بعينه، لكان موجباً لنقيضه، لأن التخيير ينافي التعيين، حيث إن التخيير يجوِّز ترك المعين، والتعيين لا يجوّزه فاختلفا. ولا بطل الاحتمال الأول - وهو: أن المراد وجوب الجميع - وبطل الثاني - وهو: أن المراد وجوب واحد بعينه - صح الثالث - وهو: أن المراد وجوب واحد لا بعينه - أي: أن الخطاب متعلق بواحد لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف، فإذا فعل المكلَّف أحد الأفراد المخيَّر بينها كان هو الواجب عليه، ويسقط عنه الباقي. المذهب الثاني: أن الخطاب في الواجب المخيَّر متعلِّق بكل فرد من أفراده المحصورة، أي: أن جميع الأشياء المأمور بها في الواجب المخير واجبة على طريق التخيير، ولم يتعلق الإيجاب بواحدٍ مبهم. ذهب إلى ذلك جمهور المعتزلة، وعلى رأسهم الجبائيان: أبو عليّ وابنه أبو هاشم، ونسب إلى ابن خويز منداد من المالكية.

стр. 160

أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه يستحيل اجتماع الوجوب مع التخيير؛ لأن التخيير ينافي الوجوب؛ لأن معنى وجوب الجميع: أنه لا تبرأ ذمة المكلَّف إلا بفعل الجميع، ومقتضى التخيير: أن الذمة تبرأ بفعل أيها شاء، وهما لا يجتمعان، فيلزم أن الجميع واجب على التخيير. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن هذا الدليل لكم منقوض بخصال كفارة اليمين، والأمثلة التي ذكرناها سابقا. فالله يعلم الأشياء على ما هي عليه، فيعلم الواجب الذي ليس بمعيَّن غير معيَّن، وإذا أتى بها المكلَّف كلها سقط الفرض بالأمر الذهني. الدليل الثاني: أنه يستحيل التكليف بواحد مبهم؛ لأنه مجهول، والتكليف بالجهول محال، فيلزم التكليف بكل - واحد من هذه الأمور. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عن ذلك -: إن الواحد المبهم ليس مجهولا؛ لأن الواجب المخيَّر هو: القدر المشترك الذي يتحقق حصوله بحصول جزء من جزئيات المخيَّر فيه، وحينئذ لا تكون هناك جهالة. الدليل الثالث: قياس الواجب المخيَّر على الواجب الكفائي، بيان ذلك: إنه كما أن الوجوب في الواجب الكفائي على الجميع ويسقط بفعل بعضهم، فكذلك في الواجب المخيَّر نقول بوجوب الجميع، فإذا فعل واحداً سقط الباقي.

стр. 161

جوابه: يمكن أن يجاب - عنه - ويقال: إن هذا القياس فاسد؛ لأمرين: الأول: أنه قياس مع النص؛ حيث وردت نصوص شرعية تفيد وجوب واحد من عدة أمور كخصال كفارة اليمين، والتخيير في الأسرى، والتخيير في جزاء الصيد، والتخيير في فدية الأذى، ونحو ذلك مما سبق. الأمر الثاني: أنه قياس مع الفارق، وذلك لأن تأثيم الواحد المبهم في الواجب الكفائي بعيد، أما التأثيم بترك واحد مبهم في الواجب المخيَّر فهو قريب وممكن. المذهب الثالث: أن الخطاب في الواجب المخيَّر متعلِّق بواحد معيَّن عند اللَّه، غير معيَّن عند المكلَّف، إلا أن اللَّه تعالى علم أن المكلَّف لا يختار إلا ذلك الذي هو واجب عليه، واختياره معرِّف لنا أنه الواجب في حقه. وهذا المذهب يطلق عليه قول التراجم، لأن الأشاعرة ينسبونه إلى المعتزلة، والمعتزلة ينسبونه إلى الأشاعرة. فكل فريق يرجم به الآخر ويتبرأ منه. والصواب: أنه لا يُعرَف قائلُه. وإنما نشأ من مبالغة المعتزلة في الرَّد على الأشاعرة في أسباب تعلُّق الوجوب بالجميع - كما ذكر تاج الدين ابن السبكي في الإبهاج، وذكر أن رواية الأشاعرة له عن المعتزلة لا وجه له، وذلك لأن هذا المذهب ينافي قواعد المعتزلة، ومنها: إيجاب الأصلح على الله تعالى، وعدم تكليف ما لا يطاق.

