Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
فلم يكن لهذا التكرار من أثر؛ حيث إنه غزاهم غزوة واحدة وهي غزوة الفتح.
فإذا كان الفعل لا يتكرر في هذه الأمور، فكذلك لفظ الأمر لا
يقتضي تكرار الفعل ولا فرق.
الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " اسقني ماء اسقني ماء "
فإن لو أسقاه مرة واحدة فإنه يستحق المدح، ولو لامه السيد وقال
له: " اسقني مرات " لانتقده عقلاء أهل اللغة، وذلك لأن الأمر وإن
تكرر فإن الواجب الفعل مرة واحدة.
المذهب الثاني: أنه يقتضي التكرار.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المعتزلة
كالقاضي عبد الجبار.
دليل هذا المذهب:
أن الغرض بالأمر هو: استدعاء الفعل؛ لأنه هو المطابق لصيغته،
ولا يخلو الأمر الثاني إما أن يكون قد فعل استدعاء للفعل الأول أو
لغيره، فإن فعل لاستدعاء الأول فقد حصل الغرض بالأول، فالثاني
يكون عبثا، فوجب حمله على فعل آخر؛ لئلا يكون عبثا.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ حمله على فعل آخر، بل يكون الأمر الثاني تأكيداً
للأول، والتأكيد. مقصود بلغة العرب والقرآن كقوله تعالى:
(فسجد الملأئكة كلهم أجمعون) .
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وهو ظاهر في بعض الفروج الفقهية، ومنها:
стр. 1297
١ - أنه لو قال لوكيله: " طلق زوجتي طلق زوجتى "، فإنه لا
يطلقها إلا مرة واحدة، لأن ذلك لا يقتضي التكرار.
٢ - أنه لو قال لزوجته: " طلقي نفسك طلقي نفسك "، فإنها
لا تطلق نفسها إلا بواحدة فقط، لأن ذلك لا يقتضي التكرار.
هذا على المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني فيلزم منه: أنه يطلقها أكثر من طلقة وتطلق
نفسها أكثر من طلقة.
شروط كونه لا يقتضي التكرار:
لقد مثلت لهذه المسألة بقول القائل: " صل ركعتين صل ركعتين،
مشيراً إلى أنه يشترط في الأمر المكرر ما يلي:
١ - أن يكون الفعلان من نوع واحد، فإن كانا من نوعين
مختلفين مثل: " صل ركعتين، صم يومين " كان الأمران للتأسيس.
٢ - أن يكون الفعل قابلاً للتكرار، فإن كان غير قابل للتكرار
مثل: " صم هذا اليوم صم هذا اليوم "، فإنه يحمل على أن الثاني
مؤكد للأول.
٣ - أن لا يكون بين الأمرين حرف عطف، فإن كان بينهما
عاطف مثل: " صل ركعتين وصل ركعتين " كان الأمران للتأسيس؛
لأن العطف يقتضي المغايرة.
стр. 1298
المطلب الثالث عشر الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به
على الفور أو لا يقتضي ذلك ؟
إن اقترن بالأمر قرينة تدل على أن المأمور يفعل المأمور به لا على
الفور كأن يقول له: " اخرج في أي وقت شئت " فهو للتراخي
اتفاقاً.
وإن اقترن بالأمر قرينة تدل على أنه يفعل المأمور به على الفور كأن
يقول له: " اخرج الآن "، فهو للفور اتفاقا.
أما إذا لم يقترن بالأمر شيء يدل على الفور، ولا على غيره بأن
جاء الأمر مطلقا كان يقول له: " اسقني ماء لا أو " صم " أو " قم "
فهل يقتضي الفور أو لا؟
القائلون: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار - وهو المذهب الثاني
من المطلب العاشر كما سبق بيانه - فإنهم يقولون: إن الأمر يقتضي
الفور؛ لأنه من ضرورياته؛ لأن تكرار فعل المأمور به يلزم أن يفعل
من أول ما صدرت لفظة الأمر إلى ما لا نهاية له على حسب قدرة
المكلَّف.
أما القائلون: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار - كما هو مذهب
كثير من العلماء وهو الذي رجحناه - فقد اختلفوا في الأمر المطلق
هل يقتضي الفور أو لا؛ على مذاهب:
стр. 1299
المذهب الأول: أن الأمر المطلق يقتضي الفور، ولا يجوز تأخيره
إلا بقرينة.
وهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص، وجمهور
المالكية، وبعض الشافعية كأبي بكر الصيرفي، والقاضي أبي حامد
المروزي، والدقاق، وأكثر الحنابلة، وهو ظاهر مذهب الإمام
أحمد، والإمام مالك، وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) .
وجه الدلالة: أن في فعل الطاعة مغفرة، فتجب المسارعة إليها،
والمسارعة تقتضي إيقاع الفعل بعد صدور الأمر مباشرة.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: المراد بالآية التوبة من الذنوب، وهذا لا
نزاع في أنه تجب المسارعة إله.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الآية خاصة بالتوبة، بل هي عامة
للتوبة وغيرها من الطاعات.
الجواب الثاني: سلمنا أن الآية خاصة بالتوبة من الذنوب، فإنها
عبادة قد وجبت على الفور بمطلق الأمر، فيقاس على ذلك بقية
العبادات.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) .
وجه الدلالة: أن الله تعالى قد مدح هؤلاء على المسارعة بفعل
стр. 1300
الخيرات، فبناء على ذلك: يكون ترك المسارعة يذم عليه، وما يذم
على تركه هو الواجب.
الدليل الثالث: أن الأمر قد اقتضى الوجوب، فحمله على
وجوب الفعل عقيبه واجب؛ لأمرين:
أولهما: أنه إذا فعل المأمور به فور صدور صيغة الأمر يكون ممتثلاً
للأمر بيقين، دون شك.
ثانيفما: أنه بمجرد تأخير الفعل يكون معرضاً نفسه لخطر عدم
القيام به، ودرءاً لذلك واحتياطاً فإنه تجب المبادرة إليه.
الدليل الرابع: أن السيد إذا قال لعبده: " اسقني ماء "، فإن
سقاه على الفور استحق المدح بالاتفاق، وإن تأخر في امتثال الأمر،
ولم يسقه فور صدور صيغة الأمر، فإنه يحسن من السيد ذمه
وتوبيخه، فلما سأله عقلاء أهل اللغة عن سبب معاقبته لهذا العبد
قال لهم: إني أعاقبه؛ لأنه خالف أمري وعصاني؛ حيث إني أمرته
بأن يسقيني ماء، وتأخر في جلب الماء إلي، فهنا يُقبل منه هذا
العذر، ولا ينكر عليه، فهذا يدل على أن أهل اللغة قد اتفقوا على
أن الأمر المطلق يقتضي الفور.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: نحن معكم أن الأمر هنا يقتضي الفور،
لكن ذلك دلَّ عليه قرينة وهي: أن السيد لا يستدعي ماء إلا وهو
عطشان فتأخره يضر به، فلذلك اقتضى التعجيل، وهذا ليس في
محل النزاع.
جوابه:
لا نسلم أن وجوب التعجيل ثبت عن طريق القرينة؛ لأن السيد
стр. 1301
- لما سأله عقلاء اللغة عن سبب معاقبته - لم يعلل ذمه وتوبيخه
بالعطش، وإنما علله بأنه أمره بشيء فأخره عنه وعصاه بذلك، فدل
على أن لفظ الأمر يقتضي الفور.
