← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وأدناها: عدم الثواب وعدم العقاب على الفعل والترك، وهذا هو الإباحة. فالثالث يفهم منه: جواز الإقدام على الفعل، وهو قدر مشترك بين المراتب الثلاث، وهو: الإباحة، فهي إذن: درجة متيقنة. أما الدرجتان الأولى والثانية - وهما الوجوب والندب - فإنه مشكوك فيهما، فنحن نحمل الأمر على ما تيقنا منه، وهو: الإباحة، ونترك ما شككنا فيه إلى أن ترد قرينة من خارج، فيكون الأمر المطلق يقتضي الإباحة. جوابه: إنكم جعلتم - هنا - الإباحة من درجات الأمر، وهذا ليس بصحيح؛ لوجود الفرق بين الإباحة والأمر من وجوه هي كما يلي: الوجه الأول: الفرق من جهة التعريف، فتعريف الأمر يختلف عن تعريف المباح، فقد عرفنا الأمر بأنه: " استدعاء الفعل بالقول ... " - كما سبق - وعرفنا المباح بأنه: " ما أذن اللَّه في فعله وتركه غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه "، فاتضح من ذلك: أن الأمر طلب واستدعاء، بخلاف الإباحة فإنها إذن في الفعل وإطلاق للفاعل من تقييده بأي شيء. الوجه الثاني: الفرق من جهة وضع اللغة؛ حيث إن اللغة وضعت لفظ " افعل " للأمر، ولفظ " لا تفعل " للنهي، ووضعت عبارة: " إن شئت أفعل وإن شئت لا تفعل " للإباحة، فإنا بمعرفتنا بوضع اللغة ندرك تفرقة بين هذه الصيغ والألفاظ: فلفظ: " افعل " يقتضي طلب شيء، ويمنع من الإخلال بالمأمور به، ولفظ: " لا تفعل " يقتضي النهي ويمنع من فعل المنهي عنه، ولفظ: " إن شئتْ

стр. 1262

افعل وإن شئت لا تفعل " يفيد عدم الطلب، ولا يمنع المخاطب من الفعل ولا من الترك. الوجه الثالث: الفرق من جهة الضرورة؛ حيث إنا علمنا بالضرورة اختلاف معاني هذه الصيغ، وأنها ليست بألفاظ مترادفة، فصيغة: " افعل " وضعت للأمر، و " لا تفعل " وضعت للنهي، و" إن شئت افعل وإن شئت فلا تفعل "، وضعت للإباحة، فعلمنا التفرقة بينها كما علمنا التفرقة بين " قام " و " يقوم "؛ حيث إن لفظ " قام " وضع للماضي، ولفظ " يقوم " وضع للمضارع والمستقبل. فإذا علمنا هذه الفروق بين الأمر والإباحة فكيف تجعلون الإباحة من درجات الأمر بالفعل؟! المذهب الرابع: التوقف في معنى صيغة " افعل " حتى يرد دليل أو قرينة تدل على المعنى المراد. وهو مذهب كثير من الأشاعرة، ونسب إلى أبي الحسن الأشعري، والقا ضي الباقلاني، والغزالي، وصحَّحه الآمدي. واختلف في تفسير ذلك: فمنهم من قال: معناه: أن الصيغة موضوعة لواحد من اثنين هما: الوجوب والندب، ولكن لا يدري عينه. ْومنهم من قال: معناه: أننا لا ندري ما وضعت له الصيغة أهو الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو التهديد، أو: أنها مشتركة بينها بالاشتراك اللفظي. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن صيغة: " افعل " ترد والمراد بها الايجاب،

стр. 1263

وترد والمراد بها الندب، وترد والمراد بها الإباحة، وترد والمراد بها التهديد، وليس حملها على أحد فذه الوجوه بأوْلى من حملها على الوجه الآخر، فوجب التوقف فيها. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن هذه الصيغة - وهي افعل - إذا وردت مجردة عن القرائن تحتمل غير الوجوب، وإنما تحمل على غير الوجوب بقرينة قياسا على لفظة: " أوجبت "، فإنها لغة تحمل على الوجوب عند الإطلاق، وتحمل على غير الوجوب بسبب قرينة مثل قوله ﷺ : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم ". الجواب الثاني: أن ما قلتموه يبطل بأسماء الحقائق كالأسد والحمار، فإنه يجوز استعمالهما في الرجل عند وجود القرينة، ثم هو حقيقة في الحيوان المفترس والحيوان البهيم عند الإطلاق. الدليل الثاني: أنها لو كانت صيغة " افعل " حقيقة في الوجوب أو الندب، أو الإباحة: لما حسن الاستفهام من المأمور بها: فيقول السيد لعبده: " اسقني ماء " فيحسن من العبد أن يقول: هل أمرتني إلزاما أو ندبا؟ جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن الاستفهام يحسن من المأمور بهذه الصيغة إذا تجردت عن القرينة.

стр. 1264

الجواب الثاني: أنه قد يحصل استفهام من المأمور بها، ولكن هذا جاء احتياطا، ومنعا من اتساع الفهم. الدليل الثالث: أن استعمال صيغة " افعل " في الندب والإباحة أكثر من استعماله في الوجوب، ولا يجوز أن يكون موضوعا للوجوب مع استعماله في غيره أكثر. جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه يستعمل في الندب والإباحة أكثر، بل إن استعمال لفظ " افعل " في الوجوب أكثر - كما مر من حمل الصحابة لهذه الصيغة على الوجوب، وكذا أهل اللغة -. الجواب الثاني: إن صح ما قلتموه وهو: أن استعمالها في الندب والإباحة أكثر دليل على أن صيغة: " افعل " حقيقة فيهما، وليس بدليل على التوقف - كما زعمتم -. الجواب الثالث: أن هذا الدليل لا يمنع أن تكون صيغة: " افعل " حقيقة في الوجوب؛ لأنه لا يمتنع أن يكون اللفظ حقيقة في شيء ويُستعمل في غيره أكثر، يدل على هذا: أن " الغائط " حقيقة في المطمئن من الأرض، واستعماله فيما يخرج من الإنسان ممثر. وكذلك " الراوية " حقيقة في الجمل الذي يحمل المزادة، واستعماله في المزادة أكثر. وكذلك " الوطء " حقيقة في الدوس، واستعماله في الجماع أكثر. الدليل الرابع: إن كون هذه الصيغة وهي: " افعل " موضوعة للوجوب أو الندب أو الإباحة، إما أن يعلم عن طريق العقل، أو

стр. 1265

النقل، وكل ذلك باطل، فلا دليل لكي على تعيين أحد هذه الأقسام، فتبقى صيغة " افعل " مشتركة بينها، فوجب التوقف، بيان ذلك: إن زعمتم أن العقل دلَّ على أحد هذه الأقسام، فهذا باطل؛ لأنه لا مدخل للعقل في اللغات. وإن زعمتم أن النقل دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل - أيضاً -؛ لأن النقل قسمان: " متواتر "، و " آحاد ": فإن زعمتم أن المتواتر دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل؛ لأن المتواتر لو أثبت ذلك لعلمناه مثل ما علمتموه، ولقلة التواتر. وإن زعمتم أن الآحاد دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل أيضا؛ لأن كون صيغة " افعل " للوجوب أو للندب قاعدة أصولية، والقاعدة الأصولية قطعية، والآحاد ظني، والظني لا يقوى على إثبات القطعي، فثبت أنه لا دليل على تعيين أحد هذه الأقسام، إذن: يجب التوقف. جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: أن هذا الكلام مطالبة بالدليل، والمطالبة بالدليل ليس بدليل. الجواب الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل: فإنا قد أثبتنا بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وإجماع الفقهاء، وأهل اللغة واللسان على أن صيغة " افعل " إذا تجردت عن القرائن تقتضي الوجوب.