стр. 162

جوابه: هذا المذهب فاسد، لأمرين: أولهما: أن التخيير معناه: أن الشرع جوَّز للمكلَّف ترك كل واحد من المخيَّر بينها بشرط الإتيان بالآخر، وكونه واجباً على التعيين عند اللَّه يقتضي: أنه تعالى لم يجوِّز لنا تركه ألبتة، والجمع بين الترك وعدم جواز الترك تناقض. أي: أنه لو خير اللَّه - تعالى - بينه وبين غيره مع أنه جعله واجباً على التعيين لكان قد جمع بين جواز الترك وبين المنع منه، وهذا تناقض ظاهر. ثانيهما: أن القول بأن الواجب معيَّن عند اللَّه، وليس معيناً عند المكلَّف يجعل الواجب غير معلوم عند المكلف فلا يمكنه فعله، لجهله فإذا كُلِّف به - مع ذلك -: كان تكليفاً بما لا يطاق، وقد اتفق العلماء على أن التكليف بما لا يطاق غير واقع، وإن اختلفوا في جوازه عقلاً - كما سيأتي إن شاء اللَّه -. وقد ورد الخطاب بأمور معينة قد عطف بعضها على بعض بما يفيد التخيير، وذلك في كفارة اليمين - وغير ذلك من الأمثلة - فالقول بعدم تعيين الواجب للمكلف يلزمه وقوع تكليف ما لا يطاق، فيكون باطلاً. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة قد اختلف فيه على قولين: القول الأول: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له، ولا يترتب عليه أيُّ

стр. 163

أثر، لأن الفريقين قد اتفقا على أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز تركه كذلك. واتفقا - أيضاً - على أنه إذا أتى بواحد منها كفى ذلك في سقوط التكليف، وإذا كان الأمر كذلك فلا فرق في العمل. القول الثاني: إن الخلاف معنوي، وقد أثر في بعض المسائل الفقهية ومنها: ١ - إذا طلَّق إحدى زوجتيه، أو أعتق أحد عبديه. فعلى المذهب الأول: لا يقع الطلاق؛ لأن الواجب مبهم، فالطلاق وقع مبهماً، فلا يقع إلا عند التعيين. وعلى المذهب الثاني: فإن الطلاق وقع على كل واحدة. ٢ - إذا ترك جميع خصال الكفارة - وقلنا: للإمام المطالبة بالكفارات - فعلى المذهب الأول: يجبر الإمام هذا المكلف على فعل واحدة منها من غير تعيين. وعلى المذهب الثاني: يجبر على فعل واحدة منها بعينها. القول الثالث: التفصيل. قال أصحاب هذا القول: إن كون الخلاف لفظيا، أو معنويا راجع إلى تفسير مراد جمهور المعتزلة في قولهم: " إن الخطاب في الواجب المخيَّر متعلِّق بكل فرد من أفراده ". فمن قال: إن جمهور المعتزلة أرادوا بتعلُّقه بكل الأفراد: أنه لا يجوز تركها - كلها -، وإذا فعل المكلَّف جميعها أثيب ثواب واجب واحد، وإذا تركها كلها عوقب عقاب ترك واجب واحد، وإذا فعل واحداً منها يكون قد فعل ما وجب عليه: فإن الخلاف لفظي عنده.

стр. 164

أي: من فسَّر قول جمهور المعتزلة بهذا: فإن قولهم يكون موافقاً لقول جمهور العلماء في المعنى والمراد، فبكون الخلاف في اللفظ، وهذا تفسير بعض العلماء كإمام الحرمين، وأبي الحسين البصري، والبيضاوي. أما من قال: إن جمهور المعتزلة أرادوا بتعلُّقه بكل الأفراد: أنه إذا فعل الأمور كلها، فإنه يثاب عليها ثواب واجبات، هاذا تركها كلها عوقب عليها عقاب تارك واجبات، وإذا فعل واحداً منها سقط عنه غيره: فإن الخلاف معنوي عنده. أي: من فسَّر قول جمهور المعتزلة بهذا: فإن الخلاف يكون معنوياً، لأن مقصودهم يكون مختلفا عن مقصود جمهور العلماء. وهذا تفسير بعض العلماء كابن فورك، والغزالي، وأبي الطيب الطبري، وابن التلمساني، والتبريزي. والراجح عندي هو القول الأول - وهو: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ حيث إن مراد جمهور المعتزلة هو نفسه ما يريده جمهور العلماء ولا فرق، لأن المعتزلة لا يخالفون في أمور ثلاثة: ١ - أنه لا يجب الإتيان بجميع الخصال المخيَّر بينها. ٢ - أن من أتى بواحدة منها فقد برأت ذمته. ٣ - أنه لا يقع التخيير بين الواجب وغيره من مباح ومندوب. وهذا هو قول جمهور العلماء، إذاً: لا خلاف في الحقيقة. وأبو الحسين قد صرَّح بذلك في " المعتمد "، وهو الذي ينبغي أن يعتمد في بيان مراد أصحابه المعتزلة، لأنه أعرف بمقاصدهم. وصرَّح بذلك - أيضاً - المحققون الأصوليون ممن تصدى لتفسير