الدليل الخامس: أن صدور صيغة " افعل " هو سبب للزوم الفعل
فيجب أن يقع الفعل عقيب صدوره، قياساً على عقد البيع والطلاق
والموت، بيان ذلك:
أن البائع إذا قال: " بعتك هذه الدار بكذا " ثم قال المشتري:
"قبلت "، فإن ملكية الدار تنتقل فوراً إلى المشتري دون تأخير.
كذلك الطلاق: فإن الزوج إذا قال: " فلانة طالق "، فإنه يقع
فوراً.
كذلك إذا مات إنسان فإن ميراثه ينتقل إلى الورثة مباشرة، وهكذا.
فهذه الأمثلة وغيرها: الحكم يقع - عقيبها؛ لأنه أقرب الأوقات
إليها، فكذلك الأمر يجب أن يقع الفعل في أقرب الأوقات إليه،
وذلك لأن كل لفظ اقتضى معنى يجب أن يقع ذلك عقيبه.
الدليل السادس: القياس على العزم، وبيان ذلك:
أن الأمر يتضمن: " الأمر بالفعل "، و " الأمر بالعزم عليه "،
و" الأمر باعتقاد وجوبه ".
والعزم، واعتقاد وجوب الفعل واجبان على الفور.
فيقاس عليهما: الفعل، بجامع أن الأمر صدر بهما جميعاً.
فيجب - على هذا - فعل المأمور به على الفور.
المذهب الثاني: أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، بل يجوز تأخير
فعله أي: أن الأمر المطلق يقتضي الامتثال من غير تخصيص بوقت.
стр. 1302
وهو مذهب أكثر الحنفية، واختاره المغاربة من المالكية، وهو
مذهب أكثر الشافعية، ونسب إلى الإمام الشافعي، وهو رواية عن
الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قياس الزمان على الآلة، والمكان، والشخص،
بيان ذلك:
أن قولك: " اقتل " يلزم منه أمور ثلاثة: مكان يقتل فيه، وآلة
يقتل بها، وشخص يقتل، وقلنا ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يفعل القتل
بدون مكان، وآلة، وشخص يقتل، ويجزئ أي مكان وآية آلة،
وأي شخص بدون تحديد، فيصير ممتثلاً بقتل أي شخص في أي
مكان، وفي أية آلة.
فكذلك الزمان لم تتعرض له صيغة الأمر، ولكنه. يلزم لامتثال
الأمر؛ لأنه لا يمكن أن يمتثل الأمر إلا بزمن معين، فيصير المأمور
ممتثلاً إذا قتل بأي زمن، بدون تحديد.
جوابه:
إن قياس الزمان على الآلة، والمكان، والشخص قياس فاسد؛
لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن عدم تعيين الزمان لإيقاع الفعل يؤدي إلى
تفويته، وإضاعته، بخلاف عدم تعيين المكان والآلة والشخص، فإنه
لا يؤدي إلى تفويته؛ لأنه قد يكون في الزمن الأول مصلحة، أو
درء مفسدة لا تكون في الزمن الثاني أو الثالث، فلو أخره لفات
ذلك، بخلاف المكان والآلة والشخص، فإن المصلحة لا تختلف
باختلاف الأمكنة، والآلات، والأشخاص الكفار.
стр. 1303
الوجه الثاني: أن الزمان الأول أوْلى لفعل المأمور به فيه؛ بدليل
ما بيَّنا وذكرنا من الاحتياط، وتحقيق الإيجاب، والسلامة من
الخطر، والتيقن والقطع بأن المأمور قد خرج عن العهدة بخلاف
الأمكنة، فإنه لا مزية لأحدها على الآخر، وكذلك الأشخاص لا
مزية لأحدهم على الآخر، وكذا الآلات لا مزية لإحداها على
الأخرى.
الدليل الثاني: قياس الأمر على الخبر، بيان ذلك:
أنه إذا قال: " سأعطي زيداً درهماً "، فإنه إخبار عن إيقاع الفعل
في المستقبل، ويكون ممتثلاً إذا أعطى زيداً بأي وقت شاء بدون
تحديد، فكذلك الأمر فلو قال: " أعطني الكتاب "، فإنه طلب
الفعل في المستقبل بدون تعيين أي زمن له، ولهذا لما صد المشركون
المسلمين عام الحديبية قال عمر لأبي بكر ﵄:
أليس قد وعدنا اللَّه تعالى بالدخول بقوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) فكيف صدونا؛ فقال أبو بكر: " إن الله
تعالى وعدنا بذلك ولم يقل بأي وقت "، فهذا كله يقتضي أن الخبر
لا يقتضي الوقت الأول، فكذلك الأمر بجامع: أن الفعل فيهما
يكون في المستقبل.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن قياس الأمر على الخبر قياس فاسد؛ لأنه قياس
مع الفارق، والفرق بينهما من وجوه:
الوجه الأول: أن الخبر يحتمل الصدق والكذب، أما الأمر فلا
يحتمل ذلك؛ حيث إنه حث، ووجوب، واستدعاء.
стр. 1304
الوجه الثاني: أن الخبر من الحكيم لا يوجد إلا بعد أن قد تيقن
الحكيم أنه يكون المخبر على ما أخبر فيه، فلا غرر عليه في التأخير.
أما الأمر، فإنه يلزم المأمور فعلاً لا يعلم أي وقت يوقعه، فكان
إيقاعه في أول الوقت أحوط؛ لأمرين:
أولهما: أن في التأخير خطر وغرر؛ لأنه ربما فاجأه الموت قبل
الفعل فيأثم.
ثانيهما: أن الآمر لو أراد التأخير لأخر الأمر بالفعل.
الوجه الئالث: أن مقصود الخبر أن يكون صدقا، وأي وقت أخبر
به وفعله تحقق المقصود، أما الأمر فالمقصود: الإيجاب، والإيجاب
لا يتم إلا بالإيجاد، والتأخير إلى غير غاية، يلحقه بالنوافل، وهذا
لا يجوز.
الجواب الثاني: أن جميع الصحابة ومنهم عمر - رضي اللَّه عن
الجميع - فهموا التعجيل، ولهذا امتنعوا من نحر الهدي، وإنما
حمله أبو بكر على التراخي بقرينة: ثبوت صدق الرسول ﷺ وما يأتي به عن اللَّه، والتأخير والتراخي يجوز بقرينة، وهذا لا خلاف فيه، أما إذا تجرد عن القرائن فإنه يقتضي الفور.
الدليل الثالث: قياس الأمر على اليمين، بيان ذلك:
أنه لو قال: " واللهِ لأصومن "، فإنه يبر بيمينه إذا صام في أي
وقت شاء، فكذلك الأمر، فإذا قال: " افعل "، فإن المأمور يكون
ممتثلاً إذا فعل المأمور به في أي وقت فعله.
جوابه:
إن قياسكم الأمر على اليمين قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،
стр. 1305
ووجه الفرق
: أن اليمين خير فيها بين أن يفعل، أو لا يفعل ويكفر،
أما الأمر فإنه لم يخير المأمور بين الفعل وتركه.
الدليل الرابع: أن المأمور يسمى ممتثلاً إذا فعل المأمور به في أي
زمن، فتعيينكم الزمن الأول تحكم منكم لا دليل عليه.
جوابه:
إن قولنا: فعل المأمور به يجب أن يكون بعد صدور الأمر به
مباشرة لم يكن بلا أدلة، بل بادلة من النقل والعقل وإجماع أهل
اللغة واللسان كما سبق بيانه.