стр. 1266

الجواب الثالث: نحن معكم بأن العقل لم يدل على أن " افعل " للوجوب، لأن العقل لا مدخل له في اللغات، ونحن معكم - أيضاً - على أن ذلك لم يثبت عن طريق التواتر، لقلة التواتر وندرته. ولكن لا نوافقكم على أن الآحاد لا يثبت قاعدة أصولية مطلقا، بل في ذلك تفصيل: فإن كانت القاعدة الأصولية علمية - أي: ليست وسيلة إلى العمل - فهذه لا تثبت بالآحاد. وإن كانت القاعدة الأصولية عملية - أي: هي وسيلة إلى العمل - فهذه تثبت بالآحاد، قياسا على العمل بخبر الواحد بالفروع. فهذه القاعدة - وهي اقتضاء صيغة " افعل " للوجوب - إن لم تثبت بأدلة قطعية، فلا أقل من أنها ثابتة بادلة ظنية، وهي: ما فهم من الآيات والأحاديث الآحادية، وإجماع الصحابة السكوتي، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز التوقف. هذه الأجوبة إنما تصح إذا كان سبب توقفهم هو: عدم ثبوت أدلة ترجح أحد الأقسام. الدليل الخامس: قياس لفظ " افعل " على اللفظ المشترك كالعين والقرء، فكما أنا لا ندري ما المقصود من لفظ " العين "، أهو: المذهب، أو الشمس، أو الجارية، أو الباصرة، فكذلك لا ندري ما المقصود بلفظ: " افعل " أهو: الوجوب أو الندب، أو الإباحة، فلذلك نتوقف فيها كما توقفنا في اللفظ المشترك. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ أن لفظ " افعل " مثل اللفظ المشترك، بل بينهما فرق

стр. 1267

وهو: أن لفظ " افعل " يفهم منه ترجيح الفعل على الترك، وهذا قد أجمعتم معنا عليه، وبهذا خالف اللفظ المشترك كالعين، حيث إنه لايفهم منه معنى معين. وبناء على ذلك: فإنه يلزمكم أن تتوقفوا، بل تنزلوا الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب: وهو طلب الفعل، وأن فعله خير من تركه - وهذا هو الندب - أما ما زاد على ذلك - وهو: لزوم العقاب على الترك، فلكم أن تتوقفوا فيه، وعلى هذا يكون توقفكم المطلق ظاهر البطلان. الدليل السادس: أن صيغة " افعل " لا تفيد شيئاً، وإنما هي معنى قائم في النفس مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أي شيء إلا بقرينة. جوابه: إن هذا باطل؛ لأن واضع اللغة قد وضع كل لفظ لمعنى، هذا في الأصل، فلا يوجد أي لفظ إلا وله معنى قطعي أو ظني. ويلزم من كلامكم في دليلكم هذا ما يلي: أولها: أنه يسفه الواضع لهذه اللغة، وأنه يتكلم بكلام لا معنى لبما. ثانيها: أن تلك الألفاظ لا فائدة فيها بمجردها، فيكون وضعها عبثا فهي لا تفيد شيئاً. ثالثها: أن تقدير قرينة - هاهنا - كتقدير قرينة في سائر أنواع الأدلة من الكتاب والسُّنَّة، وهذا يبطلها كلها. أي: أنه إذا كانت صيغة " افعل " لا تفيد شيئاً إلا بقرينة،

стр. 1268

فكذلك الآيات والأحاديث لا تفيد شيئاً إلا بقرائن؛ لأنها كلها ألفاظ، واشتراط القرينة هنا يجعل المسلم لا يعمل بأي لفظ إلا بقرينة، وهذا يبطل جميع الأدلة، وبذلك تخلو الألفاظ عن الفائدة، وتختل أوامر الشرع العامة، وهذا لا يقوله عاقل. وإذا كانت هذه الأمور تلزم من قولكم في دليلكم هذا: فإنه يكون باطلاً بلا شك. تنبيه: المذاهب في هذه المسألة أكثر مما ذكرت، لكن لم أذكر إلا المهم منها؛ لتأثر الفروع الفقهية فيما ذكرته. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي وهو ظاهر، وأمثلة تأثر الفروع الفقهية بهذا الخلاف كثيرة، ومن ذلك: ١ - اختلافهم في الإشهاد على المراجعة هل هو واجب أو لا؟ فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق للوجوب - يقولون: يجب الإشهاد على المراجعة؛ لقوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) ، فقالوا: إن المراد بالإمساك: المراجعة، والإشهاد على المراجعة مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب، فإن ترك الإشهاد فهو آثم. أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق للندب - فإنهم يقولون: إن الإشهاد مندوب إليه، فإن ترك الإشهاد فلا إثم عليه؛ استدلالاً بقاعدتهم هنا. أما أصحاب المذهب الثالث - وهم القائلون: إن الأمر المطلق

стр. 1269

للإباحة - فإنهم يقولون: إن الإشهاد مباح، فإن ترك الإشهاد أو فعله فلا إثم ولا أجر له. أما أصحاب المذهب الرابع - وهم القائلون: إن الأمر المطلق يتوقف فيه - فإنهم يقولون: لا يجوز أن يشهد حتى ترد قرينة تدل على وجوبه، أو عدم ذلك. ٢ - إذا قال السيد لعبده أو الوالد لولده: " اسقني ماء ". فأصحاب المذهب الأول قالوا: يجب عليه أن يسقيه، فإن لم يفعل عاقبه. وأصحاب المذهب الثاني والثالث والرابع قالوا: لا يجب عليه أن يسقيه وإن لم يفعل: لا يعاقب. ٣ - هل الوعيد على الترك مأخوذ من نفس لفظ " افعل "؛ فذهب أصحاب المذهب الأول إلى أن الوعيد على الترك مستفاد من نفس صيغة " افعل ". أما أصحاب المذاهب الأخرى فذهبوا إلى أن الوعيد على الترك مأخوذ من قرائن اقترنت بهذا الأمر.