стр. 165

كلام المعتزلة، وممن التقى ببعضهم كأبي يعلى الحنبلي في " العدة "، وإمام الحرمين في " البرهان "، وفخر الدين الرازي في " المحصول " وابن برهان في " الوصول ". وأما ما ذكر من فروع فقهية، فإن هذا ألزمهم إياه بعض العلماء؟ لقولهم: " إن الكل واجب "، ولم يكن هذا هو نفس قول المعتزلة. ولقد أطلت الكلام في بيان نوع الخلاف في هذه المسألة في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، فإن شئت فارجع إليه. سؤال: إذا كان الخلاف لفظياً، فإنه يكون مقصد المعتزلة هو نفسه مقصد جمهور العلماء، فلماذا عبَّر جمهور المعتزلة بتعبير يخالف ما عبَّر به جمهور العلماء؟ جوابه: أقول - في الجواب عن ذلك -: إن جمهور المعتزلة وصفوا الجميع بالوجوب - وهو تعبير يخالف ما ذكره جمهور العلماء - فراراً من التسوية بين الواجب وغير الواجب؛ بناء على قاعدتهم في " التحسين والتقبيح العقليين "، و " إيجاب الأصلح على اللَّه "؟ حيث قالوا: إن الحكم على الشيء يتبع حسنه أو قبحه، فإيجاب شيء " ما " تابع لحسنه الخاص به، فلو كان الواجب واحداً لا بعينه، والباقي غير واجب لخلا الباقي عن المقتضي للوجوب، وأصبح التخيير بين ما هو واجب، وما ليس بواجب، وهذا لا يقول به أحد، فلا بد من أن يكون واحد لخصوصه مشتملاً على صفة تقتضي وجوبه، وحينئذٍ يوصف كل منها بالوجوب والتخيير. أما نحن فلا نقول بالتحسين والتقبيح العقليين ولا إيجاب الأصلح على اللَّه، فلا مانع - عندنا - من إطلاق الوجوب على واحد منها لا بعينه.

стр. 166

ثالثاً: شروط الواجب المخير: إذا علمنا - في المسألة السابقة - أن الخطاب في الواجب المخيَّر متعلِّق بواحدٍ غير معيَّن، ويتعين بفعل المكلَّف، فهو مخير بين أمور محصورة، فمتى ما فعل واحداً فإنه هو الواجب في حقه، وهذا هو التخيير. ولكن ليس كل تخيير يصح، بل إن التخيير الصحيح له شروط لا يصح إلا بها، هي كما يلي: الشرط الأول: أن تكون الأشياء المخير بينها معلومة للمخاطب ومحصورة ومعينة حتى يحيط بها المكلََّف ويوازن بينها، ويرى ما هو الأصلح، فيختاره ويقوم به. الشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المخير بينها في الرتبة. أي: تكون متساوية في الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فلا يجوز التخيير بين واجب ومندوب، ولا بين واجب ومباح، ونحو ذلك؛ فإن التخيير بين الوجوب وتركه يرفع الوجوب. ولهذا لما استدل داود الظاهري على وجوب النكاح بقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) : ردَّه العلماء؛ لأن قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) فيه تخيير بين النكاح وبين ملك اليمين، ومعروف أن ملك اليمين لا يجب إجماعا، فلذلك امتنع التخيير بين النكاح وملك اليمين. الشرط الثالث: أن تكون الأشياء المخير بينها متميزة للمكلَّف، أي: أن يتميز بعض الأشياء عن بعض، فلا يجوز التخيير بين متساويين من جميع الوجوه لا يتميز أحدها عن الآخر بوصف، كما