المذهب الثالث: التوقف في ذلك حتى يقوم دليل يرجح المراد هل
المقصود الفور، أو التأخير.
وهو اختيار بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
أن الأمر ورد استعماله في الفور مثل: الأمر بالإيمان، وورد
استعماله في التراخي كالأمر بالحج، والأصل في الاستعمال
الحقيقة، فكان الأمر حقيقة في كل منهما على انفراد، فهو مشترك
لفظي بين الفور والتراخي، فلا يفيد واحداً بخصوصه إلا بقرينة،
فإن لم توجد القرينة على أحدهما بخصوصه توقف في فهم المراد منه
حتى تقوم القرينة.
جوابه:
إن قولكم: " الأصل في الاستعمال الحقيقة " إنما يصح إذا كان
اللفظ لا يتبادر منه عند الإطلاق معنى من معانيه، أما إذا كان اللفظ
يتبادر منه معنى بخصوصه، فلا يقال ذلك.
стр. 1306
فلا يصح هذا القول فيما نحن فيه؛ لأن الأمر المطلق يتبادر منه
عند الإطلاق خصوص الفور، فكان اللفظ حقيقة فيما يتبادر منه،
مجازاً في غيره، والمجاز خير من الاشتراك اللفظي؛ وذلك لعدم
احتياجه إلى تعدد في الوضع والقرائن كما سبق.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذا معنوي؛ حيث تأثر بسبب هذا الخلاف كثير من
مسائل الفروع، ومنها:
١ - هل قضاء ما فات من رمضان يجب على الفور أو لا؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أن القضاء يجب على الفور، وإذا أخره بدون عذر
يأثم، ولا يجوز فعل النوافل من الصيام حتى يؤدي ما عليه من أيام
رمضان.
القول الثاني: أن القضاء لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره
بلا إثم، ويجوز فعل النوافل من الصيام وإن لم يقض ما عليه.
٢ - هل يجب الحج فور استطاعة المسلم، أو يجوز تأخيره؛
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الحج واجب على الفور، فلا يجوز تأخيره،
فإن أخره لغير عذر فقد أثم؛ لقوله تعالى: (ولله على الناس حج
البيت) ، والأمر للفور.
القول الثاني: أن الحج يجوز تأخيره بغير عذر؛ لأن الأمر لا
يقتضي الفور.
стр. 1307
٣ - إذا بلغ المال النصاب، وحال عليه الحول، فهل يجب
إخراج الزكاة على الفور أو لا؟ على قولين:
القول الأول: أن الإخراج يجب على الفور، وإن أخر ذلك فهو
آثم؛ لأن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وآتوا الزكاة) للفور.
القول الثاني: أن الإخراج لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره
بدون إثم؛ لأن الأمر لا يقتضي الفور.
стр. 1308
المطلب الرابع عشر هل يسقط الواجب المؤقت بفوات وقته ؟
إذا أمر الشارع بالفعل في وقت معين، فخرج الوقت ولم يُفعل
فهل يجب القضاء بأمر جديد، أو يجب القضاء بالأمر السابق؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته، وعلى
هذا: يكون القضاء يجب بالأمر السابق، ولا يحتاج إلى أمر
جديد، فلو لم يصل الفجر في وقتها، وطلعت الشمس فإنه يقضيها
بنفس الأمر الأول - وهو أمر الأداء -.
وهذا هو مذهب كثير من الحنفية - كالبزدوي، والخبازي،
والنسفي، واختاره القاضي عبد الجبار بن أحمد من المعتزلة، وهو
رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب كثير من الحنابلة كالقاضي أبي
يعلى، وابن قدامة، والحلواني، وهو الحق عندي؛ لأن الأمر أثبت
وجوب العبادة في ذمة المكلف، وكل ما ثبت وجوبه في الذمة، فلا
يمكن أن تبرأ الذمة منه إلا بشيئين هما:
أولهما: أن تؤدى تلك العبادة.
ثانيهما: أن يبرئه من كان له حق عليه من الآدميين، فلا تسقط
هذه العبادة إلا بأحد هذين الشيئين.
وبخروج الوقت لم يحصل الأداء، ولا الإبراء، فلم يسقط الوجوب.
فتكون الذمة مشغولة بهذا الوجوب، لا يزول هذا الشغل إلا
بمزيل له، وهو أحد الشيئين السابقين فقط.
стр. 1309
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن الوجوب إنما ثبت بشرط الوقت،
فإذا خرج الوقت سقط الوجوب؛ لأن شرطه قد زال.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الأمر قد اقتضى الوجوب، والوقت ظرف
لإيقاع الفعل فيه، وبعدم الظرف لا يسقط الوجوب.
الجواب الثاني: أنه قد ثبت الوجوب بشرط الوقت، ولم يسقط
بفوات الوقت، فلو قال: " لله عليّ أن أتصدق يوم الجمعة بعشرة
دراهم "، فلم يتصدق يوم الجمعة لم يسقط عنه النذر، وكان من
الواجب - على زعمكم -: أن يسقطه؛ لأن شرطه قد فات، فهنا
النذر يبقى في ذمته حتى يوفي به: خرج وقته أو لم يخرج.
المذهب الثاني: أن الواجب المؤقت يسقط بفوات وقته، ويحتاج
في القضاء إلى أمر جديد.
أي: أن الأمر المؤقت إذا لم يفعله المكلَّف حتى خرج وقته، فإنه
يحتاج في القضاء إلى أمر جديد.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية
وبعض الحنابلة كأبي الخطاب.
والمراد بالأمر الجديد هو: دليل منفصل مثل الإجماع، أو خطاب
جلي على وجوب فعل مثل الفائت خارج الوقت، أو قياس.
وليس المراد: أنه يتجدد عند فوات كل واجب الأمر بالقضاء؛
لأن زمن الوحي قد انتهى.
стр. 1310
دليل هذا المذهب:
قياس الزمان على المكان والأشخاص، بيان ذلك:
أن اللَّه أمر بالحج إلى مكان مخصوص.
فقد قيدت الأوامر بصفات معينة لا يجوز التساهل بها، فلو حج
لغير مكة لما صح ذلك الحج.
فكذلك الأمر بعبادة إذا علق في وقت معين معناه: تخصيص هذه
العبادة بهذا الوقت، فمثلاً لا يجوز الصيام في غير رمضان ولا تجوز
الصلاة بغير وقتها، قياسا على الأمكنة، والجامع: أن كلها قد
قيدت المأمور بصفة معينة لا يجوز مخالفتها، ولا العدول عنها.
فالعاري والمتجرد عن تلك الصفة لا يتناوله اللفظ، ولا يدخل في
مفهومه، بل يبقى على ما كان قبل الأمر، فلو فات الوقت المحدد
فإنه يسقط الواجب، ويحتاج إلى أمر جديد.
جوابه:
إن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق،
حيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين فعله بمكان معين،
والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن الزمان يتعلَّق بعضه ببعض، فالزمان الثاني تابع
للأول، فالواجب الذي ثبت في الزمن الأول - إذا لم يفعل - فإنه
ينسحب هذا الوجوب إلى الزمن الثاني، ثم الثالث وهكذا، ولا
تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه ولو في آخر العمر.
بخلاف المكان فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله
في مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر.