стр. 1270

المطلب السابع هل اقتضاء الفعل للوجوب ثبت عن طريق الشرع أو غير ذلك الطريق ؟ لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المطلب السابق - وهم القائلون: إن الأمر المطلق يقتضي الوجوب - فيما بينهم هل اقتضى الأمر المطلق الوجوب بوضع الشرع أو اللغة، أو عن طريق العقل على مذاهب: المذهب الأول: أن صيغة " افعل " اقتضت الوجوب بوضع اللغة، وهذا هو الحق لدليلين: الدليل الأول: أنه قد ثبت عن أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصياً وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذكر الأمر، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يقتضي دلالة الأمر المطلق على الوجوب. الدليل الثاني: أن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم. المذهب الثاني: أن صيغة " افعل " اقتضت الوجوب بوضع الشرع " لأن النصوص الشرعية هي التي بيَّنت أن مخالف الأمر متوعد بالعقاب والعذاب الأليم،. وبذلك يكون مطلق الأمر يقتضي الوجوب. المذهب الثالث: أن صيغة " افعل " اقتضت الوجوب عن طريق العقل؛ لأن العقل هو الذي ربط بين " افعل "، وبين معاقبة تارك المامور به، ونتج عن هذا: أن افعل للوجوب.

стр. 1271

جوابهما: يجاب عن المذهبين الثاني والثالث، ودليل كل واحد منهما بأن هذا كله راجع إلى اللغة وفهمها لو دققوا النظر. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ لأننا إذا قلنا: إن الأمر يقتضي الوجوب بوضع اللغة: وجب حمل الأمر على الوجوب، سواء كان ورد من الشارع أو غيره إلا ما خرج بدليل. أما إذا قلنا: إن الأمر اقتضى الوجوب من جهة الشرع أو العقل كان الوجوب مقصوراً على أوامر صاحب الشرع، والأوامر التي يقتضي العقل أنها للوجوب فقط.

стр. 1272

المطلب الثامن بيان نوع القرينة التي تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره لقد اتفق القائلون: " إن الأمر المطلق يقتضي الوجوب " على أنه لا يصرف عنه إلا بقرينة، ولكنهم اختلفوا في نوع هذه القرينة على مذهبين: المذهب الأول: أن أيَّ قرينة قوية تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره، وهذا مطلق، أي: سواء كانت نصاً، أو إجماعا، أو قياساً، أو مفهوماً، أو فعلاً، أو مصلحة، أو ضرورة، أو سياق كلام، أو أية قرينة مقالية أو حالية تصلح أن تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره، وهذا هو الحق؛ لأن القرينة مما ذكرنا تعتبر دليلاً شرعياً، فلو لم نأخذ بها للزم من ذلك ترك دليل شرعي قد ثبت، وهذا لا يجوز. المذهب الثاني: أن القرينة التي يؤخذ بها لصرف الأمر من الوجوب إلى غيره هي: نص آخر، أو إجماع فقط. وهو مذهب الظاهرية وعلى رأسهم ابن حزم. دليل هذا المذهب: أن النص الآخر والإجماع دليلان يقويان على صرف الأمر من الوجوب إلى غيره، أما غيرهما من القرائن فليست في مستواهما من القوة، فالعدول عن الوجوب بغيرهما انحراف عن الطريق الصحيح وتقول على اللَّه ورسوله، وخروج على مدلولات الخطاب في لغة القرآن والسُّنَّة.

стр. 1273

جوابه: لا نسلم أن غير النص والإجماع لا يصلح أن يكون قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره، بل كل قرينة معتبرة شرعا تصلح أن تكون صارفة كما صلحت أن تكون دليلاً إلى حكم شرعي يعمل، ولا فرق، فإن منعتم أن تكون أية قرينة صارفة فامنعوا أن تكون دليلاً، وهذا يلزم منه: ترك أكثر أدلة الشريعة، وهذا إبطال لها، وهذا لا يجوز. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - مكاتبة العبد الرقيق. فذهب الجمهور إلى أن مكاتبة الرقيق المسلم الذي فيه خير للإسلام مندوب إليها؛ والأمر الوارد في قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) مصروف من الوجوب إلى الندب؛ لإقرار النبي ﷺ بعض الصحابة، حيث إنهم لم يعتقوا عبيدهم مع أن فيهم خيراً للإسلام والمسلمين، ولأنه يترتب على ذلك تعطيل الملك وتحكم المماليك في المالكين. أما أصحاب المذهب الثاني - وهم الظاهرية - فقالوا: إن المكاتبة واجبة، وعلى السلطان أن يجبر المالكين على المكاتبة؛ لأن الأمر الذي في الآية السابقة للوجوب، ولا يوجد صارف من النص، أو الإجماع له. ٢ - وليمة العرس هل هي واجبة؟ فأصحاب المذهب الأول يقولون: إن وليمة العرس ليست واجبة

стр. 1274

والأمر الوارد في قوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج -: " أولم ولو بشاة " مصروف عن الوجوب إلئ الندب؛ لأنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة. أما أصحاب المذهب الثاني وهم الظاهرية فيقولون: إن الوليمة واجبة؛ لأن الأمر الوارد في الحديث السابق مطلق، والأمر المطلق للوجوب، ولا يوجد صارف من نص أو إجماع. ٣ - الأكل من هدي التطوع هل هو واجب أو لا؟ أصحاب المذهب الأول - هم الجمهور - قالوا: إن الأكل من الهدي ليس بواجب بل هو مندوب، والأمر الوارد في قوله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها) مصروف من الوجوب إلى الندب والقرينة الصارفة هي أن الآية قد جاءت مبطلة لما كان عليه العرب في جاهليتهم؛ حيث إنهم كانوا لا يأكلون من النسك، فأذن الله سبحانه في الأكل، وندب إليه؛ لما فيه من مخالفتهم. أما أصحاب المذهب الثاني - وهم الظاهرية - فقد ذهبوا إلى أن الاكل واجب؛ لأنه مأمور به في الآية السابقة، والأمر يقتضي الوجوب ولا صارف له.

стр. 1275

المطلب التاسع إذا ورد الأمر بعد النهي ماذا يقتضي ؟ إذا وردت صيغة: " افعل " بعد الحظر - وهو النهي فماذا تقتضي؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنها تقتضي الإباحة. وهو مذهب كثير من العلماء منهم: الإمام مالك، وأحمد، والشافعي في ظاهر كلامه، وهو اختيار بعض الحنفية، وأكثر الحنابلة وأكثر الفقهاء. وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: الاستقراء والتتبع للأوامر الشرعية الواردة بعد النهي، فإق بعد استقراء وتتبع الأوامر الواردة بعد النهي في النصوص الشرعية لم نجد أمراً ورد بعد الحظر إلا والمراد به الإباحة، ومن ذلك قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) ، وقوله: (فإذا تطهرن فأتوهن) ، وقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا) ، وقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها "، وقوله: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي أما الآن فكلوا وادخروا ". ما اعترض به على هذا الدليل: الاعتراض الأول: أن هذه المواضع قد حملت على الإباحة بدليل، وهو الإجماع.