стр. 167

لو خيّر بين أن يصلي أربع ركعات وبين أن يصلي أربع ركعات مع تساويهما في جميع الصفات. الشرط الرابع: أن يتعلَّق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح التخييربين شيء يستطيعه، وشيء لا يستطيعه. الشرط الخامس: أن يكون وقت المخيَّر بينها واحداً " حيث يتأتى الإتيان بكل واحد منهما في وقت واحد، بدلاً عن التغاير، فإنه لو ذكر للمكلَّف فعلان مؤقتان بوقتين مختلفين: فإن ذلك لا يكون تخييراً؛ فإنه في وقت الإمكان من فعل الأول لا يتمكن من الفعل الثاني، وفي الوقت الثاني لا يتمكن من الأول، فلا يتحقق وصف التخيير أصلاً، وإنما يتحقق ذلك في شيئين يجوز ثبوت أحدهما بدلاً عن الثاني مع تقدير اتحاد الوقت. نُسب هذا الشرط إلى القاضي أبي بكر الباقلاني. قلت: وهذا الشرط باطل من جهة العقل، ومن جهة الشرع. أما بطلانه من جهة العقل فلأن السيد لو قال لعبده: " عليك خياطة هذا الثوب يوم السبت، أو بناء هذا الجدار يوم الأحد، أيهما فعلت: أثبتك، وإن تركت الجميع عاقبتك " كان هذا القول معقولاً. أما بطلانه من جهة الشرع فلأن الشرع ورد فيه التخيير بين شيئين في وقتين مختلفين، وهو أن المسافر سفر طاعة، فإنه يخير بين أن يصوم وأن يفطر ثم يصوم في وقت آخر. رابعا: هل يجوز الجمع بين الأمور المخيَّر بينها؟ الأمور المعينة المحصورة المخيَّر بينها قد يحرم على المكلف الجمع بينها، وقد يباح الجمع بينها، وقد يندب الجمع بينها.

стр. 168

فمثال الأول: وهو: ما يحرم فيه الجمع بين الأمور المخير بينها: تزويج المرأة من كفؤين متساويين معاً، وكذا مبايعة إمامين للأمة. ومثال الثاني: وهو: ما يباح فيه الجمع بين الأمور المخير بينها: ستر العورة بثوب بعد سترها بثوب آخر، فستر العورة واجب، والمكلف مخير بسترها بأي ثوب شاء متى تعددت عنده الثياب، ويباح له سترها بأكثر من ثوب واحد، فيكون الجمع بين الأثواب في الستر مباحاً. ومثال الثالث: وهو ما يندب فيه الجمع بين الأمور المخير بينها: خصال كفارة اليمين، فإننا نعلم أن الخطاب قد تعلَّق بها على سبيل التخيير بينها، والواجب يسقط بفعل واحد منها، ولكن يندب له الجمع بين " الإطعام " و " الكسوة " و " العتق " زيادة له في الثواب. لكن هنا سؤال وهو: أن المكلَّف إذا جمع بين تلك الخصال - وهي: الإطعام، والكسوة، والعتق - فثواب الواجب هل يكون على أعلاها أو على أدناها، وما زاد نافلة، وكذلك إذا ترك الجميع هل يأثم بترك أدناها، أو أعلاها؟ جوابه: اختلف العلماء في ذلك على مذاهب، إليك أهمها: المذهب الأول: أنه إذا فعل الجميع أثيب ثواب أعلاها، والباقي ندب، وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب، فانصرف الواجب إلى أعلاها، تكثيراً لثوابه. وإذا ترك فعل الجميع عوقب على أدناها " ليقل وباله ووزره. دهب إلى ذلك ابن برهان، وابن السمعاني، وهو قول للباقلاني.

стр. 169

المذهب الثاني: أنه إذا فعل الجميع، فإن الذي يقع واجباً هو العتق، فإنه أعظم ثواباً؛ لأنه أنفع وأشق على النفوس، وهو محكي عن القاضي الباقلاني. المذهب الثالث: أنه يثاب ثواب الواجب على أدناها؛ لأنه لو اقتصر عليه أجزأه، ويثاب على ما زاد ثواب التطوع. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي، حيث إن العمل لا يختلف باختلاف هذه المذاهب. المسألة السادسة: الواجب غير المؤقت: أولاً: بيانه، والأمثلة عليه: الفعل الواجب على المكلََّف قد يحدد الشارع وقتاً معينا لإيقاعه فيه. وقد لا يحدد الشارع لفعله وقتاً معيناً. فالأولى - وهو الذي حدد الشارع له وقتاً معيناً لأدائه وإيقاعه فيه يُسمَّى " واجباً محدداً " أو " واجباً مؤقتاً ". وسيأتي بيانه بالتفصيل. أما الثاني، وهو: الذي لم يحدد الشارع وقتاً معيناً لفعله، فإنه يُسمَى واجباً مطلقاً، أو " واجباً غير مؤقت ". أي: أنه الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلَّف طلباً جازماً، ولم يحدد وقتاً معيناً لأدائه وإيقاعه فيه. مثل: كفارة اليمين، حيث إنها واجبة مطلقة، أي: أن الشارع لم يحدد وقتاً معيناً يجب على المكلَّف أن يؤديها فيه، بل أطلقها وترك تحديد وقتها للمكلَّف.