الوجه الثاني: أن المكان لا يفوت، فأمكن الفعل فيه، فلا يعدل
стр. 1311
إلى غيره إلا أن تعذر الفعل فيه بأن صار لجة بحر، فيجوز الفعل في
غيره.
بخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه يلزم على المذهب الأول: أن قضاء
العبادة يجب بالدليل الذي وجب به أدائها، فيكون دليل القضاء هو
نفسه دليل الأداء، فمن ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها يلزمه
القضاء بالأمر الأول بالنص، فيكون الأمر الأول اشتمل على أمرين
هما: " الفعل أداء "، والثاني: " الفعل قضاء إن فاته الأداء ".
ويلزم على المذهب الثاني عدم جواز قضاء العبادة بالدليل الذي
وجب به أدائها، واختلف هؤلاء - أعني أصحاب المذهب الثاني -
فيمن ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها هل يلزمه قضاؤها على
قولين:
القول الأول: أنه لا يلزمه قضاؤها؛ لأن القضاء يحتاج ويفتقر
إلى أمر جديد، ولم يرد فيه شيء.
القول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها؛ لأنه
ورد دليل على وجوب القضاء بأمر جديد، واختلف هؤلاء في تعيين
هذا الأمر الجديد عنى رأيين هما:
الرأي الأول: أن الأمر الجديد هو قوله ﷺ :
"فدين اللَّه أحق بالقضاء".
الرأي الثاني: أن الأمر الجديد قياس تارك الصلاة عمداً على
النائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما،
وهو قوله ﷺ :
"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "،
وتارك الصلاة مثله.
стр. 1312
ْ المطلب الخامس عشر امتثال الأمر هل يحصل به الإجزاء ويسقط القضاء ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن امتثال الأمر يحصل به الإجزاء، ويسقط
القضاء.
أي: أن الأمر يقتضي وقوع الإجزاء بفعل المأمور به إذا امتثل وفعل
المأمور على الصفات والشروط التي أمر الشارع بها.
فالمكلف إذا أتى بالمأمور به على الوجه المشروع يستلزم الإجزاء.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن الأصل براءة الذمة من جميع التكاليف، فإذا
أمر المكلف بفعل شيء فإن ذمته تكون مشغولة بهذا المأمور به، أي:
أن الأمر اقتضى الوجوب في الذمة، ولا يمكن أن تبرأ ذمته إلا بأحد
طريقين:
الأول: أداء وفعل المأمور به على الوجه المشروع.
الثاني: إبراء المكلف مما عليه من الديون - مثلاً - وهذا خاص
با لآدميين.
فإذا كان المأمور به واجباً مما أوجبه اللَّه عليه: فلا تبرأ ذمته، ولا
يخرج عن العهدة إلا بالإتيان به وفعله، فإذا فعله على الوجه
المشروع تكون ذمته بذلك بريئة من هذا التكليف كما كانت في
الأصل، فدل على أن امتثال الأمر يحصل به الإجزاء، وإسقاط
القضاء، وإبراء الذمة.
стр. 1313
الدليل الثاني: أن المأمور بفعل شيء وفعله على الوجه المشروع إذا
قيل له: " هل فعلت ما أمرت به؟ " حسن أن يقول: " نعم
فعلت " ويكون خبره صدقا، فلو كان امتثال الأمر لا يحصل به
الإجزاء وليس مسقطا للقضاء لكان خبره غير صدق.
الدليل الثالث: أنه لو كان امتثال الأمر لا يحصل به الإجزاء ولا
بسقط القضاء ولا يخرج عن العهدة: للزم من ذلك الامتثال طول
عمرة: فمثلاً: لو قال: " صم " فامتثل المأمور وصام يوما واحداً
- كما اقتضت صيغة الأمر:: فإنه - مع الامتثال - يجب القضاء؛
حيث إن الأمر لا زال متوجها إليه بصوم يوم كما كان متوجهاً إليه
قبل الامتثال، فيكون فعل المأمور به لازما له طول عمره، وهذا
خلاف ما أجمع عليه العلماء.
المذهب الثاني: أن امتثال الأمر لا يمنع من وجوب القضاء،
فامتثال الأمر لا يسقط القضاء.
وهو مذهب بعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار بن أحمد، وأبي
هاشم..
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: إن قولنا: " يجزئه " معناه: أنه لا يجب عليه
القضاء، وقد علمنا أنه غير ممتنع أن يأمر الحكيم بفعل من الأفعال،
ويقول: إذا فعلتموه فقد فعلتم الواجب، واستحققتم الثواب،
وعليكم القضاء، وهناك أمثلة في الشرع تؤيد ذلك، ومنها:
١ - أن المسلم إذا فسد حجه فإنه مأمور بأن يكمله ويمضى فيه،
مع أنه يجب عليه قضاؤه في السنة القادمة.
٢ - أن المسلم قد أمر أن يصلي بغير طهارة إذا عدم الماء والتراب،
ثم يجب قضاء تلك الصلاة إذا وجد الماء أو التراب.
стр. 1314
٣ - أن المسلم إذا ظن أنه على طهارة وهو في آخر الوقت، فإن
الصلاة واجبة عليه، وهو مأمور بها، ومع ذلك فعليه قضاؤها إذا
علم أنه كان على غير طهارة.
٤ - أن المكلَّف مأمور بالإمساك في الصوم الفاسد كأن يصوم يوما
على أنه من شعبان، فتبين أنه من رمضان، فهذا إذا صامه فإنه يؤجر
عليه، ومع ذلك يجب قضاؤه.
جوابه:
إن المأمور إذا فعل المأمور به على الوجه الشرعي: فإن ذلك يمنع
لزوم القضاء؛ لأن القضاء للعبادة المؤقتة هو: فعلها بعد خروج
وقتها المحدد شرعاً، ويكون ذلك لأحد أمرين هما:
١ - إما لأن العبادة ما فعلت أصلاً.
٢ - أو فعلت على وجه الفساد.
وكل من الأمرين غير حاصل؛ لأن المأمور بالعبادة قد فعلها في
وقتها بكمال شروطها على الوجه المشروع، فلم يُتصوَّر لزوم القضاء.
أما إذا حصل أحد الأمرين فلا شك أنه يجب عليه القضاء، وإن
كان فاعلاً له، فالحج الفاسد، والصوم الفاسد، والصلاة الفاسدة
فلا نسلم أن القائم بها قد امتثل الأمر؛ لأنه لم يأت بها على ما
اقتضاه الأمر؛ حيث إنه أوقعها فاسدة، فلم يأت بها على الوجه
الشرعي، فيبقى التعبد الواجب بالأمر في ذمته، ولن تبرأ هذه الذمة
من الأمر إلا إذا تدارك الخلل، وقضاها على الوجه المشروع.
أما إذا أتى بالحج والصوم والصلاة كاملة ومستوفية لجميع شروطها
فإن ذمته تبرأ بذلك الإتيان والامتثال، فلا يعقل مع ذلك إيجاب
القضاء.
-
стр. 1315
الدليل الثاني: أن القضاء يجب بأمر جديد - كما هو مذهب أكثر
العلماء، كما قلنا سابقا - وإذا كان الأمر كذلك فلا دلالة للأمر على
امتناع التكليف بمثل فعل ما أمر به، فلا يكون الأمر مقتضيا له.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن القضاء يجب بأمر جديد - كما هو
مذهبنا كما سبق بيانه - حيث إننا قد صححنا: أن القضاء يجب
بالأمر السابق، ولا يحتاج إلى أمر جديد.