стр. 1276

جوابه: أنا لا نعلم دليلاً على حملها على الإباحة إلا ورودها بعد الحظر فقط، أما الإجماع فهو حادث بعد النبي ﷺ ، والإباحة مستفادة من هذه الألفاظ في وقته. الاعتراض الثاني: أنه ورد أمر بعد حظر، والمراد به الوجوب كقوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) جوابه: لا نسلم أن الوجوب مستفاد من هذه الآية، وإنما استفيد وجوب قتل المشركين بآيات أخر كقوله تعالى: (فإن قاتلوكم فاقتلوهم) ، وقوله: (فقاتل في سبيل الله) . الدليل الثاني: العرف والعادة دلَّ على أن الأمر بعد الحظر للإباحة فلو قال السيد لعبده: " لا أكل من هذا الطعام "، ثم قال له بعد ذلك: " كل منه "، فإن هذا الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة؛ لأنه لو لم يأكل لا يذم، ولو أكل لا يمدح، وهذا هو حد الإباحة. المذهب الثاني: إذا وردت صيغة الأمر بعد النهي، فإنها تقتضي ما كانت تقتضيه قبل وجود النهي من وجوب، أو ندب، أو إباحة، أو يتوقف فيها على الخلاف السابق الذكر، أي: أن الأمر بعد النهي في زلة الأمر المبتدأ، وهو مذهب أكثر المتكلمين، وأكثر الحنفية، وأكثر المعتزلة، وأكثر المالكية، وبعض الشافعية كالبيضاوي. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول. أن أدلة إفادة الأمر المطلق للوجوب عامة وشاملة لما

стр. 1277

تقدمه حظر ولغيره، ولم توجد قرينة تصرفه عن مقتضاه الحقيقي عندنا وهو الوجوب، فأشبهت بذلك صيغة الأمر التي لم يتقدمها نهي، فيكون تقدم النهي على الأمر لم تؤثر عليه. جوابه: نحن نقول: إن صيغة الأمر تقتضي الوجوب إذا كانت متجردة عن القرائن. أما إذا وجدت قرينة صارفة من حمله على الوجوب إلى غيره، فهذا يختلف. وهنا لا نُسَلِّمُ أن صيغة الأمر متجردة عن القرينة، بل تقدم النهي على الأمر قرينة دالة على أن المتكلم لم يستعمل صيغة الأمر للوجوب بل استعملها للإباحة -. أي: أن تقدم النهي على الأمر يعتبر قرينة صرفت الأمر من الوجوب إلى الإباحة. اعتراض على ذلك: قال بعضهم: إن النهي لا يفيد الإباحة بلفظه ولا بمعناه؛ لأن لفظ النهي يقتضي المنع والتحريم، ومعناه لا يوجب ذلك؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء محرما، ثم يجعل واجباً، فينسخ التحريم بالإيجاب. جوابه: نحن لا نقول: إن لفظ النهي فقط أفاد الإباحة، وإنما حصلت الإباحة به، وبما بعده من صيغة الأمر، كما لو استأذن العبد سيده

стр. 1278

في فعل شيء، فقال له السيد: " افعل "، فإنا نحمله على الإباحة بشيئين هما: " الاستئذان "، و " الأمر وهو قوله: افعل ". الدليل الثاني: قياس الأمر على النهي في ذلك، بيانه: كما أن النهي الوارد بعد الأمر يقتضي ما كان يقتضيه قبل الأمر وهو: التحريم كذلك الأمر الوارد بعد النهي يقتضي ما كان يقتضيه قبل النهي، وهو: الوجوب، ولا فرق. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ الأصل المقاس عليه وهو قولكم: " إن النهي الوارد بعد الأمر يقتضى ما كان يقتضيه قبل الأمر وهو: التحريم "، بل إن النهي إذا ورد بعد الأمر فهو مقتض للكراهة والتنزيه. الجواب الثاني: سلمنا أن النهي إذا ورد بعد الأمر يقتضي التحريم - كما قلتم -، فلا يجوز أن يقاس عليه الأمر الوارد بعد النهي، وذلك لوجود الفرق بينهما. ووجه الفرق: أن النهي آكد؛ لأنه يقتضي قبح المنهي عنه، وذلك محرم، بخلاف الأمر، فإنه: استدعاء للفعل، وقد يستدعي الشارع ما يوجبه، وما يستحبه، وقد يكون المراد به: الإذن بعد المنع، وهو: الإباحة. ويؤيد ذلك: أن النهي يقتضي التكرار، والفور، ولكنهم لا يقولون ذلك في الأمر. المذهب الثالث: الوقف وعدم الجزم بشيء مع الوجوب أو الإباحة.

стр. 1279

وهو مذهب إمام الحرمين. دليل هذا المذهب: أن الأدلة متعارضة بعضها يثبت المذهب الأول، وبعضهم يثبت المذهب الثاني، ولا مرجح لواحد منها على الآخر، فالقول برأي معين تحكم وترجيح بلا مرجح، وهو باطل، فوجب الوقف. جوابه: أنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة أدلتنا على أن الأمر بعد النهي للإباحة وضعف أدلة أصحاب المذهب الثاني، فوجب القول بالإباحة. بيان نوع هذا الخلاف: الخلاف معنوي كما هو ظاهر، حيث إنه لد أثر في كثير من الفروع الفقهية، ومنها: ١ - حكم النظر إلى المخطوبة. اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: إن النظر إليها مباح؛ لأنه أمر بعد نهي؛ حيث نهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية، ثم أمر بالنظر إليها في قوله ﷺ : " اذهب فانظر إليها ". القول الثاني: أن النظر إليها مندوب إليه؛ لأن الأمر وإن كان أمراً بعد نهي لكنه معلل بعِلَّة تدل على أنه أريد بالأمر الندب، وهي: قوله ﷺ : " فإنه أجدر أن يؤدم بينكما ". لعلك أيها القارئ تسأل وتقول: لمَ لم يحمل على الوجوب أخذاً بالمذهب الثاني الأصولي.

стр. 1280

والجواب: أن هناك قرينة صرفته عن ذلك، وهو قوله: " فإنه أجدر أن يؤدم بينكما ". ٢ - حكم زيارة القبور. اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: أن زيارة القبور مباحة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "كنتم نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها "، وهو أمر بعد نهي، والأمر بعد النهي للإباحة. القول الثاني: أن زيارة القبور مندوب إليها؛ لأن الأمر بزيارتها وإن كان بعد نهي، لكن الرسول ﷺ علله بأنها يذكر الموت والآخرة "، وذلك أمر مطلوب شرعاً.