стр. 170

كذلك الوفاء بالنذر، فإن الوفاء واجب مطلق، حيث لم يحدد الشارع وقت هذا الوفاء، بل تركه لاختيار المكلََّف. وكذلك الحج عند بعض العلماء، وقضاء العبادات التي فاتت من غير تقصير من المكلََّف، فإن جميع ذلك تجب في جميع العمر، وليست نهايته معلومة للمكلَّف. ثانياً: متى يتضيق الوقت - هنا -؟ يتضيق الوقت إذا غلب على ظن المكلَّف عدم البقاء إلى آخر الوقت، فيجب عليه - حينئذ - أن يفعل ذلك الواجب قبل ذلك الوقت الذي غلب على ظنه عدم البقاء إليه، لأنه لا يمكن أن يؤخر الفعل مطلقاً، لأنه يقتضي أن لا يكون واجباً. فلا بد من تأخير الفعل إلى زمن معين لا يجوز التأخير عنه، ولا يمكن ذلك إلا إذا عين هذا الزمن بعلامة أو أمارة، ولا يوجد معين لذلك سوى أن يغلب على ظنه عدم البقاء إلى آخر الوقت. وبناء على هذا فإن المكلف يعصي في هذا بمجرد التأخير عن وقت يظن عدم بقاءه بعده. ثالثاً: هل يعصي بالموت هنا؟ إذا لم يغلب على ظنه الموت في وقت محدَّد، ثم أخَّر فعله بدون عذر، فمات فهل يعصي؟ اخنلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن المكلَّف إذا أخَّر الواجب غير المؤقت حتى مات مع قدرته على فعله في حياته، فإنه يعصي. ذهب إلى ذلك أكثر العلماء. وهو الصحيح عندي " لأن المكلَّف كان يمكنه المبادرة، وفعل

стр. 171

الواجب أثناء حياته فلم يفعل، فالتمكن موجود، والوجوب محقق مع التمكن فيعصي. المذهب الثاني: أنه لا يعصي، وهو مذهب بعض العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه لما أخر فعل الواجب غير المحدد فإنه قد فعل ما له فعله. ذكر ابن السمعاني: أن هذا كان ينتظر تضييق الوقت غير المحدد عليه بغلبة الظن، وذلك أمر معهود بيِّن في غالب أحوال الناس، فإن اخترمته المنية من قبل أن يبلغ المعهود: لم يكن عليه عتب ولم يعص، لأنه كان على عزم إذا تضيق لا يؤخر. جوابه: يجاب عنه: بأن هذا المكلف قد ترك واجباً عليه إلى أن مات مع قدرته على فعله قبل موته، فلا يوجد له عذر، فيكون عاصياً. أما ما اعتاده الناس فلا يلزمنا. الدليل الثاني: القياس على الواجب الموسَّع، بيانه: أنه كما أن مؤخر الصلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها في الواجب الموسع لا يعصي لو مات قبل الفعل، فكذلك مؤخر الواجب المطلق لا يعصي لو مات قبل الفعل. جوابه: يجاب عنه بأن هذا قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق. ووجه الفرق: أن وقت الواجب الموسَّع قصير، أما وقت الواجب المطلق فهو طويل، لأنه العمر كله كما سبق. المذهب الثالث: التفريق بين الشيخ والشاب.

стр. 172

فالشيخ الكبير يعصي إذا أخَّر ثم مات. أما الشاب فلا يعصي إذا أخَّر ثم مات. وهو اختيار الغزالي. وفسَّر بعض العلماء التأخير المستنكر ببلوغه نحواً من خمسين، أو ستين، لأن العمر في الأغلب من الناس ستون لقوله ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ". جوابه: يجاب عنه بأن هذا لا ضابط له، فقد يكون الشيخ أكثر صحة من الشاب، وكم من شيخ قد ورث بعض أولاده، أو كلهم. فإن قيل: إن هذا المذهب ورد على الأغلب في أحوال الناس. قلت: هذا صحيح، ولكن مذهبنا - وهو المذهب الأول - أقوى منه، لما قلناه من الاستدلال، ولما فيه من الاحتياط. والله أعلم. المسألة السابعة: الواجب المضيًّق، والواجب الموسَّع: أولاً: أقسام الوقت الذي حدده الشارع: الفعل الواجب على المكلَّف قد لا يحدد الشارع وقتا معيناً لإيقاعه فيه، وقد يحدد الشارع لفعله وقتا معينا. فالأول - وهو الذي لم يحدد الشارع له وقتا معينا لأدائه وإيقاعه فيه -: يُسمَّى واجباً مطلقا مثل كفارات الأيمان، وقضاء ما فاته من صيام رمضان عند الحنفية، والواجب بالنذر المطلق - وقد سبق بيانه. والثاني - وهو الذي حدد الشارع له وقتا معينا لأدائه فيه - يسمى واجبا مؤقتاً.