الجواب الثاني: إن سلمنا صحة أن القضاء يجب بأمر جديد، فإن
القضاء إنما سمي بذلك، لأنا نقضي العبادة التي فات وقتها، ولم
نفعلها، لذلك قلنا في حقيقة القضاء: " إنه فعل الشيء بعد خروج
وقته شرعاً "، وقد سبق بيانه، وهذا هو الذي نتفق معكم على
تسميته قضاء، فإن لم يكن كذلك فلا يمكن أن نسميه قضاء.
أما إذا وقع الفعل صحيحا لا خلل فيه ثم فعل مرة أخرى، فلا
يُسمى ذلك قضاء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لأنه إن كان المراد لزوم الإتيان بمثله فهي
مسألة: " الأمر المعلق يقتضي التكرار "، والخلاف فيها كما سبق،
وعلى هذا فالأول يجزئ عن الآخر.
وإن كان المراد: أن الفعل الأول فيه خلل ولم يقع الموقع فهو غير
مجزئ، ويجب القضاء بالاتفاق.
стр. 1316
المطلب السادس عشر الأمر بالأمر بالشيء هل يكون
أمراً بذلك الشيء أو لا ؟
ومثاله: لو قال زيد لبكر: " مر عمراً بأن يشتري لي كذا " فهل
يكون زيداً آمراً عمراً بشراء تلك السلعة؟
اختلف في ذلك على
مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً به ما لم يدل
عليه دليل، أي: أن الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من
الأفعال لا يكون أمراً لذلك الغير بذلك الأمر.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أنه لو كان الأمر بالأمر بالشيء أمراً لذلك الغير:
لكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك: لكان أمره ﷺ لأولياء الصبيان بقوله: " مروهم بالصلاة لسبع " أمراً للصبيان بالصلاة من الشارع، ولكن هذا ليس أمراً للصبيان من الشارع ولا إيجابا عليهم؛ لأن الأمر موجه نحو الأولياء؛ حيث إنه أمر تكليف، ولذلك يذم
الولي بترك هذا الأمر شرعاً.
وأيضا لو كان ذلك أمراً. للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع،
وهذا غير متصور في حق الصبيان؛ لعدم فهمهم لخطاب الشارع،
ولقوله ﵊: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي
حتى يبلغ.. ".
الدليل الثاني: أنه يحسن أن يقول شخص للولي - الذي يرى أن
стр. 1317
لطفله على طفل غيره شيئاً -: " طالب بحقه "، ويقول للمدعي
عليه - إذا عرف أنه لا شيء على طفله -: " لا تطعه ومانعه "،
ولا يعد ذلك مناقضة في كلامه، ولو كان الأمر بالأمر بالشيء أمراً
لذلك الغير لوقع التناقض.
وكذلك يحسن أن يقول السيد لعبده سالم: " مر غانما بكذا "،
ويقول لغانم: " لا تطعه "، ولا يعتبر ذلك مناقضة في كلامه، ولو
كان ذلك أمراً لغانم لكان كانه قال: " أوجبت عليك طاعتي ولا
تطعني " وهو ظاهر التناقض.
المذهب الثاني: أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء من الآمر
الأول.
أي: أن الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الأفعال يكون
أمراً لذلك الغير بذلك الفعل، وهو مذهب بعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن نافعا قد روى عن عبد اللَّه بن عمر أنه طلق
امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ عن ذلك فقال له: " مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله
أن يطلق لها النساء ".
وجه الدلالة: أن العلماء أجمعوا على أن ذلك كان واجبا على
ابن عمر مع أن الأمر ورد إليه من أبيه عمر الذي كان مأموراً من قبل
الرسول ﷺ ، فهذا يدل على أن الأمر بالأمر بالشيء هو أمر بذلك الشيء، وإلا: لما وجب على ابن عمر ذلك.
стр. 1318
جوابه:
أن عمر وابنه ﵄ قد فهما أن مقصود رسول الله
ﷺ التبليغ لعبد اللَّه، لا أن أباه يأمر من عند نفسه، ولا نزاع أنه إذا فهم التبليغ أن الثاني يكون مأموراً بالأمر الأول.
الدليل الثاني: أنا نقطع بأن اللَّه تعالى إذا أمر رسوله بأن يأمر
الأُمَّة بشيء: أن الأُمَّة تكون مأمورة من اللَّه تعالى بذلك الشيء،
وحيث ثبت القطع بهذا: كان الأمر بشيء أمراً بذلك الشيء من
الآمر الأول.
جوابه:
إن القطع الذي قلتموه - هنا - لم يأت من خصوص الأمر،
وإنما جاء من جهة العلم بأن الرسول مبلغ عن اللَّه أوامره، فالرسول
ﷺ ليس آمراً، وإنما الآمر هو اللَّه تعالى.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض الفروع
الفقهية، ومنها:
١ - أن الرجل لو قال لابنه: قل لأمك: أنت طالق، فإن أراد
التوكيل فهذا واضح؛ فتطلق؛ لأن الابن يعتبر وكيلاً لأبيه في طلاق
أمه.
أما إذا لم يرد شيئاً:
فإنه يلزم على المذهب الأول - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء
ليس أمراً بذلك الشيء - فإنه لا يقع الطلاق.
ويلزم على المذهب الثاني - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء
стр. 1319
أمر بذلك الشيء - فإن الطلاق يقع؛ لأنه يكون كانه أمر بالطلاق
فينفذ.
٢ - لو قال زيد لبكر: مر عمراً أن يبيع هذه السلعة، ثم باعها
الثالث - وهو عمرو - قبل إذن الثاني - وهو بكر - بأن سمع زيداً
يقول ذلك - فهل هذا البيع صحيح؟
على المذهب الأول - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً
بذلك الشيء - لا يكون هذا البيع صحيحا.
أما على المذهب الثاني - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك
الشيء - يكون هذا البيع صحيحا.
стр. 1320
المطلب السابع عشر هل أمر النبي ﷺ المطلق أمر لأمته وأمر الأمَّة المطلق هو أمر للنبي ﷺ ، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر للنبي ﷺ هو أمر لأمته، وأمر الأمة هو أمر للنبي ﷺ ، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره، ولا يخرج أحد عن خطاب الآخر إلا بدليل.
وهذا مذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية، وأكثر الحنابلة، وهو
المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقال الإسنوي: " إنه ظاهر كلام
الشافعي "، وهو الحق عندي، وللاستدلال على ذلك لا بد من
ذكر حالات هذه المسألة الثلاث، وذكر أدلة كل حالة ليكون ذلك
أوضح في ذهن طالب العلم فأقول:
الحالة الأولى: إذا خاطب اللَّه تعالى نبينا ﷺ بالأمر بفعل عبادة بلفظ ليس فيه تخصيص كقوله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل) ،
و (يا أيها النبي اتق الله) ، و (يا أيها المدثر قم فأنذر) ، فإن أُمَّته
تشاركه في حكم ذلك الأمر والفعل حتى يدل دليل على تخصيصه
بذلك الحكم، ويدل على قولنا هذا ما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .
стр. 1321
وجه الدلالة: أنه لو كان الرسول ﷺ منفرداً بما يتوجه إليه من الأوامر الشرعية لما كان لتخصيصه بذلك اللفظ فائدة.