стр. 1281

المطلب العاشر الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به مرة واحدة أو التكرار ؟ إذا كان الأمر مقيداً بمرة واحدة مثل قولك: " اعط زيداً درهما مرة واحدة " أو مقيداً بمرات كقولك: " اعط زيداً درهما ثلاث مرات " فإن الأمر في هاتين الحالتين يكون مقيداً لما قيد به من المرة أو المرات، وهذا بالاتفاق. أما إذا وردت صيغة الأمر وهي: " افعل " مطلقة، أي: مجردة عن القرائن، فهل تقتضي فعل المأمور به مرة واحدة، أو أنها تقتضي التكرار؟ اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، أي: لا يقتضي إلا فعل المأمور به مرة واحدة - فقط -، فلو قال السيد لعبده: " صم "، فإنه يخرج عن العهدة وتبرأ ذمته بصوم يوم واحد فقط. وهو مذهب أكثر الحنفية والظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار كثير من الحنابلة كأبي الخطاب، وابن قدامة، ونُسب إلى اكثر العلماء والمتكلمين، وهو الحق عندي للأدلة التالية: الدليل الأول: أن قول القائل لغيره: " ادخل الدار " معناه: كن داخلاً، وبدخلة واحدة يوصف بأنه داخل، فكان ممتثلاً، وكان الأمر عنه ساقطاً.

стр. 1282

اعتراض على هذا: قال قائل - معترضا -: هو بالدخلة الثانية يوصف بأنه داخل - أيضا - فالدخلة الثانية تكون داخلة تحت الأمر. جوابه: إنه بالدخلة الأولى يكون داخلاً على الكمال؛ لأن بها يسمى داخلاً على الإطلاق، فكمل بها فائدة الأمر، فاما الدخلة الثانية، فتكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها. الدليل الثاني: قياس الأمر المطلق على اليمين، والنذر، والوكالة، والخبر. بيان ذلك: ١ - أنة - لو حلف قائلاً: " واللهِ لأصومن "، فإنه يَبَر بصوم يوم واحد. ٢ - أنه لو نذر قائلاً: " لله علي أن أصوم "، أو قال: " لله عليّ أن أتصدق "، فإنه يكون قد أوفى بنذره بصوم يوم واحد، والتصدق بدرهم واحد مرة واحدة. ٣ - أنه لو قال لوكيله: " طلق زوجتي فلانة " لم، يجز للوكيل أن يطلق أكثر من مرة واحدة. ٤ - أنه لو أخبر عن نفسه، وقال: " قد صمت "، فإنه يكون صادقا لو صام يوما واحداً، ولو قال: " سوف أصوم "، لكان صادقا بصوم يوم واحد. فإذا كانت هذه الأمور يكتفي فيها بمرة واحدة، ويخرج بفعل هذه المرة عن العهدة، فكذلك الأمر المطلق، فإذا أمر الشخص أمراً

стр. 1283

مطلقا بشيء، فإن الواجب عليه فعل هذا الشيء مرة واحدة فقط، وتبرأ ذمته. اعتراض على ذلك: قال قائل - معترضا -: إن الأمر في اليمين والتوكيل يقتضي التكرار من جهة اللغة، ولكن تركنا مقتضى اللغة بالشرع، ولا يمتنع أن يكون اللفظ في اللغة يقتضي أمراً، ثم يقرر الشرع فيه غير مقتضاه في اللغة، كما لو حلف وقال: " والله لا آكل الرؤوس "، فإنه يعم في اللغة كل رأس، وفي الشرع يُحملَ على رؤوس الغنم. جوابه: لا نسلم أن الشرع يغير مقتضى اللغة، وإنما الشرع يُقرر اللغة، ويضيف إليها حكما زائداً، بدليل: أنه لو قال: " افعل ذلك أبداً " أو قال: " طلق زوجتي ما أملكه ": لم يقطعه الشرع عن مقتضاه في اللغة، فلا يقطعه عن التكرار، أما مسألة الرؤوس فلا نسلمها؛ حيث إنه يحمل على مقتضاه في اللغة. الدليل الثالث: أن السيد لو قال لعبده: " ادخل الدار ". فإنه لو دخل مرة واحدة، ثم خرج: لخرج عن العهدة، ولا يجوز لومه، ولا توبيخه، ولو أن السيد لام عبده بسبب أنه لم يدخل مرة ثانية وثالثة لخطأه العقلاء من أهل اللغة؛ لأنه بدخوله مرة واحدة يكون قد امتثل الأمر، والصيغة لا دلالة فيها على العدد. المذهب الثاني: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار. وهو مذهب بعض الشافعية كالأستاذ أبي إسحاق، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار بعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى، وهو قول جماعة من الفقهاء والمتكلمين.

стр. 1284

أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن أبا بكر ﵁ قد قاتل من منع الزكاة، واستند في ذلك على قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ؛ حيث إنه حمل هذا الأمر على أنه لا بد أن يتكرر، وكان ذلك بحضرة الصحابة، فكان ذلك إجماعاً منهم على أن الأمر يفيد التكرار وإلا لما سكتوا على تلك المخالفة، ولما صح لأبي بكر محاربة أهل الردة على ذلك؛ لكونهم قد امتثلوا دفع الزكاة في عهد الرسول ﷺ . جوابه: إن تكرار دفع الزكاة ثبت عن طريق قرينة وهي: كون النبي ﷺ قد أخذها منهم مراراً في أعوام متعددة، وهذا خارج عن محل النزاع، لثبوت القرينة. الدليل الثاني: أن الأمر لا اختصاص له بزمان دون زمان؛ لأنه لا يوجد زمان أَوْلى من زمان آخر، فاقتضى إيقاع الفعل في جميع الأزمان. جوابه: لا نسلم ذلك، بل الأمر يختص بأقرب الأزمان إليه؛ لأن الأمر يقتضي الفور، فيختص إيقاع الفعل بأقرب الأوقات إليه، فيكون مقتضى الأمر: افعله في أول الأوقات، فإن فات فافعله في الثاني، فإن فات الثاني فافعله في الثالث، وهكذا، فعلى هذا: لا يكون الأمر عاماً في جميع الأزمان. "الدليل الثالث: قياس الأمر على النهي، بيانه:

стр. 1285

أن الأمر كالنهي بجامع أن كلًّا منهما: استدعاء وطلب، فالنهي أفاد وجوب ترك الشيء، والأمر أفاد وجوب فعله. والنهي اقتضى وجوب الترك أبداً، فكذلك الأمر يجب أن يكون مثله بأن يقتضي الفعل أبداً. جوابه: أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن النهي يقتضي عدم الماهية، وعدمها إنما يكون بعدم الإتيان بها في أي فرد من أفرادها، بخلاف الأمر فإنه يقتضي طلب الماهية، والماهية تتحقق ولو بفرد من أفرادها، فمقتضى التكرار موجود في النهي، وليس موجوداً في الأمر. الدليل الرابع: أن الأمر يقتضي العزم والفعل، ثم إنه يقتضي العزم على التكرار، فكذلك يقتضي الفعل على التكرار، ولا فرق. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه لا يمتنع أن يجب دوام العزم، دون دوام الفعل كما لو قال: " صل مرة "، فإن العزم والاعتقاد تجب استدامته، ولا تجب استدامة الفعل، فإذا فعل الصلاة وصلى ركعتين برأت ذمته، لكن دوام العزم والاعتقاد واجب. الجواب الثاني: أن قياس الفعل على الاعتقاد والعزم قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الاعتقاد والعزم على الفعل لم يجب بصيغة الأمر الواردة، وإنما يُستند في وجوبه إلى قيام الدلالة على صدق رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أخبر بالوجوب: وجب