стр. 173

والوقت الذي حدًّده الشارع لإيقاع وأداء الواجب فيه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون وقت الفعل أنقص من الفعل، بحيث إن الوقت لا يمكن إيقاع الفعل كله فيه، فهذا لا يجوز التكليف به؟ لأنه تكليف بما لا يطاق، إلا إذا كان القصد من التكليف بالفعل في هذا الوقت الناقص هو: ابتداء الفعل فيه، ثم إكماله بعد هذا الوقت، بحيث إذا لم يبتد الفعل في هذا الوقت يكون قضاؤه واجبا عليه، فالتكليف به من هذه الناحية جائز عقلاً، وواقع شرعا، فإن الصبي إذا بلغ وقد بقى من الوقت ما يسع ركعة، والمجنون إذا أفاق من جنونه وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، والحائض إذا انقطع حيضها وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، فإن هؤلاء الثلاثة تجب عليهم الصلاة، فإذا لم يبتدئها كل منهم في الوقت الباقي وجب عليهم القضاء. القسم الثاني: أن يكون وقت الفعل مساويا له، أي: أن يكون الوقت الذي حدَّده الشارع لفعل الواجب فيه على قدر الفعل، بحيث لا يزيد عن الفعل، ولا ينقص عنه كصوم رمضان، ويُسمَّى هذا ب " الواجب المضيَّق ". القسم الثالث: أن يكون وقت الفعل أزيد من الفعل، بحيث إن الوقت يسع الفعل عدة مرات، وهذا الذي يُسمَّى بـ " الواجب الموسَّع ". ونظراً لعدم وقوع التكليف في القسم الأول، فإنه لم يبق إلا القسمان: " الثاني ": وهو الواجب المضيق، والثالث: وهو الواجب الموسَّع.

стр. 174

ثانياً: تعريف الواجب المضيق والواجب الموسع مع الأمثلة عليهما: الواجب المضيق - كما قلنا فيما سبق -: ما كان وقته يسعه ولا يسع غيره من جنسه. أي: هو: ما ألزم الشارع المكلف بفعله في وقت مساو لوقت أدائه وإيقاعه بلا زيادة أو نقصان مثل صيام يوم من رمضان، فالشارع ألزم المكلف الذي لا عذر له بصيامه، واليوم يبدأ من الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده لا يتسع لفعل شيء آخر معه، ويكون الفعل باطلاً لو فعله قبل الوقت، ويكون قضاء لو فعل بعد الوقت لعذر، ولا يقع معه في وقته غيره من جنسه. والواجب المضيَّق اتفق العلماء على ثبوته. أما الواجب الموسع فهو: ما كان وقته واسعا لأدائه وأداء غيره من جنسه. أي: هو: " الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه وأداءه طلبا جازما في وقت يسعه ويسع غيره من جنسه " مثل: صلاة الظهر، فإن الشارع قد ألزم المكلف بفعلها في وقت محدد يزيد عن وقت أدائها بحيث يمكن فعلها، وفعل غيرها من جنسها في ذلك الوقت. ثالثا: الواجب الموسع هل هو ثابت؟ لقد اختلف العلماء في ذلك الواجب الموسع هل هو ثابت أو لا: على مذهبين: المذهب الأول: أن الواجب الموسع ثابت، ويكون وقت أداء الواجب الموسع هو جميع الوقت.