أي: أن الأصل والقاعدة: دخول الأُمَّة في الخطابات الموجهة إلى
النبي ﷺ ، ويدل على ذلك: أن الشارع إذا أراد تخصيصه بشيء فإنه يبين ذلك مثل هذه الآية، أما إذا لم يبين فالأمر يعمه ويعم جميع الأمة.
الدليل الثاني: أن بعض الصحابة يسأل الرسول ﷺ عن الأمر فيجيب عن حال نفسه، وهذا يدل على أنه لا فرق بينه وبينهم،
ومن ذلك:
١ - ما روته عائشة ﵂: أن رجلاً سأل النبي
ﷺ قال: " تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم "، فقال الرسول ﷺ .: " وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم ".
٢ - ما روته أم سلمة ﵂: أن امرأة قبلها زوجها
وهو صائم فأتت النبي ﷺ فقالت له ذلك، فقال النبي ﷺ : "ألا فأخبريها أني أفعل ذلك ".
فلو كان الحكم مختصا به لم يصلح فعله أن يكون جوابا لهم.
الدليل الثالث: أن الصحابة ﵃ إذا اختلفوا في
حكم من الأحكام الشرعية، فإنهم يرجعون إلى أفعال النبي ﷺ كرجوعهم إلى فعله في الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال،
ونحو ذلك.
فلو كان مخصوصا بحكم الشريعة لما صح رجوعهم إلى فعله
ﷺ ، فدل على مساواته بغيره في أحكام الشرع.
стр. 1322
الدليل الرابع: أن النبي ﷺ أشار إلى ذلك،
حيث قال: " إنما أسهوا لأسن "، فخطابه لا يختص به.
الحالة الثانية: إذا توجه الخطاب بالأمر إلى الصحابة - رضي الله
عنهم - والأمة فإن النبي ﷺ يدخل فيه كقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) ، وقوله ﵊: "يا أيها الناس قد
فرض عليكم الحج فحجوا " دلَّ على ذلك دليلان هما:
الدليل الأول: أن النبي ﷺ لما أمر الصحابة بالفسخ، قالوا: أتامرنا بالفسخ وأنت لا تفسخ، فقال: " لو استقبلت من أمري ما
استدبرت لجعلتها عمرة، ولحللت كما تحلون "،
وفي رواية عن ابن عمر أنه قال: لما أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نحل بعمرة قلنا: فما يمنعك يا رسول اللَّه أن تحل معنا؛ قال: " إني هديت ولبدت، فلا أحل حتى أنحر هديي ".
وجه الدلالة: أن ﷺ لم ينكر عليهم سؤالهم، بل أقرهم عليه؛ لأنه يُعرف أن الصحابة أرادوا - بسؤالهم - أن يُفسر لهم
انفراده عنهم بالحكم في هذه المرة، فلو لم يكن الرسول ﷺ داخلاً معهم في الخطابات الموجهة إليهم لما سألوه عن سبب عدم موافقته لهم، ولما أقرهم على ذلك، وبين لهم عذره وسبب عدم موافقته
لهم في هذا الحكم الخاص.
الدليل الثاني: قياس مشاركة الرسول ﷺ للصحابة على مشاركتهم له، بيان ذلك:
أنه ثبت بالأدلة أن الأُمَّة يشاركون النبي ﷺ في الحكم الذي وجه إليه - كما سبق في الحالة الأولى - فكذلك يقاس عليه: أنه يشارك أمته في الأحكام الموجهة إليهم ولا فرق؛ لأنه لو ثبت حكم في حق
стр. 1323
الصحابة انفردوا به دون ﷺ للزم من ذلك أن يثبت حكم خاص به دون الصحابة، وقد ثبت بطلان الأخير - وهو ثبوت حكم خاص به دون الصحابة - بالأدلة السابقة، وإذا بطل هذا فقد بطل الأول -
وهو ثبوت حكم في حق الصحابة انفردوا به دون النبي ﷺ .
وبذلك ثبت: أن الخطاب الموجه إلى - الصحابة يدخل فيه النبي
ﷺ .
الحالة الثالثة: إذا توجه الأمر إلى واحد من الصحابة فإنه يدخل
غيره من الصحابة في ذلك الأمر، ويشمملهم حكمه مثل: " رجم
ماعز "، و " قطع يد سارق رداء صفوان بن أمية "، ودل على ذلك
أدلة، ومنها:
الدليل الأول: إجماع الصحابة في أحكام الحوادث؛ حيث إن
الصحابة - بعد وفاة النبي ﷺ كانوا يرجعون إلى ما قضى به النبي ﷺ على أعيان وأشخاص منهم، فيأخذون تلك الأحكام المعينة ويعممونها له ولهم كرجوعهم في حد الزاني إلى قصة ماعز، وفي دية الجنين إلى حديث حمل بن مالك، وفي المفوضة إلى قصة بروع بنت واشق، وفي السكنى والنفقة إلى حديث فاطمة بنت قيس،
ونحو ذلك، ولم يقل أحد من الصحابة: إن كل حكم خاص بمن
خوطب به - فقط -؛ إذ لو كان لنقل، ولكن لم ينقل إلينا شيء
من ذلك، فكان ذلك إجماعا منهم على تساوي الجميع في تلك
الأحكام.
الدليل الثاني: أن قول الصحابي: " نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة " أمر يعم الصحابي الذي رآهَ النبي ﷺ يبيع بالمزابنة، ويعم غيره، وهذا بإجماع الصحابة؛ حيث احتجوا بهذا على تحريم بيع
стр. 1324
المزابنة، فلو كان الحكم مختصا بمن خوطب به فقط لما كان ذلك
عاما لجميع الصحابة، ومن بعدهم إلى قيام الساعة.
الدليل الثالث: أنه لو كان الحكم يختص بمن خوطب به من
الصحابة فقط، دون غيره من الصحابة: لكان ذلك أصلاً يعرفه كل
صحابي، وبناء عليه: لا يحتاج إلى أن ﷺ يخاطب بعض الصحابة ويخصصه بالخطاب، ويبين ذلك باللفظ مثل قوله لأبي بردة
في الجذع من الماعز: " يجزيك، ولا يجزي عن أحد بعدك "، فلو
كان الصحابي يختص بما خوطب به لما كان لقوله: " ولا يجزي
لأحد بعدك " فائدة.
الدليل الرابع: قياس هذا على الألفاظ الواردة في الكتاب
والسُّنَّة، بيانه:
أن الألفاظ الواردة في الكتاب والسُّنَّة من أوامر ونواهي إنما
خوطب بها أصحاب النبي ﷺ ،
وأجمع العلماء على أن كل خطاب موجه إلى الصحابة فهو موجه إلى غيرهم في جميع العصور إلى قيام الساعة، وإذا كان الأمر كذلك فمن باب أوْلى أن يكون الخطاب الموجه إلى واحد من الصحابة يدخل فيه غيره من الصحابة.
المذهب الثاني: أنه إذا توجه الأمر إلى واحد - مما ورد في تلك
الحالات - لم يدخل غيره فيه بإطلاقه، أي: أن الحكم يختص بمن
توجه إليه الأمر، ولا يدخل غيره فيه إلا بدليل يوجب التعميم.
وهو مذهب أكثر الشافعية، وبعض الحنابلة كأبي الحسن التميمي،
وأبي الخطاب.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قياس المتعبِّد على العبادة، بيان ذلك:
стр. 1325
أنه لو ورد الأمر بعبادة لم يتناول هذا الأمر بمطلقه عبادة أخرى،
فكذلك إذا توجه الأمر إلى شخص متعبَّد لم يدخل فيه متعبَّد آخر؛
لأن الأمر يتناول العبادة والمتعبَّد بها، فكما لا يتعدى أحدهما لا
يتعدى الآخر.