стр. 1286

اعتقاده، فإذا عرف المكلَّف الأمر فلم يعتقد وجوبه صار مكذبا له في خبره، فيصير كافراً بذلك. بخلاف الفعل، فإنه يجب بصيغة الأمر، فإذا فعل ما يصح أن يعلم الآمر أنه ممتثل كفاه مثل: أن يقول: " صل " فيصلي المأمور ركعتين - فقط - فيحسن أن يقول: " قد صليت ". المذهب الثالث: أن الأمر لا يدل على التكرار ولا على المرة الواحدة، وإنما يدل على طلب الماهية، والماهية كما تتحقق في المرة الواحدة تتحقق كذلك في غيرها، إلا أن المرة الواحدة ضرورية، وليست المرة مما وضع له الأمر. وهو مذهب بعض الشافعية كالإمام الرازي، والآمدي، والبيضاوي. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الأمر المطلق ورد استعماله في التكرار شرعا وعرفا، أما في الشرع فمثل قوله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أما في العرف فمثل قولك: " أحسن إلى الناس ". وورد استعمال الأمر المطلق في المرة الواحدة شرعا وعرفا. أما في الشرع فمثل قوله ﵊: " إن اللَّه كتب عليكم الحج فحجوا ". أما في العرف فمثل قول السيد لعبده: " اشتر اللحم ". والأصل في الاستعمال الحقيقة، فبطل أن يكون اللفظ حقيقة في واحد منهما مجازاً في الآخر؛ لأن المجاز خلاف الأصل،

стр. 1287

ولا يجوز أن يقال: إنه وضع لكل واحد منهما حقيقة؛ لأن هذا يلزم منه أن يكون الأمر المطلق مشتركا لفظياً، والاشتراك خلاف الأصل، وتخلصاً من ذلك فإنه يقال: إن اللفظ - وهو لفظ الأمر المطلق - وضع للقدر المشترك بينهما، وهو طلب الماهية. جوابه: إذا كان الأمر المطلق وضع للقدر المشترك وهو طلب الماهية - كما زعمتم - فإنه يلزم من هذا: أنه إذا استعمل في المرة الواحدة، أو التكرار يكون عن طريق المجاز؛ لأنه استعمال له في غير ما وضع له، وينتج من ذلك: تكثير المجاز، وهو خلاف الأصل. فوجب القول بأنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؛ تقليلاً للمجاز بقدر الإمكان. ونظراً لقوة أدلتنا على أن الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة، وضعف أدلة القائلين: إن الأمر يقتضي التكرار - كما سبق بيانه - فإن لفظ الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة حقيقة، ولا يحمل على أنه يقتضي التكرار إلا بقرينة، فيكون مجازاً فيه. الدليل الثاني: أنه يحسن السؤال من المأمور بهذه الصيغة، فإذا قال السيد لعبده: " قم "، فإنه يحسن من العبد أن يسأل ويقول: ماذا تريد بأمرك هذا؛ هل تريد فعل المأمور به مرة، أو فعله أكثر من مرة؛ فهذا الاستفسار يدل على أنه لا يفهم من الصيغة المرة الواحدة ولا التكرار، بل لا يفهم منها إلا طلب الماهية. جوابه: إن السؤال والاستفسار قد استحسن هنا طلبا لتأكيد العلم أو الظن: -

стр. 1288

فالمأمور فهم عدم التكرار؛ ولكنه استفسر ليتأكد من ذلك، والتأكيد يكون؛ لئلا يتسع الفهم، أو طرد المجاز، لذلك يدخل في الخبر فيقول شخص: " ختمت الليلة الماضية القرآن "، فسمع السامع هذا، ولكنه أراد أن يتأكد فقال: " ختمت القرآن الليلة الماضية؛ ". بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا فيه تفصيل: الخلاف الأول: وهو الخلاف بين أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار - وبين أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر يقتضي التكرار - خلاف معنوي؛ حيث تأثر بهذا الخلاف بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - حكم السارق مرة ثانية. أصحاب المذهب الأول: يرون أن السارق إذا سرق مرة ثانية فلا تقطع يده اليسرى بدليل: أن الأمر في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) لا يقتضي التكرار، ولا يحتمله، فلا تقع من الأيدي إلا يمين السارق فقط. أما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم قالوا: الأصل: أن تقطع يد السارق اليسرى إذا سرق مرة ثانية؛ لأن الأمر في الآية السابقة يقتضي التكرار، ولكن هناك قرينة منعت من العمل على هذا الأصل وهي: مراعاة حال السارق، وجعله ينتفع باليسرى. ٢ - إذا وكل شخص شخصا آخر يطلاق امرأته فماذا يملك؟

стр. 1289

لو قال شخص لشخص آخر: " طلق زوجتي فلانة "، فقد اختلف في ذلك. فأصحاب المذهب الأول يقولون: إنه لا يجوز للوكيل أن يطلق إلا مرة واحدة؛ لأن الأمر عندهم يقتضي المرة الواحدة. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قالوا: إنه يجوز للوكيل أن يطلق أكثر من طلقة؛ لأن الأمر عندهم يقتضي التكرار. الخلاف الثاني: وهو الخلاف بين أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر لا يقتضي التكرار -، وبين أصحاب المذهب الثالث - وهم القائلون: إن - الأمر لا يقتضي التكرار، ولا المرة الواحدة -: فإن هذا الخلاف يمكن أن يكون لفظيا، ويمكن أن يكون معنويا. فيكون الخلاف لفظيا إذا نظرنا إلى أن أصحاب المذهبين قد اتفقا على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فمقصد أصحاب المذهب الثالث هو: نفي التكرار والخروج عن العهدة بالمرة الواحدة ضرورة، وهو نفسه مقصد أصحاب المذهب الأول، فلا خلاف إذن. ويكون الخلاف معنوياً إذا نظرنا إلى دلالة الأمر المطلق على المرة هل هي بطريق المطابقة أو الالتزام؟ فبناء على المذهب الأول - وهو: أن الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة ولا يقتضي التكرار، فإن الأمر المطلق يدل على المرة الواحدة دلالة مطابقة. وبناء على المذهب الثالث - وهو: أنه لا يقتضي المرة ولا التكرار وإنما هو طلب الماهية، فإن الأمر المطلق يدل على المرة الواحدة دلالة التزام: على اعتبار أنها لازمة للامتثال؛ إذ لا يحصل بأقل منها.

стр. 1290

المطلب الحادي عشر الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرار الشرط أو الصفة أو لا ؟ أصحاب المذهب الثاني - في المطلب السابق - وهم القائلون: إن مطلق الأمر يقتضي التكرار - قالوا: إذا عُلِّق الأمرُ بشرط كقولك: " إن قام زيد فقم "، أو علق الأمر بصفة كقولك: " اعط الناجح درهماً "، فإنه يقتضي التكرار من باب أوْلى؛ لأنهم إذا قالوا: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار، فإنه إذا علق بشرط أو صفة يقتضي التكرار كلما تكرر الشرط، أو تكرر وجود الصفة. أما أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار بل المرة الواحدة: فقد اختلفوا في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة لا يقتضي التكرار. وهذا هو مذهب أكثر القائلين: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن العرف دلَّ على أن الأمر إذا علق بشرط، فإنه لا يتكرر بتكرر الشرط؛ فإنه لا يعقل منه إلا فعل مرة واحدة، بيانه: أن السيد إذا قال لعبده: " إن دخلت السوق فاشتر تمراً "، فإنه لا يعقل منه تكرار شراء التمر، وإن تكرر دخوله السوق.