стр. 175

أي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أيِّ جزء من أجزاء وقته على حسب اختيار المكلف. فيكون المكلف مخيراً في أن يوقع الفعل في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهذا هو الصحيح، للأدلة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) . وجه الدلالة: أن هذا الأمر عام يتناول جميع أجزاء الوقت المذكور من غير إشعار بالتخصيص ببعض أجزائه. فليس المراد من الأمر تطبيق أول فعل الصلاة فى أول الوقت وآخر الفعل في آخر الوقت؛ لأن هذا خلاف الإجماع. وليس المراد من الأمر: إقامة الصلاة في كل وقت من أوقاته، فلا يخلو جزء من الوقت من الصلاة، فهذا - أيضاً - خلاف الإجماع. وليس المراد من الأمر: تعيين جزء من الوقت لاختصاصه بوقوع الواجب فيه؛ لأن اللفظ الوارد في الآية عام، ولا يوجد مخصص. فلم يبق إلا أن يكون المراد من الأمر هو: أن كل جزء من الوقت صالح لوقوع الواجب فيه باختيار المكلف، ضرورة امتناع قسم آخر. الدليل الثاني: أن جبريل ﵇ قد صلى بالنبي ﷺ أول الوقت وآخره، ثم قال له - بعد ذلك -: " يا محمد: هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين "، وفى رواية: "الوقت ما بينهما ".

стр. 176

وجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - حينما فرض الصلاة أتى جبريل - علمه السلام - إلى النبي ﷺ ليعلمه أوقاتها وأفعالها، فصلى به مرة في أول وقتها، وصلى به مرة أخرى في آخر وقتها، فقال - حينئذ -: " الوقت ما بين هذين "، وهذا يفيد تخيير المكلَّف في أداء الصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد لها، أي: أن الإيجاب يتناول جميع أجزاء الوقت، وليس تعيين بعض أجزاء الوقت للوجوب بأوْلى من تعيين البعض الآخر. الدليل الثالث: العقل دلَّ على ثبوت الواجب الموسَّع، بيانه: أن السيد لو قال لعبده: " قد أوجبت عليك بناء هذا الجدار في هذا اليوم في أي جزء منه، إن شئت في أوله، أو في وسطه، أو في آخره، فمهما فعلت: تكون قد امتثلت أمري، وإن لم تفعل: تكون قد خالفت أمري " كان هذا الكلام معقولاً، ولا يمكن أن يقدح في صحته أحد. فلا يمكن أن يقال: إن السيد لم يوجب على العبد شيئاً؛ لأن العبارة واضحة أنه أوجب عليه فعل شيء. ولا يمكن أن يقال: إن السيد قد أوجب على العبد بناء الجدار في وقت واحد فقط فضيق عليه، لأنه صرح بالتوسع، حيث قال له: " إن شئت في أوله، أو في وسطه، أو في آخره ". فلم يبق إلا أنه أوجب عليه بناء الجدار في ذلك اليوم ووسع عليه في هذا الإيجاب بدليل لفظه في المثال، مما يدل على تخييره في الوقت. الدليل الرابع: قياس الواجب الموسع على الواجب المخير، بيانه:

стр. 177

كما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير كخصال كفارة اليمين - إما الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق - كذلك يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة، فإن الصلاة في أول الوقت كالصلاة في وسطه، والصلاة في آخره، ولا فرق بينها في سقوط الغرض وحصول المصلحة. المذهب الثاني: إنكار الواجب الموسَّع. أي: عدم وجود واجب موسع في الشريعة، بل إن الإيجاب متعلِّق في وقت معين، وهو أول الوقت، أو آخره - كما سيأتي تفصيل الخلاف فيه: دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن التوسع ينافي ويناقض الوجوب. أي: أن الوجوب مع التوسعة يتنافيان؛ لأن الواجب لا يجوز تركه، وهذا يجوز تركه عن الوقت الذي وصفتموه بالوجوب فيه، وهو أول الوقت وآخره، فلا يكون للواجب الموسع حقيقة. قال ابن العربي في " المحصول " - مبينا ذلك -: " إن جواز التأخير مع خيرة المكلَّف بين الفعل والترك يضاد الوجوب ". جوابه: يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أننا لم نجوِّز ترك الفعل في أول الوقت مطلقا، بل جوَّزنا ترك الفعل في أول الوقت بشرط العزم على الفعل في آخر الوقت. الجواب الثاني: أن جواز التأخير إنما يضاد الواجب المضيَّق، أما