جوابه:
إن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن
الله تعالى إذا أمر بعبادة، فإنه أراد أن تقام تلك العبادة بذاتها؛
لمصلحة يعلمها، بخلاف المتعبَّد فإنه سبحانه إذا أمره بأن يفعل شيئا
فإنه لا يقصده هو بالذات، ولكن يقصد جميع المكلَّفين، إذا لم
يوجد دليل يخصصه؛ لأن النبي ﷺ مبعوث إلى الناس كافة، دون تخصيص بعض الأفراد دون بعض.
الدليل الثاني: قياس لفظ الخصوص على لفظ العموم، بيانه:
أن لفظ الخصوص ضد لفظ العموم، ثم إن لفظ العموم لا
يُحمل على الخصوص بمطلقه، فكذلك لفظ الخصوص لا يحمل
على العموم والاستغراق بمطلقه.
جوابه:
إن هذا - أيضا - قياس فاسد -؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه
الفرق: أن الخطاب وإن وجه إلى شخص فإنه يعم جميع الأشخاص؛
بناء على أن الشريعة عامة وشاملة لجميع المكلَّفين؛ حيث قال تعالى:
(وما أرسلناك إلا كافة للناس) ، وقال ﷺ :
" بعثت إلى الأحمر والأسود ".
وأما لفظ العموم إذا ورد فإنه جاء على أصله، فلا يصرف عن
هذا الأصل إلا بدليل.
стр. 1326
الدليل الثالث: قياس كلام الشارع على كلام المكلَّفين، بيانه:
أنه لا خلاف بين أهل اللغة: أن السيد إذا قال لعبد واحد من
عبيده: " افعل كذا وكذا " لم يدخل بقية عبيده في ذلك الأمر،
فكذلك إذا أمر اللَّه نبيه بأمر لم تدخل فيه الأُمَّة، وكذلك الأمر
للصحابي الواحد لا يعم غيره من الصحابة.
جوابه:
إن هذا - أيضا - قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه
الفرق: أن لفظ صاحب الشرع أدل على العموم من لفظ غيره
بدليل: أنه لو قال اللَّه تعالى لنبيه، أو قال ﷺ لبعض أُمته: "صم " لأنك صليت " دخل في ذلك كل مصل؛ اعتباراً بتعليله، أما
لو قال السيد لواحد من عبيده: " اسقني ماء؛ لأنك صليت " لم
يدخل غيره من عبيده المصلين في ذلك، ولو قال: " والله لا آكل
السكر؛ لأنه حلو " لم يدخل في يمينه غيره من الحلويات، فكلام
الشارع يختلف عن كلام المكلَّفين.
بيان نوع الخلاف:
لقد اختلف في الخلاف هنا هل هو معنوي أو لفظي على قولين:
القول الأول: إن الخلاف معنوي.
وهو الحق؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن دخول
الرسول ﷺ في الخطابات الموجهة إلى الأُمَّة، ودخول الأُمَّة في الخطابات الموجهة إلى الرسول ﷺ ، ودخول بقية الصحابة في الخطاب الموجه إلى فرد منهم: ثبت عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرج كل واحد من هؤلاء عن خطاب الآخر إلا بدليل خارجي.
стр. 1327
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن كل خطاب مختص
بمن وجه إليه ولا يدخل غيره إلا بدليل كقياس غير المخاطب على
المخاطب.
فعلى المذهب الأول: يكون دخول غير المخاطب عن طريق عموم
اللفظ والنص.
وعلى المذهب الثاني: يكون دخول غير المخاطب عن طريق
القياس.
والفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس
من وجهين:
الوجه الأؤل: أن الحكم الثابت عن طريق عموم اللفظ والنص
أقوى من الحكم الثابت عن طريق القياس.
الوجه الثاني: أن الحكم الثابت عن طريق عموم اللفظ والنص
ينسخ وينسخ به، أما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ ولا
ينسخ به؛ لأنه ثبت عن طريق الاجتهاد، والنسخ خاص بالنصوص.
القول الثاني: إن الخلاف لفظي، وهو ما أشار إليه إمام الحرمين.
دليل هذا القول:
أن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على أن الناس سواء في الشرع،
ولا فرق بين المخاطب وغير المخاطب إذا كان صالحاً له.
واتفقوا - أيضاً - على أن الخطاب الموجه إلى الواحد خاص به
عن طريق اللغة وااللسان.
فإذا كان هذا متفقا عليه فلا خلاف في المعنى، بل في اللفظ.
-
стр. 1328
جوابه:
إن جميع أصحاب المذهبين قالوا: إن غير المخاطب يدخل في
الحكم الخاص، وهذا متفق عليه بشرط صلاحيته له.
لكنهم اختلفوا هل هذا الدخول ثبت عن طريق عموم اللفظ
والنص أو قياس غير المخاطب على المخاطب.
فأصحاب المذهب الأول يقولون: إن دخول غير المخاطب ثبت
عن طريق اللفظ والنص، وأصحاب المذهب الثاني يقولون: إن
دخول غير المخاطب ثبت عن طريق القياس، وفرق بينهما كما بينا.
стр. 1329
المطلب الثامن عشر تعلق الأمر بالمعدوم
اتفق العلماء على أن المعدوم لا يطلب منه إيقاع المأمور به حال
عدمه؛ لأن هذا محال، فلا يتعلق به الأمر ما دام معدوما تعلقا
تنجيزيا.
واتفقوا - أيضا - على أن المعدوم إذا وجد وهو مستكمل لشرائط
التكليف، فإنه يطلب منه إيقاع المأمور به، وأنه يتوجه إليه الخطاب،
فيتعلق الأمر به.
ولكنهم اختلفوا في تعلق الأمر بالمعدوم الذي علم اللَّه - تعالى -
أنه سيوجده مستكملاً لشرائط التكليف على مذهبين:
المذهب الأول: الأمر يتعلَّق بالمعدوم على تقدير وجوده، ووجود
شروط التكليف فيه، فالأمر يتناول المعدومين الذين علم اللَّه تعالى
أنهم سيوجدون على صفة التكليف.
وهذا مذهب أكثر المالكية، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنابلة،
وكثير من الحنفية، ونسبه بعضهم إلى جمهور العلماء.
وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة والتابعين على أن الأمر متعلق
بالمعدوم، بيانه:
أن جميع الصحابة والتابعين كانوا يأخذون بأوامر اللَّه وأوامر رسوله ﷺ -
стр. 1330
ويطبقونها على من لم يوجد في زمان نزول تلك الأوامر،
ولم يحدث أن واحداً امتنع من ذلك التطبيق؛ إذ لو حدث لنقل،
ووصلنا، ولكن لم يكن شيء من ذلك، فصار إجماعا منهم على
أن الأوامر الشرعية تتناول من كان معدوما حال الخطاب بالأمر.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) .
وجه الدلالة: أنه لا خلاف أنه أريد بذلك جميع أُمَّته، فقد
خاطبهم وهم معدومين.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) .