стр. 1291

كذلك لو قال الرجل لزوجته: " إن دخلت الدار فأنت طالق "، فإنه لا يتكرر وقوع الطلاق بتكرر دخولها. وكذلك قوله لوكيله: " طلق زوجتي إذا دخلت الدار "، فإنه لا يعقل من هذا أن يطلقها كلما دخلت الدار، وإنما يطلقها مرة واحدة، وإن تكرر دخولها الدار. الدليك الثاني: أن أهل اللغة فرقوا بين قول القائل: " اعط زيداً درهماً إذا طلعت الشمس "، وبين قوله: " اعط زيداً درهما كلما طلعت الشمس " في أن العبارة الأولى تفيد أنه لا يتكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس، وأن العبارة الثانية تفيد: أنه يتكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس؛ بسبب كلمة " كلما "، فلو كان الأمر المعلق بشرط يقتضي التكرار بتكرار الشرط: لما كان بين العبارتين فرق. الدليل الثالث: قياس الأمر المعلق على شرط على الخبر المعلق على شرط، بيانه: أنه لو قال شخص: " زيد يدخل الدار إن دخلها عمرو "، فتكرر دخول عمرو، ودخلها زيد مرة واحدة، فإنه يكون صادقا بهذا الخبر، ولو لم يدخلها زيد إلا مرة واحدة. فكذلك لو قال لزيد: " ادخل الدار إن دخلها عمرو "، فلو كرر عمرو الدخول، ودخلها زيد مرة واحدة، فإنه يكون ممتثلاً للأمر، ويخرج بها عن العهدة، ولا فرق بينهما. المذهب الثاني: أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة يقتضي التكرار. وهو مذهب بعض القائلين: " إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار ". أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: الوقوع؛ حيث إنه وقع ووجد في كتاب الله أوامر

стр. 1292

معلقة بشروط وصفات تتكرر بتكرر الشروط والصفات من ذلك: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) ، وقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، وقوله: (الزانية والزاني فاجلدوا) ، فكلما قام المسلم إلى الصلاة فلا بد له من الوضوء، وكلما وجدت صفة السرقة في مسلم فإنه يجب قطع يده، وكلما وجدت صفة الزنى في مسلم فإنه يجب الجلد، فهنا تكرار الفعل بتكرر الشرط والصفة. جوابه: يجاب عنه بأجوبة: الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة..) يقتضي التكرار، حيث لا يقتضي تكرار الوضوء بتكرار الصلاة: فقد يصلي الإنسان عدة صلوات بوضوء واحد، وقد يتوضأ ولا يصلي. الجواب الثاني: سلمنا أن فيما ذكر تكرار، ولكن هذا التكرار لم يعقل من ظاهر هذه الآيات، وإنما جاء هذا التكرار من أدلة خارجية كالإجماع أو القياس أو غيرهما. الجواب الثالث: أنه كما وجدتم في الشريعة أحكاما تقتضي التكرار بتكرر الشرط، كذلك وجدنا في الشريعة أحكاما لا تقتضي التكرار بتكرر الشرط وهو: الحج والعمرة، فإن الاستطاعة توجد، ولا يجب الحج الثاني. الجواب الرابع: أنه تكرر الحد بتكرر السرقة والزنا لأنهما علتان، والعلة يتبعها حكمها كلما وجدت.

стр. 1293

الدليل الثاني: قياس التعليق بالشرط على التعليق بالعلَّة، والجامع: أن كل واحد منهما سبب فيه، ثم الحكم يتكرر بَتكرر العِلَّة، فكذلك يتكرر بتكرر الشرط. جوابه: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه يوجد فرق بين العلَّة والشرط من حيث إن العلَّة تقتضي الحكم، وتدل عليه، والشرط لا يدل على الحكم، ولا يقتضيه، فلم يتكرر بتكرره بدليل: ما قلنا سابقا وهو: أن من طلق امرأته بشرط دخول الدار لم يكن دخولها في المرة الثانية شرطا في الطلاق. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر هذا الخلاف في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - لو قال لوكيله: " إن دخلت زوجتي الدار فطلقها " هل يتكرر الطلاق بتكرر الدخول؟ اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يطلقها إلا طلقة واحدة، وإن تكرر الدخول. القول الثاني: أنه يطلقها كلما تكرر دخولها، فإن دخلت ثلاث مرات يطلقها ثلاث مرات. ٢ - هل تجب الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر؟ اختلف في ذلك على أقوال: القول الأول: أن الواجب هو: الصلاة على النبي مرة واحدة في المجلس الذي يتكرر فيه ذكره عملاً بقوله ﷺ : "بَعُد من ذكرت عنده فلم يصل علي "

стр. 1294

لأن الأمر المطلق بشرط لا يقتضي التكرار بتكرار الشرط. القول الثاني: أن الواجب هو الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر في المجلس الواحد؛ لأن الأمر المطلق يقتضي التكرار بتكرار الشرط. القول الثالث: أن الواجب هو الصلاة على النبي ﷺ مرة واحدة في العمر كله؛ لأن الأمر المعلق بشرط لا يقتضي التكرار بتكرار الشرط.

стр. 1295

المطلب الثاني عشر إذا كرر لفظ الأمر بشيء واحد مثل: " صل ركعتين صل ركعتين " فهل يقتضي التكرار ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يقتضي التكرار، فلفظ الأمر الثاني لم يأت بجديد؛ حيث إنه دلَّ على ما دلَّ عليه لفظ الأمر الأول، ولفظ الأمر الأول اقتضى الوجوب، فلا يجوز حمل لفظ الأمر الثاني على واجب غيره. وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب وابن قدامة، وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: قياس الأمر المكرر على النذر المكرر، والخبر المكرر، واليمين المكرر، بيان ذلك: أنه لو كرر النذر وقال: " لله علي أن أصوم، لله علي أن أصوم " لم يجب عليه إلا صوم يوم واحد فقط، فلا أثر لتكرار اللفظ. كذلك لو قال: أإني قد تصدقت، إني قد تصدقت "، فإنه يصدق لو لم يتصدق إلا مرة واحدة بدرهم واحد. كذلك لو قال في - اليمين: " والله لأصومن والله لأصومن "، فإنه يبر بصوم يوم واحد فقط، فلم يكن للفظ الأمر الثاني أثر، وقد وقع أن الرسول ﷺ قال: " واللهِ لأغزون قريشا، واللهِ لأغزون قريشا، واللهِ لأغزون قريشاً "،