стр. 178

الواجب الموسع فلا، لأنه يجوز ترك فعل الواجب الموسع في أول وقته، وفعله في وسطه، أو في آخره، حيث إنه مخير بين أجزاء الوقت الموسع، قياسا على الواجب المخير، بيان ذلك: أن الواجب الموسع يرجع - في حقيقته - إلى الواجب المخير - كما قلنا سابقاً -، لأن الفعل واجب الأداء في وقت " ما ": إما في أوله، أو وسطه، أو آخره، فجرى ذلك مجرى قولنا في الواجب المخير: " إن الواجب إما هذا أو ذاك ". فكما أنا نصف الخصال بالوجوب على معنى: أنه لا يجوز الإخلال بجميعها، ولا يجب الإتيان بها جميعاً، وإنما تجب خصلة واحدة غير معينة، فكذلك هنا: يجب على المكلف أن يفعل ما وجب عليه في أي وقت شاء من هذا الوقت المحدَّد: إما في أوله، أو في وسطه، أو في آخره، ونحن لم نوجب الفعل في أول الوقت بخصوصه حتى يورد علينا جواز إخراجه عنه، بل خيَّرناه بينه وبين ما بعده. رابعاً: فرق منكري الواجب الموسع، وأدلة كل فرقة مع الجواب عنها: إن المنكرين للواجب الموسع قد اتفقوا على إنكاره، ولكنهم اختلفوا - فيما بينهم - في أي جزء من الوقت يتعلق الإيجاب؟ على فِرَق: الفرقة الأولى قالت: إن الوجوب متعلِّق بأول الوقت. أي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأول من أجزاء الوقت، فإذا مضى من الوقت ما يسع الفعل ولم يفعل المكلف الواجب فيه، وفعله في غيره من أجزاء الوقت: كان هذا الفعل قضاء، لا أداء.

стр. 179

نسب هذا إلى بعض الشافعية، وإلى بعض المتكلمين: قلت: لقد بيَّنت في كتابي " الواجب الموسع عند الأصوليين " أن كثيراً من الشافعية قد أنكروا أن يكون هذا في مذهبهم، وذكرت أن الشافعية قد اختلفوا في السبب الذي من أجله عزي هذا إلى مذهبهم، وأطلت الكلام عن هذا، وحققت القول فيه، فارجع إليه إن شئت. أدلة هذه الفرقة على أن الوجوب متعلق بأول الوقت: الدليل الأول: قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) ، وقوله: (فاستبقوا الخيرات) ، وقوله: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض) . وجه الدلالة: أن اللَّه قد أمرنا في هذه الآيات بالاستباق إلى الخير، والمسارعة إليه، ولا شك أن فعل الواجب في وقته مسارعة واستباق إلى الخير، فمن أخَّره عن أول وقته يكون مخالفاً لذلك الأمر. جوابه: يمكن أن يجاب عن ذلك بأن تلك الآيات الدالة على الاستباق والمسارعة لا دلالة فيها على المطلوب، وذلك لأن دلالتها على المسارعة والاستباق إلى أسباب المغفرة ثبت عن طريق الاقتضاء، والمقتضى لا عموم له. ولئن سلمنا أن للمقتضى عموما، فإننا لا نسلِّم أن هذا الأمر للوجوب، بل هو للندب؛ لأمرين: أولهما: الإجماع على ذلك.

стр. 180

ثانيهما: أنه لو كان للوجوب للزم منه تخصيصات لا حصر لها، وهو خلاف الأصل. وإذا ثبت ذلك لم تكن الآيات دالة على اختصاص الوجوب بأول الوقت، بحيث لا يجوز التأخير عنه، بل يجوز التأخير عنه بشرط العزم على فعله في آخر الوقت، ونحن نقول به. الدليل الثاني: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الصلاة في أول الوقت رضوان، وفي آخره عفو اللَّه ". وجه الدلالة: أن هذا النص اقتضى أن فعل الصلاة في آخر الوقت معصية تتطلب العفو، ولو كان المكلَّف مخيراً بأي جزء من هذه الأجزاء وقع الفعل فيه: لما كان تأخيره للواجب عن أول الوقت موجباً للعفو والغفران، لأن العفو إنما يكون عن ذنب أو معصية، وبذلك يكون الحديث دالاً على أن وقت الفعل هو الجزء الأول منه، وما بعده وقت لقضائه. جوابه: يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أن هذا الحديث فيه يعقوب بن الوليد، وهذا قد كذَّبه الإمام أحمد، وسائر الحُفَّاظ، وقال ابن حبان: " ما رواه إلا يعقوب، وكان يضع الحديث على الثقات "، وأخرجه الدارقطني بسند ضعيف. فإذا ثبت ذلك فلا يصح الاحتجاج بالحديث على إثبات قاعدة أصولية كهذه، وهي: " أن الوجوب متعلق بأول الوقت ". الجواب الثاني: على فرض صحة الحديث، فإنه يفيد الترغيب
следующие страницы →