وجه الدلالة: أن المعدوم قد بلغه الأمر إذا وجد، فدل على أن
الأمر يتعلق بالمعدوم.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا باتباع النبي ﷺ ، ولا خلاف في أنا مأمورون باتباعه، ولم نكن حين نزول الآية موجودين،
ومع ذلك فقد توجه الأمر إلينا بالتكليف، ومن لم يتبع الرسول ﷺ فقد كفر؛ لأن مخالفة الرسول ﷺ هي مخالفة لله، ومخالفة اللَّه كفر.
تنبيه: اختلف أصحاب هذا المذهب - وهم القائلون: إن الأمر
متعلق بالمعدوم - فيما بينهم - هل الأمر أمر إعلام، أو إلزام على
أقوال ثلاثة:
القول الأول: الأمر المتعلق بالمعدوم أمر إعلام، وليس أمر إلزام.
стр. 1331
القول الثاني: إن المعدوم ليس مأموراً مباشرة، وإنما يتناوله تبعا.
القول الثالث: إن الأمر المتعلق بالمعدوم أمر إلزام، وهو الحق
عندي؛ لأن أوامر الشرع في موضوعها ملزمة لا معلمة من غير
إلزام، وليست مجرد تابعة.
المذهب الثاني: أن الأمر لا يتعلق بالمعدومين، ولا يتناولهم،
وإنما يختص بالموجودين فقط.
وهو مذهب بعض الحنفية كالجصاص، وأكثر المعتزلة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المعدوم لا يُعتبر شيئاً، فأمره هذيان وعبث لا
فائدة فيه.
جوابه:
إن المعدوم يتعلق به الأمر بشرط: أن يكون في العلم أنه يوجد،
وهذا غير محال.
وأيضا فإن من عادة الناس أن يوصلوا إلى من يحدث من أولادهم
بالنظر إلى وقوفهم، وصرفها في وجوه يعينها الواقف، وإن كان
هؤلاء الأولاد في حال الوصاية معدومين، فهذا لا يمكن أن يكون
هذيانا وعبثا.
فالأمر تعلق بمأمور وجد في الثاني كما تعلقت الوصية بمن يحدث
في الثاني.
الدليل الثاني: قياس الأمر مع المأمور على القدرة مع المقدور،
بيانه:
стр. 1332
أنه إذا كانت القدرة لا يمكن أن تكون مع عدم المقدور، فكذلك
الأمر لا يمكن أن يكون مع عدم المأمور.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد؛ لأنا لا نُسَلِّمُ الأصل المقاس عليه؛ حيث
إن اللَّه سبحانه يوصف بأنه قادر قبل وجود المقدور، واذا بطل الأصل
فإنه يبطل الفرع المقاس عليه، فيبطل دليلكم.
الدليل الثالث: أن المعدوم يستحيل خطابه، وهو: توجيه الكلام
إليه بحيث يفهم ذلك الكلام ويسمعه، فإذا استحالت مخاطبته:
استحال أن يكلف بامتثال الأمر وفعله.
جوابه:
إنا لما قلنا: إن الأمر يتعلق بالمعدوم: لم نقل ذلك مطلقا، بل
بشرطين هما: " أن يوجد "، و " أن يكون قد استكمل شروط
التكليف " فخطابه بإيجاد الفعل حال عدمه مستحيل، أما توجيه
ْالأمر إليه بشرط الوجود فلا يكون مستحيلاً؛ لأنه يفعل في حال
وجوده ما أمر به سابقا، وعلى هذا يصح أن يكون مأموراً.
يدل على ذلك: أن الولد يصير مكلفا بوصية والده الذي لم يراه،
وملزما بها حتى إنه يوصف بالطاعة بالامتثال، ويوصف بالعصيان
بالمخالفة.
الدليل الرابع: قياساً المعدوم على الصبي والمجنون، بيانه:
أنه اتفق على عدم تعلق الأمر بالصبي والمجنون مع وجودهما،
فمن باب أوْلى: أن لا يتعلق الأمر بالمعدوم، والجامع: عدم فهم
الخطاب، وعدم معرفة الأمر والمأمور به، وأنه لا يقع منهم فعل
صحيح.
стр. 1333
جوابه:
أنا قلنا: إنه يصح أن يؤمر المعدوم بشرط أن يزول العدم، مثل:
الصبي والمجنون، فإنهما مأموران بشرط البلوغ والعقل.
اعتراض على هذا الجواب:
قال قائل - معترضاً -: هذا الجواب مخالف للنص وهو قوله
ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق ... "، فكيف تزعم أن الصبي والمجنون مأموران مع
أنهما قد رفع القلم عنهما بالنص؟!
جوابه:
إنه ليس المراد برفع القلم - في هذا الحديث - هو أنه لا يتوجه
إلى الصبي والمجنون أي أمر، بل المراد برفع القلم - هنا - هو:
رفع المأثم، ورفع الإيجاب المضيق.
أي: أن الصبي والمجنون - في حال الصبا والجنون - لا يأثمان
إذا تركا ذلك الأمر، وأن هذا الأمر المتوجه إليهما لا يراد منه التضييق
عليهما بالتنفيذ فوراً، وإنما يوجه الأمر الآن، وامتثاله يكون بعد
البلوغ والإفاقة.
يدل على ذلك: أنه قرن معهما النائم، فالنائم يتوجه إليه الأمر
حال نومه، ولكن الامتثال يكون بعد استيقاظه، فكذلك الصبي
والجنون مثله.
بيان نوع الخلاف:
قد يبدو أن الخلاف لفظي لاتفاق أصحاب المذهبين على أن المعدوم
مكلَّف إذا وجد وهو مستكمل لشروط التكليف.
стр. 1334
ولكن الحق أن الخلاف معنوي؛ لأمرين:
أولهما: أن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الأمر للمعدومين
ثبت عن طريق النص واللفظ.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا أن الأمر للمعدومين ثبت
عن طريق القياس.
وفرَّق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس
من وجهين ذكرناهما فيما سبق.
ثانيهما: أن السيد لو خاطب عبيده قائلاً: " ليقف كل واحد
منكم ساعة "، ثم اشترى عبداً جديداً فهل يدخل في ذلك؟
أصحاب المذهب الأول يقولون: نعم يدخل معهم بالنص.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقولون: إنه لا يدخل معهم إلا
بدليل.
стр. 1335
المطلب التاسع عشر هل يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف
لا يتمكن من فعله ؟
مثل: إذا أمر اللَّه تعالى عبده بالحج هذا العام، وهو يعلم أن هذا
المأمور يموت في شوال - أي قبل الحج - فهل يجوز ذلك؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف
لا يتمكن من فعل المأمور به.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الأمَّة مجمعة على
أن الصبي إذا بلغ فإنه يجب عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأموراً بشرائع
الإسلام منهياً عن الزنا والسرقة والقتل في الحال، فإذا عزم على
فعل المأمور بها، وعزم على ترك المنهي عنها: يكون مثابا على ذلك
متقربا إلى اللَّه بذلك، وإن لم يحضره وقت صلاة أو زكاة، ولا
حضر من يمكن قتله، أو الزنا بها، أو مال تمكن سرقته، ولكن
يعلم نفسه أنه مأمور ومنهي بشرط التمكن؛ لأنه جاهل بعواتب
أمره، وعلمه بأن اللَّه - تعالى - عالم بعاقبة أمره، وأنه لا يتمكن
من فعل المأمور به لا يدفع عنه وجوب هذا الاعتقاد.
المذهب الثاني: لا يجوز الأمر من الله - تعالى - بما يعلم أن
المكفَف لا يتمكن من فعل المأمور به.
وهو مذهب المعتزلة.
следующие страницы →