стр. 1296

فلم يكن لهذا التكرار من أثر؛ حيث إنه غزاهم غزوة واحدة وهي غزوة الفتح. فإذا كان الفعل لا يتكرر في هذه الأمور، فكذلك لفظ الأمر لا يقتضي تكرار الفعل ولا فرق. الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " اسقني ماء اسقني ماء " فإن لو أسقاه مرة واحدة فإنه يستحق المدح، ولو لامه السيد وقال له: " اسقني مرات " لانتقده عقلاء أهل اللغة، وذلك لأن الأمر وإن تكرر فإن الواجب الفعل مرة واحدة. المذهب الثاني: أنه يقتضي التكرار. وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار. دليل هذا المذهب: أن الغرض بالأمر هو: استدعاء الفعل؛ لأنه هو المطابق لصيغته، ولا يخلو الأمر الثاني إما أن يكون قد فعل استدعاء للفعل الأول أو لغيره، فإن فعل لاستدعاء الأول فقد حصل الغرض بالأول، فالثاني يكون عبثا، فوجب حمله على فعل آخر؛ لئلا يكون عبثا. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ حمله على فعل آخر، بل يكون الأمر الثاني تأكيداً للأول، والتأكيد. مقصود بلغة العرب والقرآن كقوله تعالى: (فسجد الملأئكة كلهم أجمعون) . بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، وهو ظاهر في بعض الفروج الفقهية، ومنها:

стр. 1297

١ - أنه لو قال لوكيله: " طلق زوجتي طلق زوجتى "، فإنه لا يطلقها إلا مرة واحدة، لأن ذلك لا يقتضي التكرار. ٢ - أنه لو قال لزوجته: " طلقي نفسك طلقي نفسك "، فإنها لا تطلق نفسها إلا بواحدة فقط، لأن ذلك لا يقتضي التكرار. هذا على المذهب الأول. أما على المذهب الثاني فيلزم منه: أنه يطلقها أكثر من طلقة وتطلق نفسها أكثر من طلقة. شروط كونه لا يقتضي التكرار: لقد مثلت لهذه المسألة بقول القائل: " صل ركعتين صل ركعتين، مشيراً إلى أنه يشترط في الأمر المكرر ما يلي: ١ - أن يكون الفعلان من نوع واحد، فإن كانا من نوعين مختلفين مثل: " صل ركعتين، صم يومين " كان الأمران للتأسيس. ٢ - أن يكون الفعل قابلاً للتكرار، فإن كان غير قابل للتكرار مثل: " صم هذا اليوم صم هذا اليوم "، فإنه يحمل على أن الثاني مؤكد للأول. ٣ - أن لا يكون بين الأمرين حرف عطف، فإن كان بينهما عاطف مثل: " صل ركعتين وصل ركعتين " كان الأمران للتأسيس؛ لأن العطف يقتضي المغايرة.

стр. 1298

المطلب الثالث عشر الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به على الفور أو لا يقتضي ذلك ؟ إن اقترن بالأمر قرينة تدل على أن المأمور يفعل المأمور به لا على الفور كأن يقول له: " اخرج في أي وقت شئت " فهو للتراخي اتفاقاً. وإن اقترن بالأمر قرينة تدل على أنه يفعل المأمور به على الفور كأن يقول له: " اخرج الآن "، فهو للفور اتفاقا. أما إذا لم يقترن بالأمر شيء يدل على الفور، ولا على غيره بأن جاء الأمر مطلقا كان يقول له: " اسقني ماء لا أو " صم " أو " قم " فهل يقتضي الفور أو لا؟ القائلون: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار - وهو المذهب الثاني من المطلب العاشر كما سبق بيانه - فإنهم يقولون: إن الأمر يقتضي الفور؛ لأنه من ضرورياته؛ لأن تكرار فعل المأمور به يلزم أن يفعل من أول ما صدرت لفظة الأمر إلى ما لا نهاية له على حسب قدرة المكلَّف. أما القائلون: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار - كما هو مذهب كثير من العلماء وهو الذي رجحناه - فقد اختلفوا في الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو لا؛ على مذاهب:

стр. 1299

المذهب الأول: أن الأمر المطلق يقتضي الفور، ولا يجوز تأخيره إلا بقرينة. وهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص، وجمهور المالكية، وبعض الشافعية كأبي بكر الصيرفي، والقاضي أبي حامد المروزي، والدقاق، وأكثر الحنابلة، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد، والإمام مالك، وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) . وجه الدلالة: أن في فعل الطاعة مغفرة، فتجب المسارعة إليها، والمسارعة تقتضي إيقاع الفعل بعد صدور الأمر مباشرة. اعتراض على ذلك: قال قائل - معترضا -: المراد بالآية التوبة من الذنوب، وهذا لا نزاع في أنه تجب المسارعة إله. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الآية خاصة بالتوبة، بل هي عامة للتوبة وغيرها من الطاعات. الجواب الثاني: سلمنا أن الآية خاصة بالتوبة من الذنوب، فإنها عبادة قد وجبت على الفور بمطلق الأمر، فيقاس على ذلك بقية العبادات. الدليل الثاني: قوله تعالى: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) . وجه الدلالة: أن الله تعالى قد مدح هؤلاء على المسارعة بفعل

стр. 1300

الخيرات، فبناء على ذلك: يكون ترك المسارعة يذم عليه، وما يذم على تركه هو الواجب. الدليل الثالث: أن الأمر قد اقتضى الوجوب، فحمله على وجوب الفعل عقيبه واجب؛ لأمرين: أولهما: أنه إذا فعل المأمور به فور صدور صيغة الأمر يكون ممتثلاً للأمر بيقين، دون شك. ثانيفما: أنه بمجرد تأخير الفعل يكون معرضاً نفسه لخطر عدم القيام به، ودرءاً لذلك واحتياطاً فإنه تجب المبادرة إليه. الدليل الرابع: أن السيد إذا قال لعبده: " اسقني ماء "، فإن سقاه على الفور استحق المدح بالاتفاق، وإن تأخر في امتثال الأمر، ولم يسقه فور صدور صيغة الأمر، فإنه يحسن من السيد ذمه وتوبيخه، فلما سأله عقلاء أهل اللغة عن سبب معاقبته لهذا العبد قال لهم: إني أعاقبه؛ لأنه خالف أمري وعصاني؛ حيث إني أمرته بأن يسقيني ماء، وتأخر في جلب الماء إلي، فهنا يُقبل منه هذا العذر، ولا ينكر عليه، فهذا يدل على أن أهل اللغة قد اتفقوا على أن الأمر المطلق يقتضي الفور. اعتراض على ذلك: قال قائل - معترضا -: نحن معكم أن الأمر هنا يقتضي الفور، لكن ذلك دلَّ عليه قرينة وهي: أن السيد لا يستدعي ماء إلا وهو عطشان فتأخره يضر به، فلذلك اقتضى التعجيل، وهذا ليس في محل النزاع. جوابه: لا نسلم أن وجوب التعجيل ثبت عن طريق القرينة؛ لأن السيد
следующие страницы →